← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

وهو أن يكون به أثر القتل من جراحة، أو أثر ضرب، أو خنق. فاذا لم يكن فى الميت أثر القتل من جراحة، أو أثر ضرب، أو خنق، فلا قسامة فيه، ولا دية، لأنه اذا لم يكن به أثر القتل، فالظاهر أنه مات حتف أنفه، فلا يجب فيه شئ. فاذا احتمل أنه مات حتف أنفه، واحتمل أنه قتل احتمالا على السواء، فلا يجب شئ بالشك والاحتمال. وذكر صاحب البدائع (١): ان الاعضاء التى يقصد بها المنفعة لا يجب فيها أرش كامل حتى يعلم صحتها، فاذا علم ذلك فقد وجد تفويت منفعة الجنس فيجب أرش كامل. اما اذا لم يعلم فقد وقع الشك فى وجود سبب وجوب كمال الأرش فلا يجب بالشك. ولا يقال ان الأصل هو الصحة والآفة عارض فكانت الصحة ثابتة ظاهرا، لأنا لا نسلم هذا الأصل فى الصغير، بل الأصل فيه عدم الصحة والسلامة لأنه كان نطفة وعلقة ومضغة فما لم يعلم صحة العضو فهو على الأصل. على أن هذا الأصل متعارض، لأن براءة ذمة الجانى أصل أيضا، فتعارض الأصلان فسقط الاحتجاج بالأصل على الصحة. وجاء فى الزيلعى (٢): أن حد الزنا يسقط بشبهة الاشتباه، وهو أن يظن غير الدليل دليلا، فيتحقق ذلك فى حق من اشتبه عليه الحل والحرمة، ولا دليل فى السمع يفيد الحل، بل ظن غير الدليل دليلا، كما يظن أن جارية زوجته تحل له، لظنه أنه استخدام واستخدامها حلال، فلا بد من الظن، لأنه وأن كان زنا حقيقة غير أنه سقط الحد لمعنى راجع اليه، وهو الظن، ولهذا لو جاءت بولد لا يثبت نسبه وان ادعاه. وجاء فى بدائع الصنائع (٣): أن الرجل لو وطئ جارية الأب أو الأم. فان ادعى الاشتباه، بأن قال ظننت أنها تحل لى، لم يجب الحد. وان لم يدع الاشتباه يجب الحد، وهو تفسير شبهة الاشتباه. - وانها تعتبر فى سبعة مواضع. فى جارية الأب، وجارية الأم، وجارية المنكوحة، وجارية المطلقة ثلاثا ما دامت فى

стр. 3502

العدة، وأم الولد ما دامت تعتد منه، والعبد اذا وطئ جارية مولاه، والجارية المرهونة اذا وطئها المرتهن فى رواية كتاب الرهن. وفى رواية كتاب الحدود يجب الحد ولا يعتد بظنه. وزاد فى فتح القدير (١) جارية المطلقة بائنا على مال، وهى فى العدة فجعلها ثمانية. قال فى البدائع: أما وط ء جارية أبيه أو أمه أو زوجته، فلأن الرجل ينبسط فى مال أبويه وزوجته، وينتفع به من غير استئذان وحشمة عادة ألا ترى أنه يستخدم جارية أبويه ومنكوحته من غير استئذان، فظن أن هذا النوع من الانتفاع مطلق له شرعا أيضا. وهذا وان لم يصلح دليلا على الحقيقة، لكنه لما ظنه دليلا اعتبر فى حقه، لاسقاط ما يندرئ بالشبهات. واذا لم يدع ذلك فقد عرى الوط ء عن شبهة الاشتباه فتمحض حراما فيجب الحد. ولا يثبت نسب الولد سواء ادعى الاشتباه أو لا، لأن اثبات النسب يعتمد قيام معنى فى المحل وهو الملك من كل وجه، أو من وجه، ولم يوجد. ولو ادعى أحدهما الظن ولم يدع الآخر فلا حد عليهما، ما لم يقرا جميعا أنهما قد علما بالحرمة، لأن الوط ء يقوم بهما جميعا. وأما من سوى الأب والأم، من سائر ذوى الارحام المحارم، كالاخ والاخت، ونحوهما اذا وطئ جاريته فيجب الحد، وان قال ظننت أنها تحل لى، لأن هذا دعوى الاشتباه فى غير موضع الاشتباه، لأن الانسان لا ينبسط بالانتفاع بمال أخيه وأخته عادة، فلم يكن هذا ظنا مستندا الى دليل، فلا يعتبر. وكذلك اذا وطئ جارية ذات رحم محرم من امرأته لما قلنا. أما وط ء المطلقة ثلاثا فى العدة فلأن النكاح قد زال فى حق الحل أصلا، لوجود المبطل لحل المحلية وهو الطلقات الثلاث وانما بقى فى حق الفراش والحرمة على الأزواج فقط فتمحض الوط ء حراما فكان زنا فيوجب الحد، الا اذا ادعى الاشتباه، وظن الحل، لأنه بنى ظنه على نوع دليل، وهو بقاء النكاح فى حق الفراش، وحرمة الأزواج، فظن أنه بقى فى حق الحل أيضا. وهذا وان لم يصلح دليلا على الحقيقة لكنه لما ظنه دليلا اعتبر فى حقه .. وان كان طلاقها واحدة بائنة لم يجب الحد، وان قال علمت أنها على حرام، لأن زوال الملك بالابانة وسائر الكنايات

стр. 3503

مجتهد فيه، لاختلاف الصحابة رضى الله تعالى عنهم. فان مثل سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه يقول فى الكنايات أنها رواجع وطلاق الرجعى لا يزيل الملك فاختلافهم يورث شبهة. ولو خالعها أو طلقها على مال فوطئها فى العدة. ذكر الكرخى أنه ينبغى أن يكون الحكم فيه كالحكم فى المطلقة ثلاثا. وهو الصحيح، لأن زوال الملك بالخلع والطلاق على مال مجمع عليه فلم تتحقق الشبهة فيجب الحد، الا اذا ادعى الاشتباه لما ذكرنا فى المطلقة الثلاث. وكذلك اذا وطئ أم ولده وهى تعتد منه، بأن أعتقها، لأن زوال الملك بالاعتاق مجمع عليه فلم تثبت الشبهة. وأما العبد اذا وطئ جارية مولاه فان العبد ينبسط فى مال مولاه عادة بالانتفاع فكان وطؤه مستندا الى ما هو دليل فى حقه فاعتبر فى حقه لاسقاط الحد، واذا لم يدع يحد. وأما المرتهن اذا وطئ الجارية المرهونة فقد قال فى العناية على الهداية وفتح القدير (١): اذا قال المرتهن ظننت أنها تحل لى، لا يحد وذلك على رواية فى كتاب الحدود. ووجهه أن عقد الرهن عقد لا يفيد ملك المتعة بحال فقيامه لا يورث شبهة حكمية، قياسا على الاجارة، فانها لا تفيد ملك المتعة بحال، فما أورث قيامها فى المحل شبهة حكمية. وعلى هذا كان يجب عليه الحد اشتبه أو لم يشتبه كما فى الجارية المستأجرة للخدمة. الا انه لا يجب الحد اذا اشتبه عليه لأنه موضع اشتباه، لأن ملك المال فى الجملة سبب لملك المتعة، وان لم يكن سببا فى الرهن، وقد انعقد له سبب ملك فى حق المال فيشتبه أنه هل يثبت له بهذا القدر ملك المتعة، أو لا. بخلاف الاجارة فان الثابت بها ملك المنفعة، ولا يتصور أن يكون ذلك سبب ملك المتعة بحال، فقد اشتبه عليه ما لا يشتبه. وبخلاف البيع بشرط الخيار، لأنه انما يفيد الملك حال قيام الجارية وملك المال حال قيام الجارية سبب لملك المتعه فقد انعقد له سبب ملك المتعه. وهاهنا انما يملك مالية المرهون عند الهلاك، ومال الملك بعد الهلاك، لا يفيد ملك المتعة فى حال من الأحوال، فكان بمنزلة ملك المنفعة.

стр. 3504

وعلى رواية كتاب الرهن: لا يجب الحد سواء ادعى الظن، أو لم يدع كما فى الجارية المشتركة، لأنه وطئ جارية انعقد له فيها سبب الملك، فلا يجب عليه الحد، اشتبه عليه، أو لم يشتبه، قياسا على ما لو وطئ جارية اشتراها على أن البائع بالخيار. وانما قلنا انعقد له فيها سبب الملك، لأنه بالهلاك يصير مستوفيا حقه من وقت الرهن، واذا كان كذلك فقد انعقد له فيها سبب الملك فى الحال، ويحصل حقيقة الملك عند الهلاك. وجاء فى الهداية وشروحها (١): أن من زفت اليه غير امرأته وقالت النساء أنها زوجتك فوطئها، فلا حد عليه، وعليه المهر. وقضى بذلك على رضى الله تعالى عنه وبالعدة، ولأنه اعتمد دليلا وهو الاخبار فى موضع الاشتباه، اذ الانسان لا يميز بين امرأته وبين غيرها فى أول وهلة، فصار كالمغرور. ولا يحد قاذفه الا فى رواية عن أبى يوسف رحمه الله تعالى، لأن الملك منعدم حقيقة. ومن وجد امرأة على فراشه فوطئها فعليه الحد، لأنه لا اشتباه بعد طول الصحبة، فلم يكن الظن مستندا الى دليل، وهذا لأنه قد ينام على فراشها غيرها من المحارم التى فى بيتها. وكذا اذا كان أعمى، لأنه يمكنه التمييز بالسؤال وغيره، الا اذا كان قد دعاها فأجابته أجنبية، وقالت: أنا زوجتك فواقعها، لأن الاخبار دليل، وجاز تشابه النغمة خصوصا اذا لم تطل الصحبة. وجاء فى بدائع الصنائع (٢): أن الحد لا يجب مع الشبهة، فمع الاحتمال أولى. فلو قال لامرأة يازانية، فقالت، زنيت معك، فلا حد على الرجل ولا على المرأة. أما على الرجل، فلوجود التصديق منها اياه، وأما على المرأة فلأن قولها: زنيت معك يحتمل أن يكون المراد منه زنيت بك، ويحتمل أن يكون معناه زينت بحضرتك، فلا يجعل قذفا مع الاحتمال. ولو قال لرجل انت تزنى فلا حد عليه، لأن هذا اللفظ يستعمل للاستقبال، ويستعمل للحال فلا يجعل قذفا مع الاحتمال. ولو قال لغيره (٣): ليس هذا أبوك، أو قال: لست أنت ابن فلان لأبيه، أو قال انت

стр. 3505

ابن فلان لأجنبى. فان كان فى حال الغضب فهو قذف. وان كان فى غير حال الغضب فليس بقذف، لأن هذا الكلام قد يذكر لنفى النسب، وقد يذكر لنفى التشبه فى الاخلاق أى اخلاقك لا تشبه اخلاق أبيك أو أخلاقك تشبه اخلاق فلان الأجنبى، فلا يجعل قذفا مع الشك والاحتمال. وكذلك اذا قال لرجل يا ابن مزيقيا أو يا ابن ماء السماء أنه يكون قذفا فى حالة الغضب، ولا يكون قذفا فى حالة الرضا، لأنه فى حالة الرضا يحتمل أنه أراد به نفى النسب، ويحتمل أنه اراد به المدح بالتشبيه برجلين من سادات العرب. ولو قال (١) لامرأة: زنيت بفرس، أو حمار، أو بعير، أو ثور، لاحد عليه، لأنه يحتمل انه أراد به تمكينها من هذه الحيوانات، لأن ذلك متصور حقيقة، ويحتمل انه أراد به جعل هذه الحيوانات عوضا وأجرة على الزنا. فان أراد به الأول لا يكون قذفا، لأنها بالتمكين منها لا تصير مزنيا بها، لعدم تصور الزنا من البهيمة. وان أراد به الثانى يكون قذفا. كما اذا قال: زنيت بالدراهم أو بالدنانير أو بشئ من الأمتعة فلا يجعل قذفا مع الاحتمال. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى (٢) عليه، ويقتل الجميع غير الممالئين بواحد اذا ضربوه عمدا عدوانا ومات مكانه أو رفع مغمورا، واستمر حتى مات أو منفوذ المقاتل، ولم تتميز الضربات، أو تميزت واستوت، أو اختلفت ولم يعلم عين من ضربته هى التى ينشأ عنها الموت. فان تأخر موته غير منفوذ مقتل ولا مغمور قتل واحد فقط بقسامة، اذ لا يقتل بالقسامة أكثر من واحد. وفى اللخمى خلاف ذلك اذا انفذ احداها مقاتله، ولم يدر من أى الضربات مات، فانه يسقط القصاص اذا لم يتعاقدوا على قتله والدية فى أموالهم. قال خليل: وان تميزت جنايات كل واحد واختلفت قدم الاقوى ان علم. ثم قال (٣): وان تميزت جنايات من جماعة ولم يمت بلاتمالؤ فمن كل يقتص كفعله أى بقدر فعله بالمساحة، ولا ينظر لتفاوت العضو بالرقة والغلظ. واذا لم تتميز فهل يلزمهم دية الجميع، أو يقتص من كل واحد بقدر الجميع؟ لكن الثانى بعيد جدا، اذ لو كانوا ثلاثة قلع احدهم عينه، والثانى قطع يده، والثالث

