عليها جميعا، أو يمدوها فتبين، فان قطع كل واحد منهم من جانب أو قطع أحدهم بعض المفصل وأتمه غيره، أو ضرب كل واحد ضربة أو وضعوا منشارا على مفصله ثم مده كل واحد اليه مرة مرة حتى بانت اليد، فلا قصاص فيه، لأن كل واحد منهم لم يقطع اليد ولم يشارك فى قطع جميعها، وان كان فعل كل واحد منهم يمكن الاقتصاص بمفرده منه اقتص منه (١).
وقيل: لا تقطع يدان بيد واحدة ويتعين ذلك وجها فى مذهب أحمد وقد رجح ابن قدامة الوجه الأول (٢).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم من أمسك آخر حتى فقئت عينه أو قطع عضوه أو ضرب ..
فالحكم فى هذا هو أن يقتص من الفاقئ والكاسر والقاطع والضارب بمثل ما فعل، ويعزر الممسك ويسجن على ما يراه الحاكم (٣).
ومن أمره غيره بقطع يد انسان آخر فالآمر بالقطع يسمى فى اللغة والشريعة قاطعا متى كان متولى القطع مطيعا للآمر منفذا لأمره، ولولا أمره اياه لم يفعل وعندئذ فعليهما جميعا - أى الآمر والمأمور - القود.
وأما اذا أمره ففعل ذلك باختياره لا طاعة للآمر فالمباشر وحده القاطع والجانى فعليه القود وحده ولا شئ على الآمر، لأنه لا خلاف فى أنه لا يقع عليه ههنا اسم قاطع وانما الأحكام للأسماء فقط (٤).
مذهب الزيدية:
اذا قطع جماعة يد رجل ولم يتميز فعل بعضهم من بعض بل أجروا السيف معا ونحو ذلك قطعوا جميعا كالنفس، لأثر على فى الشاهدين بالسرقة، فان قطع أحدهما بعض العضو ثم أبانه الآخر أو وضع أحدهما السكين من جانب، والآخر من الجانب الآخر، ثم أباناه، فلا قصاص على أيهما اذ كل منهما قاطع بعضا فلا تؤخذ كل يده ببعض يد (٥).
ولو اشترك رجلان فى موضحتين ثم أزال أحدهما الحاجز فعلى المزيل نصف أرش موضحة، وعلى الثانى موضحة كاملة (٦).
ومن جنى جائفة ثم أدخل آخر فيها سكينا فلا شئ عليه الا التعزيز، فان وسعها ظاهرا وباطنا فجائفة أخرى، وان وسعها فى احدهما - أى أحد الوجهين الظاهر أو الباطن - فحكومة (٧).
стр. 3817
مذهب الإمامية:
يقتص من الجماعة فى الأطراف كما يقتص فى النفس بلا خلاف ولا اشكال.
فلو اجتمع جماعة على قطع يد انسان أو قلع عينه فله الاقتصاص منهم جميعا بعد رد ما يفضل لكل واحد منهم عن جنايته وله الاقتصاص من واحد ويرد الباقون دية جنايتهم - نحو ما هو مقرر فى النفس - ولصحيح أبى مريم الانصارى عن أبى جعفر ﵇ فى رجلين اجتمعا على قطع يد رجل قال: ان أحب أن يقطعهما أدى اليهما دية يد يقتسمانها ثم يقطعهما، وان أحب أخذ منهما دية يده وان قطع يد أحدهما رد الذى لم تقطع يده على الذى قطعت يده نصف الدية.
وبالجملة فلا أشكال فى اتحاد الطرف والنفس فى ذلك (١).
واذا أوضحه موضحتين .. وجاء آخر فأوصل ما بينهما فعلى الأول ديتان وعلى الثانى دية واحدة (٢).
ولو أوضحه فهشمه فيها آخر ثم نقل (٣) ثالث ثم أم رابع (٤) فعلى الأول خمسة أبعرة وعلى الثانى خمسة أيضا وكذا على الثالث وعلى الرابع ثمانية عشر كمال دية المأمومة (٥).
مذهب الإباضية:
ان قطع رجلان يد آخر كان له أخذ ديتها أو قطع يد أحدهما: اليمنى ان قطعت يمناه، أو اليسرى ان قطعت يسراه ولمن قطعت يده أخذ نصف ديتها من الآخر.
وقيل: يقطع لكل يدا، لأن كل منهما قاطع.
وقيل: له عليهما دية يده لا القطع، لأنه ان قطع لكل يدا فقد زاد، لأن المقطوع يد واحدة وان أراد القطع لواحدة فعلى أى منهما يسلط وقد اجتمعا عليه؟
وقيل: له ديتها على كل منهما (٦).
وان جرحه الأول سمحاقا (٧) .. وأوضح الثانى الجرح أو السمحاق .. لزم الأول أرش السمحاق ولزم الثانى ما بينهما - أى ما بين السمحاق والموضحة يعنى ما فضلت به الموضحة عن السمحاق وهو بعيران وكذا غيرهما من الجراحات، وكذا جارحون ثلاثة فصاعدا وسواء فى ذلك أتوالى النوعان من الجراحات أو حصل بينهما نوع فصاعدا مثل أن يجرحه الأول باضعة (٨) والثانى سمحاقا (٩).
стр. 3818
٢ - الاشتراك فى جريمة السرقة
مذهب الحنفية:
اذا اشترك جماعة فى سرقة فأصاب كل واحد منهم عشرة دراهم قطع كل منهم، لأن الموجب للقطع سرقة النصاب، ويجب القطع على كل واحد منهم بجنايته فيعتبر كمال النصاب فى حقه (١)، وان لم يصب كل واحد منهم نصابا فلا قطع، لأن القطع لكل سارق بسرقته نصابا ولم يوجد فلا يجب الحد (٢).
واذا نقب اللص البيت فدخل وأخذ المال وناوله آخر خارج البيت - عند النقب أو على الباب - فلا قطع عليهما، لاعتراض يد معتبرة على المال المسروق قبل خروج الداخل، والثانى لم يوجد منه هتك الحرز، فلم تتم السرقة من كل واحد، وسواء فى ذلك اخراج الداخل يده الى الخارج أو ادخال الخارج يده.
وعن أبى يوسف ﵀ ان أخرج الداخل يده وناولها الخارج فالقطع على الداخل وأن ادخل الخارج يده فتناولها من الداخل فعليهما القطع (٣).
وقال الكمال: والوجه أن يقطع الداخل كما روى عن أبى يوسف، لأنه دخل الحرز وأخرج المال منه بنفسه، وكونه لم يخرج كله معه لا أثر له فى ثبوت الشبهة فى السرقة واخراج المال - بمعنى أن ذلك لا يورث شبهة فى السرقة، لأنه هتك الحرز وأخرج المال بالفعل.
وما قيل: ان السرقة تمت بفعل الداخل والخارج ثم الخارج لا يقطع فكذا الداخل - هذا القول - ممنوع بل السرقة تمت بالداخل وحده، وانما تتم بهما اذا أدخل الخارج يده فأخذها وفيه قال أبو يوسف يقطعان.
واذا دخل الحرز جماعة فتولى بعضهم الأخذ قطعوا جميعا، وهذا استحسان
والقياس أن يقطع الحامل وحده وهو قول زفر رحمة الله، لأن الاخراج وجد منه فتمت السرقة به.
ووجه الاستحسان أن الاخراج وان قام به وحده لكنه فى المعنى من الكل، لتعاونهم كما فى السرقة الكبرى.
فاذا باشر بعضهم القتل والأخذ، والباقون وقوف يجب حد قطع الطريق على الكل لنسبة الفعل الى الكل شرعا بسبب معاونتهم، اذ أن قدرة القاتل والآخذ انما هى بهم فكذا هذا، فان السراق يعتادون ذلك فيتفرغ غير الحامل للدفع فكان مثله، ولأن المعتاد فيما بينهم أن يحمل البعض المتاع ويتشمر الباقون للدفع فلو امتنع القطع، لأدى الى سد باب الحد (٤).
стр. 3819
واذا اشتركوا واتفقوا على فعل السرقة لكن دخل واحد منهم البيت وأخرج المتاع ولم يدخل غيره فالقطع على من دخل البيت، وأخرج المتاع أن عرف بعينه وأن لم يعرف فعليهم التعزير، ولا يقطع واحد منهم وان كان غير الداخل يعين الداخل (١)
وان سرق رجلان ثوبا يساوى عشرة من رجل لم يقطعا، لأن سرقة كل واحد منهما نصف النصاب وأنه عند تعدد السراق لا يصيب كل واحد منهم الا شئ يسير قل ما يرغب فيه، ولا تقطع اليد فى الشئ التافه ..
وان كانت قيمة الثوب بحيث يبلغ نصيب كل واحد من السارقين منه عشرة دراهم فانه يقطع كل واحد منهما، لأن التعاون مما يزيد رغبة السارق فى الاجتراء على السرقة فالحاجة الى شرع الزجر فى هذه الحالة أظهر (٢).
واذا سرق رجلان من رجل ثوبا وأحدهما أب المسروق منه لم يقطع واحد منهما.
أما الأب فللتأول له فى مال ولده بظاهر قوله ﷺ أنت ومالك لأبيك، ولأنه قد يدخل بيته من غير استئذان عادة فلا يكون بيته حرزا فى حقه، والسرقة فعل من السارق.
فاذا امتنع وجوب القطع على أحدهما للشبهة يمتنع وجوبه على الآخر للشركة وهو نظير ما قالوه فى الأب والأجنبى اذا اشتركا فى قتل الولد .. لم يجب القصاص على واحد منهما (٣).
واذا شهد شاهدان على رجلين أنهما سرقا من هذا الرجل ألف درهم وأحد الرجلين غائب قطع الحاضر، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى الأخير وهو قولهما.
وفى قوله الأول لا يقطع ..
وجه قول الأول: أن الغائب لو حضر ربما يدعى شبهة يدرأ بها القطع عن نفسه وعن الحاضر، فلو قطعنا الحاضر قطعناه مع الشبهة وذا لا يجوز كقصاص مشترك بين حاضر وغائب لا يكون للحاضر أن يستوفيه حتى يحضر الغائب.
ووجه قوله الآخر: أن السرقة ظهرت على الحاضر بالبينة أو بالاقرار فيستوفى الامام حق الله تعالى، وهذا لأن السراق يحضرون وقل ما يحضرون، بل فى العادة يهربون، وبعضهم يوجد، وبعضهم لا يوجد، فلو لم يقطع الحاضر أدى الى سد باب هذا الحد وما من شبهة يدعيها الغائب الا والحاضر يتمكن من أن يدعى ذلك، والشبهة التى يتوهم اعتراضها لا تمنع الاستيفاء فان جاء الغائب بعد ذلك لا يقطع بالشهادة الأولى حتى تعاد تلك البينة عليه أو غيرها
стр. 3820
فيقطع حينئذ، لأن تلك البينة فى حق الغائب قامت بغير محضر من الخصم فان الحاضر لا ينتصب خصما عنه: أما لأن النيابة فى الخصومة فى الحد لا تجرى، أو لأنه ليس من ضرورة ثبوت السرقة على الحاضر ثبوتها على الغائب، فلهذا يشترط اعادة البينة على الغائب ليقطع (١).
واذا أقر رجلان بسرقة ثم قال أحدهما:
هو مالى لم يقطعا، لأن الرجوع عامل فى حق الراجع منهما ويورث الشبهة فى حق الآخر، ولأن السرقة ثبتت باقرارهما على الشركة فتتحد الشبهة فيهما (٢).
مذهب المالكية:
اذا اشترك سارقان أو أكثر فى حمل مسروق واخراجه من حرزه، فان نال كل واحد منهما نصاب من المسروق لو قسم بينهما قطعا، سواء استطاع كل منهما وحده حمله واخراجه من الحرز أم لا وأن لم ينل كل واحد نصاب.
فان استطاع كل منهما حمله واخراجه من حرزه وحده فلا قطع.
وان لم يستطع ذلك واشتركا فى اخراجه فانهما يقطعان معا (٣).
وكذا القطع على جماعة رفعوه على ظهر أحدهم فى الحرز ثم خرج به اذا لم يقدر على اخراجه الا برفعهم معه، ويصيرون كأنهم حملوه على دابة فانهم يقطعون اذا تعاونوا على رفعه عليها.
وأما لو حملوه على ظهر أحدهم وهو قادر على حمله على ظهره بدونهم كما اذا كان المسروق ثوبا قطع وحده.
ولو خرج كل واحد منهم من الحرز حاملا لشئ دون الآخر وهم شركاء فيما أخرجوه لم يقطع منهم الا من أخرج ما قيمته ثلاثة دراهم (٤).
