← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

أشربة أولا: المعنى اللغوى والاصطلاحى: جاء فى تعريفات الجرجانى «الأشربة جمع شراب، وهو - فى اللغة - كل مائع رقيق يشرب ولا يتأتى فيه المضغ حلالا كان أو حراما (١). والأشربة فى اصطلاح الفقهاء يراد بها الأشربة المحرمة سواء أكان تحريمها محل اتفاق أو اختلاف من المائعات المحرمة. والشراب عندهم يشمل ما اتفق على حرمته، ولذا قال بعض العلماء: المتبادر من الشراب فى عرف الفقهاء ما حرم أو اختلف فى حرمته بشرط كونه مسكرا (٢). ثانيا: أنواع الأشربة: الأشربة أنواع متعددة. أظهرها حسب ما نص عليه الفقهاء - ما يأتى: ١ - الخمر. ٢ - الطلاء. ٣ - السكر. ٤ - نقيع الزبيب. ٥ - نبيذ التمر والزبيب. ٦ - المثلث. ٧ - نبيذ العسل والذرة والشعير وغيرها. ٨ - الخليطان. التعريف بها وحكمها: ١ - الخمر تعريفها فى اللغة مأخوذة من خمر اذا ستر، ومنه خمار المرأة. وكل شئ غطى شيئا فقد خمره، والخمر تخمر العقل أى تغطيه وتستره، فلذلك سميت بهذا الاسم. وقيل: انما سميت بذلك لمخامرتها العقل من المخامرة (٣) وهى المخالطة. وقيل: سميت خمرا، لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغير ريحها (٤).

стр. 3887

ويقول الزيلعى: من فقهاء الحنفية - فى تعريف الخمر هى التئ من ماء العنب اذا غلا واشتد وقذف بالزبد .. وقال بعضهم: كل مسكر خمر، لما روى عن ابن عمر أنه ﵊ قال: «كل مسكر خمر وكل مسكر حرام» رواه مسلم وأبو داود والترمذى وغيرهم. وفى لفظ كل مسكر خمر وكل خمر حرام رواه مسلم. ولقوله ﵊ الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة رواه مسلم وأبو داود والترمذى وجماعة. وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : ان من الحنطة خمرا، وان من الشعير خمرا، ومن الزبيب خمرا، ومن التمر خمرا، ومن العسل خمرا رواه أبو داود والترمذى وجماعة أخر، ولأنها سميت خمرا لمخامرتها العقل، والسكر يوجد بشرب غيرها فكان خمرا. ولنا أن الخمر حقيقة اسم للنئ من ماء العنب المسكر بانفاق أهل اللغة، وغيره يسمى مثلثا أو باذقا الى غير ذلك من أسمائه، وتسمية غيرها خمرا مجازا، وعليه يحمل الحديث أو على بيان الحكم ان ثبت، لأنه ﵊ بعث له لا لبيان الحقائق. ولا نسلم أنها سميت خمرا لمخامرتها العقل، بل لتخمرها ولئن سلمنا أنها سميت بالخمر لمخامرتها العقل لا يلزم منه أن يسمى غيرها بالخمر قياسا عليها، لأن القياس لاثبات الأسماء اللغوية باطل وانما هو لتعدى الحكم الشرعى .. ألا ترى ان البرج سمى برجا لتبرجه وهو الظهور، وكذا النجم سمى نجما لظهوره، ثم لا يسمى كل ظاهر برجا ولا نجما. وما ذكره فى المختصر من تعريف الخمر هو قول أبى حنيفة ﵀. وعندهما اذا اشتد صار خمرا ولا يشترط فيه القذف بالزبد: لأن اللذة المطربة والقوة المسكرة تحصل به، وهو المؤثر فى ايقاع العداوة والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وأما القذف بالزبد فهو وصف لا تأثير له فى احداث صفة السكر. وله أن الغليان بداية الشدة وكماله بقذف الزبد، لأنه يتميز به الصافى عن الكدر، وأحكام الشرع المتعلقة بها قطعية كالحد واكفار مستحلها ونحو ذلك، فتناط بالنهاية به. وقيل يؤخذ فى حرمة الشرب بمجرد الاشتداد، وفى وجوب الحد على الشارب بقذف الزبد احتياطا (١).

стр. 3888

ويقول ابن رشد المالكى الخمر ما أسكر وخامر (١) العقل. وحقيقة الخمر عند أكثر أصحاب الشافعى المسكر من عصير العنب وان لم يقذف بالزبد. وقال المزنى وجماعة ان اسم الخمر يقع على الأنبذة حقيقة لأن الاشتراك فى الصفة يقتضى الاشتراك فى الاسم وهو قياس فى اللغة (٢). أما ابن حزم الظاهرى فيقول: كل شئ أسكر كثيره أحدا من الناس فالنقطة منه فما فوقها الى أكثر المقادير خمر (٣). ويقول فقهاء الزيدية ان الخمر المجمع على تحريمها والكافر مستحلها هى خمر العنب والرطب لقوله ﷺ : «الخمر من هاتين الشجرتين (٤)». أما الأمامية فيقولون «الخمر هى عصير العنب الذى اشتد وأسكر وكذا كل ما يسكر من الأشربة الأخرى يسمى خمرا (٥). حرمة شرب الخمر مذهب الحنفية: جاء فى المبسوط (٦) «الخمر حرام بالكتاب والسنة والاجماع». أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧) الى أن قال ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وقد روى فى ذلك أن عمر رضى الله عنه قال لرسول الله ﷺ الخمر مهلكة للمال مذهبة للعقل فادع الله تعالى يبينها لنا فجعل يقول اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا فنزل قوله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا﴾

стр. 3889

﴿يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (١). فامتنع عنها بعض الناس. وقال بعض آخر: نصيب من منافعها وندع المأثم. فقال عمر رضى الله عنه: اللهم زدنا فى البيان فنزل قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ (٢). فامتنع بعضهم وقالوا: لا خير لنا فيما يمنعنا من الصلاة، وقال بعضهم بل نصيب منها فى غير وقت الصلاة. فقال عمر: اللهم زدنا فى البيان فنزل قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ﴾ (٣)» الآية: فقال عمر رضى الله عنه انتهينا ربنا. وبين الله تعالى أن كل ذلك - الخمر وما ذكر معها - رجس، والرجس ما هو محرم العين، وأنه من عمل الشيطان يعنى أن من لا ينته عنه متابع للشيطان مجانب لما فيه رضى الرحمن. وفى قوله فاجتنبوه أمر بالاجتناب عنه، وهو نص فى التحريم. ثم بين المعنى فيه بقوله : انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة. وكان هذا اشارة الى الاثم الذى بينه الله تعالى فى الآية الأولى بقوله واثمهما أكبر من نفعهما. وفى قوله فهل أنتم منتهون أبلغ ما يكون من الأمر بالاجتناب، وقال تعالى ﴿(قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ)﴾ والاثم من أسماء الخمر. وأما السنة فما روى عن النبى ﷺ أنه قال: لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة اليه وآكل ثمنها (والعاصر من عصر لغيره والمعتصر من عصر لنفسه) وذلك دليل نهاية التحريم. وقال ﵊: شارب الخمر كعابد الوثن وقال ﵊ الخمر أم الخبائث. وقال ﵊ اذا وضع

стр. 3890

الرجل قدحا من خمر على يده لعنته ملائكة السموات والأرض فان شربها لم تقبل صلاته أربعين ليلة وان داوم عليها فهو كعابد الوثن. وكان جعفر الطيار ﵀ يتحرز عن هذا فى الجاهلية والاسلام ويقول: العاقل يتكلف ليزيد فى عقله فأنا لا أكتسب شيئا يزيل عقلى. والأمة أجمعت على تحريمها وكفى بالاجماع حجة هذه حرمة قوية باتة حتى يكفر مستحلها ويفسق شاربها ويجب الحد بشرب القليل والكثير منها. والقليل والكثير منها فى الحرمة وفى جميع ما ذكر من الأحكام سواء لقوله ﵊ «حرمت الخمر لعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب» ثم فى تناول القليل منها معنى العداوة والصد عن ذكر الله تعالى، فالقليل يدعو الى الكثير على ما قيل: ما من طعام وشراب الا ولذته فى الابتداء تزيد على اللذة فى الانتهاء الا الخمر، فان اللذة لشاربها تزداد بالاستكثار منها، ولذا يزداد حرصه على شربها اذا أصاب منها شيئا فكان القليل منها داعيا الى الكثير منها فيكون محرما كالكثير ألا ترى ان الزنا لما حرم شرعا حرمت دواعيه - أيضا - وأن المشئ على قصد المعصية معصية (١). مذهب المالكية: يقول ابن رشد: أجمعت الأمة على أن الخمر محرمة فى كتاب الله تعالى فقال تعالى: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»﴾. وهذه الآية نزلت بعد قوله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما»﴾. وقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ»﴾. ويدل على تحريمها أيضا أن الله سماها رجسا، ونص على تحريم الرجس فقال: قل لا أجد فيما أوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا أهل لغير الله به. وسماها اثما فى موضع آخر فقال: يسألونك عن الخمر والميسر كل فيهما اثم لكبير. ثم نص على تحريم الاثم فقال: «قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم».

