← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

ولو كان قادرا على التصرف وهو أمين فيه ليس للقاضى أن يخرجه، لأنه مختار الميت ولو اختار غيره كان دونه فكان ابقاؤه أولى ألا ترى أنه قدم على أب الميت مع وفور شفقته فأولى أن يقدم على غيره. وكذا اذا شكا الورثة أو بعضهم الوصى اليه لا ينبغى له أن يعز له حتى تبدو له منه خيانة، لأنه استفاد الولاية من الميت. غير أنه اذا ظهرت الخيانة فاتت الأمانة والميت انما اختاره وليس من النظر ابقاؤه بعد فواتها، ولو كان حيا لأخرجه منها، فينوب القاضى منابه عند عجزه، ويقيم غيره مقامه، كأنه مات ولا وصى له. واذا أوصى الى اثنين لم يكن لأحدهما أن يتصرف فى مال الميت. فان تصرف فيه فهو باطل وهذا عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: ينفرد كل واحد منهما بالتصرف. ثم قيل: الخلاف فيما اذا أوصى الى كل واحد منهما بعقد. وأما اذا أوصى اليهما معا أو أوصى اليهما بعقد على حدة. ومحل الخلاف اذا كان ذلك فى عقدين. وأما اذا كان فى عقد واحد فلا ينفرد أحدهما بالاجماع كذا ذكره الكيسانى. وقيل: الخلاف فى الفصلين جميعا ذكره أبو بكر الاسكاف. وقال فى المبسوط وهو الأصح، ولا يخفى أن المراد من البطلان التوقف على اجازة الآخر أو رده بخلاف الوكيلين اذا وكلهما متفرقا حيث ينفرد كل واحد منهما بالتصرف بالاجماع. والفرق ان ضم الثانى فى الايصاء دليل على عجز الأول عن المباشرة وحده، وهذا لأن ضم الايصاء الى الثانى يقصد به الاشتراك مع الأول، وهو يملك الرجوع عن الوصية للأول، فيملك اشتراك الثانى معه، وقد يوصى الانسان الى غيره على أنه يتمكن من اتمام مقصوده وحده، ثم يتبين له عجزه عن ذلك فيضم اليه غيره فصار بمنزلة الايصاء اليهما معا ولا كذلك الوكالة. وبطلان تصرف أحد الوصيين على (١) الخلاف الذى مر انما يكون فى غير التجهيز وشراء الكفن، لأن فى التأخير فساد الميت ولهذا يملكه الجيران أيضا فى الحضر ويملكه الرفقة فى السفر.

стр. 3852

وكذلك لا يبطل تصرف أحد الوصيين لحاجة الصغار والاتهاب لهم، لأنه يخاف هلاكهم من الجوع والعرى، وانفراد أحدهما بذلك خير، ولهذا يملكه كل من هو فى يده. ومثل ذلك أيضا رد وديعة عين وقضاء دين، لأن ذلك ليس من باب الولاية، وانما هو من باب الاعانة، ألا ترى أن صاحب الحق يملكه اذا ظفر به، بخلاف اقتضاء دين الميت، لأنه رضى بأمانتهما جميعا فى القبض، ولأن فيه معنى المبادلة، وعند اختلاف الجنس حقيقة المبادلة ورد المغصوب ورد المبيع فى البيع الفاسد من هذا القبيل، وكذا حفظ المال فلذلك ينفرد به احدهما دون صاحبه. وما استثناه القدورى فى مختصرة بقوله الا فى شراء الكفن للميت وتجهيزه، وطعام الصغار وكسوتهم، ورد وديعة بعينها، وقضاء دين، وتنفيذ وصية بعينها، وعتق عبد بعينه، والخصومة فى حقوق الميت، فهذه تسعة أشياء كما ترى قصر القدورى الاستثناء عليها فى مختصره. واقتفى أثره صاحب الهداية وزاد فيها عنى ذلك أشياء بقوله: ورد المغصوب والمشترى شراء فاسدا وحفظ الأموال وقبول الهبة وبيع ما يخشى عليه التوى والتلف وجميع الأموال الضائعة، وهذه التى زادها فى الهداية على ما فى الكتاب ستة أشياء فيصير مجموع الأشياء المعدودة خمسة عشر. ثم قال فى البحر: ولو مات أحد الوصيين جعل القاضى مكانه وصيا آخر. أما عندهما فظاهر، لأن الباقى منهما عاجز عن الانفراد بالتصرف فيضم القاضى اليه وصيا ينظر الى الميت عند عجز الميت. وأما عند أبى يوسف فلأن الحى منهما وان كان يقدر على التصرف فالموصى قدر أن يجعل وصيين يتصرفان، وذلك ممكن لتحقيق نصب وصى آخر مكان الأول. وجاء فى الدر المختار: وحاشية ابن عابدين (١) عليه: أنه لو قال الموصى: ما لى بين زيد وعمرو وعمرو ميت فلزيد نصفه، لأن كلمة بين توجب التنصيف. قال ابن عابدين الظاهر أن هذا اذا دخلت على مفردين كما هنا أما لو دخلت على ثلاثة كقوله بين زيد وعمرو وبكر فانها توجب القسمة على عددهم. وعلى هذا فاذا قال بين زيد وسكت فانما تتصف، لأن أقل الشركة بين اثنين ولا نهاية لما فوقهما. وأما اذا دخلت على جمعين ففى المعراج

стр. 3853

لو قال بين بنى زيد وبين بنى بكر وليس لأحدهما بنون فكل الثلث لبنى الآخر، لأنه جعل كل الثلث مشتركا بين بنى زيد حتى لو اقتصر عليه كان الثلث بينهم فاذا لم تثبت المزاحمة كان كل الثلث بينهم (١). ولو أوصى بمائة لرجل وبمائة لآخر، وقال لآخر: أشركتك معهما فله ثلث كل مائة لتساوى نصيبهما، لأن الشركة للمساواة لغة ولهذا حمل قوله تعالى: «فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» (٢) على المساواة فأمكنت المساواة فلكل ثلثا المائة. ولو أوصى بأربعمائة مثلا لرجل وبمائتين لرجل آخر، وقال لآخر أشركتك معهما فله نصف ما لكل منهما لتفاوت نصيبهما فيساوى كلا منهما. قال ابن عابدين ولا يمكن المساواة بين الكل فحملناه على مساواة الثالث مع كل واحد منهما بما سماه له، فيأخذ النصف من كل واحد من المالين. ولو أوصى لزيد بأمة ولبكر بأمة أخرى ثم قال لآخر أشركتك معهما فان تفاوتا قيمة فله نصف كل اجماعا وكذا أن تساويا عنده وثلث كل عندهما بناء على قسمة الرقيق وعدمها. وفى الدر (٣): ان أوصى بثلث ماله لرجل ثم قال لآخر أشركتك أو أدخلتك معه فالثلث بينهما لا مكان المساواة. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير وحاشية (٤) الدسوقى عليه: أنه أن أوصى شخص لاثنين بلفظ واحد كجعلتكما وصيين، أو بلفظين فى زمن واحد، أو زمنين من غير تقييد باجتماع أو غير ذلك بدون صاحبه ألا بتوكيل منه. فلا يستقل أحدهما ببيع أو شراء أو نكاح، أو غير ذلك بدون صاحبه ألا بتوكيل منه. أما أن قيد الموصى فى وصيته بلفظ أو قرينة باجتماع أو انفراد عمل به. قال ابن عبد السّلام ولم يجعلوا وصيته للثانى ناسخة للأول. وان مات أحدهما أو اختلفا فى أمر كبيع أو شراء أو تزويج أو غير ذلك،

стр. 3854

فالحاكم ينظر فيما فيه الأصلح، هل يبقى الحى منهما أو يجعل معه غيره فى الأولى، أو يرد فعل أحدهما دون الآخر، أو يردهما معا فى الثانية. ولا يجوز لأحدهما ايصاء فى حياته دون اذن صاحبه، وأما باذنه فيجوز. ولا يجوز لهما قسم المال بينهما ليستقل كل بقسم منه يتصرف فيه على حدته، والا بأن اقتسماه ضمنا لما تلف منه ولو بسماوى للتفريط، فيضمن كل ما تلف منه، أو من صاحبه لرفع يده عما كان يجب وضعها عليه. قال الدسوقى: وانما يضمن كل ما تلف منه، لا ستقلاله بالنظر فيه، مع أن الموصى أشركه مع غيره فى النظر فيه، فهو مقيد باستقلاله، ويضمن أيضا كل ما تلف من صاحبه، وذلك لتعديه برفع يده عما كان يجب وضعها عليه. وما ذكره الشارح من ضمان كل ما تلف منه أو من صاحبه هو المعتمد. وقيل: ان كل واحد يضمن ما هلك بيد صاحبه فقط، دون ما هلك بيده، ودرج عليه ابن الحاجب رحمه الله تعالى، والقولان لعبد الملك. وكلام الدردير يحتمل لكل من القولين. والحاصل أن القولين متفقان على أن كل واحد يضمن ما سلمه لصاحبه. والخلاف انما هو فى ضمان كل منهما ما تلف بيده. وفائدة ذلك أن كل واحد غريم بجميع المال أو بما قبضه صاحبه فقط. وجاء فى التاج (١) والاكليل: نقلا عن المدونة: من أوصى الى وصيين فليس لأحدهما بيع، ولا شراء، ولا نكاح، ولا غيره دون صاحبه، الا أن يوكله. قال ابن عرفة رحمه الله تعالى: وسواء أوصى اليهما على سبيل المعية والشركة فى زمان، أو فى زمانين. وقوله الا أن يوكله زاد فى الموازية الا مالا بد منه من الشئ التافه من الطعام، ومالا بد منه مما يضر بهم تأخيره فهو خفيف اذا غاب الآخر وأبطأ. وقال ابن سلمون رحمه الله تعالى: اذا كان هناك مشرف فما فعله الوصى بغير علم المشرف مضى ان كان سدادا، فان أراد المشرف أن يرد السداد لم يكن له

стр. 3855

ذلك، والمال لا يكون الا عند الوصى لا عند المشرف. وقال ابن رشد رحمه الله تعالى: فليس نكاح أحد الوصيين بمنزلة انكاح الوصى دون اذن المشرف والمشرف ليس بوصى، ولا ولى، ولا له من ولاية العقد شئ، انما له المشاورة التى جعلت له خاصة. وقال ابن شاس رحمه الله تعالى: ان مات احدهما استقل الآخر. قال ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى هذا بعيد فى الفقه. قال ابن عرفة فى الموازية لابن القاسم أنه لو مات أحدهما ولم يوص، فان كان الباقى بين العدالة والكفاءة لم يجعل القاضى معه غيره. وروى محمد اذا عزل أحد الوصيين بجناية لم يجعل مع الآخر غيره. وروى على أنه يجعل معه غيره، ومال اليه سحنون. وروى عن المدونة ان اختلف نظر السلطان. وقال اللخمى أن رد السلطان ما فعله أحدهما صوابا اثبته وان كره الآخر. ورشح البرزلى فى نوازله أن فعل فعلا لو رفع للحاكم لم يفعل غيره فانه يكون كأن الحاكم فعله وليس لأحدهما أيصاء. قال عيسى للوصى أن يوكل فى حياته وعند موته قاله مالك وجميع أصحابه. قال ابن رشد لا خلاف بينهم فيه انما الخلاف فى الوصيين المشترك بينهما فى الايصاء، هل لأحدهما أن يوصى بما اليه من الوصية أم لا؟ على ثلاثة أقوال. الأول أن ذلك له ولو الى من ليس معه فى الوصية، أتت الرواية بهذا عن مالك، وهو ظاهر قوله فى المدونة، وهو ظاهر قول عيسى. الثانى: ليس له ذلك وهو الى من معه فى الوصية وهو ظاهر قول سحنون. الثالث: أنه ليس له ذلك لا الى شريكه فى الايصاء، وهو الذى تأوله الشيوخ على سحنون فى قوله فى المدونة. وقال (١) ابن عات ان قسم الوصيان المال فباع أحدهما دون اذن صاحبه لم يجز بيعه ويرده الآخر ويضمنه أن فات الا أن يكون شرط الموصى أن من عاقه عائق فالباقى منهما منفرد بالوصية، ففعل أحدهما جائز وقت مغيب الآخر أو شغله من غير وكالة ولا ضمان عليه فيما فعل حينئذ. قال الحطاب هذا على مذهب ابن الماجشون لسحنون.

