ومنها فتيا ابن رشد فى فضل غلات مسجد زائدة على حاجته أن يبنى بها مسجد تهدم.
وقال عياض ان جعل حبسه على وجه معين غير محصور كقوله حبس فى السبيل أوفى وقيد مسجد كذا أو اصلاح قنطرة كذا فحكمه حكم الحبس المبهم يوقف على التأبيد، ولا يرجع ملكا.
فان تعذر ذلك الوجه بجلاء البلد أو فساد موضع القنطرة حتى يعلم أنه لا يمكن أن تبنى وقف ان طمع بعوده الى حاله أو صرف فى مثله.
قال عياض ان قال مكان هو حبس أو وقف هى صدقة.
فان عينها لشخص معين فهى ملك له.
وان قال دارى حبس على فلان وعين شخصا، فاختلف فيه قول مالك هل يكون مؤبدا لا يرجع ملكا، فان مات فلان رجعت حبسا لأقرب الناس بالمحبس على سنة مراجع الأحباس، فان لم يكن له قرابة رجعت للفقراء والمساكين.
والقول الآخر أنها ترجع بعد موت المحبس عليه ملكا للمحبس، أو ورثته ان مات كالعمرى.
قال عياض: ان قال: صدقة وجعلها لمجهولين غير محصورين كالمساكين، فهى ملك لهم، ويجتهد الناظر اذ لا يقدر على تعميمهم.
وقال عياض أيضا اما لفظة الحبس المبهم كقوله دارى حبس فلا خلاف أنها وقف مؤبد، ولا ترجع ملكا، وتصرف عند مالك فى الفقراء والمساكين.
وان كان فى الموضع عرف للوجوه التى التى توضع فيها الاحباس وتجعل لها حملت عليه.
وقال ابن رشد لا خلاف فى أن من حبس أو وهب أو تصدق أنه لا رجوع له فى ذلك ويقضى عليه بذلك أن كان لمعين اتفاقا ولغير معين باختلاف، وهذا مذهب المدونة (١).
ومن حبس على من لا يحاط به أو على قوم وأعقابهم.
أو على كولده ولم يعينهم فضل المتولى أهل الحاجة والعيال فى غلة وسكنى أما مسئلة القسم على من يحاط به أو على قوم وأعقابهم.
فقال ابن عرفة قسم ما على غير منحصر بالاجتهاد اتفاقا.
وروى ابن عبدوس من حبس على قوم وأعقابهم فهذا كالصدقة يوصى وان تفرق على المساكين لمن وليها، أو يفضل أهل الحاجة والمسكنة والمؤنة والعيال وللزمانة وكذا غلة الحبس.
وقال ابن رشد المشهور ان قسم
стр. 3572
الحبس لمعقب بين آحادهم بقدر حاجتهم، وما على معينين هم فيه بالسواء.
وأما القسم على نحو ولده ولم يعينهم فقال ابن رشد: معلوم قول ابن القاسم وروايته فى المدونة أن الآباء يؤثرون على الأبناء ولا يكون للابناء معهم فى السكنى الا ما فضل عنهم، وسواء على قوليهما قال حبس على ولدى ولم يزد فدخل معهم فى السكنى الأبناء بالمعنى أو قال على ولده وولد ولده فدخلوا معهم بالنص.
وقال مالك (١): من حبس دارا على ولده فسكنها بعضهم ولم يجد بعضهم فيها مسكنا فقال الذى لم يجد:
أعطونى من الكراء بحساب حقى، فلا كراء له، ولا أرى أن يخرج أحد لأحد، ولكن من مات أو غاب غيبة يريد المقام بالوضع الذى انتقل اليه استحق الحاضر مكانه.
وأما ان أراد السفر الى موضع ثم يرجع فهو على حقه.
قال فى كتاب محمد وله أن يكرى منزله الى أن يرجع.
وسمع عيسى من حبس على قوم وهم متكافئون فى الغنى والفقر اجتهد فى ذلك، ليسكن فيها من رأى أو يكريها فيقسم كراءها عليهم، ومن سبق وسكن فهو أولى، ولا يخرج منها.
قال ابن رشد معناه فى غير المعين كتحبيسه على أولاده أو أولاد فلان.
وان كان على معينين مسميين لم يستحق السكنى من سبق اليه، وهم فيه بالسوية حاضرهم وغائبهم قاله ابن القاسم.
قال محمد: وغنيهم وفقيرهم سواء الا بشرط.
روى ابن القاسم من حبس على ولده أو غيرهم حائطا وسمى لبعضهم ما يعطى كل عام من الكيل، ولم يسم للآخرين فيبدأ بالذى سمى له، الا أن يعمل فى ذلك عامل فيكون أولى بحقه قال ابن القاسم وكذا فى غلة الدور.
وقال ابن المواز (٢) فى الشامل ومن وقف على قوم وأعقابهم أو من لا يحاط بهم، فضل الناظر ذا حاجة وعيال فى غلة وسكنى على المشهور باجتهاده.
فان استووا فقرا وغنى أوثر الأقرب فالأقرب، ودفع الفضل لمن يليه، فأما على ولده وولد ولده، أو مواليه ولم يعينهم فكذلك.
стр. 3573
وقيل: الغنى والفقير سواء، فان عينهم سوى بينهم، فان كان للغنى ولد فقير أعطى بقدر حاجته.
وقال فى النوادر ومن المجموعة من حبس على قوم وأعقابهم أن ذلك كالصدقة، ولا يعطى الغنى منها شيئا، ويعطى المسدد بقدر حاله، فان كان للاغنياء أولاد كبار فقراء وقد بلغوا أعطوا بقدر حاجتهم.
قال الباجى يريد بالمسدد الذى له كفاية وربما ضاق حاله لكثرة عياله.
وفهم من قوله ولم يعينهم أنه لو عينهم أنه يسوى بينهم وهو كذلك.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (١): أن الواقف ان قال وقفت على أولادى دخل فيه الذكر والأنثى والخنثى، لأن الجميع أولاده، ولا يدخل فيه ولد الولد، لأن ولده حقيقة ولده من صلبه.
فان كان له حمل لم يدخل فيه حتى ينفصل.
فاذا انفصل استحق ما يحدث من الغلة بعد الانفصال دون ما كان حدث قبل الانفصال، لأنه قبل الانفصال لا يسمى ولدا.
وان وقف على ولده وله ولد فنفاه باللعان لم يدخل فيه.
وقال أبو اسحق يدخل فيه، لأن اللعان يسقط النسب فى حق الزوج، ولا يتعلق به حكم سواه، ولهذا تنقضى به العدة.
والمذهب الأول، لأن الوقف على ولده باللعان قد بان أنه ليس بولده، فلم يدخل فيه.
وان وقف على أولاد أولاده دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات، لأن الجميع أولاد أولاده فان قال على نسلى أو عقبى أو ذريتى دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات قربوا أو بعدوا لأن الجميع من نسله وعقبه وذريته، ولهذا قال الله تعالى «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ٢، وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى ٣. وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ، وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٤)» فجعل هؤلاء كلهم من ذريته على البعد وجعل عيسى من ذريته وهو ينسب اليه بالأم.
فان وقف على عترته فقد قال ابن الأعرابى وثعلب هم ذريته.
وقال القتيبى: هم عشيرته.
стр. 3574
وان وقف على من ينسب اليه لم يدخل فيه أولاد البنات، لأنهم لا ينسبون اليه.
قال الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأجانب.
وان وقف على البنين لم يدخل فيه الخنثى المشكل لأنا لا نعلم أنه من البنين فان وقف على البنات لم يدخل فيه، لأنا لا نعلم أنه من البنات.
فان وقف على البنين والبنات ففيه وجهان أحدهما أنه لا يدخل فيه لأنه ليس من البنين ولا من البنات.
والثانى أنه يدخل، لأنه لا يخلو من أن يكون ابنا أو بنتا وان أشكل علينا فان وقف على بنى زيد لم يدخل فيه بناته.
فان وقف على بنى تميم وقلنا ان الوقف صحيح ففيه وجهان.
أحدهما لا يدخل البنات، لأن البنين اسم للذكور حقيقة.
والثانى يدخلن فيه، لأنه اذا أطلق اسم القبيلة دخل فيه كل من ينسب اليها من الرجال والنساء.
مذهب الحنابلة:
جاء فى قواعد ابن رجب (١): انه لو وجد فى كتاب وقف أن رجلا وقف على فلان وبنى بنيه واشتبه هل المراد بنى بنيه (جمع ابن) أو بنى بنيه (واحدة البنات) قال ابن عقيل فى فنونه: يكون بينهما عندنا، لتساويهما، كما فى تعارض البينات.
قال الشيخ تقى الدين: ليس هذا من تعارض البينتين، بل هو بمنزلة تردد البينة الواحدة، ولو كان من تعارض البينتين فالقسمة عند التعارض رواية مرجوحة والا فالصحيح اما التساقط واما القرعة، فيحتمل أن يقرع هاهنا، لأن الحق ثبت لاحدى الجهتين، ولم يعلم عينها، ويحتمل أن يرجح بنو البنين، لأن العادة أن الانسان اذا وقف على ولد بنيه لا يخص منهما الذكور بل يعم أولادهما، بخلاف الوقف على ولد الذكور، بل يعم أولادهما، بخلاف الوقف على ولد الذكور، فانه يخص ذكورهم كثيرا كآبائهم، ولأنه لو أراد ولد البنت لسماها أو لشرك بين ولدها وولد سائر بناته، قال: وهذا أقرب الى الصواب.
وأفتى ﵀ فيمن وقف على أحد أولاده وله عدة أولاد جهل اسمه أنا يميز بالقرعة.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٢): أن الواقف اذ
стр. 3575
عين العين الموقوفة ثم التبس ما قد عين فى النية بغيره بلا تفريط صار للمصالح وبه قيمة أحدهما فقط.
فلو وقف واحدا من شيئين وعينه فى نفسه، ثم التبس ما قد عين فانه ينظر، هل وقع منه تفريط فى ترك التعيين حتى التبس أم لا، فان لم يقع منه تفريط بطل الوقف، وصار الشيئان جميعا للمصالح.
وان فرط حتى التبس عليه أو مات ولم يعرف الورثة ولا توجد شهادة بطل الوقف أيضا، وصار ملكا له أولهم، ولزمه للمصالح قيمة الأقل منهما.
ولمتولى الوقف تأجيره مدة معلومة لكن لا يكون الا دون ثلاث سنين لأن خلاف ذلك يؤدى الى اشتباه الوقف بالملك.
قال (١) الهادى ﵇: تجوز اجارة الوقف مدة قريبة نحو سنة أو سنتين دون المدة الطويلة، فان ذلك مكروه كراهة حظر تمنع الصحة مع حصول اللبس.
واذا حدث الاختلاط (٢) فالتبست أملاك الأعداد وأوقافها لا بخالط نحو أن يختلط ملكان أو وقفان لشخصين أو لمسجدين أو زكاة وغلة لمسجد أو نحو ذلك، حتى لا يتميز ما لكل واحد منهما، ولم يكن ذلك بخلط خالط، بل برياح أو من لا تضمن جنايته من حيوان أو غيره، فاذا كان الخلط على هذه الصفة قسمت تلك الأملاك على الرءوس، سواء كانت مثلية أو قيمية على ما تقتضيه القسمة، ويبين مدعى الزيادة والفضل.
فمن ادعى أن نصيبه أكثر، أو أفضل كانت عليه البينة، الا اذا كان الخلط ملكا بوقف بطل الوقف، وصارا جميعا ملكا للمصالح رقبتهما.
قيل: أو كان المختلط وقفين أحدهما لآدمى، والآخر لله تعالى، فان غلتهما تكون للمصالح، ولا يبطل الوقف، فيصيران للمصالح، وهما الملك والوقف والوقفان رقبة الأول وهو الملك والوقف، وغلة الثانى وهما الوقفان هكذا.
وقال على وغيره بل الأولى أن تقسم الغلة كالملكية، ولا يقاس على اختلاط الملك بالوقف، لأن الوقف لا يصح التراضى على مصيره، ملكا، لأنه لا يباع فلهذا صارا جميعا للمصالح هناك، وأما هنا فان الغلة تباع فيصح التراضى فيها فالأولى القسمة، ولا تصير للمصالح كالملكية.
قال مولانا المهدى ﵇: هذا هو القوى.
وأما اذا كان اختلاط الأملاك والأوقاف بخالط فلا يخلو اما أن يكون متعديا
стр. 3576
بذلك أولا، والتعدى أن يفعله من غير أمرهم ان كان لا باذن بل متعد، فالمخلوط اما أن يكون من ذوات القيم أو من ذوات الأمثال.
فان كان من ذوات القيم ملك القيمى بلا خلاف.
وان كان من ذوات الأمثال، فاما أن يتفق جنسه ونوعه وصفته أو يختلف.
فان اختلف وتعذر التمييز ملكه، نحو أن يخلط السليط بالسمن أو رطلا من المسمن يساوى درهما برطل منه يساوى درهمين، اذ لا فرق عندنا بين الاختلاف فى الجنس، أو فى الصفة، أو فى النوع فى انه يكون استهلاكا، والمتعدى بالخلط اذا ملكه لزمته الغرامة لأربابه، مثل المثلى وقيمة المتقوم، ويلزمه التصدق بما خشى فساده قبل المراضاة، ولا يجوز له فيه التصرف قبلها، ذكر ذلك الكنى.