ولا قطع على داخل فى حرز تناول النصاب منه شخص خارج الحرز - بأن مد يده لداخل الحرز فناوله الداخل.
وانما يقطع الخارج، لأنه الذى أخرجه من حرزه.
فان لم يمد الخارج يده وانما ناوله الداخل بمد يده له خارج الحرز قطع الداخل فقط لأنه الذى أخرجه من الحرز (٥)
واذا نقب السارق الحرز فقط ولم يخرج النصاب منه فانه لا يقطع، فلو أخرج غيره النصاب من ذلك النقب فلا قطع على ذلك الغير أيضا، لأن النقب يصير المال فى غير حرز. وهذا اذا لم يتفقا على أن أحدهما ينقب والآخر يخرجه من الحرز، فان اتفقا على ذلك قطع المخرج فقط على ما فى المدونة (٦).
стр. 3821
وأن التقيا بأيديهما فى المناولة وسط النقب فأخرجه الخارج بمناولة الداخل، أو ربطه الداخل بحبل ونحوه فجذبه الخارج عن الحرز قطعا معا فى المسألتين (١).
واذا اشترك المكلف مع صبى فى سرقة نصاب فانه يقطع المكلف فقط دون الصبى، ومثل الصبى المجنون.
وهذا بخلاف اشتراك السارق مع أب عاقل أو أم أوجد لرب المال فلا قطع على شريكه لدخوله مع ذى شبهة قوية (٢).
مذهب الشافعية:
لو اشترك اثنان فى اخراج نصابين من حرز قطعا، لأن كلا منهما سرق نصابا توزيعا للمسروق عليهما بالسوية، فاذا كان ما أخرجه أحدهما متميزا عما أخرجه الآخر قطع من مسروقه نصاب دون من مسروقه أقل (٣).
ولو نقب واحد وأخرج غيره ولو بأمره - حيث لم يكن غير مميز أو أعجميا يعتقد وجوب الطاعة .. فلا قطع على واحد منهما اذ الأول لم يسرق، والثانى أخذ من غير حرز.
ولو تعاونا فى النقب وانفرد أحدهما بالاخراج أو وضعه ناقب قرب النقب فأخرجه آخر .. قطع المخرج فيهما، لأنه السارق.
ولو تعاونا فى النقب ثم أخذه أحدهما ووضعه بوسط نقبه فأخذه خارج وهو يساوى نصابين أو أكثر لم يقطعا فى الأظهر، لأن كلا منهما لم يخرجه من تمام الحرز، وكذا لو ناوله الداخل للخارج فيه.
وللقول الثانى يقطعان - لاشتراكهما فى النقب والاخراج (٤).
مذهب الحنابلة:
اذا اشترك الجماعة فى سرقة قيمتها ثلاثة دراهم قطعوا ..
وقال الثورى واسمحق لا قطع عليهم الا أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا، لأن كل واحد لم يسرق نصابا فلم يجب عليه القطع، كما لو انفرد بدون النصاب
قال ابن قدامة: وهذا القول أحب الى، لأن القطع ههنا لا نص فيه، ولا هو فى معتبر المنصوص والمجمع عليه فلا يجب، والاحتياط باسقاطه أولى من الاحتياط بايجابه لأنه مما يدرأ بالشبهات (٥).
فان كان أحد الشريكين مما لا قطع عليه كأب المسروق منه قطع شريكه فى
стр. 3822
أحد الوجهين كما لو شاركه فى قطع يد ابنه.
والوجه الثانى لا يقطع وهو أصح، لأن سرقتهما جميعا صارت علة لقطعهما، وسرقة الأب لا تصلح موجبة للقطع، لأنه أخذ ما يحق له أخذه بخلاف قطع يد ابنه، فان الفعل تمحض عدوانا، وانما سقط القصاص لفضيلة الأب، لا لمعنى فى فعله، وههنا فعله قد تمكنت الشبهة منه، فوجب أن لا يجب القطع به، كاشتراك العامد والخاطئ.
وان أخرج كل واحد منهما نصابا وجب القطع على شريك الأب، لأنه انفرد بما يوجب القطع.
وان أخرج الأب نصابا وشريكه دون النصاب ففيه الوجهان المتقدمان.
وان اعترف اثنان بسرقة نصاب، ثم رجع أحدهما فقيل: يقطع الآخر.
وقيل: لا قطع عليهما، لأن السبب السرقة منهما، وقد اختل أحد جزأيها برجوع أحدهما.
وكذلك لو أقر بمشاركة آخر فى سرقة نصاب، ولم يقر الآخر ففى القطع وجهان (١).
وعن أحمد أنه قال فى رجلين دخلا دارا: أحدهما فى سفلها جمع المتاع وشده بحبل، والآخر فى علوها مد الحبل فرمى به وراء الدار فالقطع عليهما لأنهما اشتركا فى اخراجه.
وان دخلا جميعا فأخرج احدهما المتاع وحده فالقطع عليهما.
وان أخرج أحدهما دون النصاب والآخر نصابا أو أكثر من نصاب وجب القطع عليهما (٢).
وان نقبا حرزا ودخل أحدهما فقرب المتاع من النقب وأدخل الخارج يده فأخرجه فقياس مذهب أحمد أن القطع عليهما، لأنهما اشتركا فى هتك الحرز واخراج المتاع فلزمهما القطع كما لو حملاه معا فأخرجاه.
وان وضعه فى النقب فمد الآخر يده فأخذه فالقطع عليهما أيضا.
وان نقب أحدهما وحده ودخل الآخر وحده فأخرج المتاع فلا قطع على واحد منهما، لأن الأول لم يسرق والثانى لم يهتك الحرز وانما سرق من حرز هتكه غيره فأشبه ما لو نقب وانصرف وجاء آخر فصادف الحرز مهتوكا فسرق منه.
وان نقب رجل وأمر غيره فأخرج المتاع فلا قطع أيضا على واحد منهما وان كان المأمور صبيا مميزا، لأن المميز له اختيار، فلا يكون آلة للآمر كما لو أمره بقتل
стр. 3823
انسان فقتله، وان كان غير مميز وجب القطع على الآمر لأنه آلته (١).
وان اشترك رجلان فى النقب ودخل أحدهما فأخرج المتاع وحده أو أخذه وناوله للآخر خارجا من الحرز أو رمى به الى خارج الحرز فأخذه الآخر فالقطع على الداخل وحده، لأنه مخرج المتاع وحده مع المشاركة فى النقب .. ولأن المسروق خرج من الحرز ويده عليه فوجب عليه القطع كما لو خرج به (٢).
مذهب الزيدية:
اذا اشترك جماعة فى سرقة فانهم يقطعون سواء سرقوا من واحد أو سرقوا من جماعة، لأن كلا منهم سارق لها كجماعة قتلوا رجلا عمدا.
أما اذا أخذ كل واحد دون العشرة (النصاب) بأن أخرج هذا المقدار من الحرز مستقلا عن الآخرين فلا قطع.
وذلك بخلاف ما اذا جذبوها معا فانهم يقطعون اذ لم يجذب كل واحد بعضها بل انما جذب الكل.
ولو دفعه الداخل - أى دفع الشئ المسروق - حتى أخرجه وحمله الخارج قطع الداخل اذ هو الهاتك - اذ القطع شرع للهتك وقد حصل من الداخل.
ولكن لو خرج الشئ المسروق بدفع الداخل وجذب الخارج قطعا معا اذ كل منهما هاتك.
ولو حمل من داخل الحرز صبيا أو مجنونا أو بهيمة خرجت بغير سوقه أو توجيهه فلا قطع اذ الهاتك غيره (٣).
واذا اشترك جماعة فى نقب حرز فدخلوا وأخرج كل منهم مالا تفرد به قطع من أخرج نصابا لا دونه كما لو انفرد بالنقب وكذا لو أخرج بعضهم لم يحد البعض الآخر.
ولو حمل أعمى مقعدا فدله حتى أخذ الشئ المسروق وأخرجه من الحرز فالقطع على الأعمى.
وقيل عليهما اذ لم يخرج الا بفعلهما (٤)
واذا أقر رجلان بالسرقة ثم ادعى أحدهما أنه ماله سقط عنه الحد برجوعه عن الاقرار .. ويحد الذى لم يرجع (٥).
مذهب الإمامية:
اذا اشترك اثنان فى سرقة فلا يخلو الحال من أمرين الأمر الأول: أن يكون كل واحد منهما قد أخرج نصف نصاب على حدته، ولا خلاف حينئذ فى أنه لا قطع على أى واحد منهما.
стр. 3824
الأمر الثانى: أن يكون الاثنان قد سرقا نصابا - بأن أخرجاه معا بوضع أيديهما عليه، وهذا محل خلاف اذ فى وجوب القطع بناء عليه قولان.
المختار فى النهاية منهما أنه يجب القطع لصدق سرقة النصاب على مجموعهما .. فقد روى الأصحاب أنه اذا بلغت السرقة نصابا وأخرجوها بأجمعهم وجب عليهم القطع ولم يفصلوا.
بل فى الصحيح قضى أمير المؤمنين ﵇ فى نفر نحروا بعيرا فأكلوه، وشهدوا على أنفسهم أنهم نحروه جميعا لم يخصوا أحدا دون أحد، فقضى ﵇ أن تقطع أيمانهم، ولم يستفصل عن بلوغ نصيب كل منهم نصابا.
وقال فى الخلاف، وهو محكى عن المبسوط اذا نقب ثلاثة فبلغ نصيب كل واحد نصابا قطعوا وان كان دون ذلك فلا قطع.
فان نقبا معا فدخل أحدهما فأخذ نصابا فأخرجه بيده الى رفيقه وأخذه رفيقه ولم يخرج هو من الحرز كان القطع على الداخل دون الخارج.
وهكذا اذا رمى به من داخل الحرز فأخذه رفيقه من خارج.
وكذلك لو أخرج يده الى خارج الحرز فالقطع فى هذه المسائل الثلاث على الداخل دون الخارج.
وقال قوم: لا قطع على واحد منهما.
والأول أصح.
ولو هتك الحرز جماعة فأخرج المال من الحرز أحدهم فالقطع عليه خاصة بلا خلاف أحد فيه بينهم، لانفراده بالموجب الذى هو اخراج المال من الحرز بعد هتكه ولو بالاشتراك مع غيره على السوية أو مع التفاوت فهو السارق وحده دون شركائه بالهتك.
ولو قربه أحدهم من النقب مثلا وأخرجه الآخر فالقطع على المخرج له من الحرز لذلك أيضا ضرورة كون عدم صدق السرقة على الأول بالتقريب اذ هو كرفع المال فى الحرز من مكان الى مكان آخر .. وكذا لو وضعها الداخل فى وسط النقب وأخرجها الخارج (١) ..
مذهب الإباضية:
ان سرق جماعة نصابا فانهم يقطعون ولو لم يكن فى نصيب كل واحد منهم نصابا (٢).
ثانيا - الاشتراك فى المعاملات المالية:
هذا النوع من الاشتراك يطلق عليه الفقهاء (اصطلاح شركة) وهى نوعان:
شركة الملك وشركة العقد.
стр. 3825
فشركة الملك أن يشترك رجلان فى ملك مال وذلك نوعان.
ثابت بغير فعلهما، كالميراث.
وثابت بفعلهما، وذلك بقبول الشراء، أو الصدقة، او الوصية.
والحكم واحد وهو أن ما يتولد من الزيادة يكون مشتركا بينهما بقدر الملك وكل واحد منهما بمنزلة الأجنبى فى التصرف فى نصيب صاحبه (انظر مصطلح شركة).
وأما شركة العقد فهى الشركة الناشئة عن تعاقد بين شخصين أو أكثر.
وهى اما شركة أموال، أو شركة وجوه، أو شركة صنائع.
وكل منها اما مفاوضة أو عنان.
فالأقسام ستة.
وتفصيل القول فى أحكام الشركات وأقسامها ومذاهب الفقهاء فيها يرجع اليه فى مصطلح (شركة).
ثالثا - الاشتراك فى الحقوق:
تكلم علماء الشريعة عن هذا النوع من الاشتراك فى مواطن مختلفة.
فعلماء الأصول قسموا الحقوق الى ثلاثة أقسام.
حق الله.
وحق العبد.
والحق المشترك بين الله والعبد.
ومثلوا لهذا النوع الأخير بالقصاص فقالوا: أنه حق مشترك بين الله وبين العبد ولكن حق العبد فيه غالب (١).