стр. 3856

ومن أوصى (١) بشئ لانسان ثم أوصى به لآخر فانهما يشتركان فيه، وكذلك لو أوصى لواحد بثلثه، ثم أوصى لآخر اشتركا فيه، وكذلك لو أوصى لواحد بالثلث، ثم لآخر بالنصف أو بالجميع لاشتركا فى الثلث على نسبة الأجزاء. مذهب الشافعية: جاء فى نهاية (٢) المحتاج: أنه لو وصى اثنين وشرط عليهما الاجتماع أو اطلق بأن قال أوصيت اليكما أو الى فلان، ثم قال ولو بعد مدة أوصيت الى فلان. وظاهر كلامهم هنا عدم الفرق بين علمه بالأول وعدمه وعليه فيفرق بين هذا ونظيره السابق قبل الفصل بأن الاجتماع هنا ممكن مقصود للموصى، لأن فيه مصلحة له، وثم اجتماع الملكين على الموصى به وهو متعذر والتشريك خلاف مدلول اللفظ فتعين النظر للقرينة، وهى وجود علمه وعدمه. ولو قال أوصيت اليه فيما أوصيت فيه لزيد، كان رجوعا لم ينفرد أحدهما فيما اذا قبلا بالتصرف، عملا بالشرط فى الأول، واحتياطا فى الثانى، فلابد من اجتماعهما فيه، بأن يصدر عن رأيهما، أو يأذنا لثالث فيه. ومحل ذلك فيما يتعلق بالطفل وماله وتفرقة وصية غير معينة وقضاء دين ليس فى التركة جنسه، بخلاف رد وديعة وعارية ومغصوب وقضاء دين فى التركة جنسه، فلكل الانفراد به، لأن لصاحبه الاستقلال بأخذه، وقضية الاعتداد به. ووقوعه موقعه اباحة الاقدام عليه وهو الأوجه وان بحثا خلافه. ولو اختلف وصيا التصرف المستقلان فيه نفذ تصرف السابق، أو غير المستقلين فيه الزما العمل بحسب المصلحة التى رآها الحاكم، فان امتنع أو احدهما أو خرجا أو احدهما عن أهليه التصرف أناب عنهما، أمينين أو أمينا، أو فى التصرف أو فى الحفظ والمال مما لا ينقسم استقلا أولا تولاه الحاكم فان انقسم قسمه بينهما. ولكل التصرف بحسب الاذن، فان تنازعا فى عين النصف المحفوظ أقرع بينهما، فان نص على اجتماعهما فى الحفظ لم ينفرد أحدهما بحال الا أن صرح به أى الانفراد فيجوز حينئذ كالوكالة. وكذا لو قال الى كل منكما أو كل منكما وصيى فى كذا، أو أنتما وصياى فى كذا. ويفرق بين هذا وأوصيت اليكما، بأنه

стр. 3857

هنا أثبت لكل وصف الوصايا، فدل على الاستقلال بخلافه. ثم لو جعل عليه أو عليهما مشرفا أو ناظرا لم يثبت له تصرف، وانما يتوقف على مراجعته كما فى البحر قال الأذرعى الا فى نحو شراء يقل مما لا يحتاج لنظر. وجاء فى موضع (١) آخر: أنه يدخل فى وصية الفقراء المساكين وعكسه. والمراد بهما هنا ما يأتى فى قسم الصدقات فيتعين المسلمون، فما وصى به لأحدهما يجوز دفعه الى الآخر، لأنهما اذا افترقا اجتمعا، واذا اجتمعا افترقا. ويجوز النقل هنا الى غير فقراء بلد المال، لأن الاطماع اليها لا تمتد كامتدادها فى الزكاة والوصية لليتامى، أو الأرامل، أو الأيامى، أو العميان، أو الحجاج، أو الزمنى، أو أهل السجون، أو الغارمين، أو لتكفين الموتى، أو حفر قبورهم تقتضى اشتراط فقرهم، وان استبعده الأذرعى فى الحجاج. ووجه اعتباره فيهم أن الحج يستلزم السفر بل طوله غالبا وهو يستلزم الحاجة غالبا، فكان مشعرا بالفقر، فلذا اختص بفقرائهم، واليتيم صغير لا أب له، والأيم لا يشترط فيها تقدم زوج، ويشتركان فى اشتراط الخلو عن الزوج حالا. ولو أوصى للأرامل أو الأبكار أو الثيب لم يدخل فيهن الرجال وأن لم يكن له زوجات أو للعزاب صرف لرجل لا زوجة له. ولا تدخل المرأة الخلية فى أوجه الرأيين. ولو جمعهما أى النوعين فى وصية شرك الموصى به بينهما أى شركه الوصى ان كان، والا فالحاكم نصفين، فيحمل نصف الموصى به للفقراء، ونصفه للمساكين كما فى الزكاة، ولا يقسم ذلك على عدد رءوسهم، ولا يجب استيعابهم بل يستحب عند الامكان. بخلاف ما لو أوصى لبنى زيد وبنى عمرو حيث يقسم على عددهم ولا ينصف. وأقل كل صنف من الفقراء والمساكين مثلا حيث لم يقيدوا بمحل أو قيدوا به وهم غير محصورين ثلاثة لأنها أقل الجمع. ثم قال (٢): أنه يفرق بين الوصية للوراث وغيره بأنه لو أوصى بشى لزيد ثم به

стр. 3858

لعمرو، ومثله ما لو أوصى بحامل لزيد، وبحملها لعمرو أو عكس، وقلنا، بأن الوصية تستتبع الحمل، فانه يشرك بينهما، لاحتمال نسيانه للأولى، بأن الثانى هنا لما ساوى الأول فى كونه موصى له، وطارئا استحقاقه، لم يكن ضمه اليه صريحا فى رفعه فأثر فيه احتمال النسيان، وشركنا لعدم المرجح، بخلاف الوارث، فانه مغاير له، واستحقاقه أصلى، فكان ضمه اليه رافعا لقوته. ولو أوصى بشئ (١) لزيد، ثم لعمرو وشرك بينهما لأن الجملة اثنان ونسبة كل اليها النصف، فهو على طبق ما يأتى عن الشيخين، وان وهم فيه بعضهم زاعما أن محل التشريك هنا هو محل الرجوع، نظير ما يأتى عن الاسنوى، فاذا رد أحدهما أخذ الآخر الجميع. بخلاف ما لو أوصى به لهما ابتداء فرد أحدهما يكون النصف للوارث دون الآخر، لأنه لم يوجب له سوى النصف نصا. ولو أوصى بها لواحد، ثم بنصفها لآخر كانت أثلاثا ثلثاها للأول، وثلثها للثانى. وما ادعاه الاسنوى من أن هذا غلط، وأن الصواب أنها أرباع بناء على أن محل التشريك هو محل الرجوع هو الغلط، لأن المرعى عندهم فى ذلك طريقة العول، بأن يقول معنا مال ونصف مال، فيضم النصف الى الكل، فتكون الجملة عندهم ثلاثة، تقسم على النسبة، فيكون لصاحب المال ثلثاه، ولصاحب النصف الثلث، وقد ذكرها الشيخان فى القسم الثانى فى حساب الوصايا. ويستأنس لهذا من القرآن الكريم، بأن الله ﵎ جعل للابن اذا انفرد جميع المال، وللبنت اذا انفردت النصف، فاذا اجتمعا أخذ الابن قدرها مرتين، فكذلك قلنا، يعطى الموصى له بالجميع الثلثين، والموصى له بالنصف الثلث. هذا هو الصواب. والذى فى المهمات سهو. وقد يجمع بينهما بأن كلام الاسنوى عند احتمال ارادة الموصى التشريك بينهما، وكلام الشيخين عند انتفائه. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع (٢) أنه اذا أوصى شخص الى واحد وأوصى بعده الى آخر فهما وصيان، ولم يكن ذلك عزلا

стр. 3859

للأول، لأن اللفظ لا يدل عليه مطابقة ولا تضمنا، ولا يستلزمه، فان الجمع ممكن كما لو أوصى اليهما جميعا فى حالة واحدة الا أن يقول قد أخرجت الأول فان قاله أو نحوه مما يدل عليه انعزل، لحصول مقصود العزل ممن يملكه. وليس لأحد الوصيين الانفراد بالتصرف، لأن الموصى لم يرض الا بتصرفهما، وانفراد أحدهما يخالف ذلك، الا أن يجعل الموصى التصرف لكل منهما، فلكل منهما الانفراد حينئذ، لرضا الموصى بذلك، أو يجعل التصرف لأحدهما، واليد للآخر، فيصح تصرفه منفردا، عملا بالوصية، واذا أرادا التصرف، فالظاهر أن المراد باجتماعهما ليس معناه تلفظهما بصيغ العقد، معا بل صدور التصرف عن رأيهما واجتهادهما. ثم لا فرق بين أن يباشر أحدهما التصرف وحده، أو يباشره الغير باذنهما. ولا يشترط أن يوكل أحدهما الآخر. وان اختلفا فى شئ وقف الأمر حتى يتفقا وان مات أحدهما، أو جن، أو غاب، أو وجد منه ما يوجب عزله كسفه وعزله نفسه، ولم يكن الموصى جعل لكل منهما الانفراد بالتصرف، أقام الحاكم مقام الميت أو المجنون ونحوه أمينا، ليتصرف مع الآخر. وأن أراد الحاكم أن يكتفى بالباقى منهما لم يجز له الاكتفاء به، لأن الموصى لم يكتف بأحدهما، فلا يقتصر عليه، اذ الوصية تقطع نظر الحاكم واجتهاده. فان جعل الموصى لكل منهما الانفراد بالتصرف، أو جعل التصرف لأحدهما صح تصرفه منفردا. فان مات أحدهما، والحالة هذه لم يكن للحاكم أن يقيم مقامه، أو خرج أحدهما عن أهلية التصرف، والحالة هذه لم يكن للحاكم أن يقيم مقامه، واكتفى بالباقى منهما، لرضا الموصى به الا أن يعجز الباقى عن التصرف وحده، فيضم الحاكم اليه أمينا يعاونه. ولو حدث لأحدهما عجز، لضعف، أو كثرة عمل ونحوه، ولم يكن لكل واحد منهما التصرف منفردا، ضم الحاكم أمينا لمن عجز يعاونه، والوصى هو الأول. واذا اختلف الوصيان وليسا مستقلين عند من يجعل المال منهما، بأن طلب كل أن يكون المال تحت يده، أو يد الآخر لم يجعل المال عند واحد منهما، لعدم رضا الموصى بذلك، ولم يقسم المال بينهما، لأن من لوازم الشركة فى التصرف الشركة فى الحفظ، لأنه مما وصى به، فلا يستقل ببعض الحفظ، كما لا يستقل ببعض التصرف، وجعل المال فى مكان تحت أيديهما لكل واحد منهما عليه نحو قفل، فان تعذر ذلك ختما عليه ودفع الى أمين القاضى، وان كانا مستقلين احتمل ذلك، واحتمل القسمة، ذكره الحارثى.

