المال الربح، وللمقارض عناؤه (أجر المثل).
وان شرط عليه أن يأخذ ذلك من ماله لا من مال المقارضة، فالحكم كذلك وزاد بالدخول فى الربا (١).
وكذا تفسد المضاربة أن شرط رب المال ضمان المال، أو بعضه معينا، أو شائعا على المضارب، وتحولت المضاربة قرضا، فهو دين عليه، والربح كله للمضارب، ولو لم يشترط صاحب المال الا ضمان البعض.
وانما كان الربح كله له لضمانه ما ضمن، والخراج بالضمان.
وانما فسدت المضاربة، لأن الضمان منفعة يصير بها ما انعقد عليه القراض مجهولا.
وهذا القول قول من قال بجواز أن يتحول القراض قرضا.
ومن لم يجوز ذلك فانه يقول: تفسد المضاربة ولصاحب المال الربح وللعامل عناؤه (أجر مثله).
وقيل: الربح بينهما كما اتفقا عليه والمضاربة صحيحة، ولزمه الضمان، كما شرط عليه رب المال.
وقيل: الشرط فاسد والمضاربة صحيحة (٢) (أنظر مصطلح قراض.
٢ - فى القسمة: لا يجوز فى القسمة اشتراط تحريم حلال، كأن يشترط أحدهم على الاخر ألا ينتفع بسهمه، ولو بوجه أبيح له، كبناء أو غرس، أو حرث، أو اتفقا أن يأخذ احدهما الثلثين على ألا يكون له من طريقها شئ ولا يمكن لها طريق آخر غير الذى اشترط لمن يأخذ الثلث.
فان أمكن لها طريق آخر جازت القسمة (٣) (أنظر مصطلح قسمة).
الثالث: اشتراط أمر غير مشروع.
ومن أمثلته:
١ - فى النكاح نكاح الشغار:
وهو أن يزوج الرجل وليته لرجل على أن يزوج هو له وليته أيضا ويجعلا صداق هذه بصداق تلك وهو نكاح حرام سواء عينا صداقيهما أم لا .. وان فعلا وجب لكل صداق مثلها أن مست ولا شئ لها ان لم تمس من صداق أو متعة وقيل حرمتا ولا توارث فيه اتفاقا وثبت النسب (٤).
(انظر مصطلح نكاح).
القسم الثالث: شروط تبطل ويصح التصرف.
ويندرج تحت هذا القسم الشروط التالية:
стр. 3782
الأول شرط ينافى مقتضى العقد ومن أمثلته:
١ - فى البيع: ما اذا اشترط فى بيع الجارية ألا يطأها المشترى بطل الشرط وصح البيع.
وقيل: يبطلان الا أن وطئها المشترى فيبطل الشرط وحده.
وكذا ان شرط ألا يتسراها أو لا يبيعها، أولا يهبها، أو شرط أن يفعل ذلك، أو باع شيئا وشرط ألا يبيعه المشترى، أو لا يعطى منه بطل الشرط وحده.
وقيل: بطل البيع والشرط (١). (أنظر مصطلح بيع).
٢ - فى الصرف: اذا اشترط فى الصرف خيار بطل الخيار وتم الصرف فى حين عقده بناء على صحة البيع الشرطى وبطلان الشرط.
وقيل: بطل الصرف والشرط (٢). (أنظر مصطلح صرف).
٣ - فى النكاح: اذا اشترط الزوج على الزوجة عند العقد أن تنفق عليه وتكسوه وتسكنه، أو اشترط عليها ألا ينفق عليها أو يكسوها، أو يسكنها، أو لا يعدل لها فى القسم.
أو اشترطت الزوجة على الزوج ألا يملك طلاقها حتى تجيزه، أو لا يجامعها مطلقا، أو ألا فى ليل أو نهار.
أو اشترط أن تلد، أو ألا تلد، أو ألا ترثه، أو ألا صداق لها.
أو اشترطت أن كل امرأة تزوجها عليها فطلاقها بيدها .. أو نحو ذلك، فان الشرط باطل عند الله، وفى الحكم، فيلزمه أن يعطيها ما لم يعطها من حقوقها ويرد اليها ما صرفت عليه لذلك الشرط، ولزم النكاح، وعليه نفقتها وكسوتها وسكناها.
وطلاقها بيده، وذلك لأن النفقة والقيام عليها فرضهما الله لها عليه لا عليها له، وكذا الطلاق بيد الرجل، ففى نقل ذلك بالكلية مناقضة لكلامه تعالى، ومصادرة عن المصلحة التى رآها لنا، ومجئ بأمر ليس عليه الشرع، فهو رد، فكان ذلك شرطا أحل حراما (أنظر مصطلح نكاح) (٣).
٤ - فى الرهن ولا يصح اشتراط بيع الرهن قبل الأجل والرهن صحيح، كبيع وشرط.
وقيل: يجوز على أنه لا يقضى بالثمن فى حقه حتى يحل الأجل.
ووجه الأول: أنه لا يدرك دينه قبل الأجل، والدين أصل للرهن، فلم يجز له ادراك بيعه قبل الأجل.
стр. 3783
ووجه الثانى: أن بيعه ليس بمنزلة قبض الدين قبل الأجل، لأنه لو رضى الغريم فأعطى الدين قبل الأجل لجاز قبضه (١).
٥ - فى العتق: جاء فى شرح النيل أنه ان اعتقت المرأة عبدا على شرط أن يتزوجها، ثم امتنع من تزوجها، فلا يجبر على التزوج، ولا يرد فى الرق، وكذا الأمة ان أعتقها رجل على أن يتزوجها، فأبت، لأن العتق صحيح، والشرط باطل.
ووجه بطلانه أن المملوك عقد الشرط على نفسه وهو مملوك ولا عقد لمملوك على نفسه وصح العتق وحده لأنه يقع ولو هزلا (٢).
٦ - الفداء (٣): واذا قالت الزوجة لزوجها: أبرأتك من صداقى على أن تطلقنى ثلاثا.
فان قدم القبول وأخر الطلاق فقال:
قبلت المال وطلقتك ثلاثا، أو واحدة أو ثنتين فهو فداء وسقط عنه الصداق ولا طلاق غير طلاق الفداء، فان راجعها أو تزوجها جاز له، لأن الطلاق لا يلحق الفداء.
وان قدم الطلاق وأخر القبول بأن قال: طلقتك ثلاثا وقبلته طلقت ثلاثا وبقى المال لها، لأن التطليقات الثلاث تبين المرأة بها فلا يلحقها الفداء بعدهن (٤).
وان فاداها على ألا تتزوج فلانا أو من بلد كذا أو قبيلة كذا تم الفداء وبطل الشرط (٥).
الثانى: اشتراط أمر لا يحل شرعا وذلك كما لو باع أمة واشترط ولاءها لنفسه ان عتقت بعد، فالبيع صحيح والولاء اشتريها اذا أعتقها لا لبائعها المشترط له لأن الولاء لحمة كلحمة النسب، كما فى الحديث واللحمة القرابة فلا ينتقل حكمه ببيع أو هبة أو غيرهما، كما لا ينتقل حكم النسب، فكما لا يصح أن تبيع قرابتك من زيد لبكر مثلا، أو تهبه اياها، أو تنقلها اليه بوجه ليرثه مكانك كذلك الولاء انما هو لمن أعتق أو عصبته وقد اشترت عائشة بريرة لتعتقها واشترط البائع ولاءها فقال ﷺ «الولاء لمن أعتق وأجاز البيع وأبطل الشرط» (٦).
стр. 3784
اشتراك
المعنى اللغوى والاصطلاحى:
جاء فى لسان العرب: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، والشريك المشارك (١).
وفى كشاف اصطلاحات الفنون:
الاشتراك فى عرف العلماء كأهل العربية والأصول والميزان يطلق بالاشتراك على معنيين.
أحدهما: كون اللفظ المفرد موضوعا لمفهوم عام مشترك بين الأفراد، ويسمى اشتراكا معنويا، وذلك اللفظ يسمى مشتركا معنويا كالانسان.
وثانيهما: كون اللفظ المفرد موضوعا لمعنيين أو أكثر معا بأوضاع متعددة، ويسمى اشتراكا لفظيا، وذلك اللفظ يسمى مشتركا لفظيا (٢) كالعين والقرء.
وما قرره علماء الشريعة لا يخرج فى الجملة عن هذا الذى قرره علماء اللغة.
فقد تكلم الفقهاء عن الاشتراك فى الجريمة، وعن الاشتراك فى المعاملات المالية.
كما ذكروا تطبيقات يستفاد منها أن الاشتراك قد يكون فى الحقوق أيضا.
ثم ان علماء الأصول تكلموا عن الاشتراك اللفظى فى دلالة الألفاظ، وفرقوا بينه وبين الاشتراك المعنوى.
الاشتراك فى الجريمة
الاشتراك فى الجريمة (الاعتداء) يتصور وقوعه فى حالات كثيرة، وأظهر ما نص عليه الفقهاء من هذه الأفعال:
الاشتراك فى جريمة القتل، والاشتراك فى جريمة السرقة، كما أن جريمة الحرابة تقع فى أغلب حالاتها بالاشتراك بين الجناة ولذلك فان البحث هنا سيكون عن الاشتراك فى الاعتداء على النفس، ثم عن الاشتراك فى جريمة السرقة.
وأما الاشتراك فى جريمة الحرابة فسنشير الى بعض صور منه، ثم نحيل البحث الى مصطلح حرابة.
стр. 3785
١ - الاشتراك فى الاعتداء على النفس
الاعتداء على النفس قد يكون باتلافها وهو ما يسمى بجريمة القتل.
وقد يكون باتلاف جزء منها وهو ما يسمى بجريمة الاعتداء على الأطراف:
من قطع أو جرح ونحوه ..
(أ) الاشتراك فى جريمة القتل
الاشتراك فى جريمة القتل اما أن يكون اشتراكا مباشرا بين كل من القاتلين.
واما أن يكون اشتراكا غير مباشر أى بطريق التسبب.
(ب) الاشتراك فى القتل بطريق مباشر
هذا النوع من الاشتراك قد يكون متعلقا بالقتل العمد، وقد يكون متعلقا بالقتل الخطأ.
الاشتراك فى القتل العمد:
مذهب الحنفية:
جاء فى المبسوط: وان اجتمع رهط على قتل رجل بالسلاح فعليهم فيه القصاص، بلغنا عن عمر رضى الله عنه أنه قضى بذلك وهو استحسان.
والقياس أن لا يلزمهم القصاص، لأن المعتبر فى القصاص المساواة لما فى الزيادة من الظلم على المتعدى، ولما فى النقصان من البخس بحق المعتدى عليه، ولا مساواة بين العشرة والواحد وهذا شئ يعلم ببداهة العقول (١) .. وأيد هذا القياس قوله تعالى ﴿(وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)﴾ وذلك ينفى مقابلة النفوس بنفس واحدة.
ولكنا تركنا هذا القياس، لما روى أن سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا فقضى عمر رضى الله عنه بالقصاص عليهم وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، ولأن القصاص شرع لحكمة الحياة وذلك بطريق الزجر.
ومعلوم أن القتل بغير حق فى العادة لا يكون الا بالتغالب والاجتماع لأن الواحد يقاوم الواحد فلو لم نوجب القصاص على الجماعة بقتل الواحد لأدى ذلك الى سد باب القصاص وابطال الحكمة التى وقعت الاشارة اليها بالنص .. اذ أنه لا مقصود من القتل سوى التشفى والانتقام وذلك حاصل لكل قاتل بكماله كأنه ليس معه غيره (٢) ..
فعرفنا أنه انما يقتل العشرة بالواحد بطريق المماثلة.
стр. 3786
وبيان ذلك أن القتل مما لا يتجزأ، واذا اشترك الجماعة فيما لا يحتمل التجزى فأما أن ينعدم أصلا أو يتكامل فى حق كل واحد منهم.
والدليل عليه أن كل واحد منهم لو حلف أن لا يقتله كان حانثا فى يمينه بهذا الفعل (١)
واذا اشترك جماعة من الرجال فى قتل حرة أو أمة فعليهم القصاص كما لو اشتركوا فى قتل رجل حر (٢) وكذلك لو اجتمع نفر من المسلمين على قتل ذمى قتلوا به، لأن الذميين فى حكم القصاص كالمسلمين (٣).
واذا اشترك الرجلان فى قتل رجل أحدهما بعصا، والآخر بحديدة فلا قصاص على واحد منهما هكذا نقل عن ابراهيم، لأن القتل بالعصا لا يصلح أن يكون موجبا للقصاص، لأن القصد به التأديب والآلة آلة التأديب فهو بمنزلة فعل الخاطئ.
والخاطئ والعامد اذا اشتركا فى القتل لم يجب القصاص عليهما، لأنه اختلط الموجب بغير الموجب فى المحل فقد انزهقت الروح عقب فعلين أحدهما ليس بسبب لوجوب العقوبة، ولا يدرى أنه بأى
الفعلين أزهق الروح فتتمكن الشبهة من هذا الوجه، فالقصاص عقوبة تندرئ بالشبهات، وبعد سقوط القصاص يجب المال فيتوزع عليهما، وليس أحدهما باضافة القتل اليه بأولى من الآخر.
