← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وقال المؤيد بالله انه لا يجوز، وأن الظاهر مما فى أيدى الظلمة أنه حرام. وفى الزوائد عن أبى جعفر الناصر وأبى هاشم وقاضى القضاة أنه يجوز، بشرط أن يكون الأكثر مما فى أيديهم حلالا. وفى الزوائد أيضا عن المؤيد بالله وأبى على والفقهاء أنه يجوز بشرط أن يقول من هو فى يده أنه حلال. هذا اذا كان اللبس مع شخص واحد. وأما اذا كان اللبس بين أشخاص فان التبس من معه الحرام بقوم غير محصورين جاز بلا اشكال وان كان بين قوم محصورين قال الفقيه على فلعله جائز بالاجماع. وان اختلط (١) التمر والأغصان والورق الموجود فى الشجر عند العقد بما حدث على تلك الشجر من غير تلك التى لم تدخل بعد أن صارت فى ملك المشترى حتى التبست القديمة بالحادثة بعد العقد قبل القبض. قال البعض فسد العقد بذلك، لأنه تعذر به تسليم المبيع، ذكر ذلك أبو مضر. وقال يحيى هذا ضعيف والصحيح أنه لا يفسد، لأن الجهالة طارئة، وأيضا فان المبيع متميز وانما الجهالة فى أمر حادث. قال مولانا ﵇ وهذا هو الصحيح. أما اذا كان الاختلاط بعد قبض المبيع، فانه لا يؤثر فى العقد. مذهب الأمامية: جاء فى الروضة (٢) البهية: أنه لو تنازع المأذونان بعد شراء كل منهما صاحبه فى الأسبق منهما ليبطل بيع المتأخر لبطلان الاذن بزوال الملك ولا بينة لهما ولا لأحدهما بالتقدم، قيل: يقرع، والقائل بها مطلقا غير معلوم. والذى نقله المصنف وغيره عن الشيخ القول بها مع تساوى الطريقين عملا برواية وردت بذلك. وقيل بها مع اشتباه السابق أو السبق. وقيل يمسح الطريق التى سلكها كل واحد منهما الى مولى الآخر. ويحكم بالسبق لمن طريقه أقرب مع تساويهما فى المشى فان تساويا بطل البيعان لظهور الاقتران، هذا اذا لم يجز الموليان، ولو أجيز عقدهما فلا اشكال فى صحتهما. ولو تقدم العقد من أحدهما صح خاصة من غير توقف على اجازة، الا مع اجازة الآخر، فيصح العقدان، ولو كانا وكيلين صحا معا.

стр. 3537

والفرق بين الاذن والوكالة أن الاذن ما جعلت تابعة للملك، والوكالة ما أباحت التصرف المأذون فيه مطلقا، والفارق بينهما مع اشتراكهما فى مطلق الاذن. أما تصريح المولى بالخصوصيتين أو دلالة القرائن عليه ولو تجرد اللفظ عن القرينة لأحدهما فالظاهر حمله على الاذن لدلالة العرف عليه. وأعلم أن القول بالقرعة لا يتم مطلقا فى صورة الاقتران، لأنها لاظهار المشتبه، ولا اشتباه حينئذ. وأولى بالمنع تخصيصها فى هذه الحالة. والقول بمسح الطريق مستند الى رواية ليست سليمة الطريق. والحكم للسابق مع علمه لا اشكال فيه، كما أن القول بوقوفه مع الاقتران كذلك، ومع الاشتباه تتجه القرعة، ولكن مع اشتباه السابق يستخرج برقعتين لاخراجه، ومع اشتباه السبق والاقتران ينبغى ثلاث رقع، فى احداها الاقتران، ليحكم بالوقوف معه، هذا اذا كان شراؤهما لمولاهما. أما لو كان لأنفسهما كما يظهر من الرواية فان أحلنا ملك العبد بطلا، وان أجزناه صح السابق وبطل المقارن واللاحق حتما اذ لا يتصور ملك العبد لسيده. ويجوز بيع (١) الخضر بعد انعقادها وان لم يتناه عظمها لقطة ولقطات معينة أى معلومة العدد، كما يجوز شراء الثمرة الظاهرة، وما يتجدد فى تلك السنة وفى غيرها مع ضبط السنين، لأن الظاهر منها بمنزلة الضميمة الى المعدوم سواء كانت المتجددة من جنس الخارجة أم من غيره. ويرجع فى اللقطة الى العرف فما دل على صلاحيته للقطع يقطع، وما دل على عدمه لصغره أو شك فيه لا يدخل. أما الأول فواضح. وأما المشكوك فيه فلأصالة بقائه على ملك مالكه وعدم دخوله فيما أخرج باللقط. فلو امتزجت الثانية بالأولى لتأخير المشترى قطعها فى أوانه، تخير المشترى بين الفسخ والشركة للتعيب بالشركة، ولتعذر تسليم المبيع منفردا. فان اختار الشركة فطريق التخلص بالصلح. ولو اختار الامضاء فهل للبائع الفسخ لعيب الشركة؟ نظر أقربه ذلك اذا لم يكن تأخر القطع بسببه، بأن يكون قد منع المشترى منه وحينئذ أى حين اذ يكون الخيار للبائع لو كان الاختلاط بتفريط المشترى مع تمكين البائع كما لو حصل مجموع التلف من قبله. ولو قيل بأن الاختلاط أن كان قبل القبض تخير المشترى مطلقا، لحصول النقض مضمونا

стр. 3538

على البائع كما يضمن الجملة كذلك، وان كان بعده فلا خيار لأحدهما، لاستقرار البيع بالقبض وبراءة البائع من دركه بعده كان قويا. وهذا القول لم يذكر فى الدروس غيره جازما به، وهو حسن أن لم يكن الاختلاط قبل القبض بتفريط المشترى، والا فعدم الخيار له أحسن، لأن العيب من جهته، فلا يكون مضمونا على البائع. وحيث ثبت الخيار للمشترى بوجه لا يسقط ببذل البائع له ما شاء، ولا الجميع على الأقوى، لأصالة بقاء الخيار، وان انتفت العلة الموجبة له، كما لو بذل للمغبون التفاوت ولما فى قبول المسموح به من المنة. وحلية السيف (١) والمركب يعتبر فيها العلم أن أريد بيع الحلية بجنسها، والمراد بيع الحلية والمحلى لكن لما كان الغرض التخلص من الربا والصرف خص الحلية ويعتبر مع بيعها بجنسها زيادة الثمن عليها، لتكون الزيادة فى مقابلة السيف والمركب ان ضمهما اليها. فان تعذر العلم كفى الظن الغالب بزيادة الثمن عليها. والأجود اعتبار القطع وفاقا للدروس وظاهر الأكثر. فان تعذر بيعت بغير جنسها. بل يجوز بيعها بغير الجنس مطلقا، ولو باعه بنصف دينار فشق أى نصف كامل مشاع لأن النصف حقيقة فى ذلك الا أن يراد نصف صحيح عرفا، بأن يكون هناك نصف مضروب، بحيث ينصرف الاطلاق اليه أو نطقا بأن يصرح بارادة الصحيح، وان لم يكن الاطلاق محمولا عليه فينصرف اليه. وعلى الأول فلو باعه بنصف دينار آخر. تخير بين أن يعطيه شقى دينارين، ويصير شريكا فيهما وبين أن يعطيه دينارا كاملا عنهما وعلى الثانى لا يجب قبول الكامل، وكذلك القول فى نصف درهم وأجزائهما غير النصف وحكم تراب الذهب والفضة عند الصياغة بفتح الصاد وتشديد الياء جمع صائغ - حكم تراب المعدن، فى جواز بيعه مع اجتماعهما بهما وبغيرهما وبأحدهما مع العلم بزيادة الثمن عن مجانسة ومع الانفراد بغير جنسه. ويجب على الصائغ الصدقة به مع جهل أربابه بكل وجه. ولو علمهم فى محصورين وجب التخلص منهم ولو بالصلح مع جهل حق كل واحد بخصوصه وتخير مع الجهل بين الصدقة بعينه وقيمته والأقرب الضمان لو ظهروا ولم يرضوا بالصدقة، لعموم الأدلة الدالة على ضمان ما أخذت اليد. خرج منه ما اذا رضوا أو استمر الاشتباه فيبقى الباقى.

стр. 3539

ووجه العدم اذن الشارع له فى الصدقة فلا يتعقب الضمان. ومصرف هذه الصدقة الفقراء والمساكين ويلحق بها ما شابهها من الصنائع الموجبة لتخلف أثر المال، كالحدادة، والطحن والخياطة والخبازة. ولو كان بعضهم معلوما وجب الخروج من حقه. وعلى هذا يجب التخلص من كل غريم يعلمه، وذلك يتحقق عند الفراغ من عمل كل واحد، فلو أخر حتى صار مجهولا أثم بالتأخير، ولزمه حكم ما سبق - ظاهره أن مناط الاثم التأخير الى أن يصير مجهول المالك، أو يصير حق المالك مجهولا، بأن صار مخلوطا بحق غيره. فلو أخره مع حفظ المالك والحق لا يحصل هنا اشتباه بأحد الوجهين، لا يكون اثما ولا يخفى أن مناط الاثم انما هو خلط مال المالك بغيره لا التأخير المذكور، كتأخير الوديعة مع عدم طلب صاحبها الى أن يؤدى الى الجهل، فلا اثم حينئذ. ولعل وجه الاثم بالتأخير كون تراب الصياغة أمانة شرعية فيجب ردها فورا والا اثم. وجاء فى الروضة البهية (١): ولا تضر عقد التبن والزوان بضم الزاى وكسرها وبالهمز وعدمه اليسير فى أحد العوضين دون الآخر، أو زيادة عنه لأن ذلك لا يقدح فى اطلاق المثلية والمساواة قدرا، ولو خرجا عن المعتاد ضرا، ومثلهما يسير التراب وغيره مما لا ينفك الصنف عنه غالبا، كالدردى فى الدبس والزيت. ويتخلص منه أى من الربا اذا أريد بيع أحد المتجانسين بالآخر متفاضلا بالضميمة الى الناقص منهما أو الضميمة اليهما مع اشتباه الحال فيكون الضميمة فى مقابل الزيادة وجاء فى مفتاح الكرامة (٢): أنه لو أخذ مائة من رجل، ومثلها من آخر، واشترى بكل مائة عبدا، واختلطا اصطلحا، أو أقرع. أما اذا اصطلحا وتراضيا فلا بحث كما فى جامع المقاصد. وان تشاحا أقرع، لأن كل أمر مشكل فيه القرعة. وفى المبسوط والمهذب والتذكرة والتحرير أنهما يباعان، ويدفع الى كل واحد منهما نصف الثمن، فان كان هناك فضل أخذ كل منهما رأس ماله، واقتسما الربح على الشرط. وقال فى المبسوط أنه المنصوص لأصحابنا.

стр. 3540

وقال فان كان فيه خسران فالضمان على العامل، لأنه فرط فى الخلط، ومعناه كما هو صريح التذكرة والتحرير: أنه لو كان الخسران لانخفاض السوق لم يضمن، لأنه يزيد على الغاصب، ثم أنه قوى فى المبسوط القرعة. ورده فى المهذب بأنه منصوص فلا وجه للقرعة. ولعلهما أشارا الى خبر اسحاق بن عمار الآتى: وفى المختلف أن كلا من القولين جائز، لأن النص ورد فى الثوبين ولم يذكر فيه المضاربة، بل الابضاع. وفى طريق الرواية قول والقول بالقرعة ليس بعيدا من الصواب. ومن الصحاح وظاهر كلام الكتب المذكورة عدا المهذب والتذكرة أنهما مخيران بين بيعهما منفردين، أو مجتمعين ان أمكن كل منهما، وان الربح يقسم عليهما. وان بيعا منفردين وكان الربح فى أحدهما، وان ذلك على سبيل القهر ان تعاسر، الا أن تقول أن مرادهم فى الكتب الأربعة أنهما يباعان معا قهرا، كما فى كل مال ممتزج غير متميز، كما نبه عليه فى المهذب والتذكرة، حيث استدلا على ذلك فيهما بالخبر، لأنه لو اشترى لرجلين ثوبين واشتبها أنهما يباعان معا منفردين، فان تساويا فى الثمن فلكل مثل صاحبه، وان تفاوتا فالأقل لصاحبه، ومعناه أنهما يباعان مجتمعين حيث لا يمكن الانفراد، لعدم الراغب، والحال أنهما تعاسرا، أى لم يخبر أحدهما صاحبه، صار كالمال المشترك شركة اجبارية، كما لو امتزج الطعامان فيقسم الثمن على رأس المال، وعليه تنزل الرواية. وان أمكن بيعهما منفردين وجب. فان تساويا فلكل واحد ثمن ثوب. وان اختلفا فالأكثر لصاحب الأكثر، والأقل لصاحب الأقل، بناء على الغالب من عدم الغبن، وان أمكن خلافه الا أنه نادر لا أثر له شرعا. وقد روى اسحاق بن عمار عن الصادق ﵇ أنه قال فى الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهما فى ثوب، وآخر عشرين فى ثوب فبعث الثوبين، فلم يعرف هذا ثوبه، وهذا ثوبه، قال: يباع الثوبان، ويعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن، والآخر خمسى الثمن. فان قلت: فان قال: صاحب العشرين لصاحب الثلاثين اختر أيهما شئت، قال: قد أنصفه، وقد عمل به الأصحاب فى باب الصلح على أن ذلك قهرى. وقال جماعة أنه لا يتعدى بها الى غير موردها من الثياب المتعددة والأثمان والأمتعة.