стр. 3860

وان نصب الموصى وصيا ونصب الموصى عليه ناظرا يرجع الوصى الى رأيه، ولا يتصرف الوصى الا باذنه جاز. قلت: فان خالف لم ينفذ تصرفه، لأن الموصى لم يرض برأيه وحده. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم (١) فى المحلى: لا تجوز الوصية لميت، لأن الميت لا يملك شيئا. فمن أوصى لحى ثم مات بطلت الوصية له. فان أوصى لحى ولميت جاز، نصفها للحى وبطل نصف الميت. وكذلك لو أوصى لحيين ثم مات أحدهما جاز للحى فى النصف، وبطلت حصة الميت، وهو قول على بن أبى طالب كرم الله وجهه وغيره. مذهب الزيدية: قال صاحب (٢) التاج المذهب: اعلم أن المشارف مع الوصى لو قال الموصى وفلان مشارف معك أو عليك وكذا الرقيب والمهيمن والمشروط علمه ورأيه واستشارته وصى مع ذلك الوصى المأمور بالتصرف فهما معا وصيان كما لو قال أوصيت اليكما معا لا المشروط حضوره، أو شهادته، أو اطلاعه، فانه لا يكون وصيا، لأن هذا اللفظ لا يفيد الا الشهادة لا غيره، وأما حضوره فلابد منه. فان امتنع أو مات بطلت الوصية. واذا أسند وصايته الى شخصين أو وصى ومشارف، أو رقيب كان لكل منهما أن ينفرد بالتصرف فيما يتعلق بتركة الميت مما تناوله أمره من قبض أو اقباض، اذ هو وصى مستقل. ولو تصرف فى حضرة الآخر جاز ومع غيبته أولى. الا أن يشرط الموصى الاجتماع فى تصرفهما عنه فلا يصح تصرف المنفرد منهما، لمخالفته ما أمر به، فان فعل بقى موقوفا على اجازة الآخر، اذ لا بد أن يكونا مجتمعين على التصرف، أو فى حكم المجتمعين، بأن يوكل أحدهما فى انفاذ ذلك التصرف. فان غاب أحدهما أو تمرد أو تعذرت مواصلته تأخر تصرف الآخر حتى يمكن اجتماعهما.

стр. 3861

وأما لو مات أحدهما بطلت ولاية الآخر الا أن يوصى اليه الميت أو الى غيره، لأنه يقوم مقامه. وقال فى البحر، أما فى رد الوديعة والمغصوب فلا يجب الاجتماع ولو شرط الموصى، لأنه لا يحتاج الى ولاية. وهكذا لو قال سلما هذه الدراهم الى زيد عن زكاتى لم يشترط الاجتماع وصح من أحدهما. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة (١) البهية: أنه تصح الوصية الى الصبى منضما الى كامل، لكن لا يتصرف الصبى حتى يكمل فينفرد الكامل قبله، ثم يشتركان فيها مجتمعين. نعم لو شرط عدم تصرف الكامل الى أن يبلغ الصبى اتبع شرطه. وحيث يجوز تصرف الكامل قبل بلوغه لا يختص بالضرورى، بل له كمال التصرف وانما يقع الاشتراك فى المتخلف. ولا اعتراض للصبى بعد بلوغه فى نقض ما وقع من فعل الكامل موافقا للمشروع، والى المرأة والخنثى عندنا مع اجتماع الشرائط لانتفاء المانع. وقياس الوصية على القضاء واضح الفساد، لأن القضاء ولاية عامة ولا ولاية لها والوصايا ولاية خاصة. ويصح تعدد الوصى فيجتمعان لو كانا اثنين فى التصرف بمعنى صدوره عن رأيهما ونظرهما وان باشر أحدهما، الا أن يشترط لهما الانفراد فيجوز حينئذ لكل واحد منمها التصرف بمقتضى نظره. فان تعاسرا فأراد أحدهما نوعا من التصرف ومنعه الآخر صح تصرفهما فيما لا بد منه، كمؤنة اليتيم، والدابة، واصلاح العقار ووقف غيره على اتفاقهما وللحاكم الشرعى اجبارهما على الاجتماع من غير أن يستبدل بهما مع الامكان، اذ لا ولاية له فيما فيه وصى. فان تعذر عليه جمعهما استبدل بهما تنزيلا لهما بالتعذر منزلة المعدوم، لاشتراكهما فى الغاية، كذا أطلق الأصحاب. وهو يتم مع عدم اشتراط عدالة الوصى أما معه فلا، لأنهما بتعاسرهما يفسقان لوجوب المبادرة الى أخراج الوصية مع الامكان، فيخرجان بالفسق عن الوصاية، ويستبدل بهما الحاكم، فلا يتصور اجبارهما على هذا التقدير.

стр. 3862

وكذا لو لم نشترطها وكانا عدلين لبطلانها بالفسق حينئذ على المشهور. نعم لو لم نشترطها، ولا كانا عدلين أمكن اجبارهما مع التشاح، وليس لهما قسمة المال، لأنه خلاف مقتضى الوصية من الاجتماع فى التصرف. ولو شرط لهما الانفراد ففى جواز الاجتماع نظر، من أنه خلاف الشرط فلا يصح، ومن أن الاتفاق على الاجتماع يقتضى صدوره عن رأى كل واحد منهما وشرط الانفراد اقتضى الرضا برأى كل واحد وهو حاصل ان لم يكن هنا آكد. والظاهر أن شرط الانفراد رخصة لهما لا تضييق. نعم لو حصل لهما فى حال الاجتماع نظر مخالف له حال الانفراد توجه المنع، لجواز كون المصيب هو حالة الانفراد، ولم يرض الموصى الا به. ولو نهاهما عن الاجتماع اتبع قطعا عملا بمقتضى الشرط الدال صريحا على أن النهى عن الاجتماع فيتبع. ولو جوز لهما الأمرين، الاجتماع والانفراد أمضى ما جوزه، وتصرف كل منهما كيف شاء من الاجتماع والانفراد. فلو اقتسما المال فى هذه الحالة جاز بالتنصيف والتفاوت حيث لا يحصل بالقسمة ضرر، لأن مرجع القسمة حينئذ الى تصرف كل منهما فى البعض وهو جائز بدونها. ثم بعد القسمة لكل منهما التصرف فى قسمة الآخر وان كانت فى يد صاحبه، لأنه وصى فى المجموع فلا تزيل القسمة ولايته فيه. ولو ظهر من الوصى المتحد أو المتعدد على وجه يفيد الاجتماع عجز ضم الحاكم اليه معينا، لأنه بعجزه خرج عن الاستقلال المانع من ولاية الحاكم وبقدرته على المباشرة فى الجملة لم يخرج عن الوصاية، بحيث يستقل الحاكم فيجمع بينهما بالضم. ومثله ما لو مات أحد الوصيين على الاجتماع. أما المأذون لهما فى الانفراد فليس للحاكم الضم الى أحدهما بعجز الآخر لبقاء وصى كامل. وبقى قسم آخر وهو ما لو شرط لأحدهما الاجتماع وسوغ للآخر الانفراد فيجب اتباع شرطه فيتصرف المستقل بالاستقلال، والآخر مع الاجتماع خاصة. وقريب منه ما لو شرط لهما الاجتماع موجودين وانفراد الباقى بعد موت الآخر، أو عجزه فيتبع شرطه. وكذا يصح شرط مشرف على أحدهما بحيث

стр. 3863

لا يكون للمشرف شئ من التصرفات وانما يصدر عن رأيه، فليس للوصى التصرف بدون اذنه مع الامكان، فان تعذر ولو بامتناعه ضم الحاكم الى الوصى معينا كالمشروط له الاجتماع على الأقوى، لأنه فى معناه حيث لم يرض برأيه منفردا. وكذا يجوز اشتراط تصرف أحدهما فى نوع خاص، والآخر فى الجميع منفردين ومجتمعين على ما اشتركا فيه. ولو خان الوصى المتحد، أو أحد المجتمعين أو فسق بغير الخيانة عزله الحاكم، بل الأجود انعزاله بذلك من غير توقف على عزل الحاكم، لخروجه عن شرط الوصاية، وأقام الحاكم مكانه وصيا مستقلا ان كان المعزول واحدا، أو منضما الى الباقى ان كان أكثر. وجاء فى موضع (١) آخر: أنه لو قال أعطوا زيدا والفقراء فلزيد النصف، لأن الوصية لفريقين فلا ينظر الى أحدهما كما لو أوصى لشخصين أو قبيلتين. وقيل الربع، لأن أقل الفقراء ثلاثة من حيث الجمع وان كان جمع كثرة لما تقدم من دلالة العرف واللغة على اتحاد الجمعين. فاذا أشرك بين زيد وبينهم بالعطف كان كأحدهم. ويضعف بأن التشريك بين زيد والفقراء لا بينه وبين آحادهم، فيكون زيد فريقا والفقراء فريقا آخر. وفى المسألة وجه ثالث وهو أن يكون زيد كواحد منهم، لأنهم وان كانوا جمعا يصدق بالثلاثة لكنه يقع على ما زاد، ولا يتعين الدفع الى ثلاثة بل يجوز الى ما زاد أو يتعين حيث يوجد فى البلد. ومقتضى التشريك أن يكون كواحد منهم وهو أمتن من السابق وان كان الأصح الأول. مذهب الإباضية: جاء فى شرح (٢) النيل: أنه جاء فى الأثر من أوصى الى وصيين أو أكثر، ولم يجعل لأحدهم ما لجملتهم فليس له أن ينفذ الا برأيهم أو حضرتهم وقيل لكل أن ينفذ الثلث أن كانوا ثلاثة وهكذا وان جعل لكل مالهم كان له. ويجوز أمر الواحد فى ذلك وان لم يقل الا أنهم أوصياؤه كان التصرف عن الكل. وان جعل لهم التصديق فيما أوصى به فمات أحدهم بطل. وان اختلف الوصيان كان نصف المال عند كل.

стр. 3864

وقيل بأتمنان عليه غيرهما لا أحدهما الا أن تراضيا. وفى اجازة أيصاء الوصى فيما أوصى اليه فيه قولان. وأن أوصى أحدهما الآخر فمجيز أيصاء الوصى يقول: ان الباقى منهما وصى فى الكل. ومانعه بأمر الحاكم أن يقيم معه وكيلا. ومن أوصى الى رجلين فمات أحدهما أقام مكانه آخر، ولا يجوز تصرف أحدهما وحده، الا فيما لا بد منه أن لو غاب أحدهما. وقيل: لا الا باذن الآخر أو الحاكم، وذلك كاحتياج الايتام الى مأكل أو ملبس أو نحوهما. ومن قال فلان وصى الى أن يقدم فلان فالوصية اليه كان كما أوصى. ومن جعل وصيين ولكل منهما فى وصيته ما جعله لهما، وحيهما عن ميتهما، وشاهدهما عن غائبهما بلفظ ثابت ثبت عليه. وان لم يجعل لهما ذلك فلا حجة لهما الا بمحضرهما. وقيل: لكل حجة فى انفاذ النصف. والأول أصح. وأن قام به أحدهما بأمر الآخر جاز اجماعا. وان مات أحدهما فللحى أن يقوم بالكل ولو لم يجعل لهما. وقيل لا الا أن اقام له الحاكم أو الجماعة وكيلا معه. وقيل: له انفاذ النصف فيما يتجزأ. والأول أحوط. والأوسط أصح. والأخير جائز. وان قال لأوصيائه أجزت لكم ما للأوصياء، أو أجزت لكم ما جاز لى أن أجيزه لكم لم يجز لأحدهم انفاذها الا عن رأيهم. وأن قال أجزت لكل منكم ما لجميعكم من الانفاذ جاز لكل. ومن أوصى لرجلين ولم يتفقا، لم يجز لأحدهما انفاذ النصف وترك الأخر لاشتراكهما فيه، الا أن جعل لكل مالهما فينفذ كل ما قدر عليه. وان شهدا أنه أوصى الى ثالث معهما ردت شهادتهما على الثالث ويدخله الحاكم معهما. وجاء فى موضع آخر (١): وعلى الأوصياء

