← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

الأول ما يتخذ من التمر والزبيب. والثانى: المتخذ من الشعير والحنطة والعسل وغيرها. النوع الأول: ما يتخذ من التمر والزبيب: مذهب الحنفية: يفرق الحنفية بين النئ، والمطبوخ من هذا النوع. فأما نبيذ التمر ونبيذ الزبيب النئ فهو حرام عندهم اذا ترك حتى غلا واشتد وقذف بالزبد، لأن غير المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب حرام باجماع الصحابة رضى الله عنهم، وكذا ما روى عن أنس رضى الله عنه أن الخمر حرمت وهى يومئذ البسر والتمر. رواه البخارى ومسلم وأحمد. فالمراد به غير المطبوخ، لأن حكمه حكم الخمر، فلهذا أطلق عليه اسم الخمر. وقد ورد فى حرمة المتخذ من التمر أحاديث كلها صحاح، وفى حله أحاديث أيضا فوجب حمل الأحاديث المحرمة على النئ، وحمل الأحاديث الأخرى غلى المطبوخ (١). فالحنفية على هذا يقولون (٢): ان نبيذ التمر أو نبيذ الزبيب اذا طبخ أى منهما أدنى طبخة - وهو أن يطبخ الى أن ينضج فانه يحل شربه اذا شرب بلا لهو ولا طربء فلو شرب للهو فقليله وكثيره حرام. ويشترط أيضا لاباحة شربه أن لا يسكر. فاذا شرب ما يغلب على ظنه أنه يسكر كان حراما، لأن السكر حرام فى كل شراب. وقد يسمى الشراب المتخذ من التمر الفضيخ وهو أن يفضخ التمر أى يشدخ، ثم يوضع فى الماء لتستخرج حلاوته وهو حرام اذا اشتد (*). مذهب المالكية: جاء فى حاشية (٣) الدسوقى على الشرح الكبير، وأما النبيذ وهو ما أتخذه من ماء الزبيب أو البلح ودخلته الشدة المطربة، فشرب المقدار المسكر منه حرام وهو كبيرة اجماعا .. وكذلك شرب المقدار القليل الذى لا يسكر فانه حرام أيضا يجب فيه ما يجب فى الخمر. لأن كل ما أسكر من الأشربة فهو خمر نبيذا كان أو غيره (٤). فلا فرق فى ذلك بين القليل والكثير، بل وان قل المسكر جدا فانه خمر حرام ولو لم يغب عقله بالفعل (٥).

стр. 3922

مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: وأما النبيذ فقسمان مسكر وغير مسكر. فالمسكر نجس عندنا وعند جمهور العلماء وله حكم الخمر فى التنجيس والتحريم ووجوب الحد. وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة التى يقتضى مجموعها الاستفاضة أو التواتر أن رسول الله ﷺ قال: كل مسكر خمر وكل مسكر حرام، وهذه الألفاظ مروية فى الصحيحين من طرق كثيرة. وأما القسم الثانى من النبيذ فهو ما لم يشتد ولم يصر مسكرا وذلك كالماء الذى وضع فيه حبات تمر أو زبيب فصار حلوا. هذا القسم طاهر بالاجماع يجوز شربه وبيعه وسائر التصرفات فيه، وقد تظاهرت الأحاديث فى الصحيحين من طرق متكاثرة على طهارته وجواز شربه .. ثم أن مذهبنا جواز شربه ما لم يصر مسكرا وان جاوز ثلاثة أيام .. لحديث بريدة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: كنت نهيتكم عن الانتباذ الا فى سقاء فانتبذوا فى كل وعاء ولا تشربوا مسكرا .. رواه مسلم فهذا عام يتناول ما فوق ثلاثة أيام، ولم يثبت نهى فى الزيادة فوجب القول باباحة ما لم يصر مسكرا وان زاد على ثلاثة أيام .. وليس فى الروايات الأخرى دليل على تحريم ما بعد الثلاثة، بل فيها دليل على أنه ليس بحرام بعد الثلاثة، لأنه ﷺ كان يشربه ما لم يكن مسكرا، فاذا مضت عليه ثلاثة أيام ونحوها امتنع عن شربه، ثم ان كان بعد ذلك قد صار مسكرا أمر باراقته، لأنه صار نجسا محرما ولا يسقيه الخادم، لأنه حرام على الخادم كما هو حرام على غيره وان كان لم يصر مسكرا سقاه الخادم ولا يريقه، لأنه حلال ومال من الأموال المحترمة ولا يجوز اضاعتها، وانما ترك ﷺ شربه والحالة هذه تنزيها واحتياطا، كما ترك ﷺ أكل الضب وأكلوه بحضرته قيل أهو حرام؟ قال: لا لكن لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافه. وقد حصل مما ذكرنا أن لفظة أو فى قوله سقاه الخادم أو أمر به فصب ليست للشك. ولا للتخيير بل للتقسيم ولاختلاف الحال (١). مذهب الحنابلة: النبيذ المتخذ من التمر أو المتحذ من الزبيب محرم اذا كان مسكرا لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : كل مسكر خمر. وكل خمر حرام، وعن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى

стр. 3923

الله عليه وسلم يقول: كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق (١). فملء الكف منه حرام .. ولأن النبيذ المسكر شراب فيه شدة مطربة فوجب فى قليله ما يجب فى قليل الخمر. وأما النبيذ غير المسكر فهو مباح ما لم يغل أو تأت عليه ثلاثة أيام - وهو ما يلقى فيه تمر أو زبيب ليحلو به الماء وتذهب ملوحته فلا بأس به ما لم يغل أو تأت عليه ثلاثة أيام. لما روى عن أبى هريرة أنه قال: علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم فتحينت فطره بنبيذ صنعته فى دباء، ثم أتيته. فاذا هو ينش (يظهر صوتا من الغليان) فقال: أضرب بهذا الحائط فان هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، رواه أبو داود. ولأنه اذا بلغ الغليان أو مضى عليه ثلاثة أيام - صار مسكرا. وكل مسكر حرام (٢). مذهب الظاهرية: ونبيذ التمر والزبيب حرام فى مذهب الظاهرية متى كان مسكرا، لما روى عن عبد الله بن أبى بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : اياكم وكل مسكر .. وعن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره (٣)». مذهب الزيدية: جاء فى الروض النضير: «روى عن أنس قال: كنت ساقى القوم فى منزل أبى طلحة وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادى: ألا ان الخمر قد حرمت فجرت (٤) فى سكك المدينة، فقال لى أبو طلحة: أخرج فأهرقها فخرجت فأهرقتها فجرت فى سكك المدينة أخرجه الشيخان ومالك وأبو داو والنسائى. وفى رواية قال: سألوا أنس بن مالك عن الفضيخ؟ قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذى تسمونه الفضيخ انى لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب ورجالا من أصحاب رسول الله ﷺ فى بيتنا اذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ قلنا: لا، قال: فان الخمر قد حرمت، قال أبو طلحة: يا أنس أرق هذه القلال، قال: فما راجعوها، ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل

стр. 3924

وفى أخرى قال: قلت: لأنس ما هو قال: بسر ورطب. وللبخارى «حرمت الخمر حين حرمت وما نجد خمر الا عناب الا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر. ولمسلم قال: أنزل الله الآية التى حرم فيها الخمر وما فى المدينة شراب الا نئ التمر. وما أخرجه النسائى من حديث جابر عن النبى ﷺ قال: الزبيب والتمر هو الخمر .. وبهذا يعرف أن الآية الكريمة متناولة لكل مسكر بحقيقتها، ويشمل اطلاقها قليل الخمر وكثيره، وصرائح العموم فى الأدلة السابقة تفيد ذلك افادة ظاهرة ويعضده من الأحاديث ما أخرجه أبو داود بسنده - عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ما أسكر كثيره فقليله حرام .. وقد روى هذا الحديث من رواية على بن أبى طالب وسعد بن أبى وقاص وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعائشة وخوات بن جبير وحديث سعد بن أبى وقاص أجودها اسنادا. وهو مما اتفق البخارى ومسلم على الاحتجاج به. وساق أبو داود حديث عائشة بلفظ كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام. ورواية الترمذى فالحسوة منه حرام. فهذه نصوص لا تحتمل التأويل (١) .. ! مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف: كل شراب أسكر كثيره فقليله وكثيره حرام، وكله خمر حرام نجس يحد شاربه، أسكر أو لم يسكر كالخمر سواء عمل من تمر أو زبيب .. وبه قال من الصحابة على ﵇. أما ما يدل على أن هذه الأشربة تسمى خمرا، فما روى أبو هريرة أن النبى ﷺ قال: الخمر من هانين الشجرتين النخلة والعنب، وروى طاووس عن أبن عباس أن النبى ﷺ قال: كل مخمر خمر وكل مسكر حرام (٢)