وقال القاضى زيد: انه يجوز له فيه كل تصرف قبل المراضاة.
واذا كان المخلوط مثليا متفقا فى الجنس والصفة والنوع لم يملكه الخالط، لكن اذا تلف قبل أن يقسمه ضمن الخالط ذلك المثلى المتفق، وقسمه على الرءوس، ويبين مدعى الزيادة والفضل.
ولمتولى الوقف (١) تأجيره مدة معلومة لكن لا يكون الا دون ثلاث سنين، لأن خلاف ذلك يؤدى الى اشتباه الوقف بالملك.
ولمتولى الوقف أن يعمل بالظن فيما التبس مصرفه.
قال على: الواجب أن يعمل بعلمه فان لم يحصل له علم نظر فى الثقات المتصرفين قبله، فان كان عملهم عن علم وجب الرجوع اليهم، وان كان علمهم عن ظن فتقديم ظنه أولى، وان لم يحصل له ظن ولا من يرجع اليه فعلى أحد قولى المؤيد بالله والهادوية بقسم بين المصارف كالذى التبس بين قوم محصورين.
وعلى أحد قوليه يكون الجميع لبيت المال.
وان كان اللبس بين مصارف منحصرات قسمت الغلة بينهن بالسوية.
وان كانت غير منحصرات بل وقع اللبس مطلقا، فان الغلة تكون لبيت المال، وكذلك الرقبة اذا لم يعلم كونها وقفا، وان عرف أنها وقف بقيت وقف.
مذهب الإمامية:
جاء فى العروة الوثقى (٢): أنه اذا
стр. 3577
اشتبه الموقوف عليه بين شخصين أو عنوانين فالمرجع القرعة أو الصلح القهرى.
واذا شك فى وقف أنه ترتيب أو تشريك فان كان هناك اطلاق وشك فى تقييده وعدمه حكم بالتشريك، لاصالة عدم التقييد وان لم يعلم كيفية اجراء الصيغة فقد يقال بالتشريك أيضا لكنه مشكل، بل مقتضى القاعدة أن يدفع الى أهل المرتبة المتقدمة المقدار الذى يكون لهم على فرض التشريك، لأنه المتيقن على التقديرين والبقية المردودة بين أن يكون لهم أيضا أو للمرتبة المتأخرة تقسم بين الجميع بمقتضى الصلح القهرى.
واذا كان (١) وقف لم يعلم مصرفه من جهة الجهل به أو نسيانا من الأول أو فى الاثناء لم يحكم ببطلانه بلا أشكال، وحينئذ فبعد اليأس عن ظاهر الحال ان كان الترديد مع انحصار الأطراف يوزع عليهم، أو يقرع بينهم، وان كان مع عدم الانحصار فان كان الترديد بين الجماعات غير المحصورين، كأن لم يعلم أنه وقف على الفقراء أو الفقهاء أو على أولاد زيد أو أولاد عمرو.
وهكذا جرى عليه حكم المال المجهول مالكه من التصدق ونحوه.
ففى خبر أبى على بن راشد اشتريت أرضا الى جنب ضيعتى بألفى درهم، فلما دفعت المال خبرت ان الأرض وقف فقال: لا يجوز شراء الوقف، ولا تدخل الغلة فى ملكك، ادفعها الى من أوقفت عليه، قلت: لا أعرف لها ربا، قال: تصدق بغلتها.
وان كان بين الجهات غير المحصورة، كأن لم يعلم أنه وقف على المسجد، أو القنطرة، أو نحو ذلك من الجهات صرف فى وجوه البر غير الخارج عن أطراف الترديد.
وأما اذا علم المصرف، لكن تعذر صرفه فيه لانقراضه، ففى مثل الوقف على الجماعات.
وأما فى الوقف على الجهات مثل المسجد والقنطرة ونحوهما، فمقتضى القاعدة بطلان الوقف ورجوعه الى الواقف أو ورثته، كما فى خروج العين الموقوفة عن الانتفاع بها أو عدم امكان الصرف عليه، لكن المشهور بقاء الوقف على حاله، وصرف منافعه فى وجوه البر، حيث قالوا: لو وقف على مصلحة فبطل رسمها يصرف فى وجوه البر، بل قيل:
لا خلاف فيه، الا من المحكى فى النافع، حيث أنه نسبه الى قول مشعر بتردده فيه.
نعم عن المسالك التفصيل بين ما اذا كانت المصلحة الموقوفة عليها مما يتعرض
стр. 3578
غالبا، كالوقف على مصلحة مثل شجرة التين والعنب فيجرى عليه حكم منقطع الآخر من العود الى الواقف، أو وارثه، وبين ما اذا كان مما يدوم غالبا كالوقف على مصلحة عين ماء مخصوص مما تقضى العادة بدوامه فاتفق غوره، أو قنطرة على نهر كذلك، فالمتجه ما ذكره المشهور وبين ما يكون مشتبه الحال كالوقف على مسجد فى قرية صغيرة، ففى حمله على أى الجهتين نظر، من أصالة البقاء، ومن الشك فى حصول شرط الانتقال عن مالكه مطلقا وعدمه، فيؤخذ بالقدر المتيقن من الخروج عن ملكه، ثم استقرب الأخذ بالأقرب الى تلك المصلحة.
واستدل للمشهور بأن الملك قد خرج عن ملك الواقف فعوده يحتاج الى دليل وليس، فالأصل بقاؤه على الوقفية وحيث لا يمكن صرفه على ذلك المعين فيصرف فى وجوه البر.
واذا علم (١) أنه وقف داره على أولاده، ولم يعلم أنه على الذكور فقط، أو على الأعم منهم، ومن الاناث، أو علم أنه أعم، ولكن لم يعلم أنه تشريك، أو ترتيب، فان كان هناك اطلاق، كأن علم أنه قال: على أولادى، ولم يعلم أنه قيدهم بالذكور أولا، أو لم يعلم أنه قيد الاناث بصورة عدم الذكور أولا، فمقتضى الأصل والاطلاق عدم التخصص بالذكور، أو عدم التقييد بالترتيب فيحكم بالتسوية بينهما.
وكذا الحال ان شك فى تفضيل الذكور على الاناث وعدمه، فيقال:
الأصل عدم التفضيل.
وأما ان لم يعلم كيفية الوقف، ولم يكن الاطلاق معلوما، حتى يقال:
الأصل عدم التقييد، فيرجع الأمر الى أن وقفه على الذكور معلوم، وعلى الاناث غير معلوم، لكن القدر المتيقن للذكور هو النصف مثلا، فيبقى النصف الآخر مرددا بين كونه لهم أيضا أو هو للاناث، فيحتمل أن يكون المرجع القرعة، لكن الأولى الصلح القهرى، فيكون للاناث من منافع الوقف الربع، وللذكور ثلاثة أرباع، نظير ما اذا تردد الوقف بين كونه على زيد فقط، أو عليه وعلى عمرو، حيث يقال: أن كون النصف لزيد متيقن، والنصف الآخر مردد بينه وبين عمرو فيحكم بالقرعة أو الصلح القهرى «ودعوى» أن كونه وقفا على الذكور معلوم، وعلى الاناث مشكوك مدفوع بالأصل «مدفوعة» بأنه لا يثبت بذلك كون تمامه لزيد، اذ الأصل عدم الوقف على زيد أيضا بالنسبة الى الزائد على النصف.
وبعبارة أخرى اصالة عدم شركة الاناث معارضة بأصالة عدم الاختصاص
стр. 3579
بالذكور، اذ الشك يرجع الى كيفية صدور العقد، نعم لو كان الموقوف عليه من المصرف للوقف أن لا يكون المراد منهم العموم، ولم يعلم أن المصرف هو الفقراء فقط أو الأعم منهم ومن الفقهاء، بحيث لو علم كونه أعم جاز الاقتصار على أحدهما، يمكن أن يقال:
مقتضى أصالة عدم الوقف على الفقهاء كونه بتمامه للفقراء، وهذا الكلام فى الشك بين الترتيب والتشريك اذا لم يكن اطلاق مثلا اذا علم أنه وقف على أولاده الذكور والاناث، ولكن لم يعلم أن الاناث فى عرض الذكور أو بعد فقدهم، فانه مع عدم تحقق الاطلاق، يقال:
كون نصفه مثلا للذكور معلوم، وانما الشك فى النصف الآخر فيحكم بالشركة فيه من باب الصلح القهرى.
ومما ذكرنا ظهر أنه لا وجه لاطلاق ما ذكره المحقق القمى فى أجوبة مسائله من التشريك مطلقا، حيث أنه فى جواب سؤال، حاصله: أنه اذا وقف على أولاده، ولم يعلم أنه على الذكور أو على الاناث لا بعنوان الاطلاق، ولا بعنوان التقييد، ولم تكن الكيفية معلومة كيف تقسم؟ قال: انه يقسم على الجميع بالتسوية، ثم قال: وهذا من مهمات المسائل، واضطرب فيه العلماء، وأنا عثرت على حكمه، وكلهم رجعوا الى قولى، فاحفظ ذلك، فانه الحكم فى كل مورد كان الموقوف عليه مشتبها بين جماعة، والتحقيق ما ذكرنا، نعم لو تردد بين كونه وقفا على الذكور فقط، أو على الاناث فقط، كان الحكم ما ذكرناه ان لم نقل بالقرعة.
وفى الأوقاف العامة وعلى الجهات اذا شك فى اعتبار قيد أو خصوصية فى الموقوف عليه هو فاقد لهما لم يجز له التصرف الا بعد احراز أنه من أهله، وان كان الوقف ينطبق عليه.
فاذا شك فى أن المدرسة وقف على مطلق المشتغلين، أو على خصوص طالبى الفقه، أو على خصوص الفقراء من المشتغلين، أو على العدول منهم، أو على من لا مسكن له أو نحو ذلك لم يجز له السكنى فيها الا بعد العلم بعدم الشرط، أو بكونه واجدا له، ولا مجرى لأصالة عدم الاشتراط اذا لم يكن اطلاق يمكن التمسك به فى نفى التقييد.
وكذا اذا كان هناك كتب موقوفة على المشتغلين، واحتمل اعتبار قيد لا ينطبق الوقف معه عليه وهكذا.
واذا ترددت العين (١) الموقوفة بين شيئين، أو ثلاثة، كأن لم يعلم أنه وقف داره أو دكانه بعد العلم بوقوع عقد صحيح جامع للشرائط على أحدهما، فالمرجع القرعة أو الصلح القهرى بنصف كل منهما.
стр. 3580
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): أن من احتضر، وقال: اجعلوا كذا من مالى فى سبيل الله تعالى ولم يبين وجه السبيل وتشاكل عليه الحال، فان كان سلاحا أو فرسا أو مما يناسب الجهاد كالدرع، فقد استحسن ابن عبد العزيز تقوى المجاهدين أو المرابطين به فى رباطهم، وهو ملازمة الثغر للعدو ودون ذلك أن يجعل طعاما أو لباسا لهم فى حال الخروج، أو الاستعداد أو الرباط وما ينفعهم، ودون هذا أن ينفق فى وجه الأجر مطلقا، كالنفقة على طلبة العلم كل ذلك جائز.
وان كان عينا أو نعما أو أصلا أو نحو ذلك من العروض مما ليس يناسب الجهاد بذاته ففى سبيل الله تعالى وهو الجهاد والرباط أو فى حج أو عمرة أو عتق يشترى به عبد فيعتق، أو يكاتب به عبد، أو صلة لرحم الموصى، أو للمساكين، أو طلبة العلم، أو نحوها، مثل أن يشترى ما يكون صدقة جارية أو يعان به فيه كحفر بئر فى طريق المؤمنين، حيث لا ماء، ففى أى وجه من وجوه العبادة جعل أجزأ.
واذا أوصى لسفن المسلمين فاذا عنى الجهاد جعل فيها اذا خرجوا للجهاد.
وضابط ذلك أن يجعل فيما يناسب الشئ كالفرس والسلاح للجهاد، وان لم يناسب ففى الجهاد أو وجوه الأجر، والا فرق على فقرائهم، وان لم يكن العدل وقف حتى يكون العدل وجعل فيها.
وجازت الوصية للشراة فان لم يكونوا انتظر وجودهم ويدفعها للامام، ويعلمه أنها لهم.
وقيل: ان لم يحد فيها حدا ولم يوجد فيهم أحدا أعطيت فقراء المسلمين لأنهم من الشراة.
الاشتباه فى الوصيّة
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (٢): أنه يشترط فى الموصى له أن لا يكون مجهولا جهالة لا يمكن ازالتها، فان كان، لم تجز الوصية له، لأن الجهالة التى لا يمكن استدراكها تمنع من تسليم الموصى به الى الموصى له، فلا تفيد الوصية.
وعلى هذا يخرج ما اذا أوصى بثلث ماله لرجل من الناس أنه لا يصح بلا خلاف، ولو أوصى لأحد هذين الرجلين صح عند صاحبى أبى حنيفة رضى الله تعالى عنهم.
стр. 3581
غير أن أبا يوسف رحمه الله تعالى يرى أن الوصية تكون بينهما نصفين.
أما محمد رحمه الله تعالى فيرى أن الخيار الى الوارث يعطى أيهما شاء، وذلك لأن الايجاب وقع صحيحا، لأن أحدهما وان كان مجهولا ولكن هذه جهالة تمكن ازالتها، الا ترى أن الموصى لو عين أحدهما حال حياته لتعين.
ثم ان محمدا يقول: أن الموصى لما مات عجز عن التعيين بنفسه فيقوم وارثه مقامه فى التعيين.