стр. 3865

تنفيذ وصية الميت، والا يفعلوا ما نهاهم عنه فان فعلوا ما نهاهم عنه ضمنوا، وان فعله بعضهم ضمن. وان غاب أحد الوصيين ولو بعد موت الموصى، أو جن، أو حل به مانع من الانفاذ أرتقبه رفيقه، سواء كان المال بيده أم لا حتى يزول المانع، وهو القدوم من الغيبة، أو الافاقة من الجنون، ونحو ذلك. وقيل ينفذ نصفه. وقيل الكل ولا يرتقبه. وأن جحد أحدهما (١) صاحبه أن يكون خليفة معه ولا بيان للجحود أنفذ المجحود النصف فيما أمكنت قسمته كالكفارة والزكاة، لا فيما لم تمكن قسمته كالحج والعتق حتى يتفقا، فانه لا ينفذ الجزء، فلو أنفذ الكل جاز، وذلك لأنه عالم بأنه خليفة مع جاحده فساغ له انفاذ نصيبه. وأن كانوا ثلاثة فصاعدا أنفذ المجحود نصيبه، ولا ضمان على المحجود وان تلف المال، لأنه معذور اذا كان مجحودا ولا بينة له الا أن ضيعها فعليه الضمان كجاحده، ولزم الضمان صاحبه وهو الجاحد. وجوز للمجحود انفاذ الكل أن وصل اليه، لأن له انفاذ النصف ولم يصل اليه لجحود غيره له ولو ما لا يقبل القسمة كالحج والعتق وانما يمنع من تجزئته فقط على هذا القول، لا من انفاذه كله. وان تاب الجاحد لزمه الانفاذ أى نفاذ نصيبه من ماله. بل قد يقال أنه ينفذ الكل اذا عطل حتى أنفذ الآخر. وبرئ ان أجاز لصاحبه بعد التوبة فعله ولم يغرمه وان غرمه لما أنفذ من التركة أو لم يضمن له ما أنفذه من ماله لم يبرأ فلينفذ. رابعا - الاشراك فى الوكالة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (٢): اذا وكل الموكل وكيلين فهل ينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به؟ أما الوكيلان بالبيع فلا يملك أحدهما التصرف بدون صاحبه، ولو فعل لم يجز حتى يخبر صاحبه، أو الموكل، لأن البيع

стр. 3866

مما يحتاج فيه الى الرأى، والموكل انما رضى برأيهما، لا برأى أحدهما، واجتماعهما على ذلك ممكن، فلم يمتثل أمر الموكل فلا ينفذ عليه. وكذا الوكيلان بالشراء سواء كان الثمن مسمى أو لم يكن، وسواء كان الوكيل الآخر غائبا أو حاضرا الا أن فى الشراء اذا اشترى أحدهما بدون صاحبه ينفذ على المشترى، ولا يقف على الاجازة. وفى البيع يقف على الاجازة. وكذلك الوكيلان بالنكاح، والطلاق على مال، والعتق على مال، والخلع، والكتابة، وكل عقد فيه بدل هو مال، لأن كل ذلك مما يحتاج الى الرأى، ولم يرض برأى أحدهما بانفراده. وكذا ما خرج مخرج التمليك بأن قال الرجلين جعلت أمر امرأتى بيدكما، أو قال لهما طلقا امرأتى ان شئتما لا ينفرد أحدهما بالتطليق، لأنه جعل أمر اليد تمليكا، ألا ترى أنه يقف على المجلس، والتمليكات هى التى تختص بالمجلس، والتمليك على هذا الوجه مشروط بالمشيئة كأنه قال: طلقا امرأتى ان شئتما، وهناك لا يملك أحدهما التطليق دون صاحبه، لأن المعلق بشرطين لا ينزل الا عند وجودهما، فكذا هذا. وكذا الوكيلان بقبض الدين لا يملك أحدهما أن يقبض دون صاحبه، لأن قبض الدين مما يحتاج الى الرأى والأمانة، وقد فوض الرأى اليهما جميعا لا الى أحدهما، ورضى بأمانتهما جميعا، لا بأمانة أحدهما، فان قبض أحدهما لم يبرئه الغريم حتى يصل ما قبضه الى صاحبه، فيقع فى أيديهما جميعا، أو يصل الى الموكل، لأنه لما وصل المقبوض الى صاحبه أو الى الموكل فقد حصل المقصود بالقبض، فصار كأنهما قبضاه جميعا ابتداء. وأما الوكيلان بالطلاق على غير مال، والعتق على غير مال، والوكيلان بتسليم الهبة، ورد الوديعة، وقضاء الدين فينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به، لأن هذه التصرفات مما لا يحتاج الى الرأى فكان أضافة التوكيل اليهما تفويضا للتصرف الى كل واحد منهما بانفراده. وأما الوكيلان بالخصومة فكل واحد منهما يتصرف بانفراده عند أصحابنا الثلاثة. وعند زفر لا ينفرد. وجه قوله أن الخصومة مما يحتاج الى الرأى ولم يرض برأى أحدهما، فلا يملكها أحدهما دون الآخر. وجه قول أصحابنا الثلاثة أن الغرض من الخصومة اعلام القاضى بما يملكه المخاصم واستماعه، واجتماع الموكيلين على ذلك لا يخل بالاعلام والاستماع، لأن ازدحام الكلام يخل بالفهم، فكان أضافة التوكيل

стр. 3867

اليهما تفويضا بالخصومة الى كل واحد منهما، فأيهما خاصم كان تمثيلا، الا أنه لا يملك أحدهما القبض دون صاحبه، وان كان التوكيل بالخصومة يملك القبض عندنا، لأن اجتماعهما على القبض ممكن فلا يكون راضيا بقبض أحدهما بانفراده. وأما المضاربان فلا يملك أحدهما التصرف بدون اذن صاحبه اجماعا. وفى الوصيين خلاف بين أصحابنا نذكره فى كتاب الوصية والله تعالى أعلم. وهل للوكيل أن يملك الحقوق جملة؟ الكلام فيه أن الموكل به نوعان. نوع لا حقوق له الا ما أقر به الموكل كالوكيل بتقاضى الدين والتوكيل بالملازمة ونحوه. ونوع له حقوق كالبيع والشراء والنكاح والخلع ونحوه. مذهب المالكية: جاء فى حاشية (١) الدسوقى والشرح الكبير عليه: أنه منع توكيل الوكيل غير المفوض على ما وكل فيه، لأن الموكل لم يرض الا بأمانته الا أن يكون الوكيل لا يليق به تولى ما وكل عليه بنفسه كوجيه فى حقير، فله التوكيل حيث علم الموكل بوجاهته، أو اشتهر الوكيل بها، والا فليس له التوكيل. وضمن ان وكل لتعديه أو الا أن يكثر فهو عطف على لا يليق فيوكل من يشاركه فى الكثير الذى وكل فيه ليعينه عليه، لا أنه يوكل غيره استقلالا. وحيث جاز له التوكيل فلا ينعزل الثانى بعزل الوكيل الأول، ولا بموته، فهو من اضافة المصدر للمفعول. أى اذا عزل الأصيل وكيله فلا ينعزل وكيل الوكيل. وينعزل كل منهما بموت الأول وله عزل كل منهما. أما الوكيل المفوض فله التوكيل مطلقا. وجاء فى الحطاب (٢): أنه يمتنع توكيل الوكيل الا اذا كان الشئ الموكل فيه لا يليق بالوكيل تعاطيه، فيجوز له أن يوكل من يتعاطاه أو يكون الموكل فيه كثيرا يعلم

стр. 3868

بقرينة العادة أن الموكل لا يستقل بالتصرف فيه فيجوز له أن يوكل من يعينه. قال ابن عبد السّلام وهذه القرينة تسوغ له الاستعانة، ولا تسوغ له أن يجعل وكيلا، أو وكلاء ينظرون فيما كان ينظر فيه، والقرينة الأولى تسوغ ذلك. ثم قال ويكون للوكيل الأعلى النظر على من تحته ونحوه فى التوضيح. واعلم أن هذا فى الوكيل المخصوص. أما المفوض فله التوكيل. قال ابن الحاجب: الوكيل بالتعيين لا يوكل الا فيما يليق به ولا يستقل لكثرته. قال فى التوضيح احترز بالتعيين من المفوض، فان له ان يوكل على المعروف. وحكى فى البيان قولا أنه لا يوكل. قال: والأظهر أن له ذلك، لأن الموكل أحله محل نفسه، فكان كالوصى. وكلام ابن رشد الذى أشار اليه فى نوازل عيسى من كتاب الوكالة ونصه: لا اختلاف أحفظه فى أن الوكيل على شئ مخصوص لا يجوز له أن يوكل. ثم قال وأما الوكيل المفوض اليه فى جميع الأشياء فلا أحفظ فى أنه هل له أن يوكل أولا قولا منصوصا لأحد العلماء المتقدمين. وكان الشيوخ المتأخرون يختلفون فيها. والأظهر أن له أن يوكل. مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج (١): أنه ليس لوكيل أن يوكل بلا اذن ان تأتى منه ما وكل فيه، لأن الموكل لم يرض بتصرف غيره، ولا ضرورة كالمودع لا يودع وشمل كلامه ما لو أراد ارسال ما وكل فى قبضه من دين مع بعض عياله أن فعله خلافا للجوزى. وعلى رأيه يشترط فى المرسل معه كونه أهلا للتسليم، بأن يكون رشيدا. ويؤخذ من تعليلهم منع التوكيل بما ذكر عدم الفرق بين وكلتك فى بيعه، وفى أن تبيعه، وهو كذلك كما هو مقتضى اطلاق المصنف. خلافا للسبكى حيث فرق بينهما فجوز التوكيل مطلقا فى الأول، دون الثانى. وان لم يتأت ما وكل فيه منه، لكونه لا يحسنه أو لا يليق به أو يشق عليه تعاطيه مشقة لا تحتمل فى العادة كما هو واضح فله التوكيل عن موكله دون نفسه،

стр. 3869

لأن التفويض لمثله انما يقصد به الاستنابة. ومن ثم لو كان الموكل جاهلا بحاله أو اعتقد خلاف حاله امتنع توكيله كما أفهمه كلام الرافعى. وقال الاسنوى أنه ظاهر. ويأتى مثله فى قوله ولو كثر الموكل فيه وعجز الوكيل عن الاتيان بكله فالمذهب أن يوكل عن موكله فقط، فلو وكل عن نفسه لم يصح أو أطلق وقع عن الموكل فيما زاد على الممكن دون غيره، لأنه المضطر اليه، بخلاف الممكن، أى فى العادة بأن لا يكون فيه كبير مشقة لا تحتمل غالبا فيما يظهر وفى كلام مجلس ما يقارب ذلك وتزييف مقابله القائل بأن المراد عدم تصور القيام بالكل مع بذل المجهود ولو طرأ العجز لطرو نحو مرض أو سفر امتنع توكيله كما فى المطلب. وكطرو العجز ما لو جهل الموكل حال توكيله ذلك كما يؤخذ مما مر آنفا عن الاسنوى. فان كان التوكيل فى حال علمه بسفره أو مرضه جاز له ذلك. ولو اذن الموكل فى التوكيل وقال للوكيل وكل على نفسك ففعل فالثانى وكيل الوكيل على الأصح، لأنه مقتضى الاذن. وللموكل عزله أيضا كما أفهمه جعله وكيل وكيله، اذ من ملك عزل الأصل ملك عزل فرعه بالأولى. وعبارة المصنف تفهم ذلك أيضا فلا اعتراض عليه. والأصح على الأصح السابق أنه أى الثانى ينعزل بعزله أى الأول اياه وانعزاله بنحو موته أو جنونه أو عزل الموكل له، لأنه نائبه وينعزل بغير ذلك. والثانى لا ينعزل بذلك بناء على أنه وكيل عن الموكل. وان قال وكل عنى وعين الوكيل أو لا، ففعل فالثانى وكيل الموكل، لأنه مقتضى الاذن. وكذا ان أطلق بأن لم يقل عنك ولا عنى فى الأصح اذ توكيله للثالث تصرف تعاطاه باذن الموكل فوجب وقوعه عنه. والثانى أنه وكيل الوكيل، وكأنه قصد تسهيل الأمر عليه. كما لو قال الامام أو القاضى لنائبه استنب فاستناب فهو نائب عنه لا عن منيبه. وفرق الأول بأن الوكيل ناظر فى حق موكله فحمل الاطلاق عليه، وتصرفات القاضى للمسلمين فهو نائب عنهم ولذا نفذ حكمه لمستنيبه.