стр. 3506

قطع رجله، ولم يتميز فعل كل واحد لزم قلع عين كل واحد وقطع يده، ورجله، مع أنه لم يجن الا على عضو فقط. وأما ان تمالؤا اقتص من كل بقدر الجميع تميزت أم لا. وجاء فى موضع آخر (١) آخر: ولا قصاص على شريك مخطئ، ولا شريك مجنون، لأجل الشك، لاحتمال أن يكون الموت من رمى المخطئ او المجنون. وعلى المتعمد الكبير نصف الدية فى ماله وعلى عاقلة المخطئ أو المجنون نصفها. وهل يقتص من شريك مرض حدث ذلك المرض بعد الجرح بأن جرحه ثم حصل للمجروح مرض ينشأ عنه الموت غالبا، ثم مات، ولم يدر أمات من الجرح، أو من المرض أو لا يقتص منه وانما عليه نصف الدية فى ماله ويضرب مائة ويحبس عاما قولان. ثم قال (٢): ومن ادعى زوال عقله بجناية، وشك فى زواله جرب اهل المعرفة عقله باستغفاله فى خلواته فيتجسس عليه فيها هل يفعل افعال العقلاء أو غيرهم ويحتمل أنا نجلس معه فيها ونحادثه ونسايره فى الكلام حتى نعلم خطابه وجوابه. فان علم أهل المعرفة ما نقص منه بالجناية عمل بذلك. وان شكوا انقص الربع أو الثلث حمل فى العمد على الثانى، لأن الظالم احق بالحمل عليه، وفى الخطأ على الأول، لان الاصل براءة الذمة فلا نكلف بمشكوك فيه. وظاهر أن المدعى هنا هو ولى المجنى عليه أو من يقوم مقامه. وجرب النطق بالكلام من المجنى عليه بالاجتهاد من أهل المعرفة بأن يرجع الى ما يقوله أهل المعرفة باجتهادهم فيما نقص منه من ثلث أو ربع، أو غير ذلك. فان شكوا أو اختلفوا فيما نقص عمل بالأحوط والظالم أحق بالحمل عليه. وجاء فى موضع آخر (٣): واذا قال المقتول: قتلنى فلان فانه يكون لوثا ان شهد على قوله عدلان، واستمر على اقراره. فان رجع عن قوله بأن قال: بل فلان آخر أو قال: ما قتلنى بل غيره، أو لا أدرى من الذى قتلنى، بطل اللوث، فلا قسامه. ثم قال: (٤) ولو شهد اثنان على شخص أنه قتل آخر عمدا، ودخل فى جماعة ولم يعرف، واشتبه عليهم الأمر استحلف كل منهم خمسين يمينا،

стр. 3507

لتناول التهمة كل فرد منهم، والدية عليهم فى أموالهم أن حلفوا أو نكلوا من غير قسامة على أولياء المقتول، أو على من نكل دون من حلف وان حلف بعضهم بلا قسامة على الأولياء، لان البينة شهدت بالقتل، هذا اذا شهدا بالقتل عمدا. فلو شهدا عليه بالقتل خطأ لكانت على عواقلهم. ولو شهد واحد لم يكن الحكم كذلك. والحكم أنهم يقسمون خمسين يمينا أن واحدا من هؤلاء الجماعة قتله ويستحقون الدية على الجميع. وجاء فى حاشية الدسوقى (١): ولا حد على من شرب المسكر غلطا، بأن ظنه غير مسكر، كأن ظنه خلا مثلا فشربه، فاذا هو خمر، فلا حد عليه، لعذره، كمن وطئ أجنبية يظنها زوجته، وصدق ان كان مأمونا لا يتهم. ثم قال (٢): وان زاد الامام على الحد بالجلد، كأن يزيد على المائة سوط، أو أتى على النفس، بأن أدى للموت فلا اثم عليه ولا دية اذا لم يقصد ذلك، وانما قصد التشديد فيما يقتضى التشديد، كسب الصحابة، أو آل البيت، ونحو ذلك، فأدى الى الهلاك، فان ظن عدم السلامة، أو شك منع وضمن فى الشك ما سرى على نفس، أو عضو، أو جرح أى ضمن دية ما سرى لكن على العاقلة، وهو كواحد منهم، وأما لو ظن عدم السلامة، وأولى ان جزم فالقود. والحاصل أنه ان ظن السلامة فخاب ظنه فهدر عند الجمهور. وان ظن عدمها فالقصاص. وان شك فالدية على العاقلة وهو كواحد منهم. وسواء فى الثلاثة الأقسام شهد العرف بالتلف منه أم لا، هذا هو الراجح. ويعلم الظن والشك من اقراره ومن قرائن الأحوال. ثم قال (٣): ومن ظن الربع دينار أو الثلاثة دراهم، فلوسا نحاسا حال السرقة فاذا هو أحدهما فيقطع أو ظن الثوب المسروق فارغا، فاذا فيه نصاب ان كان مثله يوضع فيه ذلك لا ان كان خلقا، ولا حد على من سرق خشبة أو حجرا يظنها فارغة، فاذا فيها نصاب فلا قطع الا ان تكون قيمة تلك الخشبة ونحوها نصابا.

стр. 3508

ثم قال (١): ومن قال لجماعة احدكم زان أو ابن زانية، فلا حد، ولو قاموا كلهم، لعدم تعيين المعرة لواحد منهم، اذ لا يعرف، ولا يدرى من أراد والحد انما هو للمعرة، وهذا اذا كثرت الجماعة كأن زادوا على ثلاثة، فان كانوا ثلاثة أو اثنين، حد ان قاموا، أو قام بعضهم الا أن يحلف ما أراد القائم. وجاء فى موضع آخر: (٢) ان زنت امرأة بصبى مثله يجامع الا أنه لم يحتلم، فلا حد عليها، وان جهل الواطئ العين الموطوءة بأن يظن أنها حليلته، فتبين خلافها، أو يجهل التحريم مع علمه بعين الموطوءة ان جهل مثله كقريب عهد باسلام، فلا يحد، لعذره بالجهل، أو كان الوقت ليلا مظلما، والنساء مختلطات، والمرأة التى وطئها مماثلة لحليلته فى النحافة أو السمن. أما الزنا الواضح فلا يعذر فيه بجهل العين كاتيانه لكبيرة ادعى الغلط بها، وامرأته صغيرة، أو العكس أو كانت حليلته فى غاية النحافة، والتى ادعى أنه ظن أنها هى فى غاية السمن أو العكس، ولا يعذر المرتهن اذا وطئ المرهونة، وقال ظننت أنها تحل لى. ثم قال (٣): أن الزوج ان رمى الزوجة بغصب بأن قال زنت مغصوبة أو وط ء بشبهة، بأن قال: وطئها رجل أو فلان وظنته اياى، وأنكرت الزوجة الوط ء فى الصورتين، بأن كذبته، أو صدقته فيهما، ولم يثبت ببينة، ولم يظهر للناس كالجيران بالقرائن، فان الزوجين يتلاعنان معا. وتقول الزوجة اذا صدقته على حصول الغصب أو الشبهة ما زنيت، أى تقول أربعا أشهد بالله ما زنيت، ولقد غلبت، وانى لمن الصادقين، وتقول فى خامستها غضب الله عليها ان كانت من الكاذبين. ويقول الزوج فى الغصب لقد غصبت وفى الاشتباه لقد غلبت أو وطئت مشتبهة. ولا يحلف لقد زنيت لأنه يدعى أنها غصبت، أو وطئت بشبهة. وثمرة لعانه نفى الولد عنه. وثمرة لعانها نفى الحد عنها. وأما ان كذبته فتقول ما زنيت بحال، وفرق بينهما. فان نكلت رجمت، والا بأن ثبت الغصب أو ظهر بقرينة كمستغيثة عند النازلة التعن الزوج فقط دونها، لأنها تقول يمكن أن يكون من الغصب، أو الشبهة.

стр. 3509

فان نكل لم يحد. وظاهر كلامه أنه يلاعن، ولو لم يكن بها حمل. وقيل محله ان ظهر بها حمل. ولا يفرق بينهما، لأنه انما يفرق بينهما بتمام لعانها. وجاء فى الحطاب (١): ان من طلق امرأته قبل البناء طلقة واحدة، ثم وطئها بعد الطلقة، وقال: ظننت أنه لا يبينها منه الا الثلاث فلها صداق واحد، ولا حد عليه اذا عذر بجهل. ولو طلقها بعد البناء ثلاثا، ثم وطئها فى العدة، وقال: ظننت ذلك يحل لى، فان عذر بالجهالة لم يحد. وكذلك من تزوج خامسة أو أخته من الرضاع وعذر بالجهالة فى التحريم لم يحد. وفى التاج والاكليل (٢): ومن طلق امرأته قبل البناء طلقة، ثم وطئها، وقال: ظننتها رجعية كالمدخول بها، فلا حد عليه ان رجع عذر بالجهالة. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٣): أنه ان قتل واحد جماعة أو قطع عضوا من جماعة دفعة واحدة، وأشكل الحال أقرع بينهم. فمن خرجت له القرعة اقتص له، لأنه لا مزية لبعضهم على بعض، فقدم بالقرعة كما قلنا فيمن أراد السفر ببعض نسائه. فان خرجت القرعة لواحد فعفا عن حقه أعيدت القرعة للباقين لتساويهم، وان ثبت القصاص لواحد منهم بالسبق أو بالقرعة فبدر غيره واقتص صار مستوفيا لحقه، وان أساء فى التقدم على من هو أحق منه. وجاء فى نهاية المحتاج (٤): أنه ان جهل كون الذى شربه خمرا فشربها ظانا اباحتها لم يحد لعذره ويصدق بيمينه بعد صحوه ان ادعاه كما فى البحر. ومثله دعوى الاكراه حيث بينه ان لم يعلم منه أنه يعرفه ولو قرب اسلامه، فقال: جهلت تحريمها، لم يحد لأنه قد يخفى عليه ذلك والحد يدرء بالشبهة. ويؤخذ منه أن من نشأ بين المسلمين بحيث يقتضى حاله عدم خفاء ذلك عليه يحد، كما اعتمده الأذرعى، وغيره.