أما أبو يوسف فيقول: أنه لما مات الموصى قبل التعيين شاعت الوصية لهما وليس أحدهما بأولى من الآخر، كمن أعتق أحد عبديه، ثم مات قبل البيان، فان العتق يشيع فيهما جميعا، فيعتق من كل واحد منهما نصفه، كذا ها هنا، يكون لكل واحد منهما نصف الوصية.
أما أبو حنيفة (١) رحمه الله تعالى فان ذلك لا يصح عنده لأن الوصية تمليك عند الموت فاستدعى كون الموصى له معلوما عند الموت، بينما الموصى له هنا عند الموت مجهول، فلم تصح الوصية من الأصل، لما لو أوصى لواحد من الناس فلا يمكن القول بالشيوع، ولا يقام الوارث مقام الموصى فى البيان، لأن ذلك حكم الايجاب الصحيح، ولم يصح، الا أن الموصى لو بين الوصية فى أحدهما حال حياته صحت، لأن البيان انشاء الوصية لأحدهما، فكان وصية مستأنفة لأحدهما عينا، وأنها صحيحة.
ولو كان له عبدان فأوصى بأرفعهما لرجل وبأخسهما لآخر ثم مات الموصى ثم مات أحد العبدين، ولا يدرى أيهما هو فالوصية بطلت فى قول أبى حنيفة وزفر رحمهما الله تعالى، سواء اجتمعا على أخذ الباقى، أو لم يجتمعا.
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى:
ان اجتمعا على أخذ الباقى فهو بينهما نصفان، وان لم يجتمعا على أخذه فلا شئ لهما.
وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه بينهما نصفان سواء اجتمعا أو لم يجتمعا.
وعلى هذا يخرج الوصية لقوم لا يحصون أنها باطلة اذا لم يكن فى اللفظ ما ينبئ عن الحاجة، وان كان فيه ما ينبئ عن الحاجة فالوصية جائزة، لأنهم اذا كانوا لا يحصون، ولم يذكر فى اللفظ ما يدل على الحاجة وقعت الوصية تمليكا منهم، وهم مجهولون، والتمليك من المجهول جهالة لا يمكن ازالتها لا يصح.
стр. 3582
ثم اختلف فى تفسير الاحصاء.
قال أبو يوسف: أن كانوا لا يحصون الا بكتاب أو حساب فهم لا يحصون.
وقال محمد: ان كانوا أكثر من مائة فهم لا يحصون.
وان كان فى اللفظ (١) ما يدل على الحاجة كان وصيته بالصدقة وهى اخراج المال الى الله لواحد معلوم، فصحت الوصية.
ثم اذا صحت الوصية فالأفضل أن يعطى الثلث لمن يقرب اليه منهم.
فان جعله فى واحد فما زاد جاز عند أبى حنيفة وأبى يوسف.
وعند محمد لا يجوز الا أن يعطى اثنين منهم فصاعدا.
ولا يجوز أن يعطى واحدا الا نصف الوصية.
وبيان هذه الجملة فى مسائل.
اذا أوصى بثلث ماله للمسلمين لم تصح لأن المسلمين لا يحصون، وليس فى لفظ المسلمين ما ينبئ عن الحاجة فوقعت الوصية تمليكا من مجهول، فلم تصح.
ولو أوصى لفقراء المسلمين أو المساكين صحت الوصية، لأنهم ان كانوا لا يحصون، لكن عندهم اسم الفقير والمسكين ينبئ عن الحاجة، فكانت الوصية لهم تقربا الى الله ﵎ طلبا لمرضاته لا لمرضاة الفقير.
وروى بشر عن أبى يوسف (٢) رحمه الله تعالى فى رجل أوصى بثلث ماله لرجل مسمى، وأخبر الموصى أن ثلث ماله ألف، أو قال هو هذا، فاذا ثلث ماله أكثر من ألف فان أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال: ان له الثلث من جميع ماله، والتسمية التى سمى باطلة لا ينقض الوصية خطؤه فى ماله انما غلط فى الحساب، ولا يكون رجوعا فى الوصية وهذا قول أبى يوسف، لأنه لما أوصى بثلث ماله فقد أتى بوصية صحيحة، لأن صحة الوصية لا تقف على بيان مقدار الموصى به، فوقعت الوصية صحيحة بدونه، ثم بين المقدار وغلط فيه، والغلط فى قدر الموصى به لا يقدح فى أصل الوصية، فبقيت الوصية متعلقة بثلث جميع المال، ولأنه يحتمل أن يكون هذا رجوعا عن الزيادة على القدر المذكور، ويحتمل أن يكون غلطا فوقع الشك فى بطلان الوصية، فلا تبطل مع الشك، على الأصل المعه د، أن الثابت بيقين لا يزول بالشك.
стр. 3583
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والأكليل (١): ان من قال فى وصيته ثلث مالى لفلان وللمساكين، أو قال فى السبيل والفقراء واليتامى قسم بينهم بالاجتهاد، لا أثلاثا، ولا أنصافا.
قال ابن الحاجب: ان أوصى بثلثه لزيد والفقراء، أعطى زيدا بالاجتهاد فان مات قبل القسم فلا شئ لورثته ويكون جميع الثلث للمساكين وقال أيضا أن كان فى الوصية مجهول كوقود مصباح على الدوام، أو تفرقة خبز ونحوه ضرب له بالثلث ووقفت حصته.
ونقل عن المدونة (٢) أنه ان كانت الوصية لقوم مجهولين لا يعرف عددهم لكثرتهم، كقوله على بنى تميم، أو المساكين، فانما يكون ذلك لمن حضر القسمة منهم.
ومن أوصى بعتق (٣) نسمة تشترى، ولم يسم ثمنا أخرجت بالاجتهاد بقدر قلة المال وكثرته، وكذا ان قال عن ظهار.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٤): ان الوارث ان أجاز ما زاد على الثلث ثم قال أجزت لأنى ظننت أن المال قليل، وان ثلثه قليل.
وقد بان أنه كثير، لزمت الأجازة فيما علم، والقول قوله فيما لم يعلم مع يمينه، فاذا حلف لم يلزمه، لأن الاجازة فى أحد القولين هبة، وفى الثانى اسقاط، والجميع لا يصح مع الجهل به.
وان أوصى بعبد فأجازه الوارث، ثم قال أجزت، لأنى ظننت أن المال كثير وقد بان أنه قليل ففيه قولان.
أحدهما أن القول كالمسألة قبلها.
والثانى أنه يلزمه الوصية، لأنه عرف ما أجازه.
ويخالف المسألة قبلها فان هناك لم يعلم ما أجازه.
وان أوصى (٥) له بثمرة بستانه فان كانت موجودة اعتبرت قيمتها من الثلث، وان لم تخلق، فان كانت على التأبيد ففى التقويم وجهان.
стр. 3584
أحدهما يقوم جميع البستان.
والثانى يقوم كامل المنفعة، ثم يقوم مسلوب المنفعة، ويعتبر ما بينهما من الثلث، فان احتمله الثلث نفذت الوصية فيما بقى من البستان، وان احتمل بعضها كان للموصى له قدر ما احتمله الثلث، يشاركه فيه الورثة فان كان الذى يحتمله النصف، كان للموصى له من ثمرة كل عام النصف، وللورثة النصف.
وان أوصى بطعام (١) معين فخلطه بغيره كان ذلك رجوعا، لأنه جعله على صفة لا يمكن تسليمه.
فان وصى بقفيز من صبرة، ثم خلط الصبرة بمثلها لم يكن ذلك رجوعا، لأن الوصية مختلطة بمثلها، والذى خلطه به مثله فلم يكن رجوعا، فان خلطه بأجود منه كان رجوعا، لأنه أحدث فيه بالخلط زيادة لم يرض بتمليكها.
فان خلطه بما دونه ففيه وجهان.
أحدهما وهو قول أبى على بن أبى هريرة أنه ليس برجوع، لأنه نقص أحدثه فيه فلم يكن رجوعا، كما لو أتلف بعضه.
والثانى أنه رجوع، لأنه يتغير بما دونه كما يتغير بما هو أجود منه.
فان نقله الى بلد أبعد من بلد الموصى له ففيه وجهان.
أحدهما أنه رجوع، لأنه لو لم يرد الرجوع لما أبعده عنه.
والثانى أنه ليس برجوع لأنه باق على صفته.
وجاء فى نهاية المحتاج (٢): أنه اذا اجتمع تبرعات متعلقة بالموت، وعجز الثلث عنها، فان تمحض العتق، كأعتقتكم أو أنتم أحرار، أو سالم وغانم وخالد أحرار بعد موتى، أو سالم حر بعد موتى، وغانم كذلك، أو دبر عبدا، أو أوصى باعتاق آخر أقرع، سواء أوقع ذلك معا أم مرتبا، فمن أقرع عتق منه ما يفى بالثلث به لأن مقصود العتق التخلص من الرق، ولا يحصل مع التشقيص أو تمحض غيره قسط الثلث على الجميع باعتبار القيمة، أو المقدار، لعدم المرجح مع اتحاد وقت الاستحقاق.
فلو أوصى لزيد بمائة، ولبكر بخمسين، ولعمرو بخمسين، ولم يرتب، وثلثه
стр. 3585
مائة. اعطى الأول خمسين، وكل من الأخيرين خمسة وعشرين.
أو اجتمع هو أى العتق وغيره، كأن أوصى بعتق سالم ولزيد أو الفقراء بمائة، أو عين مثلية أو متقومة قسط الثلث عليهما بالقيمة أو مع المقدار، لاتحاد وقت الاستحقاق، نعم لو تعدد العتق أقرع فيما يخصه، أو دبر قنه وهو بمائة، وأوصى له بمائة وثلث ماله مائة قدم عتقه، ولا شئ له بالوصية.
وفى قول يقدم العتق لقوته.
أما لو اعتبر الموصى وقوعها مرتبة كأعتقوا سالما، ثم غانما، أو فغانما وأعطوا زيدا مائة، ثم عمرا مائة، وكأعتقوا سالما، ثم أعطوا زيدا مائة فلابد من تقديم ما قدمه، أو اجتمع تبرعات منجزة مرتبة بالفعل، كأن أعتق، ثم تصدق، ثم وقف، ثم وهب وأقبض، وكقوله سالم حر وغانم حر لا جران قدم الأول فالأول، حتى يتم الثلث لقوته لسبقه، وما زاد يتوقف على الاجازة، ولو تأخر القبض عن الهبة، اعتبر وقته، لأن الملك متوقف عليه، نعم المحاباة فى نحو بيع غير مفتقرة لقبض، لأنها تابعة فان وجدت دفعة بضم الدال، واتحد الجنس كعتق عبيد أو ابراء جمع كأعتقتكم أو أبرأتكم أقرع فى العتق، لخبر مسلم، ان رجلا أعتق ستة لا يملك غيرهم عند موته، فدعاهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثا، وأقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة وقسط فى غيره باعتبار القيمة أو المقدار.
وفيما اذا كان فيها حج تطوع يعتبر أجرة المثل، لأنها قيمة المنفعة، ولا يقوم على غيره فيما يظهر.
ولو أعتقهما وشك فى الترتيب والمعية عتق من كل نصفه، وكالشك ما لو علم ترتيب دون عين السابق، أو نسيت، أى ولو لم يرج بيانها وان اختلف الجنس.
وصورة وقوعها معا حينئذ أما بأن قيل له أعتقت وأبرأت ووقفت، فيقول نعم، أو بأن تصرف وكلاء له فيها، بأن وكل وكيلا فى هبة وقبض، وآخر فى صدقة، وآخر فى ابراء وتصرفوا معا فان لم يكن فيها عتق قسط الثلث عليها، وان كان فيها عتق قسط الثلث، وأقرع فيما يخص العتق.
وفى قول يقدم العتق.
ولو اجتمع منجزة ومعلقة بالموت قدمت المنجزة للزومها.
ولو كان له عبدان فقط أى لا ثالث له غيرهما، ولا يخرج من الثلث الا أحدهما سالم وغانم وهو يخرج من ثلثه وحده، فقال: ان أعتقت غانما فسالم حر سواء أقال فى حال اعتاقى غانما أم لا ثم أعتق غانما فى مرض موته عتق غانم، ولا أقراع، لاحتمال أن تخرج
стр. 3586
القرعة بالحرية لسالم، فيلزم ارقاق غانم فيفوت شرط عتق سالم.
ولو أوصى بعين حاضرة هى ثلث ماله وباقيه دين أو غائب وليس تحت يد الوارث، لم تدفع كلها اليه فى الحال، لاحتمال تلف الغائب، فلا يحصل للورثة ما حصل له.
مذهب الحنابلة:
قال الخرقى: اذا أوصى لشخص بمثل (١) نصيب أحد ورثته ولم يسمه كان له مثل ما لأقلهم نصيبا، كأن أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته، وهم ابن وأربع زوجات، فتكون صحيحة من اثنين وثلاثين سهما، للزوجات الثمن، وهو أربعة، وما بقى فللابن، فزد فى سهام الفريضة مثل حظ امرأة من نسائه فتصير الفريضة من ثلاثة وثلاثين سهما، للموصى له سهم، ولكل امرأة سهم، وما بقى فللابن.
وجملة ذلك: انه اذا أوصى شخص بمثل نصيب أحد ورثته غير مسمى.