стр. 3870

وعليه فالغرض بالاستنابة معاونته وهو راجع له. قلت وفى هاتين الصورتين، وهما اذا قال عنى أو أطلق لا يعزل أحدهما الآخر، ولا ينعزل بانعزاله، لانتفاء كونه وكيلا عنه. وحيث جوزنا للوكيل التوكيل عنه أو عن الموكل يشترط أن يوكل أمينا كافيا لذلك التصرف، وان عين له الثمن والمشترى، اذ شرط الاستنابة عن الغير المصلحة، الا أن يعين الموكل غيره أى الأمين، فيتبع تعيينه لأذنه فيه. نعم لو علم الوكيل فسقه دون موكله لم يوكله فيما يظهر كما بحثه الاسنوى، كما لا يشترى ما عينه موكله ولم يعلم عيبه والوكيل يعلمه. فان عين فاسقا فزاد فسقه امتنع توكيله أيضا كما بحثه الزركشى أخذا مما مر فى نظيره فى عدل الرهن لو زاد فسقه ومحل ما تقرر فيمن وكل عن نفسه. فان وكل عن غيره كولى لم يوكل الا عدلا. ومقتضى كلام المصنف عدم توكيل غير الأمين. وان قال له وكل من شئت وهو كذلك خلافا للسبكى. وفارق ما لو قالت لوليها: زوجنى ممن شئت حيث جاز له تزويجها من غير كفء بأن المقصود هنا حفظ المال، وحسن التصرف فيه، وغير الأمين لا يتأتى منه ذلك وثم مجرد صفة كمال هى الكفاءة وقد يتسامح بتركها، بل قد يكون غير الكفء أصلح. ولو وكل الوكيل أمينا فى شئ من الصورتين المتقدمتين ففسق لم يملك الوكيل عزله فى الأصح والله أعلم، لأنه اذن فى التوكيل دون العزل. والثانى: نعم، لأن الاذن فى التوكيل يقتضى توكيل الامناء، فاذا فسق لم يجز استعماله فيجوز عزله. وقال صاحب (١) البجرمى ولوكيل توكيل بلا اذن فيما لا يتأتى منه، لكونه لا يليق به، أو كونه عاجزا عنه عملا بالعرف، لأن التفويض لمثل هذا لا يقصد منه عينه، فلا يوكل العاجز الا فى القدر الذى عجز عنه، ولا يوكل الوكيل فيما ذكر عن نفسه بل عن موكله. ولو وكله فيما يطيقه فعجز عنه لمرض أو غيره لم يوكل فيه.

стр. 3871

وقضية التعليل المذكور امتناع التوكيل عند جهل الموكل بحاله، وهو كما قال الاسنوى ظاهر. أما ما يتأتى منه فلا يصح التوكيل فيه الا لعياله على ما اقتضاه كلام الجوزى. واذا وكل باذن فالثانى وكيل الموكل، فلا يعزله الوكيل، وان فسق، لأن الموكل اذن له فى التوكيل لا فى العزل، سواء قال: وكل عنى أم أطلق، فان قال: وكل عنك ففعل فالثانى وكيل الوكيل، لأنه مقتضى الاذن، وينعزل بعزل من أحد الثلاثة وانعزل بما ينعزل به الوكيل. وحيث جاز له أى للوكيل توكل فليوكل وجوبا أمينا، رعاية لمصلحة الموكل، الا أن عين له الموكل المالك غيره أى غير أمين فيتبع تعيينه، لأن الحق له، أى ان علم الموكل بفسقه فوكله فزاد فسقه امتنع توكيله أيضا. قال بعضهم: الا أن كان لو عرض على الموكل لرضيه. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف (١) القناع: أنه ليس لوكيل توكيل فيما يتولى مثله بنفسه الا باذن موكل، لأنه لم يأذن له فى التوكيل، ولا تضمنه اذنه لكونه يتولى مثله، ولأنه استئمان فيما يمكنه النهوض فيه، فلم يكن له أن يوليه غيره كالوديعة، أو يقول الموكل. وفى نسخة الا أن يقول له أى للوكيل اصنع ما شئت، أو تصرف كيف شئت فيجوز للوكيل أن يوكل، لأنه لفظ عام، فيدخل فى عموم التوكيل. وان اذن الموكل لوكيله فى التوكيل تعين أن يكون الوكيل الثانى أمينا، لأنه لاحظ للموكل فى توكيل من ليس أمينا. وكذا حيث جاز له التوكيل الا مع تعيين الموكل الأول بأن يقول له وكل زيدا فيوكله أمينا كان أو خائنا لأنه قطع نظره بتعيينه له. فان وكل الوكيل حيث جاز أمينا فصار خائنا فعليه عزله، لأن تركه يتصرف تضييع وتفريط. وكذا وصى يوكل فيما أوصى به اليه أى حكمه حكم الوكيل فليس له أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه، لأنه متصرف فى مال غيره بالاذن أشبه الوكيل.

стр. 3872

وانما يتصرف فيما اقتضته الوصية كالوكيل انما يتصرف فيما اقتضته الوكالة. قال فى المبدع ويلحق بهذا مضارب وولى، وكذا حاكم يتولى القضاء فى ناحية فيستنيب غيره، أى حكمه حكم الوكيل ليس له ذلك فيما يتولى مثله بنفسه. وحيث جازت الاستنابة فله أن يستنيب من غير مذهبه، ذكره القاضى فى الأحكام السلطانية وابن حمدان فى الرعاية. وما يعجز عنه الوكيل ونحوه لكثرته له التوكيل فى جميعه، لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل، فجاز فى جميعه كما لو اذن له فيه لفظا كتوكيله أى كما يجوز للوكيل أن يوكل فيما لا يتولى مثله بنفسه، أى اذا كان العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله، كالأعمال الدنية فى حق اشراف الناس المرتفعين من فعلها عادة، فان الاذن ينصرف الى ما جرت به العادة. وقال فى الفروع بعد ذكر المسألة ولعل ظاهر ما سبق يستنيب نائب فى الحج لمرض خلافا لأبى حنيفة والشافعى، ويكون من وكل من قبل الوكيل وكيل الوكيل، لأنه قائم مقامه فله عزله. وان قال الموكل للوكيل وكل عنك صح ذلك وكان الثانى وكيل وكيله فينعزل بعزل الوكيل الأول وموته. وان قال الموكل وكل عنى، أو قال وكل وأطلق بأن لم يقل عنك ولا عنى صح، وكان الثانى وكيل موكله لا ينعزل بعزل الوكيل له ولا بموته. ولو قال لشخص وكل فلانا عنى فى بيع كذا، فقال الوكيل الأول للثانى بع هذا، ولم يشعره أنه وكيل الموكل فقال الشيخ: لا يحتاج الى تبيين أنه وكيله أو وكيل فلان، ذكره فى الاختيارات. وحيث قلنا ان الوكيل الثانى وكيل الموكل، فانه ينعزل بعزله وبموته ونحوه كجنونه وحجر عليه، ولا يملك الوكيل الأول عزله، لأنه ليس وكيلا عنه ولا ينعزل الوكيل الثانى بموته ونحوه لأنه ليس وكيلا عنه. وحيث قلنا ان الوكيل الثانى وكيل الوكيل فانه ينعزل بعزلهما أو أحدهما وبموتهما أو أحدهما والحجر عليهما أو على أحدهما ونحوه. وكذا قول الموصى لوصيه أوص الى من يكون وصيا له فانه يكون من أوصى اليه الوصى وصيا للموصى الأول ولا يوصى وكيل مطلقا أى سواء اذن له فى التوكيل أولا.

стр. 3873

مذهب الزيدية: جاء فى شرح (١) الأزهار: أنه ليس للوكيل أن يوكل غيره فيما وكل فيه الا أن يؤذن له فى ذلك ذكره البعض. وعن أبى جعفر يجوز له أن يوكل اذا كان حاضرا، لأن الثانى كالمعبر عن الأول، أو يجرى العرف بالتوكيل كمن وكل زوجته بالبيع والشراء ونحوه وغاب عنها، وهى ممن لا تخرج لحوائجها. وكذا لو وكل أهل الرياسة من عادته أن لا يتولى البيع بنفسه فلهما أن يوكلا. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية (٢): أنه لا يجوز للوكيل أن يوكل الا مع الاذن صريحا، ولو بالتعميم كاصنع ما شئت، أو فحوى كاتساع متعلقها، بحيث تدل القرائن على الاذن فيه، كالزراعة فى أماكن متباعدة لا تقوم الا بمساعد. ومثل الاتساع عجز الوكيل عن مباشرته وان لم يكن متسعا مع علم الموكل به، وترفع الوكيل عما وكل فيه عادة فان توكيله حينئذ يدل بفحواه على الاذن له فيه مع علم الموكل بترفعه عن مثله، والا لم يجز، لأنه مستفاد من القرائن، ومع جهل الموكل بحاله ينتفى. وحيث اذن له فى التوكيل، فان صرح له يكون وكيله وكيلا عنه، أو عن الموكل لزمه حكم من وكله فينعزل فى الأولى بانعزاله، لأنه فرعه وبعزل كل منهما له. وفى الثانى لا ينعزل الا بعزل الموكل أو بما أبطل توكيله من الجنون والاغماء وان أطلق ففى كونه وكيلا عنه أو عن الموكل أو نخير الوكيل فى توكيله عن أيهما شاء أوجه وكذا مع استفادته من الفحوى الا أن كونه هنا وكيلا عن الوكيل أوجه. أحدها وكيل على الوكيل، لأن الغرض من ذلك تسهيل الأمر عليه. الثانى: أن يكون وكيلا للوكيل، لأن التوكيل تصرف يتولاه باذن الموكل فيقع عن الموكل. الثالث: التخيير لصلاحية الاتيان لهما لصدق وكيل الوكيل المأذون فيه على التقديرين. ويستحب أن يكون الوكيل تام البصيرة فيما وكل فيه، ليكون مليا بتحقيق مراد الموكل عارفا باللغة التى يحاور

стр. 3874

بها فيما وكل فيه، ليحصل الغرض من توكيله. وقيل ان ذلك واجب وهو مناسب لمعنى الشرط بالنسبة الى الأخير. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): أنه لا يعقد وكيل أو مأمور أو خليفة دون صاحبه ان وكلا معا، أو أمرا معا، أو استخلفا معا على شراء أو بيع، وذلك لأنه نزلهما منزلة رجل واحد. وصفة ذلك أن يقول: وكلتكما معا، أو وكلتهما معا، أو أمرتكما معا، أو أمرتهما معا، أو استخلفتكما معا، أو استخلفتهما معا. أو يسقط لفظ مع، ويقول: جعلتكما أو جعلتهما وكيلا أو مأمورا أو خليفة، أو يقول بع أو اشتر أنت وفلان أو مع فلان، أو نحو ذلك مما يصرح أو يتبادر منه أنه قرنهما، الا أن أجاز له صاحبه قبل ذلك العقد أو بعده أو عنده كذلك. وجوز عقده أى عقد وكيل وحده ولو وكلهما معا وجعلهما وكيلا واحدا ولو أبى الآخر. وكذا لو باعاه جميعا مضى فعل السابق، لأن المراد العقد وقد وقع، ولم يقل لهما لا يبع أحدكما أو أحدهما أو يشتر الا بحضرة الآخر، أو ما يقوم مقام هذا الكلام. والأصل فى الكلام الكلية لا الكل فيستقل الواحد بالحكم وهكذا اللغة وأيضا هما كاسمان واحد. واذا أمر ثلاثة فصاعدا ولو وكلهم أو استخلفهم فحكمهم كحكم الاثنين وان فرقهما. وحكم الثلاثة فصاعدا فى التفريق حكمهما أيضا. وصفة التفريق أن يجتمع مع كل واحد وحده فيقول له قد وكلتك أو أمرتك أو استخلفتك أو يكتب اليه أو يرسل اليه أو يستشهد على ذلك أو يجتمع الكل، فيقول لكل واحد ذلك على حدة. أو يقول قد وكلتكما أو أمرتكما أو استخلفتكما كل واحد يكفى وحده. أو كل منكما مأمور أو خليفة أو وكيل أو نحو ذلك مما يفيد استقلال كل واحد بنفسه جاز فعل كل ولو علم كل منهما أن الآخر وكيل وان بالشراء من صاحبه للآمر أو الموكل أو المستخلف أو يبيع ماله أو مال من ناب عنه غير الذى نابا عنه معا له أى لصاحبه بنية الموكل أو الآمر أو المستخلف كما مر فى النكاح أن لكل من المأمورين أن يزوج