стр. 3925

النوع الثانى: المتخذ من العسل والذرة والشعير وغيرها مذهب الحنفية: يحل شرب نبيذ العسل والتين والشعير والذرة سواء أطبخ أم لا، اذا كان شربه بلا لهو وطرب، وما لم يسكر. فان شرب للهو والطرب حرم. واذا أسكر أى غلب على الظن أنه مسكر فهو حرام كذلك. لأن السكر حرام فى كل شراب، وهذا مذهب أبى حنيفة وأبى يوسف بالنسبة لحل شرب القدر غير المسكر. وقال محمد: يحرم قليله وكثيره وعليه الفتوى لقوله ﵊: كل مسكر خمر وكل مسكر حرام «وقوله عليه الصلاة والصلام: ما أسكر كثيره فقليله حرام (١)». مذهب المالكية والشافعية والحنابلة: يقرر فقهاء المذاهب الثلاثة أن نبيذ العسل والذرة والشعير حرام اذا كان مسكرا لأنهم يأخذون بالقاعدة العامة المستمدة من قول رسول الله ﷺ «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (٢)». فمتى كان الشراب مسكرا من أى نوع كان فهو حرام وحكمه حكم الخمر من كل الوجوه (٣). لقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه نزل تحريم الخمر وهى من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل (٤). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم: كل شئ أسكر كثيره أحدا من الناس، فالنقطة منه فما فوقها الى أكثر المقادير خمر، حرام ملكه وبيعه وشربه واستعماله على كل أحد. وعصير العنب ونبيذ التين وشراب القمح وعصير كل ما سواها ونقيعه وشرابه طبخ كل ذلك أو لم يطبخ ذهب أكثره أو أقله سواء فى كل ما ذكرنا (٥). روينا من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهرى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين سئل رسول الله ﷺ عن البتع فقال: كل شراب أسكر فهو حرام. والبتع من العسل.

стр. 3926

فلو لم يكن الا هذا الخبر فى صحة اسناده لكفى، وقد نص ﵇ اذ سئل عن شراب العسل أنه اذا أسكر حرام. ومن طريق وكيع عن شعبة عن سعيد بن أبى بردة عن أبيه عن أبى موسى الأشعرى قال: بعثنى النبى ﷺ أنا ومعاذ بن جبل الى اليمن فقلت: يا رسول الله ان شرابا يصنع بأرضنا يقال له المزر من الشعير، وشرابا يقال له البتع من العسل فقال: كل مسكر حرام (١). ومن طريق محمد بن اسحق عن يزيد بن أبى حبيب عن مرثد بن عبد اليزنى عن ديلم قال: قلت يا رسول الله أنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا وانا نتخذ من هذا القمح شرابا نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، فقال: هل يسكر؟ قلت: نعم قال فاجتنبوه قلت: فان الناس عندنا غير تاركيه قال: فان لم يتركوه قاتلوهم (٢). مذهب الزيدية: جاء فى الروض النضير: «قال الخطابى فى شرح حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه عند الشيخين وأبى داود قال: نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهى من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل «فيه البيان الواضح أن قول من زعم بأن الخمر انما هى من عصير العنب هو قول باطل: «ألا ترى أن عمر قد أخبر أن الخمر حرمت يوم حرمت، وهى تتخذ من الحنطة والشعير والعسل كما أخبر أنها تتخذ من العنب والتمر، وكانوا يسمونها كلها خمرا، ثم الحق بها كل ما خامر العقل من شراب وجعل خمرا اذا كان فى معناها لملابسته العقل ومخامرته اياه (٣). وقال أيضا فى شرح حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «ان من العنب خمرا، وان من التمر خمرا، وان من العسل خمرا وان من البر خمرا، وان من الشعير خمرا، فيه تصريح منه ﷺ بما قاله عمر وأخبر فى الحديث الأول من كون الخمر من هذه الأشياء. وفى معنى ذلك ما أخرجه الخمسة الا الترمذى عن أبى موسى قال: قلت يا رسول الله أفتنا فى شرابين كنا نصنعهما باليمن البتع هو من العسل ينبذ حتى يشتد والمزر هو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد، فقال ﷺ : «أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة. وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة

стр. 3927

قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع؟ فقال: كل شراب أسكر فهو حرام، وهذا اسناد صحيح. وقد أخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجه وأبو داود من طريق مالك عن الزهرى بتمام سنده ومتنه. وفى رواية والبتع نبيذ العسل كان أهل اليمن يشربونه (١). مذهب الإمامية: جاء فى جواهر الكلام: والبتع والفضيخ والمزر .. وغيرها من هذه الأشربة التى تعمل للاسكار كلها محرمة حيث ذكرت معطوفة على الخمر. وانما خصت هذه الأمور تبعا للنص عليها كما فى صحيح ابن الحجاج عن أبى عبد الله ﵇ قال: قال رسول الله ﷺ : الخمر من خمسة: العصير من الكرم، والنقيع من الزبيب، والبتع من العسل، والمزر من الشعير، والنبيذ من التمر. والمراد بالمسكر ما وجد فيه طبيعة الاسكار ولو بالكثير فانه يحرم قليله أيضا (٢). وفى الخلاف روى أبو بردة عن أبى موسى الأشعرى قال: سألت النبى ﷺ عن شراب العسل؟ قال: ذلك البتع فقلت: انهم ينبذون من الذرة فقال: ذلك المزر أخبر قومك أن كل مسكر حرام (٣). ويقول صاحب الجواهر «وكذا يحرم الفقاع (٤). قليله وكثيره بل الاجماع بقسميه عليه بل المحكى منه مستفيض ومتواتر أو قطعى فالنصوص التى فيها أنه خمر مجهول وأنه الخمر بعينها وأن حده حد شارب الخمر. وأنه خمرة استصغرها الناس وفى بعضها كل مسكر حرام. وكل مخمر خمر والفقاع حرام (٥). المثلث مذهب الحنفية: المثلث هو ما طبخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقى ثلثه (٦). فاذا غلى واشتد وقذف بالزبد فهو حرام عند الكل (٧). وأما اذا اشتد ولم يقذف بالزبد فهو على الاختلاف.

стр. 3928

فذهب محمد بن الحسن الى أنه حرام ايضا لقوله ﷺ كل مسكر خمر وكل خمر حرام، وقوله ﵊ كل شراب أسكر فهو حرام، وعن ابن عمر أنه ﵊ قال: ما أسكر كثيره فقليلة حرام، وفيه من الأخبار الصحاح ما لا يحصى (١). وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف الى أنه لا بأس بشرب القليل غير المسكر، لأن المسكر هو القدح الأخير، فيحمل عليه الحكم وهو التحريم اذ الحكم يضاف الى الوصف الأخير من علة ذات أوجه فتقتصر الحرمة عليه. ونظيره الاسراف فى الأكل فان الزائد على الشبع هو الحرام لا غير. وهذا الاختلاف فيما اذا قصد به التقوى دون التلهى. أما أن قصد به التلهى فهو حرام بالاجماع (٢) مذهب المالكية والشافعية والحنابلة: ويقرر فقهاء المذاهب الثلاثة أن المدار فى تحريم أى نوع من الأشربة على كونه مسكرا أيا كان اسمه، فكل ما أسكر من الأشربة كلها فهو خمر حرام. ولا فرق فى ذلك بين قليل المسكر وكثيره فالقليل والكثير حرام عندهم سواء أسكر بالفعل أم لم يسكر، بل وان قل المسكر جدا (٣). مذهب الظاهرية والإمامية والزيدية: ويتفق فقهاء هذه المذاهب مع ما قرره جمهور الفقهاء من تحريم المثلث متى كان مسكرا سواء فى ذلك القليل والكثير سكر الشارب بالفعل أو لم يسكر (٤). الخليطان المراد بالخليطين ما ينبذ من البسر والتمر معا: أو من العنب والزبيب، أو منه ومن التمر ونحو ذلك مما ينبذ مختلطا وقد نهى عنه: لأنه بالاختلاط يسرع اليه التغير والاسكار (٥).