ولا يقال: ينبغى أن يضاف القتل الى فعل من استعمل السلاح فيه، لأن السلاح آلة للقتل دون العصا، لأن الانسان قد يسلم من الجرح بالحديد ويتلف من الضرب بالعصا، فهو بمنزلة ما لو جرحه رجلان أحدهما جراحة واحدة والآخر عشر جراحات، فانه يجعل القتل مضافا اليهما على السواء لهذا المعنى، ثم كل واحد منهما فيما لزمه من نصف الدية يجعل كالمنفرد به، فنصف الدية على صاحب الحديدة فى ماله ونصفها على صاحب العصا على عاقلته، وكذلك لو قتلاه بسلاح وأحدهما صبى أو معتوه فلا قصاص عليهما عندنا (٤)
وأما الأب مع الأجنبى أو المولى مع الأجنبى اذا اشتركا فى قتل الولد أو المملوك فلا قصاص على واحد منهما عندنا (٥) .. ذلك أن قتل الأب أو المولى موجب للدية، فلا يكون موجبا للقصاص كالخاطئ مع العامد اذا اشتركا.
وجاء فى الدر وحاشية ابن عابدين
عليه: ان مات شخص بفعل نفسه وزيد وأسد وحية ضمن زيد ثلث الدية فى
стр. 3787
ماله ان كان فعله عمدا، لأن العاقلة لا تتحمل العمد.
وانما لم يقتص منه لأنه من المقرر - أنه لا قصاص على شريك من لا قصاص بقتله .. لأن فعل الأسد والحية جنس واحد لأنه هدر فى الدارين، وفعل زيد معتبر فى الدارين وفعل نفسه هدر فى الدنيا لا العقبى، حتى يأثم بالاجماع، فصارت ثلاثة أجناس، فكأن النفس تلفت بثلاثة أفعال، فالتالف بفعل كل واحد ثلثه فيجب عليه ثلث الدية.
ومفاد التعليل أن يعتبر فى المقتول التكليف ليصير فعله جنسا آخر غير جنس فعل الأسد والحية اذ لو كان غير مكلف لهدر فى الدارين كفعل الأسد فيكون على زيد نصف الدية.
ومفاده أيضا ألا يزيد على الثلث لو تعدد قاتله بأن كان مع زيد غيره فيشترك هو وغيره فى الثلث.
ولو جرحه رجل جراحة وجرحه آخر جراحة ثم انضم اليه ما هو هدر فعلى كل واحد منهما ثلث الدية وثلثها هدر.
وفى تكملة الطورى: لو قطع رجل يده وجرحه آخر وجرح هو نفسه وافترسه سبع ضمن القاطع ربع الدية والجارح ربعها، لأن النفس تلفت بجنايات أربع واثنتان منها معتبرتان (١).
مذهب المالكية:
أنه يقتل الجمع غير المتمالئين بواحد اذا ضربوه عمدا عدوانا ومات مكانه أو رفع مغمورا (غمرة الموت) واستمر حتى مات أو منفوذ المقاتل (٢) - والحال أنهم غير متفقين على قتله بل كل واحد منهم قصد قتله فى نفسه من غير اتفاق منهم على (٣) قتله - سواء تميزت الضربات أو لم تتميز وسواء كان الموت ينشأ عن كل واحدة أو عن بعضها، وسواء استوت الضربات فى القوة أو اختلفت ولم يعلم عين من كانت ضربته هى التى نشأ عنها الموت. فأن تأخر موته غير منفوذ مقتل ولا مغمور قتل واحد فقط بقسامة، اذ لا يقتل بالقسامة أكثر من واحد.
وان تميزت جنايات كل واحد منهم واختلفت قدم الأقوى ان علم (٤).
بمعنى أنه اذا تميزت الضربات وعلم موته من أحداها فأنه يقتص ممن علم أنه مات من ضربته، واقتص من الباقى مثل فعله.
ثم ان ما ذكر من قتل الجميع فى هذه الحالة بقيودها هو ما فى النوادر.
وفى اللخمى خلافه وهو أنه اذا أنفذ
стр. 3788
أحدهم مقتله ولم يدر من أى الضربات مات فانه يسقط القصاص اذا لم يتعاقدوا على قتله والدية فى أموالهم (١).
ويقتل المتمالئون على القتل أو الضرب بأن قصد الجميع الضرب وحضروا، وان لم يتول الضرب الا واحد منهم اذا كان غير الضارب لو لم يضرب غيره لضرب.
وان حصل الضرب بسوط أو بيد أو قضيب حتى مات.
ومحل قتل الجماعة المتمالئة اذا ثبت قتلهم له ببينة أو اقرار (٢).
واذا اشترك مكلف وصبى فى قتل شخص فان القصاص على المكلف وحده دون الصبى لعدم تكليفه، وهذا اذا تمالآ على قتله عمدا، وعلى عاقلة الصبى نصف الدية لأن عمده كخطئه (٣).
وأما اذا كان كل من المكلف والصبى قد تعمد قتل ذلك الشخص ولكن قتلاه من غير تمالؤ واتفاق منهما على قتله، فلا قتل على المكلف المشارك للصبى فى القتل، لاحتمال كون رمى الصبى هو القاتل، وانما على المكلف نصف الدية فى ماله ونصفها الآخر على عاقلة الصبى، الا أن يدعى أولياء المقتول أنه مات من فعل المكلف، فانهم يقسمون عليه ويقتلونه فيسقط نصف الدية عن عاقلة الصبى، لأن القسامة انما يقتل بها ويستحق بها واحد (٤).
ولا قصاص على متعمد شريك مخطئ، ولا على متعمد شريك مجنون، فلا يقتص منه للشك، أى لاحتمال أن يكون الموت من رمى المخطئ والمجنون.
والظاهر أنه لا يقتص منه ولو أقسم الأولياء على أن القتل من المتعمد، وهو كذلك كما نص عليه على الأجهورى، لأنه لا صارف لفعلهما فيمكن حصول الموت من فعلهما معا لشدة فعل المخطئ والمجنون بخلاف الصبى (٥).
واذا أنشب السبع أظفاره فى الشخص بالفعل، ثم جاء انسان فأجهز عليه فهل يقتص من شريك السبع نظرا لأنه تعمد القتل، أو لا يقتص منه، وانما عليه نصف الدية فى ماله ويضرب مائة ويحبس عاما قولان عند المالكية.
وكذلك يجرى هذا الخلاف فى شريك جارح نفسه، وهو من جرح نفسه جرحا يكون عنده الموت غالبا ثم ضربه مكلف قاصدا قتله.
стр. 3789
فالقول بالقصاص منه مبنى على قصده القتل
والقول الآخر يوجب عليه نصف الدية فى ماله مع ضربه مائة وحبسه عاما، اذ لا يدرى من أى الأمرين مات.
وكذلك قالوا فى شريك الحربى، الا أنهم نصوا على أن المكلف اذا تمالأ مع الحربى على القتل فانه يقتص من الشريك قطعا.
وهذا الخلاف المتقدم ذكره يجرى كذلك فى مسألة شريك المرض.
وصورتها أن يحدث شخص جرحا بآخر ثم يحصل للمجروح مرض ينشأ عنه الموت غالبا ثم يموت، ولم يدر أمات من الجرح أم من المرض.
ثم يقول الدردير: والقول بالقصاص فى الأربع بقسامة، والقول بنصف الدية بلا قسامة والراجح فى شريك المرض القصاص فى العمد والدية فى الخطأ بالقسامة (١).
مذهب الشافعية:
اذا وجد من شخصين معا .. فعلان مزهقان للروح، مذففان - أى مسرعان لقتل كحز للرقبة وقد للجثة، أو غير مذففين كقطع عضوين أو جرحين، أو جرح من واحد ومائة مثلا من الآخر فمات منهما فقاتلان يجب عليهما القصاص، اذ رب جرح له نكاية فى الباطن أكثر من جروح، فان ذفف احدهما فقط فهو القاتل فلا يقتل الآخر حتى ان شككنا فى خطورة جرحه، لأن الأصل عدمه والقود لا يجب بالشك مع سقوطه بالشبهة.
والأوجه وجوب أرش الجرح على الشريك الذى جرحه غير قاتل ..
وان أوصل الجانى المجنى عليه الى حركة مذبوح - بأن لم يبق فيه أبصار ولا نطق ولا حركة اختيار .. ثم جنى آخر فالأول هو القاتل، لأنه صيره الى حالة الموت، ومن ثم أعطى حكم الأموات مطلقا، ويعزر الثانى لهتكه حرمة ميت ..
وان جنى الثانى قبل الانهاء به الى هذه الحالة، فان ذفف كحز بعد جرح فالثانى قاتل لقطعه أثر الأول .. وعلى الأول قصاص العضو أو مال بحسب الحال من عمد وضده، ولا نظر لسريان الجرح لاستقرار الحياة عنده.
وان لم يذفف الثانى أيضا ومات بهما كأن قطع واحد من الكوع وآخر من المرفق أو أجأفاه (أصاباه بجائفة) فقاتلان لوجود السراية منهما (٢).
стр. 3790
ويقتل الجمع بواحد وان تفاضلت الجراحات فى العدد والفحش والأرش حيث كان لها دخل فى الزهوق سواء أقتلوه بمحدد أم بمثقل، لأن القصاص عقوبة تجب للواحد فيجب له على الجماعة كحد القذف، ولأنه شرع لحقن الدماء فلو لم يجب بالاشتراك لاتخذ ذريعة الى سفكها وروى مالك أن عمر قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل قتلوه غيلة وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا ولم ينكر عليه ذلك مع شهرته فصار اجماعا.
اما من ليس لجرحه أو ضربه دخل فى الزهوق بقول أهل الخبرة فلا يعتبر.
وللولى العفو عن بعضهم على حصته من الدية باعتبار عدد الرءوس دون الجراحات فى صورتها لعدم انضباط نكاياتها.
ولو ضربه أحدهما ضربا يقتل ثم ضربه الآخر سوطين أو ثلاثة حالة ألمه من ضرب الأول عالما بضربه اقتص منهما، أما ان كان جاهلا به فلا. وعلى الأول حصة ضربه من دية العمد، وعلى الثانى كذلك من دية شبهه باعتبار الضربات.
وان ضرباه بالعكس كأن ضربه أحدهما ثلاثة مثلا ثم ضربه الآخر ضربا يقتل كخمسين سوطا حال الألم ولا تواطؤ، فلا قود على واحد منهما، بل يجب على الأول حصة ضربه من دية شبه العمد، وعلى الثانى حصة ضربه من دية العمد باعتبار الضربات .. وانما قتل من ضرب مريضا جهل مرضه لانتفاء سبب آخر ثم يحال القتل عليه (١).
ولا يقتل متعمد والحال أنه شريك مخطئ ولو حكما، ولا يقتل شريك شبه العمد لحصول الزهوق بفعلين أحدهما يوجبه، والآخر ينفيه، فغلب الثانى للشبهة فى فعل المتعمد، وعلى الأول نصف دية العمد، وعلى عاقلة الثانى نصف دية الخطأ أو شبه العمد، ويقتل شريك الأب فى قتل فرعه، كما يقتل عبد شارك حرا فى عبد .. وذمى شارك مسلما فى ذمى وكذلك يقتل شريك حربى فى قتل مسلم أو ذمى.
ويقتل شريك صبى مميز ومجنون له نوع تمييز وشريك السبع والحية القاتلين غالبا مع وجود المكافأة بين القاتل والمقتول فى الحرية والاسلام.
وبالجملة فمتى سقط القود عن أحدهما لشبهة فى فعله سقط عن شريكه، أو لصفة قائمة بذاته وجب على شريكه (٢).
ولو ضربوه بسياط وضرب كل واحد منهم غير قاتل لو انفرد ففيه أوجه.
стр. 3791
أصحها: يجب القصاص ان تواطئوا على ضربه وكان ضرب كل واحد منهم له دخل فى الزهوق.
وانما لم يعتبر ذلك فى الجراحات والضربات المهلك كل منها لو انفرد، لأنها قاتلة فى نفسها ويقصد بها الاهلاك مطلقا، والضرب الخفيف لا يظهر فيه قصد الاهلاك الا بالموالاة من واحد والتواطؤ من جمع. ولو آل الأمر الى الدية وزعت على عدد الضربات وبحسب الرءوس فى الجراحات.
والوجه الثانى لا قصاص.
والوجه الثالث يجب القصاص على الجميع مطلقا سواء أتواطئوا أم لا، لأن فعل كل واحد منهم قاتل، ولئلا يتخذ ذلك ذريعة الى القتل.
أما اذا كان ضرب كل واحد منهم قاتلا لو انفرد فانه يجب عليهم القود جزما (١).