стр. 3891

وقد جاءت السنة أيضا نصا فى تحريمها فقال ﷺ «ان الله حرمها كما أجمعت الأمة على تحريمها فكان تحريمها معلوما من الدين بالضرورة. فمن قال ان الخمر ليست بحرام فهو كافر باجماع يستتاب كما يستتاب المرتد، فان تاب والا قتل. روى ان ناسا من أهل اليمن قدموا على رسول الله ﷺ فعلمهم الصلاة والسنن والفرائض، ثم قالوا: يا رسول الله ان لنا شرابا نصنعه من القمح، فقال ﷺ : أيتغير به فقالوا: نعم فقال: لا تطعموه قالوا: فانهم لا يدعونه قال: من لم يدعه فاضربوا عنقه يريد مكذبا بتحريمه. ومن شربها وهو مقر بتحريمها جلد الحد ثمانين. وشرب الخمر من أكبر الكبائر والآثار الواردة بالتشدد فى شرب الخمر كثيرة أكثر الناس من ذكرها فلا حاجة لذكرها (١). مذهب الشافعية: جاء فى تحفة المحتاج: «شرب الخمر حرام اجماعا وهو من الكبائر (٢). بل هى أم الكبائر كما قاله عمر وعثمان رضى الله عنهما (٣). واذا كان المسلمون قد شربوا منها فى أول الاسلام فذلك قبل تحريمها. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: الخمر محرمة بالكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. وأما السنة فقول النبى ﷺ كل مسكر خمر وكل خمر حرام رواه أبو داود. وثبت عن النبى ﷺ تحريم الخمر بأخبار تبلغ فى مجموعها رتبة التواتر. وأجمعت الأمة على تحريمها .. وروى الخلال باسناده عن محارب بن دثار ان أناسا شربوا بالشام الخمر فقال لهم يزيد بن أبى سفيان شربتم الخمر:

стр. 3892

قالوا نعم يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا» الآية (١)، فكتب فيهم الى عمر ابن الخطاب، فكتب اليه ان أتاك كتابى هذا نهارا فلا تنتظر بهم الى الليل، وان أتاك ليلا فلا تنتظر نهارا حتى تبعث بهم الى، لئلا يفتنوا عباد الله، فبعث بهم الى عمر، فشاور فيهم الناس، فقال لعلى: ما ترى؟ فقال: أرى أنهم قد شرعوا فى دين الله ما لم يأذن الله فيه «فان زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله. وان زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين فقد افتروا على الله، وقد أخبرنا الله بحد ما يفترى بعضنا على بعض فحدهم عمر ثمانين (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى: «أما الخمر فمحرمة بالنص والاجماع المتيقن فواجب اجتنابها قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: «الخمر محرمة اجماعا لقوله تعالى «رجس فحرمتها الآية من وجوه حيث قرنها بالأزلام وسماها رجسا ومن عمل الشيطان. وقال تعالى: فاجتنبوه. وقال أيضا: لعلكم تفلحون ووصفها بالصد عن ذكر الله وقال تعالى فهل أنتم منتهون. ومن السنة قول رسول الله ﷺ «لعن الله الخمر .. الحديث (٤)، ولأن حفظ العقل واجب عقلا (٥). وفى شرح الأزهار لا خلاف فى تحريم الخمر. قال فى الانتصار من استحل شربها فقد كفر (٦). مذهب الإمامية: جاء فى جواهر الكلام: الخمر محرمة بلا خلاف بين المسلمين بل من ضروريات دينهم على وجه يدخل مستحله فى الكافرين (٧).

стр. 3893

مذهب الإباضية: قسم صاحب قناطر الخيرات الذنوب الى كبائر وصغائر، ثم قسم كبائر الذنوب الى أقسام مختلفة خصص قسما منها للكبائر التى ترتكب بطريق الأكل أو الشرب فقال: ثلاثة منها فى البطن: شرب الخمر والمسكر من كل شراب (١). وأكل مال اليتيم وأكل الربا. أما الشرب للخمر فهو حقيقى أن يكون من الكبائر الموبقات وقد دل عليه تشديدات الشرع وطريق النظر أيضا، لأن العقل محفوظ - أى هو من الضروريات التى يجب حفظها - كالنفس بل لا خير فى النفس بعد ازالة العقل (٢). نجاسة الخمر مذهب الحنفية: الخمر نجسة نجاسة مغلظة، لأن الله تعالى سماها رجسا فكانت كالبول والدم المسفوح، ولذلك فانه لا يعفى عن أكثر من قدر الدرهم منها (٣). مذهب المالكية: يقول ابن رشد المالكى: «كل مسكر مطرب من أى نوع كان من الأنبذة والأشربة نجس الذات، لأن الله تعالى سمى الخمر رجسا كما سمى النجاسات من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير رجسا. وقال تعالى: قل لا أجد فيما أوحى الى محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فانه رجس أو فسقا أهل لغير الله به. والخمر اذا تخللت صارت طاهرة (٤). مذهب الشافعية: يقول النووى ﵀: الخمر نجسة عندنا. ونقل الشيخ أبو حامد الاجماع على نجاستها.

стр. 3894

واحتج أصحابنا بالآية الكريمة، قالوا: ولا يضر قرن الميسر والانصاب والازلام بها مع أن هذه الأشياء طاهرة، لأن هذه الثلاثة خرجت بالاجماع فبقيت الخمر على مقتضى الكلام ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة، لأن الرجس عند أهل اللغة القذر ولا يلزم من ذلك النجاسة وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة. وقول بعضهم ولأنه يحرم تناوله من غير ضرورة فكان نجسا كالدم لا دلالة فيه لوجهين. أحدهما: أنه منتقض بالمنى والمخاط وغيرهما. والثانى: أن العلة فى منع تناولهما مختلفة، فلا يصح القياس، لأن المنع من الدم لكونه مستخبثا والمنع من الخمر لكونها سببا فى العداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما صرحت به الآية الكريمة وأقرب ما يقال ما ذكره الغزالى أنه حكم بنجاستها تغليظا وزجرا عنها. ولا فرق فى نجاسة الخمر بين الخمر المحترمة (١) وغيرها. وكذا لو استحال باطن حبات العنب خمرا فانه نجس. وحكى امام الحرمين والغزالى وغيرهما: أن الخمر المحترمة طاهرة، ووجهه أن باطن حبات العنب المستحيل طاهر. والصواب النجاسة (٢). مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة ﵀: الخمر نجسة فى قول أهل العلم، لأن الله تعالى حرمها لعينها فكانت نجسة كالخنزير وكل مسكر حرام نجس (٣). مذهب الظاهرية: لم يتكلم ابن حزم الظاهرى عن نجاسة الخمر استقلالا، ولكنه أشار الى نجاستها فى ثنايا كلامه عن النجاسات بصفة عامة حيث يقول: وازالة النجاسة وكل ما أمر الله باجتنابه فهو فرض (٤) .. فما كان فى الخف أو النعل

стр. 3895

من دم أو خمر أو بول أو غير ذلك فتطهيرهما بأن يمسحا بالتراب. برهان ذلك أن كل ما ذكرنا من الدم والخمر والبول حرام والحرام فرض اجتنابه لا خلاف فى ذلك (١). مذهب الزيدية: يعتبر الزيدية الخمر وغيرها من المسكرات أعيانا نجسة. ففى شرح الأزهار: «والسكر من عنب كان أو غيره فانه نجس وان طبخ (٢). مذهب الإمامية: جاء فى مفتاح الكرامة: ومن النجاسات المسكرات .. وفى الغنية كل شراب مسكر نجس. وفى المنته على أن الخمر ان تجمد لا يخرج عن حكم النجاسة .. الا أن تزول عنه صفة الاسكار. هذا وقد نقل فى الدروس والذكرى وشرح الفاضل أن الصدوق والجعفى والحسن ذهبوا الى طهارة الخمر. وفى المنته أن القول بنجاسة الخمر هو قول أكثر أهل العلم. وفى الحبل المتين: أطبق علماء الخاصة والعامة على نجاسة الخمر الا شرذمة منا. والشيخ فى التهذيب قال ان الرجس هو النجس بلا خلاف. ولذا استدل فى المنته بالآية الشريفة وقال: الرجس النجس بالاتفاق. وفى الدلائل ان الاخبار الدالة على نجاسة الخمر تقرب من عشرين خبرا. ويلحق بها العصير اذا غلى واشتد (٣). مذهب الإباضية: يقول شارح النيل: من أعيان النجاسات الخمر وما يسكر عند الأكثر منا. وأما الأكثر من قومنا فعندهم أنها نجسة لا بعينها - وزعم بعض أن ذاتها طاهرة والمحرم شربها (٤).

стр. 3896

وفى قناطر الخيرات ان المائعات كلها طاهرة الا البول والخمر وكل نبيذ مسكر (١). عدم تقوم الخمر وما يترتب عليه مذهب الحنفية: يقول العلامة ابن عابدين: «وسقط تقومها أى الخمر فى حق المسلم، لأن الله لما نجسها فقد أهانها والتقوم يشعر بعزتها. ولكن لا تسقط ماليتها فى الأصح، لأن المال ما يميل اليه الطبع ويجرى فيه البذل والمنع فتكون مالا لكنها غير مقومة فى حق المسلم. وأما الذمى فهى متقومة فى حقه كالخنزير حتى صح بيعه لهما. ولو أتلفهما له غير الامام ومأموره ضمن قيمتهما (٢). (انظر اتلاف). ومما يترتب على عدم تقومها فى حق المسلم أنه لا يجوز بيعها بين المسلمين، ولا أكل ثمنها، لأن الله تعالى سماها رجسا وأمر بالاجتناب عنها فاقتضى ذلك أنه لا يجوز للمسلم الاقتراب منها على جهة التمول بحال. وسئل ابن عمر رضى الله عنه عن بيع الخمر وأكل ثمنها فقال: قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فحملوها وباعوها وأكلوا ثمنها وان الذى حرم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها. وممن لعنه رسول الله ﷺ بائعها: ومشتريها. وان كان لرجل دين على رجل فقضاه من ثمن خمر لم يحل له أن يأخذه الا أن يكون الذى عليه الدين كافرا فلا بأس حينئذ أن يأخذها منه، لأنها مال متقوم فى حق الكافر، فيجوز بيعه ويستحق البائع ثمنه ثم المسلم يأخذ ملك مديونه بسبب صحيح، وما يأخذه عوض عن دينه فى حقه لا ثمن الخمر. وأما بيع الخمر من المسلم فباطل والثمن غير مستحق له وهو واجب الرد على من أخذه منه، وصاحب الدين ليس له أخذ ملك مديونه بل ملك الغير الحاصل عنده بسبب فاسد شرعا فيكون هو بهذا الأخذ مقررا الحرمة والفساد وذلك لا يحل. ولا بأس ببيع العصير ممن يتخذه خمرا، لأن العصير مشروب طاهر حلال فيجوز بيعه وأكل ثمنه ولا فساد فى قصد البائع، انما الفساد فى قصد المشترى ولا تزر وازرة وزر أخرى، ألا ترى أن بيع الكرم ممن يتخذ الخمر