стр. 3929

مذهب الحنفية: الخليطان ماء التمر والزبيب ونحوهما اذا خلطا فطبخا بعد ذلك أدنى طبخة وان اشتد. فان شرب للهو والطرب حرم مطلقا سواء أسكر أم لم يسكر. واذا لم يشرب لذلك فقال محمد: رحمه الله تعالى قليله وكثيره حرام. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا بأس بشربه ما لم يسكر (١). مذهب المالكية: يذهب المالكية (٢) الى أن البسر والتمر أو الرطب والتمر أو الزبيب والتمر لا يجوز جمعهما فى اناء واحد للانتباذ. قال مالك: «لا ينبذان جميعا وان نبذا مختلفين شربا حلالا ما داما غير مسكرين، ولا أحب أن يخلطا فى اناء واحد، ثم يشربا، لأن النبى ﷺ نهى أن ينبذ البسر والتمر جميعا أو يشرب الزهو والبسر الملون، والتمر جميعا. فهذه الأشياء كلها لا يجمع شيئان منها فى الانتباذ ولا يجمع منها شيئان فى اناء واحد فيخلطان فيشربان جميعا وان كانا حلالين، لنهى النبى ﷺ الذى جاء فيه .. وكذلك الحنطة والشعير لا يجمعان فى الانتباذ ولا فى الشرب. مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: «شراب الخليطين اذا لم يكن مسكرا ليس بحرام لكنه يكره. فالخليطان ما نقع من بسر أو رطب أو تمر أو زبيب. وسبب الكراهية ان الاسكار يسرع اليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أنه ليس سكرا وهو سكر. ودليل الكراهية حديث جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ نهى أن يخلط الزبيب والتمر والبسر والتمر جميعا. وفى رواية أن النبى ﷺ نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا.

стр. 3930

وفى رواية لا تجمعوا بين الرطب والبسر وبين الزبيب والتمر نبيذا (١). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى ويكره الخليطان وهو أن ينبذ فى الماء شيئان، لأن النبى ﷺ نهى عن الخليطين. وقال أحمد: الخليطان حرام. وقال فى الرجل ينقع الزبيب والتمر الهندى والعناب ونحوه ينقعه غدوة ويشربه عشية للدواء: أكرهه، لأنه ينبذ، ولكن يطبخه ويشربه على المكان. وقد روى أبو داود باسناده عن رسول الله ﷺ أنه نهى أن ينبذ البسر والرطب جميعا ونهى أن ينبذ الزبيب والتمر جميعا. قال القاضى: يعنى أحمد يقوله هو حرام اذا اشتد وأسكر واذا لم يسكر لم يحرم، وهذا هو الصحيح ان شاء الله تعالى. وانما نهى النبى ﷺ لعلة اسراعه الى السكر المحرم: فاذا لم يوجد لم يثبت التحريم. كما أنه ﵇ نهى عن الانتباذ فى الأوعية لهذه العلة ثم أمرهم بالشرب فيها لما لم توجد حقيقة الاسكار .. فعلى هذا لا يكره ما كان فى المدة اليسيرة التى لا يتوهم الاسكار فيها - ويكره ما كان فى مدة يحتمل افضاؤه الى الاسكار. ولا يثبت التحريم ما لم يغل أو تمضى عليه ثلاثة أيام (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى فان نبذ تمر، أو رطب، أو زهو، أو بسر، أو زبيب مع نوع منها، أو نوع من غيرها، أو خلط نبيذ أحد هذه الأصناف بنبيذ صنف منها، أو نبيذ صنف من غيرها حاشا الماء حرم شربه أسكر أو لم يسكر ونبيذ كل صنف منها على انفراده حلال متى كان غير مسكر. فان مزج نوع من غير هذه الخمسة مع نوع آخر من غيرها أيضا، أو نبذا معا أو خلط عصير بنبيذ فكله حلال - أى اذا لم يكن سكرا - كالبلح وعصير العنب ونبيذ التين والقمح والشعير وغير ما ذكرنا لا تحاش شيئا. لما روينا من طريق مسلم - بسنده عن عبد الله بن أبى قتادة وأبى سلمة بن

стр. 3931

عبد الرحمن بن عوف كلاهما عن أبى قتادة أن النبى ﷺ نهى عن خليط التمر والبسر، وعن خليط الزبيب والتمر، وعن خليط الزهو والرطب، وقال: انتبذوا كل واحد على حدته. وروينا من طريق جابر بن عبد الله وأبى سعيد الخدرى وابن عباس وأبى هريرة وابن عمر وعائشة أم المؤمنين عن النبى ﷺ فى هذا أثارا متواترة متظاهرة فى غاية الصحة يجمع ما فيها حديث أبى قتادة المذكور (١). مذهب الزيدية: جاء فى الروض النضير: الخليطان هو أن يخلط ماء التمر وماء الزبيب. وقد ورد فى تحريمه ما أخرجه الستة من حديث جابر عن رسول الله ﷺ : أنه نهى أن ينبذ الزبيب والتمر جميعا، ونهى أن ينبذ البسر والرطب جميعا. قال الخطابى: ذهب غير واحد من أهل العلم الى تحريم الخليطين وان لم يسكر لظاهر الحديث. ولم يعللوه بالاسكار. وقالوا: من شرب منه قبل حدوث الشدة فهو آثم من جهة واحدة. واذا شربه بعد حدوث الشدة كان آثما من جهتين. شرب الخليطين وكونه مسكرا (٢). مذهب الإمامية: فى الخلاف: نبيذ الخليطين وهو ما عمل من نوعين تمر وزبيب، أو تمر وبسر اذا كان حلوا غير مسكر فهو غير مكروه، لأن الأصل الاباحة ولأن أصحابنا نصوا عليه وقالوا: لا بأس بشربه اذا لم يكن مسكرا، ونهى رسول الله ﷺ عن الخليطين نحمله على أنه اذا كان مسكرا ويكون نهى تحريم (٣). الشرب فى أوانى الأشربة المحرمة مذهب الحنفية: جاء فى المبسوط وعن بريدة أن رسول الله ﷺ قال: نهيتكم عن ثلاث: عن زيارة القبور فزوروها .. وعن لحم الاضاحى أن تمسكوه فوق ثلاثة أيام فأمسكوا ما بدا لكم .. وعن النبيذ فى الدباء (٤) والحنتم (٥) والمزفت (٦) فاشربوا فى كل ظرف فان الظرف لا يحل شيئا ولا يحرمه ولا تشربوا مسكرا.

стр. 3932

وفى رواية ابن مسعود رضى الله عنه قال: وعن الشرب فى الدباء والحنتم والنقير (١) .. والمزفت فاشربوا فى الظروف ولا تشربوا مسكرا. وهذا اللفظ رواه أبو بردة بن نيار ففى الحديث ما يفيد أن النهى عن الشرب فى الأوانى قد كان فى الابتداء حيث نهاهم عن الشرب فى هذه الأوانى تحقيقا للزجر عن العادة المألوفة، ولهذا أمر بكسر الدنان وشق الروايا فلما تم انزجارهم عن ذلك أذن لهم فى الشرب فى الأوانى وبين لهم أن المحرم شرب المسكر وأن الظرف لا يحل شيئا ولا يحرمه (٢). مذهب المالكية: جاء فى المدونة: قلت: أرأيت الظروف هل كان مالك يكره أن ينبذ فى شئ منها؟ قال: سألت مالكا عنها فقال: الذى ثبت عندنا والذى آخذ به أن الدباء والمزفت لا يصح النبيذ فيهما ولا ينبذ فيهما. وقد كره مالك المزفت من كل شئ الا الزقاق المزفتة والفخار المزفت، وكل ظرف كان مزفتا فانه كان يكرهه. قال مالك ثبت عندنا أن النبى ﷺ نهى عن الدباء والمزفت (٣). مذهب الشافعية: جاء فى المجموع: مذهبنا أنه يجوز الشرب فى جميع الأوعية من الخزف والخشب والبلور والدباء والمزفت والنحاس وغيرها. وأما الأحاديث المشهورة فى الصحيحين عن ابن عباس وغيره رضى الله عنهم أن النبى ﷺ نهى عن الانتباذ فى الدباء والحنتم والنقير والمزفت والمقير (٤) فهى منسوخة بحديث بريدة (٥). وجاء فى موضع آخر: يجوز امساك ظروف الخمر والانتفاع بها واستعمالها فى كل شئ اذا غسلت وغسلها ممكن، وبه قال الجمهور. خلافا لمن قال بوجوب كسرها وشق زقاقها، لأنها مال وقد نهينا عن اضاعة المال، ولأن الأصل أن لا وجوب ولم يثبت شئ يدل على الوجوب. وأما حديث أنس .. الذى قال فيه أبو طلحة قم يا أنس الى هذه الجرار فاكسرها فقمت فكسرتها، فليس فيه دليل وجوب الكسر،