واذا ألقاه من شاهق قتلقاه آخر بسيف فقده نصفين مثلا فالقصاص على القاد فقط اذا كان (أهلا) وعلى الملقى الاثم والتعزير (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى: أن الجماعة اذا قتلوا واحدا فعلى كل واحد منهم القصاص اذا كان كل واحد منهم لو انفرد بفعله وجب عليه القصاص لاجماع الصحابة رضى الله عنهم: فعمر قتل سبعة من أهل صنعاء - وعلى رضى الله عنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا وابن عباس قتل جماعة بواحد. ولم يعرف لهم فى عصرهم مخالف، فكان اجماعا، ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد فوجبت للواحد على الجماعة كحد القذف. ويفارق الدية فانها تتبعض والقصاص لا يتبعض ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك لأدى الى التسارع الى القتل به فيؤدى الى اسقاط حكمة الردع والزجر.
وحكى عن أحمد رواية أخرى: أنهم لا يقتلون به وتجب عليهم الدية.
وقد رجح ابن قدامة الرواية الأولى، وهى قتل الجماعة بالواحد (٣).
ولا يعتبر فى وجوب القصاص على المشتركين التساوى فى سببه، فلو جرحه رجل جرحا والآخر مائة، أو جرحه أحدهما موضحة والآخر آمة أو احدهما جائفة والآخر غير (٤) جائفة فمات كانا سواء فى القصاص والدية، لأن اعتبار التساوى يفضى الى سقوط القصاص عن المشتركين
стр. 3792
اذ لا يكاد جرحان يتساويان من كل وجه، ولو احتمل التساوى لم يثبت الحكم، لأن الشرط يعتبر العلم بوجوده ولا يكتفى باحتمال الوجود بل الجهل بوجوده كالعلم بعدمه فى انتفاء الحكم. ولأن الجرح الواحد يحتمل أن يموت منه دون المائة، كما يحتمل أن يموت من الموضحة دون الآمة ومن غير الجائفة دون الجائفة، فكان حكم الجماعة كحكم الواحد، ألا ترى أنه لو قطعت أطرافه كلها فمات وجبت دية واحدة كما لو قطع طرفه فمات (١).
واذا اشترك ثلاثة فى قتل رجل فقطع أحدهم يده والآخر رجله وأوضحه الثالث فمات فللولى قتل جميعهم والعفو عنهم الى الدية فيأخذ من كل ثلثها، وله أن يعفو عن واحد فيأخذ منه ثلث الدية، ويقتل الآخرين، وله أن يعفو عن اثنين فيأخذ منهما ثلثى الدية ويقتل الثالث.
فان برئت جراحة أحدهم ومات من الجرحين الآخرين فله أن يقتص من الذى برئ جرحه بمثل جرحه ويقتل الآخرين، أو يأخذ منهما دية كاملة أو يقتل احدهما ويأخذ من الآخر نصف الدية، وله أن يعفو عن الذى برئ جرحه ويأخذ منه دية جرحه (٢).
واذا قتل الأب وغيره عمدا قتل من سوى الأب، لأنه شارك فى القتل العمد العدوان فيمن يقتل به غالبا لو انفرد بقتله فوجب عليه القصاص كشريك الأجنبى ..
فضلا عن أن فعل الأب يقتضى الايجاب، لكونه تمحض عمدا عدوانا والجناية به أعظم اثما وأكثر جرما قال تعالى:
(ولا تقتلوا أولادكم - ثم قال: ان قتلهم كان خطأ كبيرا) وجعل النبى ﷺ قتل الولد من أعظم الذنوب بعد الشرك .. فهو أولى بايجاب العقوبة والزجر عنه، وانما امتنع وجوب القصاص فى حق الأب لمعنى مختص بالمحل، لا لقصور فى السبب الموجب فلا يمتنع عمله فى المحل الذى لا مانع فيه (٣).
وكل شريكين امتنع القصاص فى حق أحدهما لمعنى فيه من غير قصور فى السبب، فالحكم فى وجوب القصاص على الآخر منهما كالحكم فى الأب وشريكه، مثل أن يشترك مسلم وذمى فى قتل عبد عمدا عدوانا، فان القصاص لا يجب على المسلم والحر، ويجب على الذمى والعبد اذا قلنا بوجوبه على شريك الأب، لأن امتناع القصاص عن المسلم لاسلامه، وعن الحر لحريته، وانتفاء مكافأة المقتول له، وهذا المعنى لا يتعدى الى فعله، ولا الى شريكه، فلم يسقط القصاص عنه.
وقد نقل عبد الله بن أحمد قال:
سألت أبى ﵀ عن حر وعبد قتلا
стр. 3793
عبدا عمدا قال: أما الحر فلا يقتل بالعبد، وعلى الحر نصف قيمة العبد فى ماله، والعبد ان شاء سيده أسلمه والا فداه بنصف قيمة العبد، وظاهر هذا أنه لا قصاص على العبد فيخرج مثل ذلك فى كل قتل شارك فيه من لا يجب عليه القصاص (١).
أما اذا شارك فى القتل من لا قصاص عليه لمعنى فى فعله كالصبى والمجنون.
فالصحيح فى المذهب أنه لا قصاص عليه لأنه شارك من لا مأثم عليه فى فعله، ولأن الصبى والمجنون لا قصد لهما صحيح ولهذا لا يصح اقرارهما، فكان حكم فعلهما حكم الخطأ فى انتفاء القصاص ولزوم الدية وحمل عاقلتهما اياها ووجوب الكفارة.
اذا ثبت هذا فان الدية تجب عليهم أثلاثا على كل واحد منهم ثلثها، لأن الدية بدل المحل، ولذلك اختلفت باختلافه والمحل المتلف واحد، فكانت ديته واحدة ولأنها تتقدر بقدره.
الا أن الثلث الواجب على المكلف يلزم فى ماله حالا، لأن فعله عمد، وما يلزم الصبى والمجنون فعلى عاقلتهما.
ويلزم كل واحد منهما الكفارة من ماله، لأن فعلهما خطأ، والمشارك فى القتل خطأ يلزمه كفارة، لأنها لا تجب بدلا عن المحل، ولهذا لم تختلف، وانما وجبت تكفيرا للفعل، ومحوا لأثره، فوجب تكميلها كالقصاص (٢).
واذا قتلاه وأحدهما مخطئ، والآخر متعمد، فلا قود على واحد منهما، وعلى العامد نصف الدية فى ماله وعلى عاقلة المخطئ نصف الدية، وعليه فى ماله عتق رقبة مؤمنة.
أما المخطئ فلا قصاص عليه للكتاب والسنة والاجماع.
وأما شريكه فلأن هذا القتل قتل لم يتمحض عمدا فلم يوجب القصاص كشبه العمد، وكما لو قتله واحد بجرحين عمدا وخطأ، ولأن كل واحد من الشريكين مباشر ومتسبب فاذا كانا عامدين فكل واحد متسبب الى فعل موجب للقصاص فقام فعل شريكه مقام فعله لتسببه اليه وههنا اذا أقمنا المخطئ مقام العامد صار كأنه قتله بعمد وخطأ وهذا غير موجب (٣).
وفى حكم شريك جارح نفسه وشريك السبع وجهان.
الأول لا قصاص عليه، لأنه شارك من لا يجب القصاص عليه كشريك الخاطئ.
стр. 3794
والوجه الثانى عليه القصاص، وهو قول أبى بكر الخلال.
وروى عن أحمد أنه قال: اذا جرحه رجل ثم جرح الرجل نفسه فمات فعلى شريكه القصاص، لأنه قتل عمد متحمض فوجب القصاص على الشريك فيه كشريك الأب.
فأما ان جرح الرجل نفسه خطأ كأنه أراد ضرب جارحه فأصاب نفسه أو خاط جرحه فصادف اللحم الحى، فلا قصاص على شريكه فى أصح الوجهين.
وفيه وجه آخر أن عليه القصاص بناء على الروايتين فى شريك الخاطئ (١).
واذا جنى عليه اثنان جنايتين: فان كانت الأولى أخرجته من حكم الحياة كأن قطع أحشاءه أو ذبحه ثم ضرب الثانى عنقه فالأول هو القاتل، لأنه لا يبقى مع جنايته حياة فالقود عليه خاصة، وعلى الثانى التعزير، كما لو جنى على ميت.
وان كان جرح الأول يجوز بقاء الحياة معه كأن شق البطن من غير ابانة الأحشاء، أو قطع طرفا، ثم ضرب الآخر عنقه، فالثانى هو القاتل، لأن الأول لم يخرجه من حكم الحياة، فيكون الثانى هو المفوت لها، فعليه القصاص فى النفس، والدية كاملة ان عفا الولى عنه.
أما جرح الأول فان كان موجبا للقصاص كقطع الطرف فالولى مخير بين قطع طرفه والعفو عن ديته مطلقا.
وان كان لا يوجب القصاص كالجائفة ونحوها فعليه الأرش.
وانما كان عليه القصاص لأن فعل الثانى قطع سراية جراحه فصار كالمندمل الذى لا يسرى.
وان كان جرح الأول يفضى الى الموت لا محالة الا أنه لا يخرج به من حكم الحياة وتبقى معه الحياة المستقرة، مثل خرق المعى أو أم الدماغ فضرب الثانى عنقه فالقاتل هو الثانى، لأنه فوت حياة مستقرة وقتل من هو فى حكم الحياة .. كما لو قتل عليلا لا يرجى برؤه (٢).
واذا ألقى رجلا من شاهق فتلقاه آخر بسيف فقتله فالقصاص على من قتله، لأنه فوت حياته قبل المصير الى حال ييأس فيها من حياته، فأشبه ما لو رماه انسان بسهم قاتل فقطع آخر عنقه قبل وقوع السهم به أو ألقى عليه صخرة فأطار انسان رأسه بالسيف قبل وقوعها عليه (٣).
стр. 3795
واذا اشترك جماعة فى القتل فأحب الأولياء أن يقتلوا الجميع فلهم ذلك، واذا أحبوا أن يقتلوا البعض ويعفو عن البعض ويأخذوا الدية من الباقين فلهم ذلك، لأن كل من لهم قتله فلهم العفو عنه.
ولا يسقط القصاص عن البعض بالعفو عن البعض لأنهما شخصان فلا يسقط القصاص عن أحدهما باسقاطه عن الآخر كما لو قتل كل واحد رجلا.
وأما اذا اختاروا أخذ الدية من القاتل أو من بعض القتلة فان لهم هذا (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى من استسقى قوما فلم يسقوه حتى مات .. فان كان الذين لم يسقوه يعلمون أنه لا ماء له البتة الا عندهم ولا يمكن ادراكه أصلا حتى يموت فهم قتلوه عمدا وعليهم القود، بأن يمنعوا الماء حتى يموتوا كثروا أو قلوا ..
وهكذا القول فيمن تركوه فأخذه السبع وهم قادرون على انقاذه فهم قتلة عمدا اذ لم يمت الا من فعلهم، وهذا كمن أدخلوه فى بيت ومنعوه حتى مات ولا فرق، وهذا كله وجه واحد (٢).
مذهب الزيدية:
تقتل الجماعة بالواحد لقوله تعالى:
﴿(فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً)﴾ يعنى على القاتل ولم يفصل .. ولم يقتلوا بالواحد لصفة زائدة فى المقتول بل لكون كل منهم قاتلا، والقول بتخصيص أحدهم مخالف للاجماع وقد قتل على ثلاثة بواحد، وقتل عمر سبعة بواحد - وقد وردت عن عمر روايات متعددة فى هذا - ولم ينكر عليه ذلك وقال على: المائة بالواحد ولم ينكر عليه ذلك فكان اجماعا.
واذا انتقل الحكم الى الدية فانه يلزم الجماعة دية واحدة قال صاحب البحر وهو الأقرب للقياس كسائر المتلفات.
وانما يقتلون بالواحد ويشتركون فى ديته حيث مات بمجموع فعلهم بحيث لو نقص فعل أحدهم لم يمت بفعل الباقين ولو كان فعل واحد زائدا على فعل غيره منهم (٣).
واذا اشترك عامد ومخطئ قتل العامد، اذ لم يفصل الدليل، وعلى عاقلة المخطئ نصف الدية ..
ويقاد شريك الصبى والمجنون ..
وعلى الصبى ونحوه نصف الدية لمشاركته وهو على العاقلة.
стр. 3796
ولا يسقط القود عن شريك الأب أو عبد شارك حرا فى عبد أو كافر شارك مسلما فى كافر لكمال شرط القصاص فيه ..
ويقاد شريك النفس أى يقتص من رجل شارك رجلا فى قتل نفسه، وكذلك يقاد شريك السبع ..
ومن قطع حلقوم رجل ثم قطعه آخر نصفين فالقاتل الأول وعلى الآخر التعزير، اذ حركته بعد الأولى كحركة المذبوح ..
فان جنى الأول بما لا يقطع بكونه قاتلا كقطع يد، وجنى الآخر بما يقطع بكونه قاتلا فالقود فى القاتلة وفى الأخرى الأرش (١).