стр. 3897

من عنبه جائز لا بأس به، وكذلك بيع الأرض ممن يغرس فيها كرما ليتخذ من عنبه الخمر وهذا قول أبى حنيفة وهو القياس. وكره ذلك أبو يوسف ومحمد رحمهما الله استحسانا، لأن بيع العصير ممن يتخذه خمرا اعانة على المعصية وتمكين منها، وذلك حرام، واذا امتنع البائع من البيع يتعذر على المشترى اتخاذ الخمر فكان فى البيع منه تهييج للفتنة وفى الامتناع تسكينها (١). مذهب المالكية: يقول ابن رشد: «أما ما لا يصح تملكه فلا يجوز بيعه باجماع كالخمر (٢). ويقول القرطبى قوله تعالى: فاجتنبوه يقتضى الاجتناب المطلق الذى لا ينتفع معه … لا بشرب ولا ببيع. وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة فى هذا الشأن. روى مسلم عن ابن عباس أن رجلا أهدى لرسول الله ﷺ رواية خمر فقال له رسول الله ﷺ : هل علمت أن الله حرمها؟ قال: لا قال: فسار رجلا فقال له رسول الله ﷺ : بم ساررته قال أمرته ببيعها فقال ان الذى حرم شربها حرم بيعها قال ففتح المزادة (٣) حتى ذهب ما فيها. وقد أجمع المسلمون على تحريم بيع الخمر (٤). مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: الخمر نوعان: محترمة، وغيرها. فالمحترمة هى التى اتخذ عصيرها ليصير خلا. وغيرها ما اتخذ عصيرها للخمرية (٥). وفى مغنى المحتاج: «ولا يصح بيع الخمر .. لخبر الصحيحين أنه ﷺ نهى عن ثمن الكلب، وقال: ان الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير (٦).

стр. 3898

وروى الترمذى عن أنس قال: لعن رسول الله ﷺ فى الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة اليه، وبائعها، ومبتاعها، وواهبها، وآكل ثمنها (١). ويقول النووى: ولا يصح بيع الخمر المحترمة على المذهب. ولو استحالت أجواف حبات العناقيد خمرا ففى صحة بيعها اعتمادا على طهارة ظاهرها وتوقع طهارة باطنها وجهان (٢). هذا ومن البيوع المنهى عنها عند الشافعية بيع الرطب والعنب ونحوهما كالتمر والزبيب لعاصر الخمر بأن يعلم منه ذلك، أو يظن ظنا غالبا. أما اذا شك فيما ذكر أو توهمه فالبيع مكروه (٣) مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: ولا يجوز بيع الخمر ولا التوكيل فى بيعه ولا شراؤه. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم علي أن بيع الخمر غير جائز. فقد روت عائشة أن النبى ﷺ قال: حرمت التجارة فى الخمر، ومن وكل فى بيع الخمر وأكل ثمنه فقد أشبههم - أى أشبه اليهود فى بيعهم الشحوم المحرمة وأكل ثمنها وقد لعنهم الرسول لذلك - ولأن الخمر نجسة محرمة يحرم بيعها، والتوكيل فى بيعها كالميتة والخنزير (٤). وبيع العصير لمن يعتقد أنه يتخذه خمرا محرم لقول الله تعالى: ولا تعاونوا على الاثم والعدوان، وهذا نهى يقتضى التحريم. وروى عن النبى ﷺ أنه لعن فى الخمر عشرة، ذكر منها بائعها، ومبتاعها، وساقيها، وأشار الى كل معاون عليها، وساعد فيها. وروى ابن بطة باسناده عن محمد بن سيرين: أن قيما كان لسعد بن أبى وقاص فى أرض له، فأخبره عن عنب لا يصلح زبيبا، ولا يصلح أن يباع الا لمن يعصره فأمر بقلعه، وقال: بئس الشيخ أنا ان بعت الخمر، ولأنه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية، فأشبه أجارة أمته لمن يعلم أنه يستأجرها ليزنى بها.

стр. 3899

اذا ثبت هذا فانما يحرم البيع ويبطل اذا علم البائع قصد المشترى ذلك، أما بقوله، وأما بقرائن مختصة به تدل على ذلك. وأما ان كان الأمر محتملا مثل أن يشتريها من لا يعلم حاله، أو من يعمل الخل والخمر فالبيع جائز. واذا ثبت التحريم فالبيع باطل، لأنه عقد على عين لمعصية الله بها، فلم يصح، كاجارة الأمة للزنا وللغناء (١). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم: «كل شئ أسكر كثيره أحدا من الناس فالنقطة منه فما فوقها الى أكثر المقادير خمر حرام ملكه وبيعه (٢). ويقول أيضا: وجائز بيع العصير ممن لا يوقن أنه يبقيه حتى يصير خمرا. فان تيقن أنه يجعله خمرا لم يحل بيعه منه أصلا وفسخ البيع، لقول الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان. وبيقين ندرى أنه من باع العنب أو النبيذ أو الخمر ممن يتخذه خمرا، فقد أعانه على الاثم والعدوان، وهذا محرم بنص القرآن، واذ هو محرم فقد قال رسول الله ﷺ : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٣). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: ويحرم بيع الخمر، لما روى عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول عام فتح مكة: ان الله حرم بيع الخمر والميتة والأصنام .. الحديث وما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «ان الله اذا حرم على قوم أكل شئ حرم عليهم ثمنه. فان باعها ذمى لمسلم لم يصح اذ حرم ثمنها، فعن ابن عباس أن رجلا أهدى إلى رسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : هل علمت أن الله حرمها قال لا، قال: فسار انسانا الى جنبه، فقال له رسول الله ﷺ : بم ساررته، قال: أمرته ببيعها، فقال: ان الذى حرم شربها حرم ثمنها، ففتح حتى ذهب ما فيها (٤).

стр. 3900

مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف: «لا يجوز بيع الخمر .. لاجماع الفرقة، وأيضا روى عن عائشة أنها قالت أن النبى ﷺ حرم التجارة فى الخمر، وروى عنه أنه قال: ان الذى حرم شربها حرم بيعها، وروى ابن عباس أن رسول الله ﵌ أتاه جبريل فقال: يا محمد ان الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة اليه، وشاربها، وبايعها ومبتاعها، وساقيها (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: حرم بيع مجمع على تحريمه .. كالخمر ونحوها من المسكرات. وان زال اسكارها جاز على الخلاف (٢). الانتفاع بالخمر فى غير الشرب مذهب الحنفية: جاء فى المبسوط ما يفيد أن الانتفاع بالخمر حرام، فقد لعن رسول الله ﷺ فى الخمر عشرا وعدهم ويفهم من ذلك تحريم الانتفاع بالخمر. ويحرم أن تمتشط المرأة بالخمر، لأنها فى خطاب تحريم الشرب كالرجل، وكذلك فى وجوب الحد عليها عند الشرب فكذلك فى الانتفاع بها من حيث الامتشاط. وقد صح عن عائشة رضى الله عنها أنها كانت تنهى النساء عن ذلك أشد النهى. وكذلك لا يحل أن يسقى الصبيان الخمر للدواء وغير ذلك، والاثم على من يسقيهم، لأن الاثم ينبنى على الخطاب، والصبى غير مخاطب، لكن من يسقيه مخاطب فهو الآثم. وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال: ان أولادكم ولدوا على الفطرة فلا تداووهم بالخمر ولا تغذوهم بها، فان الله لم يجعل فى رجس شفاء. ويكره للرجل أن يداوى بها جرحا فى بدنه أو يداوى بها دابته، لأنه نوع انتفاع بالخمر، والانتفاع بالخمر محرم شرعا من كل وجه ثم الضرورة لا تتحقق هنا (٣). ويكره الاحتقان بالخمر والاقطار منها فى الاحليل ولا حد فى ذلك، لأن ما يقطر فى احليله لا يصل الى جوفه، ولهذا

стр. 3901

لا يفطره عند أبى حنفيه ومحمد رحمهما الله تعالى، والحقنة وان كانت مفطرة فالحد لا يلزمه فيما يصل الى جوفه من أسافل البدن، لأن الحد للزجر، والطبع لا يميل الى ذلك (١). واذا استعط الرجل بالخمر أو اكتحل بها، أو اقتطرها فى أذنه، أو داوى بها جائفة، أو آمة فوصل الى دماغه، فلا حد عليه، لأن وجوب الحد يعتمد على شرب الخمر، وهو بهذه الأفعال لا يصير شاربا، وليس فى طبعه ما يدعوه الى هذه الأفعال، لتقع الحاجة الى شرع الزجر عنها. ولو عجن دواء بخمر ولته أو جعلها أحد أخلاط الدواء ثم شربها، والدواء هو الغالب فلا حد عليه. وان كانت الخمر هى الغالبة فانه يحد، لأن المغلوب يصير مستهلكا بالغالب اذا كان من خلاف جنسه والحكم للغالب (٢) .. ولو عجن الدقيق بالخمر، ثم خبزه كره أكله، لأن الدقيق تنجس بالخمرة والعجين لا يطهر بالخبز فلا يحل أكله. ولو صب الخمر فى حنطة لم يؤكل منها حتى تغسل، لأنها تنجست بالخمر. فان غسل الحنطة وطحنها ولم يوجد فيها طعم الخمر ولا ريحها فلا بأس بأكلها، لأن النجاسة كانت على ظاهرها، وقد زالت بالغسل بحيث لم يبق شئ من آثارها فهى وما لو تنجست بدم أو بول سواء. فان تشرب الخمر فى الحنطة فقد ذكر فى النوادر عن أبى يوسف تغسل ثلاث مرات، وتجفف فى كل مرة فتطهر. وعند محمد ﵀ لا تطهر بحال، لأن الغسل انما يزيل ما على ظاهرها. فأما ما تشرب فيها فلا يستخرج الا بالعصر والعصر فى الحنطة لا يتأتى وهو الى القياس أقرب. وما قاله أبو يوسف أرفق بالناس لأجل البلوى والضرورة فى جنس هذا .. ويكره أن تسقى الخمر للدواب، لأنه نوع انتفاع بالخمر واقتراب منها على قصد التمول ولذلك يكره للمسلم أن يسقيها للذمى كما لا يحل له أن يشربها. وقد لعن رسول الله ﷺ فى الخمر ساقيها كما لعن شاربها (٣). ولو سقى شاة خمرا ثم ذبحت ساعتئذ، فلا بأس بلحمها، وكذلك لو حلب منها اللبن، فلا بأس بشربه لأن الخمر صارت