فان كان الورثة يتساوون فى الميراث كالبنين، فله مثل نصيب أحدهم مزادا على الفريضة، ويجعل كواحد منهم زاد فيهم.
وان كانوا يتفاضلون كمسألة الخرقى فله مثل نصيب أقلهم ميراثا يزاد على فريضتهم.
وان أوصى بنصيب وارث معين فله مثل نصيبه مزادا على الفريضة، وهذا قول الجمهور، لأنه جعل وارثه أصلا وقاعدة حمل عليه نصيب الموصى له وجعله مثلا له، وهذا يقتضى أن لا يزاد أحدهما على صاحبه، ومتى أعطى من أصل المال، فما أعطى مثل نصيبه ولا حصلت له التسوية والعبارة تقتضى التسوية، وانما جعل له مثل أقلهم نصيبا، لانه اليقين، وما زاد فمشكوك فيه، فلا يثبت مع الشك
ولو قال أوصيت بمثل نصيب أقلهم ميراثا، كان كما لو أطلق، وكان ذلك تأكيدا.
وان قال أوصيت بمثل نصيب أكثرهم ميراثا فله ذلك مضافا الى المسألة فيكون له فى مسألة الخرقى ثمانية وعشرون تضم الى الفريضة فيكون الجميع ستين سهما.
وان أوصى (٢) بشئ معين، ثم خلطه بغيره على وجه لا يتميز منه، كان رجوعا، لأنه يتعذر بذلك تسليمه فيدل على رجوعه.
فان خلطه بما يتميز منه لم يكن رجوعا، لأنه يمكن تسليمه.
стр. 3587
وان وصى بقفيز قمح من صبرة، ثم خلطها بغيرها، لم يكن رجوعا، سواء خلطها بمثلها، أو بخير منها، أو دونها، لأنه كان مشاعا، وبقى مشاعا.
وقيل: ان خلطه بخير منه كان رجوعا، لأنه لا يمكن تسليم الموصى به الا بتسليم خير منه، فصار متعذر التسليم، بخلاف ما اذا خلطه بمثله أو دونه.
وجاء فى قواعد ابن رجب (١): أنه اذا وصى لجاره محمد، وله جاران بهذا الاسم، فهل تبطل الوصية، أو تصح ويميز أحدهما بالقرعة؟ وكذا من وهب أحد أولاده وتعذر الوقوف على عينه أو وقف عليه واشتبه فيهم أقرع بينهم.
مذهب الظاهرية:
من أوصى بعتق (٢) رقيق له لا يملك غيرهم، أو كانوا أكثر من ثلاثة لم ينفذ من ذلك شئ الا بالقرعة، فمن خرج سهمه صح فيه العتق، سواء مات العبد بعد الموصى، وقبل القرعة، أو عاش الى حين القرعة.
ومن خرج سهمه كان باقيا على الرق سواء مات قبل القرعة أو عاش اليها.
فان شرع السهم فى بعض مملوك عتق منه ما حمل الثلث بلا استسعاء، وعتق باقيه واستسعى للورثة فى قيمة ما بقى منه بعد الثلث.
فلو سماهم بأسمائهم بدئ بالذى سمى أولا فأولا، فاذا تم الثلث رق الباقون، فلو شرع العتق فى بعض مملوك أعتق كله واستسعى للورثة فيما زاد منه على الثلث، فلو أعتق جزءا مسمى من كل مملوك منهم باسمه أعتق ذلك الجزء ان كان الثلث فأقل، وأعتق باقيهم، واستسعوا فيما زاد على الثلث، أو فيما زاد على ما أوصى به مما هو دون الثلث.
فان أعتق من كل واحد منهم باسمه أو جملة أكثر من الثلث، أقرع بينهم ان أجملهم، فاذا تم الثلث رق الباقون، الا أن يشرع العتق فى واحد منهم، فيعتق، ويستسعى فيما زاد على الثلث، ويبدأ بالأول فالأول ان سماهم بأسمائهم، فاذا تم الثلث رق الباقون، الا من شرع فيه العتق، فانه يستسعى فيما زاد منه على الثلث.
برهان صحة قولنا أنه اذا أعتق فى وصيته الثلث من كل واحد منهم فأقل، فانه لم يتعد ما أمره الله تعالى، اذ له أن يوصى بالثلث فينفذ قوله.
وقد صح عن النبى ﷺ ما أوردناه فى كتاب العتق من ديواننا هذا باسناده فيمن أعتق شركا
стр. 3588
له فى مملوك، فانه حر كله، ويستسعى فى حصة شريكه، والورثة ههنا الشركاء للموصى فقد عتق المماليك كلهم بحكم الله تعالى على لسان رسوله ﷺ ، ويستسعون فى حصة الورثة.
وأما اذا أعتق فى وصيته جميعهم وسماهم بأسمائهم أو أعتق فى وصيته أكثر من ثلث كل واحد منهم، وسماهم بأسمائهم، فباليقين يدرى كل مسلم ان أول من سمى منهم فانه لم يجر فى ذلك ولا خالف الحق، بل أوصى كما أبيح له فهى وصية بر وتقوى، وهكذا حتى يتم الثلث فوجب تنفيذ وصيته لصحتها، وان يستسعى المعتقون فى حصص الورثة الذين هم شركاء الموصى حين وجوب الوصية ولم يعتقوا حصصهم، وكان الموصى فى وصيته فيما زاد على ثلثه مبطلا عاصيا مخالفا للحق ان كان عالما أو مخطئا مخالفا للحق فقط معفوا عنه ان كان غير عالم والباطل عدوان فقط أو أثم وعدوان ساقط لا يحل انفاذه، قال الله تعالى: «وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ١» فوجب ابطال مازاد على الثلث كما ذكرنا.
وأما اذا أجمل فى وصيته عتقهم، أو أجمل عتق ما زاد على الثلث من كل واحد منهم فى وصيته، فبالضرورة والمشاهدة يدرى كل مسلم أنه خلط الوصية بعتق من لا يجوز له أن يوصى بعتقه مع الوصية بعتق من لا يحل له أن يوصى بعتقه، ولا يدرى غير الله تعالى أيهم المستحق للعتق، وأيهم لا، فصاروا جملة فيها حق الله تعالى فى أحرار، أو فى حر لا يعرف بعينه، وفيها حق للورثة فى رقيق لا يعرف بعينه، فلابد من القسمة ليميز حق الله تعالى من حق الورثة، كما أمر الله أن يعطى كل ذى حق حقه، ولا سبيل إلى تمييز الحقوق والأنصباء فى القسمة الا بالقرعة، فوجب الاقراع بينهم، فأيهم خرج عليه سهم العتق، علمنا أنه الذى استحق العتق بموت الموصى، وأنه هو حق الله تعالى من تلك الجملة، مات قبل القرعة، أو لم يمت، وأيهم خرج عليه سهم الرق علمنا أنه لم يوص فيه الموصى وصية جائزة، وأنه هو حق الورثة من تلك الجملة قد ملكوه بموت الموصى، مات قبل القرعة أو لم يمت.
فان شرع العتق فى مملوك أعتق واستسعى فيما زاد منه على ما عتق بالقرعة، لأن الورثة شركاء الموصى فيه.
وهكذا كل ما أوصى فيه بالثلث فأقل من حيوان أو عقار أو متاع، ولا بد من تمييز حق الوصية من الورثة، ولا يكون ذلك الا بتعديل القيمة والقرعة.
وقد جاء أيضا فى هذا أثر صحيح
стр. 3589
يؤكد ما قلنا ولو لم يأت لكان الحكم ما وصفنا لما ذكرنا من وجوب تمييز حق الوصية من حق الورثة.
روينا من طريق مسلم حدثنا اسحاق ابن ابراهيم - هو ابن راهويه - وابن أبى عمر كلاهما عن الثقفى - هو عبد الوهاب ابن عبد المجيد - عن أيوب السختيانى عن أبى قلابة عن أبى المهلب عن عمران بن الحصين: ان رجلا أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين له لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم النبى ﷺ فجزأهم اثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (١): أنه اذا أوصى لشخص أن يقرأ على قبره بشئ من ماله، ثم التبس موضع قبره.
فان عرف قصده عمل به.
وان لم يعرف فالأقرب أن يقرأ فى أى موضع على قول البعض.
ويبطل على قول البعض الآخر.
وهكذا ان حصل عذر من مطر أو نحوه.
وجاء فى البحر الزخار (٢): أنه لو أوصى بطعام متميز ثم خلطه بغيره كان رجوعا، اذ لا يمكنه تسليم ما عينه.
فان أوصى بصاع من صبرة ثم خلط الصبرة بمثلها لم يكن رجوعا، لاختلاطه من قبل.
وان خلطها بأفضل منها كان رجوعا، اذ أحدث بالخلط زيادة لم يرض بتمليكها الغير.
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف (٣) اانه اذا أوصى لرجل بكل ماله، ولآخر بثلث ماله، فان بدأ بصاحب الكل، وأجازت الورثة، أخذ الكل، وسقط الآخر، وان بدأ بصاحب الثلث وأجازت الورثة، أخذ الثلث والباقى وهو الثلثان، لصاحب الكل.
فان اشتبها استعمل القرعة على هذا الوجه.
فان لم تجز الورثة وبدأ بصاحب الكل، أخذ الثلث، وسقط الآخر.
стр. 3590
وان بدأ بصاحب الثلث أخذ الثلث وسقط صاحب الكل، فان اشتبها استخرج بالقرعة.
وجاء فى الروضة البهية (١): أنه لو فعل الموصى ما يبطل الاسم ويدل على الرجوع مثل خلطه بالأجود بحيث لا يتميز فان ذلك يعتبر رجوعا فى الوصية وانما قيده بالأجود، لافادته الزيادة فى الموصى به، بخلاف المساوى والأردأ.
وفى الدروس لم يفرق بين خلطه بالأجود وغيره، وفى كونه رجوعا.
وفى التحرير لم يفرق كذلك فى عدمه.
والأنسب عدم الفرق.
وتوقف كونه رجوعا على القرائن الخارجية.
فان لم يحكم بكونه رجوعا يكون مع خلطه بالأجود شريكا بنسبة القيمتين.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٢): أنه ان أوصى شخص بكذا وكذا لها، مثل أن يوصى لها بمائة دينار، فجعل لكل صنف منها عددا معلوما، مثل أن يجعل للكفارات ثلاثين، وللعتق أربعين، وللزكاة عشرين، ولزيد عشرة، وذلك مائة، ثم مات فتشاكل ما أوصى به من المال لها أمائة أو أقل أو أكثر أو ما لكل وصية، هل للكفارات ثلاثون، أو أقل، أو أكثر، وكذا الزكاة وزيد، أو عدد وصاياه، هل أوصى بكفارة، أو كفارتين، أو ثلاث كفارات، أو أكثر، ولم يوص بكفارة، ولم يوص بالزكاة، أو لم يوص لزيد، أو هل أوصى بزكاة وكفارة وانتصال، وغير ذلك، أو بكذا وكذا من ذلك فقط.
فان كان التشاكل بتضييع وارث أو خليفة، بأن أهمل ما كتبت فيه الوصية، أو أتلفه، أو أهمل تقيد الشهادة، وقد وجد من يشهد حتى نسى الشهود، أو ماتوا وقد حفظ عن الميت فضيع حتى نسى أو ما أشبه ذلك، ضمن المضيع انفاذها كما أوصى به الموصى.
فان ضيعا جميعا ضمنا بحسب ما ضيع كل منهما.
وان لم يضيع أحدهما، ضمن الذى ضيع.
وان لم يكن الا الوارث أو الا الخليفة فضيع ضمن وان لم يكن تضييع فلا ضير على الوارث ولا الخليفة من ضمان والا أثم، ويوقف حتى يتضح الأمر ما دون الثلث ان كان ذلك يخرج منه، والمراد الثلث وما دونه، فان كان لا يكفى الا الثلث وقف الثلث، وان كان يكفى ما دونه وقف قدر ما يكفى وقسموا ما بقى وان كانت كلها تخرج من الكل، أو كان
стр. 3591
فيها خارج من الكل، وخارج من الثلث، وقف المال كله، حتى يتضح الأمر، لقول الله تعالى «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ١».
وقيل ان جهل المال المجعول لا نفاذ الوصايا أو عدد الوصايا، اجتهد الوارث والخليفة، وانفذا على قدر اجتهادهما، لضرورة عدم رجاء البيان مع تحقق أصل ما جهل، فيجرى على الظن حوطة، مثل ألا يعلما ألا الميت يحلف كثيرا، فلعله يحنث فينفذون كفارة مرسلة، أو كفارتين فصاعدا، وكفارة مغلظة فصاعدا، أو يحلف بالعتق فيعتقون عنه، أو علموا بحلفه ولو مرة، ولم يعلموا ببره فى يمينه فيكفرون المرسلة أو المغلظة بحسب يمينه، أو يعرفونه يجامع فى الحيض ونحوه، فينفذون عنه دينارا لفراش أو يعرفونه يأكل أموال الناس، فان علموهم أعطوهم، والا تصدقوا عنهم للفقراء، أو يعرفونه يمنع الزكاة، فينفذون فى الزكاة، أو أقر لهم بموجب زكاة، أو كفارة أو غيرهما، ولم يقل أنى قد تخلصت منه فينفذونه، أو يعرفونه يأكل حق الجار، أو لا يصل أرحامه فيعطونهم.
ويعطون الأقرب فالأقرب ان ترك مالا كثيرا أو قليلا كما ذكر فى وصية الأقرب.