стр. 3510

أو قال علمت التحريم وجهلت الحد حد اذ كان من حقه اجتنابها بحيث علم تحريمها. ويحد بدردى خمر وهو ما بقى فى آخر انائها وكذا بثخينها اذا أكله لا بخبز عجن دقيقه بها لاضمحلال عينها بالنار، ولم يبق الا أثرها، وهو النجاسة ومعجون هى فيه وما فيه بعضها والماء غالب لاستهلاكها. وجاء فى المهذب (١): أن السارق لا يقطع فيما له فيه شبهة، لقول رسول الله ﷺ «ادرءوا الحدود بالشبهات» فان سرق مسلم من مال بيت المال، لم يقطع. لما روى أن عاملا لعمر رضى الله تعالى عنه كتب اليه يسأله عمن سرق من مال بيت المال قال لا تقطعه فما من أحد الا وله فيه حق. وروى الشعبى ان رجلا سرق من بيت المال فبلغ ذلك عليا كرم الله وجهه، فقال: ان له فيه سهما، ولم يقطعه. وان سرق ذمى من بيت المال قطع، لأنه لا حق له فيه. وان كفن ميت بثوب من بيت المال فسرقه سارق قطع، لأن بالتكفين به انقطع عنه حق سائر المسلمين. وان سرق من غلة وقف على المسلمين لم يقطع، لأن له فيه حقا. وان سرق فقير من غلة وقف على الفقراء، لم يقطع، لأن له فيه حقا. وان سرق منها غنى قطع لأنه لا حق له فيها. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (٢) أنه لو قتل فى أرض الحرب من يظنه كافرا، ويكون مسلما، فلا خلاف فى أن هذا خطأ لا يوجب قصاصا، لأنه لم يقصد قتل مسلم. فأشبه ما لو ظنه صيدا فبان آدميا. الا أن هذا لا تجب به دية أيضا. ولا يجب الا الكفارة (٣). ثم قال: ولا تسمع الدعوى فى القسامة على غير معين. فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة أو أحد غير معين أو جماعة منهم بغير أعيانهم، لم تسمع الدعوى، لأنها دعوى فى حق، فلم تسمع على غير معين، كسائر الدعاوى. وان سرق (٤) نصابا أو غصبه فأحرزه

стр. 3511

فجاء المالك فهتك الحرز، وأخذ ماله، فلا قطع عليه عند أحمد سواء أخذه، أو أخذ غيره، لأنه أخفى ماله. وان سرق غيره ففيه وجهان. أحدهما: لا قطع، لأن له شبهة فى هتك الحرز وأخذ ماله فصار كالسارق من غير حرز، ولأن له شبهة فى أخذ قدر ماله لذهاب بعض العلماء الى جواز أخذ الانسان قدر دينه من مال من هو عليه. الثانى: عليه القطع لأنه سرق نصابا من حرزه لا شبهة له فيه، وانما يجوز له أخذ قدر ماله اذا عجز عن أخذ ماله، وهذا أمكنه أخذ ماله فلم يجز له أخذ غيره. وكذلك الحكم اذا أخذ ماله وأخذ من غيره نصابا متميزا عن ماله، فان كان مختلطا بماله غير متميز منه فلا قطع عليه، لأنه أخذ ماله الذى له أخذه وحصل غيره مأخوذا ضرورة أخذه، فيجب أن لا يقطع فيه، ولأن له فى أخذه شبهة والحد، يدرأ بالشبهات. ثم قال (١): وان نقص النصاب قبل الاخراج، لم يجب القطع لعدم الشرط قبل تمام السبب، وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله. وان وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها؟ لم يجب القطع، لأن الوجوب لا يثبت مع الشك فى شرطه ولأن الاصل عدمه. وجاء فى موضع آخر (٢): ان زفت الى الرجل غير زوجته، وقيل: هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته، فلا حد عليه، لا نعلم فيه خلافا. وان لم يقل له هذه زوجتك أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته، أو جاريته فوطئها، أو دعا زوجته، أو جاريته فجاءته غيرها، فظنها المدعوة فوطئها، أو اشتبه عليه ذلك لعماه، فلا حد عليه، لأنه وط ء اعتقد اباحته بما يعذر مثله فيه، فأشبه ما لو قيل له: هذه زوجتك، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذه من أعظمها. فأما ان دعا محرمة عليه فأجابه غيرها، فوطئها يظنها المدعوة، فعليه الحد، سواء كانت المدعوة ممن له فيها شبهة كالجارية المشتركة، أو لم يكن، لأنه لا يعذر بهذا، فأشبه ما لو قتل رجلا يظنه ابنه أو عبده فبان أجنبيا. وجاء فى كشاف القناع (٣): أنه لو

стр. 3512

وطئ جارية ولده فلا حد عليه، سواء وطئها الابن أولا، لأنه وط ء تمكنت الشبهة فيه، كوط ء الأمة المشتركة. يدل عليه قول النبى ﷺ : أنت ومالك لأبيك. ولو وطئ امرأة ظن أن له أو لولده أو لبيت المال فيها شركا، فلا حد للشبهة. وان أقر (١) بوط ء امرأة وادعى أنها امرأته فأنكرت المرأة الزوجية، ولم تعترف بوطئه اياها فلا حد عليه، للشبهة لاحتمال صدقه ولا مهر لها. وان اعترفت بوطئه وأنه زنى بها مطاوعة، فلا مهر، ولا حد على واحد منهما، الا ان تقر أربع مرات. وان أقرت الموطوءة أنه أكرهها عليه أى الواطئ أو أنه اشتبه عليها، فعليه المهر ما نال من فرجها، ولا حد عليهما. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (٢): أنه لو ضرب الجماعة الواحد فمات ولم يدر من منهم أصابه، فانه ان وجد مقتولا فى دار قوم، فادعى أهله على أهل تلك الدار، وكان الذين ضربوه من أهل تلك الدار، ففيه حكم القسامة. وان كان الذين ضربوه من غير أهل تلك الدار، فليس ها هنا حكم القسامة، ولكن حكم التداعى، فالبينة هاهنا على مدعى الدم، فان جاء بها فله القود وان لم يأت بها حلفوا له ان ادعى على جميعهم، أو حلف له من ادعى عليه منهم وبرئوا. واما المصطدمان سواء كانا راجلين أو على دابتين، أو اصطدمت السفينتان، فروى الشعبى فى السفينتين يصطدمان، أنه لا ضمان فى شئ من ذلك. ثم قال: (٣): ولو ان امرأة دلست نفسها لأجنبى، فوطئها يظن أنها امرأته، فهى زانية ترجم وتجلد. وجاء فى موضع آخر (٤): من قال لآخر يازانى فقال له انسان صدقت، أو قال: نعم فان تيقن أن القائل: صدقت أو نعم قد سمع القذف وفهمه، فهو مقر بلا شك، وعليه الحد. وان وقع شك أسمع القذف أو لم يسمعه وفهمه أو لم يفهمه فلا حد فى ذلك، لأنه قد يهم ويظن أنه قال كلاما آخر، وقد قال النبى صلّى الله عليه

стр. 3513

وسلم «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام»، فصح أنه لا يستباح بشئ مما ذكرنا الا بيقين لا اشكال فيه. ثم قال (١): ومن دست اليه غير امرأته فوطئها وهو لا يدرى من هى يظن أنها زوجته فلا حد عليه. مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب (٢): أنه اذا التبس صاحب الجناية القاتلة بالسراية فلم يعرف سقط القود، وكان اللازم هو الأرش فقط فى الجناية القاتلة بالسراية، والجناية غير القاتلة مع لبس صاحب الجنابة القاتلة بالسراية. فاذا التبس صاحب السراية فلا يلزم فيها وفى الجنايات غير القاتلات الا الأرش على كل واحد أرش كامل للجنايات غير القاتلات. فان زاد على الدية لم يلزم الا قدرها فقط. وان نقص عن الدية فالزائدة على بيت المال، لأنه يحمل ما لم يحمل، ولا تجب قسامة هنا مع أخذ الأرش منهما، أو من أحدهما. فان لم يأخذ ولى الدم أرشا فله أن يدعى القسامة أو يدعى على من يشاء منهما ان غلب فى ظنه أنه القاتل. والحكم فى القاتلة المباشرة والباقيات غير قاتلات كما مر من أن القود على صاحبها ان علم المباشر، سواء تقدم أم تأخر أم التبس تقدمه. ويلزم الآخر أرش الجراحة حيث لا قصاص فيها ولا شئ على من سواهما. ثم قال (٣): ولو وجد القتيل فى موضع بين قريتين مستويتين فى التصرف فيه لكن أهل أحداهما منحصرون دون الثانية سقطت القسامة عن الكل، لتعلق التهم بمن لا ينحصر، كما اذا وجد فى قرية ينحصر أهلها، لكنه يختلط بهم من لا ينحصر، وتكون الدية من بيت المال. ولو وجد القتيل فى قرية (٤) ثم مات أهل القرية فلوليه أن يطالب ورثة الأموات، وتكون اليمين على العلم ما قتل فى زمان مورثيهم، وان لم يحلفوا ألزمت الدية من عواقل الأموات، وسقطت القسامة.

стр. 3514

واذا التبس من كان كامل الشروط فى ذلك الوقت فلا دية للالتباس. وان وجد (١) القتيل بين صفين مقتتلين مفترقين غير مختلطين فعلى الأقرب اليه من الصفين ان كانوا من ذوى جراحته من رماة ان كانت من جرائح الرماة فعليهم، وعلى غيرهم من ذوى السيوف، ان كانت بالسيف، وان كان بالرمح فعلى ذوى الارماح. ويلزم الأبعد ان كانت جراحته لا تكون الا من أسلحة الأبعدين. فان استوت المسافة والأسلحة فعلى من هو مقبل اليه ان كانت فى قبله وعلى من وراءه ان كانت فى دبره. فان كانت فى احدى جنبيه كانت على الذى شقه. فان كانوا فى شقه جميعا أو لم يكن أحد شقه أو التبس فى الاقبال والادبار بعد ما أصيب أو كان تارة كذا، وأخرى كذا أو كانوا مختلطين فى الأسلحة فعليهم جميعا. وجاء فى موضع آخر (٢): أن من الأمور المسقطة للحد الشبهة المحتملة للبس نحو أن يقول ظننتها زوجتى أو أمتى أو نحو ذلك مع الاحتمال، لوجود زوجة أو أمة معه ويمكن مع ذلك حصول اللبس عليه، كأن يكون أعمى، أو تكون فى ظلمة فانه يسقط عنه الحد للشبهة المحتملة، فأما لو لم يحتمل لم يسقط الحد. وجاء فى شرح الازهار (٣): واذا كان الشركان فى الامة هما الاب وأبنه ووطئاها فأن الولد يكون للأب وحده، لأن جانبه أرجح من حيث أن الابن ليس له الا ملك فقط يعنى، وللأب ملك وشبهة ملك، قلنا لا حكم للأضعف مع وجود الأقوى كالشفعة. وكذا حيث وطئا أمة الابن فادعياه، فيلحق بالابن فقط على كلام التفريعات لأنه ليس مع الأب الا شبهة ملك والولد ملك وينظر فى المسألة على الأصول، لأنه ان تقدم وط ء الابن، فلا شبهة للأب فيحد مطلقا. وان تقدم وط ء الأب فقد استهلكها بالوط ء المفضى الى العلوق فيحقق هل يصح مع اللبس وقيل مع اللبس الأصل بقاء الملك للولد ويسقط الحد للشبهة. وجاء فى التاج المذهب (٤): أن عدد الجلد ان التبس حال الضرب بنى على الأكثر فى جميع الحدود.

стр. 3515

مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية (١): أنه كل من طرق رجلا أناء الليل، فأخرجه من منزله، فهو ضامن له، الا أن يقيم البينة أنه رده الى منزله. وأما ضمانه بالدية فللشك فى موجب القصاص فينتفى للشبهة والضمان الموجود فى الاخبار يتحقق بضمان الدية، لأنها بدل النفس. وأما تخصيصه الضمان بما لو وجد مقتولا فلأصالة البراءة من الضمان دية ونفسا حتى يتحقق سببه وهو فى غير حالة القتل مشكوك فيه. ولو وجد ميتا ففى الضمان نظر من اطلاق الأخبار وفتوى الأصحاب ضمانه الشامل لحالة الموت بل للشك فيه ومن أصالة البراءة والاقتصار فى الحكم المخالف للأصل على موضع اليقين وهو القتل، ولأنه مع الموت لم يوجد أثر القتل ولا لوث ولا تهمة. وعلى تقديرها فحكمه حكم اللوث لا أنه يوجب الضمان مطلقا والى الضمان ذهب الأكثر بل حكموا به مع اشتباه حاله. ثم اختلفوا فى أن ضمانه مطلقا هل هو بالقود، أو بالدية؟ فذهب الشيخ وجماعة الى ضمانه بالقود ان وجد مقتولا، الا أن يقيم البينة على قتل غيره له، والدية ان لم يعلم قتله. واختلف كلام المحقق، فحكم فى الشرائع بضمانه بالدية ان وجد مقتولا، وعدم الضمان لو وجد ميتا. وفى النافع بضمانه بالدية فيهما. وكذلك العلامة فحكم فى التحرير بضمان الدية مع فقده أو قتله حيث لا يقيم البينة على عوده وبعدمها لو وجد ميتا. وفى المختلف بالدية مع فقده وبالقيود ان وجد مقتولا مع التهمة والقسامة الا أن يقيم البينة على غيره، وبالدية ان وجد ميتا مع دعواه موته حتف أنفه، ووجود اللوث، وقسامة الوارث. وتوقف فى القواعد والارشاد فى الضمان مع الموت. والأجود فى هذه المسألة الاقتصار بالضمان على موضع الوفاق لضعف أدلته، فان فى سند الخبرين من لا تثبت عدالته والمشترك بين الضعيف والثقة، وأصالة البراءة تدل على عدم الضمان فى وضع الشك مع مخالفة حكم المسألة للأصل من ضمان الحر باثبات اليد عليه، ولللازم