стр. 3541

واحتمل آخرون التعدية لاتحاد الطريق. ومما يشبه مسألة الثوبين ما لو أودعه رجل درهمين وآخر درهما وامتزجا لا بتفريط وتلف أحدهما. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): أنه ان استحق مجهول كمشتر أكثر من فدان واحد، فاستحق منه، أى من ذلك الأكثر، أو من المشترى فدان واحد لا بعينه، بحيث لا يعلم بعد ذلك بعينه، وكذا ان باع له جنة فاستحقت فيها نخلة لا تعرف ما هى؟ أهذه أم هذه، وما أشبه ذلك فسخ البيع كله، سواء كان الشريك أبا، أو نحوه، أم غيرهما، معلوما أو مجهولا. وجاء فى شرح النيل: انه لا يجوز لأحد أن يشترى حراما. ومن دخل سوقا فيه حرام وحلال، وخاف العقوبة ان سأل عن الحرام، فلا بأس ما لم يعلم أنه اشترى حراما، أو أخبره ثقة. ومن رأى شبه ما يعرفه حراما ولو بيد قريب من كان ذلك الحرام بيده، كزوجة جاز له شراؤه ما لم يتيقن. والمندوب أن يتنزه عن مشكوك فيه، ويدع ما يريبه. ومن بيده حلال وحرام جازت معاملته، والأكل عنده حتى يعلم بحرام. وقيل يحكم على الأغلب حتى يعلم خلافه. وقيل يصدق فيما قال انه حلال. وقد قال الربيع وجماعة أن المال اما حلال واما حرام وهو ظاهر قول جابر. والجمهور على اثبات قسم ثالث وهو الريبة، حملا للاحاديث الواردة فى الريبة والشبهة على ظاهرها من العموم فى المال وغيره وهو أولى. ومن بيده حرام غصبه أو سرقه أو دخل يده وقد علمه حراما ولا يعرف ربه بأن التبس عليه الحال، ندب له بيعه ان تاب، والا فلا يصدق أنه ندب له أن يبيعه ويأكل ثمنه بل يجب عليه أن يتوب. ويندب له البيع أيضا فيما لا يعرف فيه من المواضع أنه حرام، ليشترى منه، ولئلا يساء به الظن، ولئلا يصيبه ضر عليه وانفاق ثمنه على الفقراء قصدا لصاحبه.

стр. 3542

ومن راب (١) مبيعا قبل شرائه فاشتراه فحكمه حكم الحرام على المشهور. وقيل: لا ومن رابه بعد شرائه هل يمسكه ولا يبال، لأنه لم يدخل على ارتياب، ولما ثبت فى يده لم يخرج منه الا بحرمة متيقنة أو يبيعه ويمسك قدر الثمن الذى أعطى، وينفق الباقى على الفقراء؟ قال البرادى وهو الأقيس، لأنه قد علم بالريبة فلا يكون، كأن لم يعلمها، ولو لم يعلمها الا بعد الشراء، وان كان ثمنا أبد له بثمن آخر أو مثمن أيضا وأمسك قدر الثمن الذى أعطى فقط، وان بقدر ما اشترى أو أقل فلا عليه. أو يبيعه وينتفع بالثمن كله؟ قال البرادى ﵀ وهو المعتمد عليه عند مشايخنا أن ثمن الشئ مثله، ولعله أراد بالانتفاع ما دون الأكل لأن أكل أشياء المريب يفسد القلب كالأعضاء، أقوال. وجاء فى شرح النيل (٢): أنه لا يشك فى الحلال، الا ان دخلت عليه معان توجب الشك فيه، كمبادلة من صاحب المالين خلطا أعطاك ماله وأخذ مالك خطأ، أو من جانب فقط، لكن تناولا ولم يدر أحدهما أن ما أخذ من الآخر هو مال الآخر، أو غلط بأن أخذ أحدهما مال الآخر بلا مبادلة خطأ، أو اخراج ملك فنسى ذلك، وهذا النسيان فى حيز الشك، كأنه قال مثلا هل خرج من ملكى بوجه كذا أو بوجه ما، فنسيه. والمبادلة أن يأخذ مال غيره ويترك ماله بلا باب من أبواب البيع، كما اذا اجتمع ماله ومال غيره، فأخذ مال غيره يظنه ماله فهذا غلط. والفرق بين الغلط والمبادلة. ان المبادلة أن تأخذ مال غيرك المجتمع مع مال غيرك تظنه مالك. والغلط أن تأخذ مال غيرك تظنه لك بدون أن يجتمع مع مالك. وأما البدل بالبيع ففى المعوض لك الزكاة بحسب ما مر من الزمان أو بحسب الزمان من حين المبادلة. وأيضا قد يبدل الثمار مع شجرهن أو الثمار وحدهن بعد الادراك فتلزمه الزكاة أيضا فيما أخرج من ملكه، ومراده أنه لا يعصى بالشك ان دخلت عليه تلك المعانى. وأما الحقوق فلا تسقط عنه بالشك. وكذلك الحقوق ان أعطى فيها شيئا معلوما،

стр. 3543

كدراهم مخصوصة، أو شاة كذلك، أو ثمارا كذلك معينة مخصوصة على حد اعطائها فى زكاة أو دين، أو نحو ذلك، فشك اله ذلك الشئ الذى أعطى فى الحقوق فيجزئه أم لا، فلا يجزئه فى الحقوق، لأنه ملك لغيره. فان كان هو القاعد فيه حكما بشرط أن لا يريبه عذر أجزاه اعطاؤه اياه فى الحقوق ولو كان عند الله حراما بوجه ما أو ملك لغيره لمعونة أنه بحيث يكون هو القاعد فيه والا فلا يجزئه اذا شك اعطاؤه فى الحقوق الا أن يعيد الاعطاء فيعطى غير ذلك الشئ، لأنه أعطى ما لم يكن قاعدا فيه. واذا أعاد فان كان الشئ المعطى أو لا ملكا له فى الوصف عند الله أو فى نفس الأمر، ولا سيما ان لم يكن له فى الوصف سقط عنه الفرض، وكان اعطاؤه ثانيا نفلا ملتحقا بالفرض فى الثواب. وهكذا عندى كل اعادة لفرض تصحيحا له لشك فيه يعظم ثوابه ان شاء الله والا يكن له فقد أدى الفرض بالاعطاء الثانى. ومن أرسل (١) مع أحد فصاعدا ديونا، أو حقوقا، أو ديونا وحقوقا مفترقة الى واحد كقرض وثمن مبيع، وكأثمان مبيعات، وكقرض وأرش وثمن مبيع، أو أرسل رجلان لواحد ماله عليهما، أو رجال لواحد ماله عليهم، أو رجل لرجال، أو رجلان أو رجال لاثنين، أو واحد لهما فاختلط للرسول قبل الوصول، أو تشاكل عليه من يدفع له أو من أرسله، رد الكل على الأول، وهو الذى أرسله. والمراد الجنس فشمل ما اذا أرسله واحد، أو ما فوق ذلك اذا لم يتشاكل عليه من أرسله، وتشاكل عليه من يدفع له أو اختلط فى يده، وكان من واحد الى متعدد، أو كان متعددا الى واحد من واحد، أو من متعدد، أو يمسكه حتى يتيقن من يدفعه له، فيدفعه اذا التبس عليه من يدفعه له، أو يتيقن من أرسله به اذا التبس عليه، فيدفعه بعد تيقنه الى من أرسل اليه، أو يتيقن من أرسله بعد التباسه والتباس من يدفع له فيرده الى مرسله اذا تبين، ولم يتبين من يدفع اليه. واذا كان لمتعدد فخلط بلا فعل

стр. 3544

منه ولا تضييع رده الى المتعدد، فيتفقون فيه على ما يتفقون. وان كان بفعله أو تضييعه ضمنه لهم وأخذه لنفسه. هذا والمراد بالاختلاط الاختلاط المحسوس فى الخارج، كاختلاط شعير بشعير، أو بر ببر، أو شعير ببر ونحو ذلك، ودراهم بدراهم، أو دنانير بدنانير، أو ريالات بريالات، ونحو ذلك مما لا يتميز. والاختلاط المعقول مثل أن لا يدرى هذا الحب من هذا، أو من هذا أو الى هذا، أو الى هذا أو هذه الريالات من ذلك، أو من ذلك أو الى ذلك أو الى ذاك، أو هذه الأدوار من هذا، أو الريالات من ذلك، وبالعكس، ونحو ذلك مع عدم اختلاط الذوات، بل هى متميزة. ثم قال ورخص فى دفع متفق اختلط أن أرسل لواحد من واحد أو متعدد، سواء اختلط الاختلاط المحسوس أو المعقول، أو اختلط مرسله فلا يدرى من أرسل هذا، أو هذا، لأن المقصود ذلك الواحد، وقد وصله وجوز الدفع للواحد أيضا وان كان فى مختلف اختلط هو من متعدد أو من واحد أو تشاكل مرسله لأن المقصود ذلك الواحد، وقد وصله. وجوز بعضهم الدفع أيضا لمتعدد ان اختلط واتفق، أو تشاكل ممن هذا أو ممن ذاك، كما يدل له ما فى الأثر أن بعض المشايخ أعطاه ناس أموالا فخلطها فاشترى بها حبا وأنفقه على الفقراء كما أراد أصحابها الاشتباه فى الرهن مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (١): أن من شروط صحة القبض فى الرهن أن يكون المرهون منفصلا متميزا عما ليس بمرهون. فان كان متصلا به غير متميز عنه لم يصح قبضه لأن قبض المرهون وحده غير ممكن، والمتصل به غير مرهون، فأشبه رهن المشاع. وعلى هذا الأصل يخرج ما اذا رهن الأرض بدون البناء أو بدون الزرع والشجر أو الزرع والشجر بدون الأرض، أو الشجر بدون الثمر، أو الثمر بدون الشجر أنه لا يجوز، سواء سلم المرهون بتخلية الكل أولا، لأن المرهون متصل بما ليس رهنا، وهذا يمنع صحة القبض. ولو جذ الثمر وحصد الزرع وسلم