стр. 3902

مستهلكة بالوصول الى جوفها، ولم تؤثر فى لحمها، ولا لبنها، وهى على صفة الخمرية بحالها، فلهذا لا بأس بأكل لحمها وشرب لبنها. ولو صب رجل خابية من خمر فى نهر مثل الفرات، أو أصغر منه ورجل أسفل منه فمرت الخمر فى الماء، فلا بأس بأن يشرب من ذلك، الا أن يكون وجد فيه طعمها أو ريحها فلا يحل له حينئذ، بخلاف ما لو وقعت قطرة من خمر فى اناء فيه ماء، لأن الاناء قد تنجس فلا يحل شربه. وان كان لا يوجد فيه طعم الخمر. وأما الفرات فلا ينجس اذ لم يتغير طعمه ولا رائحته بما صب فيه لقوله ﵊ خلق الماء طهورا لا ينجسه شئ الا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه، والمراد الماء الجارى، ثم ما صب فى الفرات يكون مغلوبا مستهلكا فما يشربه الرجل ماء الفرات، ولا بأس بشرب ماء الفرات. أما اذا كان يوجد فيه ريح الخمر أو طعمها فيستدل بذلك على وجود عين الخمر فى الماء فلا يحل شربه (١). مذهب المالكية: يقول القرطبى: ان قوله تعالى «فاجتنبوه» يقتضى الاجتناب المطلق الذى لا ينتفع معه بشئ بوجه من وجوه الانتفاع لا بشرب ولا بيع ولا تخليل ولا مداواة ولا غير ذلك (٢). وجاء فى الشرح الكبير للدردير: «ولا يجوز استعمال الخمر لأجل دواء ولو، لخوف الموت. وقد علق الدسوقى على ذلك بقوله: فان وقع ونزل وتداوى به شربا حد. قال ابن العربى تردد علماؤنا فى دواء فيه خمر. والصحيح المنع والحد. وما ذكره من الحد اذا سكر بالفعل والا لم يحد. وبالغ المالكية فى عدم جواز استعمال الخمر لأجل الدواء، فقالوا بمنعه ولو كان طلاء فى جسده. وكذلك لا يجوز استعماله ولو خلطه بشئ من الدواء الجائز بمعنى أنه اذا طلى به مخلوطا بشئ من الدواء الجائز فان ذلك ممنوع عندهم (٣).

стр. 3903

ولكن محل منع الطلاء به منفردا أو مختلطا بدواء جائز ما لم يخف الموت والاجاز (١) (انظر اضطرار). مذهب الشافعية: يرى الشافعية أنه لا يجوز الانتفاع بالخمر فى الاصح عندهم، حتى ولو كان ذلك للتداوى، لخبر مسلم أنه ﷺ قال، لمن سأله انه يصنعها للدواء: أنه ليس بدواء ولكنه داء «وخبر ان الله لم يجعل شفاء أمتى فيما حرم عليها، وما دل عليه القرآن من أن فيها منافع انما هو قبل تحريمها. أما استعمال الخمر مستهلكة مع دواء آخر فان التداوى بمثل هذا المخلوط جائز مثله فى ذلك، مثل بقية النجاسات، فانه اذا عرف نفعها وأخبره بذلك طبيب عدل بنفعها وبأنه لا دواء سواها، فانه يجوز التداوى بها - أى بالنجاسات والخمر المستهلكة كذلك. ولا يجوز الانتفاع بالخمر حتى ولو باسقائها للبهائم. الا أن صاحب الاستقصاء جزم بحل اسقاء الخمر للبهائم. وللزركشى احتمال أن البهائم فى هذا كالآدمى فلا يجوز اسقاء الخمر لها من أجل العطش، ووجهته فى هذا أن الخمر تثير العطش فتهلك البهائم، فكان ذلك من قبيل اتلاف المال. ولكن بعضهم يقول: ان الأولى تعليل ذلك بأن فيه اضرارا لها واضرار الحيوان حرام وان لم يتلف. وفى وجه غريب حل اسقاء الخمر للخيل لتزداد حموا - أى شدة فى جريها (٢). ومن صور الانتفاع المحرم بالخمر عند الشافعية أنه لا يجوز عجن الدقيق بها، ولا طبخ اللحم بها، غير أنهم يرون أن أكل مثل هذا الخبز أو اللحم لا حد فيه، لأن عين الخمر اضمحلت بالنار ولم يبق الا أثرها وهو النجاسة، فكان تناول ذلك حراما، ولكن لا حد فيه. وكذلك لا يجوز خلط الخمر بالماء أو بغيره من المائعات. ولكن ان كان الماء ونحوه هو الغالب فى هذا المخلوط بحيث لا يبقى للمسكر أثر من لون أو طعم أو ريح، فان شربه لا يوجب الحد، والا لزم الحد. وكذلك لا يجوز الاستعاط بالخمر ولا الاحتقان بها، ولكن من فعل ذلك لا حد عليه فى الأصح، وان كان آثما، لأن

стр. 3904

الحد للزجر ولا حاجة اليه هنا اذ لا تدعو اليه النفس (١). ومن غص بلقمة أساغها بالخمر ان لم يجد غيرها (أنظر اضطرار). مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز الانتفاع بالخمر وغيرها من المسكرات بل ولو كان ذلك للتداوى بها، لما روى الامام أحمد باسناده عن طارق ابن سريد أنه سأل النبى ﷺ وقال: إنما أصنعها للدواء فقال «أنه ليس بدواء ولكنه داء، وباسناده عن مخارق أن النبى ﷺ دخل على أم سلمة وقد نبذت نبيذا فى جرة فخرج والنبيذ يهدر فقال: ما هذا «فقالت فلانة اشتكت بطنها فنقعت لها فدفعه برجله فكسره وقال: «ان الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء» ولأن الخمر محرمة لعينها فلم يبح التداوى بها (٢). ومن صور الانتفاع المحرم أنه لا يجوز الاصطباغ بالخمر. ولا يجوز طبخ اللحم بها. فان فعل وشرب من مرقته فعليه الحد، لأن عين الخمر موجودة وكذلك ان لت به سويقا فأكله فعليه الحد أيضا. ويحرم كذلك عجن الدقيق بالخمر ولكن أن فعل ثم خبز الدقيق وأكله لم يحد، لأن النار أكلت اجزاء الخمر فلم يبق الا أثره. ولا يجوز الاحتقان بالخمر ولكن ان فعل ذلك لا حد عليه، لأن الاحتقان ليس بشرب ولا أكل ولأنه لم يصل الى جوفه فأشبه ما لو داوى بالمسكر جرحا. وكذلك لا يجوز الاستعاط بالخمر وان فعل ذلك لزمه الحد لأنه أوصله الى باطنه من حلقه. وحكى عن أحمد أن من احتقن بالخمر - أو المسكر - عليه الحد لأنه أوصله الى جوفه (٣). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار ولا ينتفع بشئ من المسكر، لما روى أن رسول الله ﷺ قال كل مخمر خمر وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا، فان تاب تاب الله عليه، فان عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: صديد أهل

стр. 3905

النار» أخرجه أبو داود. والتحريم عام لوجوه الانتفاع (١). وفى شرح الأهار أن الانتفاع بالنجس ومنه المسكر حرام وان قل وبلغ فى القلة أى مبلغ. والاعتبار بأن يكون جنسه مسكرا نيئا كان أو مطبوخا من عنب أم من غيره من زبيب أو تمر أو زهو أو عسل أو حنطة أو غير ذلك. وكما لا يجوز التداوى بالنجس يحرم علينا تمكينه غير المكلف، فلا يجوز أن تسقى البهائم والطير متنجسا ولا نطعمها شيئا نجسا كالخمر (٢). واذا طبخ اللحم بالخمر فمن أكل منه لم يحد، ومن شرب من مرقه حد. وان عجن الدقيق بالخمر ثم خبز لم يحد آكله لأنه لا عين لها. ومن جعل الخمر اداما للخبز ونحوه فانه يحد، لأنها باقية غير مستهلكة. ومن استعط الخمر فانه يحد. ومن احتقن الخمر أو صبها فى دبوه أو أذنه أو احليله فانه يحد لها (٣). مذهب الإمامية: والإمامية يحرمون الانتفاع بالخمر وغيرها من الانبذة المسكرة. فقد جاء فى شرائع الاسلام والفقاع كالنبيذ المسكر فى التحريم .. وفى وجوب الامتناع من التداوى به والاصطباغ (٤). وفى جواهر الكلام اذا شرب حيوان خمرا ثم ذبح جاز أكله بعد أن يغسل بالماء، ولا يجوز أكل شئ مما فى بطنه. وعلى كل حال فالمشهور أيضا أنه لا يؤكل ما فى جوفه من الامعاء والقلب والكبد وان غسل، بل عن ابن زهرة الاجماع عليه (٥). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: «وإن انتفع بمحرم .. بأكل أو شرب .. كشرب الخمر .. أو كشم رائحة الخمر. على وجه التلذذ عصى فى ذلك كله كأكل مالا يحل وشربه وكذا الأمر بالانتفاع بذلك (٦). والمسرف كمدمن خمر بشربها أو أكلها، أو عصرها أو حملها، أو بيعها أو معاملتها بوجه ما، غير افسادها واهراقها سفيه ويحجر عليه ويؤدب فضلا عن اقامة الحد (٧).