ثم ان الفقهاء نظروا الى أن الاشتراك قد يتعلق بحق القصاص من زاوية أخرى:
هى أنه اذا تعدد أولياء المقتول كان حق القصاص مشتركا بينهم فلهم استيفاء هذا الحق، ولهم العفو عن الجانى، فاذا عفا أحد الشركاء سقط القصاص - عند جمهور الفقهاء - لأنه حق مشترك بينهم لا يتبعض، فاذا أسقط بعض الشركاء حقه سرى ذلك الى الباقى كالعتق (٢).
وتفصيل ذلك يرجع اليه فى موضعه (انظر مصطلح قصاص).
رابعا - الاشتراك فى دلالة الألفاظ:
يتحقق الاشتراك فى دلالة الألفاظ فى نوعين مما يسمى - فى لسان الشرعيين - بالمشترك:
أحدهما: المشترك اللفظى، وهو: ما تعدد وضعه، وتعدد معناه بحسب وضعه كلفظى العين والقرء ومنه الألفاظ التى تدل على الضدين.
ثانيهما: المشترك المعنوى، وهو ما وضع لحقيقة كلية تتحقق فى أفراد متعددة كالحيوان، والسواد، والبياض. وفى بيان ذلك كله، وتفصيل دلالته وأحكامها - يرجع الى مصطلح (دلالة - مشترك).
стр. 3826
إشراك
المعنى اللغوى:
كلمة اشراك مصدر فعله أشرك المزيد بالهمزة، فأصل مادته شرك والهمزة زيدت على الأصل، لتفيد الاتخاذ أو الجعل.
فقد جاء فى لسان العرب (١): أشرك بالله جعل له شريكا فى ملكه، تعالى الله عن ذلك.
والاسم الشرك قال الله تعالى حكاية عن عبده لقمان أنه قال لابنه «يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ». (٢).
والشرك أن يجعل لله شريكا فى ربوبيته تعالى الله عن الشركاء والأنداد.
وانما دخلت التاء فى قوله لا تشرك بالله لأن معناه لا تعدل به غيره فتجعله شريكا له.
وكذلك قوله تعالى «وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ ٣ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً» لأن معناه عدلوا به.
ومن عدل به شيئا من خلقه فهو كافر مشرك لأن الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا نديد.
وقال أبو العباس فى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (٤).
معناه الذين هم صاروا مشركين بطاعتهم للشيطان.
وليس المعنى أنهم آمنوا بالله وأشركوا بالشيطان ولكن عبدوا الله وعبدوا معه الشيطان فصاروا بذلك مشركين، ليس أنهم أشركوا بالشيطان وآمنوا بالله وحده رواه عنه أبو عمر الزاهد.
قال: وعرضه على المبرد فقال متلئب صحيح «مستقيم» وقال الجوهرى:
стр. 3827
الشرك الكفر وقد أشرك فلان بالله فهو مشرك ومشركى مثل دوودوى وسك وسكى وقعسر وقعسرى بمعنى واحد.
قال الراجز - ومشركى كافر بالفرق - أى بالفرقان.
وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: الشرك أخفى فى أمتى من دبيب النمل.
قال ابن الأثير يريد به الرياء فى العمل فكأنه أشرك فى عمله غير الله.
ومنه قوله تعالى «وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (١)».
وفى الحديث قال رسول الله ﷺ «من حلف بغير الله فقد أشرك، حيث جعل مالا يحلف به محلوفا به كاسم الله الذى يكون به القسم.
وجاء فى الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الطيرة شرك ولكن الله يذهبه بالتوكل» جعل التطير شركا به فى اعتقاد جلب النفع ودفع الضرر، وليس الكفر بالله لأنه لو كان كفرا لما ذهب بالتوكل.
وفى حديث تلبية الجاهلية لبيك لا شريك لك الا شريك هو لك تملكه وما ملك» يعنون بالشريك الصنم، يريدون ان الصنم وما يملكه ويختص به من الآلات التى تكون عنده وحوله والنذور التى كانوا يتقربون بها اليه كلها ملك لله ، فذلك معنى قوله تملكه وما ملك.
قال محمد بن المكرم: اللهم انا نسألك صحة التوحيد والاخلاص فى الايمان، أنظر الى هؤلاء لم ينفعهم طوافهم ولا تلبيتهم ولا قولهم عن الصنم هو لك، ولا قولهم تملكه وما ملك مع تسميتهم الصنم شريكا بل حبط عملهم بهذه التسمية ولم يصح لهم التوحيد مع الاستثناء ولا نفعتهم معذرتهم بقولهم «إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى» (٢) وقوله تعالى على لسان موسى ﵇ «وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» (٣) أى اجعله شريكى فيه.
ويقال فى المصاهرة: رغبنا فى شرككم وصهركم أى مشاركتكم فى النسب.
قال الأزهرى وسمعت بعض العرب يقول: فلان شريك فلان اذا كان متزوجا بابنته أو بأخته وهو الذى تسميه الناس الختن.
стр. 3828
قال: وامرأة الرجل شريكته وهى جارته وزوجها جارها وهذا يدل على أن الشريك جار، وأنه أقرب الجيران.
وقد شركه معه فيه وأشرك فلان فلانا فى البيع اذا أدخله مع نفسه فيه.
واشترك الأمر التبس.
المعنى الاصطلاحى:
لا يكاد الفقهاء فى استعمالهم لكلمة «أشرك» يخرجون على المعنى اللغوى المتقدم ومن ثم استعملوها فى مجالين.
أما أحدهما فهو مجال العقيدة وجعلوها تارة مرادفة للكفر، وتارة بمعنى البعد عن التوكل على الله والخروج من دائرة الايمان الخالص، وذلك نحو قوله ﷺ «الطيرة شرك ولكن الله يذهبه بالتوكل».
وقد تناول الفقهاء الاشراك فى هذا الميدان بشتى مقاصده تناولا شاملا، فبينوا ما به يكون وحكم من يشرك بالله فى مختلف أبواب الفقه.
والبحث فى اشراك من هذه الزاوية محال الى مصطلح «شرك» فنترك بيانه الى حيث أحيل.
وأما ثانى المجالين فهو مجال الحياة العامة.
وذلك أن اشراك تعنى أن شخصا اتخذ له شريكا فى عمل يقوم به على نحو قوله تعالى على لسان موسى ﵇ المتقدم «وأشركه فى أمرى».
وقد استعمل اشراك بهذا المعنى فى تقديم الهدى والأضحية على اختلاف فى حكم ذلك بين أئمة المذاهب، كما استعمل فى البيع وغيره كذلك.
أولا: الاشراك فى الأضحية والهدى
مذهب الحنفية:
ذكر صاحب البدائع (١): أن الشاة والمعز فى الأضحية لا تجوز الا عن واحد.
ولا تجزى بقرة واحدة ولا بعير واحد عن أكثر من سبعة.
ويجوز ذلك عن سبعة أو أقل من ذلك.
وهذا قول عامة العلماء لما روى عن رسول الله ﷺ :
البدنة تجزئ عن سبعة والبقرة عن سبعة وهذا من غير فصل بين أهل
стр. 3829
بيت أو بيتين، ولأن القياس يأبى جوازها عن أكثر من واحد، لما ذكرنا من أن القربة فى الذبح وأنه فعل واحد لا يتجزأ، لكنا تركنا القياس بالخبر المقتضى للجواز عن سبعة مطلقا فيعمل بالقياس فيما وراءه، لأن البقرة بمنزلة سبع شياة، ثم جازت التضحية بسبع شياة عن سبعة سواء كانوا من أهل بيت أو بيتين فكذا البقرة (١).
فلو اشترى رجل بقرة يريد أن يضحى بها، ثم أشرك فيها غيره بعد ذلك، قال هشام: سألت أبا يوسف فأخبرنى: أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال: أكره ذلك ويجزيهم أن يذبحوها عنهم.
قال: وكذلك قول أبى يوسف قال: قلت لأبى يوسف: ومن نيته أن يشرك فيها، قال لا أحفظ عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فيها شيئا، ولكن لا أرى بذلك بأسا.
وقال فى الأصل، قال: أرأيت فى رجل اشترى بقرة يريد أن يضحى بها عن نفسه، فأشرك فيها بعد ذلك، ولم يشركهم حتى اشتراها، فأتاه انسان بعد ذلك فأشركه حتى استكمل، يعنى أنه صار سابعهم هل يجزى عنهم؟ قال: نعم استحسن، وان فعل ذلك قبل أن يشتريها كان أحسن.
وهذا محمول على الغنى اذا اشترى بقرة لأضحيته، لأنها لم تتعين لوجوب التضحية بها، وانما يقيمها عند الذبح مقام ما يجب عليه أو واجب عليه فيخرج عن عهدة الواجب بالفعل فيما يقيمه فيه، فيجوز اشتراكهم فيها وذبحهم الا أنه يكره، ولأنه لما اشتراها ليضحى بها فقد وعد وعدا، فيكره أن يخلف الوعد.
فأما اذا كان فقيرا فلا يجوز له أن يشرك فيها، لأنه أوجبها على نفسه بالشراء للأضحية فتعينت للوجوب فلا يسقط عنه ما أوجبه على نفسه.
وقد قالوا فى مسألة الغنى: اذا أشرك بعد ما اشتراها للأضحية أنه ينبغى أن يتصدق بالثمن، وان لم يذكر ذلك محمد رحمه الله تعالى، لما روى أن رسول الله ﷺ «دفع الى حكيم بن حزام دينارا وأمره أن يشترى له أضحية، فاشترى شاة فباعها بدينارين، واشترى بأحدهما شاة، وجاء الى النبى ﷺ بشاة ودينار وأخبره بما صنع، فقال له النبى ﷺ : بارك الله فى صفقة يمينك، وأمره النبى ﷺ أن يضحى بالشاة ويتصدق
стр. 3830
بالدينار، لما أنه قصد اخراجه للأضحية.
وقال ابن عابدين (١) يصح اشتراك ستة فى الهدى، لأن ذلك جائز فى الضحايا فيجوز هنا.
قال فى الفتح عن الأصل والمبسوط فان اشترى بدنة لمتعة مثلا ثم اشترك فيها ستة بعد ما أوجبها لنفسه خاصة لا يسعه، لأنه لما أوجبها صار الكل واجبا بعضها بايجاب الشرع وبعضها بايجابه، فان فعل فعليه أن يتصدق بالثمن.
وان نوى أن يشرك فيها ستة أجزأته لأنه ما أوجب الكل على نفسه بالشراء.
فان لم يكن له نية عند الشراء، ولكن لم يوجبها حتى أشرك الستة جاز.
والأفضل أن يكون ابتداء الشراء منهم أو من أحدهم بأمر الباقين حتى تثبت الشركة فى الابتداء.
واذا عرفت ذلك فالصور ستة، لأنه اما أن يشترى البدنة لنفسه خاصة، أو أن يشتريها بلانية ثم يعينها لنفسه، أو أن يشتريها بلا نية ولم يعينها لنفسه، أو يشتريها بنية الشركة، أو يشتريها مع ستة، أو يشتريها وحده بأمرهم.
لكن ينبغى أن يكون هذا التفصيل محمولا على الفقير، لأن الغنى لا تجب عليه بالشراء بدليل ما ذكره فى أضحية البدائع على الأصل: من أنه لو اشترى بقرة ليضحى بها عن نفسه فأشرك فيها غيره يجزئهم، والأحسن فعل ذلك قبل الشراء، قال:
وهذا يعنى قوله ويجزئهم محمول على الغنى، لأنها لم تتعين.
أما الفقير فلا يجوز أن يشرك فيها لأنه أوجبها على نفسه بالشراء للأضحية فتعينت.
قال ابن عابدين: لكن سوى فى الخانية فى مسألة الأضحية بين الغنى والفقير.
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الحطاب (٢): أنه يصح الشرك فى الأجر فى الأضحية، وان كان فى أكثر من سبعة ان سكن معه وقرب له وأنفق عليه وان تبرعا.
стр. 3831
قال فى المدونة: وان ضحى بشاة أو بعير أو بقرة عنه وعن أهل بيته أجزأهم وان كانوا أكثر من سبعة أنفس، وأحب الى ان قدر أن يذبح عن كل نفس شاة، واستحب مالك حديث ابن عمر لمن قدر دون حديث أبى أيوب الأنصارى.
قال عبد الحق: حديث ابن عمر أنه كان لا يضحى عمن فى البطن وأما ما كان فى غير البطن فيضحى عن كل نفس شاة.
وحديث أبى أيوب كنا نضحى بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته ثم تباهى الناس فصارت مباهاة.