стр. 3933

فان النبى ﷺ لم يأمر بذلك. بل فى حديث أبى طلحة دليل على عدم الوجوب، فان النبى ﷺ قال أهرقها ولم يذكر اتلاف ظرفها (١). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى ويجوز الانتباذ فى الأوعية كلها. وعن أحمد أنه كره الانتباذ فى الدباء والحنتم والنقير والمزفت، لأن النبى ﷺ نهى عن الانتباذ فيها. والصحيح الأول، لما روى بريدة أن رسول الله ﷺ قال: نهيتكم عن ثلاث وأنا آمركم بهن، نهيتكم عن الأشربة أن لا تشربوا فى ظروف الأدم (الجلود) فاشربوا فى كل وعاء ولا تشربوا مسكرا .. الحديث) رواه مسلم وهذا دليل على نسخ النهى ولا حكم للمنسوخ (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى: «واناء الخمر أن تخللت الخمر فيه فقد صار طاهرا يتوضأ فيه ويشرب وان لم يغسل، فان أهرقت أزيل أثر الخمر ولا بد بأى شئ من الطاهرات أزيل ويطهر الاناء حينئذ سواء كان فخارا أو عودا أو خشبا أو نحاسا أو غير ذلك (٣) .. اذ لا خمر هنالك أصلا، ولا أثر لها فى الاناء، فليس هنالك شئ يجب اجتنابه وازالته، وأما اذا ظهر أثر الخمر فى الاناء فهى هنالك بلا شك وازالتها واجتنابها فرض. ولا نص ولا اجماع فى شئ ما بعينه تزال به. فصح أن كل شئ أزيلت به فالاناء طاهر لأنه ليس هنالك شئ يجب اجتنابه (٤). والانتباذ فى الحنتم، والنقير، والمزفت، والدباء والجرار البيض والسود والحمر والخضر والصفر والموشاة، وغير المدهونة والأسقية، وكل ظرف حلال، والشرب فى كل ذلك حلال. برهان ذلك ما روى - بسنده - عن عبيد الله ابن أبى بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ كنت نهيتكم عن الأوعية فانتبذوا فيما بدا لكم واياكم وكل مسكر (٥). مذهب الزيدية: جاء فى الروض النضير انما نهى رسول الله ﷺ عن الانتباذ فى هذه

стр. 3934

الأوعية - الدباء والنقير والمزفت والمقير والحنتم، لأنه يسرع اليها الاسكار فيشربها من لا يشعر به، ثم نسخ ذلك، وبين ﵇ أن الاناء ليس من طبعه تحليل ولا تحريم، وجعل مناط التحريم هو الاسكار من أى شراب اتخذ، كما يدل عليه لفظ كل - فى قوله ﷺ واياكم وكل مسكر. قال الخطابى: والقول بنسخه هو أصل الأقاويل. وقال بعضهم الحظر باق، وكرهوا أن ينبذ فى هذه الأوعية. وقد روى ذلك عن ابن عمر وابن عباس. وحديث الأصل وشواهده يرد هذا المذهب (١). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام: «أوانى الخمر من الخشب والقرع والخزف غير المفضور (٢) لا يجوز استعماله لاستبعاد تخلصه. والأقرب الجواز بعد ازالة عين النجاسة وغسلها ثلاثا (٣). حد الشرب يراد من حد الشرب العقوبة التى يستوجبها شرب الخمر أو غيرها من المسكرات الأخرى. وتقدر هذه العقوبة بجلد الشارب ثمانين جلدة، فقد روى عن أنس رضى الله عنه أن النبى ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين. قال أنس: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر متفق عليه (أنظر مصطلح حد). قهوة البن نظرا لظهور قهوة البن فى القرن العاشر الهجرى، فقد تكلم عن حكمها عدد من الفقهاء المتأخرين، وهذا ما أمكن الوصول اليه من أقوالهم. مذهب الحنفية: قال ابن عابدين: ان بعض الفقهاء قد حرمها، ولا وجه له كما، فى تبيين المحارم وفتاوى صاحب التنوير، وحاشية الاشباه للرملى.

стр. 3935

وقال شيخ الحصكفى النجم الغزى فى تاريخه فى ترجمة أبى بكر بن عبد الله الشاذلى المعروف بالعيدروس أنه أول من اتخذ القهوة، لما مر فى سياحته بشجر البن، فاقتات من ثمره فوجد فيه تخفيفا للدماغ، واجتلابا للسهر وتنشيطا للعبادة فاتخذه قوتا وطعاما، وأرشد اتباعه اليه، ثم انتشرت فى البلاد. واختلف العلماء فى أول القرن العاشر. فحرمها جماعة ترجح عندهم أنها مضرة، آخرهم بالشام والد شيخنا العيتاوى، والقطب ابن سلطان الحنفى. وبمصر أحمد بن أحمد بن عبد الحق السنباطى تبعا لأبيه. والأكثرون يذهبون الى أنها مباحة وانعقد الاجماع بعدهم على ذلك. وأما ما ينضم اليها من المحرمات فلا شبهة فى تحريمه (١). مذهب المالكية: يقول الحطاب: ظهر فى القرن العاشر الهجرى (٢) - أو قبله بيسير شراب يتخذ من قشر البن يسمى القهوة واختلف الناس فيه. فمن متغال فيه يرى أن شربه قربه. ومن متغال - الى جانب آخر - يرى أنه مسكر كالخمر. والحق أنه فى ذاته لا اسكار فيه، وانما فيه تنشيط للنفس، ويحصل بالمداومة عليه طراوة تؤثر فى البدن عند تركه، كمن اعتاد أكل اللحم بالزعفران والمفرحات فيتأثر عند تركه، ويحصل له انشراح باستعماله. غير أنه قد تعرض له الحرمة لأمور. منها: أنهم يجتمعون عليها ويديرونها كما يديرون الخمر، ويصفقون وينشدون أشعارا من كلام القوم، فيها القول وذكر المحبة وذكر الخمر وشربها، ونحو ذلك فيسرى الى النفس التشبه بأصحاب الخمر، خصوصا من كان يتعاطى مثل ذلك فيحرم حينئذ شربها لذلك، مع ما ينضم الى ذلك من المحرمات. ومنها أن بعض من يبيعها يخلطها بشئ من المفسدات كالحشيشة ونحوها على ما قيل. ومنها أن شربها فى مجامع أهلها يؤدى للاختلاط بالنساء، ولأنهن يتعاطين بيعها كثيرا وللاختلاط بالمرد لملازمتهم لمواضعها، ولسماع الغيبة، والكلام الفاحش والكذب الكثير من الأراذل الذين يجتمعون لشربها مما تسقط المروءة بالمواظبة عليه.

стр. 3936

ومنها أنهم يلتهون بها عن صلاة الجماعة. بها. وقد كثرت فى هذه الأيام، وكثر فيها الجدال وانتشر فيها القيل والقال، وحدثت بسببها فتن وشرور، واختلفت فيها فتاوى العلماء وتصانيفهم، ونظمت فى مدحها وذمها القصائد. فالذى يتعين على العاقل أن يجتنبها بالكلية الا لضرورة شرعية. ومن سلم من هذه العوارض كلها الموجبة للحرمة فانها ترجع فى حقه الى أصل الاباحة (١). مذهب الحنابلة: جاء فى مطالب أولى النهى: «القهوة يحصل لشاربها النشاط والروحانية وطيب الخاطر بما لا يحصل من غيرها، لأنها تجفف الرطوبة. ويحصل للبدن بها خفة عظيمة فينشط ويذهب عنه الكسل والنعاس. وينشأ عن هذا النشاط انبعاث لما الشخص بصدده من الأشغال الدينية والدنيوية، وهذا النشاط يختلف باختلاف أمزجة الناس، وأقرب ما تشبه حالة صاحبه حينئذ حالة من يرد عليه وارد بسط مجهول السبب. وغاية ما يمكن أن يقال فى حكم القهوة للوسائل حكم المقاصد. فان قصدت للاعانة على قربة كالتقوية على السهر لمطالعة العلوم النافعة أو المذاكرة لفهم المسائل الدقيقة ونحو ذلك كانت قربة. وان قصدت للاعانة على قول أو فعل مباح كمسامرة الاخوان والأهل فهى مباحة. وان قصدت للاعانة على مكروه لتطويل السهر بعد العشاء مع غير أهل وضيف فهى مكروهة. وان قصدت للاعانة على حرام كالسهر لسماع الغناء وآلات اللهو فهى محرمة .. وهذا هو الصواب ان شاء الله تعالى - لأن الأمور بمقاصدها (٢). غير أنه يحرم التشبه بشراب الخمر، ويعزر فاعل ذلك، وان كان المشروب مباحا فى نفسه. فلو اجتمع جماعة ورتبوا مجلسا، وأحضروا أدوات الشراب والأقداح، وصبوا فيها شرابا مباحا، ونصبوا ساقيا عليهم يسقيهم فيأخذون من الساقى ويشربون ويحيى بعضهم بعضا بكلماتهم المعتادة حرم ذلك، وان كان المشروب مباحا فى