مذهب الإمامية:
لو اشترك جماعة فى قتل حر مسلم فللولى قتل الجميع. ويرد على كل واحد ما فضل من ديته عن جنايته، وله قتل البعض، ويرد الآخرون قدر جنايتهم، فان فضل للمقتولين فضل، قام به الولى، وان فضل منهم كان له.
ولو اشتركت فى قتله امرأتان قتلتا، ولا رد اذ لا فاضل لهما (٢).
مذهب الإباضية:
تقاد جماعة بواحد، فقد قتل عمر رضى الله عنه بامرأة فتك بها ثلاثة رجال وقال: لو تمالأ عليها أهل صنعاء لقتلتهم بها كلهم «أى الا من لا يحل قتله كصبى ومجنون ومن لا يقتل فيها».
والجماعة تقتل بواحد اذا قتلوه حرابة أو غيلة أو غير ذلك سواء من باشر القتل وغيره (٣).
وان شاء الولى أخذ دية واحدة منهم جميعا وان شاء أخذها من واحد ويرجع هذا الواحد على غيره بمنابهم.
وقيل: يقاد واحد فقط لقوله تعالى (ان النفس بالنفس) والخيار للولى.
وصاحب القول الأول يقول: المعنى النفس بالنفس القاتلة تشمل النفوس القاتلات، لأن كلا منهن قاتلة اذ اجتمعن على واحد بالقتل، وان شاء أخذ الدية. واذا قتل الواحد فانه يرد الأخران لوليه منابهم من الدية. فان كان اثنان رد الآخر نصف الدية، وان كان ثلاثة رد اثنان ثلثى الدية، وان كان أربعة رد الثلاثة ثلاثة أرباعها وهكذا.
وقيل غير ذلك كالقول بأن له أن يقتل من شاء ويأخذ الدية عمن شاء، فربما
стр. 3797
قتل كثيرا وأخذ ديات كثيرة لأن كلا منهم كالقاتل المستقل، وله أن يأخذ عن كل واحد منهم دية تامة وله أن يقتلهم جميعا وغير ذلك من الأقوال (١).
وان اشترك فى قتيل واحد قاتل عاقل بالغ مع طفل أو مجنون، لزم القاتل العاقل البالغ القود، ولزم عاقلة القاتل الآخر الذى هو الطفل أو المجنون نصف الدية للولى، الا أن يشاء الولى أن يأخذ الدية الواحدة، نصفها عن العاقل البالغ، ونصفها عن الآخر.
وقيل: له أن يأخذ دية تامة عنه، ويأخذ دية تامة من عاقلة الصبى أو المجنون.
وفى اشتراك الثلاثة العاقل البالغ والطفل والمجنون فى القتيل الواحد يلزم عاقلتى المجنون والطفل ثلثا الدية ويقتل البالغ العاقل.
وقيل: لا قود فى هذا النوع من الاشتراك المذكور بين البالغ العاقل والطفل والمجنون، أو البالغ مع أحدهما - لا شتراك من لا يقتل فى مثله، ويؤدون ديته جميعا.
وان اشترك عاقلان بالغان فصاعدا مع طفل أو طفلين أو مع مجنون أو مجنونين فصاعدا فللولى أخذ الدية الواحدة على الرءوس، وما ينوب الأطفال والمجانين على عواقلهم، وله قتل البالغ العاقل، وأخذ باقى الدية على العواقل، وله قتل بعض من عقل وأخذ باقى الدية على باقى من عقل.
وقيل: له أخذ دية على كل من شاء ممن عقل، وأخذ ديات من عواقل الأطفال ونحوهم (٢).
وان اشترك العاقل البالغ مع غير انسان فى قتله ولو حية أو عقربا ولو سبقه غير الانسان - فهل يقتل به الا أن يشاء الولى أخذ الدية، أو لا يقتل به ولكن يؤدى عنه الدية؟ قولان عندهم.
وسواء فى غير الانسان أن يكون مملوكا لأحد أولا، الا أن كان الانسان - يغرى غير الانسان فيقتل الانسان قولا واحدا (٣).
الاشتراك فى القتل الخطأ
مذهب الحنفية:
لو اشترك عشرة رهط فى قتل رجل خطأ كانت الدية على عاقلتهم فى ثلاث سنين، لأن وجوب الدية لصيانة المحل عن الهدر فالمحل واحد، وبايجاب دية
стр. 3798
واحدة عليهم يتم معنى الصيانة، ثم الواجب على كل واحد جزء مما هو مؤجل فى ثلاث سنين، وهو بدل النفس، فهو بمنزلة ما لو اشترى عشرة نفر شيئا بثمن مؤجل الى ثلاث سنين، فانه ثبت تمام الأجل فى حق كل واحد منهم، وهذا لأن كل ثلث من بدل النفس مؤجل فى سنة، والواجب على كل واحد منهم عشر كل ثلث، الا أن يكون الواجب على بعضهم من الثلث الذى هو مؤجل الى سنة أو من الثلث الثانى خاصة (١).
ثم يقرر السرخسى فى موضع آخر أنه اذا اشترك جماعة فى قتل رجل تجب على كل واحد منهم الكفارة كاملة (٢).
واذا استأجر رب الدار الفعلة لاخراج الجناح أو الظلة فوقع فقتل انسانا، فان سقط من عملهم قبل أن يفرغوا منه فالضمان عليهم دون رب الدار، لأنه انما سقط لتقصيرهم فى الامساك فكأنهم ألقوا ذلك فيكونون قاتلين مباشرين فيلزمهم الدية والكفارة ويحرمون الميراث.
وان سقط ذلك بعد فراغهم من العمل فالضمان فيه على رب الدار استحسانا
وفى القياس هذا كالأول، لأنهم باشروا أحداث ذلك فى الطريق وصاحب الدار ممنوع من احداثه، وانما يعتبر أمره فيما له أن يفعله بنفسه.
ولكنه استحسن، لحديث شريح فانه قضى بالضمان فى مثله على رب الدار والمعنى فيه أنهم يعملون له، ولهذا يستوجبون الأجر عليه وقد صار عملهم مسلما اليه بالفراغ منه، فكأنه عمل ذلك بنفسه، بخلاف ما قبل الفراغ، فان عملهم لم يصر مسلما اليه بعد (٣).
واذا استأجر الرجل اجراء يهدمون له حائطا فقتل الهدم من فعلهم رجلا منهم أو من غيرهم فالضمان عليهم والكفارة، دون رب الدار، لأنهم مباشرون اتلاف من سقط عليه شئ من أيديهم فى حالة العمل (٤).
واذا استأجر الرجل أربعة رجال يحفرون له بئرا فوقعت عليهم من حفرهم فقتلت واحدا منهم، فعلى كل واحد من الثلاثة الباقين ربع ديته وسقط الربع، وكذلك لو كانوا أعوانا له، لأنه انما سقط عليهم ما سقط بفعلهم فكانوا، مباشرين لسبب الاتلاف، والقتيل أحد المباشرين، فتوزع الدية عليهم ويسقط منه حصة القتيل بجنايته على نفسه، وتبقى حصة الثلاثة بجنايتهم.
وألاصل فيه ما روى أن عشرة نفر مدوا الحلة فسقطت على أحدهم فقتلته فقضى على رضى الله عنه على كل واحد من التسعة بعشر الدية وأسقط العشر حصة المقتول.
стр. 3799
وعن الشعبى أن عليا رضى الله عنه قضى فى القارصة والواقصة والقامصة بالدية أثلاثا وتفسير ذلك أن ثلاث جوار كن يلعبن، فركبت احداهن صاحبتها، فقرصت الثالثة المركوبة، فقمصت المركوبة، ووقعت الراكبة، فاندقت عنقها، فقضى على رضى الله عنه بثلث الدية على القارصة وبالثلث على القامصة، وأسقط الثلث حصة الواقصة (الراكبة) (١).
مذهب المالكية:
أن الجماعة اذا اشتركوا فى ضرب رجل وقصد كل واحد منهم ضربه بدون تمالؤ،
ولكن لم يقصد أحد منهم قتله، ثم أنهم ضربوه مجتمعين، ومات من ضربهم، فانهم لا يقتلون، لأن قصد الضرب ليس مثله قصد القتل بالنسبة للجماعة بخلاف الواحد كما قال على الأجهورى (٢)، وتجب على عواقلهم الدية منجمة، فحكم ما وجب على عواقل متعددة كعشرة رجال من قبائل شتى قتلوا رجلا خطأ، كحملهم صخرة فسقطت عليه، كحكم العاقلة الواحدة أى كالحكم الذى وجب على العاقلة الواحدة من حيث التنجيم، اذ ينجم ما ينوب كل عاقلة وان كان دون الثلث فى ثلاث سنين تحل بأواخرها (٣).
ونصوا على أن كفارة القتل الخطأ تجب على القاتل الحر حتى ولو كان القاتل شريكا لصبى أو مجنون أو غيرهما، فعلى كل كفارة كاملة ولو كثر الشركاء بل ولو كان القاتل صبيين أو مجنونين لوجب على كل منهما كفارة كاملة (٤).
ومن صور الاشتراك فى الخطأ ما جاء فى حاشية الدسوقى من أنه قد تنزلق رجل انسان فيمسك آخر ثم هو يمسك ثانيا، وهكذا فيقع الجميع ويموتون فالأول هدر ودية الثانى على عاقلة الأول ودية الثالث عليهما (٥).
مذهب الشافعية:
لو رجع حجر منجنيق أطلق، فقتل أحد رماته وهم عشرة مثلا هدر قسطه وهو عشر الدية وعلى عاقلة الباقين الباقى من دية الخطأ، لأنه مات بفعله وفعلهم خطأ فسقط ما يقابل فعله.
ولو تعمدوا اصابته بأمر صنعوه وقصدوه بسقوطه عليه وغلبت اصابته كان عمدا فى مالهم، ولا قود، لأنهم شركاء مخطئ ..
واذا قتل المنجنيق شخصا آخر ليس منهم ولم يقصدوه فخطأ لعدم قصدهم له ففيه دية مخففة على العاقلة ..
стр. 3800
ثم الضمان يختص بمن مد الحبال ورمى الحجر لمباشرتهم، دون واضعه وممسك الخشب، اذ لا دخل لهم فى الرمى أصلا، ويؤخذ منه أنه لو كان لهم دخل فيه ضمنوه أيضا وهو ظاهر (١).
مذهب الحنابلة:
اذا رمى ثلاثة بالمنجنيق فرجع الحجر فقتل رجلا فعلى عاقلة كل واحد منهم ثلث الدية، وعلى كل واحد منهم عتق رقبة مؤمنة فى ماله، لأن كل واحد منهم مشارك فى اتلاف آدمى معصوم، والكفارة لا تتبعض فكملت فى حق كل واحد منهم.
ثم لا يخلو من حالين.
أحدهما: أن يقتل واحدا من غيرهم .. فالكفارة على كل واحد منهم والدية على عواقلهم أثلاثا، لأن العاقلة تحمل الثلث فما زاد، سواء قصدوا رمى واحد بعينه أو رمى جماعة أو لم يقصدوا ذلك، الا أنهم ان لم يقصدوا قتل آدمى معصوم فهو خطأ ديته دية الخطأ.
وان قصدوا رمى جماعة أو واحدا بعينه فهو شبه عمد، لأن قصد الواحد بعينه بالمنجنيق لا يكاد يفضى الى اتلافه فتكون ديته مغلظة على العاقلة، الا أنها فى ثلاث سنين.
وعلى قول أبى بكر الخلال لا تحمل العاقلة دية شبه العمد فلا تحمله ههنا (٢).
والثانى: أن يصيب رجلا منهم فعلى كل واحد كفارة أيضا ولا تسقط عمن أصابه الحجر، لأنه شارك فى قتل نفس مؤمنة، والكفارة انما تجب لحق الله تعالى فوجبت عليه بالمشاركة فى قتل نفسه كوجوبها بالمشاركة فى قتل غيره. وأما الدية ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: ان على عاقلة كل واحد منهم ثلث ديته لورثة المقتول، لأن كل واحد منهم مشارك فى قتل نفس مؤمنة خطأ فلزمته ديتها كالأجانب، وهذا ينبنى على احدى الروايتين فى جناية المرء على نفسه أو أهله خطأ تحمل عقلها عاقلته.
والوجه الثانى: ما قابل فعل المقتول ساقط لا يضمنه أحد، لأنه شارك فى اتلاف حقه، فلم يضمن ما قابل فعله، كما لو شارك فى قتل بهيمته أو عبده.
الوجه الثالث: أن يلغى فعل المقتول فى نفسه، وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين.
وأن رجع الحجر فقتل اثنين من الرماة.
فعلى الوجه الأول تجب ديتهما على عواقلهم أثلاثا، وعلى كل واحد كفارتان.
стр. 3801
وعلى الوجه الثانى تجب على عاقلة الحى منهم لكل ميت ثلث ديته وعلى عاقلة كل واحد من الميتين ثلث دية صاحبه ويلغى فعله فى نفسه.