стр. 3875

وليته غير بنته للأمر بواسطة المأمور الآخر. وان باع كل فالأول مشتر ان علم الأول وبطل البيع الثانى ومن بعده، والا وقف المبيع بأيدى مشترييه أو المشترين حتى يتبين وان اتحد وقتهما صح العقد واشتركا فيه أو اشتركوا فيه على الرءوس ويدل على صحة العقد الاجبار على الطلاق فى صورة النكاح. خامسا: الاشراك فى الوقف مذهب الحنفية: جاء فى الدر (١) المختار وحاشية ابن عابدين عليه: أنه لو ضم القاضى للقيم على الوقف ثقة، أى ناظر حسبة، هل للأصيل أن يستقل بالتصرف؟ لم أره. وأفتى الشيخ أنه ان ضم اليه لخيانة لم يستقل، والا فله ذلك، وهو حسن. وفى فتاوى مؤيد زاده معزيا للخانية وغيرها: ليس للمشرف التصرف، بل له الحفظ، لأن التصرف فى حال الوقف مفوض الى المتولى كما جاء فى الخانية. قال ابن عابدين: والظاهر ان المراد بالحفظ حفظ مال الوقف عنده. لكن قال فى الفتح: وهذا يختلف بحسب العرف فى المشرف، ومقتضاه أنه لو تعورف تصرفه مع المتولى اعتبر، ويحتمل أن يراد بالحفظ مشارفته للمتولى عند التصرف، لئلا يفعل ما يضر ويؤيده ما ذكروه فى مشرف الوصى. ففى الخانية قال الامام الفضلى يكون الوصى أولى بامساك المال، ولا يكون المشرف وصيا. وأثر كونه مشرفا أنه لا يجوز تصرف الوصى الا بعلمه. وفى أدب الأوصياء يفتى بقول الفضلى. والوقف يستقى من الوصية. وعن هذا أفتى فى الحامدية بأنه ليس للمتولى التصرف فى أمور الوقف بدون اذن المشرف واطلاعه. وفى الخيرية ان كان الناظر بمعنى المشرف فقد صرحوا بأن الوصى لا يتصرف الا بعلم المشرف. وفى الخيرية أيضا: سئل فى وقف له ناظر ومتول: هل لأحدهما التصرف بلا علم الآخر؟ أجاب بأنه لا يجوز، والقيم والمتولى والناظر فى كلامهم بمعنى واحد. قال ابن عابدين: هذا ظاهر عند الأفراد. أما لو شرط الواقف متوليا وناظرا عليه كما يقع كثيرا فيراد بالناظر المشرف.

стр. 3876

وعن هذا أجيب فى حادثة بأنه ليس للمتولى الايجار بلا علم الناظر، خلافا لما فى الفتاوى الرحيمية من أنه لو أجر المتولى اجارة شرعية بأجرة المثل لا يملك الناظر معارضته، لأنه فى معنى المشرف. وأفتى فى الاسماعيلية بأنه ليس للناظر معارضة المتولى، الا أن يثبت أن نظارته بشرط الواقف، وفيه نظر، اذ لو نصبه القاضى ناظرا على المتولى لثبوت خيانته، لم يستقل المتولى بالتصرف، ومثله ما لو نصبه عليه للطعن فى أمانته. وجاء فى البحر الرائق (١) بأنه لو جعل الواقف نظارة الوقف، لرجلين، فقبل أحدهما ولم يقبل الآخر، ضم القاضى الى من قبل رجلا، أو فوض للذى قبل بمفرده. ولو جعلها لفلان الى أن يدرك ولدى، فاذا أدرك كان شريكا له لا يجوز ما جعله لابنه فى رواية الحسن. وقال أبو يوسف رحمهما الله تعالى: يجوز ولو نصب متوليا على وقفه، ثم وقف وقفا آخر ولم يجعل له متوليا لا يكون متولى الأول متوليا على الثانى، الا بأن يقول أنت وصى. ولو وقف أرضين وجعل لكل منهما متوليا فلا يشارك أحدهما الآخر. ولو جعل ولاية وقفه لرجل، ثم جعل رجلا آخر وصيه يكون شريكا للمتولى فى أمر الوقف الا أن يقول وقفت أرضى على كذا وكذا، وجعلت ولايتها لفلان، وجعلت فلانا وصيا فى تركتى، وجميع أمورى فحينئذ ينفرد كل منهما بما فوض اليه، كذا فى الاسعاف، ومنه يعلم جواب حادثه وجد مكتوبان، شهد أحدهما بأن المتولى فلان وشهد الآخر بأن المتولى رجل غيره، والثانى متأخر التاريخ فأجبت بأنهما يشتركان ولا يقال ان الثانى ناسخ كما تقدم عن الخصاف فى الشرائط لأننا نقول ان التولية من الواقف خارجة عن حكم سائر الشرائط، لأن له فيها التفسير والتبديل كلما بذله من غير شرط فى عقدة الواقف على قول أبى يوسف رحمه الله تعالى، وجاء فى موضع آخر من البحر الرائق (٢) أيضا: أنه لو وقف على ولده فأقر بأنه عليه وعلى زيد عمل باقراره ما دام حيا، حملا على أن الواقف رجع عن اختصاصه وأشرك معه زيدا. وفى الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٣)

стр. 3877

عليه: أنه لو قال الواقف وقفت على بنى وله بنون وبنات يدخل فيه البنات. ولو وقف على ذريته يدخل أولاد البنين وأولاد البنات. وفى الدر المختار: لو وقف على أولاده، ثم على أولاد أولاد له فقالوا: لا يدخل فى هذا أولاد البنت. وقال ابن عابدين: المفتى به عدم دخول أولاد البنات فى الأولاد مطلقا، أى سواء قال على أولادى بلفظ الجمع، أو بلفظ الجنس كولدى. وفى الفتح: لو ضم إلى الولد ولد الولد، فقال: على ولدى وولد ولدى اشترك الصلبيون وأولاد بنيه، وأولاد بناته، كذا اختاره هلال والخصاف وصححه فى الخانية. وأنكر الخصاف رواية حرمان أولاد البنات وقال: لم أجد من يقول برواية ذلك عن أصحابنا. وانما روى (١) عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فيمن أوصى بثلث ماله لولد زيد، فان وجد له ولد ذكور واناث لصلبه يوم موت الموصى كان بينهم، وان لم يكن له ولد لصلبه، بل ولد ولد من أولاد الذكور والاناث، كان لأولاد الذكور دون أولاد الاناث وفى الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه: أنه لو وقف على ذريته مرتبا وجعل من شرطه أن من مات قبل استحقاقه وله ولد قام مقامة، ولو بقى حيا فهل له حظ أبيه لو كان حيا، ويشارك الطبقة الأولى أولا يشارك. أفتى السبكى بالمشاركة. وخالفه السيوطى. وهذه المخالفة واجبة كما أفاده ابن نجيم فى الاشباه من القاعدة التاسعة لكنه ذكر بعد ورقتين أن بعضهم يعبر بين الطبقات بثم وبعضهم يعبر بالواو فبالواو يشارك بخلاف ثم. ثم قال (٢): أنه لو وقف على أولاده وقيد بفقرائهم يعتبر الفقر وقت وجود الغلة، وهو المجوز لأخذ الزكاة فلو تأخر صرفها سنين لعارض فافتقر الغنى، واستغنى الفقير شارك المفتقر وقت القسمة الفقير وقت وجود الغلة. مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح (٣)

стр. 3878

الكبير: أنه ان ضاق الحبس الراجع عن الكفاية فى الغلة الناشئة عنه قدم البنات، أى على الاخوة لا على الابن، ومعنى قدم اختصصن بما يغنيهن، لا ايثارهن بالجمع، ولو زاد على ما يغنيهن قال ابن هارون: المشهور ان البنت ان كانت مساوية للعاصب شاركته فى السعة والضيق. وان كانت أقرب منه قدمت عليه فى الضيق. وان كانت أبعد منه قدم العاصب عليها فى السعة والضيق. فلو قال المصنف قدم الأقرب من الاناث لكان أشمل وأقرب للصواب لتناوله نحو الأخت مع ابن الأخ وأفادته الاشتراك مع التساوى. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (١): أن النظر فى الوقف الى من شرطه الواقف، لأن الصحابه رضى الله تعالى عنهم وقفوا وشرطوا من ينظر فجعل عمر رضى الله تعالى عنه الى حفصة رضى الله تعالى عنها، واذا توفيت فانه الى ذوى الرأى من أهلها، ولأن سبيله الى شرطه فكان النظر الى من شرطه. وان وقف ولم يشرط الناظر ففيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه الى الواقف، لأنه كان النظر اليه فاذا لم يشرطه بقى على نظره. والثانى: أنه للموقوف عليه، لأن الغلة له فكان النظر اليه، والثالث: الى الحاكم، لأنه يتعلق به حق الموقوف عليه وحق من ينتقل اليه فكان الحاكم أولى. فان جعل الواقف النظر الى اثنين من أفاضل ولده ولم يوجد فيهم فاضل الا واحد ضم الحاكم اليه آخر، لأن الواقف لم يرض فيه بنظر واحد. وجاء فى موضع آخر من المهذب (٢): أنه ان قال وقفت على أولادى دخل فيه الذكر والأنثى والخنثى، لأن الجميع أولاده، ولا يدخل فيه ولد الولد، لأن ولده حقيقة ولده من صلبه، فان كان له حمل لم يدخل فيه حتى ينفصل، فان انفصل استحق ما يحدث من الغلة بعد الانفصال دون ما كان حدث قبل الانفصال، لأنه قبل الانفصال لا يسمى ولدا. وان وقف على ولده وله ولد فنفاه باللعان لم يدخل فيه. وقال أبو اسحاق يدخل فيه، لأن اللعان يسقط النسب فى حق الزوج،

стр. 3879

ولا يتعلق به حكم سواه، ولهذا ينقضى به العدة. والمذهب الأول، لأن الوقف على ولده، وباللعان قد بان أنه ليس بولده فلم يدخل فيه. وان وقف على أولاد أولاده دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات، لأن الجميع أولاد أولاده. فان قال على نسلى أو عقبى أو ذريتى دخل فيه أولاد البنين وأولاد البنات قربوا أو بعدوا، لأن الجميع من نسله وعقبه وذريته ولهذا قال الله ﵎ «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ١، وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى﴾ (٢)» فجعل هؤلاء كلهم من ذريته على البعد وجعل عيسى من ذريته وهو ينسب اليه بالأم. فان وقف على عترته فقد قال ابن الاعرابى وثعلب هم ذريته. وقال القتيبى هم عشيرته: وان وقف على من ينسب اليه لم يدخل فيه أولاد البنات، لأنهم لا ينسبون اليه. وان وقف على البنين لم يدخل فيه الخنثى المشكل، لأنا لا نعلم أنه من البنين. فان وقف على البنات لم يدخل فيه لأنا لا نعلم أنه من البنات. فان وقف على البنين والبنات ففيه وجهان. أحدهما: أنه لا يدخل فيه، لأنه ليس من البنين، ولا من البنات. والثانى أنه يدخل، لأنه لا يخلو من أن يكون ابنا أو بنتا. وان أشكل علينا فان وقف على بنى زيد لم يدخل فيه بناته. فان وقف على بنى تميم وقلنا ان الوقف صحيح ففيه وجهان. أحدهما لا يدخل فيه البنات، لأن البنين اسم للذكور حقيقة. والثانى يدخلن فيه، لأنه اذا أطلق اسم القبيلة دخل فيه كل من ينسب اليها من الرجال والنساء. وان قال وقفت على أولادى، فان انقرض أولادى وأولاد أولادى، فعلى الفقراء، لم يدخل فيه ولد الولد، ويكون هذا وقفا منقطع الوسط، فيكون على قولين، كالوقف المنقطع الانتهاء. ومن أصحابنا من قال يدخل فيه أولاد الأولاد بعد انقراض ولد الصلب، لأنه لما شرط انقراضهم دل على أنهم يستحقون كولد الصلب.