стр. 3545

منفصلا جاز، لأن المانع من النفاذ قد زال. ولو جمع بينهما فى عقد الرهن فرهنهما جميعا وسلم متفرقا جاز. وان فرق الصفقة بأن رهن الزرع ثم الأرض أو الأرض، ثم الزرع، ينظر. ان جمع بينهما فى التسليم جاز الرهن فيهما جميعا. وان فرق لا يجوز فيهما جميعا سواء قدم أو أخر، بخلاف الفصل الأول، لأن المانع فى الفصلين مختلف، فالمانع من صحة القبض فى هذا الفصل هو الاتصال، وهو لا يختلف، والمانع من صحة القبض فى الفصل الأول هو الشغل، وهو يختلف. وذلك كما اذا رهن نصف داره مشاعا من رجل، ولم يسلم اليه حتى رهنه النصف الباقى، وسلم الكل فانه يجوز. ولو رهن النصف وسلم ثم رهن النصف الباقى وسلم، فانه لا يجوز كذا هذا. وعلى هذا اذا رهن صوفا على ظهر غنم بدون الغنم، فانه لا يجوز، لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون، وهذا يمنع صحة القبض. ولو جزه وسلمه جاز، لأن المانع قد زال. وعلى هذا أيضا اذا رهن دابة عليها حمل بدون الحمل، فانه لا يجوز. ولو رفع الحمل عنها وسلمها فارغة جاز، لما قلنا. بخلاف ما اذا رهن ما فى بطن جاريته، أو ما فى بطن غنمه، أو ما فى ضرعها، أو رهن سمنا فى لبن، أو دهنا فى سمسم، أو زيتا فى زيتون، أو دقيقا فى حنطة فانه يبطل، وان سلطه على قبضه عند الولادة أو عند استخراج ذلك فقبض، لأن العقد هناك لم ينعقد أصلا، لعدم المحل، لكونه مضافا الى معدوم، أما هنا فالعقد منعقد موقوف نفاذه على صحة التسليم بالفصل والتمييز فاذا وجد فقد زال المانع. وجاء فى تبيين الحقائق للزيلعى (١): أنه اذا اشتبهت قيمة الرهن بعد ما هلك المرهون، بأن قال كل من الراهن والمرتهن: لا أدرى كم كان قيمته، فيكون مضمونا بما فيه من الدين، لقول النبى ﷺ «إذا عمى الرهن فهو بما فيه. وجاء فى الفتاوى الهندية (٢): أنه

стр. 3546

لو رهن شاتين بثلاثين احداهما بعشرة والأخرى بعشرين، ولم يبين أيهما لم يجز الرهن، لأنه بسبب الجهالة تقع المنازعة بين الراهن والمرتهن، عند الهلاك فانه اذا هلكت احادهما لا يدرى ماذا سقط من الدين بازائها. ولو بين وهلكت احداهما سقط الدين بقدرها كذا فى محيط السرخسى. مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير (١): أن الرهن اذا كان مما لا يغاب عليه وادعى المرتهن تلفه وكذبه العدول صريحا، بأن قالوا: أنه باعها ونحوه، أو ضمنا، بأن قال جيرانه أو المصاحبون له فى السفر لا نعلم موتها فانه يضمنها. أما لو صدقه العدول كما لو قالوا: ان هذا الرجل كانت معه دابة وماتت، فأشكل عليهم الأمر، وقالوا: لا ندرى هل هى دابة الرهن أو غيرها فانه لا يضمن. وأولى اذا قالوا أنها دابة الرهن، لكن فى الأولى لا بد من حلفه أنها هى دون الثانية. وكونهم عدول أنه لو كذبه غيرهم لم يضمن لتطرق التهمة بكتمهم الشهادة له بموتها. واذا هلك (٢) الرهن أو ضاع عند المرتهن وجهل الراهن والمرتهن صفته وقيمته، بأن قال كل منهما لا أعلم قيمته الآن، ولا صفته، فانه لا شئ لواحد منهما قبل الآخر، لأن كلا لا يدرى هل يفضل له شئ عند صاحبه أم لا. وهل لا بد من ايمانهما لتجاهل المتبايعين الثمن أو لا. قال الشيخ سالم السنهورى: لم أر فيه نصا، والظاهر أنه مثله كما قاله شيخنا. هذا اذا جهل الراهن والمرتهن. أما اذا جهله أحدهما وعلمه الآخر حلف العالم على ما ادعى فان نكل فالرهن بما فيه فيكون فى مقابلة الدين الذى رهن فيه. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٣): ان فى رهن الثمرة قبل بدو الصلاح قولين.

стр. 3547

أحدهما لا يصح، لأنه عقد لا يصح فيما لا يقدر على تسليمه، فلم يجز فى الثمرة قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع كالبيع. والثانى أنه يصح، لأنه ان كان بدين حال فمقتضاه أن تؤخذ فتباع فيأمن أن تهلك بالعاهة، وان كان بمؤجل فتلفت الثمرة لم يسقط دينه وانما تبطل وثيقته والغرر فى بطلان الوثيقة مع بقاء الدين قليل، فجاز البيع، فان العادة فيه أن يترك الى أوان الجذاذ، فلا يأمن أن يهلك بعاهة فيذهب الثمن، ولا يحصل المبيع فيعظم الضرر فلم يجز من غير شرط القطع. وان كان له أصول تحمل فى السنة مرة بعد أخرى كالتين والقتاء فرهن الحمل الظاهر، فان كان بدين يستحق فيه بيع الرهن قبل أن يحدث الحمل الثانى، ويختلط به، جاز لأنه يأمن الغرر بالاختلاط. وان كان بدين لا يستحق البيع فيه الا بعد حدوث الحمل الثانى واختلاطه به، نظرت. فان شرط أنه اذا خيف الاختلاط قطعه جاز، لأنه منع الغرر بشرط القطع. وان لم يشترط القطع ففيه قولان. أحدهما أن العقد باطل، لأنه يختلط بالمرهون غيره فلا يمكن امضاء العقد على مقتضاه. والثانى انه صحيح لأنه يمكن الفصل عند الاختلاط بأن يسمح الراهن بترك ثمرته للمرتهن، أو ينظر كم كان المرهون فيحلف عليه ويأخذ ما زاد، فاذا أمكن امضاء العقد لم يحكم ببطلانه. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى (١): أنه لو رهن ثمرة شجر يحمل فى السنة حملين لا يتميز أحدهما من الآخر فرهن الثمرة الأولى الى محل تحدث الثانية على وجه لا يتميز، فالرهن باطل، لأنه مجهول حين حلول الحق، فلا يمكن استيفاء الدين منه فلم يصح، كما لو كان مجهولا حين العقد، وكما لو رهنه اياها بعد اشتباهها. فان شرط قطع الأولى اذا خيف اختلاطها بالثانية صح، فان كان الحمل المرهون بحق حال، وكانت الثمرة الثانية تتميز من الأولى اذا حدثت، فالرهن صحيح -، فان وقع التوانى فى قطع الأولى حتى اختلطت

стр. 3548

بالثانية وتعذر التمييز، لم يبطل الرهن، لأنه وقع صحيحا، وقد اختلط بغيره على وجه لا يمكن فصله. فعلى هذا ان سمح الراهن بكون الثمرة رهنا أو اتفقا على قدر المرهون منهما فحسن، وان اختلفا فالقول قول الراهن مع يمينه فى قدر الرهن لأنه منكر للقدر الزائد والقول قول المنكر. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (١) ان رهن المرء حصته من مشاع مما ينقسم أولا ينقسم عند الشريك فيه وعند غيره جائز لأن الله تعالى قال: (فرهان مقبوضة) ولم يخص تعالى مشاعا من مقسوم ﴿(وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)﴾ (٢). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٣): أنه اذا تلف الرهن أو تعيب فى يد المرتهن لم يلزم ابداله الا حيث يكون مشروطا فى الدين. والقول للمرتهن فى تقديم العيب اذ يريد الراهن تضمينه والأصل البراءة. كذا لو اختلفا فى قدر الأرش مع بقاء الرهن. وأما مع تلفه فالقول للراهن ويحمل على أنه التبس بقاء الدين وقيمة المرهون بعد التلف ليوافق الأصول والا فالقول للمرتهن. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام (٤): أنه اذا رهن النخل لم يدخل الثمرة وان لم تؤبر، وكذا ان رهن الأرض لم يدخل الزرع ولا الشجر ولا النخل ولو قال بحقوقها أدخل فهو فيه تردد ما لم يصرح، وكذا ما ينبت فى الأرض بعد رهنها سواء أنبته الله أو الراهن أو الأجنبى اذا لم يكن الغرس من الشجر المرهون. وهل يجبر الراهن على ازالته. قيل: لا. وقيل: نعم، وهو الأشبه. ولو رهن لقطة مما يلقط كالخيار، فان كان الحق يحل قبل تجدد الثانية صح. وان كان متأخرا تأخرا يلزم منه

стр. 3549

اختلاط الرهن بحيث لا يتميز قيل يبطل. والوجه أنه لا يبطل. وكذا البحث فى رهن الخرطة مما يخرط والجزة مما يجز. وجاء فى مفتاح الكرامة (١): أنه لو رهن مما يمتزج بغيره كلقطة من الباذنجان صح، ان كان الحق يحل قبل تجدد الثانية أو بعدها، وان لم يتميز على رأى لا أشكال، ولا بحث فى الجواز حيث لا يحصل الاشتباه، كما فى جامع المقاصد والمسالك لوجود المقتضى، وعدم المانع. أما مع الاشتباه وعدم التمييز ففى المبسوط والتذكرة فى موضع منها أنه لا يصح الرهن، لتعذر الاستيفاء بسبب عدم التمييز، ولأنه لا يصح بيعه عند الأجل لجهله فلا يصح رهنه ويرد على الأول أنه يمكن الاستيفاء بالصلح، على أن حصوله غير مقطوع به، لامكان التخلف، وان الراهن قد يسمح برهن الجميع، أو يتفقان على قدر الرهن. فان لم يحصل ذلك كله، كان القول قول الراهن مع اليمين. ويرد على الثانى أن المعتبر اجتماع الشرائط وقت الرهن وهى حاصلة وصحة البيع لو سلمت شرطيتها فالمعتبر، منها ما كان عند انشاء الراهن، لأنه وقت اعتبار الشرائط وهى حاصلة أيضا وأطبق المتأخرون ممن تعرض للفرع على الصحة ومما صرح بها الشرائع والتحرير والارشاد والايضاح والدروس وغاية المرام وجامع المقاصد والمسالك ومجمع البرهان فيكونان شريكين. أما الصحة فلما عرفت من كونه عينا مملوكة صالحة للبيع وأخذ الدين منها من غير مانع كسائر الأموال، ووجه الشركة وجود موجبها وهو المزج مع عدم التمييز فحكمه حكم سائر المشتركات، وكذلك هذا اذا وقع المزج وعدم التمييز بعد القبض. وأما لو وقع قبل القبض فالأقرب الفسخ والبطلان كما نبه عليه فى الدروس. وقال فى المبسوط اذا اشترطا قطعه اذا حدث البطن الثانى صح الرهن. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٢): أنه يجوز

стр. 3550

الرهن فى الدين الواجب كله ما أحل وما لم يحل، اذا كان معلوما. وأما الدين المجهول فلا يجوز فيه الرهن. ومنهم من يقول جائز فيما كان مجهولا، وسواء كان الدين من قبل التعدى أو من قبل المعاملة، وسواء الدين من الصامت أو غيره من جميع الأموال. واذا كان (١) لرجل على رجل ديون شتى فرهن له رهنا فى أحدهما ولم يعينه أو قال له رهنته فيما شئت منها فلا يجوز وان قصد الى أحدها فرهنه له فيه أو رهنه فيها جميعا جاز ويكون على عددها تفاضلت أو تساوت اتفقت أجناسها أو اختلفت. ولا يصح رهن (٢) ما بذمة كشياه السلم وشياه الدية قبل القبض، لأنه ولو تعين الذى كان الشئ فى ذمته تعينت كميته، لكن لم تتعين ذاته، لأن من عليه مائة دينار أيما مائة دينار أعطاها كانت خلاصا له. والحق الذى يعقد (٣) الرهن بسببه هو المال المضمون معينا أو لازما فى ذمة كأثمان المبيعات وكالزكاة، فانه يجوز للامام أو نائبه ونحوهما قبل الرهن فيها لا فى الخراج كما فى المنهاج وعناء الاجارات وأرش الجنايات والصدقات وضمان الأموال والتبعات بتعيين لكمية الصداق والأرش وغيرهما، فلو لم يتعين لم يحكم بالرهن فيه، مثل أن يرهن له فى الأرش قبل أن يفرض له الحاكم ما هو وكم هو ومثل أن يكون ثمن المبيع أو واحد مما ذكر بعده كله معلوما، ثم نسى، أو تولى عقد ذلك غير مالكه، فلم يعلم مالكه كم هو أو ما هو، فلا يصح فى الحكم أن يرهن فيه، وأما فيما بينهما وبين الله تعالى اذا تراضيا على الرهن فيه على أن يبيع الرهن اذا علم ذلك أو يبيعه ويحفظ ثمنه حتى يعلم، فيجوز ذلك. وان ارتهن شيئا (٤) فى حق غير معلوم لا فى معلوم مما يرد لقيمة على أن يبيعه ويقبض ثمنه قبل أن يعرف ماله على الراهن بقيمة عدول، لأنه لا يكتفى بعدلين فى التقويم، وأجيز الاكتفاء بهما وأجيز بواحد قضى منه حقه أو على أن يقبضه رهنا، فاذا عرف ماله على الراهن بتقويم العدول على حد ما مر باعه وقضى من ثمنه جاز على امضاء بعد الجواز لما فعلاه قبل