أو يعرفونه يقبل الكبائر فيكثرون له الكفارات أو يعرفون بوجوب الحج والعمرة عليه فينفذونهما وهكذا.
وأموال الناس مقدمة، ثم الزكاة والحج والعمرة، ثم الكفارات.
وينفذون عنه ما يوصى به أهل تلك البلدة غالبا.
وقيل: ان علموا جملة المال المجعول للوصية لا عددها، أى عدد الوصية ولا تعيينها، فكذلك يجتهدان وينفذان وان علم بالبناء للمفعول - عددها لا جملته وفنونها، وذلك أن يعلموا أنه أوصى لشيئين، أو ثلاثة أو أكثر، لكن لا يدرى هل ذلك الشيئان الكفارة والزكاة أو الكفارة والأقرب، أو الزكاة والحج، أو زيد وعمرو، أو نحو ذلك، أو لا يدرى تلك الأشياء هى جميع ما ذكرنا، أو ثلاثة منه أو أكثر أو نحو ذلك كله وغيره كالمسجد والانتصال، أو نحو ذلك اجتهدا أيضا، وأنفذ ما هو الثلث أى الثلث وأقل، وهكذا جرت عادتهم أن يقولوا رحمهم الله تعالى ما دون الثلث، ومرادهم الثلث وأقل.
وان لم يكن الا الوارث أو الا الخليفة وقف أو اجتهد كذلك على تلك الأقوال.
وأعلم أن تلك الأقوال كلها انما تثبت أن بلغ الورثة وعقلوا وحضروا، وان كانوا كلهم مجانين، أو أطفالا، أو غيابا، أو بعضهم طفلا وبعض مجنونا وبعض
стр. 3592
غائبا، أو كانوا من نوعين فقط من جنون وطفولية وغيبة وقف الخليفة ذلك.
وان كان فيهم طفل، أو مجنون، أو غائب، أو نوعان من ذلك، أنفذ البالغ الحاضر منابه منه أى من الثلث بحسب اجتهاده فيما ينوبه يجتهد فى الحساب على الكل، ولا يعطى الا على نفسه، ويترك مناب الطفل والمجنون والغائب حتى تزول الطفولية والجنون والغيبة، فيوقف أيضا أو يجتهد ذلك الذى زالت عنه حاله وحده فى منابه، أو مع الخليفة أو مع الوارث الآخر، أو يترك الخليفة مناب الكل ان كان الكل أطفالا أو مجانين أو غيابا الى البلوغ أو الافاقة أو القدوم.
وان علم ما لكل وصية، مثل أن يعلم أن للكفارة كذا، وللزكاة كذا وللانتصال كذا وهكذا، ثم نسيت الوصية، فلم يدروا هل أوصى بالكفارة، أو بكذا، أو بكذا، لا التعيين، بأن علموا أن نوعا أوصى له بكذا، ونوعا أوصى له بكذا، ولا يدرون ما لذلك النوع الذى له كذا، أخذ الورثة والخليفة عدد ما أوصى به من المال ان وسعه الثلث، والا أخذوا الثلث، وان كانت من الكل أخذوا مقدارها، وينتظرون فى ذلك بيان ما جهل.
وقيل: لا ينتظرون، بل ينفذون باجتهاد.
وكذا ان بان لهم ما أوصى به من المال فى الوجوه المذكورة التى هى أن يتبين عدد الوصايا لا فنونها، أو يتبين ما لكل وصية لا تعيينها، أو تتبين فنونها لا عددها أو عددها وفنونها، لا تعيينها أخذه الورثة وعزلوه للخليفة وتبروا من ذلك، ويكون فى يده حتى يتضح أمرها، ولا ضمان عليه أن تلف بلا تضييع منه أولا ولا آخرا أو يدرك ذلك المذكور من عزل المال، وكونه فى يده أيضا عليهم ان بان جملة المال الذى للوصايا وان لم تتضح الوصايا ولا عددها ولا فنونها ولم تتعين ويكون بيده حتى ينفذه، كما أوصى به ببيان أو يفعل فيه ما ذكر أولا من الاجتهاد والانفاذ على حسب الأقوال المذكورة ان لم يضيع حتى أشكل شئ بتضييعه ورخص له، ولو ضيع حتى أشكل ان تاب أن يعمل فيها ما يعمله ان لم يضيع من الاجتهاد والانفاذ، وكذا الورثة ان لم يكن الخليفة أو كان، فقيل: ان ضيعوا لم يجز لهم الاجتهاد والانفاذ وحدهم ولا مع الخليفة.
وقيل: ان تابوا جاز لهم.
وان لم يعلم جملة المال أى جملة مال الوصية الذى جعل لانفاذها أو المقدار الذى ينوبها ولا يفرز شئ من الوصايا، فلا يدرك الخليفة عليهم شيئا فى الحكم.
وكذا لو فرز شئ من الوصية ولا تدرى كميته، مثل أن يعلم أنه أوصى بالزكاة، ولا يعلم كم هى، ولا بكم أوصى لها، أو لم يوص بها.
ومثل أن يعلم أنه أوصى
стр. 3593
بكفارة ولا يدرونها خفيفة ولا مغلظة ولا يدرون بكم أوصى لها، أو لم يوص لها.
وقيل: ينفذون مرسلة ولو تبين لهم جملة مال الوصية أو مال بعضها بتعيين الموصى، أو بالتقدير لجعل فى يد الخليفة، حتى يتبين ما أشكل أو يجتهد، ويعقل المال كله اذا لم تعلم جملة ما للوصية أو علمت ولم يتبين عدد الوصايا أو فنها أو تعيينها ان جعله الموصى بيده جعله فى يده بالايصال فى يده للانفاذ، حتى تخرج منه الوصية ببيانها أو باجتهاد، ولا ينتفع به الخليفة، ولا الوارث حتى تخرج.
وان لم يجعله الموصى بيده انتفع به الورثة بأن يقسموا ذاته أو منافعه، وضمنوا الوصية بأن يجتهدوا فينفذوا اذا أيسوا من البيان، أو بأن تتبين فينفذوها، وان لم يبين لهم فى الوجوه شئ، أو تبين لهم مالا يصلون به الى الانفاذ كعدد الوصايا دون تعيينها، وكانوا بلغا عقلا حضرا اجتهدوا مع الصلحاء، وانفذوا ما يخرج من الثلث فما دونه على قدر ما علموا من أفعال الميت، وذلك ان علموا أن وصيته مما يخرج من الثلث بدون علم تعيينها وتفاصيلها، أو لم يعلموا أنها مما يخرج من الثلث ولا مما يخرج من الكل، وان اتفقوا أن ينفذوا أكثر من الثلث فحسن، وان علموها من الكل بدون علم تفصيلها أو تعيينها أنفذوا بقدر اجتهادهم الثلث أو دونه أو أكثر.
واذا علموا جملة الموصى به أنفذوا على قدر نظرهم كله ان علموها من الكل، والا فمن الثلث فقط على اجتهادهم، الا أن شاء، أو لزيادة، وان اجتهدوا مع الخليفة أو معه ومع الصلحاء جاز، وكذا اذا كان الاجتهاد للخليفة فاجتهد معهم أو مع الصلحاء أو معهم كلهم.
وان علموا ما أوصى به أى كميته وجنسه وتشاكل شئ بين الأقرب والزكاة والكفارات وغير ذلك أو بين متعدد من ذلك دفعوا ذلك لخليفته، وبرئوا من وصيته ويحرزه خليفته، حتى يتضح كل ذلك ان كانت خلافة للموصى بأن أثبت خلافة لأحد، وللخليفة أن يجتهد، وينفذ على حد ما مر.
وان لم يكن للموصى خليفة حرزه الورثة عندهم حتى يتضح الحال أو يجتهدوا.
ولا ضمان عليهم ان لم يضيعوا ذلك المال وتلف وان كان ذلك الأقرب ممن يأخذ ذلك المال المذكور من الزكاة والكفارات مثلا دفع له ذلك كله وأخبره بالقصة أن الميت أوصى بشئ ظنناه زكاة أو كفارة أو وصية الأقرب مثلا، أو أوصى بذلك كله وعلمنا كمية المجموع ولم نعلم خصوص ما لكل، فان كان للأقرب فقط أخذته أنت أقرب، وان كان زكاة أو كفارة فأنت ممن يأخذهما، وان كان بعضه وصية الأقرب وبعضه كفارة وبعضه زكاة فخذه كله
стр. 3594
تكن قد أخذت وصية الأقرب وغيرها مما أنت أهله ان كان الشئ مما يدفع فى ذلك المذكور من الأقرب والزكاة والكفارة، وذلك كالحبوب الستة، فانها تعطى فى الزكاة وتعطى فى الكفارات.
وفى وصية الأقرب اذا لم يبين أن ذلك زكاة العين أو الانعام، وكالدنانير والدراهم على القول بأنها تعطى فى الكفارات، وكالشاة فانها تعطى فى الزكاة وتعطى فى الأقرب، وفى الكفارة بالتقويم عند مجيز ذلك، والا كقول من قال لا تعطى القيمة فى الكفارة حرزه الورثة حتى يتضح أمره.
وقيل: يشترى منه الجائز فى كل ذلك ويدفع للأقرب كما تعطى الكفارات - أى أنه يكال فيعلم أو يعطى بالقيمة قيمة الكيل - ويخبر بالقصة وان تعدد الأقرب لم يصح ذلك ان كان مما يدفع أولا الا أن يعطى الأقارب كلهم سواء ان لم يعين أقرب وكذا الزكاة والانتصال.
وجميع الوصايا اذا علموا كمية المال وتشاكل هل أوصى لنوع كذا أو لنوع كذا أو تشاكل مقدار ما أوصى لكل نوع يعطى كل ذلك لمن يتأهل لأخذه ولو متعددا كاثنين وثلاثة، وان أوصى لانسان ببعض ذلك وتشاكل أعطى كله أو حتى لا يشكوا أن تأهل.
وان وجد دفعه لواحد على ما أوصى به دفع له حين تشاكل ان كان أهلا لذلك، ويجوز ذلك للخليفة أن يفعله، ولا ضمان على الورثة، ومثلهم الخليفة اذا أنفذ من أنفذ منهم فى هذه المسائل لواحد فصاعدا فى هذه المسائل كلها، أو أنفذ من أنفذ منهم فى مسائل الانفاذ بالاجتهاد كلها ان بان لهم أمرها بعد ذلك الانفاذ، لأن الشرع أقدمهم لذلك مثل أن يتبين أنه لم يوص له للأقرب أو يتبين أنه أوصى بغير النوع الذى أنفذوا فيه باجتهاد، أو بأقل، أو بأكثر.
الاشتباه فى العتق
مذهب الحنفية:
جاء فى الفتاوى الهندية (١): انه لو اختلط حر بعبد، كأن يكون لرجل عبد، فاختلط بحر، ثم كل واحد منهما يقول: أنا حر، والمولى يقول:
احدكما عبدى، كان لكل واحد منهما أن يحلفه بالله تعالى ما يعلم أنه حر، فان حلف لأحدهما، ونكل للآخر، فالذى نكل له حر دون الآخر، وان نكل لهما، فهما حران، وان حلف لهما، فقد اختلط الأمر، فالقاضى يقضى بالاحتياط، ويعتق من كل واحد منهما نصفه بغير شئ، ونصفه بنصف القيمة.
стр. 3595
وكذلك لو كانوا ثلاثة يعتق من كل واحد منهم ثلثه، ويسعى فى ثلثى قيمته.
وكذلك لو كانوا عشرة فهو على هذا الاعتبار.
وجاء فى البحر الرائق (١): أن المولى لو قال لأمته: ان كان أول ولد تلدينه ذكرا فأنت حرة، فولدت ذكرا، وأنثى، ولم يدر الأول، رق الذكر، وعتق نصف الأم والأنثى، لأن كل واحد منهما يعتق فى حال دون حال، وهو ما اذا ولدت الغلام أولا، عتقت الأم بالشرط والجارية، لكونها تبعا لها، لأن الأم حرة حين ولدتها، وترق فى حال، وهو ما اذا ولدت الجارية أولا، لعدم الشرط، فيعتق نصف كل واحدة، وتسعى فى النصف.
أما الغلام فيرق فى الحالين، فلهذا يكون عبدا، وهذا الجواب فى الجامع الصغير من غير خلاف فيه.
والمذكور لمحمد رحمه الله تعالى فى الكيسانيات فى هذه المسألة أنه لا يحكم بعتق واحد منهم، لأنا لم نتيقن بعتق، واعتبار الأحوال بعد التيقن بالحرية، ولا يجوز ايقاع العتق بالشك.
فعن هذا حكم الطحاوى بأن محمدا رحمه الله تعالى كان أولا مع أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى، ثم رجع.
وفى النهاية عن المبسوط ان هذا الجواب ليس جواب هذا الفصل، بل فى هذا الفصل لا يحكم بعتق واحد، ولكن يحلف المولى بالله ما يعلم أنها ولدت الجارية أولا، فان نكل فنكوله كاقراره، وان حلف فكلهم أرقاء.
وأما جواب هذا الفصل انما هو فيما اذا قال: ان كان أول ولد تلدينه غلاما، فأنت حرة، وان كانت جارية فهى حرة فولدتهما ولا يدرى الأول. فالغلام رقيق، والأنثى حرة، ويعتق نصف الأم.
وجاء فى الفتاوى الهندية (٢): أنه لو كان لرجل أربع جوار فأعتق واحدة منهن ثم نسيها، لم يسعه أن يتحرى للوط ء.