стр. 3937

نفسه، لأن فى ذلك تشبيها بأهل الفساد، وهذا منشأ من قال بتحريمها. وغير خاف أن المحرم التشبه لا ذاتها، حيث لا دليل يخصها، ولعدم اسكارها كما هو محسوس، وهذا ما يشهده الوجدان الصادق بعد التأمل الفائق (١). ولما اعتاده بعض الفقهاء من حديثهم على المخدرات وحكمها فى كتاب الأشربة فقد رؤى الحديث عنها أيضا هنا. مخدر المعنى اللغوى: الخدر (بفتح الخاء والدال) الكسل والفتور فيقال خدرت عظامه أو هو خدر كأنه ناعس والخادر الفاتر الكسلان (٢). والمخدر بضم الميم وفتح الخاء وكسر الدال لمشددة: مادة تحدث خدرا فى الجسم بتناوله. المعنى الاصطلاحى: قال بعض الفقهاء ان اطلاق الاسكار على الحشيشة ونحوها يراد منه التخدير (٣) الذى هو تغطية العقل لا مع الشدة المطربة (٤). ويستفاد من ذلك أن استعمال الفقهاء له لا يخرج عن معناه اللغوى. أنواع المخدرات: المخدرات أنواع مختلفة أشهرها: الحشيشة، والأفيون، والبنج، وجوزة الطيب، وقد تكلم الفقهاء عن هذه الأنواع كلها، واذا كانوا لم يتكلموا عن أنواع أخرى من المخدرات مثل الكوكايين والهيرويين والموروفين فان الذى أثبته الفقهاء للحشيشة ونحوها من المخدرات يثبت حتما لكل الأنواع التى لم يتكلم عنها الفقهاء مما يكون له ضرر الحشيشة وأثرها، وسيكون البحث هنا على الوجه الآتى: ١ - الحشيشة. ٢ - الأفيون. ٣ - البنج وجوزة الطيب ونحوها. ثم نختتم البحث ببيان ما قرره الفقهاء بشأن الدخان. الحشيشة جاء فى المنجد أن الحشيشة نبات تستخرج منه مادة مسكرة (٥).

стр. 3938

ويقول بعض الفقهاء أن الحشيشة هى ورق القنب الهندى يسكر جدا اذا تناول منه الشخص قدر درهم (١). مذهب الحنفية: جاء فى الدر المختار وحاشية ابن عابدين: ان أكل الحشيشة حرام، لأنه مفسد للعقل ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة. غير أن حرمة الحشيشة دون حرمة الخمر. فان أكل الشخص شيئا منها فلا حد عليه وان سكر من ذلك، لأن الشرع أوجب الحد بالسكر من المشروب لا من المأكول. واذا كان لا حد على آكل الحشيشة فانه يعزر بما دون الحد (٢). ونقل عن الجامع وغيره أن من قال بحل الحشيشة فهو زنديق مبتدع. قال فى البحر: وقد اتفق على وقوع طلاق آكل الحشيشة لفتواهم بحرمته وتأديب باعته حتى قرروا أن من قال بحله فهو زنديق كما فى المبتغى. بل قال نجم الدين الزاهدى ان من استحنه يكفر ويباح قتله. هذا ما ذكره صاحب التنوير نقلا عن خط بعض الأفاضل. ورده الرملى بأنه لا تعويل عليه اذ الكفر بانكار القطعيات. وهو ليس كذلك. الا أن ابن عابدين يقول تعليقا على هذا. لكن رأينا فى الزواجر لابن حجر ما نصه. وحكى القرافى وابن تيمية الاجماع على تحريم الحشيشة قال: ومن استحلها فقد كفر. مذهب المالكية: يقول العلامة الحطاب: وللمتأخرين فى الحشيشة قولان: هل هى من المسكرات، أو هى من المفسدات (٣) مع اتفاقهم على المنع من أكلها والتحريم لتعاطيها. فاختار القرافى أنها من المخدرات، قال: لأنى لم أرهم يميلون الى القتال والنصرة بل عليهم الذلة والمسكنة وربما عرض لهم البكاء. وكان العلامة عبد الله المنوفى يختار أنها من المسكرات لأنا رأينا من يتعاطاها يبيع أمواله لأجلها، ولولا أن لهم فيه طربا لما فعلوا ذلك، يبين هذا انا لا نجد أحدا يبيع داره ليتعاطى بها «سيكرانا» وهو واضح.

стр. 3939

وذكر البرزلى عن القرافى ثلاثة أقوال: الأول أنها من المخدرات. والثانى أنها من المسكرات. والثالث بالفرق بين أن تحمس، فتكون نجسة، ويلزم فيها الحد، وأما قبل أن تحمس، فلا حد، ولا نجاسة. واختار القرافى فى الفرق الأربعين أنه لا حد فيها، وانما فيها التعزير الزاجر عن الملابسة، ولا تبطل الصلاة بحملها (١). مذهب الشافعية: يقول ابن حجر الهيثمى ﵀: عن الحشيشة: أنها مسكرة. والمراد من اسكارها أنها تغطى العقل لا مع الشدة المطربة، لأن ذلك من خصوصيات المسكر المائع. وهذا لا ينافى أنها مخدرة. واذا ثبت أنها مسكرة أو مخدرة فاستعمالها كبيرة وفسق كالخمر. فكل ما جاء فى وعيد شارب الخمر يأتى فى متعاطى الحشيشة لاشتراكهما فى ازالة العقل المقصود للشارع بقاؤه لأنه الآلة للفهم عن الله تعالى وعن رسوله، والمتميز به الانسان عن الحيوان، والوسيلة الى ايثار الكمالات عن النقائص فكان فى تعاطى ما يزيله وعيد الخمر. والأصل فى ذلك ما رواه أحمد فى مسنده وأبو داود فى سننه: نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر. قال العلماء المفتر كل ما يورث الفتور والخدر فى الأطراف والحشيشة - ونحوها تسكر وتفتر وتخدر .. وحكى بعض العلماء الاجماع على تحريم الحشيشة قال ومن استحلها فقد كفر (٢). وفى بعض شروح الحاوى الصغير أن الحشيشة نجسة. وفى بعض الكتب أن الحد واجب فى الحشيشة كالخمر، ولكن لما كانت جمادا وليست شرابا مائعا تنازع الفقهاء فى نجاستها على أقوال ثلاثة أصحها أنها نجسة (٣).

стр. 3940

ويحرم اطعام الحشيشة الحيوان أيضا لأن اسكاره حرام أيضا. قال ابن دقيق العيد: ولا ضمان على متلفها كالخمر. ونقل الامام أبو بكر ابن القطب العسقلانى أنها تصدع الرأس، وتظلم البصر، وتعقد البطن، وتجفف المنى فيتعين على كل ذى عقل سليم وطبع مستقيم اجتنابها كغيرها من المسكرات، لما تشتمل عليه من المضار التى هى مبدأ مداعى الهلاك. وربما نشأ من تجفيف المنى، وصداع الرأس أعظم المفاسد والمضار. ومن ثم قال ابن البيطار (١) فى كتابه الجامع لقوى الأدوية والأغذية - ومن القنب الهندى نوع ثالث لم أره بغير مصر. يزرع فى البساتين ويسمى بالحشيشة وهو يسكر جدا اذا تناول منه الانسان يسيرا قدر درهم أو درهمين - حتى أن من أكثر منه أخرجه الى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم وأدى بهم الحال الى الجنون وربما قتلت. قال القطب: وقد نقل لنا أن البهائم لا تتناولها. فما قدر (قيمة) مأكول تنفر البهائم عن تناوله وهى مما يحيل الا بد ان ويمسخها ويحلل قواها ويحرق دماءها ويجفف رطوبتها ويصفر اللون. قال محمد بن زكريا وهو امام وقته فى الطب والحشيشة تولد أفكارا كثيرة رديئة وتجفف المنى لقلة الرطوبة فى الأعضاء الرئيسية: واذا قلت رطوبة الأعضاء الرئيسية كانت سببا لحدوث أخطر الأمراض وأقبح العلل. قال: وقد بلغنا من جمع يفوق حد الحصر أن كثيرا ممن عاناها مات بها فجأة وآخرين اختلت عقولهم وابتلوا بأمراض كثيرة متعددة منها الدق (٢) والسل والاستسقاء وأنها تستر العقل وتغمره .. ثم يقول ابن حجر وعد تناول الحشيشة من الكبائر ظاهر. وبه صرح أبو زرعة وغيره كالخمر. بل بالغ الذهبى فجعلها كالخمر فى النجاسة والحد (٣). مذهب الحنابلة: يقول ابن تيمية رحمة الله: ما يفيد: هذه الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر والسكر منها حرام باتفاق المسلمين .. وكل ما يغيب العقل فانه حرام وان لم تحصل به نشوة ولا طرب فهى تجامع الشراب المسكر فى ذلك والخمر توجب

