والثانى: وهو قول أبى اسحاق أنه لا يقسم لأنه اذا قسم بينهما تيقن الخطأ فى توريثهما وفى غير الميراث يجوز أن يكون المال مشتركا بينهما فقسم.
وان لم يعرف أصل دينه تعارضت البينتان سواء كانتا مطلقتين أو مؤرختين وفيهما قولان.
أحدهما: أنهما يسقطان.
فان كان المال فى يد غيرهما فالقول قول من فى يده المال.
وان كان فى يديهما كان بينهما.
وان قلنا أنهما يستعملان، فان قلنا يقرع أقرع بينهما.
وان قلنا يوقف وقف الى أن ينكشف.
وان قلنا يقسم قسم.
وقال أبو اسحاق لا يقسم، لأنه يتيقن الخطأ فى توريثهما.
والمنصوص أنه يقسم.
وما قاله أبو اسحاق خطأ لأنه يجوز أن يموت وهو نصرانى فورثه ابناه وهما نصرانيان ثم أسلم أحدهما وادعى أن أباه مات مسلما ليأخذ الجميع.
ويغسل الميت ويصلى عليه فى المسائل كلها ويدفن فى مقابر المسلمين وينوى بالصلاة عليه ان كان مسلما كما قلنا فى موتى المسلمين اذا اختلطوا بموتى للكفار.
وان مات رجل وخلف ابنين واتفق الابنان أن أباهما مات مسلما وان أحد الابنين أسلم قبل موت الأب واختلفا فى الآخر فقال أسلمت أنا أيضا قبل موت أبى فالميراث بيننا وأنكر الآخر فالقول قول المتفق على اسلامه لأن الأصل بقاؤه على الكفر.
ولو اتفقا على اسلامهما واختلفا فى وقت موت الأب، فقال أحدهما:
مات أبى قبل اسلامك فالميراث لى، وقال الآخر بل مات بعد اسلامى أيضا، فالقول قول الثانى، لأن الأصل حياة الأب.
وان مات رجل وخلف أبوين كافرين وابنين مسلمين فقال الأبوان مات كافرا، وقال الابنان مات مسلما فقد قال أبو العباس يحتمل قولين.
أحدهما: أن القول قول الأبوين، لأنه اذا ثبت أنهما كافران كان الولد محكوما بكفره الى أن يعلم الاسلام.
والثانى: أن الميراث يوقف الى أن يصطلحوا أو ينكشف الأمر، لأن الولد انما يتبع الأبوين فى الكفر قبل البلوغ فأما بعد البلوغ فله حكم نفسه.
ويحتمل أنه كان مسلما.
ويحتمل أنه كان كافرا فوقف الأمر الى أن ينكشف.
وجاء فى نهاية المحتاج (١): انه اذا
стр. 3467
ادعى عينا غائبة عن البلد وان كانت فى غير محل ولايته يؤمن اشتباهها كعقار وعبد وفرس معروفات بالشهرة أو بتحديد الاول سمع القاضى بينته، وحكم بها على حاضر وغائب، وكتب الى قاضى بلد المال ليسلمه للمدعى، كما يسمع البينة ويحكم بها على الغائب وغلب غير العاقل على خلاف القاعدة الاكثرية كقوله تعالى: «يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» (١)، فدعوى أنه خلاف الصواب غير صحيح.
ويعتمد فى معرفة العقار حدوده الاربعة أن لم يعرف الا بها، والا فالمعرفة فيه لا تتقيد بها، فقد يعرف بالشهرة التامة فلا يحتاج لذكر حد ولا غيره، وقد لا يحتاج لذكر حدوده الاربعة بل يكتفى بثلاثة وأقل منها.
ولهذا قال ابن الرفعة: ان تميز بحد كفى.
ويشترط ايضا ذكر بلده وسكنه ومحله منها، لا قيمته، لحصول التمير بدونها.
وان كانت العين لا يؤمن اشتباهها كغير المعروف مما ذكر.
فالاظهر سماع البينة على عينها وهى غائبة ليميزها بالصفة مع دعاء الحاجة الى اقامة الحجة عليها كالعقار والثانى: المنع لكثرة الاشتباه ويبالغ حتما المدعى فى الوصف للمثلى بما يمكن الاستقصاء به، ليحصل التميز به الحاصل غالبا بذلك.
وأشترطت المبالغة هنا دون السلم، لانها تؤدى الى عزة الوجود المنافية لصحته
ويذكر القيمة حتما ايضا فى المتقوم، لانه لا يصير معلوما بدونها.
واعلم أن ذكر القيمة فى المثلى والمبالغة فى وصف المتقوم مندوب كما قالاه هنا.
وأنما يجب وصف العين بصفة السلم دون قيمتها، مثلية كانت أو متقومة اذا كانت عينا حاضرة بالبلد يمكن احضارها مجلس الحكم.
والاظهر انه لا يحكم بما قامت البينة عليه، لان الحكم مع حظر الاشتباه والجهانة بعيد، والحاجة تندفع بسماع البينة اعتمادا على صفاتها والمكاتبة بها.
ومقابلة لا ينظر الى ذلك بل يكتب الى قاضى بلد المال بما شهدت به البينة.
فان ظهر الخصم ثم عينا اخرى مشاركة له بيده أو يد غيره اشكل الحال
وان لم يأت بدافع عمل الحاكم المكتوب اليه به حيث وجد بالصفة التى تضمنها الكتاب وحينئذ فيأخذه ممن هو عنده ويبعثه الى القاضى الكاتب
стр. 3468
ليشهدوا على عينه ليحصل اليقين.
ولكن الاظهر أنه لا يسلمه للمدعى الا بكفيل.
مذهب الحنابلة:
ذكر ابن رجب (١) فى قواعده: أن اشتباه المدعى عليه اذا كتب القاضى الى قاضى بلد آخر أن لفلان على فلان ابن فلان المسمى الموصوف كذا، فأحضره المكتوب اليه بالصفة والنسب، فادعى أن له مشاركا فى ذلك، ولم يثبت حكم عليه.
وان ثبت أن له مشاركا فى الاسم والصفة والنسب وقف حتى يعلم الخصم منهما، ولم يجز القضاء مع عدم العلم.
أما لو كان المدعى المكتوب فيه حيوانا أو عبدا موصوفا ولم يثبت له مشارك ففيه وجهان.
اشهرهما انه يسلم الى المدعى مختوم العنق، ويؤخذ منه كفيل، حتى يأتى القاضى الكاتب، فيشهد الشهود على عينه ويقضى له به، وان لم يشهدوا على عينه، وجب رده الى الحاكم الدى سلمه ويكون فى ضمان الذى اخذه، لانه اخذه بغير استحقاق.
والوجه الثانى لا يسلم الا بالشهادة على عينه.
والفرق بينهما وبين التى قبلها أن الحر قد طابق قول المدعى اسمه ونسبه وصفته فيبعد الاشتراك فى ذلك والعبد والحيوان انما حصل الاتفاق فى صفته او فى وصفه واسمه والوصف كثير الاشتباه وكذلك الاسم.
ونظير هذا ما ذكروه فى شهادة الاعمى أنه أن عرف المشهود عليه باسمه ونسبه قبلت شهادته.
وأن عرفه برؤيته قبل عماه فوصفه ففى قبولها وجهان، لان الوصف المجرد يحصل فيه الاشتراك.
وجاء فى كشاف (٢) القناع: أنه أن كان المدعى به عينا حاضرة فى المجلس عينها المدعى بالاشارة اليها لينتفى اللبس.
وان كانت حاضرة فى البلد لكن لم تحضر
стр. 3469
مجلس الحكم اعتبر احضارها للتعيين وازالة اللبس.
ويجب احضارها على المدعى عليه أن أقر أن بيده مثلها فيوكل به حتى يحضرها.
فمن ادعى عليه بغصب عبد وأقر أن بيده عبدا امره الحاكم باحضاره لتكون الدعوى على عينه.
وروى صاحب المغنى (١) عن أحمد انه لو اخذ رجل من رجلين ثوبين احدهما بعشرة، والاخر بعشرين، ثم لم يدر أيهما ثوب هذا، فادعى احدهما ثوبا من هذين الثوبين، وادعاه الاخر أقرع بينهما، فأيهما اصابته القرعة حلف، وكان الثوب الجيد له، والاخر للاخر.
وانما قال ذلك لانهما تنازعا عينا فى يد غيرهما.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٢): انه لو تداعى رجلان شيئا وليس فى ايديهما ولا بينة لهما اقرع بينهما على اليمين.
فأيهما خرج سهمه حلف وقضى له به
وهكذا كل ما تداعيا فيه مما يوقن بلا شك انه ليس لهما جميعا.
كدابة يوقن انها نتاج احدى دابتيهما.
لما روينا أن رجلين ادعيا بعيرا أو دابة فأتيا به النبى ﷺ ليس لواحد منهما بينة فجعله رسول الله ﷺ بينهما.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج (٣) المذهب: القول لمنكر اعواض المنافع، وهو المستعمل، لاتفاقهما ان تفويت المنافع كان بأذن المالك وهو يدعى اثبات العوض، لان الظاهر فى المنافع عدم العوض فيبين المالك.
والمراد بالمسئلة اذا لم يكن لصاحب الدابة ونحوها عادة بالاجارة، أو بالاعارة، بل ذلك اول ما فعل، او كان يعتاد الامرين على سواء، او التبس
فان بينا معا حكم ببينة العوض
стр. 3470
لانه يحتمل انه وقع عقد اجارة وعقد اعارة.
فأما لو اعتاد احدهما، أو كان احدهما هو الغالب فالقول من ادعى المعتاد والغالب.
أما لو اختلفا قبل الركوب هل ذلك اعارة او اجارة؟ فعلى مدعى الاجارة البينة ولو معتادا.
وكذلك العتق والطلاق، نحو ان يعتق عبده، أو يطلق زوجته او يعفو عن القصاص، واختلفوا هل بعوض ام بغير عوض.
فالقول لمنكر العوض ما لم تكن عادته او عادة اهل الناحية.
فان حلفت الزوجة فلا شئ عليها.
وهو بائن فى حقه فلا يرثها أن ماتت معتدة.
وان مات ورثته.
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف (١): انه اذا تعارضت البينتان على وجه لا ترجيح لاحداهما على الاخرى اقرع بينهما.
فمن خرج اسمه حلف واعطى الحق.
هذا هو المعول عليه عند اصحابنا.
وقد روى انه يقسم بينهما نصفين، وذلك لاجماع الفرقة على أن القرعة تستعمل فى كل امر مجهول مشتبه، وهذا داخل فيه.
والاخبار فى عين المسألة كثيرة اوردناها فى كتب الاخبار.
وروى سعيد بن المسيب رضى الله تعالى عنه أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فى أمر، وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم النبى ﷺ بينهما، وقال اللهم انت تقضى بينهما، وهذا نص.
وقد روى أنه قسم بينهما نصفين.
وروى ابو موسى الاشعرى قال: رجلان ادعيا بعيرا على عهد رسول الله ﷺ وبعث كل واحد منهما شاهدين، فقسمه النبى ﷺ بينهما نصفين.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل وشفاء العليل (٢):
стр. 3471
أنه ان ادعى حران ما بأيديهما ولم يبين كل منهما أنه له حلف كل للآخر أنه له لأن كلا منهما منكر واليمين على من أنكر وقسماه بينهما
فمن نكل أى تولى عن اليمين وتركها دفع عن الشئ وأعطى من حلف.
وذكر قومنا انه ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم فيها ايهم يحلف.
وان صورة الاشتراك فى اليمن أن يتنازع اثنان شيئا ليس فى يد احدهما، ولا بينة لاحدهما، بأن التبس الامر فيقرع بينهما.
فمن خرجت له القرعة حلف واستحقه
ويؤيد ذلك ما روى من طريق أبى رافع عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رجلين اختصما فى متاع، ولا بينة لواحد منهما، فقال ﷺ : استهما على اليمين ما كان احبا ذلك أو كرها.