وعلى الوجه الثالث على عاقلة الحى لكل واحد من الميتين نصف الدية ويجب على عاقلة كل واحد من الميتين نصف الدية لصاحبه (١).
وان كانوا أكثر من ثلاثة فالدية حالة فى أموالهم .. هذا هو الصحيح فى المذهب، سواء كان المقتول منهم أو من غيرهم، الا أنه اذا كان منهم يكون فعل المقتول فى نفسه هدرا، لأنه لا يجب عليه لنفسه شئ، ويكون باقى الدية فى أموال شركائه حالا، لأن التأجيل فى الديات انما يكون فيما تحمله العاقلة، وهذا لا تحمله العاقلة، لأنها لا تحمل ما دون الثلث والقدر اللازم لكل واحد دون الثلث (٢).
وذكر أبو بكر الخلال رواية أخرى:
أن العاقلة تحملها، لأن الجناية فعل واحد اوجب دية تزيد على الثلث.
والصحيح هو الأول، لأن كل واحد منهم يختص بموجب فعله دون فعل شركائه، وحمل العاقلة انما شرع للتخفيف على الجانى فيما يشق ويثقل وما دون الثلث يسير والذى يلزم كل واحد منهم أقل من الثلث .. ولأن فعل كل واحد غير فعل الآخر (٣) ..
وان سقط رجل فى بئر فتعلق بآخر فوقعا معا فدم الأول هدر، لأنه مات من فعله، وعلى عاقلته دية الثانى ان مات، لأنه قتله بجذبته.
فان تعلق الثانى بثالث فماتوا جميعا فلا شئ على الثالث، وعلى عاقلة الثانى ديته فى أحد الوجهين، لأنه جذبه وباشره بالجذب، والمباشرة تقطع حكم السبب، كالحافر مع الدافع.
والوجه الثانى ديته على عاقلة الأول والثانى نصفين، لأن الأول جذب الثانى الجاذب للثالث، فصار مشاركا للثانى فى اتلافه.
ودية الثانى على عاقلة الأول فى أحد الوجهين، لأنه هلك بجذبته.
وان هلك بسقوط الثالث عليه فقد هلك بجذبة الأول وجذبة نفسه للثالث فسقط فعل نفسه كالمصطدمين فتجب ديته بكمالها على الأول.
والوجه الثانى يجب على الأول نصف ديته ويهدر نصفها فى مقابلة فعل نفسه
стр. 3802
ويتخرج وجه ثالث وهو وجوب نصف ديته على عاقلته لورثته، كما اذا رمى ثلاثة المنجنيق فقتل الحجر أحدهم.
وأما الأول اذا مات بوقوعهما عليه ففيه الأوجه الثلاثة ..
وان جذب الثالث رابعا فمات جميعهم لوقوع بعضهم على بعض فلا شئ على الرابع، لأنه لم يفعل شيئا فى نفسه ولا غيره، وفى ديته وجهان.
أحدهما: أنها على عاقلة الثالث المباشر لجذبه.
وثانيهما: على عاقلة الأول والثانى والثالث، لأنه مات من جذب الثلاثة فكانت ديته على عواقلهم.
وأما الأول فأما أن يلغى فعل نفسه وتجب ديته على الثانى والثالث نصفين، أو يجب على عاقلتهما ثلثاها، ويسقط ما قابل فعل نفسه، أو يجب على عاقلته ثلثها لورثته.
والجاذب الثانى فيه الأوجه المذكورة.
والجاذب الثالث فيه مثل هذه الأوجه الثلاثة، ووجهان أخران.
أن ديته بكمالها على الثانى، لأنه المباشر.
أو أن على عاقلته نصفها ويسقط النصف الثانى فى مقابلة فعله فى نفسه (١).
وان هلكوا بأمر فى البئر مثل أسد كان فيه، وكان الأول جذب الثانى، والثانى جذب الثالث، والثالث جذب الرابع فقتلهم الأسد، فلا شئ على الرابع وديته على عاقلة الثالث.
وقيل: على عواقل الثلاثة أثلاثا. ودم الأول هدر وعلى عاقلته دية الثانى، وأما دية الثالث فعلى الثانى.
وقيل: على الأول والثانى نصفين، وهى مسألة الزبية فقد روى أن قوما من أهل اليمن حفروا زبية للأسد، فاجتمع الناس على رأسها، فهو فيها واحد، فجذب ثانيا، فجذب الثانى ثالثا، ثم جذب الثالث رابعا، فقتلهم الأسد، فرفع ذلك الى على رضى الله عنه، فقال:
للأول ربع الدية، لأنه هلك فوقه ثلاثة، وللثانى ثلث الدية، لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث نصف الدية، لأنه هلك فوقه واحد، وللرابع كمال الدية، وقال: انى أجعل الدية على من حفر رأس البئر، فرفع ذلك إلى النبى ﷺ فقال: هو كما قال (٢).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم فى المحلى: لو أن قوما حفروا فى حائط بحق أو بباطل أو فى معدن أو فى بئر فتردى عليهم الحائط
стр. 3803
أو الجرف فماتوا أو مات بعضهم ..
فان كانوا لم يقصدوا الا العمل لا هدمه على أنفسهم فهم قتله خطأ على عواقلهم كلهم دية لكل من مات فقط، فان لم يكن لهم عواقل فمن سهم الغارمين، أو من كل مال لجميع المسلمين.
أو أن قوما وقفوا على جرف فانهار بأحدهم فتعلق بمن بقربه، وتعلق ذلك بآخر فسقطوا فماتوا، فالمتعلق بصاحبه قاتل خطأ، فالدية على عاقلة المتعلق، فكأن زيدا تعلق بخالد، وتعلق خالد بمحمد، فعلى عاقلة زيد دية خالد، وعلى عاقلة خالد دية محمد فقط، وكذلك أبدا، لأن المتعلق بانسان الى مهلكة قاتل خطأ.
فلو تعلقوا هكذا فوقعوا على أسد، أو ثعبان فقتلهم، فان كان خطأ فلا شئ فى ذلك لأنه ليس من بينهم قاتل خطأ وانما قتلت البهيمة (١) ..
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٢):
إذا حفر رجل بئرا فى موضع، وهو متعد بالحفر فيه - كطريق المسلمين وكملك غيره، ونحو ذلك - فان ما تلف بتلك البئر بالسقوط فيه، فجناية خطأ من الحافر تضمن فيها عاقلته دية من وقع فيها.
فان تعدد الواقعون فلا يخلو أما أن يكونوا متجاذبين أولا، وفى كل واحد من الحالين لا يخلو، أما أن يكونوا متصادمين أولا، ومتى كانت الجناية على أى الحالين عمل بمقتضى الحال من خطأ وعمد، وتخصيص واهدار.
فاذا كانوا متجاذبين متصادمين، كأن يسقط الأول، فجذب ثانيا، ثم الثانى ثالثا ثم الثالث رابعا فماتوا بسقوط بعضهم على بعض، فانه يهدر من الأول سقوط الثانى عليه، لأنه بسببه، وحصته ربع الدية، ويضمن الحافر ربع ديته، والثانى ربعا، والثالث ربعا، ويهدر من الثانى سقوط الثالث عليه، وحصته ثلث الدية، ويضمن الأول ثلث ديته، والثالث ثلثا، ويهدر من الثالث سقوط الرابع عليه، وحصته نصف الدية، ويضمن الثانى نصف ديته، ويضمن الثالث جميع دية الرابع.
وأما اذا كانوا متجاذبين غير متصادمين، فان دية الأول على الحافر، ودية الثانى على الأول ودية الثالث على الثانى ودية الرابع على الثالث.
وأما اذا كانوا غير متجاذبين وصدم بعضهم بعضا، فربع دية الأول على الحافر، وعلى الثلاثة ثلاثة أرباع، ودية
стр. 3804
الثانى على الثالث والرابع نصفين، ودية الثالث على الرابع، ويهدر الرابع.
وأما اذا كانوا غير متجاذبين وغير متصادمين، فان ديتهم كلها على عاقلة الحافر.
مذهب الإمامية:
لو رمى جماعة بالمنجنيق فقتل الحجر أجنبيا، فان قصدوا فهو عمد يجب القصاص به، والا فهو خطأ، والضمان يتعلق بجاذب الحبال، لا بصاحب المنجنيق، ولا بواضع الحجر فى المقلاع، ولا بممسك الخشب، ولا بمن يساعد بغير المد.
ولو عاد الحجر فقتل واحدا منهم فهو شريك فى قتل نفسه.
فان كانوا ثلاثة فعلى كل واحد ثلث الدية، ويسقط ما قابل فعله.
ولو هلكوا أجمع فعلى عاقلة كل نصف دية الباقين.
أما اذا كانوا ثلاثة وقتل به واحد منهم فالوجه أن على عاقلة كل منهم ثلث الدية.
قال فى المبسوط: اذا كانوا عشرة فرموا حجرا بالمنجنيق فقتل واحد منهم، فقد مات بجنايته على نفسه، وجناية التسعة عليه فما قابل جنايته على نفسه، فهو هدر، وما قابل جناية التسعة مضمون على عاقلة كل واحد من التسعة عشر ديته، فيكون لوارثه تسعة أعشار الدية.
وان قتل الحجر اثنين منهم فعلى عاقلة كل واحد من الباقين عشر دية كل من الميتين، فيكون على عاقلة كل من الميتين عشر دية صاحبه، لأنه مات من جنايته على نفسه، وجناية التسعة عليه، والميت أحد التسعة، وعلى عاقلة كل واحد من الباقين عشر دية كل واحد من الميتين، فتكون عاقلة كل واحد من الثمانية قد عقلت خمس الدية: العشر لوارث هذا الميت، والعشر لوارث الميت الآخر، فيحصل لورثة كل واحد من الميتين تسعة أعشار الدية.
وهكذا على هذا الحساب ان قتل الحجر ثلاثة أو أربعة أو تسعة.
فأما ان رجع الحجر فقتلهم أجمعين فعلى عاقلة كل واحد منهم تسعة أعشار الدية لورثة كل ميت العشر، لأن كل واحد منهم مات من جنايته على نفسه، وجناية التسعة عليه فما يقابل جنايته هدر، وما يقابل جناية التسعة عليه مضمون، فيكون على عاقلة كل واحد من الباقين عشر ديته، فيكون لورثة كل واحد تسعة أعشار الدية على تسع عواقل (١).
стр. 3805
ولو اشترك ثلاثة فى هدم حائط فوقع على أحدهم فمات، ضمن الباقيان ديته، لأن كل واحد ضامن لصاحبه. وأصله ما روى عن أمير المؤمنين على ﵇ من أنه قضى فى حائط اشترك فى هدمه ثلاثة نفر فوقع على أحدهم فمات فضمن الباقيين ديته لأن كل واحد منهما ضامن لصاحبه.
والأقرب أن عليهما ثلثى ديته كما هو مختار السرائر والنافع وغيرهما .. وهو الذى استنبطه فى السرائر والمبسوط من مسألة المنجنيق فنسبه اليه ونعم ما استنبط وحكاه فى المختلف عن أبى على، لأنه شريك فى الجناية فيسقط ما قابل فعله، والا لزم أن يضمن الشريك فى الجناية جناية شريكه، وهو باطل، ويمكن حمل الرواية على ذلك، لعدم التصريح فيها بأن عليهما الدية كلها فتحمل على ارادة ثلثيها (١).
ولو جذب شخصا وجذب الثانى ثالثا فماتوا بوقوع كل منهم على صاحبه، فالأول مات بفعله وفعل الثانى، فيسقط نصف ديته، ويضمن الثانى النصف والثانى مات بجذبه الثالث عليه وجذب الأول، فيضمن الأول النصف ولا ضمان على الثالث وللثالث الدية، فان رجحنا المباشرة فديته على الثانى، وان شركنا بين القابض والجاذب فالدية على الأول والثانى نصفين (٢).
أما اذا وقع رجل فتعلق بآخر وتعلق الثانى بالثالث وجذب الثالث رابعا فأكلهم الأسد ففيها عند الإمامية روايتان - على ما جاء فى المختصر النافع بخصوص واقعة الزبية.
الرواية الأولى: رواية محمد بن قيس عن أبى جعفر ﵇ قال قضى أمير المؤمنين على ﵇ فى الأول بأنه فريسة الأسد وغرم أهله ثلث الدية للثانى، وغرم الثانى لأهل الثالث ثلثى الدية وغرم الثالث لأهل الرابع الدية ..
والرواية الثانية هى رواية مسمع عن أبى عبد الله ﵇: أن عليا ﵇ قضى للأول ربع الدية وللثانى ثلث الدية، وللثالث نصف الدية، وللرابع الدية تماما، وجعل ذلك على عاقلة الذين ازدحموا (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل وإن قتل أحدا فريق متعدد اثنان أو ثلاثة، أو أكثر خطأ، لزم عواقلهم الثلث فى كل عام، يعطى كلهم ثلث الدية على رءوسهم كل عام (٤).