стр. 3551

الجواز، وذلك اذا رضيا به، وان تحاكما لم يحكم الحاكم به. وان رهن (١) أكثر من فدان واحد أى ما زاد على الواحد، وكذا الأشياء غير الفدان كالجمال والنخل والدور فاستحق واحد لا بعينه سواء استحقه المرتهن أو غيره انفسخ الرهن للالتباس، بأن يلتبس فدان من آخر، ولو كان لا يتبين بعد لموت الشهود مثلا أو يكون الفدان بالأذرع لا بالتشخيص. وان قال (٢) الراهن عند موته هذا العرض عندى رهن فى كذا ولم يسم ربه فلا يبيعه وارثه، ولا يستوفى منه حقه، بل يحفظه الورثة ويبحثون عن صاحبه ويوصون وصيا بعد وصى. وقيل: اذا أيسوا باعوه وتصدقوا بثمنه على الفقراء، واذا تبين خيروه بين الأجر والضمان له، الا أن قال هذا رهن عندى فى كذا ولم يسم ربه، ووجدوا بيانا على أنه رهن عنده فى ذلك وأنه لفلان فانهم يبيعونه وما بقى حفظوه لصاحبه، واذا أبوا أوصوا اليه به أو تصدقوا به على حد ما ذكرت، وان وجدوا بيانا أنه رهن عنده فى كذا، ولم يتبين صاحبه، فلا يبيعوه، ويستوفوا بل يحفظونه ويوصون به، أو يبيعونه ويتصدقون به. وقيل: يبيعونه ويستوفون، وان بقى شئ حفظوه وأوصوا به أو تصدقوا به. وان جهل المرتهن صاحب الرهن فلا يبعه. وقيل يبيعه وذلك مذكور عن الديوان. وفى الديوان أيضا أن نسى صاحب الرهن فانه يبيع الرهن ويقضى من ثمنه رأس ماله، فان فضل شئ فليمسكه حتى يجئ صاحبه، فاذ أيس منه فينفقه. وكذلك ان مات الراهن أو فقد أو زال عقله أو غاب فانه يبيع فى هذه الوجوه كلها. وان تشاكل عليه الرهن مع غيره فلا يبعه أيضا. وان رهن شيئين من رجل واحد فى ديون شتى فتشاكل عليه ما رهن له فى كل دين فلا يبعه حتى يتبين له. وان كان الرهن فى الدنانير أو فى الدراهم أو فى كل ما يوزن أو يكال،

стр. 3552

فتشاكل عليه جملة ما رهن فيه، أو تشاكل عليه جنس الذى رهن فيه، فانه يبيعه ويمسك الثمن حتى يتبين له. وان اتفق المرتهن (١) والراهن على الدين، فقال أحدهما: لم نعين أحدا من هذين الشيئين فى الرهن، وقال له صاحبه: قد بيناه وهو هذا - أو تشاكل على فمن ادعى أنه قد تبين فهو المدعى، وان قال أحدهما انما وقع الرهن فى التسمية من هذا الشئ، وقال الآخر فى الشئ كله، فان كان الشئ مما لا يجوز رهن التسمية، فالقول قول من ادعى رهن الكل، وان كان مما يجوز فيه فالمدعى من قال انه رهن كله. وان كان الشئ المرتهن فى يد رجلين فادعى كل واحد منهما أنه رهن عنده من ذلك الرجل دون صاحبه، فلا يكون أحدهما أقعد فيه للآخر، فان نسباه الى رجل فادعى كل أنه رهن عنده من ذلك الرجل، فان القول قول ذلك الرجل من أثبته له فله، الا أن يبين الآخر، وان جحدهما فعليهما البينة، فان أتيا بها فهو رهن لهما، وان أتى بها واحد فهو أولى به، وان صدقهما فهو لهما. وان قال: رهنته لواحد منهما ولم أدره، أو تشاكل على، فليس فى ذلك شئ. وان نسبه كل منهما الى رجل فالرجلان أقعد فيه، وترجع الخصومة بين المرتهن والرجلين للذين نسباه اليهما. وان قال رهنته لواحد منهما، ولم أدر من هو أو رهنته لهما جميعا، فأراد أخذه بعد ذلك لم يجده. وكذا ان قال: لم أدر أرهنته أم لا، وان قال لم أرهن لهما شيئا لم يجد أخذه أيضا حتى تنقضى دعوتهما. وكذا ان قال رهنته لرجل ولا أدرى ذلك الرجل منكما أو من غيركما أو رهنته لرجلين لا أدرى أنكما هما أو غيركما. وان قال: رهنته لرجل آخر غيركما ولا شهادة لهما حلفاه وأخذ شيئه. وتجوز (٢) الشهادة فى الرهن وغيره على الأصول كلها وكل ما اتصل بها سواء كان نباتا أو غيره، واذا قلع وكان مما يشتبه كالبصل، والكرات، والرمان، واللوز، والتين، والعنب، والفول، وما أشبه ذلك

стр. 3553

من القطانى وغيرها، والتبن، والنخالة، والدقيق، والعجين، والخبز المتردد والليف والخوص والشجر، وفى نوى التمر وورق الشجر والريحان والحناء اذا تواروا عن ذلك، فلا تجوز عليه. قال: ومالا يشتبه تجوز عليه، كالكرنب، والباذنجان، والفجل، والقصب، والجريد، والغصون اذا كان معينا مقصودا اليه. واذا قرن بالتعيين ما يشتبه عليه جازت عليه الشهادة مثل أن يقال رأيناه قلع هذا البصل من الأرض الفلانية أو أخذه من يد فلان ولم يغب عنا الى هذه الساعة، وان توارى الشهود عنه لم يجز عليه، وان شهدوا أخبرهم الحاكم أنهم لا يشهدون على ما توارى عنهم، وان شهدوا فليجوزهم الحاكم. وقيل: لا تقبل شهادتهم اذا علم أنهم تواروا وتجوز على عود الزان والخشب والمنوال وأبواب البيوت اذا عرفوا ذلك ولو تواروا عنه. ولا تجوز الشهادة على مالا يعرف بعينه اذا غاب. وتجوز الشهادة على الحيوان اذا حضر وان غاب فلا الا أن تبين بالوصف وأحاطوا بعلمه وتجوز على ما ذبح منها ما لم يفارق الرأس الجسد، واذا فارقه جازت على الرأس لا الجسد. الاشتباه فى الوديعة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (١): أنه اذا خلط المودع الوديعة بماله خلطا لا يتميز، فانه يضمن الوديعة، لأنه اذا كان لا يتميز فقد عجز المالك من الانتفاع بالوديعة، فكان الخلط منه اتلافا، فيضمن ويصير ملكا بالضمان، وان مات كان ذلك لجميع الغرماء والمودع أسوة بالغرماء فيه. ولو اختلطت الوديعة بماله من غير صنعة لا يضمن وهو شريك لصاحبها. أما عدم وجوب الضمان فلانعدام الاتلاف منه بل تلفت بنفسها لانعدام الفعل من جهته. وأما كونه شريكا لصاحبها، فلوجود معنى الشركة وهو اختلاط الملكين. ولو أودعه رجلان كل واحد منهما ألف درهم فخلط المودع المالين خلطا لا يتميز، فلا سبيل لهما على أخذ الدراهم، ويضمن المودع لكل واحد منهما ألفا، ويكون المخلوط له، وهذا قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى.

стр. 3554

وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: هما بالخيار، ان شاءا اقتسما المخلوط نصفين، وان شاءا ضمنا المودع ألفين. وعلى هذا سائر المكيلات والموزونات اذا خلطا الجنس بالجنس خلطا لا يتميز، كالحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والدهن بالدهن. ووجه قولهما أن الوديعة قائمة بعينها، لكن عجز المالك عن الوصول اليها بعارض الخلط فان شاءا اقتسما لاعتبار جهة القيام، وان شاءا ضمنا لاعتبار جهة العجز. ووجه قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه لما خلطهما خلطا لا يتميز، فقد عجز كل واحد منهما عن الانتفاع بالمخلوط فكان الخلط منه اتلاف الوديعة على كل واحد منهما، فيضمن، ولهذا يثبت اختيار التضمين عندهما، واختيار التضمين لا يثبت الا بوجود الاتلاف دل أن الخلط منه وقع اتلافا. ولو أودعه رجل حنطة وآخر شعيرا فخلطهما، فهو ضامن لكل واحد منهما مثل حقه عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لأن الخلط اتلاف. وعندهما لهما أن يأخذا العين ويبيعاها، ويقتسما الثمن على قيمة الحنطة مخلوطا بالشعير، وعلى قيمة الشعير غير مخلوط بالحنطة، لأن قيمة الحنطة تنقص بخلط الشعير وهو يستحق الثمن، لقيام الحق فى العين وهو مستحق العين، بخلاف قيمة الشعير، لأن قيمة الشعير تزداد بالخلط وتلك الزيادة ملك الغير فلا يستحقها صاحب الشعير. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير وحاشية (١) الدسوقى عليه: أن المودع يضمن اذا خلط الوديعة بغيرها وترتبت فى ذمته بمجرد خلطها بغيرها، وان لم يحصل فيها تلف اذا تعذر التمييز أو تعسر، بأن التبس عليه الحال كما لو كانت الوديعة سمنا، وخلطها بدهن أو زيت أو عسل، حيث يتعذر التمييز بين المخلوطين، وكما لو كانت فولا فخلطها بشعير حيث يتعسر التمييز. أما اذا كانت الوديعة قمحا ثم خلطه بمثله جنسا وصفة فلا يضمن. وكذا اذا كانت دراهم فخلطها بدنانير لتيسر التمييز، هذا اذا كان الخلط لأجل الحفظ والرفق، والا ضمن، لأنه يمكن

стр. 3555

اذا أبقى كلا على حدته أن يضيع أحدهما دون الآخر. ثم ان تلف بعضه بعد الخلط للاحراز فبينهما على حسب الأنصباء. فاذا تلف واحد من ثلاثة لأحدهما واحد ولصاحبه اثنان، فعلى صاحب الواحد ثلثه، وعلى صاحب الاثنين ثلثاه، الا أن يتميز التالف، كما فى الدنانير والدراهم، فالتالف من ربه خاصة، وذلك بأن يعرف أنه لشخص معين منهما فمصيبته من ربه خاصة. قال شيخنا العدوى يؤخذ من هذا أن المركب اذا وسقت بطعام لجماعة غير شركاء وأخذ ظالم منه شيئا. فان كان الطعام مخلوطا بعضه على بعض، ولم يتميز أحدهما من الآخر، فما أخذ مصيبته من الجميع، يقسم بينهم على حسب أموالهم. وأما اذا كان غير مختلط بعضه ببعض، بل كان طعام كل واحد متميزا على حدة فما أخذ مصيبته من ربه وأما ما جعل ظلما على المركب بتمامها فيوزع على جميع ما فيها سواء كان هناك اختلاط أم لا كالمجعول على القافلة. وجاء فى (١) فى التاج والاكليل للحطاب: أن اللخمى قال: ان كان عند رجل وديعتان قمح وشعير، فخلطهما ضمن لكل واحد منهما مثل ما خلط له فان اختارا رفع العداء عنه، وان يأخذاه مخلوطا، ويكونان شريكين فيه جاز ذلك عند ابن القاسم وأشهب خلافا لسحنون. وقال ابن القاسم: وتكون شركتهما على قيمة القمح معيبا والشعير غير معيب، ولا يجوز أن يقتسماه على ذلك، وانما يقتسمان الثمن. والذى لابن رشد سواء خلطهما عداء أو غير عداء، قال: والذى يوجبه الحكم أن يقتسماه بينهما مخلوطا على قيمة القمح والشعير يوم الخلط، ويقوم القمح غير معيب. خلاف قول سحنون: أن القمح يقوم معيبا والشعير غير معيب، وقوله يباع ويقتسمان الثمن استحسان، اذ لا مانع يمنع من اقتسام الطعام بعينه على القيم، ولو لم يجز اقتسامه بعينه على القيم، لما جاز اقتسام ثمنه على ذلك، لأنه انما يباع على ملكهما فانما هو يأخذ ثمن ما كان أخذه له، ولا يجوز لهما أن يقتسماه على الكيل واختلاط الزرع، قال ابن حبيب: انهم يقتسمونه على حسب الزريعة. وذكر من رسم حلف من سماع عيسى ان كل واحد يحلف ما بذر ويقتسمون الطعام على عدد ذلك.