стр. 3880

والصحيح هو الأول، لأنه لم يشرط شيئا، وانما شرط انقراضهم لاستحقاق غيرهم. وان وقف على أقاربه دخل فيه كل من تعرف قرابته، فان كان للواقف أب يعرف به وينسب اليه، دخل فى وقفه كل من ينسب الى ذلك الأب ولا يدخل فيه من ينسب الى أخى الأب أو أبيه. فان وقف الشافعى رحمه الله تعالى بأقاربه دخل فيه كل من ينسب الى شافع ابن السائب، لأنهم يعرفون بقرابته ولا يدخل فيه من ينسب الى على وعباس ابن السائب ولا من ينسب الى السائب، لأنهم لا يعرفون بقرابته، ويستوى فيه من قرب وبعد من أقاربه، ويستوى فيه الذكر والأنثى لتساوى الجميع فى القرابة، فان حدث قريب بعد الوقف دخل فيه. وذكر البويطى: أنه لا يدخل فيه، وهذا غلط من البويطى، لأنه لا خلاف أنه اذا وقف على أولاده دخل فيه من يحدث من أولاده. مذهب الحنابلة: جاء فى الشرح الكبير على المغنى (١): أنه متى كان النظر للموقوف عليه، اما بجعل الواقف النظر له، أو لكونه أحق بذلك عند عدم ناظر سواه، أو كان واحدا مكلفا رشيدا، فهو أحق بذلك رجلا كان أو امرأة، عدلا ذلك كان أو فاسقا، لأنه ينظر لنفسه فكان له ذلك فى هذه الأحوال، كملكه المطلق. ويحتمل أن يضم الى الفاسق أمين، حفظا لأصل الوقف عن البيع والتضييع. وان كان الوقف لجماعة رشيدين فالنظر للجميع، لكل انسان فى حصته، فان كان الموقوف عليه صغيرا أو مجنونا أو سفيها قام وليه فى النظر مقامه كملكه المطلق. وان كان النظر لغير الموقوف عليه بتولية الواقف أو الحاكم أو لبعض الموقوف عليهم، لم يجز أن يكون الا أمينا لم تصح ولايته ان كان من الحاكم وأزيلت يده. وان ولاه الواقف وهو فاسق أو كان عدلا ففسق ضم اليه أمين لحفظ الوقف ولم تزل يده، لأنه أمكن الجمع بين الحقين. ويحتمل أن لا تصح تولية الفاسق وينعزل اذا فسق، لأنها ولاية على حق غيره فنافاها الفسق كما لو ولاه الحاكم، وكما لو لم يمكن حفظ الوقف منه مع بقاء ولايته، فان يده تزال، لأن مراعاة حفظ الوقف أهم من ابقاء ولاية الفاسق عليه.

стр. 3881

وجاء فى كشاف القناع (١): أن كانت ولاية الناظر من واقف وهو أى الناظر. فاسق حال الولاية، أو عدل ففسق صح كونه ناظرا، وضم اليه أمين سواء كان أجنبيا أو بعض الموقوف عليهم جمعا بين الحق. ثم قال (٢): ولا نظر لحاكم مع ناظر خاص لكن للحاكم النظر العام، فيعترض عليه أى على الناظر الخاص أن فعل الناظر الخاص مالا يسوغ له فعله لعموم ولايته. وللحاكم ضم أمين الى الناظر الخاص مع تفريطه أو تهمته، ليحصل المقصود من حفظ الوقت. والظاهر أن الأول يرجع الى رأى الثانى، ولا يتصرف الا بأذنه، ليحصل الغرض من نصبه وكذا اذا ضم الى ضعيف قوى معاون له فلا يزال يد الأول عن المال ولا نظره وهو الأول، هو الناظر دون الثانى هذا قياس ما ذكره فى الموصى له. وجاء فى المغنى لابن قدامه (٣): أنه اذا وقف على قوم وأولادهم وعقبهم ونسلهم، كان الوقف بين القوم وأولادهم ومن حيث نسلهم على سبيل الاشتراك ان لم تقترن به قرينة تقتضى ترتيبا، لأن الواو تقتضى الاشتراك، فاذا اجتمعوا اشتركوا ولم يقدم بعضهم على بعض، ويشارك الآخر الأول، وان كان من البطن العاشر. واذا حدث حمل لم يشارك حتى ينفصل لأنه يحتمل أن لا يكون حملا فلا يثبت له حكم الولد قبل انفصاله. ثم قال (٤): ان قال الواقف وقفت على أولادى أو ولدى، وليس له ولد من صلبه، أو قال ويفضل ولد الأكبر أو الأعلم على غيرهم، أو قال فاذا خلت الأرض من عقبى عاد الى المساكين، أو قال على ولدى غير ولد البنات، أو غير ولد فلان، أو قال يفضل البطن الأعلى على الثانى، أو قال الأعلى فالأعلى وأشباه ذلك فهذا يصرف لفظه الى جميع نسله وعاقبته، وان اقترنت به قرينة تقتضى تخصيص أولاده لصلبه بالوقف مثل أن يقول: على ولدى لصلبى أو الذين يلوننى ونحو هذا، فانه يختص بالبطن الأول دون غيرهم. واذا قلنا بالتعميم فيهم أما للقرينة واما لقولنا بأن المطلق يقتضى التعميم ولم يكن فى لفظه ما يقتضى تشريكا ولا ترتيبا، احتمل أن يكون بينهم كلهم على التشريك، لأنهم دخلوا

стр. 3882

فى اللفظ دخولا واحدا فوجب أن يكون بينهم مشتركا كما لو أقر لهم بدين. ويحتمل أن يكون على الترتيب على حسب الترتيب فى الميراث. وجاء فى موضع آخر من المغنى (١): أنه ان رتب بعضهم دون بعض فقال: وقفت على ولدى وولد ولدى ثم على أولادهم أو على أولادى، ثم على أولاد أولادى وأولادهم ما تناسلوا وتعاقبوا، أو قال على أولادى وأولاد أولادى ثم على أولادهم وأولاد أولادهم ما تناسلوا، فهو على ما قال يشترك من شرك بينهم بالواو المقتضية للجمع والتشريك وترتيب من رتبه بحرف الترتيب. ففى المسألة الأولى يشترك الولد وولد الولد، ثم اذا انقرضوا صار لمن بعدهم. وفى الثانية يختص به الولد فاذا انقرضوا صار مشتركا بين من بعدهم. وفى الثالثة: يشترك فيه البطنان الأولان دون غيرهم فاذا انقرضوا اشترك فيه من بعدهم. ثم قال (٢): أنه اذا وقف على أولاد رجل وأولاد أولاده استوى فيه الذكر والأنثى لأنه تشريك بينهم واطلاق التشريك يقتضى التسوية كما لو أقر لهم بشئ وكولد الأم فى الميراث حين شرك الله ﵎ بينهم فيه فقال «فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (٣)» تساووا فيه ولم يفضل بعضهم على بعض، وليس كذلك فى ميراث ولد الأبوين وولد الأب فان الله ﵎ قال «فَإِنْ كانُوا﴾ (٤) ﴿إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» ولا أعلم فى ذلك خلافا. ثم قال (٥): والمستحب أن يقسم الوقف على أولاده على حسب قسمة الله ﵎ الميراث بينهم للذكر مثل حظ الانثيين. وقال القاضى رحمه الله تعالى المستحب التسوية بين الذكر والأنثى، لأن القصد القربة على وجه الدوام، وقد استووا فى القرابة لنا أنه ايصال للمال اليهم، فينبغى أن يكون بينهم على حسب الميراث كالعطية. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى (٦): ومن حبس على عقبه وعلى عقب عقبه أو على زيد وعقبه، فإنه يدخل فى ذلك البنات والبنون، ولا يدخل فى ذلك بنو البنات إذا كانوا ممن لا يخرج بنسب آبائه الى المحبس، لقول الرسول

стр. 3883

صلى الله عليه وسلم «إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شئ واحد» وأعطاهم من سهم ذى القربى ولم يعط عثمان ولا غيره وجدة عثمان بنت عبد المطلب، فلم يدخل فى بنى هاشم اذ لم يخرج بنسب أبيه اليه وان خرجا بنسب أمه اليه وهى أروى بنت البيضاء بن عبد المطلب وأعطى العباس وأمه نمرية. مذهب الزيدية: جاء فى (١) التاج المذهب: أنه لا يجوز لذى الولاية الكبرى، كالامام والحاكم أن يعترضا من مر ممن له ولاية الوقف من واقف أو منصوبه أو موقوف عليه معين مهما قام بواجبه، الا لخيانة تظهر منهم فيعزلون للخيانة، فالخيانة من المتولى تكون بأخذ بعض الغلة ان لم يكن مصرفا، وان كان مصرفا فبان يستهلك الغلة مع حاجة الوقف اليها، أو يحاول بيع الوقف أو رهنه أو يكون المتولى غير خائن، الا أنه ربما عجز عن القيام بما يتوجه عليه، لكثرة ما تولاه، أو يكون غير بصير أولا معرفة له، فان الامام والحاكم يعترضان له «باعانة» أى اقامة من يعينه، أو يكون وكيلا لا وليا ولا يعزلان المتولى. وجاء فى موضع آخر من التاج المذهب (٢): أن من وقف على مصرفين أو أكثر فهو على وجوه ثلاثة: منها أن يشرك بينهما فان كانت القربة حاصلة فيها كلها صح الوقف عليها وقسمت منافعه بينها على عددها وان كانت القربة حاصلة فى بعضها دون بعض كمسجد وكنيسة صحت حصة ما فيه قربة وبطلت حصة ما لا قربة فيه ويبقى ملكا للواقف. ثم قال (٣): الوقف على الأولاد وأولاد الأولاد بالفاء، أو بثم أو بالواو على الصحيح، أو بطنا بعد بطن أو نحو ذلك يدخل فى الوقف أولاد البنات اذ هم من أولاد أولاده، لا اذا قال على أولاد صلبه، لم يدخلوا فى ذلك، اذ هم من صلب غيره، فاقتضى العرف خروجهم. مذهب الإمامية: جاء فى اللمعة الدمشقية (٤): أنه يصح الاقباض وهو تسليط الواقف للقابض عليه.

стр. 3884

فالمعنى أنه يشترط فى الوقف الاقباض: أى اقباض الواقف الملك للموقوف عليه، وتسليطه عليه، ورفع يده عن الملك الموقوف عليه، وقد يغاير الاقباض الاذن فى القبض - مقصوده رحمة الله تعالى أن القبض مع الاذن يغاير الاقباض، لأنه قد يأذن الواقف فى القبض لكنه لم يسلمه اليه فيقبضه الموقوف عليه من الخارج، فقد جعل القبض عن اذن الواقف من دون اقباض، وقد يحصل الاقباض والتسليم وهو تسليط الواقف الموقوف عليه على الوقف واخراجه عن يده ويلزمه الاذن فى القبض - الذى اعتبر سابقا بأن يأذن فيه، ولا يرفع يده عنه، واخراجه عن نفسه، فلو وقف على نفسه بطل وان عقبه بما يصح الوقف عليه، لأنه حينئذ منقطع الأول، وقد عرفت أن الوقف على منقطع الأول باطل، لتنزيله منزلة المعدوم. وكذا لو شرط لنفسه الخيار فى نقضه متى شاء أو فى مدة معينة - أى يبطل الوقف فى الصورتين - نعم لو وقفه على قبيل هو منهم ابتداء أو صار منهم شارك، كما لو وقف ملكا على طلبة العلم، ولم يكن هو منهم حال الوقف، ثم صار منهم فحينئذ يشاركهم فى الوقف - أو شرط عوده اليه عند الحاجة، فالمروى والمشهور اتباع شرطه - أى رجوع الوقف اليه عند الحاجة يتبع شرطه فاذا شرط الرجوع اليه عند الحاجة رجع اليه -، ويعتبر حينئذ عود الوقف اليه عند الحاجة قصور ماله عن مؤنة سنة فيعود عندها، ويورث الوقف عن الواقف ويكون ارثا عنه لو مات وان كان موته قبل الحاجة. ولو شرط أكل أهله منه صح الشرط، كما فعل النبى ﵌ بوقفه وكذلك فاطمة ﵍، ولا يقدح كونهم واجبى النفقة فتسقط نفقتهم، ان اكتفوا بالوقف هذا اذا كان واجبو النفقة غير زوجته، وأما هى فلا تسقط نفقتها عن الزوج وان اكتفت بالوقف. ولو وقف على نفسه وغيره صح فى نصفه على الأقوى ان اتحد، وان تعدد فبحسبه ان كان الموقوف عليهم مع الواقف خمسا مثلا، فيصح الوقف فى أربعة أخماسه، ويبطل خمسه وهكذا، فلو كانوا جمعا كالفقراء بطل فى ربعه، لأن أقل الجمع ثلاثة فيخرج من أهل الوقف ثلاثة سهام، ويبقى سهم واحد، وهو المعبر عنه بالربع فيبطل بالنسبة اليه، ويصح فى الباقى ويحتمل النصف، لأن المفروض أن الجماعة بمنزلة الواحد وهو واحد أيضا فالمجموع نصفان نصف للفقراء ونصف له، فالوقف بالنسبة الى الفقراء صحيح وبالنسبة اليه باطل، والبطلان رأسا أى لا يصح الوقف لا عليه ولا على الفقراء. وجاء فى موضع آخر من اللمعة (١): أنه إذا وقف على أولاده اشترك أولاد البنين