وسواء فى ذلك العروض والاصول كما هو ظاهر المصنف والعاصمى.
وقيل: ذلك فيما يخشى فساده، كالحيوان والرقيق والطعام.
واما ما لا يخشى فساده كالدور فانه يترك حتى يأتى احدهما بأعدل مما يأتى به صاحبه الا أن طال الزمان ولم يأتيا بشئ فأنه يقسم لان تركه ضرر
وفى موضع (١) آخر وان التبس المدعى بالمدعى عليه بأن قال كل منهما امام الحاكم: أنا المدعى، والحال انه لا بيان لاحدهما امرهما بالارتفاع عنه، حتى يأتى احدهما بطلب الخصومة فهو المدعى.
وقيل: اذا لم يعرف المدعى اقرع بينهما.
وقيل: يبدأ بأيهما شاء.
أما اذا تزاحمت الخصوم فالسابق فالسابق الا المسافر وما يخاف فوته.
اما ان لم يعرف السابق ولا بيان عليه اقرع بينهم.
وينبغى للحاكم أن يوكل من يعرف الاول، واليه ذهب العاصمى.
حكم الاشتباه فى القضاء
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (٢): أنه اذا كان القاضى من اهل الاجتهاد واشكل عليه حكم الحادثة، استعمل رأيه فى ذلك وعمل به.
стр. 3472
والافضل أن يشاور اهل الفقه فى ذلك.
فان اختلفوا فى حكم الحادثة نظر فى ذلك فأخذ بما يؤدى الى الحق ظاهرا.
وأن اتفقوا على رأى يخالف رأيه عمل برأى نفسه أيضا، لان المجتهد مأمور بالعمل بما يؤدى اليه اجتهاده، فحرم عليه تقليد غيره، لكن لا ينبغى أن يعجل بالقضاء، ما لم يقض حق التأمل والاجتهاد، وينكشف له وجه الحق.
فاذا ظهر له الحق باجتهاده قضى بما يؤدى اليه اجتهاده.
ولا يكون خائفا فى اجتهاده بعد ما بذل مجهوده لاصابة الحق فلا يقولن: انى أرى، وانى اخاف، لان الخوف والشك والظن يمنع من اصابة الحق، ويمنع من الاجتهاد، فينبغى أن يكون جريئا جسورا على الاجتهاد، بعد أن لم يقصر فى طلب الحق، حتى لو قضى مجازفا لم يصح قضاؤه فيما بينه وبين الله .
وان كان من اهل الاجتهاد الا انه اذا كان لا يدرى حاله يحمل على أنه قضى برأيه ويحكم بالصحة حملا لامر المسلم على الصحة والسداد ما أمكن.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه (١): أنه اذا اشكل الحكم على القاضى، ولو كان مجتهدا احضر العلماء ندبا.
وقيل: وجوبا.
أو شاورهم ان لم يحضرهم.
وهذا فى الامور المهمة التى شأنها تدقيق النظر فيها.
وأما الاحكام الظاهرة فلا حاجة له باحضارهم، كما هو ظاهر.
قال ابن مرزوق: وظاهر قول خليل: انه مخير فى ذلك، وهو قول ثالث مخالف لما نقله غيره من ان فى المسألة قولين.
فقيل: انه يحضرهم مشاورا لهم، كفعل عثمان، فانه كان اذا جلس احضر اربعة من الصحابة ثم استشارهم فان رأوا ما رآه امضاه.
وقيل: انه يستشيرهم بعد فراغه من مجلس الحكم كفعل عمر.
والاول قول اشهب وابن المواز.
والثانى قول الأخوين.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٢) أن من المستحب أن
стр. 3473
يحضر مجلس القاضى الفقهاء ليشاورهم فيما يشكل.
لقول الله ﵎: «وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» (١).
قال الحسن أن كان رسول الله ﷺ عن مشاورتهم لغنيا.
ولكن اراد الله تعالى أن يستسن بذلك الحكام.
ولان النبى ﷺ شاور فى اسارى بدر.
فأشار ابو بكر رضى الله تعالى عنه بالفداء.
واشار عمر رضى الله تعالى عنه بالقتل.
وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن ابا بكر رضى الله تعالى عنه كان اذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة اهل الرأى والفقه دعا رجالا من المهاجرين، ورجالا من الانصار، ودعا عمر، وعثمان، وعليا، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبى بن كعب، وزيد ابن ثابت رضى الله تعالى عنهم، فمضى ابو بكر على ذلك.
ثم ولى عمر رضى الله تعالى عنه، وكان يدعو هؤلاء النفر.
فان اتفق امر مشكل شاورهم فيه.
فان اتضح له الحق حكم به.
فان لم يتضح أخره الى أن يتضح.
ولا يقلد غيره، لانه مجتهد فلا يقلد.
وقال ابو العباس أن ضاق الوقت وخاف الفوت بأن يكون الحكم بين مسافرين وهم على الخروج قلد غيره وحكم كما قال فى القبلة اذا خاف فوت الصلاة.
وان اجتهد فأداه اجتهاده الى حكم فحكم به ثم بان له أنه اخطأ.
فان كان ذلك بدليل مقطوع به كالنص والاجماع والقياس الجلى نقض الحكم لقول الله ﵎، «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ» (٢).
ولما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه انه قال: ردوا الجهالات الى السنة.
وكتب الى أبى موسى لا يمنعك قضاء قضيت به ثم راجعت فيه نفسك فهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فان الحق قديم لا يبطله شئ، وأن الرجوع الى الحق أولى من التمادى فى الباطل، ولانه مفرط فى حكمه غير معذور فيه فوجب نقضه.
стр. 3474
واذا حضر (١) خصوم واحد بعد واحد قدم الاول فالاول لان الاول سبق الى حق له فقدم على من بعده، كما لو سبق الى موضع مباح.
وان حضروا فى وقت واحد او سبق بعضهم واشكل السابق اقرع بينهم.
فمن خرجت له القرعة قدم لانه لا مزية لبعضهم على بعض فوجب التقديم بالقرعة كما قلنا فيمن أراد السفر ببعض نسائه.
فان ثبت السبق لاحدهم فقدم السابق غيره على نفسه جاز لان الحق له فجاز أن يؤثر به غيره.
وان تقدم الى الحاكم اثنان فادعى احدهما على الاخر حقا فقال المدعى عليه انا جئت به وانا المدعى. قدم السابق بالدعوى، لان ما يدعيه كل واحد منهما محتمل، وللسابق بالدعوى حق السبق فقدم.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (٢): انه اذا نزل بالقاضى الامر المشكل عليه مثله شاور فيه اهل العلم والامانة على معنى أن الحاكم اذا حضرته قضية تبين له حكمها فى كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله ﷺ ، او اجماع، أو قياس جلى، حكم، ولم يحتج الى رأى غيره، لقول رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه الى اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال بسنة رسول الله ﷺ ، قال: فان لم تجد؟ قال: اجتهد رأيى، ولا آلو، قال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضى رسول الله ﷺ .
فان احتاج الى الاجتهاد استحب له أن يشاور، لقول الله ﵎ «وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ».
قال الحسن: أن كان رسول الله ﷺ لغنيا عن مشاورتهم، وانما اراد ان يستن بذلك الحكام بعده.
وقد شاور النبى ﷺ اصحابه فى أسارى بدر، وفى مصالحة الكفار يوم الخندق، وفى لقاء الكفار يوم بدر.
стр. 3475
وروى ما كان احد اكثر مشاورة لاصحابه من رسول الله ﷺ .
وشاور ابو بكر الناس فى ميراث الجدة وعمر فى دية الجنين.
وشاور الصحابة فى حد الخمر.
وروى أن عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ منهم عثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، اذا نال به الامر شاورهم فيه، ولا مخالف فى استحباب ذلك.
قال احمد: لما ولى سعد بن ابراهيم قضاء المدينة كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما، وولى محارب بن دثار قضاء الكوفة فكان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما، ما احسن هذا لو كان الحكام يفعلونه، يشاورون، وينتظرون ولانه قد ينتبه بالمشاورة ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة، ولان الاحاطة بجميع العلوم متعذرة، وقد ينتبه لاصابة الحق ومعرفة الحادثة من هو دون القاضى، فكيف بمن يساويه او يزيد عليه؟
فقد روى أن أبا بكر الصديق رضى الله تعالى عنه جاءته الجدتان فورث أم الأم وأسقط أم الأب، فقال له عبد الرحمن ابن سهل: يا خليفة رسول الله لقد اسقطت التى لو ماتت ورثها وورثت التى لو ماتت لم يرثها، فرجع أبو بكر فأشرك بينهما.
والمشاورة هاهنا لاستخراج الادلة ويعرف الحق بالاجتهاد.
ولا يجوز أن يقلد غيره ويحكم بقول سواه سواء ظهر له الحق فخالفه غيره فيه أو لم يظهر له شئ، وسواء ضاق الوقت او لم يضق.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج (١) المذهب: انه يندب للحاكم استحضار العلماء فى مجلس حكمه، ليتراجعوا فيما فيما التبس امره، الا لتغيير حاله بحضورهم، فلا يستحضرهم، بل يشاورهم فى غير مجلس الحكم.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (٢): انه اذا وضح الحكم امام القاضى لزمه القضاء اذا التمسه المقضى له، فيقول: حكمت، او قضيت، أو انفذت، او مضيت، او التزمت، ولا يكفى ثبت عندى، أو أن دعواك
стр. 3476
ثابتة، وفى اخراج اليه من حقه، أو امره بأخذه العين، أو التصرف فيها قول، جزم به العلامة، وتوقف المصنف.
ويستحب له قبل الحكم ترغيبهما فى الصلح.
فان تعذر حكم بمقتضى الشرع.
فان اشتبه ارجأ حتى يتبين، وعليه الاجتهاد فى تحصيله.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): أن الحاكم اذا اشكل عليه الامر فى قضية رجع الى مشاورة العلماء.
لما روى أن أبا بكر قال لعمر رضى الله تعالى عنهما: اعلم انه ليس شئ اعظم عند الله من الحكم، وما عظمه فهو عظيم.
وانه ﷺ لما أمر بالحكم صاح صيحة، واشتد عليه، ثم سكن لامر الله فوفقه فحكم بما امره، وأنت اليوم يا عمر انما تحكم برأيك، وليس لك أن تترك حقوق الناس، ولا تلبس عليهم، فاحكم بما أمرتك به، وما اشكل عليك فأرجعه الى، فان الله يوفقنى كما اخبرنى نبى الله ﷺ .
وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال: من ابتلى منكم بقضاء فليقض بما فى كتاب الله.
فان لم يجد ذلك فى كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله ﷺ .
فان لم يجد ذلك فيما قضى به رسول الله ﷺ ، فليقض بما قضى به الصالحون.
فان لم يجد فليجتهد رأيه ولا يقل انى ارى وانى اخاف فان الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور متشابهات فدع ما يريبك الى ما لا يريبك.
وجاء فى موضع (٢) آخر: اختلف قومنا فى انفاذ القاضى ما كتب اليه قاض آخر مات أو عزل قبل انفاذه وان مات المنفوذ اليه او عزل انفذ من يلى بعده.
وان أتى الكتاب الى القاضى فلان ابن فلان الفلانى وفى تلك القبيلة رجلان أو ثلاثة على ذلك الاسم، واشكل عليه فلا يحكم على احدهم، حتى يتبين له فيمن كتبت له البطاقة منهم.
وكذلك ان مات واحد منهم وعاش الاخر، وقد كان فى تاريخه انه لم يكتبها
стр. 3477
الا بعد موته بزمان طويل فلا يشتبه ذلك عليه، وليحكم على الحى منهم.
وأن أتاه كتاب القاضى فيما اختلف فيه العلماء ولكنه لم يؤخذ بذلك القول فلا يحكم به، لان هذا القاضى هو الذى يحكم بينهم، ولا يحكم الا بما حكم قبل ذلك.