(ب)
الاشتراك فى القتل بالتسبب
مذهب الحنفية:
جاء فى المبسوط: اذا استأجر اجراء
стр. 3806
على حفر بئر فى غير فنائه فوقع فيها انسان ومات.
فان كانوا يعلمون أنها من غير فنائه فالضمان عليهم، لأنهم جناة فى الحفر وأمره اياهم بالحفر غير معتبر شرعا، لأنه غير مالك للحفر بنفسه فى هذا الموضع، وانما يعتبر أمره لاثبات صفة الحل ولدفع الغرور عن الحافر به، وقد انعدما جميعا فى هذا الموضع فسقط اعتبار أمره، فكان الضمان على الذين باشروا الحفر.
وان كان فى فنائه فالضمان على الآمر دون الاجراء علموا أو لم يعلموا، لأن أمره فى فنائه معتبر (١).
واذا حفر بئرا فى الطريق ثم جاء آخر فحفر منها طائفة فى أسفلها (أى عمقها) ثم وقع فيها انسان فمات، فانه ينبغى فى القياس أن يضمن الأول، كأنه الدافع، وبه يأخذ محمد، لأن الأول بما حفر من وجه الأرض يصير كالدافع لمن سقط فى القعر الذى حفره صاحبه.
والاستحسان الضمان عليهما، لأن هلاكه كان بسبب فعلهما، فان الواقع فى البئر انما يهلك عند عمق البئر واتمام ذلك بفعل الثانى، وقد انضم فعله الى فعل الأول فى اتمام شرط الاتلاف فيكون الضمان عليهما ..
ولو وسع أحد رأسها فوقع فيها انسان فمات كان الضمان عليهما نصفين.
وتأويل هذا ان الثانى وسع رأسها قليلا على وجه يعلم أن الساقط انما وضع قدمه فى موضع بعضه من حفر الأول وبعضه من حفر الثانى (٢).
واذا سار الرجل على دابة فى الطريق، فنخسها رجل باذن الراكب كانت الدية عليهما جميعا اذا كان فى فورها الذى نخسها فيه، لأنه لما نخس باذن الراكب صار بمنزلة السائق والراكب فكان الضمان عليهما نصفين.
فأما اذا انقطع ذلك الفور كما اذا سارت ساعة وتركها من السوق فالضمان على الراكب خاصة (٣).
واذا أقاد الرجل قطارا فى طريق المسلمين فما وطئ أول القطار وآخره فالقائد ضامن له وان كان معه سائق فالضمان عليهما .. وهما مشتركان فى
стр. 3807
الضمان لاستوائهما فى السبب، وهذا لأن السوق والقود فى الطريق مباح مقيد بشرط السلامة بمنزلة الركوب، فكما أن الراكب يجعل ضامنا بما تلف بسبب يمكن التحرز عنه، فكذلك السائق والقائد.
والمعنى فى الكل أن الدابة فى يده فعليه أن يتحرز عما يمكن التحرز عنه فى صرف الدابة بسوقه أو بقوده.
وان كان معهما سائق للابل وسط القطار فالضمان فى جميع ذلك عليهم أثلاثا، لأن الذى هو فى وسط القطار سائق لما بين يديه، فعليه أن يتحرز عما يمكن التحرز عنه من الابل قائدا لما خلفه، والسائق والقائد فى حكم الضمان سواء، وكذلك ان كان يكون أحيانا فى وسطها، وأحيانا يتقدم وأحيانا يتأخر، لأنه فى جميع هذه الأحوال سائق للقطار أو قائد.
ولو كان الرجل راكبا وسط القطار على بعير ولا يسوق منها شيئا لم يضمن .. وهو معهم فى الضمان فيما أصاب الذى هو عليه وما خلفه.
أما ما فى البعير الذى هو عليه، فلأنه راكب والراكب شريك السائق والقائد فى الضمان.
وأما ما خلفه فلأنه قائد لما خلفه لأن ما خلفه زمامه مربوط ببعيره ومشى البعير الذى هو عليه يضاف الى الراكب فيجعل هو بهذا المعنى كالقائد لما خلفه.
ولو سقط شئ مما تحمل الابل على انسان فقتله أو سقط بالطريق فعثر فمات كان الضمان فى ذلك على الذى يقود الابل وان كان معه سائق فالضمان عليهما (١).
واذا شهد شاهدان على رجل بقتل عمد وقبلت شهادتهما، ثم رجعا بعد القصاص، فعليهما الدية فى مالهما، وذلك أن الشاهد سبب للقتل، والسبب لا يوجب القصاص، كحفر البئر، وهذا لأنه يعتبر فى القصاص المساواة، ولا مساواة بين السبب والمباشرة، فعرفنا أن الشاهد غير مباشر حقيقة ولا حكما (٢)، فاذا لم يجب القود عليهما كان عليهما الدية ان رجعا، وان رجع أحدهما فعليه نصف الدية، لأن كل واحد منهما سبب لاتلاف نصف النفس.
مذهب المالكية:
اذا أمسك انسان شخصا لآخر يبغى قتله، فقتله وكان الممسك يعلم ذلك ولولا امساكه اياه لما تمكن قاتله من قتله - اقتص من الممسك لتسببه كما
стр. 3808
يقتص من القاتل، فان أمسكه لأجل أن يضربه ضربا معتادا أو لم يعلم أنه يقصد قتله لعدم رؤيته آلة القتل معه، أو كان قتله لا يتوقف على امساكه له قتل المباشر وحده وضرب الآخر وحبس سنة.
وقيل: يحبس باجتهاد الحاكم.
وقيل: يجلد مائة فقط.
وكذا يقتل الدال اذا علم أن طالبه يريد قتله، وكان لولا دلالته ما قتل المدلول عليه (١).
ثم يقول الدردير: ويقتل المتسبب مع المباشر أى ولو لم يجتمعا فى وقت الهلاك كحافر البئر لمعين فرداه غيره فيها، ولو كان ذلك من غير تمالؤ بين الحافر والمردى، وكمكره - بكسر الراء ومكره - بفتحها يقتلان معا هذا لتسببه وهذا لمباشرته (٢)، (أنظر اكراه).
واذا شهد اثنان على رجل بأنه قتل شخصا عمدا عدوانا ثم رجعا بعد الحكم والاستيفاء، فقد اختلف المالكية فى ذلك.
فقيل: ان على الشاهدين دية الشخص الذى تسببا فى قتله، حتى لو تعمدا الزور فى شهادتهما، وهذا القول لابن القاسم.
وقال أشهب: يقتص منهما فى العمد.
وقد رجح العلامة خليل هذا الرأى حيث قال: عنه: وهو أقرب، لأنهما قتلا نفسا بغير شبهة.
وعلى قول ابن القاسم يوجعان ضربا، ويطال سجنهما ويغرمان الدية فى مالهما (٣).
مذهب الشافعية:
لو أمسك انسان شخصا فقتله آخر أو حفر بئرا فرداه فيها آخر - وهذه التردية تقتل غالبا، فالقصاص على القاتل، والمردى فقط دون الممسك، والحافر (٤) لأن فعله قد يقع اثر فعل الأول عندئذ لكن عليهما الاثم والتعزير.
أما غير الأهل كمجنون أو سبع ضار فلا أثر له لأنه كالآلة والقود على الأول كما قاله ابن الرفعة.
ولو أكرهه على قطع أو قتل شخص بغير حق فعلى المكره بكسر الراء القصاص، ولا نظر الى أن المكره متسبب
стр. 3809
والمكره مباشر ولا الى أن شريك المخطئ لا قود عليه لأنه معه كالآلة (١).
ولو شهدا على آخر بما يوجب القصاص فى نفس أو طرف أو بردة أو بسرقة فقتل، أو قطع بأمر الحاكم بشهادتهما، ثم رجعا عنها وقالا:
تعمدنا الكذب، وعلمنا أنه يقتل بها لزمهما القصاص، فان عفى عنهما فدية مغلظة، لأنهما تسببا فى اهلاكه بما يقتل غالبا (٢).
مذهب الحنابلة:
اذا أمسك انسان رجلا فقتله آخر فلا خلاف فى أن القاتل يقتل لأنه قتل من يكافئه عمدا بغير حق، وأما الممسك فان لم يعلم ان القاتل يقتله فلا شئ عليه وان كان يعلم أنه سيقتله فقد اختلفت الرواية فيه عن أحمد.
فروى عنه أنه يحبس حتى يموت، لما رواه الدار قطنى باسناده عن ابن عمر أن النبى ﷺ قال: اذا أمسك الرجل وقتله الآخر يقتل الذى قتل ويحبس الذى أمسك، ولأنه حبسه الى الموت فيحبس الآخر الى الموت، كما لو حبسه عن الطعام والشراب حتى مات فاننا نفعل ذلك به حتى يموت.
وروى عن أحمد أنه يقتل أيضا لأنه لو لم يمسكه ما قدر على قتله وبامساكه تمكن من قتله، فالقتل حاصل بفعلهما، فيكونان شريكين فيه فيجب عليهما القصاص.
وقد رجح ابن قدامة الرواية (٣) الأولى.
ولو أمر صبيا لا يميز أو مجنونا أنه يقتل الآمر دون المباشر (٤).
وان وضع رجل حجرا، وحفر آخر بئرا، أو نصب سكينا فعثر آخر بالحجر، فوقع فى البئر أو على السكين، فهلك فالضمان على واضع الحجر دون الحافر وناصب السكين، لأن واضع الحجر كالدافع له، واذا اجتمع الحافر والدافع فالضمان على الدافع وحده (٥).
وان شهد رجلان على رجل بجرح، أو قتل، أو سرقه قد توجب القطع، أو زنا يوجب الرجم أو الجلد ونحو ذلك فاقتص منه، أو قطع بالسرقة، أو حد، فأفضى الى تلفه، ثم رجعا عن الشهادة لزمهما ضمان ما تلف بشهادتهما كالشريكين فى الفعل، ويكون الضمان فى مالهما لا تحمله عاقلتهما، لأنها لا تحمل اعترافا، وهذا ثبت باعترافهما.
стр. 3810
وقد روى عن على رضى الله عنه أن شاهدين شهدا عنده على رجل بالسرقة فقطعه، ثم أتيا بآخر فقالا: يا أمير المؤمنين ليس ذاك السارق، انما هذا هو السارق فأغرمهما دية الأول، وقال:
لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما، ولم يقبل قولهما فى الثانى.
وان أكره رجل رجلا على قتل انسان فقتله فصار الأمر الى الدية فهى عليهما لأنهما كالشريكين، ولهذا وجب عليهما (١) القصاص (انظر اكراه).
مذهب الظاهرية:
اذا أمسك انسان رجلا فقتله آخر - فيقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت، لأن الممسك حبس انسانا حتى مات، وقد قال الله تعالى: ﴿(وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ)﴾ فكان الممسك للقتل سببا ومتعديا، فعليه مثل ما فعل، فواجب أن يفعل به مثل ما فعل، فيمسك محبوسا حتى يموت (٢).
وان أمر غيره بقتل انسان فقتله المأمور: فان كان متولى القتل مطيعا للآمر منفذا لأمره، ولولا أمره اياه لم يقتله، صح أنهما جميعا قاتلان، واذن يكون عليهما جميعا ما على القاتل من القود، سواء فى ذلك الآمر والمأمور.
وأما اذا أمره ففعل ذلك باختياره، لا طاعة للآمر، فالمباشر وحده هو القاتل فعليه القود وحده، ولا شئ على الآمر، لأنه لا خلاف فى أنه لا يقع عليه ههنا اسم قاتل .. وانما الأحكام للأسماء فقط (٣).
ومن أعطى أحمق سكينا فقتل به قوما، فلا شئ فى ذلك - على المعطى - لأنه لم يباشر شيئا من الجناية فلا يسمى قاتلا.
فلو أنه أمر الأحمق بقتل انسان بعينه فقتله، فان كان الأحمق فعل ذلك طاعة له، وكان ذلك معروفا فهو آمر، والآمر عليه القود، وان لم يفعل ذلك طائعا له، فلا شئ فى ذلك، لأنه لم يكن لا عن أمره ولا عن فعله (٤).
مذهب الزيدية:
اذا وضع رجل فى الطريق حجرا، وآخر سكينا، فعثر رجل بالحجر، فقتله السكين، فالضمان على واضع السكين، اذ مات بها.
ولو وضع ثلاثة ثلاثا فعثر بأحدها ومات باثنتين فالدية على واضعى الجحرين مناصفة، لأن الموت حصل بجناية الحجرين فهما كالمباشر مع السبب.
стр. 3811
ولو نصب فى ملكه سكينا ووضع غيره حجرا متعديا فهلك بالسكين من عثر بالحجر فالضمان على واضع الحجر لتعديه، اذ الحجر كالدافع على السكين، وكذا ما أشبهه (١).