وقال فى المدونة: أنه لو اشترى شخص أضحيته عن نفسه، ثم نوى أن يشرك فيها أهل بيته جاز ذلك بخلاف الهدى.
قال فى التوضيح فى شرح قول ابن الحاجب لا يشترك فيها، لكن للمضحى أن يشرك فى الأجر من فى نفقته من أقاربه.
قال الباجى: فأباح ذلك بثلاثة أسباب القرابة والمساكنة والانفاق.
وقال فى التوضيح: قال ابن حبيب: يلزم الانسان أن يضحى عمن تلزمه نفقته من ولد ووالد وفى العتبية أن ذلك غير لازم.
ونص فى المدونة على أنه لا يلزمه أن يضحى عن الزوجة.
قال محمد عن مالك رحمهما الله تعالى وله أن يدخلها.
قال ابن حبيب فان لم يفعل فذلك عليها.
وذكر ابن عرفة عن ابن رشد أنه نقل عن ابن دينار أنها تجب على الرجل عن زوجته.
وظاهر كلام ابن رشد فى نوازل سحنون أنه لا خلاف فى أنها لا تجب على الرجل عن زوجته، وانما له ذلك وأنه ان لم يدخلها فى أضحيته كان عليها أن تضحى عن نفسها.
ونصه فى كتاب الأضحية من نوازل سحنون: أنه ليس على الرجل أن يضحى عن زوجته وانما هى سنة لا ينبغى له تركها، فان أدخل زوجته فى أضحيته أجزأها، والا كان عليها أن تضحى عن نفسها.
قال الشيخ بهرام: لما تكلم على الشرط الثانى وهو أن يكون من أقاربه وعليه فلا تدخل الزوجة ولا أم الولد، ولا من فيه بقية رق وهو خلاف ما حكاه ابن المواز عن مالك.
وقال ابن عرفة روى عياض أن للزوجة وأم الولد حكم القريب.
قال ابن حبيب والرق كأم الولد فى صحة ادخالها.
стр. 3832
قال اللخمى والباجى وتسقط عن المدخول بها ولو كان مليا.
وقال المازرى فى شرح التلقين: واذا أشرك زوجته فى الدم المراق جاز ولا يخرج هذا ما اشترطناه فى الشروط الثلاثة من مراعاة القرابة فان الزوجة وان لم تكن من القرابة فان هناك من المودة والرحمة ما جعله الله يقوم مقام القرابة، بخلاف الأجير المستأجر بطعامه، فانه لا شبهة له بالقرابة فلم يجز ادخاله فى الأضحية.
قال خليل فى التوضيح قال ابن حبيب وله أن يدخل فى أضحيته من بلغ من ولده وان كان غنيا وأخاه وابن أخيه وابن أخته وقريبه اذا كانوا فى نفقته وبيته، وكذلك الجد والجدة اذا كانا فى نفقته وبيته، وهذا داخل تحت قوله وان تبرعا.
قال فى التوضيح: ولا يدخل يتيمة فى أضحيته ولا يشرك بين يتيمين وان كانا أخوين ومن له أن يدخلهم معه فى أضحيته.
فقد جاء فى التوضيح قال الباجى عندى أنه يصح له التشريك وان لم يعلمهم بذلك، ولذلك يدخل فيها صغار ولده وهم لا يصح منهم قصد القربة.
قال ابن عرفة والباجى والمازرى ولحمها باق على ملك ربها دون من أدخله منهم معه فيها يعطى من شاء منهم ما يريد وليس لهم منعه من صدقة جميعها.
وجاء فى التاج (١) والاكليل: أن مالكا رحمه الله تعالى قال: وان اشترى رجل أضحيته بمال نفسه وذبحها عن نفسه وعن أهل بيته فجائز.
قال ابن يونس لأن النبى ﷺ فعل ذلك، ولأن ذلك ليس بشركة فى ملك اللحم، وانما هى شركة فى الثواب والبركة.
وجاء فى الدسوقى (٢): وذلك بخلاف الهدى فانه لا يجوز الاشراك فيه، والفرق بينهما أن الهدى قد خرج عن ملك ربه ولم يبق له فيه تصرف حتى بالاشتراك فى الأجر بخلاف ما ذكر فى الأضحية.
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج (٣): أن الشاة
стр. 3833
المعينة تجزئ عن واحد فان ذبحها عنه وعن أهله أو عنه وأشرك غيره فى ثوابها جاز، وعليهما حمل خبر مسلم أنه ﷺ ضحى بكبشين، وقال: اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد وهى فى الأولى سنة كفاية.
قال فى المجموع: ومما يستدل به الخبر الصحيح فى الموطأ ان أبا أيوب الأنصارى قال: كنا نضحى بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته ثم تباهى الناس بعد فصارت مباهاة، ولكن الثواب فيما ذكر للمضحى خاصة، لأنه الفاعل كما فى القائم بفرض الكفاية.
وجاء فى نهاية المحتاج (١): التضحية سنة مؤكدة فى حقنا على الكفاية ولو بمنى ان تعدد أهل البيت والا فسنة عين. ومعنى كونها سنة كفاية مع كونها تسن لكل منهم سقوط الطلب بفعل الغير لا حصول الثواب لمن لا يفعل كصلاة الجنازة.
نعم ذكر النووى فى شرح مسلم أنه لو أشرك غيره فى ثوابها كأن يقول: أشركتك أو فلانا فى ثوابها جاز وأنه مذهبنا.
والظاهر جواز ذلك ولو بعد نية التضحية لنفسه.
والأصل فى ذلك أنه ﷺ ضحى بمنى عن نسائه بالبقر رواه الشيخان فلا تجب بأصل الشرع، لما روى البيهقى وغيره باسناد حسن.
أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان مخافة أن يرى الناس ذلك واجبا.
مذهب الحنابلة:
قال صاحب المغنى (٢): يتعين الهدى بقوله هذا هدى أو تقليده أو اشعاره مع النية والأضحية بقوله هذه أضحية، ولو نوى حال الشراء لم تتعين بذلك.
ثم قال: اذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها.
وقال القاضى: يجوز أن يبيعها ويشترى خيرا منها نص عليه أحمد، وهو قول عطاء ومجاهد وأبى حنيفة، لأن النبى ﷺ ساق فى حجته مائة بدنة وقدم على من اليمن فأشركه فى بدنه رواه مسلم، والاشتراك
стр. 3834
نوع من البيع أو الهبة، ولأنه يجوز ابدالها بخير منها، والابدال نوع من البيع.
والدليل على صحة قولنا أنه قد تعين ذبحها فلم يجز بيعها كالوقف، وانما جاز ابدالها بجنسها، لأنه لم يزل الحق فيها عن جنسها، وانما انتقل الى خير منها، فكان فى المعنى ضم زيادة اليها، وقد جاز ابدال المصحف ولم يجز بيعه.
وأما الحديث فيحتمل أنه أشرك عليا فيها قبل ايجابها، ويحتمل أن اشراكه فيها، بمعنى أن عليا جاء ببدن فاشتركا فى الجميع فكان بمعنى الابدال لا بمعنى البيع ويجوز أن تكون الشركة فى ثوابها وأجرها.
فأما ابدالها بخير منها فقد نص أحمد على جوازه وهو اختيار الخرقى، وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة وأبو حنيفة ومالك ومحمد بن الحسن.
واختار أبو الخطاب أنه لا يجوز، لأن أحمد نص فى الهدى اذا عطب أنه يجزئ عنه، وفى الأضحية اذا هلكت وذبحها فسرقت لا بدل عليه ولو كان ملكه ما زال عنها لزمه بدلها فى هذه المسائل ولما ذكرنا فى عدم جواز بيعها، وهذا مذهب أبى يوسف والشافعى وأبى ثور، ولأنه زال ملكه عنها لله تعالى فلم يجز ابدالها كالوقف.
ولنا ما ذكرنا من حديث على رضى الله عنه وقد تأولناه على معنى الابدال، ويتعين حمله عليه لاتفاقنا على تحريم بيعها وهبتها، ولأنه عدل عن العين الى خير منها من جنسها فجاز، كما لو أخرج عن بنت لبون حقة فى الزكاة، ولأن النذور محمولة على أصولها فى الفروض وفى الفروض يجوز اخراج البدل فى الزكاة فكذلك فى النذور.
مذهب الظاهرية:
يرى ابن حزم الظاهرى (١): أنه جائز للمضحى أن يشرك غيره معه فى الأضحية، سواء كان من أهل بيته أو كان أجنبيا محتجا فى ذلك بفعل رسول الله ﷺ ، فقد أشرك ﵊ فى أضحيته جميع أمته.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح (٢) الأزهار وهامشه: أن الانسان لو ضحى عنه وعن ولديه وهما صغيران، فقيل: تجزئ مشاركته لهم.
وقيل: لا تجزئ.
ولكن الأولى أنها لا تجزئ.
стр. 3835
وجاء فى التاج (١) المذهب: أنه لو ضحى بشاة عنه وعن ولديه الصغيرين لم تجز مشاركته لهما فان ضحى عنه وعن أولاده المكلفين فلا يشترط أن يملكهم القدر المجزى بل يجزى بمجرد الاذن مطلقا.
وجاء فى البحر الزخار (٢): أنه يجوز للمتطوع بالهدى كل تصرف قبل الذبح اذ لا يخرج عن ملكه بمجرد النية كالعتق.
قلت: وفيه نظر.
قال البعض: فأما الواجب فلا يفوته (يتصرف فيه) الا لخشية عطبه قبل محله فيجوز اذ ملكه باق، وان أوجبه لصرفه ﷺ هديه فى الحديبية الى الاحصار، ولاشراكه عليا ﵇ فى هديه بعد سوقه.
قال البعض: بل قد خرج عن ملكه فلا تصرف له فيه لمنعه ﷺ عمر عن بيع البختى الذى أثمن فيه وقد أراد بيعه ليعوض أفضل منه.
قلنا: ذلك لعدم الضرورة.
قلت: الحق فى تحقيق المذهب أنه قد زال الملك الخاص بالنية مع السوق فى الفرض والنفل بدليل منعه ﷺ الانتفاع بها لغير ضرورة فى قوله «اذا ألجئت» ولمنعه عمر من البيع وبقى له ملك كملك المدبر يبيح التصرف على وجه لا يبطل به حق تصرفها بدليل صرفه ﷺ هدى العمرة الى الاحصار، ولاشراكه عليا ﵇، وعلى ذلك يجوز البيع لابدال مثل أو أفضل لفرض كما ذكره بعض أصحابنا اذ هو تصرف لم يبطل به حق المصرف، وخبر عمر حكاية فعل لا يعلم وجهها، ويحتمل أنه رأى بختية أفضل.
مذهب الإمامية:
يرى الشيعة الإمامية (٣): أنه يجوز الاشراك فى الهدى، بدليل فعل الرسول ﷺ مع على.
فقد جاء فى الوسائل: أن عليا ﵇ لما قدم من اليمن على رسول الله ﷺ وهو بمكة فدخل على فاطمة وهى قد أحلت فوجد ريحا طيبة ووجد عليها ثيابا مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة؟ فقالت: أمرنا رسول الله ﷺ فخرج على ﵇ إلى رسول الله ﷺ
стр. 3836
مستفتيا ومحرشا على فاطمة فقال: يا رسول الله أنى رأيت فاطمة قد أحلت، عليها ثياب مصبوغة، فقال رسول الله ﷺ : أنا أمرت الناس بذلك وأنت يا على بما أهللت؟ قال: قلت يا رسول الله أهلالا، كاهلال النبى ﷺ فقال له رسول الله ﷺ كن على احرامك مثلى وأنت شريكى فى هديتى.
مذهب الإباضية:
والإباضية يجيزون الاشراك فى الهدى كما يفهم من كلامهم.
فقد جاء فى شرح النيل (١): وجاز لشخص أن يقول أحرمت على ما أحرم عليه صاحبى كما فعله على مع النبى ﷺ وأشركه ﷺ فى الهدى.
ثم قال: ولا تجزئ بدنة الا عن صاحبه أن نواها هديا لنفسه.
وانما تجزى لمتعدد أن اشتراها أحدهم على نية الاشراك أو كان مالكا لها ولم يعينها هديا لنفسه ثم شاركهم.
وكذا لا تجزيهم ولا واحدا منهم ان كان أحدهم مشركا أو أراد حصته لحما يتصرف فيه كما يشاء أكلا أو غيره.
ثانيا - الاشراك فى البيوع
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (٢): أن من اشترى شيئا فأشرك فيه غيره، فلا يخلو اما أن يشركه فى قدر معلوم، كالنصف والثلث والربع، ونحو ذلك، واما أن يطلق الشركة.