стр. 3885

والبنات، لاستعمال الأولاد فيما يشمل أولادهم استعمالا شائعا لغة وشرعا، كقول الله ﵎ ﴿يا بَنِي آدَمَ (١)﴾ ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ (٢)﴾ ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ (٣) وللإجماع على تحريم حليلة ولد الولد ذكرا وأنثى من قول الله ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ﴾، ولقول رسول الله ﵌ «لا تزرموا ابنى» يعنى الحسن، أى لا تقطعوا عليه بوله لما بال فى حجره. والأصل فى الاستعمال الحقيقة. وهذا الاستعمال كما دل على دخول أولاد الأولاد فى الأولاد، دل على دخول أولاد الاناث أيضا، وهذا أحد القولين فى المسألة. وقيل (٤): لا يدخل أولاد الأولاد مطلقا فى اسم الأولاد - لا أولاد البنين ولا أولاد البنات - لعدم فهمه عند الاطلاق ولصحة السلب فيقال: فى ولد الولد ليس ولدى بل ولد ولدى. وأجاب المصنف فى الشرح عن الأدلة الدالة على الدخول بأنه ثم من دليل خارج، وبأن اسم الولد لو كان شاملا للجميع - أى الأولاد من الصلب وأولادهم - لزم الاشتراك وان عورض بلزوم المجاز فهو أولى - أى لو قيل: بأنه لا شك من جواز استعمال الولد فى أولاد الأولاد فاذن يدور الأمر بين الاشتراك والمجاز - وهذا أظهر - أى القول الثانى وهو: منع دخول أولاد الأولاد مطلقا فى الأولاد - نعم لو دلت قرينة على دخولهم كقوله الأعلى فالأعلى - أى لو قال وقفت على أولادى الأعلى فالأعلى فيدخل من دلت عليه القرينة - اتجه دخول من دلت عليه. ومن خالف فى دخولهم كالفاضلين فرضوا المسألة فيما لو وقف على أولاد أولاده، فإنه حينئذ يدخل أولاد البنين والبنات بغير أشكال. وعلى تقدير دخولهم بوجه فاشتراكهم بالسوية، لأن ذلك مقتضى الاطلاق. والأصل عدم التفاضل «الا أن يفضل» بالتصريح أو بقوله على كتاب الله ونحوه. ولو قال على من انتسب الى لم يدخل أولاد البنات على أشهر القولين عملا بدلالة اللغة والعرف والاستعمال.

стр. 3886

أشربة أولا: المعنى اللغوى والاصطلاحى: جاء فى تعريفات الجرجانى «الأشربة جمع شراب، وهو - فى اللغة - كل مائع رقيق يشرب ولا يتأتى فيه المضغ حلالا كان أو حراما (١). والأشربة فى اصطلاح الفقهاء يراد بها الأشربة المحرمة سواء أكان تحريمها محل اتفاق أو اختلاف من المائعات المحرمة. والشراب عندهم يشمل ما اتفق على حرمته، ولذا قال بعض العلماء: المتبادر من الشراب فى عرف الفقهاء ما حرم أو اختلف فى حرمته بشرط كونه مسكرا (٢). ثانيا: أنواع الأشربة: الأشربة أنواع متعددة. أظهرها حسب ما نص عليه الفقهاء - ما يأتى: ١ - الخمر. ٢ - الطلاء. ٣ - السكر. ٤ - نقيع الزبيب. ٥ - نبيذ التمر والزبيب. ٦ - المثلث. ٧ - نبيذ العسل والذرة والشعير وغيرها. ٨ - الخليطان. التعريف بها وحكمها: ١ - الخمر تعريفها فى اللغة مأخوذة من خمر اذا ستر، ومنه خمار المرأة. وكل شئ غطى شيئا فقد خمره، والخمر تخمر العقل أى تغطيه وتستره، فلذلك سميت بهذا الاسم. وقيل: انما سميت بذلك لمخامرتها العقل من المخامرة (٣) وهى المخالطة. وقيل: سميت خمرا، لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغير ريحها (٤).

стр. 3887

ويقول الزيلعى: من فقهاء الحنفية - فى تعريف الخمر هى التئ من ماء العنب اذا غلا واشتد وقذف بالزبد .. وقال بعضهم: كل مسكر خمر، لما روى عن ابن عمر أنه ﵊ قال: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام» رواه مسلم وأبو داود والترمذى وغيرهم. وفى لفظ كل مسكر خمر وكل خمر حرام رواه مسلم. ولقوله ﵊ الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة رواه مسلم وأبو داود والترمذى وجماعة. وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : ان من الحنطة خمرا، وان من الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن التمر خمرا، ومن العسل خمرا رواه أبو داود والترمذى وجماعة أخر، ولأنها سميت خمرا لمخامرتها العقل، والسكر يوجد بشرب غيرها فكان خمرا. ولنا أن الخمر حقيقة اسم للنئ من ماء العنب المسكر بانفاق أهل اللغة، وغيره يسمى مثلثا أو باذقا الى غير ذلك من أسمائه، وتسمية غيرها خمرا مجازا، وعليه يحمل الحديث أو على بيان الحكم ان ثبت، لأنه ﵊ بعث له لا لبيان الحقائق. ولا نسلم أنها سميت خمرا لمخامرتها العقل، بل لتخمرها ولئن سلمنا أنها سميت بالخمر لمخامرتها العقل لا يلزم منه أن يسمى غيرها بالخمر قياسا عليها، لأن القياس لاثبات الأسماء اللغوية باطل وانما هو لتعدى الحكم الشرعى .. ألا ترى ان البرج سمى برجا لتبرجه وهو الظهور، وكذا النجم سمى نجما لظهوره، ثم لا يسمى كل ظاهر برجا ولا نجما. وما ذكره فى المختصر من تعريف الخمر هو قول أبى حنيفة ﵀. وعندهما اذا اشتد صار خمرا ولا يشترط فيه القذف بالزبد: لأن اللذة المطربة والقوة المسكرة تحصل به، وهو المؤثر فى ايقاع العداوة والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وأما القذف بالزبد فهو وصف لا تأثير له فى احداث صفة السكر. وله أن الغليان بداية الشدة وكماله بقذف الزبد، لأنه يتميز به الصافى عن الكدر، وأحكام الشرع المتعلقة بها قطعية كالحد واكفار مستحلها ونحو ذلك، فتناط بالنهاية به. وقيل يؤخذ فى حرمة الشرب بمجرد الاشتداد، وفى وجوب الحد على الشارب بقذف الزبد احتياطا (١).

стр. 3888

ويقول ابن رشد المالكى الخمر ما أسكر وخامر (١) العقل. وحقيقة الخمر عند أكثر أصحاب الشافعى المسكر من عصير العنب وان لم يقذف بالزبد. وقال المزنى وجماعة ان اسم الخمر يقع على الأنبذة حقيقة لأن الاشتراك فى الصفة يقتضى الاشتراك فى الاسم وهو قياس فى اللغة (٢). أما ابن حزم الظاهرى فيقول: كل شئ أسكر كثيره أحدا من الناس فالنقطة منه فما فوقها الى أكثر المقادير خمر (٣). ويقول فقهاء الزيدية ان الخمر المجمع على تحريمها والكافر مستحلها هى خمر العنب والرطب لقوله ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين (٤)». أما الأمامية فيقولون «الخمر هى عصير العنب الذى اشتد وأسكر وكذا كل ما يسكر من الأشربة الأخرى يسمى خمرا (٥). حرمة شرب الخمر مذهب الحنفية: جاء فى المبسوط (٦) «الخمر حرام بالكتاب والسنة والاجماع». أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧) الى أن قال ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وقد روى فى ذلك أن عمر رضى الله عنه قال لرسول الله ﷺ الخمر مهلكة للمال مذهبة للعقل فادع الله تعالى يبينها لنا فجعل يقول اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا فنزل قوله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا﴾

стр. 3889

﴿يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). فامتنع عنها بعض الناس. وقال بعض آخر: نصيب من منافعها وندع المأثم. فقال عمر رضى الله عنه: اللهم زدنا فى البيان فنزل قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ (٢). فامتنع بعضهم وقالوا: لا خير لنا فيما يمنعنا من الصلاة، وقال بعضهم بل نصيب منها فى غير وقت الصلاة. فقال عمر: اللهم زدنا فى البيان فنزل قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ﴾ (٣)» الآية: فقال عمر رضى الله عنه انتهينا ربنا. وبين الله تعالى أن كل ذلك - الخمر وما ذكر معها - رجس، والرجس ما هو محرم العين، وأنه من عمل الشيطان يعنى أن من لا ينته عنه متابع للشيطان مجانب لما فيه رضى الرحمن. وفى قوله فاجتنبوه أمر بالاجتناب عنه، وهو نص فى التحريم. ثم بين المعنى فيه بقوله : انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة. وكان هذا اشارة الى الاثم الذى بينه الله تعالى فى الآية الأولى بقوله واثمهما أكبر من نفعهما. وفى قوله فهل أنتم منتهون أبلغ ما يكون من الأمر بالاجتناب، وقال تعالى ﴿(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ)﴾ والاثم من أسماء الخمر. وأما السنة فما روى عن النبى ﷺ أنه قال: لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه وآكل ثمنها (والعاصر من عصر لغيره والمعتصر من عصر لنفسه) وذلك دليل نهاية التحريم. وقال ﵊: شارب الخمر كعابد الوثن وقال ﵊ الخمر أم الخبائث. وقال ﵊ اذا وضع

стр. 3890

الرجل قدحا من خمر على يده لعنته ملائكة السموات والأرض فان شربها لم تقبل صلاته أربعين ليلة وان داوم عليها فهو كعابد الوثن. وكان جعفر الطيار ﵀ يتحرز عن هذا فى الجاهلية والاسلام ويقول: العاقل يتكلف ليزيد فى عقله فأنا لا أكتسب شيئا يزيل عقلى. والأمة أجمعت على تحريمها وكفى بالاجماع حجة هذه حرمة قوية باتة حتى يكفر مستحلها ويفسق شاربها ويجب الحد بشرب القليل والكثير منها. والقليل والكثير منها فى الحرمة وفى جميع ما ذكر من الأحكام سواء لقوله ﵊ «حرمت الخمر لعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب» ثم فى تناول القليل منها معنى العداوة والصد عن ذكر الله تعالى، فالقليل يدعو الى الكثير على ما قيل: ما من طعام وشراب الا ولذته فى الابتداء تزيد على اللذة فى الانتهاء الا الخمر، فان اللذة لشاربها تزداد بالاستكثار منها، ولذا يزداد حرصه على شربها اذا أصاب منها شيئا فكان القليل منها داعيا الى الكثير منها فيكون محرما كالكثير ألا ترى ان الزنا لما حرم شرعا حرمت دواعيه - أيضا - وأن المشئ على قصد المعصية معصية (١). مذهب المالكية: يقول ابن رشد: أجمعت الأمة على أن الخمر محرمة فى كتاب الله تعالى فقال تعالى: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»﴾. وهذه الآية نزلت بعد قوله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما»﴾. وقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ»﴾. ويدل على تحريمها أيضا أن الله سماها رجسا، ونص على تحريم الرجس فقال: قل لا أجد فيما أوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا أهل لغير الله به. وسماها اثما فى موضع آخر فقال: يسألونك عن الخمر والميسر كل فيهما اثم لكبير. ثم نص على تحريم الاثم فقال: «قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم».
следующие страницы →