стр. 3556

قال ابن رشد وهذا كما قال ومعنى هذا عندى بعد أن يتراجعوا بما لبعضهم على بعض من فضل فى العمل. وقال ابن أبى زيد فى قسمة الشعير والزيتون عند الخلط أن يتقارر أرباب ذلك بينهم على شئ معلوم فهو كذلك. وان تجاهلوا والتبس عليهم الحال فليس لهم الا الاصطلاح. وكذلك ما اختلط على يد اللصوص من الزرع والأطعمة. وكذا ما وقع فى الرواية فى السفن اذا اختلط فيها الطعام. وفى طرر ابن عات اذا اختلط الكتان فى الوادى لسيل أو غيره ولم يعرف كل واحد ما له تحلل أصحابه فى ذلك. وكذا الطعام المستهلك ان أخذ مالا يشك أنه أقل من طعامه جاز مع ما تقدم لابن حبيب من قسمة الزرع المخلوط على حسب الزريعة، مع ما تقدم لابن رشد من تخفيف اقتسام الطعام المخلوط بالقيمة، ولو خلط عداء، وهل يكون ذلك كله مسوغا للذين يخلطون ألبانهم أن يأخذ الانسان من الجبن القدر الذى لا يشك فى أن يخرج له من لبن غنمه لو أفردها، وقد بسطت فى سنن المهتدين أن اقدام المرء على شئ بتأويل ليس كمن أقدم عليه مجاهرا ومن أكل حراما يعتقد أنه حلال أثيب على قصده ولا يعاقب على فعله ولا يظلم به قلبه ومن أقدم على حلال صرف يعتقد شبهته قسا قلبه به وأظلم. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (١): ان الشخص ان أودع دراهم فخلطها بمثلها من ماله ضمن، لأن صاحبها لم يرض أن يخلط ماله بمال غيره، فان خلطها بدراهم لصاحب الدراهم ففيه وجهان. أحدهما لا يضمن لأن الجميع له. والثانى أنه يضمن وهو الأظهر، لأنه لم يرض أن يكون أحدهما مختلطا بالآخر. وان أودعه دراهم فى كيس مشدود فحله أو خرق ما تحت الشد ضمن ما فيه، لأنه هتك الحرز من غير عذر. وان أودعه دراهم فى غير وعاء فأخذ منهما درهما ضمن الدرهم، لأنه تعدى فيه، ولا يضمن الباقى لأنه لم يتعد فيه. فان رد الدرهم، فان كان متميزا بعلامة لم يضمن غيره، وان لم يتميز

стр. 3557

بعلامة فقد قال الربيع يضمن الجميع، لأنه خلط المضمون بغيره فضمن الجميع. والمنصوص أنه لا يضمن الجميع، لأن المالك رضى أن يختلط هذا الدرهم بالدراهم فلم يضمن، فان أنفق الدرهم ورد بدله، فان كان متميزا عن الدراهم لم يضمن الدراهم، ولأنها باقية كما كانت، وان كان غير متميز ضمن الجميع لأنه خلط الوديعة بما لا يتميز عنها فضمن الجميع. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع (١): ان المستودع ان خلط الوديعة بمالا تتميز منه كزيت بزيت، أو شيرج ودراهم بدراهم ولو كان التعدى بشئ مما سبق فى احدى عينين مودعتين، وكان فعل ما تقدم بغير اذن المالك بطلت الوديعة، وضمن المستودع، لأنه صيرها فى حكم التالف، وفوت على نفسه ردها أشبه ما لو ألقاها فى بحر، وسواء خلطها بماله أو مال غيره، وسواء خلطها بمثلها أو دونها أو أجود. وفى الرعاية اذا خلط احدى وديعتى زيد بالأخرى بلا اذن وتعذر التمييز فوجهان. ولا تعود وديعة بعد التعدى فيها بشئ مما سبق الا بعقد وديعة جديد لبطلان الاستئمان بالعدوان. وحيث بطلت الوديعة وجب الرد فورا، لأن يده صارت عادية كالغاصب. وان خلط الوديعة غير المستودع بمالا تتميز منه فالضمان على الخالط دون المستودع، لوجود العدوان من الخالط. ومتى حدد المستودع استئمانا برئ، فان تلفت بعد لم يضمن، لأنه لم يتعد فى الاستئمان الذى تلفت فيه، والأول قد زال أو ابراه المالك من الضمان بتعديه برئ المستودع فلا يضمنها أن تلفت بعد، لأنه ممسكها باذن ربها وزال حكم التعدى بالبراءة ولا يضمن المستودع بمجرد نية التعدى فى الوديعة اذا تلفت الوديعة بلا تعد ولا تفريط بخلاف الملتقط نوى التملك، والفرق أن الايداع عقد والنية ضعيفة فيه فلا يزيله بخلاف الالتقاط. أما ان اختلط مودع غير متميز كبر ببر أو دقيق بدقيق بغير تفريط منه فلا ضمان، فان ضاع البعض جعل من مال المودع فى ظاهر كلام أحمد، ذكر المجد فى شرحه.

стр. 3558

وان أخذ المستودع درهما ثم رد بدله غير متميز، وضاعت الوديعة، فيضمن الجميع لخلطه الوديعة بمالا يتميز منه، كما لم يدر أيهما ضاع بأن ضاع درهم مثلا، ولم يدر أهو المردود أو غيره من الوديعة فيضمنه، لأن الأصل عدم براءته (١). وان سلم المستودع الوديعة الى من يظنه صاحبها فتبين خطؤه ضمنها، لأنه فوتها على ربها. وان ادعى الوديعة اثنان وقال المودع هى لأحدهما، ولا أعرف عينه، فان صدقاه أو سكتا عن تصديقه وتكذيبه، فلا يمين عليه اذ لا اختلاف، ويقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة سلمت اليه بيمينه، وان كذباه بأن قالا: بل تعرف أينا صاحبها حلف لهما يمينا واحدة انه لا يعلم عينه، وكذا ان كذبه أحدهما وحده، ويقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف أنها له، لاحتمال عدمه، وأخذها بمقتضى القرعة. فان نكل المودع عن اليمين أنه لا يعلم صاحبها حكم عليه بالنكول، وألزم تعيين صاحبها، فان أبى التعيين أجبر على القيمة ان كانت متقومة وعلى المثل ان كانت مثلية فتؤخذ القيمة أو المثل والعين فيقترعان عليهما أو يتفقان عليهما. قال فى التخليص وكذلك اذا قال أعلم المستحق ولا أحلف، ثم ان قامت بينة بالعين لآخذ القيمة سلمت اليه العين للبينة وتقدمها على القرعة، وردت القيمة الى المودع، ولا شئ للقارع على المودع، لأنه لم يفوت عليه شيئا بل المفوت البينة. مذهب الظاهرية: اذا (٢) ادعى المودع شيئا ينقل به الوديعة عن ملك المودع الى ملك غيره، فانه ينظر، فان كانت الوديعة لا تعرف للمودع الا بقول المودع، بأن كانت مختلطة بغيرها، ولم تميز، فالقول قول المودع مع يمينه فى كل ما ذكر له من أمره اياه ببيعها أو الصدقة بها أو بهبتها، أو أنه وهبها له وسائر الوجوه، ولا فرق، لأنه لم يقر له بشئ فى ماله، ولا بشئ فى ذمته، ولا بدين، ولا بتعد، ولا قامت له عليه بينه بحق، ولا بتعد، وماله محرم على غيره. وأما ان كانت الوديعة معروفة العين للمودع ببينة أو بعلم الحاكم، فان

стр. 3559

المودع مدع نقل ملك المودع عنها، فلا يصدق الا ببينة، وقد أقر حينئذ فى مال غيره بما قد منع الله تعالى منه اذ يقول: «ولا تكسب كل نفس الا عليها» فهو ضامن. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (١) وهامشه: ان المالك ان عين للتصدق بالوديعة وقتا، نحو قوله: ان لم أعد اليك فى وقت كذا فتصدق بها على الفقراء، فلم يعد فى ذلك الوقت، جاز له أن يتصدق بها، ما لم يتيقن موته. فان ثبت أن المودع كان ميتا فى ذلك الوقت لزم الوديع للورثة ضمانها. وان التبس فلا ضمان، لأن الأصل الحياة وبراءة الذمة. وان أتى بلفظ يشمل التوكيل والايصاء كقوله: تصدق بها حيا كنت أو ميتا، فلا ضمان ان تصدق بها قبل الموت، وقبل المرض المخوف، أو التبس هل تصدق قبله أو بعده، أو تيقن أنها بعده، وهى تنفذ من الثلث أو أكثر، وأجاز الورثة، والا ضمن الزيادة على الثلث ان علم، أو قصر فى البحث، لا ان جهل، لأن الموصى غار له. واذا أودع رجلان (٢) عند رجل وديعتين فتلفت احداهما، فادعى كل واحد من الرجلين أن الباقية وديعته، والتبس على الوديع من هى له. وكذا اذا التبس عليه أى الرجلين أودعه استحقها من قامت بينته منهما فى الصورتين جميعا. ثم اذا لم يكن لهما بينة كانت لمن حلف منهما على أنها له، ثم نصفان حيث بينا جميعا، أو حلفا جميعا، قال على: أو نكلا جميعا ولا يمين لهما على الوديعة، الا أن يدعى عليه أنه استهلكه عليه بدعوى اللبس كان له تحليفه على ذلك. مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام (٣): ان المودع ان كان غاصبا مزج ما غصبه بماله، ثم أودع الجميع، فان أمكن المستودع تمييز المالين رد عليه ماله، ومنع الآخر، وان لم يمكن تمييزهما وجب اعادتهما على الغاصب.

стр. 3560

وجاء فى الروضة البهية (١): ان المستودع اذا مزج الوديعة بماله أو بمال غيره، بحيث لا يتميز، سواء مزجها بأجود، أم بأدون، بل لو مزج احدى الوديعتين بالأخرى ضمنهما معا، وان كانا لواحد. ومثله لو خلطها بمال لمالكها غير مودع عنده للتعدى فى الجميع. وليرد الوديعة حيث يؤمر به أو يريده هو الى المالك أو وكيله المتناول وكالته مثل ذلك مخيرا فيهما، فان تعذر المالك أو وكيله، فالحاكم الشرعى عند الضرورة الى ردها لا بدونه، لأن الحاكم لا ولاية له على من له وكيل والمدعى بمنزلته. وجاء فى مفتاح الكرامة (٢): أنه لو استودع من اثنين ثلاثة، ثم تلف واحد من غير تفريط واشتبه، بخلاف ممتزج الأجزاء، أى وكذا الحكم لو استودع انسان من رجل دينارين مثلا، ومن آخر دينارا، ثم امتزجا اما بغير تفريط منه أو باذن المالكين، ثم تلف واحد بغير تفريط، فانا ندفع الى صاحب الدينارين دينارا، لأن الآخر معترف له به، والدينار الآخر يقسم بينهما نصفين، وهذا هو المشهور كما فى الدروس والتنقيح وايضاح المنافع والمسالك والروضة والكفاية والرياض. وفى جامع المقاصد نسبته الى الأكثر تارة والى الأصحاب أخرى. وقد نسب الى الأصحاب فى الدروس والمسالك والروضة، ولم أجد فيه خلافا الا من المصنف فى التحرير، فانه قال: الأولى عندى قسمة التالف على رأس المالين فيعطى صاحب الدينارين دينارا وثلثا، وصاحب الدينار ثلثا دينار. وقد مال الشهيدان والمحقق الثانى الى القرعة، لأنها مقتضى القواعد، لكنهم لم يجسروا على المخالفة. ودليل المشهور خبر السكونى عن الصادق ﵇ عن آبائه ﵈ فى رجل استودع رجلا دينارين، واستودعه آخر دينارا منهما، فقال: يعطى صاحب الدينارين دينارا، يقتسمان الدينار الباقى بينهما نصفين، والشهرة المعلومة والمستفيض نقلها تجبر ما هنالك من ضعف. وقد قال الشهيد الثانى وصاحب الرياض يشكل هنا مع ضعف السند أن التالف غير محتمل كونه لهما بل من أحدهما خاصة، لامتناع الاشاعة