حكم الاشتباه فى الشهادة
مذهب الحنفية:
ذكر ابن عابدين فى حاشيته (١) على الدر المختار: أن الشاهد لو قال: اشهد بكذا فيما اعلم لم تقبل شهادته، كما لو قال: فى ظنى، وذلك لان قوله فيما اعلم أو فى ظنى يبطل الشهادة للشك أذ أن ركن الشهادة لفظ اشهد لا غبر لتضمنه معنى مشاهدة وقسم واخبار للحال، فكأنه يقول اقسم بالله لقد اطلعت على ذلك، وأنا اخبر به، وهذه المعانى مفقودة فى غيره، فتعين، حتى لو زاد قوله (فيما أعلم) بطل للشك.
وجاء فى الهداية (٢) وشروحها: أن الشاهد لو سمع من وراء الحجاب لا يجوز له أن يشهد.
ولو فسر للقاضى بأن قال: اشهد بالسماع من وراء الحجاب - فلا يقبله القاضى، لان النغمة وهى الكلام الخفى - تشبه النغمة والمشتبه لا يفيد العام فلم يحصل العلم - الا اذا كان دخل البيت وعلم انه ليس فيه احد سواه، ثم جلس على الباب، وليس فى البيت مسلك غيره، فسمع اقرار الداخل ولا يراه، فله أن يشهد.
قال فى الفتح: ونحوه ما فى الاقضية انه اذا ادعى على ورثة مالا فقال الشاهدان نشهد أن فلانا المتوفى قبض من المدعى صرة فيها دراهم ولم يعلما كم وزنها أن فهما قدرها، وأنها دراهم، وأن كلها جياد بما يقع عليه يقينهما بذلك.
فاذا شهدا (٣) به جاز.
стр. 3478
ولا يحل للشاهد اذا رأى خطه أن يشهد الا أن يتذكر الشهادة، لان الخط يشبه الخط فلم يحصل العلم، والمشتبه لا يفيد العلم كما تقدم.
قيل: هذا على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى.
وعندهما يحل له أن يشهد.
وقيل: عدم حل الشهادة بالاتفاق.
ولا يجوز للشاهد أن يشهد (١) بشئ لم يعاينه بأن لم يقطع به من جهة المعاينة بالعين أو السماع، الا فى النسب، والموت، والنكاح، أو ولاية القاضى، فانه يسعه أن يشهد بهذه الامور اذا اخبره بها من يثق به من رجلين عدلين، أو رجل وامرأتين، وهذا استحسان.
والقياس أن لا تجوز: لان الشهادة مشتقة من المشاهدة، وذلك بالعلم، ولم يحصل، فصار كالبيع.
ووجه الاستحسان أن هذه أمور تختص بمعاينة اسبابها خواص من الناس، ويتعلق بها احكام تبقى على انقضاء القرون، فلو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامع ادى الى الحرج وتعطيل الاحكام، بخلاف البيع، لانه يسمعه كل احد.
ومن شهد ولم يبرح (٢) حتى قال:
اوهمت بعض شهادتى فان كان عدلا جازت شهادته، ومعنى قوله: اوهمت اى اخطأت بنسيان ما كان يحق على ذكره او بزيادة كانت باطلة.
ووجهه أن الشاهد قد يبتلى بمثله لمهابة مجلس القضاء، فكان العذر واضحا فتقبل اذا تداركه فى اوانه، وهو عدل، بخلاف ما اذا قام عن المجلس ثم عاد، وقال: اوهمت، لانه يوهم الزيادة من المدعى بتلبيس وخيانة، فوجب الاحتياط.
وروى الحسن عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى: اذا شهد شاهدان لرجل بشهادة ثم زادا فيها قبل القضاء أو بعده وقالا: اوهمنا وهما غير متهمين قبل منهما.
وظاهر هذا أنه يقضى بالكل.
وعن أبى يوسف فى رجل شهد ثم جاء بعد يوم وقال شككت فى كذا وكذا، فان كان القاضى يعرفه بالصلاح تقبل شهادته فيما بقى، وأن لم يعرفه بالصلاح فهذه تهمة.
وعن محمد: اذا شهدوا بأن الدار للمدعى وقضى القاضى بشهادتهم، ثم قالوا: لا ندرى لمن البناء، فانى لا
стр. 3479
أضمنهم قيمة البناء وحده كما لو قالوا شككنا فى شهادتنا، وأن قالوا: ليس البناء للمدعى ضمنوا قيمة البناء للمشهود عليه.
فعلم بهذا أن الشهود لا يختلف الحكم فى قولهم شككنا قبل القضاء وبعده فى انه يقبل اذا كانوا عدولا، بخلاف ما اذا لم يكن موضع شبهة، وهو ما اذا ترك لفظ الشهادة او الاشارة الى المدعى عليه، او المدعى، او اسم احدهما، فأنه وان جاز بعد المجلس يكون قبل القضاء، لان القضاء لا يتصور بلا شرطه، وهو لفظة الشهادة والتسمية.
ولو قضى لا يكون قضاء.
وجاء فى موضع آخر (١) انه لا تقبل شهادة الاعمى، لان الاداء يفتقر الى التمييز بالاشارة بين المشهود له والمشهود عليه ولا يميز الاعمى الا بالنغمة، وفيه شبهة يمكن التحرز عنها بجنس الشهود، والنسبة لتعريف الغائب دون الحاضر.
وقال زفر ﵀ وهو رواية عن ابى حنيفة رحمه الله تعالى: تقبل فيما يجرى فيه التسامع، لان الحاجة فيه الى السماع، ولا خلل فيه.
وقال ابو يوسف يجوز اذا كان بصيرا وقت التحمل، لحصول العلم بالمعاينة، والاداء يختص بالقول، ولسانه غير مؤوف، والتعريف يحصل بالنسبة، كما فى الشهادة على الميت.
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير (٢): أن الشاهدين أن قالا بعد الاداء وقبل الحكم وهمنا أو غلطنا فى شهادتنا بدم او حق مالى، ليس الذى شهدنا عليه هذا الشخص، بل هو هذا لشخص غيره، سقطت الشهادتان معا.
الأولى: لاعترافهما بالوهم.
والثانية: لاعترافهما بعدم عدالتهما، حيث شهدا على شك.
وكذا بعد الحكم، وقبل الاستيفاء فى الدم، لا فى المال، فلا يسقط، بل يغرمه المشهود عليه للمدعى، ثم يرجع به عليهما.
ونقض الحكم أن ثبت بعده كذبهم أن امكن كما قال ابن الحاجب، وذلك قبل الاستيفاء فى القتل والقطع، فان لم يثبت الا بعد الاستيفاء لم يبق الا الغرم.
ولا يشهد شاهد على من لا يعرف
стр. 3480
نسبه حين الاداء او التحمل، او يعرف نسبه وتعدد، وأراد الشهادة على واحد من المتعدد، الا على عينه (١).
وليسجل القاضى بأن يكتب فى سجله من زعمت انها ابنة فلان.
أى أن البينة اذا شهدت بدين مثلا على عين امرأة، لعدم معرفة نسبها، واخبرت بأنها بنت فلان الفلانى، فليس للقاضى أن يسجل انها بنت فلان الفلانى، ما لم تشهد بينة بذلك.
وانما يسجل من زعمت او اخبرت او قالت انها بنت فلان، لاحتمال انتسابها لغير ابيها.
والرجل مثل المرأة، وخص المرأة لغلبة الجهل بها.
ومثل من جهل نسبه علمه حيث تعدد المنسوب لمعين، وأراد الشهادة على واحد من المتعدد، كمن له بنتان، فاطمة وزينب، وأراد الشاهد أن يشهد على فاطمة، والحال انه انما يعرف ان لفلان بنتين فاطمة وزينب، ولا يعلم عين هذه من هذه فلا يشهد الا على عينها، ما لم يحصل له العلم بها وان بامرأة.
وأما أن لم يكن للمعين الا بنت واحدة، ولا يعرف له غيرها وكان الشاهد يعلم أن هذه بنت فلان فهذه من معروفة النسب لان الحصر ظاهر فيها، ولا يشهد على من لا يعرف نسبه فى حال من الاحوال، الا فى حال تعين شخصه وحليته بحيث يكون المعول عليه من وجدت فيه تلك الاوصاف، لاحتمال أن يضع المشهود عليه اسم غيره على نفسه بدل اسمه.
والحاصل انه لا يجوز تحمل الشهادة ولا اداؤها على من لا يعرف نسبه، الا على شخصه وأوصافه المميزة له، بحيث يقول اشهد أن لزيد دينارا على الرجل او على المرأة التى صفتها كذا، أو اشهد ان المرأة التى صفتها كذا تزوجها او طلقها فلان.
ولا يجوز تحمل شهادة على امرأة متنقبة حتى تكشف عن وجهها ليشهد على عينها ووصفها، لتتعين للاداء.
وان قال الشهود اشهدتنا بدين مثلا متنقبة، وكذلك نعرفها على تلك الحالة، أى متنقبة، وأن كشفت وجهها لا نعرفها قلدوا أى عمل بجوابهم فى تعيينها أذ الفرض انهم عدول لا يتهمون وعلى الشهود وجوبا اخراجها أى اخراج امرأة شهدوا على عينها ولم يعرفوا نسبها بدين او نكاح او ابراء من بين نسوة خلطت بهن أن كلفوا باخراجها
стр. 3481
وقيل لهم عينوها، فان قالوا: هذه هى التى اشهدتنا عمل بشهادتهم.
وروى صاحب التاج (١) والاكليل:
عن سحنون أن الشهود لو شهدوا على امرأة بنكاح أو اقرار أو براءة وسأل الخصم ادخالها فى نساء، ليخرجوها، وقالوا:
شهدنا عليها عن معرفتها بعينها ونسبها، ولا ندرى هل نعرفها اليوم وقد تغيرت حالها، وقالوا: لا نتكلف ذلك فلا بد من أن يخرجوا عينها.
وأن قالوا: نخاف أن تكون تغيرت قيل لهم: أن شككتم وقد ايقنتم انها ابنة فلان وليس لفلان الا بنت واحدة من حين شهدوا عليها الى اليوم جازت الشهادة.
وجاء فى الحطاب (٢): وتجوز شهادة الاعمى على الاقوال اذا كان فطنا ولا يشتبه عليه الاصوات، ويتيقن المشهود له وعليه.
فان شك فى شئ من ذلك لم تجز شهادته.
ولا تقبل فى المرئيات الا أن يكون قد تحملها بصيرا، ثم عمى، وهو يتيقن عين المشهود عليه أو يعرفه باسمه ونسبه.
وقال ابن حجر: فى شرح البخارى فى كتاب الشهادات مال البخارى الى اجازة شهادة الاعمى، وهو قول الليث، سواء علم ذلك قبل العمى، او بعده.
وفصل الجمهور فأجازوا ما تحمله قبله لا بعده وكذا ما يتنزل فيه منزلة البصير كان يشهده شخص بشئ ويتعلق هو به الى أن يشهد به عليه.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٣) أنه تقبل الشهادة من أصم لحصول العلم بالمشاهدة، وعلم من كلامه عدم سماع الشهادة بقيمة عين الا ممن رآها، وعرف جميع أوصافها.
والأقوال كعقد وفسخ يشترط سمعها وأبصار قائلها حال صدورها منه، فلا يكفى سماعه من وراء حجاب، وان علم صوته، لان ما كان ادراكه ممكنا باحدى الحواس، يمتنع العمل فيه بغلبة الظن، لجواز تشابه الأصوات، وقد يحاكى الانسان صوت غيره فيشتبه به.
стр. 3482
نعم لو كان ببيت وحده وعلم بذلك جاز له اعتماد صوته وان لم يره.
كذا لو علم اثنين ببيت لا ثالث لهما وسمعهما يتعاقدان، وعلم الموجب منهما من القابل لعلمه بمالك المبيع ونحو ذلك، فله الشهادة بما سمعه منهما.