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير (٣): ان من قال لأولاد أمته وهم ثلاثة أحدهم ولدى، ومات، ولم يعينه، واشتبه عليه الأمر عتق الأصغر كله على كل حال، لأنه ان كان ولده فظاهر، وان كان ولد غيره فهو ولد أم ولد عتقت بموت سيدها، فيعتق معها وثلثا الأوسط،
стр. 3596
لأنه حر بتقديرين، وهما كونه المقر به أو الأكبر، ورقيق بتقدير واحد، وهو كون المقر به الأصغر وثلث الأكبر، لأنه حر بتقدير واحد، وهو كونه المقر به، ورقيق بتقديرين، وهما كون المقر به الأوسط أو الأصغر.
وان افترقت أمهات الأولاد، بأن كان كل واحد من أم فواحد يعتق بالقرعة، ولا أرث لواحد منهم افترقت أمهاتهم أم لا.
وجاء فى حاشية الدسوقى (١): أن السيد ان أعتق عبيدا فى مرضعه بتلا، ولم يحملهم الثلث، أو أوصى بعتقهم ولو عينهم بأسمائهم، ولم يحملهم الثلث فى المسألتين، أو أصى بعتق ثلث عبيده.
ومثله اذا بتل عتق ثلثهم فى مرضه، أو أوصى بعتق عدد سماه من أكثر، كثلاثة من تسعة، أقرع فى المسائل الأربعة، كالقسمة.
وصفة القرعة فى الأوليين: ان يقوم كل واحد منهم، ويكتب قيمة كل واحد مع اسمه فى ورقة مفردة، وتخلط الأوراق بحيث لا يتميز واحدة من الباقى، ثم تخرج ورقة، وتفتح، فمن وجد فيها اسمه عتق، وينظر الى قيمته، فان كانت قدر ثلث الميت اقتصر عليه، وان زادت عتق منه بقدر الثلث، وان نقصت أخرجت أخرى، وعمل فيها كما عمل فى الأولى، وهكذا.
وصفتها فى الثالثة أن يجزؤوا ابتداء أثلاثا، ويكتب فى ورقة حر، وفى اثنتين رق، ثم تخلط الأوراق، وتخرج واحدة ترمى على ثلث، فمن خرج له حر، نظر فيه، فان حمله الثلث فواضح، والا عمل فيه ما تقدم.
وأما الرابعة فان عين العدد الذى سماه كزيد وعمرو من جملة أكثر، وحمله الثلث فواضح، والا سلك فيه ما تقدم.
وان لم يعين كثلاثة من عبيدى، فانه ينسب عدد من سماه الى عدد جميع رقيقه وبتلك النسبة بجزؤن، فاذا كانوا ثلاثة من تسعة جزئوا أثلاثا، ومن اثنى عشر جزئوا أرباعا، ويجعل كل جزء على حدته من غير نظر لقيمة كل جزء، ويكتب أوراق بقدر عدد الأجزاء واحدة فيها حر، والباقى كل ورقة فيها رق، ويعمل مثل ما تقدم فى المسألة الثالثة.
ومحل القرعة ما لم يرتب فان ترتب فلا قرعة.
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٢): انه ان شهد شاهدان على رجل أنه أعتق فى مرضه عبده
стр. 3597
سالما، وقيمته ثلث ماله، وشهد آخر أنه أعتق غانما، وقيمته ثلث ماله، فان علم السابق منهما عتق، ورق الآخر، وان لم يعلم ذلك ففيه قولان.
أحدهما: أنه يقرع بينهما، لأنه لا يمكن الجمع بينهما، لأن الثلث لا يحتملهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فأقرع بينهما، كما لو اعتق عبدين، وعجز الثلث عنهما.
والقول الثانى: أنه يعتق من كل واحد منهما النصف، لأن السابق حر، والثانى عبد، فاذا أقرع بينهما، لم يؤمن أن يخرج سهم الرق على السابق، وهو حر، فيسترق، وسهم العتق على الثانى، فيعتق، وهو عبد، فوجب أن يعتق من كل واحد منهما النصف، لتساويهما، كما لو أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بالثلث، ولم يجز الورثة ما زاد على الثلث، فان الثلث يقسم عليهما.
وجاء فى المهذب (١) أيضا: ان السيد ان كاتب عبدين، فأقر أنه استوفى ما على أحدهما، أو أبرأ أحدهما، واختلف العبدان، فادعى كل واحد منهما انه هو الذى استوفى منه وأبرأه رجع الى المولى، فان أخبر أنه أحدهما قبل منه، لأنه أعرف بمن استوفى منه أو أبرأه، فان طلب الآخر يمينه، حلف له، وان ادعى المولى أنه أشكل عليه، لم يقرع بينهما، لأنه قد يتذكر.
فان ادعيا أنه يعلم حلف لكل واحد منهما وبقيا على الكتابة.
ومن أصحابنا من قال ترد الدعوى عليهما، فان حلفا أو نكلا بقيا على الكتابة.
وان حلف أحدهما ونكل الآخر عتق الحالف وبقى الآخر على الكتابة.
وان مات المولى قبل أن يتعين ففيه قولان.
أحدهما: يقرع بينهما، لأن الحرية تعينت لأحدهما، ولا يمكن التعيين بغير القرعة، فوجب تمييزهما بالقرعة، كما لو قال لعبدين أحدكما حر.
والثانى: أنه لا يقرع، لأن الحرية تعينت فى أحدهما، فاذا أقرع لم يؤمن ان تخرج القرعة على غيره، فعلى هذا يرجع الى الوارث، فان قال: لا أعلم حلف لكل واحد منهما، وبقيا على الكتابة على ما ذكرناه فى المولى.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (٢): ان السيد اذا أعتق عبدا غير معين، فانه يقرع بينهما،
стр. 3598
فيخرج الحر بالقرعة، لأنه عتق استحقه واحد من جماعة معينين، فكان اخراجه بالقرعة، كما لو أعتقهما فلم يخرج من ثلثه الا أحدهما.
ودليل الحكم فى الأصل حديث عمران ابن الحصين «أن رجلا من الأنصار (١) اعتق ستة أعبد عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم النبى ﷺ فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا، رواه مسلم وأبو داود، ولأنه تبرع فى مرض موته فأشبه سائر العطايا والصدقات فأما العتق (٢) فى الكفارة فانه لم يستحقه أحدا. انما استحق على المكفر التكفير.
وأما اذا قال اعتقوا عنى عبدا، فان لم يضفه الى عبيده، ولا الى جماعة سواهم، فهو كالمعتق فى الكفارة.
وان قال: اعتقوا أحد عبيدى احتمل أن نقول باخراجه بالقرعة كمسألتنا، واحتمل أن يرجع فيه الى اختيار الورثة.
وأصل الوجهين ما لو وصى لرجل بعبد من عبيده هل يعطى أحدهم بالقرعة أو يرجع الى اختيار الورثة.
والفرق بين مسألتنا وبين هذه المسألة على هذا الوجه، أنه جعل الأمر الى الورثة حيث أمرهم بالاعتاق فكانت الخيرة اليهم وفى مسألتنا لم نجعل لهم من الأمر شيئا فلا يكون لهم خيرة.
وان اعتق غائبا (٣) تعلم حياته وتجئ أخباره صح وأجزأه عن الكفارة كالحاضر.
وان شك فى حياته وانقطع خبره لم يحكم بالأجزاء فيه، لأن الأصل شغل ذمته، ولا تبرأ بالشك، وهذا العبد مشكوك فى وجوده فشك فى اعتاقه، فان قيل: الأصل حياته، قلنا: الا أنه قد علم أن الموت لا بد منه، وقد وجدت دلالة عليه، وهو انقطاع أخباره، فان تبين بعد هذا كونه حيا تبينا صحة عتقه وبراءة الذمة من الكفارة والا فلا.
وجاء فى قواعد ابن رجب (٤): أنه لو اشتبه عبد شخص بعبيد غيره، قال القاضى:
قياس المذهب أنه يعتق عبده الذى يملكه عن واجب وغيره، ثم يقرع بينهم فيخرج عبده بالقرعة.
وفى عمد الأدلة لابن عقيل: لو اختلط عبده بأحرار لم يقرع، ولو اختلط من اعتقه ومن لا يملك عتقه الا باجازة جاز أن يقرع بينهما، لأن القرعة لا تعمل فى آكد التحريمين، وتعمل فى أيسرهما.
стр. 3599
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١): أن السيد اذا قال: أحد عبدى هذين حر، فليس منهما حر، وكلاهما عبد، كما كان، ولا يكلف عتق أحدهما، فانه لم يعتق هذا بعينه، فليس حرا، اذ لم يعتقه سيده، ولا اعتق هذا الآخر أيضا بعينه، فليس أيضا حرا، اذ لم يعتقه سيده، فكلاهما لم يعتقه سيده، فكلاهما عبد، وهذا فى غاية البيان، ولا يجوز اخراج ملكه عن يده بالظن الكاذب.
ولا تجوز كتابة (٢) مملوكين معا كتابة واحدة، سواء كانا أجنبيين، أو ذوى رحم محرمة، لأنها مجهولة لا يدرى ما يلزم منها كل واحد منهما أو منهم وهذا باطل.
مذهب الزيدية:
جاء فى التاج المذهب (٣): أنه اذا التبس العتيق بعد تعيينه فى القصد، أو الاشارة، أو اللفظ عم العتق جميع الأشخاص الذين أوقعه على أحدهم، فيسعون بحسب التحويل.
فان التبس بين اثنين مثلا سعى كل واحد منهما فى نصف قيمته يوم الاياس، لأن كل واحد منهما تلزمه القيمة فى حال، وتسقط عنه فى حال.
وان كانوا ثلاثة سعى كل واحد منهم فى ثلثى قيمته، لأنها لزمته فى حالين، وسقطت فى حال.
وكذا لو كثروا فان السعاية بحسب التحويل.
وانما تلزمهم السعاية ان لم يفرط السيد.
فأما لو فرط فى التعيين، وحده أن يمضى وقت يمكن فيه التعيين، ولا يعين، حتى يحصل اللبس لم تلزمهم السعاية، سواء وقع فى الصحة أم فى المرض، كحر التبس بعبد، فانه اذا التبس حر بعبد عتق العبد، ووجبت السعاية على الحر وعلى العبد كل فى نصف قيمته الا أن يقع اللبس فى العتق عن الكفارة، نحو أن يعتق أحد عبيده معينا عن كفارته، ثم يلتبس عليهم، فانهم يعتقون جميعا، ويسعون.
وتجزئ الكفارة سواء فرط أم لا.
стр. 3600
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف (١): أن السيد اذا كان له مكاتبان كاتبهما بقيمة واحدة فأدى أحدهما ألفا، ثم أشكل عليه عين المؤدى منهما، أقرع بينهما، فمن خرجت قرعته حكم له بالأداء وعتق، وبقى الآخر مكاتبا، فان مات أقرع بينهما.
دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم على أن كل مشكل فيه قرعة، وهذا من جملة ذلك.
واذا أدى أحدهما مال الكتابة، وأشكل الأمر عليه، وادعيا عليه جميعا العلم أنه يعلم عين من أدى، فالقول قوله مع يمينه، فاذا حلف أقرع بين المكاتبين، فمن خرجت له قرعة الأداء، حكم له بالحرية، ورق الآخر، ويلزمه ما يخصه من مال الكتابة.
دليلنا ما قلناه فى المسألة الأولى سواء، والأصل الذى ردوه اليه نقول فيه مثل الذى قلناه فى الفرع، وكيف يجوز أن يستحق الألفين وهو يقطع على أن أحدهما حرام ولا يعرف عينه؟ وكيف يحل له التصرف فيهما أو فى واحد منهما الا على ما قلناه؟
وجاء فى شرائع الاسلام (٢): أنه اذا شهد اثنان أن الميت أعتق أحد مماليكه، وقيمته الثلث، وشهد آخران، أو الورثة أن العتق لغيره، وقيمته الثلث، فان قلنا:
المنجزات من الأصل عتقا، وان قلنا:
من الثلث فقد أعتق أحدهما، فان عرفنا السابق صح عتقه، وبطل الآخر، وان جهل استخرج بالقرعة.
ولو اتفق عتقهما فى حالة واحدة، قال الشيخ: يقرع بينهما، ويعتق المقروع.
ولو اختلفت قيمتهما اعتق المقروع فان كان بقدر الثلث صح وبطل الآخر.
وان كان أزيد صح العتق منه فى القدر الذى يحتمله الثلث.
وان نقص أكملنا الثلث من الآخر.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٣): أن من أعتق عبدا فى مرضه، فتلف فى عبيده خرجوا كلهم أحرارا، ويسعون بقيمتهم الا قيمة واحدة، وكذا أن أعتق عبدا ولم يعينه من عبيده، والصحة كالمرض.
ومن له عبدان وقد دبر أحدهما وحضره الموت، فقال: أحدهما، حر ولم يسمه، فهما حران يسعيان، فان عرف
стр. 3601
المدبر، وقيمتها ستون، ثلاثون لكل، سعى المدير بخمسة عشر، والآخر بخمسة وعشرين، وان لم يعرف سعى كل بعشرين.