стр. 3516

من ذلك ضمانه بالدية ان وجد مقتولا ولا لوث هناك، والا فبموجب ما أقسم عليه الولى من عمد أو خطأ. ومع عدم قسامته يقسم المخرج وعدم ضمانه ان وجد ميتا للشك مع احتمال موته حتف أنفه. وجاء فى الخلاف (١): أنه اذا وجد الرجل فى فراشه امرأة فظنها زوجته فوطئها، لم يكن عليه الحد، لأن الأصل براءة الذمة وشغلها يحتاج الى دليل. وجاء فى شرائع الاسلام (٢): أنه لو قذف اللقيط قاذف، وقال: انت رق فقال بل حر للشيخ فيه قولان. أحدهما لا حد عليه، لأن الحكم بالحرية غير متيقن، بل على الظاهر وهو محتمل، فيتحقق الاشتباه الموجب لسقوط الحد. والثانى عليه الحد، تعويلا على الحكم بحريته ظاهرا، والأمور الشرعية منوطة بالظاهر فيثبت الحد كثبوت القصاص والأخير أشبه. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٣): ان من أصبح ميتا ولا يدرى هل قتل نفسه عمدا، أو خطأ، أو لم يقتلها فان عاقلته تحمل ديته. والذين (٤) يحلفون فى القسامة هم أهل البلد الموجود فيه القتيل الذى لا يدرى قاتله، لا كما قال قوم منا يحلف أولياء القتيل، فيأخذون الدية من المدعى عليه. ومن قتل فى زحام وأشكل حاله، فلا قسامة. وان اتهم أحد حلف. وفى الأثر وان وجد فى سوق أو جامع أو زحام، ففى بيت المال. وقيل: فيه القسامة على اهل البلد. ثم قال (٥): وان وجد قتيل موحد أو مشرك بقرية أو نحوها أصلها لذوى الشرك والاسلام، ولم يدر قاتله هل هو من ذوى الشرك أو الاسلام؟ وهل تلزم القسامة كالدية الكل من المشركين والمسلمين، لشمول القرية أو نحوها الجميع، أو تختص بذوى الاسلام يحلفون ويدون وحدهم، بناء على أن ذلك من الأحكام الجارية على المسلمين وحدهم، كالزكاة، والجلد على الخمر؟ خلاف. وان وجد جريح فى قبيلة، ولم يدر من أوقع الضرب والصقه به، ولم يزل لازم الفراش حتى مات، لزمتهم قسامته، وديته.

стр. 3517

وان كان صحيحا يجئ ويذهب فلا شئ فيه. وجاء فى موضع آخر (١) ولا يقتل المبين عليه أن رجعت بينته، بأن كذبوا أنفسهم، أو قالوا غلطنا أو التبس علينا. قال عزان أخبرنى أبو الجهم أن قوما من نخل قتلوا رجلا فأقروا بقتله، وقالوا: ظنناه فلانا، فلم ير عليهم ابن على قودا ورآه عليهم المشايخ، ثم رجع ابن على اليهم، وذلك فى عصر الامام حميد. ثم قال (٢): وان تلف مقر أو مبين عليه فى جماعة أو مع واحد حتى لا يفرز كف عن قتلة، حتى يتبين باقرار، أو شهادة وان قال قتلته خطأ، بضربى الى غيره، أو بظنى أنه من حل لى قتله، أو بقول الناس أنه الذى حل لى قتله، أو بغير ذلك من الخطأ، أو قال قتلته وأنا طفل، أو مجنون، أو نائم، أو سكران بما أعذر به فى العلم أو بغى على أو قتل وليى، أو حل قتله، وقد التبس عليه الأمر فقتله خوصم. فان بين دعواه فالدية عليه حيث تكون، والا فالدية، أو القتل. وقيل: لا يشتغل به فى نصب الخصومة، فلا تنصب له بل يقتل، أو تؤخذ عنه الدية. وان بين بلا خصام فلا قتل الا أن بين دعواه، أو قال أن لى بيانا فى موضع كذا يحضر وقت كذا. وقيل: يحبس حتى يبين. ثم قال (٣): وان ضرب رجل رجلا الى أن صارت الروح فيه تجئ وتذهب، ثم قتله آخر ولم يدر من القاتل لزم الأخير القود لاشتراكهما فى دمه، أن فتكا به قلت أو لم يفتكا. وأن اطعمه أو سقاه سما أو ما يقتله ولا يدرى، بأن جعل السم فى طعامه حيث لا يعلم أو قهره بالقتل على بلعه، أو ابلعه ذلك ابلاعا فمات منه، قتل به، أى بقتيله الذى أطعمه، أو سقاه ما يموت به عمدا، وانما يقتل بالسيف. وجاء فى موضع آخر (٤): وان قدر انسان على تنجية انسان آخر وهو من نزل به ضرر بلا تلفه لزمه تنجيته، أن تحقق عنده الوصول اليها، بأن ظهر له، واتضح، لا ان اشتبه الوصول، أو النجاة. واذا اشتبهت التنجية جازت ولم تجب. واما التنجية من نحو هدم فلا يجوز الا مع ظن نجاة المنجى. واذا كان لا ينجو الا بموت المنجى له من انسان فله الخيار، ولا يلزمه التنجية والدفع لعدم من ينجى أو يدفع عنه.

стр. 3518

واذا اشترط التنجية على المنجى لم يجز الوفاء به الا ان طمع الموفى أن ينجو واشتبه عليه هل ينجو أو هل يصل الى التنجية فيجوز له ولا يجب. وقيل لا يجوز ولو طمع الا أن ظهرت له النجاة واتضحت وظهر له الوصول الى التنجية واتضح. ثم قال (١): وان شهد أربعة على زان بامرأة لا يعرفونها فلا يحد لاحتمال انها زوجته أو سريته الا باقرار، أو بيان. ومن لم يعرف محصنا ولا بكرا جلد، وليس لهم أن يفتشوا عن حاله. وان ادعى أنه عبد لم يحد فيما قيل. والظاهر أنه يجلد خمسين اذا لم يتبين أنه محصن فيرجم فيكون جلده زيادة. وان شهد ثلاثة بالزنا حدوا حد القذف. وان رجع بعض الأربعة قبل الحكم أو شك فى شهادته حدوا كلهم. وان توقف الرابع حد الثلاثة. قيل ولا حد بشبهة وشمل قول النبى ﷺ «ادرءوا الحد بالشبهة ما استطعتم». أو أن تكون شبهة للزانى أن ذلك ليس زنا وان يقول المأمور قد ضربت الحد.

стр. 3519

الاشتباه في البيوع مذهب الحنفية: جاء في بدائع الصنائع (١): ان من شروط المعقود عليه أن يكون مالا، لأن البيع مبادلة المال بالمال. ولو جمع بين ما هو مال (٢) وبين ما ليس بمال في البيع، بأن جمع بين حر وعبد أو بين عصير وخمر، أو بين ذكية وميتة، وباعهما صفقة واحدة، فان لم يبين حصة كل واحد منهما من الثمن لم ينعقد العقد أصلا بالاجماع، وان بين فكذلك عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لأن الصفقة واحدة وقد فسدت فى أحدهما فلا تصح فى الآخر. وعند صاحبيه يجوز فى العصير والعبد والذكية، ويبطل فى الحر والخمر والميتة. ولو جمع بين قن ومدبر، أو أم ولد ومكاتب، أو بين عبده وعبد غيره وباعهما صفقة واحدة، جاز البيع فى عبده بلا خلاف. ووجه قولهما: أن الفساد بقدر المفسد، لأن الحكم يثبت بقدر العلة، والمفسد خص أحدهما، فلا يتعمم الحكم مع خصوص العلة فلو جاء الفساد انما يجئ من قبل جهالة الثمن، فاذا بين حصة كل واحد منها من الثمن فقد زال هذا المعنى أيضا. ولهذا جاز بيع القن اذا جمع بينه وبين المدبر أو المكاتب أو أم الولد وباعهما صفقة واحدة، كذا هذا. ومن الشروط (٣) أيضا أن يكون المعقود عليه مقدور التسليم عند العقد. فان كان معجوز التسليم عند العقد لا ينعقد وان كان مملوكا له كبيع الآبق فى جواب ظاهر الروايات، حتى لو ظهر يحتاج الى تجديد الايجاب والقبول، الا اذا تراضيا فيكون بيعا مبتدأ بالتعاطى. فان لم يتراضيا وامتنع البائع من التسليم لا يجبر على التسليم. ولو سلم وامتنع المشترى من القبض لا يجبر على القبض، لأن القدرة على التسليم لذا العاقد شرط انعقاد العقد، لأنه لا ينعقد الا لفائدة، ولا يفيد اذا لم يكن قادرا على التسليم، والعجز عن التسليم ثابت حالة العقد، وفى حصول القدرة بعد ذلك شك واحتمال قد

стр. 3520

يحصل وقد لا يحصل، وما لم يكن منعقدا بيقين لا ينعقد لفائدة تحتمل الوجود والعدم على الأصل المعه د أن ما لم يكن ثابتا بيقين أنه لا يثبت بالشك والاحتمال. بخلاف ما اذا أبق بعد البيع قبل القبض أنه لا ينفسخ، لأن القدرة على التسليم كانت ثابتة لذا العقد فانعقد، ثم زالت على وجه يحتمل عودها فيقع الشك في زوال المنعقد بيقين، والثابت باليقين لا يزول بالشك فهو الفرق. وذكر الكرخى رحمه الله تعالى أنه ينعقد بيع الآبق، حتى لو ظهر وسلم يجوز، ولا يحتاج الى تجديد البيع، لأن الأباق لا يوجب زوال الملك. ألا ترى أنه لو أعتقه أو دبره ينفذ. ولو وهبه من ولده الصغير يجوز، وكان ملكا له، فقد باع مالا مملوكا له، الا أنه لم ينفذ فى الحال للعجز عن التسليم، فان سلم زال المانع فينفذ، وصار كبيع المغصوب الذى فى يد الغاصب اذا باعه المالك لغيره، أنه ينعقد موقوفا على التسليم، لما قلنا، كذا هذا. وعلى هذا يخرج بيع اللبن (١) فى الضرع، لأن اللبن لا يجتمع فى الضرع دفعة واحدة بل شيئا فشيئا فيختلط المبيع بغيره على وجه يتعذر التمييز بينهما فكان المبيع معجوز التسليم عند البيع فلا ينعقد. وكذا بيع الصوف على ظهر الغنم فى ظاهر الرواية لأنه ينمو ساعة فساعة فيختلط الموجود عند العقد بالحادث بعده على وجه لا يمكن التمييز بينهما فصار معجوز التسليم بالجز، والنتف استخراج أصله وهو غير مستحق بالعقد. والاجازة (٢) فى البيع تلحق تصرف الفضولى بشرائط. منها: أن يكون له مجيز عند وجوده فما لا مجيز له عند وجوده لا تلحقه الأجازة. لأن ماله مجيز متصور منه الاذن للحال وبعد وجود التصرف، فكان الانعقاد عند الاذن القائم مفيدا فينعقد، وما لا مجيز له يتصور الاذن به للحال، والاذن فى المستقبل قد يحدث وقد لا يحدث، فان حدث كان الانعقاد مفيدا، وان لم يحدث لم يكن مفيدا، فلا ينعقد مع الشك فى حصول الفائدة على الأصل المعه د ان ما لم يكن ثابتا بيقين لا يثبت مع الشك، واذا لم ينعقد لا تلحقه الاجازة، لأن الاجازة للمنعقد.