стр. 3941

الحركة والخصومة وهذه توجب الفتور والذلة (١) .. وأما من استحل الحشيشة فهو كافر يستتاب فان تاب والا قتل كافرا. ثم يقول ابن تيمية: ان جميع ما حرمه الله ورسوله ان ثبتت فيه منفعة ما فلابد أن يكون ضرره أكثر. وقد تنازع الفقهاء فى نجاستها على ثلاثة أقوال. أحدها: أنها ليست نجسة. والثانى: أن مائعها نجس، وأن جامدها طاهر. والثالث: وهو الصحيح أنها نجسة كالخمر، فالخمر تشبه البول. والحشيشة تشبه العذرة، وكلاهما من الخبائث التى التى حرمها الله ورسوله (٢). مذهب الزيدية: يقرر فقهاء هذا المذهب أن تناول الحشيشة حرام. ويرى بعضهم أن الاسكار من تعاطى الحشيشة يوجب الحد. ويرى فريق آخر أن الاسكار من تعاطيها لا يوجب حدا، وانما يوجب التعزير فقط. ففى شرح الأزهار: ويحد من تناول الحشيشة حيث سكر من ذلك .. والمختار أنه لا يحد بل يعزر فقط (٣). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية: ويحرم كل ما من شأنه أن يؤدى الى التلف أو الضرر الجسيم «بجميع أصنافه سواء أكان مائعا أم جامدا. وضابط المحرم ما يحصل به الضرر على البدن وافساد المزاج. وهذا يفيد أن تناول الحشيشة حرام (٤). الأفيون مذهب الحنفية: جاء فى الدر وحاشية ابن عابدين: وكذلك يحرم الأفيون وهو عصارة

стр. 3942

الخشخاش يكرب (١). ويسقط الشهوتين، ويتلف الأغشية ويخرقها ومتى زاد أكله على أربعة أيام ولاء اعتاده آكله بحيث يصعب عليه تركه فى مدة بسيطة ومن أكل منه أكثر من درهمين كان معرضا لضرر جسيم وربما أدى ذلك الى قتله (٢). مذهب المالكية: يقول الحطاب ﵀: والأفيون يغيب الحواس ولا يذهب العقل. وذكر القرافى أن الأفيون من المفسدات وقال: من صلى به لم تفسد صلاته اجماعا .. كأن يتناول من الأفيون ما لا يصل الى التأثير فى العقل والحواس. فعلى هذا يجوز لمن ابتلى بأكل الأفيون وصار يخاف على نفسه الموت من تركه أن يستعمل منه القدر الذى لا يؤثر فى عقله وحواسه بشرط أن يسعى فى تقليل ذلك وقطعه. ويبذل كل جهده فى سبيل ذلك ويجب عليه أن يتوب ويندم على ما مضى (٣). مذهب الشافعية: يقول ابن حجر الهيثمى ﵀ ما يفيد أن الأفيون مسكر. بمعنى أنه يغطى العقل لا مع الشدة المطربة. وهذا لا ينفى أن الأفيون مخدر أيضا. واذا ثبت أنه مسكر أو مخدر فاستعماله كبيرة وفسق كالخمر (٤). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار ما يفيد أن تناول الأفيون حرام. وذهب بعضهم الى التفرقة بين القليل والكثير فقرر أن الكثير منه يضر، وعليه فيحرم الكثير منه لاضراره. لا لكونه مسكرا. وقد اختلف فقهاء الزيدية فى وجوب الحد على متعاطيه. فمنهم من يقول بوجوب الحد على من تناول الأفيون اذا سكر منه. وفريق آخر يقرر أنه لا حد فى ذلك وانما يجب التعزير فقط، وهو الرأى المختار (٥).

стр. 3943

مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية: يحرم السم كله بجميع أصنافه جامدا كان أم مائعا ان كان يقتل قليله وكثيره ولو كان كثيره يقتل دون قليلة كالأفيون والسقمونيا حرم الكثير القاتل أو الضار دون القليل. وهذا يفيد أن كثير الأفيون حرام دون قليلة (١). البنج وجوزة الطيب ونحوهما مذهب الحنفية: جاء فى الدر وحاشية ابن عابدين: ويحرم أكل البنج وهو نبات يسمى بالعربية شيكران - يصدع ويسبت أى ينوم ويضعف الحركة. ويخلط العقل. فاستعمال الكثير منه حرام مطلقا كما يدل عليه كلام الغاية. وأما القليل فان كان للهو حرم وان سكر منه يقع طلاقة، لأن مبدأ استعماله كان محظورا. وان كان استعماله للتداوى وحصل منه اسكار فلا حرمة، وكذا تحرم جوزة الطيب، لأنها مسكرة، والمراد بالاسكار هنا تغطية العقل لا مع الشدة المطربة، لأنها من خصوصيات المسكر المائع، فلا ينافى أنها تسمى مخدرة ومثله بل أولى منه البرش وهو شئ مركب من البنج والأفيون وغيرهما. مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل: «ولا خلاف فى تحريم القدر المغطى للعقل من كل شئ (٢). وقد اختلف فى البنج هل هو مسكر أو مفسد؟ والمفسد ما صور خيالات دون تغيب حواس ولا طرب ولا نشوة ولا شدة. ولا خلاف فى تحريم القدر المفسد من البنج (٣) .. وكذلك الجوزاء من المخدرات وقال ابن فرحون واما العقاقير الهندية، فان أكلت كما تؤكل له الحشيشة امتنع أكلها، وان أكلت للهضم وغيره من المنافع لم تحرم، ولا يحرم منها الا ما أفسد العقل. وذكر قبل هذا أن الجوزة وكثير الزعفران والبنج والسيكران من المفسدات قليلها جائز وحكمه الطهارة.

стр. 3944

قال البرزلى: أجاز بعض أئمتنا أكل القليل من جوزة الطيب لتسخين الدماغ. واشترط بعضهم أن تخلط مع الأدوية والصواب العموم. ومقتضى ما تقدم جواز بيع هذه الأشياء من البنج والجوزة ونحوهما. قال الحطاب ولم أر فيه نصا صريحا. والظاهر أن يقال فى ذلك كما قال ابن رشد فى المذر على القول بحرمة أكله ان كل شئ فيه منفعة غير الأكل والشرب جاز بيعه ممن يصرفه فى غير الأكل والشرب ويؤمن أن يبيعه ممن يأكله ويشربه. وكذلك يقال فى هذه الأشياء وفى سائر المعاجين المغيبة للعقل يجوز بيع ذلك لمن لا يستعمل منه القدر المغيب للعقل ويؤمن أن يبيعه ممن يستعمل ذلك (١). مذهب الشافعية: يقول ابن حجر عن الشيكران، وهو البنج والعنبر والزعفران وجوزة الطيب ان هذه الأشياء كلها مسكرة .. واستعمالها كبيرة وفسق كالخمر، فكل ما جاء فى وعيد شاربها يأتى فى مستعمل هذه المذكورات لاشتراكهما فى ازالة العقل المقصود للشارع بقاؤه (٢). وذكر الماوردى: أن النبات الذى فيه شدة مطربة يحرم تعاطيه .. وقد صرح الامام ابن دقيق العيد أن الجوزة مسكرة .. بل بالغ ابن العماد فجعل الحشيشة مقيسة على الجوزة المذكورة .. فى حين أن العلماء قد أجمعوا على تحرم الحشيشة. وبذلك نعلم أنه لا مرية فى تحريم الجوزة لاسكارها أو تخديرها (٣). مذهب الحنابلة: يقول ابن تيمية: وأما تعاطى البنج الذى لم يسكر ولم يغيب العقل ففيه التعزير - ويقاس على البنج غيره - مما يغطى العقل من غير سكر فان جميع ذلك حرام باتفاق المسلمين. ان كان مسكرا ففيه الحد.