ولا يقبل أعمى لانسداد طريق المعرفة مع اشتباه الأصوات وامكان التصنع فيها، ومثله من يدرك الاشخاص ولا يميزها وانما جاز له وط ء زوجته اعتمادا على صوتها، لكونه أخف، ولذا نص الشافعى على حل وطئها اعتمادا على لمس علامة يعرفها فيها وان لم يسمع صوتها، وعلى أن من زفت له زوجته أن يعتمد قول امرأة:
هذه زوجتك، ويطؤها.
بل ظاهر كلامهم جواز اعتماده على قرينة قوية أنها زوجته، وان لم يخبره أحد بذلك الا أن يقر انسان لمعروف الاسم والنسب فى أذنه بنحو مال، أو طلاق أولا فى أذنه، بأن تكون يده بيده وهو بصير حال الاقرار فيتعلق به، حتى يشهد عند قاض به على الصحيح، لحصول العلم بأنه المشهود عليه وان لم يكن فى خلوة.
وتقبل شهادته أيضا بالاستفاضة كالموت وغيره مما يأتى اذا لم يحتج الى تعيين واشارة، وكذا فى الترجمة أو مع وضع يده على ذكر بفرج فيمسكهما حتى يشهد عليهما بذلك عند قاض، لانه أبلغ من الرؤية وفيما اذا كان جالسا بفراش غيره، فيتعلق به حتى يشهد عليه والثانى المنع حسما للباب.
ولو حمل الشهادة بصير، ثم عمى شهد، ان كان المشهود له والمشهود عليه معروفى الاسم والنسب، فقال: أشهد أن فلان ابن فلان فعل كذا، أو أقربه، لانه فى هذا كالبصير، بخلاف ما اذا لم يعرف ذلك وما بحثه الأذرعى من قبول شهادته على زوجته حال خلوته بها وعلى بعضه اذا عرف خلوه به للقطع بصدقه حينئذ محل توقف.
والفرق بينه وبين ما مر فى قولنا (نعم لو علمه ببيت الى آخره) ظاهر فان البصير يعلم أنه ليس ثم من يشتبه به، بخلاف الأعمى، وان اختلى به.
ومن سمع قول شخص أو رأى فعله، فان عرف عينه واسمه ونسبه أى أباه وجده شهد عليه فى حضور اشارة اليه، ولا يكفى مجرد ذكر الاسم والنسب، وشهد عليه عند غيبته المجوزة للدعوى عليه وموته باسمه ونسبه معا، لحصول التمييز بهما دون أحدهما، أما لو لم يعرف اسم جده فيجزئه الاقتصار على ذكر اسمه ان عرفه القاضى بذلك، والا فلا، كما أفاده فى المطلب جامعا به بين كلامهم الظاهر التنافى.
стр. 3483
ويكفى لقب خاص كسلطان مصر فلان بعد موته قال غيره وبه يزول الاشكال فى للشهادة على عتقاء السلطان والأمراء وغيرهم، فان الشهود لا تعرف أنسابهم مع ما يميزهم من أوصافهم وعليه العمل عند الحكام وارتضاه البلقينى وغيره (١).
فان جهل الاسم والنسب أو أحدهما ام يشهد عنه موته وغيبته، لانتفاء الفائدة به، بخلاف ما اذا حضر وأشار اليه، فان مات ولم يدفن أحضر ليشهد على عينه وان لم يترتب على ذلك نقل محرم ولا تغير له، أما بعد دفنه فلا يحضر وان أمن تغيره واشتدت الحاجة لحضوره خلافا للغزالى.
ولا يصح تحمل شهادة على منتقبة (بنون ثم تاء) للأداء عليها اعتمادا على صوتها.
كما لا يتحمل بصير فى ظلمة اعتمادا عليه لاشتباه الأصوات ولا أثر لحائل رقيق.
بخلاف ما اذا سمعها فتعلق بها الى قاض وشهد عليها فان ذلك يجوز كالاعمى بشرط أن يكشف نقابها ليعرف القاضى صورتها.
قال جمع: ولا ينعقد نكاح منتقبة الا ان عرفها الشاهدان اسما ونسبا، أو صورة.
أما لو تحملا على منتقبة بوقت كذا بمجلس كذا وشهد آخران أن هذه الموصوفة فلانة بنت فلان جاز وثبت الحق بالبينتين ولو شهد على امرأة باسمها ونسبها فسألهم الحاكم أتعرفون عينها أم اعتمدتم صوتها، لم تلزمهم اجابته، ومحله كما علم فى مشهورى الديانة والضبط، قاله الأذرعى والزركشى وغيرهما.
فان عرفها بعينها أو باسم ونسب جاز تحمله عليها، ولا يضر النقاب، بل لا يجوز كشف الوجه حينئذ.
ويشهد عند الأداء بما يعلم من اسم ونسب، فان لم يعرف ذلك كشف وجهها وضبط حليتها، وكذا يكشفه عند الأداء.
وله الشهادة بالتسامع حيث لم يعارضه أقوى منه كانكار المنسوب اليه أو طعن أحد فى الانتساب اليه.
نعم يتجه أنه لا بد من طعن لم تقم قرينة على كذب قائله على نسب لذكر، أو انثى كائن من أب وقبيلة كهذا ولد فلان، أو من قبيلة كذا، لتعذر اليقين فيهما، اذ مشاهدة الولادة لا تفيد الا الظن، فسومح فى ذلك.
قال الزركشى أو على كونه من بلد كذا المستحق من ريع الوقف على أهلها ونحو ذلك.
وكذا أم فتقبل بالتسامع على نسب
стр. 3484
منها فى الأصح، كالأب وان تيقن مشاهدة الولادة.
والثانى المنع، لامكان رؤية الولادة بخلاف العلوق.
وتقبل بالتسامع على موت على المذهب كالنسب.
وقيل فيه وجهان كالولاء وما فى معناه، لانه يمكن فيه المعاينة.
وجاء فى حاشية البجرمى (١): أنه قد تجوز الشهادة فى نحو الزنا والغصب بلا أبصار كأن يضع أعمى يده على ذكر رجل داخل فرج امرأة فيمسكهما، حتى يشهد عليهما عند قاض بما عرفه فيقبل فى ذلك.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (٢): أن الشهادة لا تجوز الا بما علمه بدليل قوله تعالى «إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ ٣ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» وقوله جل ذكره «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ٤» وتخصيصه لهذه الثلاثة بالسؤال لان العلم بالفؤاد وهو يستند الى السمع والبصر، ولان مدرك الشهادة الرؤية والسماع، وهما بالبصر والسمع.
وروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الشهادة قال «وهل ترى الشمس؟ قال نعم قال: على مثلها فاشهد أودع» رواه الخلال فى الجامع باسناده.
اذا ثبت هذا فان مدرك العلم الذى تقع به الشهادة اثنان الرؤية والسماع.
وما عداهما من مدارك العلم كالشم والذوق واللمس لا حاجة اليها فى الشهادة فى الأغلب.
فأما ما يقع بالرؤية فالأفعال كالغصب والاتلاف والزنا وشرب الخمر وسائر الأفعال.
وكذلك الصفات المرئية كالعيوب فى المبيع ونحوها فهذا لا تتحمل الشهادة فيه الا بالرؤية، لانه تمكن الشهادة عليه قطعا فلا يرجع الى غير ذلك.
وأما السماع فنوعان.
стр. 3485
أحدهما من المشهود عليه مثل العقود، كالبيع، والاجارة، وغيرهما من الأقوال، فيحتاج الى أن يسمع كلام المتعاقدين ولا تعتبر رؤية المتعاقدين اذا عرفهما وتيقن أنه كلامهما، وبهذا قال ابن عباس والزهرى، وربيعة، والليث، وشريح، وعطاء، وابن أبى ليلى، لانه عرف المشهود عليه يقينا، فجازت شهادته عليه، كما لو رآه، وجواز اشتباه الأصوات، كجواز اشتباه الصور.
وانما تجوز الشهادة لمن عرف المشهود عليه يقينا.
وقد يحصل العلم بالسماع يقينا، وقد اعتبره الشرع بتجويزه الرؤية من غير رؤية ولهذا قبلت رواية الاعمى ورواية من روى عن أزواج رسول الله ﷺ من غير محارمهن.
النوع الثانى وهو ما يعلمه بالاستفاضة، وأجمع أهل العلم على صحة الشهادة بها فى النسب والولادة.
قال ابن المنذر: أما النسب، فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه، ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به اذ لا سبيل الى معرفته قطعا بغيره ولا تمكن المشاهدة فيه، ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أماه ولا أحدا من أقاربه وقد قال الله تعالى «يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ١».
واختلف أهل العلم فيما تجوز الشهادة عليه بالاستفاضة غير النسب والولادة.
فقال أصحابنا: هو تسعة أشياء:
النكاح والملك المطلق، والوقف، ومصرفه، والموت، والعتق والولاء، والولاية، والعدل. وبهذا قال ابو سعيد الأصطخرى وبعض أصحاب الشافعى لان هذه الأشياء تتعذر الشهادة عليها فى الغالب بمشاهدتها، أو مشاهدة أسبابها، فجازت الشهادة عليها بالاستفاضة كالنسب.
وقال أحمد فى رواية المروزى: أشهد أن دار بختان لبختان وان لم يشهدك، وقيل له تشهد أن فلانة امرأة فلان ولم تشهد النكاح؟ فقال: نعم اذا كان مستفيضا فأشهد أقول أن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ ، وأن خديجة وعائشة زوجاه، وكل أحد يشهد بذلك من غير مشاهدة.
فان قيل: يمكنه العلم فى هذه الاشياء بمشاهدة السبب.
قلنا: وجود السبب لا يفيد العلم بكونه سببا يقينا، فانه يجوز أن يشترى ما ليس بملك البائع، ويصطاد صيدا صاده غيره، ثم انفلت منه، وان تصور ذلك فهو نادر.
وذكر القاضى فى المجرد أنه يكفى أن يسمع من اثنين عدلين، ويسكن قلبه الى خبرهما، لان الحقوق تثبت بقول اثنين.
стр. 3486
وجاء فى المغنى (١): والمرأة كالرجل فى أنه اذا عرفها وعرف اسمها ونسبها جاز أن يشهد عليها مع غيبتها، وان لم يعرفها لم يشهد عليها مع غيبتها.
قال أحمد فى رواية الجماعة لا تشهد الا لمن تعرف، وعلى من تعرف، ولا يشهد الا على امرأة قد عرفها، وان كانت ممن قد عرف اسمها، ودعيت، وذهبت، وجاءت فليشهد، والا فلا يشهد.
فأما ان لم يعرفها فلا يجوز أن يشهد مع غيبتها.
ويجوز أن يشهد على عينها اذا عرف عينها ونظر الى وجهها.
قال أحمد، ولا يشهد على امرأة حتى ينظر الى وجهها، وهذا محمول على الشهادة على من لم يتيقن معرفتها.
فأما من تيقن معرفتها وتعرف بصوتها يقينا فيجوز أن يشهد عليها اذا تيقن صوتها.
فان لم يعرف المشهود عليه فعرفه عنده من يعرفه، فقد روى عن أحمد أنه قال: لا يشهد على شهادة غيره الا بمعرفته لها.
وقال: لا يجوز للرجل أن يقول للرجل:
أنا أشهد أن هذه فلانة ويشهد على شهادته، وهذا صريح فى المنع من الشهادة على من لا يعرفه بتعريف غيره.
وقال القاضى: يجوز أن يحمل هذا على الاستحباب لتجويزه الشهادة بالاستفاضة وظاهر قوله المنع منه.
وقال احمد: لا يشهد على امرأة الا باذن زوجها، وهذا يحتمل أنه لا يدخل عليها بيتها، ليشهد عليها، الا باذن زوجها، لما روى عمرو بن العاص قال نهى رسول الله ﷺ أن يستأذن على النساء، الا باذن أزواجهن رواه احمد فى مسنده.
فأما الشهادة عليها فى غير بيتها فجائزة لان اقرارها صحيح وتصرفها اذا كانت رشيدة صحيح فجاز أن يشهد عليها به.