стр. 3521

ويشترط (١) لصحة البيع أن يكون المبيع معلوما، وثمنه معلوما علما يمنع من المنازعة. فان كان أحدهما مجهولا جهالة مفضية الى المنازعة فسد البيع، وان كان مجهولا جهالة لا تفضى الى المنازعة لا يفسد. لأن الجهالة اذا كانت مفضية الى المنازعة كانت مانعة من التسليم والتسلم، فلا يحصل مقصود البيع. واذا لم تكن مفضية الى المنازعة لا تمنع من ذلك فيحصل المقصود. ومن ذلك ما اذا قال: بعتك شاة من هذا القطيع أو ثوبا من هذا العدل (٢) فالبيع فاسد، لأن الشاة من القطيع، والثوب من العدل مجهول جهالة مفضية الى المنازعة، لتفاحش التفاوت بين شاة وشاة، وثوب وثوب فيوجب فساد البيع، فان عين البائع شاة أو ثوبا وسلمه اليه ورضى به جاز. وأما جهالة المبيع (٣) فلأن العقد فى أحدهما بات وفى الآخر خيار ولم يعين أحدهما من الآخر فكان المبيع مجهولا. واذا بيع الثمر على الشجر واستأجر المشترى من البائع الشجر للترك الى وقت الادراك، طاب للمشترى الفضل، لأن الترك حصل باذن البائع (٤). ولكن لا تجب الأجرة، لأن هذه الاجارة باطلة. ولو أخرجت الشجرة فى مدة الترك ثمرة أخرى فهى للبائع سواء كان الترك باذنه أو بغير اذنه لأنه نماء ملك البائع فيكون له، ولو حللها له البائع جاز. وان اختلط الحادث بعد العقد بالموجود عنده حتى لا يعرف ينظر. فان كان قبل التخلية بطل البيع لأن المبيع صار معجوز التسليم بالاختلاط للجهالة وتعذر التمييز، فأشبه العجز عن التسليم بالهلاك. وان كان بعد التخلية لم يبطل البيع، لأن التخلية قبض، وحكم البيع يتم ويتناهى بالقبض والثمرة تكون بينهما، لاختلاط ملك أحدهما بالآخر اختلاطا لا يمكن التمييز بينهما، فكان الكل مشتركا بينهما. والقول قول المشترى فى المقدار، لأنه صاحب يد، لوجود التخلية، فكان الظاهر شاهدا له، فكان القول قوله. والحيوان (٥) مع اللحم ان اختلف الأصلان

стр. 3522

فهما جنسان مختلفان، كالشاة الحية مع لحم الأبل والبقر. فيجوز بيع البعض بالبعض مجازفة نقدا ونسيئة لانعدام الوزن والجنس فلا يتحقق الربا أصلا. وان اتفقا كالشاة الحية مع لحم الشاة فمن مشايخنا من اعتبرهما جنسين مختلفين. وبنوا عليه جواز بيع لحم الشاة بالشاة الحية مجازفة عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى. وعللوا لهما بأنه باع الجنس بخلاف الجنس. ومنهم من اعتبرهما جنسا واحدا. وبنوا مذهبهما على أن الشاة ليست بموزونة. وجريان ربا الفضل يعتمد اجتماع الوصفين: الجنس مع القدر. فيجوز بيع أحدهما بالآخر مجازفة ومفاضلة بعد أن يكون يدا بيد. وهو الصحيح على ما عرف فى الخلافيات. وقال محمد رحمه الله تعالى: لا يجوز الا على وجه الاعتبار، على أن يكون وزن اللحم الخالص أكثر من اللحم الذى فى الشاة الحية بالحزر والظن، فيكون اللحم بازاء اللحم، والزيادة بازاء أخلاف الجنس من الأطراف والسقط والرأس والأكارع والجلد والشحم. فان كان اللحم الخالص مثل قدر اللحم الذى فى الشاة الحية، أو أقل، أو لا يدرى، فانه لا يجوز. وعلى هذا الخلاف اذا باع الشاة الحية بشحم الشاة، أو بأليتها، وهذا مذهب أصحابنا. وأما بيع (١) دهن الجوز بالجوز، فقد اختلف المشايخ فيه. قال بعضهم: يجوز مجازفة. وقال بعضهم: لا يجوز الا على طريق الاعتبار. وأجمعوا على أن بيع النصال بالحديد غير المصنوع جائز مجازفة بعد أن يكون يدا بيد. ووجه قول محمد ﵀ أن فى تجويز المجازفة ها هنا احتمال الربا فوجب التحرز عنه ما أمكن، وأمكن بمراعاة طريق الاعتبار، فلزم مراعاته قياسا على بيع الدهن بالسمسم. والدليل على أن فيه الربا أن اللحم موزون، فيحتمل أن يكون اللحم المنزوع أقل من اللحم الذى فى الشاة وزنا، فيكون

стр. 3523

شئ من اللحم مع السقط زيادة، ويحتمل أن يكون مثله فى الوزن، فيكون السقط زيادة، فوجب مراعاة طريق الاعتبار تحرزا عن الربا عند الامكان، ولهذا لم يجز بيع الدهن بالسمسم والزيت بالزيتون الا على طريق الاعتبار. ومن شروط (١) البيع الخلو عن احتمال الربا، فلا يجوز المجازفة فى أموال الربا بعضها ببعض، لأن حقيقة الربا كما هى مفسدة للعقد، فاحتمال الربا مفسد له أيضا. لقول عبد الله بن مسعود رضى الله تعالى عنه، ما اجتمع الحلال والحرام فى شئ الا وقد غلب الحرام الحلال. والأصل فيه أن كل ما جازت فيه المفاضلة جاز فيه المجازفة، وما لا فلا، لأن التماثل والخلو عن الربا فيما يجرى فيه الربا لما كان شرط الصحة فلا يعلم تحقيق المماثلة بالمجازفة، فيقع الشك فى وجود شرط الصحة، فلا تثبت الصحة على الأصل المعه د فى الحكم المعلق على شرط اذا وقع الشك فى وجود شرطه أنه لا يثبت، لأن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك، كما أن الثابت بيقين لا يزول بالشك. وبيان هذا الأصل فى مسائل: اذا تبايعا حنطة بحنطة مجازفة. فان لم يعلما كيلهما، أو علم أحدهما دون الآخر، أو علما كيل أحدهما دون الآخر، لا يجوز، لما قلنا. وان علم استواؤهما فى الكيل. فان علم فى المجلس جاز البيع، لأن المجلس وان طال فله حكم حالة العقد، فكأنه عند العقد. وان علم بعد الافتراق لم يجز. ولو تبايعا حنطة بحنطة وزنا بوزن متساويا فى الوزن لم يجز، لأن الحنطة مكيلة، والتساوى فى الكيل شرط جواز البيع فى المكيلات، ولا تعلم المساواة بينهما فى الكيل، فكان بيع الحنطة بالحنطة مجازفة. وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه اذا غلب استعمال الوزن فيها تصير وزنية، ويعتبر التساوى فيها بالوزن وان كانت فى الأصل كيلية. وعلى هذا تخرج المزابنة والمحاقلة أنهما لا يجوزان. لأن المزابنة بيع التمر على رؤوس النخل بمثل كيله من التمر خرصا لا يدرى أيهما أكثر، وبيع الزبيب بالعنب لا يدرى أيهما أكثر. والمحاقلة بيع الحب فى السنبل بمثل كيله من الحنطة خرصا لا يدرى أيهما أكثر، فكان هذا بيع مال الربا مجازفة، لأنه لا تعرف المساواة بينهما فى الكيل.

стр. 3524

وقد روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المزابنة والمحاقلة. ولو اشترى فضة مع غيرها بفضة مفردة بأن اشترى سيفا محلى بفضة مفردة أو اشترى ذهبا وغيره بذهب مفرد، كما اذا اشترى ثوبا منسوجا بالذهب بذهب مفرد، أو جارية مع حليها وحليها ذهب بذهب مفرد ونحو ذلك، فانه لا يجوز مجازفة عندنا، بل يراعى فيه طريق الاعتبار، وهو أن يكون وزن الفضة المفردة أو الذهب المفرد بمثله من المجموع والزيادة بخلاف جنسه، فلا يتحقق الربا. فان كان وزن المفرد أقل من وزن المجموع أو كان مثله لا يجوز. وكذلك اذا كان لا يعلم وزنه أنه أكثر، أو أقل، أو اختلف أهل النظر فيه، فقال بعضهم: الثمن أكثر، وقال بعضهم: هو مثله لا يجوز عندنا. وعند زفر يجوز، ووجه قوله أن الأصل فى البيع جوازه والفساد يعارض الربا وفى وجوده شك فلا يثبت الفساد بالشك. ويشترط (١) فى المسلم فيه أن يكون موجودا من وقت العقد الى وقت الأجل. فان لم يكن موجودا عند العقد، أو عند محل الأجل، أو كان موجودا فيهما لكنه انقطع من أيدى الناس فيما بين ذلك كالثمار والفواكه واللبن وأشباه ذلك، فلا يجوز السلم، لأن القدرة على التسليم ثابتة للحال، وفى وجودها عند المحل شك لاحتمال الهلاك. فان بقى حيا الى وقت المحل ثبتت القدرة وان هلك قبل ذلك لا تثبت والقدرة لم تكن ثابتة فوقع الشك فى ثبوتها فلا تثبت مع الشك. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى (٢) عليه: أنه ان اشترى على رؤية متقدمة، فادعى المشترى أنه ليس على الصفة التى رآه عليها، وادعى البائع أنه عليها، حلف البائع على بقاء الصفة التى رآه المشترى عليها ولم يتغير. فان حصل شك هل تغير فيما بين الرؤية والقبض أم لا؟ فان قطع أهل المعرفة بعدم التغير، فالقول للبائع بلا يمين. وان قطع بالتغير فالقول للمشترى. وان رجحت لواحد منهما فالقول له بيمين.

стр. 3525

وكره بيع (١)، مغشوش، كذهب فيه فضة بمثله مراطلة أو مبادلة، أو غيرهما لمن لا يؤمن أن يغش به، بأن شك فى غشه وفسخ ممن يعلم أنه يغش به، فيجب رده على بائعه، الا أن يفوت بذهاب عينه، أو يتعذر المشترى. فان فات فهل يتجدد ملكه لثمن المغشوش فلا يجب أن يتصدق به، وان ندب له التصدق أو يتصدق وجوبا بالجميع أى جميع الثمن، أو بالزائد على فرض بيعه ممن لا يغش به، لأنه اذا بيع ممن يغش يباع بأزيد؟ أقوال أعدلها ثالثها. وجاء فى الحطاب (٢): ومن باع ثوبا، وادعى المشترى أن شراءه كان أكثر مما باعه به، وأنه غلط فيه، واختلط له بغيره، ولم يمكن الفرز والتمييز، فان كان البيع مرابحة صدق، وان كانت له شبهة من رقم أو شهادة قوم على ما وقع به عليه فى مقاسمة أو شبه ذلك. واختلف ان ادعى الغلط فى بيع المساومة، وزعم أنه اختلط له بغيره، وهو ذو أثواب كثيرة، فقيل: انه بمنزلة المرابحة، وهو ظاهر الرواية. وما فى كتاب الأقضية من المدونة وما فى نوازل سحنون من كتاب العيوب محتمل. وقيل: البيع لازم، ولا حجة له فيما ذكر واليه ذهب ابن حبيب. سئل مالك عمن باع مصلى فقال المشترى: أتدرى ما هذا المصلى؟ هى والله خز، فقال البائع: ما علمت أنه خز، ولو علمته ما بعته بهذا الثمن، قال مالك: هو للمشترى: ولا شئ للبائع لو شاء استبرأه قبل بيعه. وكذا لو باعه مرويا، ثم قال: لم أعلم أنه مروى، انما ظننته كذا أو كذا أرأيت لو قال مبتاعه ما اشتريته الا ظنا أنه خز وليس بخز فهذا مثله. وكذا من باع حجرا بثمن يسير، ثم تبين أنه ياقوتة أو زبرجدة تبلغ مالا كثيرا لو شاء استبرأه قبل البيع. بخلاف من قال اخرج لى ثوبا مرويا بدينار فأخرج له ثوبا أعطاه اياه ثم وجده من أثمان أربعة دنانير هذا يحلف ويأخذ ثوبه. قال ابن رشد فى سماع أبى زيد خلاف هذا أن من اشترى ياقوتة، وهو يظنها حجرا، ولا يعرفها البائع ولا المبتاع فيجدها على ذلك، أو يشترى القرط يظنه ذهبا فيجده نحاسا أن البيع يرد فى الوجهين. وهذا الاختلاف انما هو اذا لم يسم أحدهما الشئ بغير اسمه، وانما سماه باسم يصلح له على كل حال.