فان أشركه فى قدر معلوم فله ذلك القدر لا شك فيه، لأن حكم التصرف فيه يثبت فى قدر ما أضيف اليه.
وان أطلق الشركة بأن قال: أشركتك فى هذا الكر فله نصف الكر، كما لو قال أشركتك فى نصف الكر، لأن الشركة المطلقة تقتضى المساواة فتقتضى أن يكون نصيب الرجل مثل نصيبه.
ولو أشرك رجلا فى نصفه فلم يقبضه حتى هلك نصفه، فالرجل بالخيار أن شاء أخذ نصف ما بقى، وهو ربع الكر، وان شاء ترك لأنه كان له نصف شائع من ذلك فما هلك هلك على الشركة، وما بقى بقى على الشركة.
وله الخيار اذا كان قبل القبض، لأن الصفقة قد تفرقت عليه.
стр. 3837
وكذلك لو باع رجلا نصف الكر، ثم هلك نصفه قبل القبض لما قلنا.
ولو كان مكان الهلاك استحقاق بأن استحق نصف الكر فها هنا يختلف حكم الشركة والبيع.
فيكون النصف الباقى للمشترى خاصة فى البيع.
وفى الشركة يكون بينهما.
وانما كان كذلك، لأن البيع أضيف الى نصف شائع وتعذر تنفيذه فى النصف المستحق، لانعدام الملك وأمكن تنفيذه فى نصف المملوك فيجب تنفيذه فيه.
وكذلك فى الشركة الا أن تنفيذه فى النصف المملوك يقتضى المساواة بينهما فى ذلك النصف.
وذلك بأن يكون نصفه للرجل ونصفه له.
ولو اشترى عبدا فقال له رجل:
أشركنى فى هذا العبد، فقال: قد أشركتك، ثم قال له رجل آخر. مثل ذلك، فأشركه فيه.
فان كان الثانى علم بمشاركة الأول فله الربع، وللمشترى الربع والنصف للأول.
وان كان لم يعلم بمشاركته فالنصف له والنصف للأول، ولا شئ للمشترى لأنه اذا علم الثانى بمشاركة الأول فلم يطلب الشركة منه الا فى نصيبه خاصة، والشركة فى نصيبه تقتضى المساواة بين النصيبين، وهى أن يكون لكل واحد منهما الربع، واذا لم يعلم بالشركة فقوله أشركنى طلب الشركة فى الكل، والاشراك فى الكل أن يكون نصفه له، والأول قد استحق النصف بالمشاركة فيستحق الثانى النصف الباقى تحقيقا للشركة المقتضية للمساواة.
ولو قال لرجل اشتر جارية فلان بينى وبينك، فقال المأمور نعم، ثم لقيه غيره، فقال له مثل ما قال الأول، فقال المأمور نعم ثم اشترى الجارية فالجارية بين الآمرين ولا شئ منها للمأمور، لأن الأول وكله بشراء نصف الجارية، وبقبول الوكالة الثانية لا يخرج عن كونه وكيلا للأول لأنه لا يمكن اخراج نفسه عن الوكالة من غير محضر من الموكل فبقى وكيلا له بشراء النصف، فاذا قبل الوكالة من الثانى صار وكيلا فى شراء النصف الآخر، فاذا اشترى الجارية فقد اشتراها لموكليه فكانت بينهما.
ولو لقيه ثالث فقال له مثل ما قال الأولان فقال نعم، ثم اشتراها كانت الجارية للأولين، ولا شئ للثالث، لأنه قد بقى وكيلا للأولين، اذ لا يملك اخراج نفسه عن وكالتهما حال غيبتهما، فلم يصح قبوله الوكالة من الثالث.
هذا اذا كان المشترى لواحد فأشركه.
فان كان لاثنين، فلا يخلو اما أن يكون أشرك أحدهما رجلا، وأما أن يشركاه جميعا.
стр. 3838
فان أشركه أحدهما، فاما أن يشركه فى نصيبه خاصة، بأن قال أشركتك فى نصيبى، واما أن يشركه فى نصفه بأن يقول أشركتك فى نصف واما أن يشركه مطلقا بأن يقول اشركتك فى هذا العبد واما أن يشركه فى نصيبه ونصيب صاحبه واما أن يشركه فى نصفه بأن يقول أشركتك فى نصف هذا العبد.
فان أشركه فى نصيبه خاصة فله النصف من نصيبه، لأن الشركة المطلقة فى نصيبه تقتضى المساواة فتقتضى أن يكون نصيبه لأنها تقتضى المساواة وكذا لو أشركه فى نصفه لأن الشركة المطلقة فى نصفه تقتضى المساواة فيه.
وان أشركه مطلقا، فان أجاز شريكه فله النصف كاملا والنصف لهما، وان لم يجز فالربع له لما ذكرنا أن الشركة المطلقة تقتضى المساواة فتقتضى أن يكون نصيبه وحده مثل نصيبهما جميعا، الا أنه اذا لم يجز تعذر تنفيذ الاشراك فى نصيبه، فينفذ فى نصيب صاحبه فيكون له الربع واذا أجاز أمكن اجراء الشركة على اطلاقها وهى باطلاقها تقتضى المساواة، وذلك فى أن يكون له النصف ولكل واحد منهما الربع.
وأن أشركه فى نصيبه ونصيب صاحبه فكذلك فى ظاهر الرواية أنه ان أجاز صاحبه فله النصف والنصف الآخر لهما، وان لم يجز فله الربع.
وروى عن أبى يوسف فى النوادر أنه ان أجاز كان بينهما أثلاثا وان أبى ان يجيز كان له ثلث ما فى يد الذى أشركه وهو سدس الكل.
ووجه هذه الرواية أن اشراك أحدهما وأجازة الآخر بمنزلة اشراكهما معا، لأن الاجازة تستند الى حال العقد، فكأنهما أشركاه معا، ولأن الاجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة فصار كأن العاقد أشرك بوكالة صاحبه.
ووجه ظاهر الرواية أن الاشراك والاجازة تثبت على التعاقب لوجود الاشراك والاجازة على التعاقب، والحكم يثبت على وفق العلة، فصار كما لو أشرك كل واحد منهما على التعاقب.
وقوله ان الاجازة تستند الى حالة العقد، قلنا: نعم، ولكن الثابت بطريق الاستناد يثبت للحال، ثم يستند، فكان حكم الاجازة متأخرا عن حكم الاشراك ثبوتا.
وان أشركه فى نصف العبد، فأجاز شريكه فله نصف ما فى يد هذا، ونصف ما فى يد الآخر.
وان لم يجز فله نصف ما فى يد الذى أشركه لما قلنا.
هذا اذا أشركه أحدهما.
فأما اذا أشركاه جميعا، فلا يخلو اما أن يشركاه معا، واما أن يشركاه على التعاقب.
فان أشركاه معا فالقياس أن يكون له النصف كاملا، ولكل واحد منهما الربع.
стр. 3839
وفى الاستحسان يكون بينهم أثلاثا.
وان أشركاه على التعاقب مطلقا ولم يبينا قدر الشركة أو أشركاه فى نصيبهما، بأن قال كل واحد منهما أشركتك فى نصيبى ولم يبين فى كم أشركه، كان له النصف، وللأولين النصف.
ووجه القياس أنه لما أشركه كل واحد منهما فقد استحق نصف نصيبه، فكان النصف له والنصف لهما جميعا، كما لو أشركاه على التعاقب.
ووجه الاستحسان، وهو الفرق بين حالة الاجماع والافتراق أن الاشراك المطلق من كل واحد منهما اياه فى زمان واحد يقتضى المساواة فى أنصباء الكل، وهو أن يكون نصيب كل واحد منهم مثل نصيب الآخر فى أن يكون المشترى بينهم اثلاثا.
بخلاف الاشراك على التعاقب لأن الاشراك من أحدهما مطلقا فى زمان يقتضى أن يكون نصيبه مثل نصيبه.
وكذلك الاشراك الآخر فى الزمان الثانى فيجتمع له ربعان وهو النصف لكل واحد منهما الربع.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح (١) الكبير وحاشية الدسوقى عليه: أنه تجوز تولية وشركة فى الطعام قبل قبضه.
والمراد بالشركة هنا جعل مشتر قدرا لغير بائعه باختياره مما اشتراه لنفسه بمنابه من ثمنه - لأنهما كالاقالة من باب المعروف كالقرض.
ومحل الجواز فيهما أن لم يكن على شرط فى صلب العقد أن ينقد المولى والمشرك - بالفتح فيهما - عنك يا مولى أو يا مشرك - بالكسر فيهما - الثمن فى التولية أو حصتك منه فى الشركة، والا لم يجز، لأنه بيع وسلف منه لك.
وذلك لأن المشرك بفتح الراء اذا دفع الثمن كله فقد سلف المشرك نصف الثمن ونصف الثمن الآخر بيع، فيكون قد اجتمع بيع وسلف.
ويفسخ الا أن يسقط الشرط.
واستوى عقد المشرك، بالكسر - والمشرك - بالفتح - فى قدر الثمن، وفى أجله ان كان مؤجلا وفى حلوله ان كان حالا، وفى الرهن والحميل فى الاشراك فى الطعام قبل قبضه خاصة، وأما بعد قبضه فلا يشترط أو اذا كان الاشراك فى غير الطعام قبل القبض أو بعده فكذلك لا يشترط هذا الشرط وهو استواء العقد.
وبقى شرط ثالث لجواز الاشراك وهو أن يكون الثمن عينا.
стр. 3840
فان كان الثمن عرضا منع لاختلاف العقد لعدم انضباط العرض فى القيمة.
وان كان الثمن مكيلا أو موزونا منع عند ابن القاسم رحمه الله تعالى، لأنه فى الطعام قبل قبضه رخصة والرخصة يقتصر فيها على ما ورد.
وأجازه أشهب رحمه الله تعالى.
والا بأن اختل شرط - كأن اشترط المشرك بالكسر النقد على المشرك، أو اختلف العقد فى النقد والتأجيل، أو غير ذلك من وجوه الاختلاف، أو كان الثمن غير عين - فان الاشراك يكون بيعا كغيره يعتبر فيه شروطه وانتفاء موانعه كعدم القبض.
وتبطل الرخصة فيه فيمنع الاشراك فى الطعام قبل قبضه لا بعده ولا على غير طعام أن لم يكن على أن ينقد عنه كما مر.
وضمن المشرك - بفتح الراء - الشئ المشترى المعين كعبد وهو الحصة التى حصلت له بالشركة فقط فيرجع المشرك - بكسر الراء - عليه بنصف الثمن مع عدم قبضه المثمن ولو طعاما لأنه فعل معه معروفا.
وضمن المشرك - بالفتح - طعاما كلته من بائعه قبل أن تشرك فيه يا مشرك - بالكسر - وصدقك فى وفاء الكيل من بائعك من شركته ثم تلف.
قال الدسوقى فى حاشيته: واعترض بأنه لا يشترط فى ضمان المشرك - بالفتح - تصديقه، ولذا لم ينكره فى المدونة.
وحمل الطخيخى والشيخ سالم رحمهما الله تعالى كلام الدردير على ما اذا اشترى شخص طعاما وصدق البائع فى كيله ثم أشرك غيره فيه ضمنه المشرك - بفتح الراء بمجرد الشركة.
وعلى هذا فالخطاب لبائع المشرك - بالكسر - وهذا بعيد من الدردير.
وأن أشرك المشترى شخصا سأله الشركة، بأن قال له: أشركتك حمل التشريك.
وأن اطلق على النصف، لأنه الجزء الذى لا ترجيح فيه لأحد الجانبين، وان قيد بشئ فواضح.
وأن سأل شخص ثالث شركتهما وهما مجتمعان، أى سأل اثنين اشتريا سلعة واتفق نصيبهما، بأن صار لكل منهما النصف، فقال لهما: أشركانى فقالا له أشركناك فله الثلث.
فان اختلف نصيب الشريكين - كما لو كانا شريكين بالثلث والثلثين فاذا قالا له أشركناك كان له نصف الثلث ونصف الثلثين وحينئذ فيكون له النصف، وللأول السدس وللثانى الثلث.
كما لو سألهما بمجلسين بلفظ الافراد
стр. 3841
وقال لكل واحد على انفراده أشركنى فقال له أشركتك فله نصف ما لكل سواء اتفق نصيبهما أو اختلف.
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أن الاشراك فى بعض المبيع كالتولية فى كله فى الأحكام المذكورة لأن الاشراك تولية فى بعض المبيع ان بين البعض كمناصفة أو بالنصف، والا فلا يصح جزما كأشركتك فى بعضه أو فى شئ منه للجهل.