وجاء فى موضع آخر (٢): تجوز شهادة الأعمى اذا تيقن الصوت، روى هذا عن على، وابن عباس، وبه قال ابن سيرين، وعطاء، والشعبى والزهرى، لقول الله ﵎ «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ٣ مِنْ رِجالِكُمْ». وسائر الآيات فى الشهادة، ولانه رجل عدل مقبول الرواية، فقبلت شهادته كالبصير.
стр. 3487
وجاء فى قواعد ابن رجب (١): أن الشهادة بالمبهم تصح ان كان المشهود به يصح مبهما كالعتق والطلاق والاقرار والوصية، والا لم يصح لا سيما الشهادة التى لا تصح بدون دعوى فانها تابعة للدعوى فى الحكم، أما ان شهدت البينة أنه طلق أو أعتق أو أبطل وصية معينة وأدعت نسيان عينها ففى القبول وجهان حكاهما فى المحرر، وجزم ابن أبى موسى بقبول الشهادة بالرجوع عن احدى الوصيتين مطلقا.
وكذلك حكى عن أبى بكر ونقل ابن منصور عن أحمد فى شاهدين شهدا على رجل أنه أخذ من يتيم ألفا وشهد آخران على آخر أنه هو الذى أخذها، فان للولى أن يأخذ بأيهما شاء، ولعل المراد أنه اذا صدق احدى البينتين حكم له بها.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٢): ان ما يحتاج الى معاينة عند أداء الشهادة لا تقبل فيه شهادة الأعمى كثوب أو عبد، قال البعض الا أن يكون الثوب أو العبد فى يده من قبل ذهاب بصره، وأما ما لا يحتاج الى معاينة.
فان كان مما يثبت بطريق الاستفاضة كالنكاح والنسب والوقف والولاء والموت فانها تقبل شهادته فيه بكل حال، سواء أثبته قبل ذهاب بصره، أم بعده.
وان كان مما لا يثبت بطريق الاستفاضة، فان كان قد تحمل الشهادة فيه قبل ذهاب بصره، قبلت شهادته فيه كالدين والاقرار - وكذا لو ميزه بالحدود ونحوها.
وان كان أثبته بعد ذهاب بصره فانها لا تقبل شهادته فيه قيل.
وهذا مبنى على أن الشهادة على الصوت لا تصح.
فلو قلنا بصحتها قبلت.
وجاء فى التاج (٣) المذهب اذا كانت شهادة الشاهد مكتوبة بخطه أو بخط من يثق به من حاكم أو غيره، ولكن نسى تفصيل ما شهد به فى ذلك الأمر، فانه يكفى الناسى فيما عرف جملته والتبس تفصيله الخط ذكره فى شرح أبى مضر لان أمثال ذلك يتعذر ضبطها، ولولا التعذر لم يحتج الى القبالة، قال ولا خلاف فيه.
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام (٤): أن الأعمى
стр. 3488
تقبل شهادته فى العقد قطعا لتحقق الآلة الكافية فى فهمه.
فان انضم الى شهادته معرفان جاز له الشهادة على العاقد مستندا الى تعريفهما، كما يشهد المبصر على تعريف غيره.
ولو لم يحصل ذلك، وعرف هو صوت العاقد معرفة يزول معها الاشتباه.
قيل: لا تقبل، لان الأصوات تتماثل.
والوجه أنها تقبل، فان الاحتمال يندفع باليقين، لانا نتكلم على تقديره.
وبالجملة فان الأعمى تصح شهادته متحملا ومؤديا عن علمه وعن الاستفاضة.
ولو تحمل شهادة وهو مبصر ثم عمى، فان عرف نسب المشهود أقام الشهادة فان شهد على العين، وعرف الصوت يقينا جاز أيضا.
أما شهادته على المقبوض فماضية قطعا.
ومن وجد قتيلا (١) فى رخام على قنطرة أو بئر أو جسر أو مصنع فديته على بيت المال.
وكذا لو وجد فى جامع عظيم أو شارع.
وكذا لو وجد فى فلاة.
ولا يثبت اللوث فى شهادة الصبى ولا الفاسق ولا الكافر ولو كان مأمونا فى نحلته.
نعم لو أخبر جماعة من الفساق أو النساء مع ارتفاع المواطأة أو مع ظن ارتفاعها كان لوثا.
ولو كان الجماعة كفارا أو صبيانا لم يثبت اللوث، ما لم يبلغوا حد التواتر.
ويشترط فى اللوث خلوصه عن الشك.
فلو وجد بالقرب من القتيل ذو سلاح متلطخ بالدم مع سبع من شأنه قتل الانسان بطل اللوث لتحقق الشك.
وجاء فى العروة الوثقى (٢): أنه لو اشتبه الأمر على الشهود على وجه صاروا معذورين فالظاهر أنه لا بأس به.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٣): أن الشاهد اذا تحقق من البعض وتردد فى الزائد فيشهد بما تحقق ويترك الزائد المشكوك فيه، وهذه الصورة جائزة فى الديوان.
стр. 3489
فان أيقن الشهود من بعض الدين ولم يوقنوا من بعض آخر فانهم يشهدون بما تبين لهم من ذلك وأيقنوه.
وأما لو ارتاب الشاهد فى شهادته بحيث لم يتحقق منها شيئا فينبغى أن لا يجرى فيها خلاف.
وقد جزم فى الديوان بعدم جوازها حيث قال: ولا يجوز للشهود أن يشهدوا الا كما أخذوا الشهادة.
وان تشاكل مقدار الدين أو من أى جنس كان، أو تشاكل عليهم طول الأجل، أو ما أشبه هذا، فلا يشهدون، ولا يشتغلون بقول الخصم فى ذلك دون الآخر، وكذلك قول الشهود فيما بينهم لا يشتغلون بقولهم.
ومنهم من يقول يقتدى بعضهم ببعض فى ذلك.
وان أيقنوا ببعض الدين وتشاكل عليهم البعض الآخر، فانهم يشهدون بما تبين لهم من ذلك أقوال.
وفى التاج: ان نسى الشاهد وذكره من لا يشك فى قوله، كره له أن يشهد حتى يتذكر بنفسه.
واذا شهد الشهود بحق كدين ولم يحققوا مقداره أو عدده فمذهبنا الغاء تلك الشهادة.
واذا قال الشاهد (١) بعد أن شهد ذكرت كلمة كذا أو أتوهم أنى زدتها فيزيدها أو ينقصها مرارا، فما زاد أو نقص، فانه مقبول، ما لم يحكم به ويحكم بآخر ما شهد به، وان حكم بها قبل النزاع، ثم وقع النزاع مضى الحكم ولزمهما غرم ما زاد يعطيانه المشهود عليه.
وفى الديوان اذا رجع الشاهدان عن شهادتهما قبل أن يحكم الحاكم بطلت الا العتق والطلاق.
وقيل: لا يحكم فيهما بها وان قالا.
غلطنا أو نسينا أو تشاكل علينا كذا اشتغل بهما ما لم يحكم وان قالا ذلك بعد الحكم لم يشتغل بهما.
وقيل: لا يحكم، لأن (١) هذا ريبة.
وان قال المشهود عليه (٢) للحاكم سل الشاهدين من أين علما أن هذا الحق على أو للمشهود له فله أن يسألهما أو يترك قيل وكل من لم يعرفه الحاكم سواء كان ذكرا أو انثى ساترة الوجه أو لا يعرفها، ولو كشفته وأقر الخصم انه هو الذى شهد له عليه، فله أن يحكم عليه باقراره.
واذا أخبره العدلان أنها فلانة فلا يشهد أنها هى، ولكن يشهد، ويقول:
стр. 3490
أخبرنى بها العدلان، فان شهد بها لم يثبت.
وقيل: يثبت وقيل: اذا عرفها فى قلبه وزال عنه الريب.
ولو أبصرها قليلا جاز له أن يشهد.
وقيل اذا شهر اسمها فى البلد فأراه اياها عدلتان وشهدتا أنها هى جاز له أن يشهد.
وقيل: اذا أخبرته واحدة وشهدت له أخرى جاز.
وقيل: ان قال له ثقة ولو امرأة انها فلانة جاز كما أجاز بعضهم التعديل بواحد.
وقيل: ان أشهدتك من لا تشك فى معرفتها من خلف باب أو غيره وعرفتها جاز له لا ان لم تعرفها الا بصوت لتشابه الاصوات وقيه يجوز بالصوت.
وقيل لا يشهد الا على وجه مكشوف، وكذا الخلاف فى الحكم لها أو عليها.
وأجاز أبو مالك تحمل الشهادة ليلا بلا نار ولا قمر اذا تيقن الشاهد معرفة المشهود عليه، وتزوج رجل ليلا، فطلب الفسخ نهارا، واحتج أنه تزوج عند الظلام، مفأمر أبو مالك أن يؤدوا الشهادة ان تيقنوا بمعرفة الزوج.
ثم قال: (١): وذهب قوم منا بجواز شهادة الأعمى فى كل ما يعقل فيه صوت المتكلم ويميزه عن غيره لو جاء فى جملة ناس وتكلموا عزله بكلامه.
وفى الديوان وشهادة الأعمى جائزة فيما يدرك علمه بالصفة، سواء علمه قبل ذهاب بصره، أو بعد ذهابه، مثل النكاح، والطلاق، والعتق، والنسب، والاقرار فى الأنفس، وما دونها، والاقرار فى الأموال بالمعاملات والتعديات.
وقيل شهادة الأعمى جائزة فيما علمه قبل ذهاب بصره.
وأما ما علم بعد ذهاب بصره فلا تجوز شهادته فيه.
وأما صحيح البصر ان استشهد بالليل فانه يشهد بما تبين له من ذلك لا بما لم يتبين.
وفى الأثر وجازت الشهادة من أعمى فيما يستدل عليه بالخبر المشهور، كالموت، والنسب، والنكاح مما لا يشك فيه اذا كان فى أهل بيت نشأ فيه حتى كان كأحدهم ولم يتهم.
стр. 3491
الاشتباه فى الايمان والنذور
مذهب الحنفية:
قال ابن نجيم فى الاشباه والنظائر: (١)
من شك هل حلف بالله أو بالطلاق أو بالعتاق فحلفه باطل.
قال الحموى أى فلا شئ عليه.
أما الطلاق والعتاق فانهما لا يقعان بالشك.
وأما الحلف بالله فلأن الأصل براءة الذمة فلا تجب الكفارة بالشك.
وفى اليتيمة اذا كان يعرف أنه حلف ملعقا بالشرط، ويعرف الشرط، وهو دخول الدار ونحوه، الا أنه لا يدرى أن كان حلفه بالله، أم كان بالطلاق، فلو وجد الشرط فانه حينئذ يحمل على اليمين بالله تعالى، ان كان الحالف مسلما.
وانما يحمل على اليمين بالله تعالى، لأن الحلف بالطلاق والعتاق غير مشروع، فيجب حمل المسلم على الاتيان بالمشروع، دون المحظور.
ومن قيل له: كم يمينا عليك قال:
أعلم أن على ايمانا كثيرة غير انى لا أعرف عددها حمل على الأقل حكما، وأما الاحتياط فلا نهاية له.
وجاء فى بدائع الصنائع: (٢): انه اذا اختلط المحلوف عليه بغير جنسه كمن حلف لا يذوق من هذا اللبن شيئا، أو لا يشرب منه فصب فيه ماء فذاقه أو شربه، فان كان اللبن غالبا حنث، لأنه اذا كان غالبا يسمى لبنا.
واعتبار الغلبة بلا خلاف بين أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.
غير أن أبا يوسف اعتبر الغلبة فى اللون والطعم لا فى الاجزاء فقال: ان كان المحلوف عليه يستبين لونه أو طعمه حنث، وان كان لا يستبين له لون ولا طعم لا يحنث، سواء كانت أجزاؤه أكثر، أو لم تكن.
واعتبر محمد غلبة الاجزاء.
وقال أبو يوسف: فان كان طعمهما واحدا، أو لونهما واحدا، فأشكل عليه، تعتبر الغلبة من حيث الاجزاء.
فان علم أن أجزاء المحلوف عليه هى الغالبة يحنث.
стр. 3492
وان علم أن أجزاء المخالط له أكثر لا يحنث.