ومن عثر بحجر وضع تعديا فوقع فى بئر كذلك ضمن واضع الحجر اذ هو كالدافع.
ومن سقط فى بئر حفر تعديا فجر آخر فماتا جميعا بالتصادم والهواء ضمن الحافر نصف دية الأول (الجاذب)، وهدر النصف، اذ مات بسببين: منه ومن الحافر.
وقيل: لا شئ على الحافر، اذ هو فاعل سبب، والجذب مباشرة.
وأما المجذوب فديته على الجاذب قولا واحدا اذ هو المباشر (٢) ..
ولو شهد اثنان على آخر بسرقة فقطعت يده، ثم رجعا عن شهادتهما، أو قالا: أخطأنا والسارق شخص آخر - فعليهما دية اليد مناصفة كما تدل على ذلك أثر على المشهور (٣).
مذهب الإمامية:
لو حفر بئرا قريب العمق فعمقها غيره فالضمان على الأول، أو يشتركان.
وجه كون الضمان على الحافر الأول:
أنه أسبق السببين، فيحال عليه، وهو مختار التحرير والارشاد مع احتمال الاشتراك فيهما.
وجه الاشتراك: أن التلف استند الى سبب فان المتلف انما هو التردى بمالها من العمق.
وعلى تقدير الاشتراك فالظاهر أن الضمان عليهما بالسوية.
ويحتمل التوزيع على القدر الذى أحدثه كل منهما.
ثم ان احتمال الاشتراك لعله انما يجرى اذا كان ما أحدثه الثانى مما يستند اليه التلف عادة بأن لا يكون قليلا جدا.
أما الأول فلابد من حفره حتى يبلغ ما يسمى بئرا فانه المفروض (٤).
كما ذهب الى أنه اذا اجتمع المباشر والسبب ضمن المباشر كالدافع مع الحافر، والممسك مع الذابح وواضع الحجر فى الكفة مع جاذب المنجنيق (٥).
ولو اجتمع سببان متساويان فى العدوان مختلفان فى التقديم والتأخير بالنسبة الى الجناية، فانه يقدم الأول
стр. 3812
منهما فى الضمان وان تأخر حدوثه عن الآخر.
ولو حفر بئرا فى طريق مسلوك ونصب آخر حجرا فتعثر به انسان فوقع فى البئر فمات، ضمن واضع الحجر، لأن العثار بالحجر هو الذى الجأه الى الوقوع فى البئر فكان هو المهلك بواسطة الوقوع، وقد تحققت نسبة الضمان اليه قبل الآخر فيستصحب.
ولو نصب سكينا فى بئر محفورة فتردى انسان فمات بالسكين فالضمان على الحافر، فانه بمنزلة الموقع له على السكين (١).
مذهب الإباضية:
اذا أمسك الرجل شخصا وقتله رجل آخر غير الممسك له فان القود على الذى قتل والحبس للذى أمسك، لما روى عن ابن عمر عن النبى ﷺ :
إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذى قتل ويحبس الذى أمسك.
وعن الشيخ أبى سليمان ﵀ يقتل فى الرجل خمسة رجال: من ضربه، ومن أشغله حتى ضربه الآخرون، ومن أشار اليه بالأصبع، ومن رده اليهم، ومن أمسكه (٢).
ولكن أن أمسكه واحد يظن أنهم يؤدبونه فلا يقتل.
ولو رجع الشهود عن شهادتهم بعد القصاص فعلى ولى القتيل الأول الدية لورثه من اقتص منه، ويرجع الولى على الشهود.
وقيل: تجب الدية على الشهود بلا رجوع بذلك على ولى القتيل الأول.
وهذا هو الصحيح: لأن الولى لم يتعمد ولم يخطئ.
وقيل: يجوز لولى القتيل الثانى قتل الشهود (٣).
ومن أكره على قتل فقيل يقتل هو، أو مكرهه، أو كلاهما ان كان فتكا.
وقيل: يدرأ القتل على الذى أكرهه غيره (انظر اكراه).
ومن أمر صبى غيره فعليه القود.
وقيل: الدية.
وقيل: اذا أمر الجبار رجلا بالقتل فللولى قتل من شاء منهما.
وقيل: يقتل القاتل وان لم يقدر عليه فالدية على الآمر.
وقيل يقتله ان لم يقدر على القاتل.
стр. 3813
وقيل: عليه القود وعلى القاتل الدية ان أجبر (١).
الاشتراك فى الاعتداء على ما دون النفس
مذهب الحنفية:
لا تقطع يدان بيد واحدة للتفاوت فى البدل والتفاوت فى المقدار، وتأثير التفاوت فى المقدار فيما يعتبر فيه المماثلة أكثر من تأثير التفاوت فى الصفة.
ثم التفاوت فى الصفة ها هنا يمنع استيفاء الأكمل بالأنقص كالصحيحة بالشلاء، فالتفاوت فى المقدار أولى.
فكل واحد منهما قاطع بعض اليد سواء اختلف محل الفعل أو اتحد، لأن القطع هو الفعل بين متصلين، ولهذا يطلق هذا الاسم على الخشب والنبات والجبال.
ونحن نتيقن أن ما انقطع بفعل أحدهما لم ينقطع بفعل الآخر، ولا معتبر بأمرار كل واحد منهما السلاح على جميع العضو، لأن امرار السلاح من غير حصول القطع به وجوده كعدمه، وما انقطع بقوة أحدهما لم ينقطع بقوة الآخر.
هذا شئ يعرفه كل عاقل، فعرفنا أن كل واحد منهما قاطع بعض اليد، ولا يجوز أن يقطع جميع يده بقطعه بعض اليد، لأن المساواة فى الفعل معتبرة لا محالة.
والدليل عليه أن القطع فى الجملة مما يحتمل الوصف بالتجزى، وما يحتمل الوصف بالتجزى اذا اشترك فيه اثنان يضاف الى كل واحد منهما بعضه، وان حصل على وجه غير متجزى.
وأما النفس فالقياس فيها هكذا.
ولكن تركنا القياس بالأثر وهو حديث عمر، والمخصوص من القياس بالأثر لا يلحق به الا أن يكون فى معناه من كل وجه، لأن الفعل فى النفس لا يحتمل الوصف بالتجزى بحال والفعل فى الطرف يحتمل الوصف بالتجزى، ألا ترى أنه يتحقق أن يقطع بعض اليد ويترك ما بقى، وفى النفس لا يتحقق ازهاق بعض الحياة دون البعض، فلعدم احتمال التجزى هناك يجعل كاملا فى حق كل منهما، ولاحتمال التجزى ها هنا يجعل كل واحد منهما قاطعا للبعض، اذ أن الفعل فى النفس يكمل بسراية فعله، فانه لو جرح فسرى الى النفس كان مباشرا قتله، والفعل فى الطرف لا يكمل بسراية الفعل، وأنه لو قطع فسرى الى ما بقى حتى سقط لا يلزمه القصاص، وسراية فعله أقرب الى فعله من فعل شريكه، فاذا لم يجز تكميل فعله بسراية فعله فى حكم القصاص، فلأن لا يجوز تكميله بفعل شريكه أولى ولا معنى لاعتبار الزجر، فان معنى الزجر معتبر بعد وجود المماثلة، بدليل أنه لا تقطع يد الحر بيد العبد، ولا الصحيحة بالشلاء، لانعدام المماثلة وان وقعت الحاجة الى الزجر، ولأن
стр. 3814
المشتركين فى أدنى ما يتعلق به القطع لا يلزمهما القطع، كما لو اشترك رجلان فى سرقة نصاب واحد لا يقطع واحد منهما وان كان المسروق درة لا تحتمل التجزى، وبه فارق النفس، فان المشتركين فى أدنى ما يوجب القتل حقا لله تعالى يلزمهما القتل نحو ما اذا اشتركا فى قتل رجل فى قطع الطريق فيعتبر حق العبد بحق الله تعالى فى الفعلين جميعا.
واذا ثبت أنه لا يجب القصاص عليهما قلنا يجب على كل منهما نصف دية اليد فى ماله، لأنا نتيقن أن كل واحد منهما قاطع للنصف والفعل عمد.
وكذلك اذا وضع كل واحد منهما السكين من جانب فانا علمنا أن كل واحد منهما قطع نصف اليد فيلزمه نصف الدية، وانما يصار الى حكومة العدل اذا لم يعلم أن كل ما قطعه كل واحد منهما قدر النصف (١).
مذهب المالكية:
اذا اشترك جماعة فى جناية على شخص فيما دون النفس، بلا تمالؤ وتميزت جناية كل واحد منهم فمن كل يقتص بقدر فعله مساحة ولا ينظر لتفاوت العضو بالرقة والغلظ (٢).
ويقول الدسوقى: أنه يقتص من كل واحد بمساحة ما جرح، ولا يضر كون المساحة قد تكون ثلث عضو المجنى عليه ونصف عضو الجانى وبالعكس.
ثم يقول الدردير: (بقى النظر فيما اذا لم تتميز فهل يلزمهم دية الجميع، أو يقتص من كل بقدر الجميع، لكن الثانى بعيد جدا، اذ لو كانوا ثلاثة قلع أحدهم عينه، والثانى قطع يده، والثالث قطع رجله ولم يتميز فعل كل واحد لزم قلع عين كل واحد وقطع يده ورجله مع أنه لم يجن الا على عضو فقط.
وأما ان تمالؤا فانه يقتص من كل بقدر الجميع تميزت أم لا.
فاذا تعدد العضو المجنى عليه بأن قلع واحد عينه وواحد قطع رجله وكانا متمالئين على قطع عينه وقطع رجله، فانه تقلع عين كل واحد منهما، وتقطع رجله.
واذا اتحد العضو المجنى عليه كما اذا تمالآ جماعة على قطع شخص فانه يقطع كل واحد (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: ولو وضع جماعة أو عدد منهم .. سيفا مثلا على
стр. 3815
يد انسان وتحاملوا كلهم عليه دفعة ..
فأبانوها ولو بالقوة قطعوا، كما لو اجتمعوا على قتل نفس.
وانما اشترط فى قطع السرقة أن يخص كلا من المشتركين نصاب، لأن التوزيع ممكن ثم لاهنا، على أن حق الله يتسامح فيه أكثر (١).
ويقول الامام الشافعى فأما ان قطع هذا يده من أعلاها الى النصف، وهذا من أسفلها حتى أبانها، فلا تقطع أيديهما، ويحز من هذا بقدر ما حز من يده، ومن هذا بقدر ما حز من يده ان كان هذا يستطاع (٢)، فان لم يستطع ذلك فعلى كل منهما حكومة تليق بجنايته بحيث يكون مجموع الحكومتين دية اليد، أى ان عرفت جناية كل منهما، والا فيحتاط القاضى فى فرضه، بحيث لا يحصل ظلم لأحدهما ولا نقص لمجموع الحكومتين عن الدية، فان لم يظهر للقاضى شئ فينبغى أن يسوى بينهما فى الحكومة (٣).
ولو أوضحه جمع بأن تحاملوا على آلة وجروها معا أوضح من كل واحد منهم مثل موضحته لا قسطه منها فقط اذ ما من جزء الا وكل منهم جان عليه، فأشبه ما لو اشتركوا فى قطع عضو، فلو آل الأمر للدية وجب على كل أرش كامل، كما رجحه أمام الحرمين الجوينى، وجزم به فى الأنوار.
وقال الأذرعى أنه المذهب خلافا للبغوى والماوردى.
وقيل: يوضح قسطه من الموضحة لامكان التجزى بخلاف القتل.
ورد: بأنه لا نظر لامكانه مع وجود موضحة كاملة من كل.
مذهب الحنابلة:
اذا اشترك جماعة فى موجب للقصاص فيما دون النفس وجب القصاص على جميعهم (٤). لأثر على فيمن شهدا على انسان بسرقة فقطعت يده ثم رجعا عن شهادتهما - اذ قال: لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما، ولأنه أحد نوعى القصاص فتؤخذ الجماعة بالواحد كالأنفس ووجوب القصاص على المشتركين فى الطرف انما يكون اذا اشتركوا فيه على وجه لا يتميز فعل أحدهم عن فعل الآخر، اما بأن يشهدوا عليه بما يوجب قطعه فيقطع، ثم يرجعون عن الشهادة أو يكرهوا انسانا على قطع طرف فيجب قطع المكرهين كلهم والمكره أو يلقوا صخرة على طرف انسان فيقطعه، أو يقطعوا يدا أو يقلعوا عينا بضربة واحدة، أو يضعوا حديدة على مفصل ويتحاملوا
стр. 3816
عليها جميعا، أو يمدوها فتبين، فان قطع كل واحد منهم من جانب أو قطع أحدهم بعض المفصل وأتمه غيره، أو ضرب كل واحد ضربة أو وضعوا منشارا على مفصله ثم مده كل واحد اليه مرة مرة حتى بانت اليد، فلا قصاص فيه، لأن كل واحد منهم لم يقطع اليد ولم يشارك فى قطع جميعها، وان كان فعل كل واحد منهم يمكن الاقتصاص بمفرده منه اقتص منه (١).