قال الشبراملسى: ظاهر ذلك أن الاشراك لا يصح وان قال: بعضه بنصف الثمن أو نحوه.
وينبغى أن محل البطلان ما لم يعين جزءا من الثمن.
فان ذكره كأن قال أشركتك فى شئ منه بنصف الثمن أو بربعه كان قرينة على ارادة ما يقابله من المبيع فيصح، ويكون فى الأولى شريكا بالنصف وفى الثانية بالربع.
قال فى العباب: ولو قال أشركتك فى نصفه بنصف الثمن كان مناصفة لمقابلة نصف الثمن، أو قال فى نصف الثمن ليكون بيننا لم يصح.
ولعله للتنافى بين ما اقتضاه قوله فى نصف الثمن من أنه جعل له ربع المبيع بربع الثمن، وبين قوله بيننا الذى يقتضى كونه مناصفة.
أو أن قوله أشركتك فى نصف الثمن انما يقتضى أن يكون الثمن الذى استحقه البائع مشتركا بين المشترى والشريك ليكون المبيع مشتركا بينهما والفساد على تقدير ارادة ذلك ظاهر.
قال صاحب نهاية المحتاج: فان قال أشركتك فى النصف فله الربع ما لم يقل بنصف الثمن فانه يكون له النصف.
قال الشبراملسى ولعل وجهه أن عدوله عن بعتك ربعه بنصف الثمن الى أشركتك قرينة على ذلك.
والمعنى حينئذ أشركتك فيه بجعل نصفه لك بنصف الثمن الى آخر ذلك.
ومع ذلك فيه شئ.
وبقى ما لو اشتراه بمائة ثم قال لآخر أشركتك فى نصفه بخمسين هل يكون له النصف أو الربع؟ فيه نظر والأقرب أن له الربع لأن عدوله عن قوله بنصف الثمن الى قوله بخمسين قرينة على أنه بيع مبتدأ، وكأنه قال بعتك ربعه بخمسين.
قال صاحب نهاية المحتاج. وشمل كلام الامام النووى ما لو باع غير الأب والجد - أو هما بالأولى - مال الطفل ثم قال المشترى للولى أشركتك فى هذا العقد فانه يكون جائزا.
فان أطلق الاشراك كأن يقول: أشركتك فيه صح العقد وكان المبيع مناصفة
стр. 3842
بينهما، كما لو أقر بشئ لزيد وعمرو، لأن ذلك هو المتبادر من لفظ الاشراك.
نعم لو قال: بربع الثمن مثلا كان شريكا بالربع فيما يظهر أخذا مما تقرر فى قوله أشركتك فى نصفه بنصف الثمن، بجامع أن ذكر الثمن فى كل مبين للمراد من اللفظ قبله لاحتماله وان نزل لو لم يذكر هذا المخصص على خلافه.
وتوهم فرق بين ما لو قال أشركتك بربع الثمن مثلا وبين ما لو قال أشركتك فى نصفه بنصف الثمن بعيد.
أما لو قال أشركتك بالنصف بربع الثمن فهل يصح أم لا؟ فيه نظر.
والذى يظهر أنه يصح. ويكون شريكا بالربع والباء فيه بمعنى فى.
ونقل عن بعض أهل العصر خلاف ذلك.
قال الزركشى رحمه الله تعالى: ولو تعدد الشركاء فهل يستحق من أشركوه معهم نصف ما لهم أو مثل واحد منهم كما لو اشتريا شيئا ثم أشركا ثالثا فيه فهل يكون له نصفه أو يكون له ثلثه؟ لم يتعرضوا له، والأشبه الثانى.
قال الشبراملسى رحمه الله تعالى:
وينبغى أن مثل ذلك عكسه، كما لو اشترى شيئا ثم قال لاثنين. أشركتكما فيه فيكون المبيع أثلاثا.
وبقى ما لو اختلفت حصص الشركاء كأن كان لواحد النصف. والآخر الثلث.
والآخر السدس. ثم قال الثلاثة للرابع أشركناك معنا. فالظاهر أن يكون له النصف وللثلاثة النصف. وكأن كل واحد منهم باع هذا الرابع نصف ما بيده، لأنه لا يظهر هنا كونه كأحد الثلاثة لاختلاف أنصبائهم.
قال صاحب نهاية المحتاج: وقضية كلام النووى رحمه الله تعالى كغيره أنه لا يشترط ذكر العقد.
لكن قال الامام رحمه الله تعالى وغيره:
ولا بد فى الاشراك من ذكر البيع أو العقد بأن يقول أشركتك فى بيع هذا أو فى هذا العقد، ولا يكفى أن يقول أشركتك فى هذا ونقله صاحب الأنوار رحمه الله تعالى وأقره وعليه أشركتك فى هذا كناية.
وقيل لو أطلق الاشراك لم يصح للجهل بقدر المبيع وثمنه (١).
стр. 3843
مذهب الحنابلة:
جاء فى الشرح الكبير والمغنى (١): أن الشركة بيع بعض المبيع بقسطه من الثمن ويصح بقوله شركتك فى نصفه أو ثلثه.
وذكر صاحب المغنى (٢) أن ما يحتاج الى القبض لا تجوز الشركة فيه قبل قبضه لأن الشركة هى بيع فتدخل فى عموم النهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفيه فان الشركة بيع بعض المبيع بقسطه من ثمنه على ما ذكر.
وتجوز الشركة فيما يجوز بيعه، لأنها نوع من أنواع البيوع، وانما اختصت باسم كما اختص بيع المرابحة والمواضعة بأسماء.
فاذا اشترى (٣) رجل شيئا فقال له رجل آخر أشركنى فى نصفه بنصف الثمن، فقال له: أشركتك صح وصار شركا بينهما اذا كان الثمن معلوما لهما.
ولو قال أشركنى فيه أو قال الشركة فقال شركتك أو قال ولنى ما اشتريت ولم يذكر الثمن فقال: وليتك صح اذا كان الثمن معلوما، لأن الشركة تقتضى ابتياع جزء منه بقسطه من الثمن على ما ذكر.
والتولية ابتياعه بمثل الثمن فاذا ذكر اسمه انصرف اليه، كما اذا قال أقلنى فقال أقلتك.
وفى حديث عن زهرة بن معبد أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام الى السوق فيشترى الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير رحمهما الله تعالى، فيقولان له أشركنا، فان النبى ﷺ دعا لك بالبركة، فيشركهم فربما أصاب الراحلة كما هى فبعث بها الى المنزل ذكره البخارى.
ولو اشترى شيئا فقال له رجل أشركنى فشركه انصرف الى النصف، لأنها تتصرف الى التسوية باطلاقها.
فان اشترى اثنان عبدا فقال لهما رجل أشركانى فيه فقال شركناك احتمل أن يكون لهما النصف لأن اشراكهما لو كان من كل واحد منهما منفردا لكان له النصف، فكذلك حال الاجتماع.
ويحتمل أن يكون له الثلث، لأن الاشتراك يفيد التساوى، ولا يحصل التساوى الا بجعله بينهم أثلاثا.
وهذا أصح لأن اشراك الواحد انما اقتضى النصف لحصول التسوية به.
وان شركه كل واحد منهما منفردا كان له النصف، ولكل واحد منهما الربع.
стр. 3844
وان قال أشركانى فيه فشركه أحدهما فعلى الوجه الأول يكون له نصف حصة الذى شركه، وهو الربع.
وعلى الآخر له السدس، لأن طلب الشركة بينهما يقتضى طلب ثلث ما فى يد كل واحد منهما، ليكون مساويا لهما، فاذا أجابه أحدهما ثبت له الملك فيما طلب منه.
وان قال له أحدهما أشركناك انبنى على تصرف الفضولى، فان قلنا يقف على الاجازة فأجازه فهل يثبت له الملك فى نصفه أو ثلثه؟ على الوجهين.
ولو قال لأحدهما أشركنى فى نصف هذا العبد فان قلنا يقف على الاجازة من صاحبه فأجازه فله نصف العبد ولهما نصفه، والا فله نصف حصة الذى شركه.
فان اشترى عبدا فلقيه رجل، فقال: أشركنى فى هذا العبد، فقال:
قد شركتك فله نصفه.
فان لقيه آخر فقال أشركنى فى هذا العبد وكان عالما بشركة الأول فله ربع العبد وهو نصف الذى شركه، لأن طلبه للشركة رجع الى ما ملكه المشارك وهو النصف فكان بينهما.
وان لم يعلم بشركة الأول فهو طالب نصف العبد، لاعتقاده أن جميع العبد، لمن طلب منه المشاركة فاذا قال له شركتك احتمل ثلاثة أوجه.
أحدهما: أن يصير له نصف العبد ولا يبقى للذى شركه شئ، لأنه طلب منه
نصف العبد فأجابه اليه فصار كأنه قال بعنى نصف هذا العبد فقال بعتك وهذا قول القاضى رحمه الله تعالى.
والثانى: أن ينصرف قوله شركتك فيه الى نصف نصيبه ونصف نصيب شريكه فيمتد فى نصف نصيبه ويقف الزائد على اجازة صاحبه على احدى الروايتين، لأن لفظ الشركة يقتضى بعض نصيبه ومساواة المشترى له، فلو باع جميع نصيبه لم يكن له شركة لأنه لا يتحقق فيه ما طلب منه.
الثالث: لا يكون للثانى الا الربع بكل حال، لأن الشركة انما تثبت بقول البائع شركتك، لأن ذلك هو الايجاب الناقل للملك وهو عالم أنه ليس له الا نصف العبد، فينصرف ايجابه الى نصف ملكه.
وعلى هذين الوجهين لطالب الشركة الخيار، لأنه انما طلب النصف فلم يحصل له جميعه، الا أن نقول بوقوفه على الاجازة فى الوجه الثانى، فيخير الآخر.
ويحتمل أن لا تصح الشركة أصلا، لأنه طلب شراء النصف فأجيب فى الربع فصار بمنزلة ما لو قال بعنى نصف هذا العبد فقال بعتك ربعه.
ولو اشترى قفيزا من الطعام فقبض نصفه فقال له رجل بعنى نصف هذا
стр. 3845
القفيز فباعه انصرف الى النصف المقبوض، لأن البيع ينصرف الى ما يجوز له بيعه وهو المقبوض.
وان قال أشركنى فى هذا القفيز بنصف الثمن ففعل، لم تصح الشركة الا فيما قبض منه فيكون النصف المقبوض بينهما لكل واحد منهما ربعه بربع الثمن، لأن الشركة تقتضى التسوية هكذا ذكر القاضى.
قال شيخنا رحمه الله تعالى والصحيح ان شاء الله تعالى أن الشركة تنصرف الى النصف كله فيكون بائعا لما يصح بيعه وما لا يصح فيصح فى نصف المقبوض فى أصح الوجهين، ولا يصح فيما لم يقبض.
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر (١) الزخار: أن المشترى لو قال لغيره: اشتريت هذه السلعة بكذا وقد أشركتك فى نصفها فقبل المخاطب نجز ملك نصفها بنصف الثمن، فان لم يعين فى كم أشركه فوجهان.
قال البعض أصحهما يفسد للجهالة.
وقيل: يصح وتنصف اذ هو الظاهر.
قلت: الأول أقرب كالبيع.
فان حط عن الأول شئ بعد أن أشركه اشتركا فى الحطيطة كقبل الشركة، اذ القصد الشركة فى الثمن.
مذهب الإمامية:
جاء فى اللمعة (٢) الدمشقية: أن التشريك جائز. وهو أن يجعل للمشترى فى المبيع نصيبا بما يخص النصيب من الثمن بأن يقول شركتك - بالتضعيف ويجوز تعديته بالهمزة - بنصفه بنسبة ما اشتريت مع علمهما بقدره.
ولو قال أشركتك بالنصف كفى ولزم المشترى نصف مثل الثمن.
ولو قال أشركتك فى النصف - كان له الربع الا أن يقول بنصف الثمن فيتعين النصف.
ولو لم يبين الحصة كما لو قال فى شئ من المبيع، أو أطلق بطل للجهل بالمبيع
стр. 3846
ويحتمل حمل الثانى - أى الاطلاق - على التنصيف.
والتشريك فى الحقيقية بيع الجزء المشاع برأس المال لكنه يتميز عن سائر أقسام البيوع بحصته بلفظه.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن المشاركة هى جعل مشتر أو مأموره أو وكيله فى التشريك قدرا معلوما بالتصريح، أو بالاطلاق لغيره قل أو كثر، ولو كان هو أكثر الشئ سواء جعله لغير بائعه، ولو لمسجد أو وقف أو جعله لبائعه.