стр. 3526

ثم قول البائع أبيعك هذا الحجر، أو قول المشترى: بع منى هذا الحجر، فيشتريه وهو يظنه ياقوتة فيجده غير ياقوتة، أو يبيع البائع يظن أنها ياقوتة، فاذا هو غير ياقوتة، فيلزم المشترى. وان علم البائع أنها غير ياقوتة والبائع البيع وان علم المشترى أنها ياقوتة على رواية أشهب. ولا يلزم ذلك فى الوجهين على ما فى سماع أبى زيد. وأما اذا سمى أحدهما الشئ بغير اسمه، مثل أن يقول البائع أبيعك هذه الياقوتة فيجدها غير ياقوتة، أو يقول المشترى بع منى هذه الزجاجة، ثم يعلم البائع أنها ياقوتة، فلا خلاف فى أن الشراء لا يلزم المشترى والبيع لا يلزم البائع، وكذا القول فى المصلى وشبه ذلك. وأما القرط يظنه المشترى ذهبا يشترط أنه ذهب فيجده نحاسا، فلا خلاف أن له أن يرده اذا كان قد صنع على صفة أقراط الذهب. أو كان مغسولا بالذهب. وقد اختلف اذا أبهم أحدهما لصاحبه فى التسمية ولم يصرح. فقال ابن حبيب أن ذلك يوجب الرد. وقال غيره غير ذلك. وقال مالك (١) فيمن خلط سلعة بتركة ميت ولم يبين فان للمبتاع الرد، وكذلك فيما جلب من رقيق أو حيوان فخلط اليها رأسا، أو دابة ويصيح عليه الصائح، فان لمبتاعه الرد اذا علم. مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج (٢): أنه لا يصح بيع اللبن فى الضرع وان حلب منه شئ ورؤى قبل البيع، للنهى عنه، ولاختلاطه بالحادث، ولأن تسليمه انما يمكن باستئصاله، وهو مؤلم للحيوان. فان قبض قبضة وقال: بعتك هذه، صح قطعا كما فى المجموع. ولا يصح بيع الأكارع والرءوس قبل الابانة. ولا المذبوح أو جلده أو لحمه قبل السلخ أو السمط، لأنه مجهول. قال الأذرعى: وكذا مسلوخ لم ينق جوفه وبيع وزنا، فان بيع جزافا صح. بخلاف السمك والجراد فيصح مطلقا، لقلة ما فى جوفه. ولا يصح بيع مسك اختلط بغيره لجهل المقصود كنحو لبن مخلوط بنحو

стр. 3527

ماء، نعم ان كان معجونا بغيره كالغالية والندصح، لأن المقصود بيعهما، لا المسك وحده. ولو باع المسك فى فأرته لم يصح. ولو فتح رأسها كاللحم فى الجلد فان رآها فارغة ثم ملئت مسكا لم يره ثم رأى أعلاه من رأسها أو رآه خارجها ثم اشتراه بعد رده اليها جاز. ولو باعه السمن وظرفه، أو المسك وفأرته، كل قيراط بدرهم مثلا صح وان اختلفت قيمتهما ان عرفا وزن كل واحد منهما وكان للظرف قيمة، والا فلا يصح. ويجوز بيع حنطة مختلطة بشعير كيلا ووزنا وجزافا. ولا يصح بيع تراب معدن قبل تمييزه من الذهب والفضة ولا تراب صاغه، لأن المقصود مستور بمالا مصلحة له فيه عادة، كبيع اللحم فى الجلد. ولو كان الثوب على منسج قد نسج بعضه، فباعه على أن ينسج البائع الباقى، لم يصح البيع قطعا، نص عليه. والأصح ان وصف الشئ الذى يراد بيعه بصفة السلم أو سماع وصفه بطريق التواتر لا يكفى عن الرؤية، لأنها تفيد أمورا تقصر عنها العبارة وفى الخبر «ليس الخبر كالعيان». وجاء فى نهاية المحتاج (١): أن من باع ما بدا صلاحه من ثمر أو زرع وأبقى لزمه سقيه، حيث كان مما يسقى قبل التخلية وبعدها قدر ما ينميه ويقيه من التلف، لأنه من تتمة التسليم الواجب، كالكيل فى المكيل، والوزن فى الموزون. فلو شرط كونه على المشترى بطل البيع، لمخالفته مقتضاه. فلو باعه مع شرط قطع أو قلع لم يجب بعد التخلية سقى كما بحثه السبكى، الا اذا لم يتأت قطعه الا فى زمن طويل يحتاج فيه الى السقى، فنكلفه ذلك فيما يظهر أخذا من تعليلهم المذكور، وان نظر فيه الأذرعى. ولو باع الثمرة لمالك الشجرة لم يلزمه سقى، كما هو ظاهر. وفى كلام الروضة ما يدل له، لانقطاع العلق بينهما. ويتصرف مشترى ما ذكر بعد التخلية، لحصول القبض بها. ولو عرض مهلك أو تعيب بعد التخلية من

стр. 3528

غير ترك سقى واجب كبرد بفتح الراء واسكانها. فالجديد: أنه من ضمان المشترى، لما تقرر من حصول القبض بها لخبر مسلم «أن النبى ﷺ أمر بالتصدق على من أصيب فى ثمر اشتراه، ولم يسقط ما لحقه من ثمنها» فخبره أنه أمر بوضع الجوائح محمول على الأول أو على ما قبل القبض جمعا بين الدليلين. أما لو عرض المهلك من ترك ما وجب على البائع من السقى كان من ضمانه. والقديم أنه من ضمان البائع. ولو كان مشترى الثمر مالك الشجر ضمنه جزما، كما لو كان المهلك نحو سرقة أو بعد أوان الجذاذ بزمن يعد التأخير فيه تضييعا. أما ما قبلها فمن ضمان البائع. فان تلف البعض انفسخ فيه فقط. فلو تعيب الثمر المبيع منفردا من غير مالك الشجر بترك البائع السقى الواجب عليه، فللمشترى الخيار، لأن الشرع الزم البائع التنمية بالسقى فالتعييب بتركه كالتعييب قبل القبض، حتى لو تلف بذلك انفسخ العقد أيضا. هذا كله ما لم يتعذر السقى. فان تعذر بأن غارت العين، أو انقطع ماء النهر فلا خيار له كما صرح به أبو على الطبرى، ولا يكلف فى هذه الحالة تكليف ماء آخر، كما هو قضية نص الأم، وكلام الجوينى فى السلسلة. فان آل التعييب الى التلف والمشترى عالم به ولم يفسخ لم يغرم له البائع فى أحد وجهين، كما رجحه بعض المتأخرين. ولو بيع نحو ثمر قبل أو بعد بدو صلاحه بشرط قطعه، ولم يقطع حتى هلك بجائحة، فأولى بكونه من ضمان المشترى ما لم يشرط قطعه لتفريطه. ومن ثم قطع بعضهم بكونه من ضمانه. وقطع بعض آخر بكونه من ضمان البائع. قال الأذرعى: لا وجه له اذا أخر المشترى عنادا. ولو بيع ثمر أو زرع بعد بدو الصلاح، ولو بعضه مما يندر اختلاطه، أو يتساوى فيه الأمران، أو يجهل حاله، صح بشرط القطع والابقاء. ومع الاطلاق أو مما يغلب تلاحقه واختلاط حادثه بالموجود، بحيث لا يتميزان كتين وقثاء وبطيخ، لم يصح البيع، لانتفاء القدرة على تسليمه، الا أن يشترط المشترى أى أحد المتعاقدين ويوافقه الآخر قطع ثمره أو زرعه عند خوف الاختلاط فيصح البيع حينئذ، لانتفاء المحذور. فلو لم يتفق قطع حتى اختلط فكما فى قوله ولو حصل الاختلاط قبل التخلية

стр. 3529

فيما يندر فيه الاختلاط، أو فيما يتساوى فيه الأمران، أو جهل فيه الحال، فالأظهر أنه لا ينفسخ البيع، لبقاء عين المبيع، وتسليمه ممكن بالطريق الآتى: فدعوى مقابلة تعذره ممنوع، وان صححه النووى فى بعض كتبه، وانتصر له جمع من المتأخرين، وادعوا أنه المذهب. بل يتخير المشترى بين الاجازة والفسخ، اذ الاختلاط عيب حدث قبل التسليم. ويؤخذ من ذلك تصحيح ما دل كلام الرافعى عليه أنه خيار عيب فيكون فوريا، ولا يتوقف على حاكم لصدق حد العيب السابق عليه، فانه بالاختلاط صار ناقص القيمة، لعدم الرغبة فيه حينئذ، وان ذهب كثيرون الى أنه على التراخى، وتوقفه على الحاكم، لأنه لقطع النزاع، لا للعيب. والثانى ينفسخ، لتعذر تسليم المبيع. وعلى الأول فان سمح بفتح الميم له البائع بما حدث بهبة أو غيرها ويملك به أيضا هنا، كما فى الأعراض عن السنابل، بخلافه عن النعل لأن عوده الى المشترى متوقع، ولا سبيل هنا الى تمييز حق البائع سقط خياره فى الأصح، لزوال المحذور، ولا أثر للمنة هنا لكونها فى ضمن عقد، وفى مقابلة عدم فسخه. والثانى: لا يسقط، لما فى قبوله من المنة. وكلام المصنف كأصله تبعا للامام والغزالى يقتضى تخيير المشترى أولا حتى تجوز مبادرته للفسخ. فان بادر البائع أولا وسمح سقط خياره وهو الأصح. وان قال فى المطلب أنه مخالف لنص الشافعى والأصحاب، فانهم خيروا البائع أولا فان سمح بحقه أقر العقد، والا فسخ. أما لو وقع الاختلاط بعد التخلية، فلا انفساخ أيضا، ولا خيار، بل ان اتفقا على شئ، فذاك، والا صدق ذو اليد بيمينه فى قدر حق الآخر. وهل اليد بعد التخلية للبائع، أو للمشترى، أولهما؟ فيه أوجه. أوجهها ثانيها كما اقتضاه كلام الرافعى. ولو اشترى شجرة وعليها ثمرة للبائع يغلب تلاحقها، ففى وجوب القطع ووقوع الاختلاط والانفساخ ما مر، خلافا لبعضهم. ولو باع جزة من القت مثلا بشرط القطع فلم يقطعها حتى طالت وتعذر التمييز جرى القولان. ويجريان أيضا فيما لو باع حنطة فأنصب عليها مثلها قبل القبض، وكذا فى المائعات. ولو اختلط الثوب بأمثاله أو الشاة المبيعة بأمثالها، فالصحيح الانفساخ، لأن ذلك

стр. 3530

يورث الاشتباه، وهو مانع من صحة العقد، ولو فرض ابتداء، وفى نحو الحنطة غاية ما يلزم الاشاعة، وهى غير مانعة. وجاء فى مغنى المحتاج (١): ان المالك ان قارض شخصا على مالين فى عقدين، فخلطهما، ضمن، لتعديه فى المال، بل ان شرط فى العقد الثانى بعد التصرف فى المال الأول، ضم الثانى الى الأول فسد القراض فى الثانى، وامتنع الخلط، لأن الأول استقر حكمه ربحا وخسرانا. وان شرط قبل التصرف صح، وجاز الخلط، وكأنه دفعهما اليه معا، نعم ان شرط الربح فيهما مختلفا امتنع الخلط. ويضمن العامل أيضا لو خلط مال القراض بماله، أو قارضه اثنان فخلط مال أحدهما بمال الآخر، ولا ينعزل بذلك عن التصرف كما نقله الامام عن الأصحاب. واذا اشترى بألفى المقارضين له عبدين فاشتبها عليه وقعا له، وغرم لهما الألفين، لتفريطه بعدم الأفراد. مذهب الحنابلة: جاء فى قواعد ابن رجب (٢): أن القرعة تستعمل فى تمييز المستحق اذا ثبت الاستحقاق ابتداء لمبهم عير معين عند تساوى أهل الاستحقاق. ويستعمل أيضا فى تمييز المستحق المعين فى نفس الأمر عند اشتباهه، والعجز على الاطلاع عليه. وسواء فى ذلك الأموال والابضاع فى ظاهر المذهب. وفى الابضاع قول آخر: أنه لا تؤثر القرعة فى حل المعين منها فى الباطن. ولا يستعمل فى الحاق النسب عند الاشتباه على ظاهر المذهب. ويستعمل فى حقوق الاختصاص والولايات وغيرهما ولا تستعمل فى تعيين الواجب المبهم من العبادات ونحوها ابتداء. وفى الكفارة وجه ضعيف أن القرعة تميز اليمين المنسية. ولو اشتبه (٣) عبده بعبد غيره فهل يصح بيع عبده المشتبه من مال الآخر قبل تمييزه؟ قال القاضى فى خلافه يحتمل أن لا يصح العقد حتى يقع التمييز. وبماذا يقع؟ يحتمل أن يقرع بينهما