стр. 3561

هنا، فكيف يقسم الدرهم بينهما مع انه مختص بأحدهما قطعا. وقالا: ان القول فى اليمين كما مر من عدم تعرض الأصحاب له. وقال فى الدروس ان الأصحاب لم يذكروا يمينا هنا وفى التى قبلها، وذكروهما فى باب الصلح فجاز أن يكون الصلح قهريا، وجاز أن يكون ذلك اختياريا، فان امتنعا فاليمين. وفى جامع المقاصد: أن ظاهر الرواية وكلام الأصحاب أن ذلك قهرى، وأنه بغير يميين، بل ربما امتنعت اليمين اذا صرح كل واحد بعدم العلم بعين حقه. قلت: لعل ما ذكره الأصحاب انما هو عند التخاصم والتداعى، كما فى المسألة الأولى، فالحكم فيها حينئذ سواء، فيجئ أنه لا بد من اليمين، وتصح قسمة الدرهم بينهما، لأنهما اتفقا على أن أحدهما بعينه لصاحب الاثنين، واختلفا فى الباقى المعين، اذ كل منهما يدعيه أنه درهمه فيقسم بينهما. وأما اذا طلبا حكم الله عند الاشتباه عليهما وتصريح كل واحد بعدم العلم بعين حقه فالحكم القرعة، وعلى هذا فلا اشكال، وليس للتأمل مجال. على أنا نقول قد اتفقت كلمتهم فى باب الشركة على الحكم بالاشاعة شرعا فيما اذا مزجا الدراهم أو الثياب أو الصوف أو الشعير ونحو ذلك مما هو قيمى، وان كان غير مشاع واقعا، ولذلك عرفوها بأنها اجتماع أموال الملاك على سبيل الاشاعة، مع أن أظهر أفرادها مزج الدراهم والاشتراك بها. واحترز بقوله من غير تفريط عما لو فرط فى الحفظ أو المزج، فان الودعى يضمن التالف، كما صرح به جماعة كالمصنف فى التذكرة، والمقداد، والمحقق الثانى، والشهيد الثانى، وغيرهم، فيضم اليها، ويقتسمان من غير نقص. وقد يقع مع ذلك التعاسر على العين فتتجه القرعة، لأنه يكون على تقدير الضمان لكل واحد منهما نصف الدرهم الواحد فيكون النزاع والتعاسر فى الأخذ من الضامن وأخذ الباقى. وأما ممتزج الأجزاء كالدهن والحنطة والشعير، فاذا كان لأحدهما قفيزان مثلا، وللآخر قفيز وتلف قفيز بعد امتزاجهما بعد تفريط، فالتالف على نسبة المالين، وكذا الباقى، فيكون لصاحب القفيزين قفيز وثلث، وللآخر ثلثا قفيز كما صرح به فى التذكرة والدروس والتلقيح معا، بخلاف الدرهم، لأنه مختص بأحدهما، ويحتمل أن يكون الحكم فيه ما تقدم.

стр. 3562

ويباع الثوبان مع الاشتباه معا ان لم يمكن الانفراد، ويقسط الثمن على القيمتين مع التعاسر، فان بيعا منفردين، فان تساويا فى الثمن، فلكل مثل صاحبه، وان تفاوتا فالأقل لصاحبه ونحوه ما ذكره فى التذكرة غير أنه لم يقيد فيها بيعهما معا بعدم امكان الانفراد. ويظهر ما فى الكتاب أنه متى أمكن بيعهما منفردين امتنع الاجتماع. وحاصله أنهما ان بيعا مجتمعين حيث لا يمكن الانفراد، بأن يباع كل واحد وحده لعدم الراغب وتعاسرا بمعنى لم يخير أحدهما صاحبه صارا كالمال المشترك شركة اجبارية كما لو امتزج الطعامان فيقسم الثمن على رأس المال، وعليه تنزل الرواية. وان أمكن بيعهما منفردين وجب، فان تساويا فلكل واحد ثمن ثوب، وان اختلفا فالأكثر لصاحب الأكثر، والأقل لصاحبه بناء على الغالب من عدم الغبن، وان أمكن خلافه، الا أنه نادر، لا أثر له شرعا، ويلزم على ما ذكره فى التذكرة ما ذكره من ترجيح أحد الأمرين من بيعهما معا أو منفردين، اذ الحكم مختلف فتتحد العبارتان. قال فى الدروس لكن الرواية مطلقة فى البيع، ويؤيدها أن الاشتباه مظنة تساوى القيمتين، فاحتمال تملك كل منهما لكل منهما قائم فكانا بمثابة الشريكين. وقال فى جامع المقاصد فعلى هذا يكون مورد الرواية ما اذا تساوت القيمتان، فيبقى ما اذا تفاوتا خاليا عن النص فيجب العمل فيه بما ذكره المصنف، اذ لاراد له، وقول ابن ادريس بالقرعة وان كان له وجه، الا أن مخالفة النص، وكلام الأصحاب مشكل. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): ويصدق مستودع ومستعير، ومضارب، لا بيمين فى تلف أى يصدقون فى ادعائهم تلف ما بأيديهم ان كانوا أمناء عند الحاكم، وان لم يكونوا عنده أمناء احتاجوا الى الشهود بكونهم أمناء، وان كانوا غير أمناء أو لا يدرى حالهم، بأن التبس الأمر على الحاكم حلفوا، وكذا الأمانة، والوديعة ما بيد انسان بوضع صاحبه فيه. وقيل يحلفون فى ذلك كله ولو أمناء. قال بعضهم الأمين أمين، ويحلف، والمراد التلف الذى يعذر فيه كالغصب والموت، لا الذى لا يعذر فيه كالسقوط أو النسيان فى موضع والغلط، وكذا وارثهم ان ادعى تلفه بيد مورثه لا يمين عليه انه تلف بيد موروثه، لا أن ادعى تلفه فانه يغرم ولا يصدق فى تلفه،

стр. 3563

لأنه لم يؤتمن عليه، وانما أؤتمن عليه موروثه الا أن بين أنه تلف. وقيل: لا غرم عليه، ولكن يحلف أنه ذهب، لأنه بقى فى يده من الموروث كالأمانة. وجاء فى موضع آخر (١): ولا تنصب حكومة فى حرام بالذات كخمر وخنزير وعذرة أو لعارض كمغصوب ومسروق وربا وثمن ذلك ولا بين أهل ريبة أو يعلن أهل ريبة، وبعض غير أهل ريبة اذا تنازعوا فى شئ ريب انه لغيرهم. وأما ما علم أنه حلال فتنصب بينهم ليوصل الى صاحبه منهم. الاشتباه فى الهبة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (٢): أنه يشترط فى الموهوب أن يكون موجودا وقت الهبة، فلا تجوز هبة ما ليس بموجود وقت العقد، بأن وهب ما يثمر نخله العام، وما تلد أغنامه السنة، ونحو ذلك، لأن الهبة تمليك للمال، وتمليك المعدوم محال، وكذلك لو وهب ما فى بطن هذه الجارية أو ما فى بطن هذه الشاة، أو ما فى ضرعها لا يجوز، وان سلطه على القبض عند الولادة والحلب، لأنه لا وجه لتصحيحه للحال، لاحتمال الوجود والعدم، لأن انتفاخ البطن قد يكون للحمل، وقد يكون لداء فى البطن وغيره، وكذا انتفاخ الضرع قد يكون باللبن، وقد يكون بغيره، فكان له خطر الوجود والعدم، ولا سبيل لتصحيحه بالاضافة الى ما بعد زمان الحدوث. وكذلك لو وهب زبدا فى لبن أو دهنا فى سمسم أو دقيقا فى حنطة لا يجوز وان سلطه على قبضه عند حدوثه. ويشترط فى الموهوب (٣) ألا يكون متصلا بما ليس بموهوب اتصال الأجزاء، لأن قبض الموهوب وحده لا يتصور وغيره ليس بموهوب. وعلى هذا يخرج ما اذا وهب أرضا فيها زرع دون الزرع، أو شجرا عليها ثمر دون الثمر أو وهب الزرع دون الأرض أو الثمر دون الشجر، وخلى بينه وبين الموهوب له أنه لا يجوز، لأن الموهوب متصل بما ليس بموهوب اتصال جزء بجزء فمنع صحة القبض. واذا زادت (٤) الهبة زيادة متصلة بالأصل فى يد الموهوب له، فانها تمنع

стр. 3564

الرجوع فى الهبة، سواء كانت الزيادة بفعل الموهوب له أولا، وسواء كانت متولدة أو غير متولدة، نحو ما اذا كان الموهوب جارية هزيلة فسمنها، أو دارا فبنى فيها، أو كان ثوبا فصبغه بعصفر أو زعفران، أو قطعه قميصا، لأنه لا سبيل الى الرجوع فى الأصل بدون الزيادة، لأنه غير ممكن فامتنع الرجوع أصلا. مذهب المالكية: جاء فى التاج والاكليل (١): ان من وهب لرجل موروثه من فلان، وهو لا يدرى كم هو سدس أو ربع، أو وهبه نصيبه من دار أو جدار وهو لا يدرى ذلك، كم ذلك فذلك جائز، ونقله فى النوادر فى كتاب الهبات والصدقات عن كتاب ابن المواز، وقال قبله، قال أبو محمد وأعرف لابن القاسم فى غير موضع أن هبة المجهول جائزة. وقال ابن عبد الحكم تجوز هبة المجهول ولو ظهر له أنها كثير بعد ذلك. قال فى النوادر عن كتاب ابن المواز وان تصدق عليه ببيت من داره ولم يسم له مرفقا، فليس له منعه من مدخل، ومخرج، ومرفق بئر، ومرحاض ان لم يسمه فى الصدقة، وليس له أن يقول له افتح بابا حيث شئت. وقال ابن عرفة (٢): اذا وهب الأب لصغار ولده، فان حوزه لهم يصح، اذا كان ما وهبه يعرف بعينه. قال ابن رشد هذا محل اتفاق. قال الباجى وأما مالا يتعين كالدنانير والدراهم، فانها ان بقيت بيد الأب غير مختوم عليها لم يتصرف فيها لابنه الصغير. قال ابن القاسم انه ان مات الأب وهى على ذلك فالعطية باطلة. وكذلك لو تصدق عليه بعشرة دنانير معينة فقال مالك لا يجوز وان طبع عليها حتى يدفعها الى غيره ويخرجها عن ملكه، وذلك أنها غير معروفة العين ولا متعينة بالاشارة اليها، ولا يصح أن تعرف بعينها اذا أفردت من غيرها. ولم يختلف أصحابنا فى ذلك اذا وهبه عشرة دنانير من دنانيره. وأما اذا ختم عليها أو أمسكها عنده فقد روى عن مالك أنها تبطل. زاد ابن المواز وان ختم عليها الشهود والأب وبه أخذ ابن القاسم والمصريون،

стр. 3565

ووجهه أنها مالا يتعين بالعقد فلا يصح فيها حيازة مع بقائها بيد المعطى كالتى لم يختم عليها. مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج (١): انه لو اصطلح الذين وقف المال بينهم على تساو أو تفاوت جاز، قال الامام: ولا بد أن يجرى بينهم تواهب، وهذا التواهب لا يكون الا عن جهالة، ولكنها تحتمل للضرورة. ومنها ماذا اختلط حمام برجين فوهب صاحب أحدهما نصيبه للآخر، فانه يصح على الصحيح وان كان مجهول القدر والصفة للضرورة. ومثل ذلك ما لو اختلطت حنطته بحنطة غيره أو مائعه بمائع غيره أو ثمرته بثمرة غيره. ومنها ما لو قال: انت فى حل مما تأخذ من مالى، أو تعطى، أو تأكل، فانه يجوز له الأكل، دون الأخذ والاعطاء، لأن الأكل اباحة، وهى تصح مجهولة بخلافهما. ومنها صوف الشاة المجعولة أضحية ولبنها كما قاله الرويانى. ومنها الطعام المغنوم من دار الحرب تجوز هبته للمسلمين بعضهم من بعض ما داموا فى دار الحرب كما يجوز لهم أكله هناك، ولا يصح لهم تبايعه قاله الزركشى وهذه فى الحقيقة لا تستثنى، لأن الآخذ لا يملك المأخوذ حتى يملكه لغيره، وانما هو مباح للغانم غير مملوك. ومنها الثمار قبل بدو الصلاح تجوز هبتها من غير شرط القطع بخلاف البيع وكذا الزرع الأخضر قبل اشتداد الحب. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع (٢): انه ان تعذر علم المجهول كزيت اختلط بزيت أو شيرج صحت هبته كصلح عنه للحاجة. وجاء فى الشرح الكبير (٣) لا تصح هبة المجهول كالحمل فى البطن واللبن فى الضرع، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعى رحمهما الله تعالى وأبو ثور، لأنه مجهول معجوز عن تسليمه. وفى الصوف على الظهر وجهان بناء على صحة بيعه، ومتى اذن له فى جز الصوف وحلب الشاة كان اباحة، ولا تصح هبة المعدوم كالذى تثمر شجرته