ففى الديوان: يجوز للمشترى ان يشارك البائع وغيره من الناس باختياره لا بجبر أو تخويف.
وكذا يشترط اختيار المشارك، ولا يخفى ذلك ولا سيما أنها بيع - مما اشتراه لنفسه لتجر أو لكسب بمناب القدر أو الغير من ثمن ما اشتراه.
واختير أنها بيع وأن الداخل بالشركة يعطى ما ينوبه من الثمن فى الجزء المجعول هو شريكا به وأن الجزء له مع ما ينوبه من الربح.
ولا فرق بينها وبين القراض الا أنها تصح بغير العين وبالعين، وأنه لا عمل فيها على الداخل بها بخلاف القراض فانه بالعين والعمل فيه على الداخل بالقراض.
ويصححها مصحح البيع على القول بأنها بيع.
ويفسدها ما يفسد البيع.
فان هلكت بضاعة - وهى ما سوفر بها لتجر أو غير بضاعة مما شورك فيه قبل تسليم مشتر حصة الشريك الى الشريك بأن أبى من تسليمها أو هلكت قبل مقدار ما يقبضها بمعنى أنها تلفت عليه من ماله.
فان كان قد قبض ممن أشركه ثمن حصته فليرده له الا أن دعاه لقبضها فلم يقبضها فتلفت بعد مقدار ما يصل قبضها وقد عرفها أو قال له أتركها عندك أو خلى بينه وبين قبضها، فلم يقبضها، ورفعها المشترى على رسم الحرز فانها حينئذ تلفت عليهما معا على قدر سهميهما وكذا غير البضاعة مما شورك فيه وقيل تلف ذلك عليهما معا ولو خلى بينه وبين القبض فلم يقبض ما لم يقبضه أو يدعه للقبض فيأبى فعليهما أو يمنعه فعلى المشترى، وقد صح البيع ومجرد التخلية قبض.
وأما الأصل فله الخيار حتى يراه فان تلف قبل فقد تلف على مالكه.
والأصح أن البيع يصح بلا قبض، وأن القبض شرط فى انتقال الضمان.
ولا تصح الشركة قبل شراء لنهيه ﷺ عن بيع ما لم تقبض وبيع ما ليس عندك.
стр. 3847
وان قال له واشترى أنا ما اشترى فأشركك فيه أو اشترى كذا فأشركك فيه فقبل فذلك وعد يجب الوفاء به، ولا يحكم بشركتهما حتى يشترى فيشركه.
ثم انه لا مانع من التشريك بثمن أو بلا ثمن فى نفس الشئ على أنه لا ربح فيه للداخل بل الربح كله للأول. أو على أنه كله للداخل أو على أن يعطى الثانى الثمن كله وحده.
وفى الديوان كل ما اشتراه للتجارة، فغيره عن حاله الأول، مثل القمح والشعير فطحنهما، والصوف والكتان فعملهما ثيابا، والتبر فصاغه حليا، وما أشبه ذلك، فالشركة فيه جائزة.
وان اشترى شيئا للتجارة فمات فأراد الورثة أن يشاركوا فيه أحدا فلا يجوز، لأنه صار ميراثا.
وكذلك كل ما اشتراه الرجل للتجارة فانتقل من ملكه بوجه من الوجوه غير البيع فأراد من انتقل اليه أن يشارك فيه أحدا فلا يجوز.
وان شارك رجل رجلا فمات فشركته ثابتة. وتصح قبل شراء فى مثل من أمر أحدا أن يشترى شيئا بينهما انصافا أو اثلاثا أو غير ذلك، أو قال اشترى أنا بينى وبينك فقال له: نعم فاشتراه بينهما كذلك، أو أمره أن يشترى بينهما ولم يذكر النصف ولا غيره فيحمل على النصف، وذلك اذا قامت قرينة على أنه اشترى بينهما سواء عين له ما يشترى أو ذكر له الجنس فقط أو لم يعين ويذكر الجنس مثل أن يقول أنا شريكك فيما تشترى هذا اليوم أو من هذا السوق أو من فلان أو نحو ذلك من المواقيت فاذا قال له نعم أو سكت وأقر حال الشراء انى اشتريت بينى وبين فلان.
وقيل ان افترقا وهو ساكت فالطالب بالخيار.
واذا انعم بذلك ثم اشترى فقال اشتريت لنفسى لم يقبل قوله على الصحيح.
وتصح بعد شراء بلا قبول على القول بأنها غير بيع وأنها فى الربح فقط وأنها هبة وأن الهبة تثبت بلا قبول ما لم ينكرها المعطى (١).
وقيل تكون المشاركة فى مشترى لتجر، لا فى مشترى لكسب.
وقيل تكون المشاركة بلا شروط بيع على أنها مجرد هبة فتجوز على هذا القول ولو فى مجهول ولو قبل القبض ولا رد فيها بالعيب.
ومن اشترى ما لتجر أو لكسب - على ما مر من الخلاف فى اختصاص المشاركة فيما لتجر وفى جوازها فيما
стр. 3848
لتجر وفيما لكسب - فقيل له شاركنى فيه فقال شاركتك فلمن اشترى نصف الربح ان كانت المشاركة فى الربح فقط وهى تتصور بلا ثمن ونصف الشئ ونصف ربحه ان كانت فى الشئ وربحه وذلك يتصور بالثمن والنصف الآخر من ذلك لطالب الشركة.
ولو كان الطالب لها اثنين فيكون لكل واحد منهما نصف النصف وهو ربع.
أو كان الطالب ثلاثة فيكون لكل واحد منهم ثلث النصف وهو سدس.
أو كان الطالب أربعة فيكون لكل منهم ربع النصف.
وهكذا ما فوق ذلك فان النصف على كل حال للمشترى وهو صاحب الشئ والشئ الآخر لمن طلب الشركة على رءوسهم.
وقيل ان كان الطالب واحدا فله النصف.
وان كان اثنين فالشئ وربحه أو الربح بين صاحب الشئ والطالب الذى هو اثنان أثلاثا ثلث لصاحب الشئ وثلثان للذين طلبا.
فلو كان الطالب ثلاثة لكان بينهم أرباعا ربع لصاحبه وثلاثة أرباع للثلاثة.
وهكذا ما فوق فان المشترى ومن طلبوا الشركة يكون ذلك على رءوسهم، وهذا القول هو الصحيح عندى، لأن الأصل فى الشركة اذا أطلقت انصرافها الى التسوية، ولا تحمل على التفاوت الا بدليل.
ووجه القول الأول تصييره طالبى الشركة بمنزلة رجل واحد لطلبهم بمرة
وان صير اثنان واحدا شريكا فلهما النصف، لأنهما بمنزلة رجل وله النصف الآخر.
وكذا أن شارك ثلاثة أو أربعة فصاعدا واحدا فلهم النصف وله الآخر.
وقيل يقسمونه أثلاثا أن شارك اثنان واحدا.
وان شارك ثلاثة واحدا فأرباعا وهكذا.
واذا تعدد المشارك والمشارك تساوى عدد كل منهما أو تفاوت مثل أن يشارك انسان اثنين أو اثنان ثلاثة أو ثلاثة اثنين.
فقيل النصف للفريق المشارك على رءوسهم والنصف للفريق المشارك على رءوسهم.
وقيل هو بين الفريقين على رءوسهم ومن شارك آخر بعد الأول فله نصف ما بيده، والنصف هو الربع.
стр. 3849
وان شارك بعد ذلك ثالثا كان له ربع ما بيده وهو الثمن.
وان شارك رابعا بعد ذلك فله نصف ربع ما بيده وهو ربع الثمن.
وهكذا اذا أدخل واحدا فله نصف ما بيده لا نصف الكل، لأنه انما يشارك فيما له خاصة.
وان أشرك اثنان واحدا فلكل منهما نصف ما بيده.
وان أشركا بعد ذلك فلكل منهما نصف ما بيده وكذلك.
وهكذا ما فوق الاثنين.
وان أشرك واحد واحدا ثم أشرك واحد واحدا ثم أشرك اثنين أو أكثر فله نصف ما بيده.
وقيل ما بيده على عدد من أشركهم وعدده على الرءوس.
وكذا ان شارك الداخل بالشركة رجلا آخر.
وكذا ان شارك الثالث رابعا وهكذا.
ولا يشارك الشخص الا فيما له خاصة، دون ما للذى أشركه من قبل ودون ما لغيره من يتيم أو مجنون أو غائب أو غيرهم ودون مجموع ما أشركه مع غيره، لأن المشاركة بمنزلة الهبة ولا سيما ان كانت فى الربح، فانها حينئذ نفس هبة ما سيوجد بمنزلة هبة ما وجد ولا يهب الانسان مال غيره ولا ماله ومال غيره الا هبة ثواب أو هبة يرجو فيها مصلحة فانه يجوز له ذلك فى مال من قام عليه كغائب ويتيم ومجنون ووقف.
وقيل لا تجوز شركة فى ربح وحده وأما فى الشئ ويتبعه الربح فجائزة وذلك تبع فيه صاحب النيل أبا ستة رحمهما الله تعالى: ونتاج مشترك - ان كان أمة أو دابة تلد - وغلته. ان كان أرضا أو نباتا أو شجرا - بعد الشركة من الربح، فللداخل بالشركة نصيب فى ذلك اما قبل الشركة فللمشترى وحده ولو كان ذلك موجودا ان كان منفصلا وكان بحيث لا يتبع المبيع فان التشريك بيع.
ومن قال يختص بالربح فانه قال بمنزلته البيع ومؤنته من أكل وشرب ولباس وسكنى وحرز وقيد ومداواة ومن كل ما يحتاج اليه بعد المشاركة.
وجنايته وزكاته على الأول الذى هو المشترى الذى أدخل رجلا آخر مثلا لا على الداخل بالشركة على أن الشركة فى الربح فقط.
ولا يدرك شيئا من ذلك حتى يباع فيخرج مقدار ذاك المذكور من الجناية والمؤنة والزكاة للأول من ربح ان كان الربح وأخرج ذلك المذكور من ماله.
стр. 3850
وان لم يخرج ما لزمه من جناية أو زكاة حتى بيع بربح، فان شاء أخرجه من الربح، وان شاء أخرجه من ماله وأخذ مثله من الربح.
وان لم يكن ربح أخرج ذلك من ماله.
وان أخرجه قبل فذاك ولا رجوع له على أحد ويقسم الباقى من الربح بينه وبين من دخل بالشركة.
وجاز فعل الأول المشترى كله فى الشئ الذى شارك فيه غيره فى ربحه خاصة كهبة للثواب أو لغيره. وبيع بأنواعه واصداق واجارة ورهن واعطائه فى أرش أو دية وقضائه فى حق وتصدقه، وتدبير لموته أو لغير موته واعتاق بأى نوع ولو بكتابة، فان كان ربح ضمن حصة المشارك سواء تبين الربح فى ذاته، كما اذا أعتقه، أو دبره، أو رهنه، أو أصدقه، وقد تبين أن قيمته زادت على ما اشتراه به، أو تبين بفعله، كما اذا باعه بأكثر مما اشتراه به، أو رهنه فبيع بأكثر أو قضاه فى أكثر أو أعطاه فى اصداق بأكثر أو فى أرش أو دية بأكثر أو نحو ذلك.
وان باعه برخص فقلت الفائدة أو انتفت لم يدرك عليه ما نقص بالرخص ولو تعمده كذا يقال وأولى منه أن يدركه بل هنا قولان.
قيل له الربح قبل البيع.
وقيل: لا حتى يباع.
فعلى هذا القول الأخير أن باعه بلا ربح وقد وجد فيه فلا شئ للثانى.
أما فعل المشارك فلا يجوز فان فعل المشارك فيه ذلك قبل تحقق الربح لم يثبت فعله ولو كان اعتاقا لعدم تحقق ربح، فما لم يتحقق الربح فلا نصيب له فيه، فلا يصح فعله اجماعا اذا لم يكن الربح (١).
ثالثا: الاشراك فى الوصية
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (٢): أن من أوصى الى شخص فعجز الوصى عن التصرف ضم اليه غيره، لأن فى الضم رعاية الحقين، حق الوصى وحق الورثة، لأن تكميل النظر يحصل به، لأن النظر يتم باعانة غيره.
ولو شكا الوصى اليه ذلك فلا يجيبه حتى يعرف ذلك حقيقة، لأن الشاكى قد يكون كاذبا على نفسه.
ولو ظهر للقاضى عجزه استبدل به غيره رعاية للنظر من الجانبين.