стр. 3906

حكم دردى (١) الخمر مذهب الحنفية: يرى فقهاء الحنفية أن شرب دردى الخمر حرام، وكذلك الانتفاع به، لأن الدردى من كل شئ بمنزلة صافيه والانتفاع بالخمر حرام، فكذلك بدرديه، لأن الدردى أجزاء الخمر. ولو وقعت قطرة من خمر فى دباء لم يجز شربه والانتفاع به فالدردى أولى. ولو شرب من الدردى ولم يسكر فلا حد عليه عند الحنفية .. لأن وجوب الحد للزجر، وانما يشرع الزجر فيما تميل اليه الطباع السليمة، والطباع لا تميل الى شرب الدردى، بل من يعتاد شرب الخمر يعاف الدردى، فيكون شربه كشرب الدم والبول، ثم الغالب على الدردى أجزاء ثفل العنب من القشر وغيره، ولو كان الغالب هو الماء لم يجز الحد بشربه فكذلك اذا كان الغالب ثفل العنب. ولا بأس بأن يجعل ذلك فى خل، لأنه يصير خلا، فان طبع الخمر أن يصير خلا اذا ترك، فاذا غلب عليه الخل أولى أن يصير خلا (٢). مذهب المالكية: وقد تكلم المالكية عن حكم دردى المسكر عموما. ففى المدونة: قلت أرأيت عكر المسكر أيجعل فى شئ من الأشربة أو من الأطعمة فى قول مالك؟ قال - أى ابن القاسم - سألت مالكا عن دردى النبيذ المسكر فقال مالك: لا يحل أن يجعل فى شراب يضر به، فكذلك الطعام عندى لا يجعل فيه (٣). مذهب الشافعية: وقد نص الشافعية على أن دردى الخمر حرام، وأن شربه يوجب الحد. ففى تحفة المحتاج: ويحد بدردى خمر أو مسكر آخر وهو ما يبقى آخر انائها، لأنه منها، وكذلك بثخينها اذا أكله (٤). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم الظاهرى: «ودردى الخمر هو العكر الذى يقعد منها فى قاع الدن، وهو خمر بلا شك (٥). مجالسة شارب الخمر مذهب الحنفية: نص فقهاء الحنفية على أن مجالسة

стр. 3907

شارب الخمر منهى عنها، وكذلك الآكل على مائدة يشرب عليها الخمر. «ويقول السرخسى تعليلا لهذا الحكم» هكذا نقل عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن أن يأكل المسلم على مائدة عليها الخمر، ولأن فى ذلك تكثير جمع الفسقة واظهار الرضا عنهم، وذلك لا يحل للمسلم (١). مذهب المالكية: يقول القرطبى - فى تفسير قوله تعالى «فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» فدل هذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصى اذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضى فعلهم. فكل من جلس فى معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم فى الوزر سواء فان لم يقدر على النكير عليهم، فينبغى أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل عن أحد الحاضرين أنه صائم، فجعل عليه الأدب وقرأ هذه الآية «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ،﴾ أى أن الرضا بالمعصية معصية. ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضى بعقوبة المعاصى حتى يهلكوا جميعا (٢). مذهب الشافعية: يقرر الامام الغزالى ﵀ أن العاجز عن تغيير المنكر ليس له عليه حسبة الا بقلبه اذ كل من أحب الله يكره معاصيه وينكرها بقلبه (٣). فان كان فى المجلس من يتعاطى شرب الخمر - والحال أن المؤمن لا يستطيع الانكار - فلا يجوز له الحضور، اذ لا يحل حضور مجالس الشرب. وان كان مع ترك الشرب، ولا يجوز مجالسة الفاسق فى حالة مباشرته للفسق (٤). مذهب الحنابلة: يقول صاحب منته الارادات: «ويعزر من حضر شرب الخمر (٥). ومن تشبه بالشراب - أى بشاربى الخمر - فى مجلسه وآنيته وحاضر من حاضره بمجالس الشراب

стр. 3908

حرم عليه ذلك وعزر، قال فى الرعاية: ولو كان المشروب لبنا (١). مذهب الإمامية: جاء فى وسائل الشيعة .. عن عبد الله بن صالح عن أبى عبد الله ﵇ قال: لا ينبغى للمؤمن أن يجلس مجلسا يعصى الله فيه ولا يقدر على تغييره (٢). ومن ناحية أخرى جاء فى شرائع الاسلام: «ويحرم الأكل على مائدة يشرب عليها شئ من المسكرات والنقاع (٣). مذهب الإباضية: ويقرر الإباضية على ما جاء فى قناطر الخيرات أن المؤمن اذا عجز عن تغيير المنكر فى مجلس فانه مطالب بالخروج عن هذا المجلس: «ولا يجوز له الجلوس اذ لا رخصة له فى الجلوس مع مشاهدة المنكرات. فان كان فى هذه المجالس - من يتعاطى شرب الخمر، فلا يجوز الحضور اذ لا يحل مجالسة الفاسق فى حالة مباشرته الفسق .. والصحيح أنه يجب بغضه فى الله ومقاطعته (٤). حكم الخمر اذا تخللت مذهب الحنفية: اذا تخللت الخمر حلت سواء صارت خلا بنفسها أو بشئ يطرح فيها. وعن ابراهيم النخعى رحمه الله تعالى قال: لا بأس اذا كان للمسلم خمر أن يجعلها خلا، وبه أخذ فقهاء الحنفية ﵏، وقالوا تخليل الخمر جائز .. وان خل الخمر حلال (٥). مذهب المالكية: يقول ابن رشد: «ولا اختلاف فى أن الخمر اذا تخللت من ذاتها تحل وتطهر، وانما اختلفوا اذا خللت هل تؤكل أم لا على اختلافهم فى وجه المنع من تخليلها.

стр. 3909

اذ قد قيل: ان المنع من تخليلها عبادة لا لعلة. وقيل بل منع من ذلك لعلة هى التعدى والعصيان فى اقتنائها. وقيل: بل العلة فى ذلك هى التهمة لمقتنيها بأن لم يقصد باقتنائها تخليلها اذا غاب عليها، فيحكم عليه باراقتها على كل حال ولا يمكن من تخليلها. فعلى القول بأن المنع من تخليلها عبادة لا لعلة لا يجوز تخليلها. وعلى القول بأن المنع من تخليلها لعلة يجوز تخليلها اذا ارتفعت العلة. فمن رأى العلة فى ذلك التعدى والعصيان فى اقتنائها أجاز لمن تخمر له عصير لم يرد به الخمر أن يخلله، وقال: أنه ان خلل ما عصى فى اقتنائه لم يأكله عقوبة. ومن رأى العلة فى ذلك التهمة لمقتنيها فى أن لا يخللها اذا غاب عليها أجاز للرجل فى خاصة نفسه أن يخلل ما عنده من الخمر على أى وجه كان ويأكله، وان كان الأولى له أن لا يفعل، وأن يبادر الى اراقتها، كما فعل الصحابة رضى الله عنهم فى حديث أنس (١). مذهب الشافعية: يفرق فقهاء الشافعية بين ما اذا تخللت الخمر بنفسها، وبين ما اذا كان تخليلها بعلاج من آدمى. ففى الحالة الأولى: «اذا قلب الله الخمر خلا بغير علاج آدمى حل ذلك الخل (٢). أما الحالة الثانية فيقول النووى فى حكمها: «ان تخليل الخمر بطرح عصير أو خبز حار أو ملح أو غيرها فيها حرام بلا خلاف عند أصحابنا، فاذا خللت فهذا أى الخل نجس لعلتين. أحداهما: تحريم التخليل. والثانية: نجاسة المطروح بالملاقاة فتستمر نجاستها اذ لا مزيل لها، ولا ضرورة الى الحكم بانقلابها بهذا المطروح طاهرا بخلاف اجزاء الدن. قال أصحابنا: وسواء فى ذلك المحترمة وغيرها، والمطروح قصدا، والواقع فيها اتفاقا بالقاء الريح وغيرها. وفى وجه ضعيف يجوز تخليل المحترمة وتطهر به. وفى وجه: تطهر المحترمة وغيرها اذا طرح بلا قصد حكاهما الرافعى.

стр. 3910

وان نقلها من شمس الى ظل، أو من ظل الى شمس حتى تخللت ففيه وجهان. أحدهما: تطهر، لأن الشدة قد زالت من غير نجاسة خلفتها. والثانى: لا تطهر، لأنه فعل محظور توصل به الى استعجال ما يحل فى الثانى، فلم يحل به، كما لو قتل مورثه، أو نفر صيدا حتى خرج من الحرم الى الحل (١). والأصح فى هذا: الطهارة. والوجهان جاريان فيما لو فتح رأسها ليصيبها الهواء استعجالا للحموضة (٢). وأمساك الخمر المحترمة لتصير خلا جائز، هذا هو الصواب الذى قطع به الأصحاب. وأما غير المحترمة فيجب اراقتها، فلو لم يرقها فتخللت طهرت، لأن النجاسة للشدة، وقد زالت. وحكى الرافعى وجها: أنها لا تطهر، لأنه عاص بامساكها فصار كالتخليل. والمذهب الأول. ومتى عادت الطهارة بالتخليل طهرت أجزاء الظروف للضرورة (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى ما يفيد: أن الخمر اذا صارت خلا بفعل لم تزل عن تحريمها، فقد روى أبو سعيد قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت المائدة سألت رسول الله ﷺ ، فقلت يا رسول الله: أنه ليتيم فقال أهريقوه: رواه الترمذى، وقال: حديث حسن. وعن أنس قال: سئل رسول الله ﷺ أنتخذ الخمر خلا؟ قال: لا وعن أبى طلحه أنه سأل النبى ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا فقال: أهرقها، فقال: أفلا أخللها؟ قال: لا. وهذا نهى يقتضى التحريم ولو كان الى استصلاحها سبيل لم يجز اراقتها بل لارشدهم اليه سيما، وهى لأيتام يحرم التفريط فى أموالهم. ولأنه أجماع الصحابة، فقد روى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه صعد المنبر