стр. 3566

أو تحمل أمته، لأن الهبة عقد تمليك فى الحياة فلم تصح فى هذا كله كالبيع. ثم قال: قد ذكرنا أن هبة المجهول لا تصح، نص عليه أحمد فى رواية أبى داود وحرب، وبه قال الشافعى. قال شيخنا ويحتمل أن الجهل اذا كان من الواهب منع الصحة، لأنه غرر فى حقه، وان كان من الموهوب له لم يمنعها، لأنه لا غرر فى حقه فلم يعتبر فى حقه العلم بما يوهب له كالوصية. وقال مالك تصح هبة المجهول، لأنه تبرع فصح فى المجهول كالنذر والوصية. ولنا أنه عقد تمليك لا يصح تعليقه بالشروط فلم يصح فى المجهول كالبيع بخلاف النذر والوصية، فأما مالا يقدر على تسليمه فتصح هبته فى أحد الاحتمالين اذا قلنا أن القبض ليس بشرط فى صحة الهبة. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (١) أن من وهب شيئا غير معين من جملة أو عدد كذلك أو زرعا كذلك أو وزنا كذلك أو كيلا كذلك، فهو باطل، لا يجوز، مثل أن يعطى درهما من هذه الدراهم، أو دابة من هذه الدواب، أو خمسة دنانير من هذه الدنانير، أو رطلا من هذا الدقيق، أو صاعا من هذا الثمر، أو ذراعا من هذا الثوب، وهكذا فى كل شئ، والصدقة بكل هذا والهبة، والاصداق، والبيع، والرهن، والاجارة باطل كل ذلك سواء فيما اختلفت أبعاضه، أو لم تختلف، لا لشريك، ولا لغيره، ولا لغنى، ولا لفقير، لأنه لم يوقع الهبة، ولا الصدقة، ولا الصداق، ولا الرهن، ولا الاجارة على شئ أبانه عن ملكه. لما روينا من طريق عبد الرازق عن معمر سألت الزهرى عن الرجل يكون شريكا لأبيه، فيقول له أبوه: لك مائة دينار من المال الذى بينى وبينك؟ فقال الزهرى قضى أبو بكر وعمر رضى الله عنهما أنه لا يجوز حتى يحوزه من المال ويعزله. وباسناده الى معمر عن سماك بن الفضل كتب عمر بن عبد العزيز أنه لا يجوز من النحل الا ما أفرد وعزل. ثم قال ابن حزم: ومن أعطى شيئا من غير مسألة ففرض عليه قبوله وله أن يهبه بعد ذلك، وبعد أن ساق ابن حزم الدليل النقلى على ذلك قال: ولا يخلو من اعطاء سلطان أو غير سلطان كائنا من كان من بر أو ظالم من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها.

стр. 3567

اما أن يوقن المعطى أن الذى أعطى حرام. وأما أن يوقن أنه حلال. وأما أن يشك فلا يدرى أحلال هو أم حرام، ثم ينقسم هذا القسم ثلاثة أقسام. أما أن يكون أغلب ظنه أنه حرام. أو يكون أغلب ظنه أنه حلال. واما أن يكون كلا الأمرين ممكنا على السواء. فان كان موقنا أنه حرام وظلم وغصب، فان رده فهو فاسق عاص لله تعالى ظالم، لأنه يعين به ظالما على الاثم والعدوان. ثم لا يخلو من أن يكون يعرف صاحبه الذى أخذ منه بغير حق أو لا يعرفه. فان كان يعرفه فهنا زاد فسقه وتضاعف ظلمه، لأنه قدر على رد المظلمة الى صاحبها، وعلى ازالتها عن الظالم فلم يفعل، بل أعان الظالم وأيده وأعان على المظلوم. وان كان لا يعرف صاحبه فكل مال لا يعرفه صاحبه فهو فى مصالح المسلمين، فالقول فى هذا القسم كالقول فى الذى قبله، لأنه قوى الظالم بما لا يحل. وان كان يوقن أنه حلال فان الذى أعطاه مكتسب بذلك حسنات فهو فى رده عليه ما أعطاه غير ناصح له اذ منعه الحسنات الكثيرة. وان كان لا يدرى أحلال هو أم حرام فهذه صفة كل ما يتعامل به الناس الا فى اليسير الذى يوقن فيه أنه حلال أو أنه حرام، فلو حرم أخذ هذا لحرمت المعاملات كلها الا فى النادر القليل جدا. وقد كان على عهد رسول الله ﷺ سرقات ومعاملات فاسدة غير مشهورة، فما حرم النبى ﷺ قط من أجل ذلك أخذ مال يتعامل به الناس، الا أن قوما من أهل الورع اتقوا ما الا غلب عندهم أنه حرام، فما كان من هذا القسم فهو داخل فى باب وجوب النصيحة بأخذه، فان طابت نفسه عليه فحسن، وان اتقاه فليتصدق به فيؤجر على كل حال. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (١): أنه يشترط فى الهبة تمييز الشئ الموهوب بما يميزه للبيع فهبة المجهول لا تصح اذا كان

стр. 3568

عينا، كما لا يصح بيعه، فاذا ميز للهبة بمثل ما يميز للبيع صحت. وأجاز المؤيد بالله الهبة اذا ذكر لها حاصرا، نحو كل ما أملك أو ما ورثت من فلان. وحمله القاضى زيد وأبو مضر على معرفة الجنس. مذهب الإمامية: جاء فى العروة الوثقى (١): أنه اذا تغيرت العين فى حالة شك معه صدق القيام بعينه وعدمه، فالظاهر عدم جواز الرجوع، لأنه معلق على عنوان القيام بعينه، والمفروض الشك فى صدقه، ولا مجرى، لاستصحاب بقاء الجواز، لأنه لا يثبت أن هذا الموجود ويجوز الرجوع فيه فتأمل. هذا اذا لم يعلم بقاء الموضوع فى الاستصحاب وشك فيه فان المستصحب حينئذ بقاء الجواز الثابت سابقا ولا يثبت. وأما اذا علم بقاء الموضوع عرفا فلا مانع من استصحاب بقاء جواز الرجوع الثابت فيه فلا يكون من الأصل المثبت. واذا علم بالتغير (٢) والرجوع وشك فى السابق واللاحق فمع الجهل بتاريخهما أو العلم بتاريخ التغيير قدم قول المتهب. وان علم تاريخ الرجوع قدم قول الواهب. واذا علم الرجوع وموت المتهب وشك فى السابق واللاحق قدم قول وارث المتهب مع الجهل بتاريخهما أو العلم بتاريخ الموت وقول الواهب ووارثه مع العلم بتاريخ الرجوع. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٣): انه لا تصح الهبة فى مال شركة ذى شياع يتوصل فيه الى تحقيق سهامه وأهله أى، ولا فى ذى شياع جهلت فيه الانصباء، اذ قد تجوز فيه هبة الغلة. ولا تصح هبة ما فى ذمة وما فيها من دين أو قرض أو غيرهما عند من اشترط القبول والقبض، لعدم القبض.

стр. 3569

وتصح عند من لم يشترطها وعند من اشترط القبول فقط. وذكر أبو زكريا فى الأحكام ما يدل على أنه يصح هبة ما فى الذمة. وتصح هبة لشريك فى مشترك مثل أن يشترك اثنان فى أصل أو عرض فيهب أحدهما سهمه للآخر ان لم يشترك ثالث معهما فصاعدا، والا لم تصح لبقاء شريك آخر أو شركاء لم تتميز سهامهم لشياعها، ولو تميزت بالتسمية فلا قبض حينئذ. ولا تصح هبة مجهول (١) ولا المجهول وجوزت فى كل ذلك اذا تبينت صفتها أو اسمها ولو كان الشئ مجهولا. وان وهب شريك حصته (٢) لشريكه مثل دار لم تقسم فهل المذكور من الهبة أو ذلك الاعطاء قبض، لأن المشترك فى قبضة كل من الشركاء، لأن حصته منه غير متعينة وتجوز، هذا قول الربيع، أعنى أنه يعد ذلك قبضا، ولكنه لا يشترط القبض. ومن اشترطه فعد ذلك قبضا أجازها أولا يكون ذلك قبضا فلا تجوز حتى تقسم فتتعين الأنصباء وتصلح للقبض، وهو قول ابن عبد العزيز يقول لا تجوز الهبة حتى تكون معلومة مقسومة مقبوضة هذان قولان أيضا، والمختار الجواز فيهما أى فى مسألة هبة الحصة للشريك. ومسألة هبة ما لم يقسم لمتعدد والمتعدد ينزل منزلة الواحد، اذ جعل واحدا وان بلا قبض، أو الشركة غير قبض. الاشتباه فى الوقف مذهب الحنفية: جاء فى الفتاوى الهندية (٣): أن شيخ الاسلام سئل عن وقف مشهور اشتبهت مصارفه وقدر ما يصرف الى مستحقيه قال: ينظر الى المعه د من حاله فيما سبق من الزمان أن قوامها كيف يعملون فيه والى من يصرفون وكم يعطون، فيبنى على ذلك كذا فى المحيط. أما الوقوف التى تقادم أمرها، ومات وارثها، ومات الشهود الذين يشهدون عليها، فان كانت لها رسوم فى دواوين القضاة يعمل عليها، فاذا تنازع أهلها فيها أجريت على الرسوم الموجودة فى ديوانهم، وان لم تكن لها رسوم فى دواوين القضاة يعمل عليها، تجعل موقوفة، فمن أثبت فى ذلك حقا قضى له به.

стр. 3570

هذا كله اذا لم تبق ورثة الواقف. فان بقيت وتنازع قوم يرجع الى ورثة الواقف فى الوجهين جميعا، فاذا أقروا بشئ يؤخذ باقرارهم، فان تعذر يرجع الى الرسوم، فان تعذر تجعل موقوفة الى قيام الدليل، كذا فى المضمرات، فان اصطلحوا وأرادوا أخذ ذلك كان للقاضى فى الاستحسان أن يقسم ذلك بينهم. مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل نقلا عن المدونة (١): ان مالكا رحمه الله تعالى قال: من حبس حبسا على ولد له صغار فمات وعليه دين لا يدرى الدين كان قبل أم بعد الحبس، وقام الغرماء، فعلى الولد اقامة البينة أن الحبس كان قبل الدين، والا بطل الحبس. ومن تصدق بدار له (٢) على رجل وولده ما عاشوا ولم يذكر لها مرجعا الا صدقة هكذا، لا شرط فيها فهلك الرجل وولده، فانها ترجع حبسا على فقراء أقارب الذى حبس ولا توارث. قال عياض: ان قال مالك هو حبس أو وقف هو صدقة، فان عينها لمجهولين محصورين مما يتوقع انقطاعه كقوله على ولد فلان أو فلان وولده، فاختلف فيه. قال مالك وقاله فى الكتاب هى حبس مؤبد يرجع بعد انقراضهم مرجع الأحباس، سواء قال ما عاشوا أولا. قال وان جعلها لمجهولين غير محصورين كالمساكين، فهى ملك لهم تقسم عليهم ان كانت مما ينقسم، أو بيعت وقسمت وانقضت فيما يحتاج اليه ذلك الوجه المجهول، وتعيين المجهول ليس هنا باجتهاد الناظر فى موضع الحكم ووقته ولا يلزم عمومهم اذ لا يقدر عليه. وسئل ابن علاق عن حبس (٣) على طلاب العلم للغرباء أنه ان لم يوجد غرباء دفع لغير الغرباء. قال: ويشهد لهذا فتيا سحنون فى فضل الزيت على المسجد أنه يؤخذ منه فى مسجد آخر. وفتيا ابن فرحون فى حبس على حصن تغلب عليه يدفع فى حصن آخر. قال وما كان لله تعالى واستغنى عنه فجائز أن يستعمل فى غير ذلك الوجه ما هو لله تعالى.