وان وقع الشك فيه ولا يدرى ذلك فالقياس أن لا يحنث، لأنه وقع الشك فى حكم الحنث فلا يثبت مع الشك.
وفى الاستحسان يحنث، لأنه عند احتمال الوجود والعدم على السواء، فالقول بالوجود أولى احتياطا، لما فيه من براءة الذمة بيقين، وهذا يستقيم فى اليمين بالله تعالى، لان الكفارة حق الله تعالى، فيحتاط فى ايجابها.
فأما فى اليمين بالطلاق والعتاق فلا يستقيم، لأن ذلك حق العبد، وحقوق العباد لا يجرى فيها الاحتياط، للتعارض، فيعمل فيها بالقياس.
ولو حلف لا يأكل سمنا فأكل سويقا قدلت بسمن ولا نية له ذكر محمد رحمه الله تعالى فى الأصل: أن أجزاء السمن اذا كانت تستبين فى السويق، ويوجد طعمه يحنث وان كان لا يوجد طعمه ولا يرى مكانه لم يحنث، لأنها اذا استبانت لم تصر مستهلكة، فكأنه أكل السمن بنفسه منفردا، واذا لم تستبن فقد صارت مستهلكة فلا يعتد بها.
وروى المعلى عن محمد: انه كان السمن مستبينا فى السويق، وكان اذا عصر سال السمن حنث، وان كان على غير ذلك لم يحنث.
وجاء فى الاشباه والنظائر (١): أن الناذر لو شك فى المنذور هل هو صلاة، أم صيام، أو عتق، أو صدقة، ينبغى أن تلزمه كفارة يمين أخذا من قولهم: لو قال: على نذر فعليه كفارة يمين، لأن الشك فى المنذور كعدم تسميته.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه (٢): أن الحالف يؤمر بانفاذ الايمان المشكوك فيها من غير قضاء.
فلو حلف وحنث وشك، هل حلف بطلاق، أو عتق، أو مشى، أو صدقة، فليطلق نساءه، ويعتق رقيقه، ويمشى لمكة، ويتصدق بثلث ماله، يؤمر بذلك كله من غير قضاء، قاله فى المدونة.
ولا يؤمر بالفراق ان شك هل حصل منه ما يوجب الطلاق، كما لو شك هل قال: أنت طالق أم لا، أو شك هل حلف وحنث أو لا، أو شك فى حلفه على فعل غيره هل فعله أم لا، الا ان يستند فى شكه بشئ يدل على فعل المحلوف عليه، وهو سالم الخاطر من الوسواس،
стр. 3493
كرؤية شخص داخلا فى دار وقد كان حلف أن زيدا مثلا لا يدخلها فشك فى كون الداخل زيدا المحلوف عليه أو هو غيره وغاب عنه بحيث يتعذر تحقيقه، فيؤمر بالطلاق اتفاقا.
وهل يجير عليه وينجز أو يؤمر بلا جبر تأويلان.
فان كان غير سالم الخاطر، بأن استنكحه الشك فلا شئ عليه.
وأما ان ظن أنه طلق وقع عليه.
وأما لو شك هل اعتق أو لا فانه يلزمه العتق، لتشوف الشارع الى الحرية وبغضه للطلاق.
ولم ينظروا للاحتياط فى الفروج وقد أتوا هنا على القاعدة من الغاء الشك فى المانع، لأن الطلاق مانع من حلية الوط ء، لأن الاصل عدم وجوده بخلاف الشك فى الحدث لسهولة الأمر فيه.
ثم قال: (١) ولا كفارة فى كل يمين غموس تعلقت بماض، وذلك بأن يشك الحالف فى المحلوف عليه، أو يظن ظنا غير قوى.
وأولى أن تعمد الكذب وحلف شاكا أو ظنا أو متعمدا للكذب، واستمر على ذلك بلا تبين صدق، فان تبين صدقه لم تكن غموسا، وفيه نظر، وكذا ان قوى الظن، لقول خليل فى الشهادات، واعتمد البات على ظن قوى.
وكذا اذا قال فى يمينه فى ظنى، كما لو شك فى مجئ زيد أمس، وعدم مجيئه، ثم حلف مع شكه أنه قد جاء أو ظن أنه جاء وحلف أنه جاء، ولم يتبين صدقه بأن تبين أن الأمر على خلاف ما حلف، وانه لم يجئ، أو بقى على شكه، ومن باب أولى ما اذا علم عدم مجيئه وحلف أنه قد جاء.
وفى الحطاب (٢) قال البرزلى عن ابن الحاج: لو أن شخصا من عليه أبوه بما يشتريه فحلف بالحلال عليه حرام ان أكل شيئا مما يشتريه أبوه ثم تبدل خبزه فى الفرن، واختلط بخبز أبيه، فأكله فانه لا يحنث.
قال البرازلى: قال الحطاب: لأنه أكله على معنى العوض فلا منة عليه، ولم يكن قصد عين الطعام، كما قال فى المدونة لو اشترى منه شيئا كما يشترى من الناس.
ولها نظائر كخلط الرءوس عند الشواء.
وخلط المقارض طعامه مع طعام غيره وخلط الأزواد.
وجاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى
стр. 3494
عليه (١): أن من نذر المشى فى حج أو عمرة، ولم يعين واحدا منهما بلفظ ولا نية حين نذره أو حلفه بل نذر المشى مبهما، وصرفه فى أحدهما فله فى عام رجوعه المخالفة لما أحرم به أو لا.
ومحل الرجوع أن ظن الناذر أو الحالف حين خروجه القدرة على مشى جميع المسافة ولو فى عامين فخالف ظنه.
وان لم يظن القدرة حين خروجه، ولكنه قد ظن القدرة حين يمينه على مشى الجميع فى عام واحد، بأن علم، أو ظن حين خروجه العجز، مشى اذا خرج مقدوره ولو نصف ميل، وركب معجوزه وأهدى فقط من غير رجوع ثانيا.
أما من ظن العجز حين يمينه، أو نوى أن لا يمشى الا ما يطيقه، فانه يخرج أول عام، ويمشى مقدوره، ويركب معجوزه، ولا رجوع عليه ولا هدى.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (٢) أنه لو حلف لا يأكل هذه التمرة فاختلطت بتمر، فأكله، الا تمرة أو بعضها، وشك هل هى المحلوف عليها أو غيرها، لم يحنث، لأن الأصل براءة ذمته من الكفارة.
والورع أن يكفر.
فأن أكل الكل حنث لكن من آخر جزء أكله فيعتد فى حلفه بطلاق من حينئذ، لأنه المتيقن، أو حلف ليأكلنها فاختلطت بتمر، وانبهمت لم يبر الا بأكل الجميع لاحتمال أن تكون المتروكة هى المحلوف عليها، فاشترط تيقن أكلها.
ومن ثم لو اختلطت بجانب من الصبرة أو مما هو بلونها وغيره، وقد حلف لا يأكلها، لم يحنث الا بأكله مما فى جانب الاختلاط، وما هو بلونها فقط.
وجاء فى موضع آخر: (٣): لو حلف ليضربنه مائة سوط أو خشبة فشد مائة، وضربه بها مائة، بران علم أصابة الكل، أو تراكم بعض على بعض فوصله ألم الكل.
ولو شك أى تردد باستواء أو مع ترجيح الاصابة - فى اصابة الجميع بر على النص، لأن الظاهر الاصابة.
وفارق ما لو مات المعلق بمشيئة وشك فى صدورها منه فانه كتحقق العدم.
ثم قال (٤): ولو حلف لا يأكل طعاما، أو من طعام اشتراه زيد اذ التنكير
стр. 3495
يقتضى الجنسية فلم يشترط أكل الجميع، فاختلط ما اشتراه زيد وحده بمشترى غيره يعنى مملوكه، ولو بغير شراء، لم يحنث حتى يتيقن أى يظن أكله من ماله، بأن أكل قدرا صالحا، كالكف ونحوه، لأنه به يعلم الحنث بخلاف نحو عشرين حبة اذ التنكير يقتضى الجنسية، فلم يشترط أكل الجميع.
ولا ينافيه ما مر من أنه لو حلف لا يأكل تمره، واختلطت بتمر، فأكله الا واحدة، لم يحنث لانتفاء تيقنه، أو ظنه عادة ما بقيت تمرة ولا كذلك هنا.
ولو نوى هنا نوعا مما ذكر تعلق الحنث به.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١): من حلف على شئ يظنه كما حلف، فلم يكن، فلا كفارة عليه، لأنه من لغو اليمين.
وأكثر أهل العلم على أن هذه اليمين لا كفارة فيها، قاله ابن المنذور يروى هذا عن ابن عباس، وأبى هريرة، وأبى مالك، والحسن النخعى، ومالك، وأبى حنيفة، والثورى.
وممن قال هذا لغو اليمين مجاهد، وسليمان بن يسار، والأوزاعى، والثورى، وأبو حنيفة وأصحابه.
وأكثر أهل العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه.
وقال ابن عبد البر أجمع المسلمون على هذا.
وقد حكى عن النخعى فى اليمين على شئ يظنه حقا فيتبين بخلافه أنه من لغو اليمين، وفيه الكفارة، وهو أحد قولى الشافعى، وذلك لقول الله ﵎ «لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ ٢ فِي أَيْمانِكُمْ» وهذه منه، ولانها يمين غير متعقدة، فلم تجب فيها كفارة كيمين الغموس، ولأنه غير مقصود للمخالفة فأشبه ما لو حنث ناسيا.
وروى عن أحمد: أن فيه الكفارة، وليس من لغو اليمين، لأن اليمين بالله تعالى وجدت مع المخالفة، فأوجبت الكفارة كاليمين على مستقبل.
ومن حلف (٣) بالطلاق أن لا يأكل تمرة فوقعت فى تمر، فأكل منه واحدة
منع من وط ء زوجته، حتى يعلم أنها.
ليست التى وقعت اليمين عليها، ولا يتحقق حنثه حتى يأكل التمر كله، وجملته أن حالف هذه اليمين لا يخلو من أحوال ثلاثة.
أحدها أن يتحقق أكل التمرة المحلوف عليها، فأما أن يعرفها بعينها أو بصفتها
стр. 3496
أو يأكل التمر كله، أو الجانب الذى وقعت فيه كله، فهذا يحنث بلا خلاف بين أهل العلم، لأنه أكل التمرة المحلوف عليها.
الثانى: أن يتحقق أنه لم يأكلها، لما بأن لا يأكل من التمر شيئا، أو أكل شيئا يعلم انه غيرها، فلا يحنث أيضا بلا خلاف، ولا يلزمه اجتناب زوجته.
الثالث: أكل من التمر شيئا أما واحدة أو أكثر، الى أن لا يبقى منه الا واحدة، ولم يدر هل أكلها أم لا؟ فهذه مسألة الخرقى، فلا يتحقق حنثه، لأن الباقية يحتمل أنها المحلوف عليها، ويقين النكاح ثابت، فلا يزول بالشك، فعلى هذا يكون حكم الزوجية باقيا فى لزوم نفقتها وكسوتها ومسكنها، وسائر أحكامها، الا الوط ء، فان الخرقى قال: يمنع وطأها، لأنه شاك فى حلها فحرمت عليه، كما لو اشتبهت عليه امرأته بأجنبية.
وذكر أبو الخطاب: أنها باقية على الحل، لأن الأصل الحل، فلا يزول بالشك كسائر أحكام النكاح، ولأن النكاح باق حكما فأثبت الحل، كما لو شك هل طلق أم لا.
وان كانت يمينه ليأكلن هذه التمرة فلا يتحقق بره حتى يتحقق أنه أكلها.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١): أن من حلف على أن لا يفعل أمرا فشك أفعل ما حلف أن لا يفعله أم لا؟ فلا كفارة عليه، ولا اثم.
ومن حلف على ما لا يدرى أهو كذلك أم لا؟ وعلى ما قد يكون ولا يكون كمن حلف لينزلن المطر غدا فنزل أو لم ينزل فلا كفارة فى شئ من ذلك، لأنه لم يتعمد الحنث.