وان تلف (١) عبده فى عبيد الناس فأعتقه فى مرضه، ضمن قيمة العبيد كلهم، ويخرجون من الكل الا قيمة عبده وان وسعه الثلث فلا سعى عليهم فيما ناب قيمته، والا سعوا بما فوق الثلث، وان تلف فيهم بعد عتقهم فهم أحرار أيضا ولا ضمان عليه، وان وسعوا بقيمتهم، الا قيمة واحد، وان وسعه الثلث فلا سعى عليهم، والا سعوا قيمته الا ما ناب الثلث.
وان قال مالك الرقيق (٢) أعتقت واحدا من عبدى عتقا معا، وسعيا بقيمة أحدهما ان كان اثنان ذكران أو أنثيان، أو ذكر وأنثى واعتقوا معا وسعوا بقيمة ما عدا العدد الذى ذكره اذا كان ثلاثة فصاعدا ذكورا أو أناثا، أو مختلطين، فاذا أستويا أو استووا فلا أشكال، وان تفاضلا أو تفاضلوا جمعت قيمتهما، وسعيا بنصفها، أو جمعت قيمتهم وسعوا بما ينوب منها ما عدا العدد الذى ذكره.
وان قال: أعتقت بعضا من عبيدى عتقوا كلهم، وسعوا بما عدا قيمة واحد.
الاشتباه فى النّسب واللّقطة
مذهب الحنفية:
قال صاحب بدائع الصنائع (٣): كل مطلقة لم تلزمها العدة، بأن لم تكن مدخولا بها، فنسب ولدها لا يثبت من الزوج، الا اذا علم يقينا أنه منه، وهو أن تجئ به لأقل من ستة أشهر.
وكل مطلقة عليها العدة فنسب ولدها يثبت من الزوج، الا اذا علم يقينا أنه ليس منه، وهو أن تجئ به لأكثر من سنتين.
وانما كان كذلك لأن الطلاق قبل الدخول يوجب انقطاع النكاح بجميع علائقه، فكان النكاح من كل وجه زائلا بيقين، وما زال بيقين لا يثبت الا بيقين مثله.
فاذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم الطلاق، فقد تيقنا أن العلوق وجد فى حال الفراش، وأنه وطئها وهى حامل منه، اذ لا يحتمل أن يكون بوط ء بعد الطلاق، لأن المرأة تلد لأقل من ستة أشهر، فكان من وط ء وجد على فراش الزوج، وكون العلوق فى فراشه ثبوت النسب منه.
فاذا جاءت بولد لستة أشهر فصاعدا، لم يستيقن بكونه مولودا على الفراش، لاحتمال أن يكون بوط ء بعد الطلاق، والفراش كان زائلا بيقين فلا يثبت مع الشك.
стр. 3602
وان طلقها (١) بعد الدخول، وكان الطلاق بائنا، وهى من ذوات الاقراء، ولم تكن أقرت بانقضاء العدة، فجاءت بولد، فان جاءت به الى سنتين عند الطلاق لزمه، لأنه يحتمل أن يكون العلوق من وط ء حادث بعد الطلاق، ويحتمل أن يكون من وط ء وجد فى حال قيام النكاح، وكانت حاملا وقت الطلاق، لأن الولد يبقى فى البطن الى سنتين بالاتفاق، وهذا أظهر الاحتمالين، اذ الظاهر من حال المسلمة ألا تتزوج فى العدة، وحمل أمور المسلمين على الصلاح واجب ما أمكن، فيحمل عليه.
أو نقول: النكاح كان قائما بيقين، والفراش كان ثابتا بيقين، لقيام النكاح، والثابت بيقين لا يزول الا بيقين مثله، فاذا كان احتمال العلوق على الفراش قائما، لم نستيقن بانقضاء العدة، وزوال النكاح من كل وجه، فلم نستيقن بزوال الفراش، فلا نحكم بالزوال بالشك.
ونقل صاحب البحر الرائق (٢) عن الظهيرية: انه لو ادعى رجلان نسب اللقيط، وأقاما البينة، وأرخت بينة كل واحد منهما، يقضى لمن يشهد له سن الصبى، فان كان سن الصبى مشتبها، لم يوافق كلا من التاريخين، فعلى قول صاحبى أبى حنيفة رحمهم الله تعالى يسقط اعتبار التاريخ، ويقضى به بينهما باتفاق الروايات.
وأما على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فقد ذكر خواهرزاده أنه يقضى به بينهما فى رواية أبى حفص.
وفى رواية أبى سليمان يقضى لأقدمها تاريخا.
وفى التتارخانية أنه يقضى به بينهما فى عامة الروايات، وهو الصحيح.
واذا ادعى رجلان لقطة (٣) وبين كل من المدعيين لهما علاماتها وأصابا، ينبغى أن يحل الدفع لهما.
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والأكليل (٤): سئل مالك عن اللقطة توجد فى قرية ليس فيها الا أهل الذمة؟ فقال: تدفع الى أحبارهم.
قال ابن رشد: هذا قول فيه نظر، اذ فى الامكان أن تكون لمسلم، وان كانت وجدت بين أهل الذمة فكان الاحتياط أن لا تدفع الى أحبارهم الا بعد التعريف بها استحسانا، لغلبة الظن أنها لهم على غير
стр. 3603
قياس، فاذا دفعت اليهم بعد التعريف لها، ثم جاء صاحبها غرموها له، وانما كان يلزم أن تدفع ابتداء الى أحبارهم لو تحقق أنها لأهل الذمة بيقين لا شك فيه مع أنهم يقولون أن من ديننا أن يكون حكم لقطة أهل ملتنا معروفا الينا، وأما اذا لم يتحقق ذلك فكان القياس أن لا تدفع الى أحبارهم وتكون موقوفة أبدا.
وروى (١) عن المدونة أن من التقط لقيطا فى مدينة الاسلام، أو فى قرية الشرك فى أرض كنيسة أو بيعة وعليه زى أهل الذمة أو المسلمين، وكيف ان كان الذى التقطه فى بعض المواضع مسلم أو ذمى ما حاله، قال: ان التقطه نصرانى فى قرى أهل الاسلام ومواضعهم، فهو مسلم، وان كان فى قرى الشرك وأهل الذمة ومواضعهم، فهو مشرك، وان وجد فى قرية ليس فيها الا اثنان أو ثلاثة من المسلمين، فهو للنصارى، ولا يعرض لهم الا أن يلتقطه هناك مسلم فيجعله على دينه.
وقال ابن الحاجب: يحكم باسلام اللقيط فى قرى الاسلام ومواضعهم، فان كان فى قرى الشرك فمشرك.
وقال أشهب الا أن يلتقطه مسلم، فان لم يكن فيها غير بيتين من المسلمين فمشرك، الا أن يلتقطه مسلم.
وقال أشهب: يحكم باسلامه كحريته للاحتمال.
وسئل (٢) مالك عن رجل دخل حانوت رجل بزاز ليشترى منه ثوبا، ثم خرج منه فاتبعه صاحب الحانوت، فقال: يا أبا عبد الله هذا دينار وجدته فى حانوتى ولم يدخل على اليوم أحد غيرك فعد الرجل، فافتقد دينارا منها أترى أن يأخذه، فقال مالك:
لا أدرى هو أعلم بيقينه أن استيقن أنه ديناره فليأخذه قيل له التاجر يقول لم يدخل على اليوم غيرك وقد افتقد الرجل من نفقته دينارا، قال: أن استيقن أنه له فليأخذه وهذا دليل على أنه لا يأخذه الا ان استيقن أنه له بزيادة على ما ذكره يحصل له بها اليقين أنه له وهذا على سبيل التورع والنهاية فيه أنه اذا لم يعترضه شك فى أنه له فأخذه له سائغ حلال لأن الغالب على ظنه أنه له اذ قد افتقد دينارا ولم يعلم عدد نفقته لساغ له عندى أن يأخذه، لقول صاحب الحانوت أنه لم يدخل على اليوم أحد غيرك، وان كان التورع من أخذه أولى وأحسن.
وكذلك لو قال صاحب الحانوت هذا الدينار وجدته فى مكانك بعد خروجك، ولا أدرى هل هو لك أو لغيرك ممن دخل الحانوت فعد الرجل نفقته فافتقد دينارا.
وأما لو قال هذا الدينار وجدته فى مكانك بعد خروجك، ولا أدرى هل هو لك أو لغيرك ممن دخل الحانوت، والرجل لا يعلم عدد نفقته لما ساغ له أن يأخذه بالشك.
стр. 3604
قال: ومن وجد (١) ثوبا، وهو يظنه لقوم بين يديه يسألهم عنه، فهذا ان لم يعرفوه ولا ادعوه، كان له أن يرده حيث وجده، ولا ضمان عليه فيه، قاله ابن القاسم فى المدونة، ورواه ابن وهب عن مالك، لأنه لم يصر فى يده، ولا تعدى عليه، وانما أعلم به من ظن أنه له، ولم يلتزم فيه حكم اللقطة، وهذا اذا ردها بالقرب، وأما ان ردها بعد طول فهو ضامن.
وجاء فى الدسوقى على الشرح (٢) الكبير:
أنه اذا ولدت زوجة رجل، وأمة رجل آخر، واختلط الولدان، بأن قال كل واحد من أبويهما: لا أدرى ولدى من هذين، أو ادعى كل واحد منهما واحدا، ونفيا الآخر، عينته القافة، ولم يكن للأبويين أن يصطلحا على أن يأخذ كل واحد منهما ولدا.
وأما اذا لم يختلف الأبوان فى تعيينه بأن أخذ كل واحد ولدا بعينه، فله ذلك من غير قافة.
والقافة لا تكون فى نكاحين، وانما تكون فى ملكين، أو نكاح وملك.
وعن ابن القاسم: أن لو وجدت امرأة مع ابنتها بنتا أخرى، لا تلحق بزوجها واحدة منهما، لاحتمال كون البنت الأخرى من نكاح، والقافة لا تكون فى نكاحين، لكن رجح القول بأنها تدخل فى نكاح ومجهول، كما فى هذا الفرع.
ثم المذهب ان القافة تكون فى النكاحين أيضا.
وعلى ذلك فما روى عن ابن القاسم ضعيف على كل حال.
وأما اذا ولدت زوجة رجل وأمته الموطوءة له فى ليلة واحدة، واختلط ولداهما، ولم يعلم ولد كل منهما، فلا قافة، لأن كلا من الولدين لا حق به، ونسبه ثابت، ويرثانه، ولا قافة بين الأمهات، كذا عند الشيخ عبد الباقى الزرقانى، ونحوه للشيخ مصطفى الرماصى معترضا على التتائى والخرشى التابعين للبساطى من دخول القافة، قائلا: انما تدعى القافة، لتلحق بالآباء، لا بالأمهات.
لكن فى البنانى عن ابن ميسر عن سحنون أن القافة تدعى، لتلحق بكل واحدة ولدها.
ومحل هذا الخلاف الا أن يقول الرجل أحدهما ولدى والآخر زنت به جاريتى، فان قال الأب ذلك، واختلطا فالقافة، فمن ألحقته به فهو ولده، وكان الآخر غير ولده.
стр. 3605
وروى فى التاج والأكليل (١): عن أشهب أن من نزل على رجل له أم ولد حامل، فولدت هى، وولدت امرأة الضيف فى ليلة صبيين، فلم تعرف كل واحدة منهما ولدها، دعى لهما القافة.
قال ابن رشد: فان ادعى كل واحد منهما واحدا بعينه ونفى الآخر عن نفسه وجب أن يلحق بكل واحد منهما ما ادعاه.
وان ادعيا معا واحدا بعينه، ونفى كل واحد منهما عن نفسه ما سواه، فالواجب على أصولهم أن تدعى له القافة، كالأمة بين الشريكين يطآنها فى طهر واحد، فتلد ولدا يدعيانه معا.
ومن كتاب ابن ميسر من حلف لزوجته ان ولدت المرة جارية لأغيبن عنك غيبة طويلة، فولدت فى سفره جارية، فبعثت بها خادمها فى جوف الليل، لتطرحها على باب قوم، ففعلت، فقدم زوجها، فوافى الخادم راجعة، فأنكر خروجها حينئذ وحقق عليها فأخبرته، فردها لتأتى بالصبية، فوجدت صبيتين فأتت بهما فأشكل الأمر على الأم، أيتهما هى منهما؟ قال ابن القاسم: لا تلحق واحدة منهما، وقاله محمد.
وقال سحنون: تدعى لهما القافة وبه أقول.
واذا وطئ السيد (٢) الأمة بملك اليمين والنكاح، فلا يخلو أما أن يكون النكاح سابقا أو ملك اليمين سابقا، فان كان ملك اليمين سابقا، كما اذا وطئ أمته ثم زوجها قبل أن يدعى الاستبراء، فان أتت به لأقل من ستة أشهر من وط ء الزوج، فان الولد لا يلحق به، ويلحق بالسيد الا أن يدعى الاستبراء أى وينفى الولد، وان أتت به لستة أشهر فأكثر، فاختلف فى ذلك.
فقيل: تدعى له القافة، قال اللخمى:
هو قول مالك.
وروى عن ابن القاسم وقال مالك هو للزوج.
وقال محمد بن مسلمة هو للأول، لأن وطأه صحيح، والثانى فاسد وقال الرجراجى: ان الأول هو المشهور.
وأما أن تقدم الوط ء بالنكاح على الوط ء بالملك فالولد للزوج ولا ينفيه الا بلعان (٣).
وان كانت أمة بين رجلين حرين، أو أحدهما عبد، أو ذمى، والآخر مسلم،
стр. 3606
فوطئاها فى طهر واحد، فأتت بولد، فادعياه دعى لهما القافة فمن الحقته به نسب اليه، قال ابن يونس يريد أتت بولد لدون ستة أشهر فأكثر من يوم وط ء الثانى.