стр. 3571

ومنها فتيا ابن رشد فى فضل غلات مسجد زائدة على حاجته أن يبنى بها مسجد تهدم. وقال عياض ان جعل حبسه على وجه معين غير محصور كقوله حبس فى السبيل أوفى وقيد مسجد كذا أو اصلاح قنطرة كذا فحكمه حكم الحبس المبهم يوقف على التأبيد، ولا يرجع ملكا. فان تعذر ذلك الوجه بجلاء البلد أو فساد موضع القنطرة حتى يعلم أنه لا يمكن أن تبنى وقف ان طمع بعوده الى حاله أو صرف فى مثله. قال عياض ان قال مكان هو حبس أو وقف هى صدقة. فان عينها لشخص معين فهى ملك له. وان قال دارى حبس على فلان وعين شخصا، فاختلف فيه قول مالك هل يكون مؤبدا لا يرجع ملكا، فان مات فلان رجعت حبسا لأقرب الناس بالمحبس على سنة مراجع الأحباس، فان لم يكن له قرابة رجعت للفقراء والمساكين. والقول الآخر أنها ترجع بعد موت المحبس عليه ملكا للمحبس، أو ورثته ان مات كالعمرى. قال عياض: ان قال: صدقة وجعلها لمجهولين غير محصورين كالمساكين، فهى ملك لهم، ويجتهد الناظر اذ لا يقدر على تعميمهم. وقال عياض أيضا اما لفظة الحبس المبهم كقوله دارى حبس فلا خلاف أنها وقف مؤبد، ولا ترجع ملكا، وتصرف عند مالك فى الفقراء والمساكين. وان كان فى الموضع عرف للوجوه التى التى توضع فيها الاحباس وتجعل لها حملت عليه. وقال ابن رشد لا خلاف فى أن من حبس أو وهب أو تصدق أنه لا رجوع له فى ذلك ويقضى عليه بذلك أن كان لمعين اتفاقا ولغير معين باختلاف، وهذا مذهب المدونة (١). ومن حبس على من لا يحاط به أو على قوم وأعقابهم. أو على كولده ولم يعينهم فضل المتولى أهل الحاجة والعيال فى غلة وسكنى أما مسئلة القسم على من يحاط به أو على قوم وأعقابهم. فقال ابن عرفة قسم ما على غير منحصر بالاجتهاد اتفاقا. وروى ابن عبدوس من حبس على قوم وأعقابهم فهذا كالصدقة يوصى وان تفرق على المساكين لمن وليها، أو يفضل أهل الحاجة والمسكنة والمؤنة والعيال وللزمانة وكذا غلة الحبس. وقال ابن رشد المشهور ان قسم

стр. 3572

الحبس لمعقب بين آحادهم بقدر حاجتهم، وما على معينين هم فيه بالسواء. وأما القسم على نحو ولده ولم يعينهم فقال ابن رشد: معلوم قول ابن القاسم وروايته فى المدونة أن الآباء يؤثرون على الأبناء ولا يكون للابناء معهم فى السكنى الا ما فضل عنهم، وسواء على قوليهما قال حبس على ولدى ولم يزد فدخل معهم فى السكنى الأبناء بالمعنى أو قال على ولده وولد ولده فدخلوا معهم بالنص. وقال مالك (١): من حبس دارا على ولده فسكنها بعضهم ولم يجد بعضهم فيها مسكنا فقال الذى لم يجد: أعطونى من الكراء بحساب حقى، فلا كراء له، ولا أرى أن يخرج أحد لأحد، ولكن من مات أو غاب غيبة يريد المقام بالوضع الذى انتقل اليه استحق الحاضر مكانه. وأما ان أراد السفر الى موضع ثم يرجع فهو على حقه. قال فى كتاب محمد وله أن يكرى منزله الى أن يرجع. وسمع عيسى من حبس على قوم وهم متكافئون فى الغنى والفقر اجتهد فى ذلك، ليسكن فيها من رأى أو يكريها فيقسم كراءها عليهم، ومن سبق وسكن فهو أولى، ولا يخرج منها. قال ابن رشد معناه فى غير المعين كتحبيسه على أولاده أو أولاد فلان. وان كان على معينين مسميين لم يستحق السكنى من سبق اليه، وهم فيه بالسوية حاضرهم وغائبهم قاله ابن القاسم. قال محمد: وغنيهم وفقيرهم سواء الا بشرط. روى ابن القاسم من حبس على ولده أو غيرهم حائطا وسمى لبعضهم ما يعطى كل عام من الكيل، ولم يسم للآخرين فيبدأ بالذى سمى له، الا أن يعمل فى ذلك عامل فيكون أولى بحقه قال ابن القاسم وكذا فى غلة الدور. وقال ابن المواز (٢) فى الشامل ومن وقف على قوم وأعقابهم أو من لا يحاط بهم، فضل الناظر ذا حاجة وعيال فى غلة وسكنى على المشهور باجتهاده. فان استووا فقرا وغنى أوثر الأقرب فالأقرب، ودفع الفضل لمن يليه، فأما على ولده وولد ولده، أو مواليه ولم يعينهم فكذلك.

стр. 3573

وقيل: الغنى والفقير سواء، فان عينهم سوى بينهم، فان كان للغنى ولد فقير أعطى بقدر حاجته. وقال فى النوادر ومن المجموعة من حبس على قوم وأعقابهم أن ذلك كالصدقة، ولا يعطى الغنى منها شيئا، ويعطى المسدد بقدر حاله، فان كان للاغنياء أولاد كبار فقراء وقد بلغوا أعطوا بقدر حاجتهم. قال الباجى يريد بالمسدد الذى له كفاية وربما ضاق حاله لكثرة عياله. وفهم من قوله ولم يعينهم أنه لو عينهم أنه يسوى بينهم وهو كذلك. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (١): أن الواقف ان قال وقفت على أولادى دخل فيه الذكر والأنثى والخنثى، لأن الجميع أولاده، ولا يدخل فيه ولد الولد، لأن ولده حقيقة ولده من صلبه. فان كان له حمل لم يدخل فيه حتى ينفصل. فاذا انفصل استحق ما يحدث من الغلة بعد الانفصال دون ما كان حدث قبل الانفصال، لأنه قبل الانفصال لا يسمى ولدا. وان وقف على ولده وله ولد فنفاه باللعان لم يدخل فيه. وقال أبو اسحق يدخل فيه، لأن اللعان يسقط النسب فى حق الزوج، ولا يتعلق به حكم سواه، ولهذا تنقضى به العدة. والمذهب الأول، لأن الوقف على ولده باللعان قد بان أنه ليس بولده، فلم يدخل فيه. وان وقف على أولاد أولاده دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات، لأن الجميع أولاد أولاده فان قال على نسلى أو عقبى أو ذريتى دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات قربوا أو بعدوا لأن الجميع من نسله وعقبه وذريته، ولهذا قال الله تعالى «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ٢، وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى ٣. وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ، وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٤)» فجعل هؤلاء كلهم من ذريته على البعد وجعل عيسى من ذريته وهو ينسب اليه بالأم. فان وقف على عترته فقد قال ابن الأعرابى وثعلب هم ذريته. وقال القتيبى: هم عشيرته.

стр. 3574

وان وقف على من ينسب اليه لم يدخل فيه أولاد البنات، لأنهم لا ينسبون اليه. قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأجانب. وان وقف على البنين لم يدخل فيه الخنثى المشكل لأنا لا نعلم أنه من البنين فان وقف على البنات لم يدخل فيه، لأنا لا نعلم أنه من البنات. فان وقف على البنين والبنات ففيه وجهان أحدهما أنه لا يدخل فيه لأنه ليس من البنين ولا من البنات. والثانى أنه يدخل، لأنه لا يخلو من أن يكون ابنا أو بنتا وان أشكل علينا فان وقف على بنى زيد لم يدخل فيه بناته. فان وقف على بنى تميم وقلنا ان الوقف صحيح ففيه وجهان. أحدهما لا يدخل البنات، لأن البنين اسم للذكور حقيقة. والثانى يدخلن فيه، لأنه اذا أطلق اسم القبيلة دخل فيه كل من ينسب اليها من الرجال والنساء. مذهب الحنابلة: جاء فى قواعد ابن رجب (١): انه لو وجد فى كتاب وقف أن رجلا وقف على فلان وبنى بنيه واشتبه هل المراد بنى بنيه (جمع ابن) أو بنى بنيه (واحدة البنات) قال ابن عقيل فى فنونه: يكون بينهما عندنا، لتساويهما، كما فى تعارض البينات. قال الشيخ تقى الدين: ليس هذا من تعارض البينتين، بل هو بمنزلة تردد البينة الواحدة، ولو كان من تعارض البينتين فالقسمة عند التعارض رواية مرجوحة والا فالصحيح اما التساقط واما القرعة، فيحتمل أن يقرع هاهنا، لأن الحق ثبت لاحدى الجهتين، ولم يعلم عينها، ويحتمل أن يرجح بنو البنين، لأن العادة أن الانسان اذا وقف على ولد بنيه لا يخص منهما الذكور بل يعم أولادهما، بخلاف الوقف على ولد الذكور، بل يعم أولادهما، بخلاف الوقف على ولد الذكور، فانه يخص ذكورهم كثيرا كآبائهم، ولأنه لو أراد ولد البنت لسماها أو لشرك بين ولدها وولد سائر بناته، قال: وهذا أقرب الى الصواب. وأفتى ﵀ فيمن وقف على أحد أولاده وله عدة أولاد جهل اسمه أنا يميز بالقرعة. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٢): أن الواقف اذ

стр. 3575

عين العين الموقوفة ثم التبس ما قد عين فى النية بغيره بلا تفريط صار للمصالح وبه قيمة أحدهما فقط. فلو وقف واحدا من شيئين وعينه فى نفسه، ثم التبس ما قد عين فانه ينظر، هل وقع منه تفريط فى ترك التعيين حتى التبس أم لا، فان لم يقع منه تفريط بطل الوقف، وصار الشيئان جميعا للمصالح. وان فرط حتى التبس عليه أو مات ولم يعرف الورثة ولا توجد شهادة بطل الوقف أيضا، وصار ملكا له أولهم، ولزمه للمصالح قيمة الأقل منهما. ولمتولى الوقف تأجيره مدة معلومة لكن لا يكون الا دون ثلاث سنين لأن خلاف ذلك يؤدى الى اشتباه الوقف بالملك. قال (١) الهادى ﵇: تجوز اجارة الوقف مدة قريبة نحو سنة أو سنتين دون المدة الطويلة، فان ذلك مكروه كراهة حظر تمنع الصحة مع حصول اللبس. واذا حدث الاختلاط (٢) فالتبست أملاك الأعداد وأوقافها لا بخالط نحو أن يختلط ملكان أو وقفان لشخصين أو لمسجدين أو زكاة وغلة لمسجد أو نحو ذلك، حتى لا يتميز ما لكل واحد منهما، ولم يكن ذلك بخلط خالط، بل برياح أو من لا تضمن جنايته من حيوان أو غيره، فاذا كان الخلط على هذه الصفة قسمت تلك الأملاك على الرءوس، سواء كانت مثلية أو قيمية على ما تقتضيه القسمة، ويبين مدعى الزيادة والفضل. فمن ادعى أن نصيبه أكثر، أو أفضل كانت عليه البينة، الا اذا كان الخلط ملكا بوقف بطل الوقف، وصارا جميعا ملكا للمصالح رقبتهما. قيل: أو كان المختلط وقفين أحدهما لآدمى، والآخر لله تعالى، فان غلتهما تكون للمصالح، ولا يبطل الوقف، فيصيران للمصالح، وهما الملك والوقف والوقفان رقبة الأول وهو الملك والوقف، وغلة الثانى وهما الوقفان هكذا. وقال على وغيره بل الأولى أن تقسم الغلة كالملكية، ولا يقاس على اختلاط الملك بالوقف، لأن الوقف لا يصح التراضى على مصيره، ملكا، لأنه لا يباع فلهذا صارا جميعا للمصالح هناك، وأما هنا فان الغلة تباع فيصح التراضى فيها فالأولى القسمة، ولا تصير للمصالح كالملكية. قال مولانا المهدى ﵇: هذا هو القوى. وأما اذا كان اختلاط الأملاك والأوقاف بخالط فلا يخلو اما أن يكون متعديا
следующие страницы →