ولا كفارة الا على من تعمد الحنث وقصده لقول الله تعالى «وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ٢».
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٣) أن الكفارة لا تلزم فى اليمين اللغو، وهى ما ظن صدقها فانكشف خلافه مما عدا المعقودة.
وهذا يدخل فيه الماضى والحال والاستقبال.
وان التبسا المعين (٤) المحلوف منه بغيره، لم يحنث ما بقى قدره.
فلو حلف لا أكل هذه الرمانة المعينة فاختلطت بمحصورات، فأكلهن الا واحدة، لم يحنث، لاحتمال أن تكون هى الباقية،
стр. 3497
والأصل براءة الذمة ما لم يغلب فى الظن أنه قد أكلها.
وجاء فى التاج المذهب (١): أنه لو أكل مال نفسه، وهو يظن أنه لغيره، لم يحنث، لأن العبرة بالانتهاء.
وأما لو أكل مال غيره وهو يظن أنه له فانه يحنث.
ولو نذر (٢) نذرا ولم يسم ذلك النذر ولا نية له أو نسى ما سماه بالكلية فانها تلزمه كفارة يمين وجميع ألفاظ النذر على سواء فى ذلك.
قال فى الرياض ما معناه والمسألة على وجوه أربعة.
الأول: ان يلتبس عليه هل سمى أم لا، فهاهنا الأصل عدم التسمية.
الثانى أن يتحقق جنس ما سمى وينسى قدره وجب الأقل، لأن الأصل براءة الذمة.
الثالث أن يتحقق التسمية، وينسى هل هى صلاة، أو صوم، أو صدقة، أو مباح، أو معصية، فهذا لا يلزمه شئ، لجواز أنه سمى مباحا.
الرابع أن يتحقق أنه سمى شيئا من واجبات منحصرة، فهذا يلزمه أن يفعل الأقل من كل جنس.
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام (٣): أنه اذا حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيد، لم يحنث بأكل ما يشتريه زيد وعمرو، ولو اقتسماه على تردد.
ولو اشترى كل واحد منهما طعاما وخلطاه، قال الشيخ: ان أكل زيادة عن النصف حنث وهو حسن.
ولو حلف لا يأكل تمرة معينة فوقعت فى تمر، لم يحنث الا بأكله أجمع، ولو تلف منه تمرة لم يحنث بأكل الباقى مع الشك.
وجاء فى موضع آخر (٤): أنه لو شك بين نذر وظهار فنوى التكفير، لم يجز، لأن النذر لا يجرى فيه نية التكفير.
ولو نوى ابراء ذمته من أيهما كان جاز.
ولو نوى العتق مطلقا، لم يجز، لأن احتمال ارادة التطوع أظهر عند الاطلاق.
стр. 3498
وكذا لو نوى الوجوب لأنه قد يكون لا عن كفارة.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): ذهب بعض علماء الإباضية الى أن اليمين اللغو هو الحلف على شئ قطعى فى ظن الحالف والمراد بظنه اعتقاده الجازم، لكنه غير مطابق للواقع، ثم يتبين خلاف ما حلف عليه، مثل أن يتكلم بحسب ما سمعه مطمئنا اليه، وهو فى نفس الأمر ليس كذلك، الا أنه لا يدرى.
ومثل أن ينظر بحول مثلا فيرى الشئ الواحد شيئين، فيحلف على الشيئين.
أو يرى بعيرا، فيحلف أنه جمل لا ناقة لأمارة رآها، وهى كاذبة، أو يعتقد أن زيدا هو الشخص الفلانى، فيحلف أنه رآه، أو أنه فى المكان الفلانى، وقد كان فى الواقع أن زيدا ليس هو ذلك الشخص، وعلى هذا تلزم الكفارة على الحنث.
ثم قال (٢): ومن حلف عن شرب شئ كلبن، أو عن أكله فخلط بغيره، حتى ملك فيه، ولم يتبين، لم يحنث.
ومن حلف لا يكلم (٣) انسانا فشبهه بغيره فناداه يا فلان باسم المشبه به، فاذا هو المحلوف عنه، لم يحنث، الا ان قال: يا رجل ظانا أنه فلان، فاذا هو المحلوف عنه، وقد كلمه يظنه غيره.
وجاء فى موضع آخر (٤): ولا حنث على المختار فيمن حلف على معدوم يظن بقاءه كحالف ليأكلن ما فى الوعاء وقد سبق لأكله أو فات بغير الأكل، أو ليذبحن الشاة التى فى الموضع الفلانى، وقد سبق بذبحها، أو ماتت ونحو ذلك من فوات المحلوف عليه قبل يمينه.
الاشتباه
فى الحدود
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (٥): أنه اذا قتل المكاتب وترك وفاء وورثة أحرارا غير المولى، فلا قصاص على القاتل بالاجماع، لأن المولى مشتبه يحتمل أن يكون هو الوارث، ويحتمل أن يكون هو المولى، لاختلاف الصحابة الكرام رضى الله تعالى عنهم فى موته حرا، أو عبدا.
فان مات حرا كان وليه الوارث.
وان مات عبدا كان وليه المولى.
стр. 3499
وموضع الاختلاف موضع التعارض والاشتباه فلم يكن الولى معلوما فامتنع الوجوب، لأنه يشترط فى وجوب استيفاء القصاص أن يكون ولى القتيل معلوما.
فان كان مجهولا لم يجب القصاص، لأن وجوب القصاص وجوب استيفاء، والاستيفاء من المجهول متعذر، فتعذر الايجاب له.
وان اجتمعا فليس لهما أن يستوفيا، لأن الاشتباه لا يزول بالاجتماع.
هذا اذا ترك وفاء وورثة غير المولى.
فأما اذا ترك وفاء ولم يترك ورثة غير المولى، فقد اختلف أصحابنا فيه.
عندهما يجب القصاص للمولى.
وعند محمد لا يجب القصاص أصلا وهو رواية عن أبى يوسف أيضا.
ووجه قول محمد أنه وقع الاشتباه فى سبب ثبوت الولاية، لأنه أن مات حرا كان سبب ثبوت الولاية القرابة، فلا تثبت الولاية للمولى.
وان مات عبدا كان السبب هو الملك فتثبت الولاية للمولى، فوقع الاشتباه فى ثبوت الولاية فلا تثبت ودليلهما أن من له الحق متعين غير مشتبه لأن الاشتباه موجب المزاحمة ولم يوجد.
ولو قتل ولم يترك وفاء وجب القصاص بالاجماع، لأن الولى معلوم وهو المولى، لأنه يموت رقيقا بلا خلاف، فكان القصاص للمولى، كالعبد القن، وكذا المدبر والمدبرة وأم الولد وولدها بمنزلة العبد القن لأنهم قتلوا على ملك المولى فكان الولى معلوما.
ولو قتل عبد المكاتب فلا قصاص، لأن المكاتب له نوع ملك، وللمولى أيضا فيه نوع ملك فاشتبه الولى فامتنع الوجوب.
وعلى هذا يخرج ما اذا قطع رجل يد عبد فأعتقه مولاه، ثم مات من ذلك، لأنه ان كان للعبد وارث حر غير المولى، فلا قصاص لاشتباه ولى القصاص، لأن القصاص يجب عند الموت مستندا الى القطع السابق، والحق عند القطع للمولى لا للورثة، وعند ثبوت الحكم وهو الوجوب، وذلك عند الموت يكون الحق للوارث لا للمولى فاشتبه الولى فلم يجب القصاص.
ولو اجتمع المولى مع الوارث فلا قصاص لأن الاشتباه لا يزول باجتماعهما.
وفرق بين هذا وبين العبد الموصى برقبته لانسان وبخدمته لآخر قتل، واجتمعا أنه يجب القصاص، لأنه لا يشتبه الولى، لأن لصاحب الرقبة ملكا ولصاحب الخدمة حقا يشبه الملك فلم يشتبه الولى.
أما هنا فقد اشتبه الولى، لأن وقت القطع لم يكن للوارث فيه حق، ووقت
стр. 3500
الموت لم يكن للمولى فيه حق، فصار الولى مشتبها فامتنع الوجوب
وان لم يكن وارث سوى المولى فهو على الاختلاف الذى ذكرنا من أن على قولهما للمولى أن يستوفى القصاص، لأن الحق له وقت القطع ووقت الموت.
وعلى قول محمد ليس له حق الاقتصاص لاشتباه سبب الولاية، لأن الثابت للمولى وقت القطع كان ولاية الملك وبعد الموت له ولاية العتاقة، فاشتبه سبب الولاية.
هذا اذا كان القطع عمدا.
فأما اذا كان خطأ فاعتقه، ثم مات من ذلك، فلا شئ على القاطع غير أرش اليد، وهو نصف قيمة العبد واعتاقه اياه بمنزلة برئه فى اليد، لتبدل المحل حكما بالاعتاق، فتنقطع آية السراية.
هذا اذا أعتقه المولى بعد القطع عمدا أو خطأ فمات من ذلك.
فأما اذا لم يعتقه، ولكنه دبره أو كانت أمة فاستولدها ثم مات من ذلك، فان كان القطع عمدا، فللمولى القصاص، لأن الحق له وقت القطع والموت جميعا فلم يشتبه الولى - وان كان خطأ لا تنقطع السراية فيجب نصف القيمة ودية اليد، ويجب ما نقص بعد الجناية قبل الموت، لحصول ذلك فى ملك المولى.
ولو كاتبه والمسألة بحالها فان كان القطع عمدا، ينظر.
ان مات عاجزا فللمولى القصاص لأنه مات عبدا.
وان مات عن وفاء فان كان له وارث يحجب المولى، أو يشاركه، لا يجب القصاص، لاشتباه الولى وعليه أرش اليد لا غير، ولو لم يكن له وارث غير المولى، فللمولى أن يقتص عندهما.
وعند محمد: ليس له أن يقتص وعليه أرش اليد.
وان كان القطع خطأ لا شئ على القاطع.
الا أرش اليد هذا اذا كان القطع قبل الكتابة.
فان كان بعدها فمات فان كان القطع عمدا ينظر.
ان مات عاجزا فللمولى أن يقتص، لأنه مات عبدا.
وان مات عن وفاء فان كان مع المولى وارث آخر أو غيره يشاركه فى الميراث فلا قصاص، لاشتباه الولى، وان لم يكن له وارث غير المولى فعلى الاختلاف الذى ذكرنا.
ثم قال: (١) من شرائط وجوب القسامة والدية أن يكون الموجود قتيلا،
стр. 3501
وهو أن يكون به أثر القتل من جراحة، أو أثر ضرب، أو خنق.
فاذا لم يكن فى الميت أثر القتل من جراحة، أو أثر ضرب، أو خنق، فلا قسامة فيه، ولا دية، لأنه اذا لم يكن به أثر القتل، فالظاهر أنه مات حتف أنفه، فلا يجب فيه شئ.
فاذا احتمل أنه مات حتف أنفه، واحتمل أنه قتل احتمالا على السواء، فلا يجب شئ بالشك والاحتمال.
وذكر صاحب البدائع (١): ان الاعضاء التى يقصد بها المنفعة لا يجب فيها أرش كامل حتى يعلم صحتها، فاذا علم ذلك فقد وجد تفويت منفعة الجنس فيجب أرش كامل.
اما اذا لم يعلم فقد وقع الشك فى وجود سبب وجوب كمال الأرش فلا يجب بالشك.
ولا يقال ان الأصل هو الصحة والآفة عارض فكانت الصحة ثابتة ظاهرا، لأنا لا نسلم هذا الأصل فى الصغير، بل الأصل فيه عدم الصحة والسلامة لأنه كان نطفة وعلقة ومضغة فما لم يعلم صحة العضو فهو على الأصل.
على أن هذا الأصل متعارض، لأن براءة ذمة الجانى أصل أيضا، فتعارض الأصلان فسقط الاحتجاج بالأصل على الصحة.