ومن المدونة ان أشركتهما والى - اذا كبر - أيهما شاء، قال ابن شاس ثم لا يكون الا مسلما وهو بمنزلة ما اذا أشكل الأمر، فان مات قبل ذلك ورثاه، وان ماتا ورثهما معا.
وكذلك فى وط ء البائع والمشترى فى طهر واحد، قال ابن يونس ان توجد القافة ترك الولد الى بلوغه فيوالى من شاء، كما لو قالت القافة اشتركا فيه أو ليس منهما، وقال بعض علمائنا وهو أولى.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج (١): أنه اذا تداعى شخصان مجهولا لقيطا أو غيره عرض على القائف مع المتداعيين ان كان صغيرا، اذ الكبير لا بد من تصديقه كما مر فى الاقرار، فمن الحقه به القائف لحقه والمجنون كالصغير والحق به البلقينى مغمى عليه ونائما وسكران غير متعد، وما ذكره فى النائم بعيد جدا.
وكذا لو اشتركا فى وط ء لامرأة أو استدخلت ماءهما أى المحترم، كما قاله البلقينى، فولدت ممكنا منهما، وتنازعاه، بأن وطئا بشبهة، كأن ظنها كل أنها زوجته أو أمته، ولا تنحصر الشبهة فى ذلك، فقد ذكر بعض صورها عطفا للخاص على العام، فقال: أو وطئا مشتركة بهما فى طهر واحد، والا فهو للثانى، كما يؤخذ من كلامه الآتى قياسا، لتعذر عوده الى هذا، لأن بينهما صورا لا يمكن عوده اليها، أو وطئ زوجته وطلق، فوطئها آخر بشبهة، أو نكاح فاسد، كأن نكحها فى العدة جاهلا بالحال، أو وطئ أمته وباعها، فوطئها المشترى، ولم يستبرئ واحد منهما، فيعرض على القائف ولو مكلفا، فمن ألحقه به منهما لحقه، فان لم يكن قائف، أو كان، لكنه تحير، اعتبر انتساب الولد بعد كماله.
قال البلقينى: لو كان الاشتباه للاشتراك فى الفراش، لم يعتبر الحاق القائف، الا أن يحكم حاكم، ذكره الماوردى، وحكاه فى المطلب عن ملخص كلام الأصحاب، وكذا لو وطئ بشبهة منكوحة لغيره نكاحا صحيحا كما فى المحرر.
ولا يتعين الزوج للالحاق، لأنه موضع الاشتباه.
стр. 3607
والثانى يلحق الزوج لقوة الفراش.
ولا يكفى اتفاق الزوجين على الوط ء، بل لا بد من بينة به، لأن للولد حقا فى النسب، وتصديقهما ليس بحجة عليه، فان قامت به بينة عرض على القائف، وهذا ما ذكره المصنف فى الروضة هنا، وهو المعتمد، وان لم يذكره فى اللعان، واعتمد البلقينى الاكتفاء بذلك الاتفاق.
نعم يلحق بالبينة تصديق الولد المكلف، لما تقرر أن له حقا، فاذا ولدت لما بين ستة أشهر وأربع سنين من وطئهما، وادعياه، أو لم يدعياه عرض على القائف، لامكانه منهما، فان تخلل بين وطئيهما حيضة، فالولد للثانى، وان ادعاه الأول لظهور انقطاع تعلقه به الا أن يكون الأول زوجا من نكاح صحيح أى والثانى بشبهة أو نكاح فاسد فلا ينقطع تعلق الأول، لأن امكان الوط ء مع الفراش قائم مقام نفس الوط ء، والامكان حاصل بعد الحيضة.
واحترز بالصحيح عما لو كان الأول زوجا فى نكاح فاسد، فانه ينقطع تعلقه ويكون للثانى على الأظهر، لأن المرأة فى النكاح الفاسد لا تصير فراشا ما لم توجد حقيقة الوط ء، وسواء فيهما أى المتنازعين اتفقا اسلاما وحرية أم لا، كما مر فى اللقيط، لأن النسب لا يختلف مع صحة استلحاق العبد، هذا ان الحق بنفسه، والا كأن تداعيا أخوة مجهول، فيقدم الحر، لما مر، أن شرط الملحق بغيره أن يكون وارثا، ويحكم بحريته، وان ألحقه بالعبد، لاحتمال أنه ولد من حرة ولو ألحقه قائف بشبه ظاهر وقائف بشبه خفى قدم، لأن معه زيادة علم بحذقه وبصيرته، وفيما اذا ادعاه مسلم وذمى، يقدم ذو البينة نسبا ودينا، فان لم تكن وألحقه القائف بالذمى، تبعه فى نسبه فقط، ولا حضانة له.
وجاء فى مغنى المحتاج (١): أنه لو نفى من نسب اليه الولد بلعان انتفى اللبن النازل به كالنسب، فلو ارتضعت به صغيره حلت للثانى، ولو عاد واستلحق بعد اللعان، لحقه الرضيع أيضا.
ولو وطئت منكوحة أى وطئها واحد بشبهة أو وطئ اثنان امرأة بشبهة فولدت ولدا، فاللبن النازل به لمن لحقه الولد منهما، أما بقائف أو البينات ان أمكن كونه منهما، أو لمن لحقه الولد بسبب غيره.
فان انحصر الامكان فى واحد منهما، أو لم يكن قائف أو ألحقه بهما، أو نفاه عنهما، أو أشكل عليه الأمر وانتسب الولد لأحدهما بعد بلوغه، أو بعد افاقته من جنون ونحوه، فالرضيع من ذلك
стр. 3608
اللبن ولد رضاع لمن لحقه ذلك الولد لأن اللبن تابع للولد.
فان مات الولد قبل الانتساب، أو بعده فيما اذا انتسب بعضهم لهذا وبعضهم لذاك، أو لم يكن له ولد ولا ولد ولد، انتسب الرضيع حينئذ.
أما قبل انقراض ولده وولد ولده، فليس له الانتساب، بل هو تابع للولد أو ولده، ولا يجبر على الانتساب بخلاف الولد وأولاده، فانهم يجبرون عليه، لضرورة النسب.
والفرق أن النسب يتعلق به حقوق له وعليه، كالميراث، والنفقة، والعتق بالملك، وسقوط القود، ورد الشهادة، فلابد من دفع الأشكال.
والمتعلق بالرضاع حرمة النكاح، وجواز النظر، والخلوة، وعدم نقض الطهارة، والامساك عنه سهل، فلم يجبر عليه الرضيع، ولا يعرض أيضا على القائف، ويفارق ولد النسب، بأن معظم اعتماد القائف على الاشباه، الظاهرة دون الأخلاق، وانما جاز انتسابه، لأن الانسان يميل الى من ارتضع من لبنه، ولا تنقطع نسبة اللبن عن صاحبه من زوج، أو غيره مات، أو زوج طلق وله اللبن، وان طالت المدة كعشر سنين.
وجاء فى المهذب (١): أنه ان تداعى نسب اللقيط رجلان، لم يجز الحاقه بهما، لأن الولد لا ينعقد من اثنين.
والدليل عليه قوله تعالى: «إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى»﴾.
فان لم يكن لواحد منهما بينة، عرض الولد على القافة، وهم قوم من بنى مدلج من كنانة، فان ألحقته باحدهما لحق به.
لما روت عائشة رضى الله تعالى عنها، قالت: دخل على رسول الله ﷺ أعرف السرور فى وجهه، فقال: ألم ترى الى مجزز المدلجى نظر الى أسامة وزيد، وقد غطيا رءوسهما وقد بدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فلو لم يكن ذلك حقا، لما سر به رسول الله ﷺ .
وهل يجوز أن يكون من غير بنى مدلج؟ فيه وجهان.
أحدهما: لا يجوز، لأن ذلك ثبت بالشرع، ولم يرد الشرع الا فى بنى مدلج.
стр. 3609
والثانى: أنه يجوز، وهو الصحيح، لأنه علم يتعلم ويتعاطى فلم تختص به قبيلة، كالعلم بالأحكام.
وهل يجوز أن يكون واحدا فيه وجهان.
أحدهما: أنه يجوز، لأن النبى ﷺ سر بقول مجزز المدلجى وحده، ولأنه بمنزلة الحاكم، لأنه يجتهد ويحكم كما يجتهد الحاكم، ثم يحكم.
والثانى: لا يجوز أن يكون امرأة ولا عبدا، كما لا يجوز أن يكون الحاكم امرأة ولا عبدا.
ولا يقبل الا قول من جرب وعرف بالقيافة حذقه كما لا يقبل فى الفتيا الا قول من عرف فى العلم حذقه وان ألحقته بهما أو نفته عنهما، أو أشكل الأمر عليها، أو لم تكن قافة، ترك حتى يبلغ، ويؤخذان بالنفقة عليه، لأن كل واحد منهما يقول: أنا الأب، وعلى نفقته، فاذا بلغ أمرناه أن ينتسب الى من يميل طبعه اليه، لما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه قال للغلام الذى ألحقته القافة بهما والى أيهما شئت، ولأن الولد يجد لوالده ما لا يجد لغيره، فاذا تعذر العمل بقول القافة رجع الى اختيار الولد.
وهل يصح أن ينتسب اذا صار مميزا ولم يبلغ؟ فيه وجهان.
أحدهما: يصح، كما يصح أن يختار الكون مع أحد الأبوين اذا صار مميزا.
والثانى: لا يصح، لأنه قول يتعين به النسب، ويلزم الأحكام به، فلا يقبل من الصبى، ويخالف اختيار الكون مع أحد الأبوين لأن ذلك غير لازم، ولهذا لو اختار أحدهما، ثم انتقل الى الآخر جاز، ولا يجوز ذلك فى النسب.
وان كان لأحدهما بينة قدمت على القافة، لأن البينة تخبر عن سماع أو مشاهدة، والقافة تخبر عن اجتهاد.
فان كان لكل واحد منهما بينة فهما متعارضان، لأنه لا يجوز أن يكون الولد من اثنين، ففى أحد القولين يسقطان ويكون كما لو لم تكن بينة.
وفى الثانى تستعملان.
فعلى هذا هل يقرع بينهما؟ فيه وجهان.
أحدهما: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة قضى له، لأنه لا يمكن قسمة الولد بينهما، ولا يمكن الوقف، لأن فيه اضرارا باللقيط فوجبت القرعة.
والثانى: لا يقرع، لأن معنا ما هو أقوى من القرعة، وهو القافة، فعلى هذا يصير كما لو لم يكن لهما بينة، وليس فى موضع تسقط الأقوال الثلاثة فى استعمال البينتين الا فى هذا الموضع على هذا المذهب.
стр. 3610
وان تداعت امرأتان نسبه وقلنا: أنه يصح دعوى المرأة، ولم تكن بينة، فهل يعرض على القافة؟ فيه وجهان.
أحدهما: يعرض، لأن الولد يأخذ الشبه من الأم، كما يأخذ من الأب، فاذا جاز الرجوع الى القافة فى تمييز الأب من غيره بالشبه، جاز فى تمييز الأم من غيرها.
والثانى: لا يعرض، لأن الولد يمكن معرفة أمه يقينا، فلم يرجع فيه الى القافة، بخلاف الأب، لأنه لا يمكن معرفته الا ظنا، فجاز أن يرجع فيه الى الشبه.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (١) أن القافة اذا ألحقت اللقيط بكافر أو رقيق، لم يحكم بكفره ولا رقه، لأن الحرية والاسلام ثبتا له بظاهر الدار، فلا يزول ذلك بمجرد الشبه والظن، كما لم يزل ذلك بمجرد الدعوى من المنفرد.
ولو ادعى نسب اللقيط انسان فألحق نسبه به لانفراده بالدعوى، ثم جاء آخر فادعاه لم يزل نسبه عن الأول، لأنه حكم له به فلا يزول بمجرد الدعوى، فان ألحقته به القافة لحق به، وانقطع عن الأول، لأنها بينة فى الحاق النسب، ويزول بها الحكم الثابت بمجرد الدعوى كالشهادة.
واذا ادعاه اثنان فألحقته المقافة بهما لحق بهما، وكان ابنهما يرثهما ميراث ابن، ويرثانه جميعا ميراث أب واحد، وهذا يروى عن عمر، وعلى رضى الله عنهما، وهو قول أبى ثور.
وقال أصحاب الرأى: يلحق بهما بمجرد الدعوى، لما روى سعيد فى سننه: حدثنا سفيان عن يحيى عن سعيد عن سليمان بن يسار عن عمر فى امرأة وطئها رجلان فى طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعا فجعله بينهما.
وباسناده عن الشعبى قال وعلى يقول:
هو ابنهما وهما أبواه يرثهما ويرثانه، ورواه الزبير بن بكار باسناده عن عمر.
وقال الامام أحمد: حديث قتادة عن سعيد عن عمر جعله بينهما، وقابوس عن أبيه عن على جعله بينهما.
وروى الأثرم باسناده عن سعيد بن المسيب فى رجلين اشتركا فى طهر امرأة فحملت فولدت غلاما يشبههما، فرفع ذلك الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فدعا القافة فنظروا فقالوا: نراه يشبههما فألحقه بهما، وجعله يرثهما ويرثانه قال سعيد: عصبته الباقى منهما.
قال أحمد: اذا ألحقته القافة بهما