وقيل: لا تقطع يدان بيد واحدة ويتعين ذلك وجها فى مذهب أحمد وقد رجح ابن قدامة الوجه الأول (٢).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم من أمسك آخر حتى فقئت عينه أو قطع عضوه أو ضرب ..
فالحكم فى هذا هو أن يقتص من الفاقئ والكاسر والقاطع والضارب بمثل ما فعل، ويعزر الممسك ويسجن على ما يراه الحاكم (٣).
ومن أمره غيره بقطع يد انسان آخر فالآمر بالقطع يسمى فى اللغة والشريعة قاطعا متى كان متولى القطع مطيعا للآمر منفذا لأمره، ولولا أمره اياه لم يفعل وعندئذ فعليهما جميعا - أى الآمر والمأمور - القود.
وأما اذا أمره ففعل ذلك باختياره لا طاعة للآمر فالمباشر وحده القاطع والجانى فعليه القود وحده ولا شئ على الآمر، لأنه لا خلاف فى أنه لا يقع عليه ههنا اسم قاطع وانما الأحكام للأسماء فقط (٤).
مذهب الزيدية:
اذا قطع جماعة يد رجل ولم يتميز فعل بعضهم من بعض بل أجروا السيف معا ونحو ذلك قطعوا جميعا كالنفس، لأثر على فى الشاهدين بالسرقة، فان قطع أحدهما بعض العضو ثم أبانه الآخر أو وضع أحدهما السكين من جانب، والآخر من الجانب الآخر، ثم أباناه، فلا قصاص على أيهما اذ كل منهما قاطع بعضا فلا تؤخذ كل يده ببعض يد (٥).
ولو اشترك رجلان فى موضحتين ثم أزال أحدهما الحاجز فعلى المزيل نصف أرش موضحة، وعلى الثانى موضحة كاملة (٦).
ومن جنى جائفة ثم أدخل آخر فيها سكينا فلا شئ عليه الا التعزيز، فان وسعها ظاهرا وباطنا فجائفة أخرى، وان وسعها فى احدهما - أى أحد الوجهين الظاهر أو الباطن - فحكومة (٧).
стр. 3817
مذهب الإمامية:
يقتص من الجماعة فى الأطراف كما يقتص فى النفس بلا خلاف ولا اشكال.
فلو اجتمع جماعة على قطع يد انسان أو قلع عينه فله الاقتصاص منهم جميعا بعد رد ما يفضل لكل واحد منهم عن جنايته وله الاقتصاص من واحد ويرد الباقون دية جنايتهم - نحو ما هو مقرر فى النفس - ولصحيح أبى مريم الانصارى عن أبى جعفر ﵇ فى رجلين اجتمعا على قطع يد رجل قال: ان أحب أن يقطعهما أدى اليهما دية يد يقتسمانها ثم يقطعهما، وان أحب أخذ منهما دية يده وان قطع يد أحدهما رد الذى لم تقطع يده على الذى قطعت يده نصف الدية.
وبالجملة فلا أشكال فى اتحاد الطرف والنفس فى ذلك (١).
واذا أوضحه موضحتين .. وجاء آخر فأوصل ما بينهما فعلى الأول ديتان وعلى الثانى دية واحدة (٢).
ولو أوضحه فهشمه فيها آخر ثم نقل (٣) ثالث ثم أم رابع (٤) فعلى الأول خمسة أبعرة وعلى الثانى خمسة أيضا وكذا على الثالث وعلى الرابع ثمانية عشر كمال دية المأمومة (٥).
مذهب الإباضية:
ان قطع رجلان يد آخر كان له أخذ ديتها أو قطع يد أحدهما: اليمنى ان قطعت يمناه، أو اليسرى ان قطعت يسراه ولمن قطعت يده أخذ نصف ديتها من الآخر.
وقيل: يقطع لكل يدا، لأن كل منهما قاطع.
وقيل: له عليهما دية يده لا القطع، لأنه ان قطع لكل يدا فقد زاد، لأن المقطوع يد واحدة وان أراد القطع لواحدة فعلى أى منهما يسلط وقد اجتمعا عليه؟
وقيل: له ديتها على كل منهما (٦).
وان جرحه الأول سمحاقا (٧) .. وأوضح الثانى الجرح أو السمحاق .. لزم الأول أرش السمحاق ولزم الثانى ما بينهما - أى ما بين السمحاق والموضحة يعنى ما فضلت به الموضحة عن السمحاق وهو بعيران وكذا غيرهما من الجراحات، وكذا جارحون ثلاثة فصاعدا وسواء فى ذلك أتوالى النوعان من الجراحات أو حصل بينهما نوع فصاعدا مثل أن يجرحه الأول باضعة (٨) والثانى سمحاقا (٩).
стр. 3818
٢ - الاشتراك فى جريمة السرقة
مذهب الحنفية:
اذا اشترك جماعة فى سرقة فأصاب كل واحد منهم عشرة دراهم قطع كل منهم، لأن الموجب للقطع سرقة النصاب، ويجب القطع على كل واحد منهم بجنايته فيعتبر كمال النصاب فى حقه (١)، وان لم يصب كل واحد منهم نصابا فلا قطع، لأن القطع لكل سارق بسرقته نصابا ولم يوجد فلا يجب الحد (٢).
واذا نقب اللص البيت فدخل وأخذ المال وناوله آخر خارج البيت - عند النقب أو على الباب - فلا قطع عليهما، لاعتراض يد معتبرة على المال المسروق قبل خروج الداخل، والثانى لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد، وسواء فى ذلك اخراج الداخل يده الى الخارج أو ادخال الخارج يده.
وعن أبى يوسف ﵀ ان أخرج الداخل يده وناولها الخارج فالقطع على الداخل وأن ادخل الخارج يده فتناولها من الداخل فعليهما القطع (٣).
وقال الكمال: والوجه أن يقطع الداخل كما روى عن أبى يوسف، لأنه دخل الحرز وأخرج المال منه بنفسه، وكونه لم يخرج كله معه لا أثر له فى ثبوت الشبهة فى السرقة واخراج المال - بمعنى أن ذلك لا يورث شبهة فى السرقة، لأنه هتك الحرز وأخرج المال بالفعل.
وما قيل: ان السرقة تمت بفعل الداخل والخارج ثم الخارج لا يقطع فكذا الداخل - هذا القول - ممنوع بل السرقة تمت بالداخل وحده، وانما تتم بهما اذا أدخل الخارج يده فأخذها وفيه قال أبو يوسف يقطعان.
واذا دخل الحرز جماعة فتولى بعضهم الأخذ قطعوا جميعا، وهذا استحسان
والقياس أن يقطع الحامل وحده وهو قول زفر رحمة الله، لأن الاخراج وجد منه فتمت السرقة به.
ووجه الاستحسان أن الاخراج وان قام به وحده لكنه فى المعنى من الكل، لتعاونهم كما فى السرقة الكبرى.
فاذا باشر بعضهم القتل والأخذ، والباقون وقوف يجب حد قطع الطريق على الكل لنسبة الفعل الى الكل شرعا بسبب معاونتهم، اذ أن قدرة القاتل والآخذ انما هى بهم فكذا هذا، فان السراق يعتادون ذلك فيتفرغ غير الحامل للدفع فكان مثله، ولأن المعتاد فيما بينهم أن يحمل البعض المتاع ويتشمر الباقون للدفع فلو امتنع القطع، لأدى الى سد باب الحد (٤).
стр. 3819
واذا اشتركوا واتفقوا على فعل السرقة لكن دخل واحد منهم البيت وأخرج المتاع ولم يدخل غيره فالقطع على من دخل البيت، وأخرج المتاع أن عرف بعينه وأن لم يعرف فعليهم التعزير، ولا يقطع واحد منهم وان كان غير الداخل يعين الداخل (١)
وان سرق رجلان ثوبا يساوى عشرة من رجل لم يقطعا، لأن سرقة كل واحد منهما نصف النصاب وأنه عند تعدد السراق لا يصيب كل واحد منهم الا شئ يسير قل ما يرغب فيه، ولا تقطع اليد فى الشئ التافه ..
وان كانت قيمة الثوب بحيث يبلغ نصيب كل واحد من السارقين منه عشرة دراهم فانه يقطع كل واحد منهما، لأن التعاون مما يزيد رغبة السارق فى الاجتراء على السرقة فالحاجة الى شرع الزجر فى هذه الحالة أظهر (٢).
واذا سرق رجلان من رجل ثوبا وأحدهما أب المسروق منه لم يقطع واحد منهما.
أما الأب فللتأول له فى مال ولده بظاهر قوله ﷺ أنت ومالك لأبيك، ولأنه قد يدخل بيته من غير استئذان عادة فلا يكون بيته حرزا فى حقه، والسرقة فعل من السارق.
فاذا امتنع وجوب القطع على أحدهما للشبهة يمتنع وجوبه على الآخر للشركة وهو نظير ما قالوه فى الأب والأجنبى اذا اشتركا فى قتل الولد .. لم يجب القصاص على واحد منهما (٣).
واذا شهد شاهدان على رجلين أنهما سرقا من هذا الرجل ألف درهم وأحد الرجلين غائب قطع الحاضر، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى الأخير وهو قولهما.
وفى قوله الأول لا يقطع ..
وجه قول الأول: أن الغائب لو حضر ربما يدعى شبهة يدرأ بها القطع عن نفسه وعن الحاضر، فلو قطعنا الحاضر قطعناه مع الشبهة وذا لا يجوز كقصاص مشترك بين حاضر وغائب لا يكون للحاضر أن يستوفيه حتى يحضر الغائب.
ووجه قوله الآخر: أن السرقة ظهرت على الحاضر بالبينة أو بالاقرار فيستوفى الامام حق الله تعالى، وهذا لأن السراق يحضرون وقل ما يحضرون، بل فى العادة يهربون، وبعضهم يوجد، وبعضهم لا يوجد، فلو لم يقطع الحاضر أدى الى سد باب هذا الحد وما من شبهة يدعيها الغائب الا والحاضر يتمكن من أن يدعى ذلك، والشبهة التى يتوهم اعتراضها لا تمنع الاستيفاء فان جاء الغائب بعد ذلك لا يقطع بالشهادة الأولى حتى تعاد تلك البينة عليه أو غيرها
стр. 3820
فيقطع حينئذ، لأن تلك البينة فى حق الغائب قامت بغير محضر من الخصم فان الحاضر لا ينتصب خصما عنه: أما لأن النيابة فى الخصومة فى الحد لا تجرى، أو لأنه ليس من ضرورة ثبوت السرقة على الحاضر ثبوتها على الغائب، فلهذا يشترط اعادة البينة على الغائب ليقطع (١).
واذا أقر رجلان بسرقة ثم قال أحدهما:
هو مالى لم يقطعا، لأن الرجوع عامل فى حق الراجع منهما ويورث الشبهة فى حق الآخر، ولأن السرقة ثبتت باقرارهما على الشركة فتتحد الشبهة فيهما (٢).
مذهب المالكية:
اذا اشترك سارقان أو أكثر فى حمل مسروق واخراجه من حرزه، فان نال كل واحد منهما نصاب من المسروق لو قسم بينهما قطعا، سواء استطاع كل منهما وحده حمله واخراجه من الحرز أم لا وأن لم ينل كل واحد نصاب.
فان استطاع كل منهما حمله واخراجه من حرزه وحده فلا قطع.
وان لم يستطع ذلك واشتركا فى اخراجه فانهما يقطعان معا (٣).
وكذا القطع على جماعة رفعوه على ظهر أحدهم فى الحرز ثم خرج به اذا لم يقدر على اخراجه الا برفعهم معه، ويصيرون كأنهم حملوه على دابة فانهم يقطعون اذا تعاونوا على رفعه عليها.
وأما لو حملوه على ظهر أحدهم وهو قادر على حمله على ظهره بدونهم كما اذا كان المسروق ثوبا قطع وحده.
ولو خرج كل واحد منهم من الحرز حاملا لشئ دون الآخر وهم شركاء فيما أخرجوه لم يقطع منهم الا من أخرج ما قيمته ثلاثة دراهم (٤).
ولا قطع على داخل فى حرز تناول النصاب منه شخص خارج الحرز - بأن مد يده لداخل الحرز فناوله الداخل.
وانما يقطع الخارج، لأنه الذى أخرجه من حرزه.
فان لم يمد الخارج يده وانما ناوله الداخل بمد يده له خارج الحرز قطع الداخل فقط لأنه الذى أخرجه من الحرز (٥)
واذا نقب السارق الحرز فقط ولم يخرج النصاب منه فانه لا يقطع، فلو أخرج غيره النصاب من ذلك النقب فلا قطع على ذلك الغير أيضا، لأن النقب يصير المال فى غير حرز. وهذا اذا لم يتفقا على أن أحدهما ينقب والآخر يخرجه من الحرز، فان اتفقا على ذلك قطع المخرج فقط على ما فى المدونة (٦).