وجاء فى الزيلعى (٢): أن حد الزنا يسقط بشبهة الاشتباه، وهو أن يظن غير الدليل دليلا، فيتحقق ذلك فى حق من اشتبه عليه الحل والحرمة، ولا دليل فى السمع يفيد الحل، بل ظن غير الدليل دليلا، كما يظن أن جارية زوجته تحل له، لظنه أنه استخدام واستخدامها حلال، فلا بد من الظن، لأنه وأن كان زنا حقيقة غير أنه سقط الحد لمعنى راجع اليه، وهو الظن، ولهذا لو جاءت بولد لا يثبت نسبه وان ادعاه.
وجاء فى بدائع الصنائع (٣): أن الرجل لو وطئ جارية الأب أو الأم.
فان ادعى الاشتباه، بأن قال ظننت أنها تحل لى، لم يجب الحد.
وان لم يدع الاشتباه يجب الحد، وهو تفسير شبهة الاشتباه. -
وانها تعتبر فى سبعة مواضع.
فى جارية الأب، وجارية الأم، وجارية المنكوحة، وجارية المطلقة ثلاثا ما دامت فى
стр. 3502
العدة، وأم الولد ما دامت تعتد منه، والعبد اذا وطئ جارية مولاه، والجارية المرهونة اذا وطئها المرتهن فى رواية كتاب الرهن.
وفى رواية كتاب الحدود يجب الحد ولا يعتد بظنه.
وزاد فى فتح القدير (١) جارية المطلقة بائنا على مال، وهى فى العدة فجعلها ثمانية.
قال فى البدائع: أما وط ء جارية أبيه أو أمه أو زوجته، فلأن الرجل ينبسط فى مال أبويه وزوجته، وينتفع به من غير استئذان وحشمة عادة ألا ترى أنه يستخدم جارية أبويه ومنكوحته من غير استئذان، فظن أن هذا النوع من الانتفاع مطلق له شرعا أيضا.
وهذا وان لم يصلح دليلا على الحقيقة، لكنه لما ظنه دليلا اعتبر فى حقه، لاسقاط ما يندرئ بالشبهات.
واذا لم يدع ذلك فقد عرى الوط ء عن شبهة الاشتباه فتمحض حراما فيجب الحد.
ولا يثبت نسب الولد سواء ادعى الاشتباه أو لا، لأن اثبات النسب يعتمد قيام معنى فى المحل وهو الملك من كل وجه، أو من وجه، ولم يوجد.
ولو ادعى أحدهما الظن ولم يدع الآخر فلا حد عليهما، ما لم يقرا جميعا أنهما قد علما بالحرمة، لأن الوط ء يقوم بهما جميعا.
وأما من سوى الأب والأم، من سائر ذوى الارحام المحارم، كالاخ والاخت، ونحوهما اذا وطئ جاريته فيجب الحد، وان قال ظننت أنها تحل لى، لأن هذا دعوى الاشتباه فى غير موضع الاشتباه، لأن الانسان لا ينبسط بالانتفاع بمال أخيه وأخته عادة، فلم يكن هذا ظنا مستندا الى دليل، فلا يعتبر.
وكذلك اذا وطئ جارية ذات رحم محرم من امرأته لما قلنا.
أما وط ء المطلقة ثلاثا فى العدة فلأن النكاح قد زال فى حق الحل أصلا، لوجود المبطل لحل المحلية وهو الطلقات الثلاث وانما بقى فى حق الفراش والحرمة على الأزواج فقط فتمحض الوط ء حراما فكان زنا فيوجب الحد، الا اذا ادعى الاشتباه، وظن الحل، لأنه بنى ظنه على نوع دليل، وهو بقاء النكاح فى حق الفراش، وحرمة الأزواج، فظن أنه بقى فى حق الحل أيضا.
وهذا وان لم يصلح دليلا على الحقيقة لكنه لما ظنه دليلا اعتبر فى حقه ..
وان كان طلاقها واحدة بائنة لم يجب الحد، وان قال علمت أنها على حرام، لأن زوال الملك بالابانة وسائر الكنايات
стр. 3503
مجتهد فيه، لاختلاف الصحابة رضى الله تعالى عنهم.
فان مثل سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه يقول فى الكنايات أنها رواجع وطلاق الرجعى لا يزيل الملك فاختلافهم يورث شبهة.
ولو خالعها أو طلقها على مال فوطئها فى العدة.
ذكر الكرخى أنه ينبغى أن يكون الحكم فيه كالحكم فى المطلقة ثلاثا.
وهو الصحيح، لأن زوال الملك بالخلع والطلاق على مال مجمع عليه فلم تتحقق الشبهة فيجب الحد، الا اذا ادعى الاشتباه لما ذكرنا فى المطلقة الثلاث.
وكذلك اذا وطئ أم ولده وهى تعتد منه، بأن أعتقها، لأن زوال الملك بالاعتاق مجمع عليه فلم تثبت الشبهة.
وأما العبد اذا وطئ جارية مولاه فان العبد ينبسط فى مال مولاه عادة بالانتفاع فكان وطؤه مستندا الى ما هو دليل فى حقه فاعتبر فى حقه لاسقاط الحد، واذا لم يدع يحد.
وأما المرتهن اذا وطئ الجارية المرهونة فقد قال فى العناية على الهداية وفتح القدير (١): اذا قال المرتهن ظننت أنها تحل لى، لا يحد وذلك على رواية فى كتاب الحدود.
ووجهه أن عقد الرهن عقد لا يفيد ملك المتعة بحال فقيامه لا يورث شبهة حكمية، قياسا على الاجارة، فانها لا تفيد ملك المتعة بحال، فما أورث قيامها فى المحل شبهة حكمية.
وعلى هذا كان يجب عليه الحد اشتبه أو لم يشتبه كما فى الجارية المستأجرة للخدمة.
الا انه لا يجب الحد اذا اشتبه عليه لأنه موضع اشتباه، لأن ملك المال فى الجملة سبب لملك المتعة، وان لم يكن سببا فى الرهن، وقد انعقد له سبب ملك فى حق المال فيشتبه أنه هل يثبت له بهذا القدر ملك المتعة، أو لا.
بخلاف الاجارة فان الثابت بها ملك المنفعة، ولا يتصور أن يكون ذلك سبب ملك المتعة بحال، فقد اشتبه عليه ما لا يشتبه.
وبخلاف البيع بشرط الخيار، لأنه انما يفيد الملك حال قيام الجارية وملك المال حال قيام الجارية سبب لملك المتعه فقد انعقد له سبب ملك المتعه.
وهاهنا انما يملك مالية المرهون عند الهلاك، ومال الملك بعد الهلاك، لا يفيد ملك المتعة فى حال من الأحوال، فكان بمنزلة ملك المنفعة.
стр. 3504
وعلى رواية كتاب الرهن: لا يجب الحد سواء ادعى الظن، أو لم يدع كما فى الجارية المشتركة، لأنه وطئ جارية انعقد له فيها سبب الملك، فلا يجب عليه الحد، اشتبه عليه، أو لم يشتبه، قياسا على ما لو وطئ جارية اشتراها على أن البائع بالخيار.
وانما قلنا انعقد له فيها سبب الملك، لأنه بالهلاك يصير مستوفيا حقه من وقت الرهن، واذا كان كذلك فقد انعقد له فيها سبب الملك فى الحال، ويحصل حقيقة الملك عند الهلاك.
وجاء فى الهداية وشروحها (١): أن من زفت اليه غير امرأته وقالت النساء أنها زوجتك فوطئها، فلا حد عليه، وعليه المهر.
وقضى بذلك على رضى الله تعالى عنه وبالعدة، ولأنه اعتمد دليلا وهو الاخبار فى موضع الاشتباه، اذ الانسان لا يميز بين امرأته وبين غيرها فى أول وهلة، فصار كالمغرور.
ولا يحد قاذفه الا فى رواية عن أبى يوسف رحمه الله تعالى، لأن الملك منعدم حقيقة.
ومن وجد امرأة على فراشه فوطئها فعليه الحد، لأنه لا اشتباه بعد طول الصحبة، فلم يكن الظن مستندا الى دليل، وهذا لأنه قد ينام على فراشها غيرها من المحارم التى فى بيتها.
وكذا اذا كان أعمى، لأنه يمكنه التمييز بالسؤال وغيره، الا اذا كان قد دعاها فأجابته أجنبية، وقالت: أنا زوجتك فواقعها، لأن الاخبار دليل، وجاز تشابه النغمة خصوصا اذا لم تطل الصحبة.
وجاء فى بدائع الصنائع (٢): أن الحد لا يجب مع الشبهة، فمع الاحتمال أولى.
فلو قال لامرأة يازانية، فقالت، زنيت معك، فلا حد على الرجل ولا على المرأة.
أما على الرجل، فلوجود التصديق منها اياه، وأما على المرأة فلأن قولها: زنيت معك يحتمل أن يكون المراد منه زنيت بك، ويحتمل أن يكون معناه زينت بحضرتك، فلا يجعل قذفا مع الاحتمال.
ولو قال لرجل انت تزنى فلا حد عليه، لأن هذا اللفظ يستعمل للاستقبال، ويستعمل للحال فلا يجعل قذفا مع الاحتمال.
ولو قال لغيره (٣): ليس هذا أبوك، أو قال: لست أنت ابن فلان لأبيه، أو قال انت
стр. 3505
ابن فلان لأجنبى.
فان كان فى حال الغضب فهو قذف.
وان كان فى غير حال الغضب فليس بقذف، لأن هذا الكلام قد يذكر لنفى النسب، وقد يذكر لنفى التشبه فى الاخلاق أى اخلاقك لا تشبه اخلاق أبيك أو أخلاقك تشبه اخلاق فلان الأجنبى، فلا يجعل قذفا مع الشك والاحتمال.
وكذلك اذا قال لرجل يا ابن مزيقيا أو يا ابن ماء السماء أنه يكون قذفا فى حالة الغضب، ولا يكون قذفا فى حالة الرضا، لأنه فى حالة الرضا يحتمل أنه أراد به نفى النسب، ويحتمل أنه اراد به المدح بالتشبيه برجلين من سادات العرب.
ولو قال (١) لامرأة: زنيت بفرس، أو حمار، أو بعير، أو ثور، لاحد عليه، لأنه يحتمل انه أراد به تمكينها من هذه الحيوانات، لأن ذلك متصور حقيقة، ويحتمل انه أراد به جعل هذه الحيوانات عوضا وأجرة على الزنا.
فان أراد به الأول لا يكون قذفا، لأنها بالتمكين منها لا تصير مزنيا بها، لعدم تصور الزنا من البهيمة.
وان أراد به الثانى يكون قذفا.
كما اذا قال: زنيت بالدراهم أو بالدنانير أو بشئ من الأمتعة فلا يجعل قذفا مع الاحتمال.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى (٢) عليه، ويقتل الجميع غير الممالئين بواحد اذا ضربوه عمدا عدوانا ومات مكانه أو رفع مغمورا، واستمر حتى مات أو منفوذ المقاتل، ولم تتميز الضربات، أو تميزت واستوت، أو اختلفت ولم يعلم عين من ضربته هى التى ينشأ عنها الموت.
فان تأخر موته غير منفوذ مقتل ولا مغمور قتل واحد فقط بقسامة، اذ لا يقتل بالقسامة أكثر من واحد.
وفى اللخمى خلاف ذلك اذا انفذ احداها مقاتله، ولم يدر من أى الضربات مات، فانه يسقط القصاص اذا لم يتعاقدوا على قتله والدية فى أموالهم.
قال خليل: وان تميزت جنايات كل واحد واختلفت قدم الاقوى ان علم.
ثم قال (٣): وان تميزت جنايات من جماعة ولم يمت بلاتمالؤ فمن كل يقتص كفعله أى بقدر فعله بالمساحة، ولا ينظر لتفاوت العضو بالرقة والغلظ.
واذا لم تتميز فهل يلزمهم دية الجميع، أو يقتص من كل واحد بقدر الجميع؟
لكن الثانى بعيد جدا، اذ لو كانوا ثلاثة قلع احدهم عينه، والثانى قطع يده، والثالث