стр. 3531

فيعين بالقرعة، ثم يبيعه لأنه قد اختلط المستحق بغيره. ويحتمل أن يقف على المراضاة ولو سلمناه فلأن الجهالة هنا بغير فعله فعفى عنها. قال وأجود ما يقال فيها: أنهما يبيعان العبدين ويقتسمان الثمن على قيمة العبدين، كما قلنا اذا اختلط زيته بزيت الآخر، وأحدهما أجود من الآخر، انهما يبيعان الزيت، ويقتسمان الثمن على قدر القيمة. وذكر الشيخ تقى الدين (١) أن مقتضى المذهب أنه اذا شهدت البينتان بالعقدين، أو الاقرارين أو الحكمين، أن يصدق البينتان به ان علم السابق، والا كان بمنزلة أن تشهد بينة واحدة بالعقدين، ولا يعلم السابق منهما، فهنا اما أن يقرع أو يبطل على صاحب اليد. قال: قياس المذهب فيما اذا اشتبه أسبق عقدى البيع أن يفسخهما، الا اذا تعذر موجب الفسخ من رد الثمن ونحوه، فانه يقرع، لأن من أصلنا: أنه اذا اشتبه المالك بغير المالك أو الملك بغير الملك، فانا نقرع، فاذا أمكن فسخ العقد، ورد كل مال الى صاحبه فهو خير من خطر القرعة. وجاء فى المغنى (٢): أنه ان اشترى زيتا فخلطه بزيت، أو قمحا فخلطه بما لا يمكن تمييزه منه، سقط حق الرجوع، لأنه لم يجد عين ماله، فلم يكن له الرجوع، كما لو تلفت، ولأن ما يأخذه من غير عين ماله انما يأخذه عوضا عن ماله، فلم يختص به دون الغرماء كما لو تلف ماله. وجاء فى كشاف القناع (٣): أنه ان اختلط المبيع بكيل ونحوه بغيره، ولم يتميز لم ينفسخ البيع، لبقاء عين المبيع، وهما أى المشترى ومالك ما اختلط به المبيع شريكان فى المختلط بقدر ملكيهما. وجاء فى الشرح الكبير على المغنى (٤): أنه ليس للمضارب أن يخلط مال المضاربة بماله، فان فعل ولم يتميز ضمنه، لأنه أمانة فهو كالوديعة، فان قال له أعمل برأيك جاز ذلك، لأنه قد يرى الخلط أصلح له، فيدخل فى قوله: اعمل برأيك. وهكذا القول فى المشاركة به ليس له فعلها الا أن يقول له: أعمل برأيك، فيملكها. وان مات (٥) المضارب ولم يعرف مال المضاربة فهو دين فى تركته، لأن الأصل بقاء المال فى يده، واختلاطه بجملة التركة

стр. 3532

ولا سبيل الى معرفة عينة، فكان دينا، كالوديعة اذا لم يعرف عينها، وكما اذا خلطها بماله على وجه لا يتميز منه، ولأنه لا سبيل الى اسقاط حق رب المال، لأن الأصل بفاؤه ولم يوجد ما يعارض ذلك ويخالفه، ولا سبيل الى اعطائه عينا من التركة، لأنه يحتمل أن تكون غير مال المضاربة فلم يبق الا تعلقه بالذمة. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (١): أنه ان بيع شئ من الغائبات بغير صفة، ولم يكن مما عرفه البائع، لا برؤية، ولا بصفة من يصدق ممن رأى ما باعه ولا مما عرفه المشترى برؤية أو بصفة من يصدق، فالبيع فاسد مفسوخ أبدا، لا خيار فى جوازه أصلا ويجوز ابتياع المرء ما وصفه له البائع، سواء صدقه أو لم يصدقه. ويجوز بيع المرء ما وصفه له المشترى صدقه، أو لم يصدقه. فان وجد المبيع بتلك الصفة فالبيع لازم. وان وجد بخلافها فالبيع باطل ولابد. ويجوز بيع الحب بعد اشتداده كما هو فى أكمامه بأكمامه، وبيع الكبش حيا ومذبوحا كله لحمه مع جلده، وبيع الشاة بما فى ضرعها من اللبن، وبيع النوى مع التمر، لأنه كله ظاهر مرئى. ولا يحل بيعه دون أكمامه، لأنه مجهول، لا يدرى أحد صفته، ولا بيع اللحم دون الجلد، ولا النوى دون التمر، ولا اللبن دون الشاة كذلك. ولا يخلو بيع كل ذلك قبل ظهوره من أن يكون اخراجه مشترطا على البائع، أو على المشترى، أو عليهما، أو على غيرهما، أو لا على أحد. فان كان مشترطا على البائع أو على المشترى، فهو بيع (٢) بثمن مجهول، واجارة بثمن مجهول، وهذا باطل، لأن البيع لا يحل بنص القرآن الا بالتراضى والتراضى بضرورة الحس لا يمكن أن يكون الا بمعلوم لا بمجهول، فكذلك ان كان مشترطا عليهما أو على غيرهما. والبرهان على بطلان بيع ما لم يعرف برؤية ولا بصفة صحة نهى النبى ﷺ عن بيع الغرر، وهذا عين الغرر، لأنه لا يدرى ما اشترى أو باع، وقول الله تعالى «إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» (٣)، ولا يمكن أصلا وقوع التراضى على ما لا يدرى قدره ولا صفاته.

стр. 3533

وبيع العبد الآبق (١) سواء عرف مكانه أو لم يعرف جائز. وكذلك بيع الجمل الشارد سواء عرف مكانه أو لم يعرف. وكذلك الشارد من سائر الحيوان، ومن الطير المنفلت وغيره إذا صح الملك عليه قبل ذلك، والا فلا يحل بيعه. وأما كل ما لا يملك أحد بعد، فانه ليس أحد أولى به من أحد، فمن باعه فانما باع ما ليس له فيه حق فهو أكل مال بالباطل. وأما ما عدا ذلك من كل ما ذكرنا فقد صح ملك مالكه له. وكل ما ملكه المرء فحكمه فيه نافذ بالنص إن شاء وهبه، وإن شاء باعه، وإن شاء أمسكه، وإن مات فهو موروث عنه، لا خلاف فى أنه ماله وموروث عنه فما الذى حرم بيعه وهبته. وقد أبطلنا قول من فرق بين الصيد يتوحش وبين الأبل والبقر والغنم والخيل يتوحش. وكذلك لا فرق بين الصيد من السمك، ومن الطير، ومن النحل، ومن ذوات الأربع، كل ما ملك من ذلك فهو مال من مال مالكه بلا خلاف من أحد. ولا يحل بيع شئ من المغيبات (٢) دون ما عليها أصلا، فلا يحل بيع النوى - أى نوى كان - قبل اخراجه واظهاره دون ما عليه. ولا بيع المسك دون النافجة قبل اخراجه من النافجة. ولا بيع البيض دون القشر قبل اخراجه عنه. ولا بيع حب الجوز واللوز والفستق والصنوبر والبلوط والقسطل والجلوز وكل ذى قشر دون قشره قبل اخراجه من قشره. ولا بيع العسل دون شمعه قبل اخراجه من شمعه. ولا لحم شاة مذبوحة دون جلدها قبل سلخها. ولا بيع زيت دون الزيتون قبل عصره ولا بيع شئ من الأدهان دون ما هو فيه قبل اخراجه منها ولا بيع حب البر دون أكمامه قبل اخراجه منها. ولا بيع سمن من لبن قبل اخراجه. ولا بيع لبن قبل حلبه أصلا. ولا بيع الجزر والبصل والكرات والفجل قبل قلعه، لا مع الأرض ولا دونها، لأن كل ذلك بيع غرر لا يدرى مقداره، ولا صفته، ولا رآه أحد فيصفه، وهو أيضا أكل

стр. 3534

مال بالباطل، قال الله تعالى «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ»﴾. وبالضرورة يدرى كل أحد أنه لا يمكن البتة وجود الرضى على مجهول، انما يقع التراضى على ما علم وعرف، فاذ لا سبيل الى معرفة صفات كل ما ذكرنا، ولا مقداره، فلا سبيل الى التراضى به، واذ لا سبيل الى التراضى، فلا يحل بيعه، وهو أكل مال بالباطل. وأما الجزر والبصل والكرات والفجل فكل ذلك شئ لم يره قط أحد، ولا تدرى صفته، فهو بيع غرر، وأكل مال بالباطل اذا بيع وحده، وأما بيعه بالأرض معا فليس مما ابتدأ الله تعالى خلقه فى الأرض، فيكون بعضها، وانما هو شئ من مال الزارع لها أودعه فى الأرض، كما لو أودع فيها شيئا من سائر ماله ولا فرق، فما لم يستحل البذر عن هيئته فبيعه جائز مع الأرض ودونها، لأنه شئ موصوف معروف القدر، وقد رآه بائعه أو من وصفه له فبيعه جائز، لأن التراضى به ممكن، وأما اذا استحال عن حاله فقد بطل أن يعرف كيف هو وما صفته، وليس هو من الأرض، ولكنه شئ مضاف اليها، فهو مجهول الصفة جملة، ولا يحل بيع مجهول الصفة بوجه من الوجوه، لأنه بيع غرر حتى يقلع ويرى. ولا يحل (١) بيع مخيض لبن قبل أن يمخض، ولا يحل السمن دون الجبن قبل عصره، لأنه لا يرى ولا يتميز، ولا يعرف مقداره، فقد يخرج المخض والعصير قليلا، وقد يخرج كثيرا. ولا يحل بيع تراب (٢) الصاغة أصلا بوجه من الوجوه، لأنه انما يقصد المشترى ما فيه من قطع الفضة والذهب، وهو مجهول لا يعرف فهو غرر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر. ويجوز (٣) بيع ما ظهر من المقاتى وان كان صغيرا جدا، لأنه يؤكل. ولا يحل بيع ما لم يظهر بعد من المقاتى والياسمين والنور وغير ذلك، ولا جزة ثانية من الفصيل، لأن كل ذلك بيع ما لم يخلق، ولعله لا يخلق، وان خلق فلا يدرى أحد غير الله تعالى ما كميته، ولا ما صفاته، فهو حرام بكل وجه، وبيع غرر، وأكل مال بالباطل. ولا يحل بيع (٤) شئ غير معين من جملة مجتمعة لا بعدد ولا بوزن ولا بكيل، كمن باع رطلا، أو قفيزا، أو صاعا، أو أوقية من هذه الجملة من الثمر، أو البر، أو

стр. 3535

اللحم، أو الدقيق، أو كل مكيل فى العالم، أو موزون كذلك. وبرهان ذلك قول الله تعالى «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» (١) فحرم الله تعالى أخذ المرء مال غيره بغير تراض منهما، وسماه باطلا. وبضرورة الحس (٢) يدرى كل أحد أن التراضى لا يمكن البتة الا فى معلوم متميز. وكيف أن قال البائع: أعطيك من هذه الجهة وقال المشترى: بل من هذه الجهة كيف العمل؟ وبرهان آخر وهو نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر، ولا غرر أكثر من أن لا يدرى البائع أى شئ هو الذى باع، ولا يدرى المشترى أى شئ اشترى، وهذا حرام بلا شك. ولا يجوز بيع (٣) شئ لا يدرى بائعه ما هو، وان دراه المشترى، ولا ما لا يدرى المشترى ما هو، وان دراه البائع، ولا ما جهلاه جميعا، كمن اشترى فصا لا يدرى أزجاج هو أم ياقوت فوجده ياقوتا، وهكذا فى كل شئ. وبرهان ذلك ما ذكرنا. ومن أسلم (٤) فى صنفين ولم يبين مقدار كل صنف منهما، فهو باطل مفسوخ، مثل أن يسلم فى قفيزين من قمح وشعير، لأنه لا يدرى كم يكون منهما قمحا، وكم يكون شعيرا، ولا يجوز القطع بأنهما نصفان، لأنه لا دليل على ذلك. ولا بد من وصف ما يسلم فيه بصفاته الضابطة له، لأنه ان لم يفعل ذلك كان تجارة عن غير تراض اذ لا يدرى المسلم ما يعطيه المسلم اليه، ولا يدرى المسلم اليه ما يأخذ منه المسلم، فهو أكل مال بالباطل والتراضى لا يجوز ولا يمكن الا فى معلوم. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٥): أنه يجوز معاملة الظالم بيعا وشراء فيما لم يظن تحريمه من مغصوب أو غيره. فأما فيما علم أو ظن تحريمه، فانه لا يجوز بلا أشكال. ولا أشكال فى جواز ما علم أو ظن أنه حلال. ولكنه يكره، لأن فى ذلك ايناسا لهم. وأما اذا التبس عليه الأمر بعد علمه أن الشخص الذى يعامله معه ما هو حلال وحرام، فظاهر المذهب أنه يجوز.