стр. 3945

وان لم يكن مسكرا ففيه التعزير بما دون ذلك. ومن اعتقد حل ذلك كفر وقتل .. اذ البنج لا ينشى ولا يشته. وقاعدة الشريعة ان ما تشتهيه النفوس من المحرمات كالخمر والزنا ففيه الحد. وما لا تشتهيه كالميتة ففيه التعزير. والحشيشة مما يشتهيها آكلوها ولا يمتنعون من تركها (١) - ففيها الحد مطلقا. وأما البنج ففيه التعزير ما لم يسكر. والا ففيه الحد. مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم ﵀: «ولا يحل أكل الشيكران لتحريم النبى ﷺ كل مسكر: والشيكران مسكر. اذ هو والخمر سواء (٢). مذهب الزيدية: يقول بعض فقهاء الزيدية: ان البنج ليس بمسكر، وانما هو مخدر وأحكامه تخالف أحكام السكر. واختار الامام شرف الدين فى جوزة الطيب أنها طاهرة لأنها ليست مسكرة. قال: وكذلك تدخل فى الأطياب والمعاجين والأدوية ويستعمل ذلك كثير من أهل الفضل والعلم - فهى أى جوزة الطيب كالزعفران ونحوه، وحكمه أن الكثير منه يضر، وعليه فيحرم تناول الكثير منه لاضراره لا لكونه مسكرا (٣). ولكن اذا سكر من الجوزة أو غيرها بالفعل هل يجب الحد أو لا يجب قولان. الأول: وجوب الحد على من تعاطى الجوزة اذا سكر منها. والثانى وهو المختار أنه لا حد عليه وانما عليه التعزير فقط (٤). مذهب الإمامية: جاء فى التنقيح عن بعض الإمامية ان الخمر ليست اسما لخصوص مائع بعينه ويعم جميع المسكرات وان كانت جامدة، لأنها حقيقة شرعية فى الأعم، فان الخمر

стр. 3946

ما يخامر العقل كان هو المائع المخصوص أو غيره مما يوجب الاسكار. لقوله ﷺ : ان الله لم يحرم الخمر لاسمها، ولكن حرمها لعاقبتها، وغير ذلك من الأخبار الواردة فى حرمة المسكر على اطلاقه (١). واختلاف الإمامية فى البنج ونحوه من المسكرات الجامدة ينحصر فقط فى حكم هذه المسكرات من حيث الطهارة والنجاسة وذلك بعد اتفاقهم على حرمة تعاطيها. ففريق منهم يذهب الى أن المسكرات الجامدة طاهرة. وفريق آخر يذهب الى القول بنجاسة المسكر الجامد (٢). الدخان الدخان: أو ما يسمى بالتبغ والتنباك. وقد عبر عنه بعض الفقهاء بالتتن (٣). ونظرا لأن حدوثه كان سنة ألف من الهجرة أو بعد ذلك بقليل فان آراء الفقهاء فيه تكاد تكون محدودة. مذهب الحنفية: يقول الحصكفى ﵀: والتتن الذى حدث وكان حدوثه بدمشق فى سنة خمس عشرة بعد الألف يدعى شاربه أنه لا يسكر. وان سلم له فانه مفتر وهو حرام، لحديث أحمد عن أم سلمة قالت: نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر ولكن ليس من الكبائر تناوله المرة والمرتين (٤). وقد علق ابن عابدين على ذلك فقال: قد اضطربت آراء العلماء فى التتن. فبعضهم قال بكراهته. وبعضهم قال بحرمته. وبعضهم قال باباحته وأفردوه بالتأليف. وفى شرح الوهبانية للشرنبلالى: ويمنع من بيع الدخان وشربه .. وشاربه فى الصوم لا شك يفطر. وفى شرح العلامة الشيخ اسماعيل النابلسى على شرح الدر بعد نقله أن

стр. 3947

للزوج منع زوجته من أكل الثوم والبصل وكل ما ينتن الفم قال: ومقتضاه أن يمنعها من شرب التتن، لأنه ينتن الفم خصوصا اذا كان الزوج لا يشربه .. وقد أفتى بالمنع من شربه شيخ مشايخنا المسيرى وغيره. وللعلامة الشيخ على الأجهورى المالكى رسالة فى حله نقل فيها أنه أفتى بحله من يعتمد عليه من أئمة المذاهب الأربعة. وألف فى حله أيضا سيدنا العارف بالله عبد الغنى النابلسى رسالة سماها الصلح بين الأخوان فى اباحة شرب الدخان. وتعرض له فى كثير من تأليفه الحسان وأقام الطامة الكبرى على القائل بالحرمة أو بالكراهة فانهما حكمان شرعيان، لابد لهما من دليل، ولا دليل على ذلك، فانه لم يثبت اسكاره، ولا تفتيره ولا اضراره، بل ثبتت له منافع فهو داخل تحت قاعدة الأصل فى الأشياء الاباحة. وان فرض اضراره للبعض، فلا يلزم منه تحريمه على كل أحد، فان العسل مضر. ببعض المصابين بأمراض معينة. مع أنه شفاء بالنص القطعى. فالذى ينبغى للانسان اذا سئل عنه اذا كان ممن يتعاطاه أولا .. أن يقول هو مباح، لكن رائحته تستكرهما الطباع فهو مكروه طبعا لا شرعا .. وقد كرهه شيخنا العمادى الحاقا له بالثوم والبصل بالأولى. ثم يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى: وظاهر كلام العمادى أنه مكروه تحريما ويفسق متعاطيه فانه قال فى فصل الجماعة ويكره الاقتداء بالمعروف بأكل الربا أو شئ من المحرمات أو بدوام الاصرار على شئ من البدع المكروهات كالدخان المبتدع فى هذا الزمان .. والحاقه بالثوم والبصل هو الانصاف. قال أبو السعود فتكون الكراهة تنزيهية والمكروه تنزيهيا يجامع الاباحة. وقال بعضهم يؤخذ منه كراهة التحريم فى المسجد للنهى الوارد فى الثوم والبصل وهو ملحق بهما. والظاهر كراهة تعاطيه حال القراءة لما فيه من الاخلال بتعظيم كتاب الله تعالى (١). مذهب المالكية: جاء فى فتاوى الشيخ عليش: «سئل عن الدخان العلامة شيخنا سالم السنهورى فأفتى بتحريمه واستمر

стр. 3948

على فتواه به الى موته. ولم يخالفه فيه أحد من علماء عصره، وتابعه عليه أهل الدين والصلاح والرشد من الحنفية وغيرهم. وقد زعم قوم أنه دواء لكل داء. وهذا من غش الشيطان وتلبيسه وتزيينه، فانه يتولد من تكاثف الدخان فى أجوافهم أمراض وعلل .. وتكرار الدخان يسود ما يتعلق به، وتتولد منه الحرارة فتكون داء مزمنا مهلكا فيشمله قوله سبحانه «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ»﴾. وأفتى بعض علماء الروم بتحريمه وألف فيه رسالة قال فيها: أنه لا شفاء فيه أصلا، وضرره مشاهد فى أكثر مستعمليه. وأدنى ضرره افساد العقل، وتلويث الظاهر والباطن المأمور بتنقيتهما شرعا وعادة ومروءة .. ولا شك أنه من نزغات الشيطان وتلاهى المترفين. والذى ينبغى للعبد التعويل عليه طلبا للحق والانصاف أن يقول بالتفصيل. فان كان معجونا بشئ من النجاسات فدخانه نجس على المذهب. وان سلم من ذلك فالمشاهد فى كثير من مستعمليه عدم سكرهم به، ولكن يحتمل أنه مفسد أو مخدر، فان كان كذلك فهو محرم ولو قل زمن افساده أو تخديره. وان قطع بعدم افساده وتخديره جاز استعماله. وان شك فى ذلك حرم. ولا بد من سؤال الطبيب العارف بالأمزجة وما يغيرها واستعماله مع الشك فى ذلك محرم وخصوصا أن أدى الى تضييع بعض الواجبات، وهذا كله مع تحقيق عدم اضراره بالبدن عاجلا وآجلا والا فهو محرم لوجوب حفظه، وهى احدى الكليات الخمس المجمع عليها. وغالب مستعملى الدخان لا تحفظ لهم به صحة حاصلة ولا تجلب به صحة زائلة بل للتلذذ والتفكه. وهذه امارة الاسطال بلا أشكال. ولو لم يكن فى استعماله الا تسويد الثياب والأبدان وكراهة الريح والانتان، لكان زاجرا للعاقل عنه، خصوصا مع ذهابه بذلك الى المحافل والجماعة للصلوات، وتأمل حال شاربيه وهو يخرج من أفواههم وأنوفهم كأهل النار .. وقد كره النبى ﷺ الطعام الحار وقال ﷺ ان الله لم يطعمنا نارا .. وقال ﵊ «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» ولا شك أن استعمال الدخان مما أراب وأوقع الاضطراب.