стр. 3911

فقال: لا تحل خمر أفسدت حتى يكون الله تعالى هو الذى تولى افسادها، ولا بأس على مسلم ابتاع من أهل الكتاب خلا ما لم يتعمد لأفسادها. (أى: ما لم يكن أصله خمر خللت بفعل) فعند ذلك يقع النهى، رواه أبو عبيد فى الأموال بنحو من هذا المعنى، وهذا قول يشتهر، لأنه خطب به الناس على المنبر فلم ينكر. وأما اذا انقلبت بنفسها فانها تطهر وتحل فى قول جميعهم، فقد روى عن جماعة من الأوائل انهم اصطبغوا بخل خمر. ورخص فيه الحسن وسعيد بن جبير وليس فى شئ من أخبارهم أنهم اتخذوه خلا، ولا أنه انقلب بنفسه. لكن قد بينه عمر بقوله: لا تحل خل خمر أفسدت حتى يكون الله تعالى هو الذى تولى أفسادها .. ولأنها اذا انقلبت بنفسها فقد زالت علة تحريمها من غير علة خلفتها فطهرت، كالماء اذا زال تغيره بمكثه. واذا القى فيها شئ تنجس بها ثم انقلبت بقى ما القى فيها نجسا فنجسها وحرمها. فأما ان نقلها من موضع الى آخر فتخللت من غير أن يلقى فيها شيئا، فان لم يكن قصد تخليلها حلت بذلك، لأنها تخللت بفعل الله تعالى فيها، وان قصد بذلك تخليلها احتمل أن تطهر، لأنه لا فرق بينهما الا القصد فلا يقتضى تحريمها، ويحتمل أن لا تطهر، لأنها خللت فلم تطهر، كما لو القى فيها شئ (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى: «والخل المستحيل عن الخمر حلال تعمد تخليلها أم لم يتعمد، الا أن الممسك للخمر الذى لا يريقها حتى يخللها أو تخلل من ذاتها عاص لله مجرح الشهادة. برهان ذلك أن الخمر مفصل تحريمها، والخل حلال لم يحرم .. فعن عائشة أم المؤمنين قالت: قال: رسول الله ﷺ : نعم الادام الخل، فاذن الخل حلال، فهو بيقين غير الخمر المحرمة. واذا سقطت عن العصير الحلال صفات العصير وحلت فيه صفات الخمر فليست تلك العين عصيرا حلالا بل هى خمر محرمة.

стр. 3912

واذا سقطت عن تلك العين صفات الخمر المحرمة وحلت فيها صفات الخل الحلال فليست خمرا، بل هى خل حلال، وهكذا كل ما فى العالم، انما الأحكام على الأسماء، فاذا بطلت تلك الأسماء بطلت تلك الأحكام المنصوص عليها، وحدثت لها أحكام الأسماء التى انتقلت اليها. ولا معنى لتعمد تخليلها، أو لتخليلها من ذاتها، لأنه لم يأت بالفرق بين شئ من ذلك قرآن ولا سنة صحيحة ولا رواية سقيمة ولا قول صاحب ولا قياس، وانما الحرام امساك الخمر فقط، ولا فرق بين تخليلها أو ترك تخليلها، بل المريد لبقائها خمرا أعظم أثما وأكثر جرما من المتعمد لافسادها، والقاصد لتغييرها، فلا يحل امساك الخمر أصلا (١). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: ولا يحل تخليل الخمر بعلاج، لأمره ﷺ باهراق خمر اليتيم ولم يأمر بتخليلها. وقيل: يجوز تخليلها كما لو تخللت بنفسها. وقد رد صاحب البحر هذا الرأى بقوله: «قلنا: يؤول الى المال فاضاعته كاضاعته فان فعل - أى فان خلل الخمر - حرم خلها لتحريمه لعينه كالميتة، لأن أمره ﷺ باراقتها دليل تحريم ما عولج منها، والا لكان اضاعة. واذا تخللت بنفسها من غير علاج طهرت (٢). ويحل الخل المسمى خل الخمر اجماعا، لقوله ﷺ : خير خلكم خل خمركم ونحوه - وخل الخمر هو الذى يصنع من عصير العنب - ويمتنع فى العادة أن يصير العصير بنفسه خلا قبل أن يصير خمرا، وفى وجوب علاجه بما يمنع تخميره من وضع ملح أو خل أو طلاء الخابية بخردل وجهان. يجب: وأشار اليه البعض عن كثير من الأصحاب. ولا يجب: وهو الأصح. ولو عصر عنبا أو رطبا أو صب ماء على زبيب أو نحوه أو اشترى عصيرا فوضعه فى الدن بنية الخمر أراقها حتما ولو قبل تخميره، اذ العبرة بنية الابتداء،

стр. 3913

ولا تأثير لما بعد، ولو كان لها تأثير - لأثرت فى خمر اليتيم فلم ترق (١). مذهب الإمامية: جاء فى مفتاح الكرامة: «وتطهر الخمر بالانقلاب خلا اجماعا كما فى المنته والمهذب .. وأن طرح فيها اجسام طاهرة للعلاج - وهو المشهور. وفى الكفاية أن المشهور كراهته. ولا فرق فى الأجسام الطاهرة بين كونها جامدة أو مائعة. ولا فرق بين أن يكون ما يعالج به باقيا أو مستهلكا (٢). مذهب الإباضية: قرر صاحب النيل أن الخمر وغيرها من المسكرات لا يجوز بيعها. ثم قال: «وان زال اسكارها جاز على الخلاف، ويسمى خل الخمر، والخمر المتخللة، وذلك أنه يزول اسكارها بالملح ونحوه فقيل: هى طاهرة حينئذ، جائز شربها حلال بيعها وذلك لخروجها من حد الخمر. وقيل غير ذلك وغير طاهرة (٣). الطلاء جاء فى لسان العرب: الطلاء شراب شبيه بطلاء الابل، وهو ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه (٤). مذهب الحنفية: جاء فى حاشية ابن عابدين أن الطلاء يطلق بالاشتراك على أشياء كثيرة: منها البازق، ومنها المنصف والمثلث وكل ما طبخ من عصير العنب. وفى المغرب الطلاء كل ما يطلى به من قطران ونحوه. ويقال لكل ما خثر من الأشربة طلاء على التشبيه (٥). أما المثلث فسيأتى الكلام عنه استقلالا.

стр. 3914

وجاء فى تبيين الحقائق ما يفيد أن الطلاء هو اسم لما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه، وصار مسكرا، وهو حرام. وانما سمى طلاء لقول عمر رضى الله عنه ما أشبه هذا بطلاء البعير، وهو القطران الذى يطلى به البعير اذا كان به جرب وهو يشبهه. وأما الذى طبخ حتى ذهب أقل من ثلثيه فانه يسمى الباذق سواء كان الذاهب قليلا أو كثيرا بشرط ان لا يكون الذاهب ثلثيه وهو ما ذهب نصفه وبقى النصف. ثم يقول الزيلعى: وكل ذلك حرام اذا غلا واشتد وقذف بالزبد (١). مذهب المالكية: جاء فى المدونة ما يفيد أن العصير وجميع الأنبذة سواء لا تحرم بغليانها وانما تحرم اذا كانت تسكر، لأن العصير حلال عند مالك حتى يسكر .. فاذا أسكر كان خمرا، فهو قبل أن يسكر لا يحرم بالغليان، وانما يحرم اذا خرج الى ما يسكر، وعندئذ يحرم قليله وكثيره (٢). مذهب الشافعية: فى تحفة المحتاج: كل شراب أسكر كثيره من خمر أو غيرها حرم قليله وكثيره (٣). مذهب الحنابلة: وكذلك الحال عند الحنابلة، اذ المدار عندهم فى تحريم أى نوع من أنواع الأشربة، على كونه مسكرا. فاذا كان مسكرا - أيا كان اسمه - كان حراما كله قليله وكثيره. واذا لم يكن مسكرا كان حلالا. فقد جاء فى المغنى: وما طبخ من العصير قبل غليانه حتى صار غير مسكر .. فهو مباح، لأن التحريم انما يثبت فى المسكر، ففيما عداه يبقى على أصل الاباحة، وما أسكر كثيره فقليله حرام سواء ذهب منه الثلثان أو أقل أو أكثر (٤). مذهب الظاهرية: روى ابن حزم بسنده عن عطاء قال سمعت ابن عباس يقول: والله لا تحل النار شيئا ولا تحرمه وصح عن طاوس أنه سئل عن الطلاء فقال: أرأيت الذى مثل العسل تأكله بالخبز وتصف عليه الماء

стр. 3915

فتشربه، عليك به، ولا تقرب ما دونه، ولا تشتره، ولا تسقه، ولا تبعه، ولا تستعن بثمنه فانما راعى عمر وعلى وابن عباس ما لا يسكر فأحلوه وما يسكر فحرموه (١). مذهب الزيدية: جاء فى الروض النضير «الطلاء هو ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه، ويسمى بعض العرب الخمر بالطلاء تحسينا، وفى الضياء الطلاء جنس من الأشربة يطبخ حتى يذهب ثلثاه. وقيل: الطلاء من اسماء الخمر وهو بالمد والكسر الشراب من عصير العنب وهو الرب، وأصله القطران الخاثر الذى تطلى به الأبل (٢). وقد سرد صاحب الروض النضير بعض اثار وردت فى حكم هذا النوع من الأشربة. ثم قال فى نهاية كلامه: فهذه بعد صحتها تدل على أن عمر ذهب الى تحليل نوع من الشراب اعتقده لا يسكر، أى ليس من شأنه الاسكار، وأن ما وقع من طبخه كان مانعا من مصيره مسكرا فقليله وكثيره لا يسكر. وأطبق الجميع على أنه اذا كان مسكرا حرم. والذى يظهر أن ذلك يختلف باختلاف، أعناب البلاد (٣). مذهب الإمامية: والطلاء حرام عند الإمامية. فقد جاء فى الخلاف: روى عن عمر أنه خرج فصلى على جنازة فشم من عبيد الله بن عمر - ابنه - ريح الشراب فسأله فقال: انى شربت الطلاء فقال: ان عبد الله ابنى شرب شرابا، وانى سائل عنه، فسأل عنه، فكان مسكرا فحده بشراب ليس بخمر (٤). السكر السكر فى اللغة هو شراب يتخذ من