стр. 3536

وقال المؤيد بالله انه لا يجوز، وأن الظاهر مما فى أيدى الظلمة أنه حرام. وفى الزوائد عن أبى جعفر الناصر وأبى هاشم وقاضى القضاة أنه يجوز، بشرط أن يكون الأكثر مما فى أيديهم حلالا. وفى الزوائد أيضا عن المؤيد بالله وأبى على والفقهاء أنه يجوز بشرط أن يقول من هو فى يده أنه حلال. هذا اذا كان اللبس مع شخص واحد. وأما اذا كان اللبس بين أشخاص فان التبس من معه الحرام بقوم غير محصورين جاز بلا اشكال وان كان بين قوم محصورين قال الفقيه على فلعله جائز بالاجماع. وان اختلط (١) التمر والأغصان والورق الموجود فى الشجر عند العقد بما حدث على تلك الشجر من غير تلك التى لم تدخل بعد أن صارت فى ملك المشترى حتى التبست القديمة بالحادثة بعد العقد قبل القبض. قال البعض فسد العقد بذلك، لأنه تعذر به تسليم المبيع، ذكر ذلك أبو مضر. وقال يحيى هذا ضعيف والصحيح أنه لا يفسد، لأن الجهالة طارئة، وأيضا فان المبيع متميز وانما الجهالة فى أمر حادث. قال مولانا ﵇ وهذا هو الصحيح. أما اذا كان الاختلاط بعد قبض المبيع، فانه لا يؤثر فى العقد. مذهب الأمامية: جاء فى الروضة (٢) البهية: أنه لو تنازع المأذونان بعد شراء كل منهما صاحبه فى الأسبق منهما ليبطل بيع المتأخر لبطلان الاذن بزوال الملك ولا بينة لهما ولا لأحدهما بالتقدم، قيل: يقرع، والقائل بها مطلقا غير معلوم. والذى نقله المصنف وغيره عن الشيخ القول بها مع تساوى الطريقين عملا برواية وردت بذلك. وقيل بها مع اشتباه السابق أو السبق. وقيل يمسح الطريق التى سلكها كل واحد منهما الى مولى الآخر. ويحكم بالسبق لمن طريقه أقرب مع تساويهما فى المشى فان تساويا بطل البيعان لظهور الاقتران، هذا اذا لم يجز الموليان، ولو أجيز عقدهما فلا اشكال فى صحتهما. ولو تقدم العقد من أحدهما صح خاصة من غير توقف على اجازة، الا مع اجازة الآخر، فيصح العقدان، ولو كانا وكيلين صحا معا.

стр. 3537

والفرق بين الاذن والوكالة أن الاذن ما جعلت تابعة للملك، والوكالة ما أباحت التصرف المأذون فيه مطلقا، والفارق بينهما مع اشتراكهما فى مطلق الاذن. أما تصريح المولى بالخصوصيتين أو دلالة القرائن عليه ولو تجرد اللفظ عن القرينة لأحدهما فالظاهر حمله على الاذن لدلالة العرف عليه. وأعلم أن القول بالقرعة لا يتم مطلقا فى صورة الاقتران، لأنها لاظهار المشتبه، ولا اشتباه حينئذ. وأولى بالمنع تخصيصها فى هذه الحالة. والقول بمسح الطريق مستند الى رواية ليست سليمة الطريق. والحكم للسابق مع علمه لا اشكال فيه، كما أن القول بوقوفه مع الاقتران كذلك، ومع الاشتباه تتجه القرعة، ولكن مع اشتباه السابق يستخرج برقعتين لاخراجه، ومع اشتباه السبق والاقتران ينبغى ثلاث رقع، فى احداها الاقتران، ليحكم بالوقوف معه، هذا اذا كان شراؤهما لمولاهما. أما لو كان لأنفسهما كما يظهر من الرواية فان أحلنا ملك العبد بطلا، وان أجزناه صح السابق وبطل المقارن واللاحق حتما اذ لا يتصور ملك العبد لسيده. ويجوز بيع (١) الخضر بعد انعقادها وان لم يتناه عظمها لقطة ولقطات معينة أى معلومة العدد، كما يجوز شراء الثمرة الظاهرة، وما يتجدد فى تلك السنة وفى غيرها مع ضبط السنين، لأن الظاهر منها بمنزلة الضميمة الى المعدوم سواء كانت المتجددة من جنس الخارجة أم من غيره. ويرجع فى اللقطة الى العرف فما دل على صلاحيته للقطع يقطع، وما دل على عدمه لصغره أو شك فيه لا يدخل. أما الأول فواضح. وأما المشكوك فيه فلأصالة بقائه على ملك مالكه وعدم دخوله فيما أخرج باللقط. فلو امتزجت الثانية بالأولى لتأخير المشترى قطعها فى أوانه، تخير المشترى بين الفسخ والشركة للتعيب بالشركة، ولتعذر تسليم المبيع منفردا. فان اختار الشركة فطريق التخلص بالصلح. ولو اختار الامضاء فهل للبائع الفسخ لعيب الشركة؟ نظر أقربه ذلك اذا لم يكن تأخر القطع بسببه، بأن يكون قد منع المشترى منه وحينئذ أى حين اذ يكون الخيار للبائع لو كان الاختلاط بتفريط المشترى مع تمكين البائع كما لو حصل مجموع التلف من قبله. ولو قيل بأن الاختلاط أن كان قبل القبض تخير المشترى مطلقا، لحصول النقض مضمونا

стр. 3538

على البائع كما يضمن الجملة كذلك، وان كان بعده فلا خيار لأحدهما، لاستقرار البيع بالقبض وبراءة البائع من دركه بعده كان قويا. وهذا القول لم يذكر فى الدروس غيره جازما به، وهو حسن أن لم يكن الاختلاط قبل القبض بتفريط المشترى، والا فعدم الخيار له أحسن، لأن العيب من جهته، فلا يكون مضمونا على البائع. وحيث ثبت الخيار للمشترى بوجه لا يسقط ببذل البائع له ما شاء، ولا الجميع على الأقوى، لأصالة بقاء الخيار، وان انتفت العلة الموجبة له، كما لو بذل للمغبون التفاوت ولما فى قبول المسموح به من المنة. وحلية السيف (١) والمركب يعتبر فيها العلم أن أريد بيع الحلية بجنسها، والمراد بيع الحلية والمحلى لكن لما كان الغرض التخلص من الربا والصرف خص الحلية ويعتبر مع بيعها بجنسها زيادة الثمن عليها، لتكون الزيادة فى مقابلة السيف والمركب ان ضمهما اليها. فان تعذر العلم كفى الظن الغالب بزيادة الثمن عليها. والأجود اعتبار القطع وفاقا للدروس وظاهر الأكثر. فان تعذر بيعت بغير جنسها. بل يجوز بيعها بغير الجنس مطلقا، ولو باعه بنصف دينار فشق أى نصف كامل مشاع لأن النصف حقيقة فى ذلك الا أن يراد نصف صحيح عرفا، بأن يكون هناك نصف مضروب، بحيث ينصرف الاطلاق اليه أو نطقا بأن يصرح بارادة الصحيح، وان لم يكن الاطلاق محمولا عليه فينصرف اليه. وعلى الأول فلو باعه بنصف دينار آخر. تخير بين أن يعطيه شقى دينارين، ويصير شريكا فيهما وبين أن يعطيه دينارا كاملا عنهما وعلى الثانى لا يجب قبول الكامل، وكذلك القول فى نصف درهم وأجزائهما غير النصف وحكم تراب الذهب والفضة عند الصياغة بفتح الصاد وتشديد الياء جمع صائغ - حكم تراب المعدن، فى جواز بيعه مع اجتماعهما بهما وبغيرهما وبأحدهما مع العلم بزيادة الثمن عن مجانسة ومع الانفراد بغير جنسه. ويجب على الصائغ الصدقة به مع جهل أربابه بكل وجه. ولو علمهم فى محصورين وجب التخلص منهم ولو بالصلح مع جهل حق كل واحد بخصوصه وتخير مع الجهل بين الصدقة بعينه وقيمته والأقرب الضمان لو ظهروا ولم يرضوا بالصدقة، لعموم الأدلة الدالة على ضمان ما أخذت اليد. خرج منه ما اذا رضوا أو استمر الاشتباه فيبقى الباقى.

стр. 3539

ووجه العدم اذن الشارع له فى الصدقة فلا يتعقب الضمان. ومصرف هذه الصدقة الفقراء والمساكين ويلحق بها ما شابهها من الصنائع الموجبة لتخلف أثر المال، كالحدادة، والطحن والخياطة والخبازة. ولو كان بعضهم معلوما وجب الخروج من حقه. وعلى هذا يجب التخلص من كل غريم يعلمه، وذلك يتحقق عند الفراغ من عمل كل واحد، فلو أخر حتى صار مجهولا أثم بالتأخير، ولزمه حكم ما سبق - ظاهره أن مناط الاثم التأخير الى أن يصير مجهول المالك، أو يصير حق المالك مجهولا، بأن صار مخلوطا بحق غيره. فلو أخره مع حفظ المالك والحق لا يحصل هنا اشتباه بأحد الوجهين، لا يكون اثما ولا يخفى أن مناط الاثم انما هو خلط مال المالك بغيره لا التأخير المذكور، كتأخير الوديعة مع عدم طلب صاحبها الى أن يؤدى الى الجهل، فلا اثم حينئذ. ولعل وجه الاثم بالتأخير كون تراب الصياغة أمانة شرعية فيجب ردها فورا والا اثم. وجاء فى الروضة البهية (١): ولا تضر عقد التبن والزوان بضم الزاى وكسرها وبالهمز وعدمه اليسير فى أحد العوضين دون الآخر، أو زيادة عنه لأن ذلك لا يقدح فى اطلاق المثلية والمساواة قدرا، ولو خرجا عن المعتاد ضرا، ومثلهما يسير التراب وغيره مما لا ينفك الصنف عنه غالبا، كالدردى فى الدبس والزيت. ويتخلص منه أى من الربا اذا أريد بيع أحد المتجانسين بالآخر متفاضلا بالضميمة الى الناقص منهما أو الضميمة اليهما مع اشتباه الحال فيكون الضميمة فى مقابل الزيادة وجاء فى مفتاح الكرامة (٢): أنه لو أخذ مائة من رجل، ومثلها من آخر، واشترى بكل مائة عبدا، واختلطا اصطلحا، أو أقرع. أما اذا اصطلحا وتراضيا فلا بحث كما فى جامع المقاصد. وان تشاحا أقرع، لأن كل أمر مشكل فيه القرعة. وفى المبسوط والمهذب والتذكرة والتحرير أنهما يباعان، ويدفع الى كل واحد منهما نصف الثمن، فان كان هناك فضل أخذ كل منهما رأس ماله، واقتسما الربح على الشرط. وقال فى المبسوط أنه المنصوص لأصحابنا.

стр. 3540

وقال فان كان فيه خسران فالضمان على العامل، لأنه فرط فى الخلط، ومعناه كما هو صريح التذكرة والتحرير: أنه لو كان الخسران لانخفاض السوق لم يضمن، لأنه يزيد على الغاصب، ثم أنه قوى فى المبسوط القرعة. ورده فى المهذب بأنه منصوص فلا وجه للقرعة. ولعلهما أشارا الى خبر اسحاق بن عمار الآتى: وفى المختلف أن كلا من القولين جائز، لأن النص ورد فى الثوبين ولم يذكر فيه المضاربة، بل الابضاع. وفى طريق الرواية قول والقول بالقرعة ليس بعيدا من الصواب. ومن الصحاح وظاهر كلام الكتب المذكورة عدا المهذب والتذكرة أنهما مخيران بين بيعهما منفردين، أو مجتمعين ان أمكن كل منهما، وان الربح يقسم عليهما. وان بيعا منفردين وكان الربح فى أحدهما، وان ذلك على سبيل القهر ان تعاسر، الا أن تقول أن مرادهم فى الكتب الأربعة أنهما يباعان معا قهرا، كما فى كل مال ممتزج غير متميز، كما نبه عليه فى المهذب والتذكرة، حيث استدلا على ذلك فيهما بالخبر، لأنه لو اشترى لرجلين ثوبين واشتبها أنهما يباعان معا منفردين، فان تساويا فى الثمن فلكل مثل صاحبه، وان تفاوتا فالأقل لصاحبه، ومعناه أنهما يباعان مجتمعين حيث لا يمكن الانفراد، لعدم الراغب، والحال أنهما تعاسرا، أى لم يخبر أحدهما صاحبه، صار كالمال المشترك شركة اجبارية، كما لو امتزج الطعامان فيقسم الثمن على رأس المال، وعليه تنزل الرواية. وان أمكن بيعهما منفردين وجب. فان تساويا فلكل واحد ثمن ثوب. وان اختلفا فالأكثر لصاحب الأكثر، والأقل لصاحب الأقل، بناء على الغالب من عدم الغبن، وان أمكن خلافه الا أنه نادر لا أثر له شرعا. وقد روى اسحاق بن عمار عن الصادق ﵇ أنه قال فى الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهما فى ثوب، وآخر عشرين فى ثوب فبعث الثوبين، فلم يعرف هذا ثوبه، وهذا ثوبه، قال: يباع الثوبان، ويعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن، والآخر خمسى الثمن. فان قلت: فان قال: صاحب العشرين لصاحب الثلاثين اختر أيهما شئت، قال: قد أنصفه، وقد عمل به الأصحاب فى باب الصلح على أن ذلك قهرى. وقال جماعة أنه لا يتعدى بها الى غير موردها من الثياب المتعددة والأثمان والأمتعة.
следующие страницы →