стр. 3851
ولو كان قادرا على التصرف وهو أمين فيه ليس للقاضى أن يخرجه، لأنه مختار الميت ولو اختار غيره كان دونه فكان ابقاؤه أولى ألا ترى أنه قدم على أب الميت مع وفور شفقته فأولى أن يقدم على غيره.
وكذا اذا شكا الورثة أو بعضهم الوصى اليه لا ينبغى له أن يعز له حتى تبدو له منه خيانة، لأنه استفاد الولاية من الميت.
غير أنه اذا ظهرت الخيانة فاتت الأمانة والميت انما اختاره وليس من النظر ابقاؤه بعد فواتها، ولو كان حيا لأخرجه منها، فينوب القاضى منابه عند عجزه، ويقيم غيره مقامه، كأنه مات ولا وصى له.
واذا أوصى الى اثنين لم يكن لأحدهما أن يتصرف فى مال الميت.
فان تصرف فيه فهو باطل وهذا عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى.
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى:
ينفرد كل واحد منهما بالتصرف.
ثم قيل: الخلاف فيما اذا أوصى الى كل واحد منهما بعقد.
وأما اذا أوصى اليهما معا أو أوصى اليهما بعقد على حدة.
ومحل الخلاف اذا كان ذلك فى عقدين.
وأما اذا كان فى عقد واحد فلا ينفرد أحدهما بالاجماع كذا ذكره الكيسانى.
وقيل: الخلاف فى الفصلين جميعا ذكره أبو بكر الاسكاف.
وقال فى المبسوط وهو الأصح، ولا يخفى أن المراد من البطلان التوقف على اجازة الآخر أو رده بخلاف الوكيلين اذا وكلهما متفرقا حيث ينفرد كل واحد منهما بالتصرف بالاجماع.
والفرق ان ضم الثانى فى الايصاء دليل على عجز الأول عن المباشرة وحده، وهذا لأن ضم الايصاء الى الثانى يقصد به الاشتراك مع الأول، وهو يملك الرجوع عن الوصية للأول، فيملك اشتراك الثانى معه، وقد يوصى الانسان الى غيره على أنه يتمكن من اتمام مقصوده وحده، ثم يتبين له عجزه عن ذلك فيضم اليه غيره فصار بمنزلة الايصاء اليهما معا ولا كذلك الوكالة.
وبطلان تصرف أحد الوصيين على (١) الخلاف الذى مر انما يكون فى غير التجهيز وشراء الكفن، لأن فى التأخير فساد الميت ولهذا يملكه الجيران أيضا فى الحضر ويملكه الرفقة فى السفر.
стр. 3852
وكذلك لا يبطل تصرف أحد الوصيين لحاجة الصغار والاتهاب لهم، لأنه يخاف هلاكهم من الجوع والعرى، وانفراد أحدهما بذلك خير، ولهذا يملكه كل من هو فى يده.
ومثل ذلك أيضا رد وديعة عين وقضاء دين، لأن ذلك ليس من باب الولاية، وانما هو من باب الاعانة، ألا ترى أن صاحب الحق يملكه اذا ظفر به، بخلاف اقتضاء دين الميت، لأنه رضى بأمانتهما جميعا فى القبض، ولأن فيه معنى المبادلة، وعند اختلاف الجنس حقيقة المبادلة ورد المغصوب ورد المبيع فى البيع الفاسد من هذا القبيل، وكذا حفظ المال فلذلك ينفرد به احدهما دون صاحبه.
وما استثناه القدورى فى مختصرة بقوله الا فى شراء الكفن للميت وتجهيزه، وطعام الصغار وكسوتهم، ورد وديعة بعينها، وقضاء دين، وتنفيذ وصية بعينها، وعتق عبد بعينه، والخصومة فى حقوق الميت، فهذه تسعة أشياء كما ترى قصر القدورى الاستثناء عليها فى مختصره.
واقتفى أثره صاحب الهداية وزاد فيها عنى ذلك أشياء بقوله: ورد المغصوب والمشترى شراء فاسدا وحفظ الأموال وقبول الهبة وبيع ما يخشى عليه التوى والتلف وجميع الأموال الضائعة، وهذه التى زادها فى الهداية على ما فى الكتاب ستة أشياء فيصير مجموع الأشياء المعدودة خمسة عشر.
ثم قال فى البحر: ولو مات أحد الوصيين جعل القاضى مكانه وصيا آخر.
أما عندهما فظاهر، لأن الباقى منهما عاجز عن الانفراد بالتصرف فيضم القاضى اليه وصيا ينظر الى الميت عند عجز الميت.
وأما عند أبى يوسف فلأن الحى منهما وان كان يقدر على التصرف فالموصى قدر أن يجعل وصيين يتصرفان، وذلك ممكن لتحقيق نصب وصى آخر مكان الأول.
وجاء فى الدر المختار: وحاشية ابن عابدين (١) عليه: أنه لو قال الموصى: ما لى بين زيد وعمرو وعمرو ميت فلزيد نصفه، لأن كلمة بين توجب التنصيف.
قال ابن عابدين الظاهر أن هذا اذا دخلت على مفردين كما هنا أما لو دخلت على ثلاثة كقوله بين زيد وعمرو وبكر فانها توجب القسمة على عددهم.
وعلى هذا فاذا قال بين زيد وسكت فانما تتصف، لأن أقل الشركة بين اثنين ولا نهاية لما فوقهما.
وأما اذا دخلت على جمعين ففى المعراج
стр. 3853
لو قال بين بنى زيد وبين بنى بكر وليس لأحدهما بنون فكل الثلث لبنى الآخر، لأنه جعل كل الثلث مشتركا بين بنى زيد
حتى لو اقتصر عليه كان الثلث بينهم فاذا لم تثبت المزاحمة كان كل الثلث بينهم (١).
ولو أوصى بمائة لرجل وبمائة لآخر، وقال لآخر: أشركتك معهما فله ثلث كل مائة لتساوى نصيبهما، لأن الشركة للمساواة لغة ولهذا حمل قوله تعالى:
«فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» (٢) على المساواة فأمكنت المساواة فلكل ثلثا المائة.
ولو أوصى بأربعمائة مثلا لرجل وبمائتين لرجل آخر، وقال لآخر أشركتك معهما فله نصف ما لكل منهما لتفاوت نصيبهما فيساوى كلا منهما.
قال ابن عابدين ولا يمكن المساواة بين الكل فحملناه على مساواة الثالث مع كل واحد منهما بما سماه له، فيأخذ النصف من كل واحد من المالين.
ولو أوصى لزيد بأمة ولبكر بأمة أخرى ثم قال لآخر أشركتك معهما فان تفاوتا قيمة فله نصف كل اجماعا وكذا أن تساويا عنده وثلث كل عندهما بناء على قسمة الرقيق وعدمها.
وفى الدر (٣): ان أوصى بثلث ماله لرجل ثم قال لآخر أشركتك أو أدخلتك معه فالثلث بينهما لا مكان المساواة.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية (٤) الدسوقى عليه: أنه أن أوصى شخص لاثنين بلفظ واحد كجعلتكما وصيين، أو بلفظين فى زمن واحد، أو زمنين من غير تقييد باجتماع أو غير ذلك بدون صاحبه ألا بتوكيل منه.
فلا يستقل أحدهما ببيع أو شراء أو نكاح، أو غير ذلك بدون صاحبه ألا بتوكيل منه.
أما أن قيد الموصى فى وصيته بلفظ أو قرينة باجتماع أو انفراد عمل به.
قال ابن عبد السّلام ولم يجعلوا وصيته للثانى ناسخة للأول.
وان مات أحدهما أو اختلفا فى أمر كبيع أو شراء أو تزويج أو غير ذلك،
стр. 3854
فالحاكم ينظر فيما فيه الأصلح، هل يبقى الحى منهما أو يجعل معه غيره فى الأولى، أو يرد فعل أحدهما دون الآخر، أو يردهما معا فى الثانية.
ولا يجوز لأحدهما ايصاء فى حياته دون اذن صاحبه، وأما باذنه فيجوز.
ولا يجوز لهما قسم المال بينهما ليستقل كل بقسم منه يتصرف فيه على حدته، والا بأن اقتسماه ضمنا لما تلف منه ولو بسماوى للتفريط، فيضمن كل ما تلف منه، أو من صاحبه لرفع يده عما كان يجب وضعها عليه.
قال الدسوقى: وانما يضمن كل ما تلف منه، لا ستقلاله بالنظر فيه، مع أن الموصى أشركه مع غيره فى النظر فيه، فهو مقيد باستقلاله، ويضمن أيضا كل ما تلف من صاحبه، وذلك لتعديه برفع يده عما كان يجب وضعها عليه.
وما ذكره الشارح من ضمان كل ما تلف منه أو من صاحبه هو المعتمد.
وقيل: ان كل واحد يضمن ما هلك بيد صاحبه فقط، دون ما هلك بيده، ودرج عليه ابن الحاجب رحمه الله تعالى، والقولان لعبد الملك.
وكلام الدردير يحتمل لكل من القولين.
والحاصل أن القولين متفقان على أن كل واحد يضمن ما سلمه لصاحبه.
والخلاف انما هو فى ضمان كل منهما ما تلف بيده.
وفائدة ذلك أن كل واحد غريم بجميع المال أو بما قبضه صاحبه فقط.
وجاء فى التاج (١) والاكليل: نقلا عن المدونة: من أوصى الى وصيين فليس لأحدهما بيع، ولا شراء، ولا نكاح، ولا غيره دون صاحبه، الا أن يوكله.
قال ابن عرفة رحمه الله تعالى:
وسواء أوصى اليهما على سبيل المعية والشركة فى زمان، أو فى زمانين.
وقوله الا أن يوكله زاد فى الموازية الا مالا بد منه من الشئ التافه من الطعام، ومالا بد منه مما يضر بهم تأخيره فهو خفيف اذا غاب الآخر وأبطأ.
وقال ابن سلمون رحمه الله تعالى:
اذا كان هناك مشرف فما فعله الوصى بغير علم المشرف مضى ان كان سدادا، فان أراد المشرف أن يرد السداد لم يكن له
стр. 3855
ذلك، والمال لا يكون الا عند الوصى لا عند المشرف.
وقال ابن رشد رحمه الله تعالى: فليس نكاح أحد الوصيين بمنزلة انكاح الوصى دون اذن المشرف والمشرف ليس بوصى، ولا ولى، ولا له من ولاية العقد شئ، انما له المشاورة التى جعلت له خاصة.
وقال ابن شاس رحمه الله تعالى: ان مات احدهما استقل الآخر.
قال ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى هذا بعيد فى الفقه.
قال ابن عرفة فى الموازية لابن القاسم أنه لو مات أحدهما ولم يوص، فان كان الباقى بين العدالة والكفاءة لم يجعل القاضى معه غيره.
وروى محمد اذا عزل أحد الوصيين بجناية لم يجعل مع الآخر غيره.
وروى على أنه يجعل معه غيره، ومال اليه سحنون.
وروى عن المدونة ان اختلف نظر السلطان.
وقال اللخمى أن رد السلطان ما فعله أحدهما صوابا اثبته وان كره الآخر.
ورشح البرزلى فى نوازله أن فعل فعلا لو رفع للحاكم لم يفعل غيره فانه يكون كأن الحاكم فعله وليس لأحدهما أيصاء.
قال عيسى للوصى أن يوكل فى حياته وعند موته قاله مالك وجميع أصحابه.
قال ابن رشد لا خلاف بينهم فيه انما الخلاف فى الوصيين المشترك بينهما فى الايصاء، هل لأحدهما أن يوصى بما اليه من الوصية أم لا؟ على ثلاثة أقوال.
الأول أن ذلك له ولو الى من ليس معه فى الوصية، أتت الرواية بهذا عن مالك، وهو ظاهر قوله فى المدونة، وهو ظاهر قول عيسى.
الثانى: ليس له ذلك وهو الى من معه فى الوصية وهو ظاهر قول سحنون.
الثالث: أنه ليس له ذلك لا الى شريكه فى الايصاء، وهو الذى تأوله الشيوخ على سحنون فى قوله فى المدونة.
وقال (١) ابن عات ان قسم الوصيان المال فباع أحدهما دون اذن صاحبه لم يجز بيعه ويرده الآخر ويضمنه أن فات الا أن يكون شرط الموصى أن من عاقه عائق فالباقى منهما منفرد بالوصية، ففعل أحدهما جائز وقت مغيب الآخر أو شغله من غير وكالة ولا ضمان عليه فيما فعل حينئذ.
قال الحطاب هذا على مذهب ابن الماجشون لسحنون.