стр. 3916

التمر، وهو كذلك عند الفقهاء بشرط أن يكون نيئا. وعلى ذلك فالفرق بينه وبين الطلاء أن السكر هو النئ من ماء التمر. وأما الطلاء فهو المطبوخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه (١). مذهب الحنفية: جاء فى المبسوط: السكر هو النئ من ماء التمر المشتد، وهو حرام. لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: الخمر من هاتين الشجرتين الكرم والنخل، ولم يرد به بيان الاسم لغة، لأنه ما بعث مبينا لذلك، وبين أهل اللغة اتفاقا أن اسم الخمر حقيقة للنئ من ماء العنب، فتبين أن يكون المراد حكم الحرمة، وأن ما يكون من هاتين الشجرتين سواء فى حكم الحرمة. ولما سئل ابن مسعود رضى الله عنه عن شرب السكر لأجل الصفر (الصفر بالتحريك داء فى البطن يصفر الوجه) قال: ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم. فأما قوله تعالى: تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا فقد قيل: كان هذا قبل نزول آية التحريم. وقيل: فى الآية اضمار وهو مذكور على سبيل التوبيخ أى تتخذون منه سكرا وتدعون رزقا حسنا. وعن ابن عمر رضى الله عنه أنه سئل عن المسكر فقال: الخمر ليس لها كنية وفيه دليل تحريم السكر، فان مراده من هذا أن السكر فى الحرمة كالخمر وان كان اسمه غير اسم الخمر، فكأنه أشار الى قوله ﵊: «الخمر من هاتين الشجرتين». وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ لما وجهه الى اليمن قال: انههم عن نبيذ السكر والمراد النئ من ماء التمر المشتد، وقد عرف رسول الله ﷺ عادة أهل اليمن فى شرب ذلك، فلهذا خصه بالأمر وبالنهى عنه، وسماه نبيذا لحمرة لونه (٢). هذا وقد نص فقهاء الحنفية على أن السكر نجس اتفاقا. الا أنهم اختلفوا فيها من حيث كونها نجاسة مغلظة أو نجاسة مخففة (٣).

стр. 3917

وأما نبيذ التمر ان طبخ أدنى طبخة فيحل شربه وان اشتد اذا شرب بلا لهو وطرب ولم يسكر، فلو شرب للهو فقليله وكثيره حرام، وكذا اذا شرب ما يغلب على ظنه انه يسكر فيحرم القدر المسكر منه، لأن السكر حرام فى كل شراب (١). مذهب المالكية والشافعية والحنابلة: لم يتكلم فقهاء المذاهب الثلاثة فيما اطلعت عليه من كتبهم - عن السكر بصفة خاصة وذلك اكتفاء بالقاعدة العامة المستمدة من قول رسول الله ﷺ كل مسكر خمر وكل خمر حرام وحيث أن السكر مسكر فانه حرام (٢) يأخذ حكم الخمر من كل الوجوه واذا كان كذلك حرم قليله وكثيره. أما اذا لم يكن مسكرا فانه يكون مباحا، لأن التحريم انما يثبت فى المسكر وفيما عداه يبقى على أصل الاباحة (٣). مذهب الظاهرية: ولم يتكلم ابن حزم - فى كتابه المحلى - عن السكر بصفة خاصة وانما جاء بعبارات عامة تشمل كل أنواع الأشربة اذ يقول: كل شئ أسكر كثيره أحدا من الناس فالنقطة منه فما فوقها الى أكثر المقادير خمر حرام ملكه وبيعه وشربه واستعماله على كل أحد (٤). روى من طريق مالك وسفيان بن عيينه عن الزهرى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ قال: كل شراب أسكر فهو حرام (٥). مذهب الزيدية: جاء فى الروض النضير «وأما النئ من ماء الرطب اذا اشتد وغلى ولم يطبخ فهو السكر الذى ورد فى تحريمه قوله تعالى «تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً» بناء على أنه تعالى جمع بين العتاب فى تناول ما حرم عليهم من السكر والمنة بالرزق الحسن (٦). وجاء فى موضع آخر عند بيان أنواع الأشربة اجمالا» ومنها السكر

стр. 3918

وهو نقيع التمر الذى لم تمسه النار وفيه يروى عن ابن مسعود أنه قال: السكر خمر (١). مذهب الإمامية: كل مسكر خمر وكل خمر حرام. وهذا يفيد أن السكر حرام، لأنه مسكر. وقد تعرض صاحب الخلاف لاستدلال بعض الفقهاء بقوله تعالى: «تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً» فقال: وقد روى عن ابن عباس فيه روايتان: أحداهما السكر الخمر وكان ذلك قبل تحريم الخمر، وتابعه على هذا الحسن البصرى وعطاء ومجاهد وقتادة وغيرهم. والرواية الثانية أن السكر: هو الحرام فيكون معنى الآية تتخذون منه حراما وحلالا (٢). نقيع الزبيب جاء فى لسان العرب النقيع شراب يتخذ من زبيب ينقع فى الماء من غير طبخ (٣). وهو فى اصطلاح الفقهاء لا يخرج عن هذا الذى قرره علماء اللغة فى الجملة. وعلى ذلك فالفرق بين نقيع الزبيب وبين الطلاء. أن نقيع الزبيب هو النئ من ماء الزبيب. أما الطلاء فهو المطبوخ من عصير العنب. وأما الفرق بين السكر والنقيع. فهو أن السكر هو النئ من ماء التمر أما النقيع فهو النئ من ماء الزبيب. مذهب الحنفية: يقول صاحب الدر المختار: وهو بصدد بيان الأشربة المحرمة: «والرابع نقيع الزبيب (٤). وهو النئ من ماء الزبيب بشرط أن يقذف بالزبد بعد الغليان - والكل حرام - أى نقيع الزبيب وما قبله من

стр. 3919

الخمر والسكر والطلاء - اذا غلى واشتد أى ذهبت حلاوته وصار مسكرا. الا ان بقى نقيع الزبيب حلوا غير مسكر فانه لا يحرم فى هذه الصورة اتفاقا، أما أن قذف بالزبد فانه يحرم اتفاقا، أى قليله وكثيره، غير أن حرمة نقيع الزبيب دون حرمة الخمر، فلا يكفر مستحله (١). أما حكم نقيع الزبيب من حيث النجاسة فقد قال بعض الحنفية: انها نجاسة غليظة. وقال البعض الآخر: انها خفيفة. هذا حكم النئ من نقيع الزبيب. أما ان طبخ أدنى طبخة أى طبخ الى أن ينضج فيحل شربه وان اشتد، وهذا اذا شرب بلا لهو وطرب ولم يسكر. فان شرب للهو فقليله وكثيره حرام، وكذلك ان أسكر، لأن السكر حرام فى كل شراب (٢). مذهب المالكية: يقرر المالكية (٣) أن الشراب المسكر الذى يتخذ من نقيع الزبيب حرام وهو كذلك نجس ويحد شاربه. مذهب الشافعية: جاء فى تحفة المحتاج وحاشيتها: كل شراب أسكر كثيره من خمر أو غيرها من نقيع الزبيب والتمر وغيرهما حرم قليله وكثيره (٤). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع: كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام من أى شئ كان (٥). فهذه العبارة بعمومها تدل على أن نقيع الزبيب اذا كان مسكرا فهو حرام عند الحنابلة، واذا كان كذلك حرم قليله وكثيره. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم فى المحلى: كل شئ أسكر كثيره أحدا من الناس فالنقطة

стр. 3920

منه فما فوقها الى أكثر المقادير خمر حرام ملكه وبيعه وشربه واستعماله على كل أحد. عصير العنب ونبيذ التين. وعصير كل ما سواهما ونقيعه (١). مذهب الزيدية: يقول صاحب الروض النضير وهو بصدد بيان أنواع الأشربة: ومنها النقيع، قال فى الضياء: وهو الشراب يتخذ من الزبيب وغيره من غير أن تمسه النار (٢). وجاء فى شرح الأزهار: وما كان من عصير الشجرتين - الكرم والنخل - كفر مستحله وفسق شاربه غير المستحل. وما كان من نقيعهما فسق شاربه ومستحله. وقيل: يكفر مستحله، لأن تحريمه معلوم من الدين بالضرورة (٣). مذهب الإمامية: جاء فى جواهر الكلام (٤): «كل مسكر خمر وكل خمر حرام وفى الصحيح وغيره أن الله تعالى لم يحرم الخمر لاسمها ولكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته عاقبة الخمر .. فهو حرام كالنبيذ … والنقيع .. وغيرهما من الأشربة التى تعمل للاسكار … فعن أبى عبد الله قال قال رسول الله ﷺ «الخمر من خمسة العصير من الكروم والنقيع من الزبيب والبتع من العسل والمزر من الشعير والنبيذ من التمر». النبيذ جاء فى لسان العرب: النبيذ ما ينبذ … وهو ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك. يقال نبذت التمر والزبيب اذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا فصرف من مفعول الى فعيل. ويقال انتبذته اتخذته نبيذا. وسواء كان مسكرا أو غير مسكر فانه يقال له نبيذ (٥). وما ذكره الفقهاء فى تعريفهم للنبيذ لا يخرج عن هذا المعنى اللغوى وهم يقسمونه الى قسمين:

стр. 3921

الأول ما يتخذ من التمر والزبيب. والثانى: المتخذ من الشعير والحنطة والعسل وغيرها. النوع الأول: ما يتخذ من التمر والزبيب: مذهب الحنفية: يفرق الحنفية بين النئ، والمطبوخ من هذا النوع. فأما نبيذ التمر ونبيذ الزبيب النئ فهو حرام عندهم اذا ترك حتى غلا واشتد وقذف بالزبد، لأن غير المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب حرام باجماع الصحابة رضى الله عنهم، وكذا ما روى عن أنس رضى الله عنه أن الخمر حرمت وهى يومئذ البسر والتمر. رواه البخارى ومسلم وأحمد. فالمراد به غير المطبوخ، لأن حكمه حكم الخمر، فلهذا أطلق عليه اسم الخمر. وقد ورد فى حرمة المتخذ من التمر أحاديث كلها صحاح، وفى حله أحاديث أيضا فوجب حمل الأحاديث المحرمة على النئ، وحمل الأحاديث الأخرى غلى المطبوخ (١). فالحنفية على هذا يقولون (٢): ان نبيذ التمر أو نبيذ الزبيب اذا طبخ أى منهما أدنى طبخة - وهو أن يطبخ الى أن ينضج فانه يحل شربه اذا شرب بلا لهو ولا طربء فلو شرب للهو فقليله وكثيره حرام. ويشترط أيضا لاباحة شربه أن لا يسكر. فاذا شرب ما يغلب على ظنه أنه يسكر كان حراما، لأن السكر حرام فى كل شراب. وقد يسمى الشراب المتخذ من التمر الفضيخ وهو أن يفضخ التمر أى يشدخ، ثم يوضع فى الماء لتستخرج حلاوته وهو حرام اذا اشتد (*). مذهب المالكية: جاء فى حاشية (٣) الدسوقى على الشرح الكبير، وأما النبيذ وهو ما أتخذه من ماء الزبيب أو البلح ودخلته الشدة المطربة، فشرب المقدار المسكر منه حرام وهو كبيرة اجماعا .. وكذلك شرب المقدار القليل الذى لا يسكر فانه حرام أيضا يجب فيه ما يجب فى الخمر. لأن كل ما أسكر من الأشربة فهو خمر نبيذا كان أو غيره (٤). فلا فرق فى ذلك بين القليل والكثير، بل وان قل المسكر جدا فانه خمر حرام ولو لم يغب عقله بالفعل (٥).

стр. 3922

مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: وأما النبيذ فقسمان مسكر وغير مسكر. فالمسكر نجس عندنا وعند جمهور العلماء وله حكم الخمر فى التنجيس والتحريم ووجوب الحد. وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة التى يقتضى مجموعها الاستفاضة أو التواتر أن رسول الله ﷺ قال: كل مسكر خمر وكل مسكر حرام، وهذه الألفاظ مروية فى الصحيحين من طرق كثيرة. وأما القسم الثانى من النبيذ فهو ما لم يشتد ولم يصر مسكرا وذلك كالماء الذى وضع فيه حبات تمر أو زبيب فصار حلوا. هذا القسم طاهر بالاجماع يجوز شربه وبيعه وسائر التصرفات فيه، وقد تظاهرت الأحاديث فى الصحيحين من طرق متكاثرة على طهارته وجواز شربه .. ثم أن مذهبنا جواز شربه ما لم يصر مسكرا وان جاوز ثلاثة أيام .. لحديث بريدة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: كنت نهيتكم عن الانتباذ الا فى سقاء فانتبذوا فى كل وعاء ولا تشربوا مسكرا .. رواه مسلم فهذا عام يتناول ما فوق ثلاثة أيام، ولم يثبت نهى فى الزيادة فوجب القول باباحة ما لم يصر مسكرا وان زاد على ثلاثة أيام .. وليس فى الروايات الأخرى دليل على تحريم ما بعد الثلاثة، بل فيها دليل على أنه ليس بحرام بعد الثلاثة، لأنه ﷺ كان يشربه ما لم يكن مسكرا، فاذا مضت عليه ثلاثة أيام ونحوها امتنع عن شربه، ثم ان كان بعد ذلك قد صار مسكرا أمر باراقته، لأنه صار نجسا محرما ولا يسقيه الخادم، لأنه حرام على الخادم كما هو حرام على غيره وان كان لم يصر مسكرا سقاه الخادم ولا يريقه، لأنه حلال ومال من الأموال المحترمة ولا يجوز اضاعتها، وانما ترك ﷺ شربه والحالة هذه تنزيها واحتياطا، كما ترك ﷺ أكل الضب وأكلوه بحضرته قيل أهو حرام؟ قال: لا لكن لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه. وقد حصل مما ذكرنا أن لفظة أو فى قوله سقاه الخادم أو أمر به فصب ليست للشك. ولا للتخيير بل للتقسيم ولاختلاف الحال (١). مذهب الحنابلة: النبيذ المتخذ من التمر أو المتحذ من الزبيب محرم اذا كان مسكرا لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : كل مسكر خمر. وكل خمر حرام، وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى

стр. 3923

الله عليه وسلم يقول: كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق (١). فملء الكف منه حرام .. ولأن النبيذ المسكر شراب فيه شدة مطربة فوجب فى قليله ما يجب فى قليل الخمر. وأما النبيذ غير المسكر فهو مباح ما لم يغل أو تأت عليه ثلاثة أيام - وهو ما يلقى فيه تمر أو زبيب ليحلو به الماء وتذهب ملوحته فلا بأس به ما لم يغل أو تأت عليه ثلاثة أيام. لما روى عن أبى هريرة أنه قال: علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته فى دباء، ثم أتيته. فاذا هو ينش (يظهر صوتا من الغليان) فقال: أضرب بهذا الحائط فان هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، رواه أبو داود. ولأنه اذا بلغ الغليان أو مضى عليه ثلاثة أيام - صار مسكرا. وكل مسكر حرام (٢). مذهب الظاهرية: ونبيذ التمر والزبيب حرام فى مذهب الظاهرية متى كان مسكرا، لما روى عن عبد الله بن أبى بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : اياكم وكل مسكر .. وعن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره (٣)». مذهب الزيدية: جاء فى الروض النضير: «روى عن أنس قال: كنت ساقى القوم فى منزل أبى طلحة وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادى: ألا ان الخمر قد حرمت فجرت (٤) فى سكك المدينة، فقال لى أبو طلحة: أخرج فأهرقها فخرجت فأهرقتها فجرت فى سكك المدينة أخرجه الشيخان ومالك وأبو داو والنسائى. وفى رواية قال: سألوا أنس بن مالك عن الفضيخ؟ قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذى تسمونه الفضيخ انى لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالا من أصحاب رسول الله ﷺ فى بيتنا اذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ قلنا: لا، قال: فان الخمر قد حرمت، قال أبو طلحة: يا أنس أرق هذه القلال، قال: فما راجعوها، ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل

стр. 3924

وفى أخرى قال: قلت: لأنس ما هو قال: بسر ورطب. وللبخارى «حرمت الخمر حين حرمت وما نجد خمر الا عناب الا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر. ولمسلم قال: أنزل الله الآية التى حرم فيها الخمر وما فى المدينة شراب الا نئ التمر. وما أخرجه النسائى من حديث جابر عن النبى ﷺ قال: الزبيب والتمر هو الخمر .. وبهذا يعرف أن الآية الكريمة متناولة لكل مسكر بحقيقتها، ويشمل اطلاقها قليل الخمر وكثيره، وصرائح العموم فى الأدلة السابقة تفيد ذلك افادة ظاهرة ويعضده من الأحاديث ما أخرجه أبو داود بسنده - عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ما أسكر كثيره فقليله حرام .. وقد روى هذا الحديث من رواية على بن أبى طالب وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعائشة وخوات بن جبير وحديث سعد بن أبى وقاص أجودها اسنادا. وهو مما اتفق البخارى ومسلم على الاحتجاج به. وساق أبو داود حديث عائشة بلفظ كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام. ورواية الترمذى فالحسوة منه حرام. فهذه نصوص لا تحتمل التأويل (١) .. ! مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف: كل شراب أسكر كثيره فقليله وكثيره حرام، وكله خمر حرام نجس يحد شاربه، أسكر أو لم يسكر كالخمر سواء عمل من تمر أو زبيب .. وبه قال من الصحابة على ﵇. أما ما يدل على أن هذه الأشربة تسمى خمرا، فما روى أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: الخمر من هانين الشجرتين النخلة والعنب، وروى طاووس عن أبن عباس أن النبى ﷺ قال: كل مخمر خمر وكل مسكر حرام (٢)

стр. 3925

النوع الثانى: المتخذ من العسل والذرة والشعير وغيرها مذهب الحنفية: يحل شرب نبيذ العسل والتين والشعير والذرة سواء أطبخ أم لا، اذا كان شربه بلا لهو وطرب، وما لم يسكر. فان شرب للهو والطرب حرم. واذا أسكر أى غلب على الظن أنه مسكر فهو حرام كذلك. لأن السكر حرام فى كل شراب، وهذا مذهب أبى حنيفة وأبى يوسف بالنسبة لحل شرب القدر غير المسكر. وقال محمد: يحرم قليله وكثيره وعليه الفتوى لقوله ﵊: كل مسكر خمر وكل مسكر حرام «وقوله عليه الصلاة والصلام: ما أسكر كثيره فقليله حرام (١)». مذهب المالكية والشافعية والحنابلة: يقرر فقهاء المذاهب الثلاثة أن نبيذ العسل والذرة والشعير حرام اذا كان مسكرا لأنهم يأخذون بالقاعدة العامة المستمدة من قول رسول الله ﷺ «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (٢)». فمتى كان الشراب مسكرا من أى نوع كان فهو حرام وحكمه حكم الخمر من كل الوجوه (٣). لقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه نزل تحريم الخمر وهى من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل (٤). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم: كل شئ أسكر كثيره أحدا من الناس، فالنقطة منه فما فوقها الى أكثر المقادير خمر، حرام ملكه وبيعه وشربه واستعماله على كل أحد. وعصير العنب ونبيذ التين وشراب القمح وعصير كل ما سواها ونقيعه وشرابه طبخ كل ذلك أو لم يطبخ ذهب أكثره أو أقله سواء فى كل ما ذكرنا (٥). روينا من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهرى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين سئل رسول الله ﷺ عن البتع فقال: كل شراب أسكر فهو حرام. والبتع من العسل.
следующие страницы →