стр. 3949

ولو سئل الفقهاء الذين قالوا السفه الموجب للحجر تبذير المال فى اللذات والشهوات - لو سئلوا عن ملازم الدخان لما توقفوا فى وجوب الحجر عليه. ثم انظر الى ما ترتب على اضاعة الأموال فيه من التضييق على الفقراء والمساكين وحرمانهم من الصدقة عليهم بشئ مما أفسده الدخان على المترفهين به ومنع هذه الأموال من الاستعانة بها على مصالح المسلمين وسد خلة المحتاجين. وهذا من أسباب التحريم .. من شرب الدخان (١). مذهب الشافعية: وقد الحق فقهاء الشافعية (٢) الدخان بالبنج والحشيشة ونحوهما من كل ما فيه تكدير وتغطية للعقل حيث قالوا: ومن ذلك الدخان المشهور .. لأنه يفتح مجارى البدن. ويهيئها لقبول المواد الضارة، ولذلك ينشأ عنه الترهل ونحوه، وهو يؤدى الى ضعف البصر كما هو مشاهد محسوس، وربما أدى الى العمى. وقد أخبر من يوثق به أنه يحصل منه دوران الرأس أيضا ولا يخفى أن هذا أعظم ضررا مما يوجب القول بتحريمه. مذهب الحنابلة: جاء فى مطالب أولى النهى: ويتجه حل شرب الدخان، والأولى لكل ذى مروءة تركه، لما فيه من الاشتغال عن أداء العبادة على الوجه الأكمل فى بعض الأحيان وعن تحصيل الكمالات. اذ من اعتاده قد يعجز عن تحصيله فى بعض الأيام أو يكون فى مجلس لا ينبغى استعماله فيه، أو يستحى ممن حضر فيتشوش خاطره لفقده، وقد يلحن بحجته فيفوته بعض مطالبه اللازمة له .. وقد كثر فى حكم شرب الدخان القيل والقال، وألفت فيه الرسائل القصار والطوال، وصار الناس فيه على أربعة أقسام. قسم ساكنون عن البحث عنه. وقسم قائلون باباحته. وقسم قائلون بكراهته. وقسم آخر متعصبون لحرمته ممن ينتسبون الى العلم والصلاح. ولم يسلم لهم ذلك، وانما كل عالم محقق له اطلاع على أصول الدين وفروعه

стр. 3950

اذا خلا عن الميل مع الهوى النفسانى، ويسأل الآن عن شربه بعد اشتهاره ومعرفة الناس به، لا يجيب الا باباحته، لأن الأصل فى الأشياء التى لا ضرر فيها ولا نص فى تحريمها الحل والاباحة حتى يرد الشرع بالتحريم لا الحظر. واتفق المحققون على أن تحكم العقل والرأى بلا مستند شرعى باطل، اذ ليس الصلاح بتحريمه والتحكم فى أحكام الشريعة بالآراء العقلية والقياسات الوهمية، وانما الصلاح والدين المحافظة بالاتباع للأحكام الواردة من الأئمة المجتهدين من فرائض ومستحبات، ومحرمات ومكروهات ومباحات بلا تغيير ولا تبديل فى سائر الحالات. وهل الطعن فى أكثر الناس من أهل الايمان والحكم عليهم بالفسق والطغيان صلاح أم فساد؟ وكل أهل مذهب من المذاهب الأربعة فيهم من حرمه، وفيهم من كرهه، وفيهم من أباحه. لكن غالب الشافعية والحنفية قالوا أنه مباح أو مكروه. وبعضهم من حرمه. وغالب المالكية حرمه. وبعض منهم كرهه، وكذا أصحابنا سيما النجديون. الا أنى لم أر من الأصحاب من صرح فى تأليفه بالحرمة. وظاهر كلام صاحب الغاية هنا وفى رسالة الفهافيه الاباحة. وظاهر كلام الشيخ منصور فى آداب النساء الكراهة. ومن العلماء من فصل بين من يسكره، ومن لا يسكره وهو الصواب. اذ الانسان لو تناول مباحا مجمعا عليه فسكر منه حرم عليه تناوله، لأنه يضره فى عقله ودينه. والحق أنه لا شك فى كراهته، لما تقدم، ولما فيه من النقص فى المال ولكراهة رائحة فم شاربه كأكل البصل النئ والثوم والكرات ونحوها، ولا خلاله بالمروءة بالنسبة لأهل الفضائل والكمالات. وكان أحمد ﵀ لا يعدل بالسلامة شيئا. وأما التحليل فليس من السهل القطع بواحد منهما، لعدم الدليل الصريح قال الشيخ تقى الدين اذا شككنا فى المطعوم أو المشروب هل يسكر أم لا؟ لم يحرم بمجرد الشك ولم يقم الحد على صاحبه وقال أيضا واما اختصاص الخمر بالحد فان فى النفوس باعثا الى الخمر فينتصب لذلك رادع شرعى وزاجر

стр. 3951

دنيوى أيضا ليتقابلا وليس كذلك غيرهما (١). مذهب الإباضية: يستفاد مما جاء فى شرح النيل أن الدخان فى مذهب الإباضية نجس الذات ذلك أنهم يجعلون الدخان فى الحرمة بمنزلة الخمر وفى هذا يقول شارح النيل ويحرم التزين بمحرم. والتداوى به كالخمر، وشجرة الدخان وغير ذلك مما حرم بالذات (٢). إشعار التعريف فى اللغة: اشعار مصدر فعله أشعر. يقال: أشعر الرجل الخف، اذا بطنه بشعر. وأشعر السهم قلبى: لزق به وكل ما ألزقته بشئ فقد أشعرته. ويقال أشعر القوم، نادوا بشعارهم أوجعلوا لأنفسهم شعارا. ويقال أشعره الخبر أو بالخبر، أعلمه به قال الله تعالى «وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ» (٣). والشعر، العلم عامة ولكنه غلب على المنظوم من القول لشرفه بالوزن والقافية. ويقال: أشعر فلان الأمر: اذاعه وفى حديث معبد الجهنى لما رماه الحسن بالبدعة قالت له أمه: انك قد أشعرت ابنى فى الناس، أى جعلته علامة فيهم وشهرته بقولك حين عبته بالقدر. والاشعار، الادماء بطعن أو رمى أو وجا بحديده. وفى حديث مقتل عمر رضى الله عنه أن رجلا رمى الجمرة فأصاب صلعته بحجر فسال الدم فقال رجل: أشعر أمير المؤمنين. ومنه أشعر البدنة، أعلمها وهو أن يشق جلدها أو يطعنها فى أسنمتها فى أحد الجانبين بمبضع أو نحوه. وقيل: طعنها فى سنامها الأيمن حتى يظهر الدم ويعرف أنها هدى. والاشعار، القتل. وكانت العرب تقول للملوك اذا قتلوا: أشعروا، وتقول لعامة الناس: قتلوا.

стр. 3952

هذا، وتدور المادة حول معان كثيرة أخرى (١). التعريف عند الفقهاء . هو أن يشق جلد البدنة أو يطعنها - فى أسنمتها فى أحد الجانبين بحديدة أو نحوها ليعرف أنها هدى. واختلف الفقهاء فى كيفية الاشعار. ومكانه والمراد من البدنة. مذهب الحنفية: أما الحنفية فيقولون: الاشعار هو أن يشق أحد جانبى سنام البدنة حتى يخرج منه الدم، ثم يلطخ به سنامها (٢). وحدده ابن نجيم من الحنفية عن شرح الأقطع بأنه شق سنام البدنة من الجانب الأيمن. وروى عن الهداية قولهم: والأشبه هو الأيسر (٣). مذهب المالكية: وذهب المالكية الى أن الاشعار هو أن يقطع فى أعلا السنم قطعا يشق الجلد ويدمى من ناحية الرقبة الى ناحية الذنب قدر أنملتين فى الطول (٤). مذهب الشافعية: وذهب الشافعية الى أن الاشعار جرح فى صفحة سنام البدنة اليمنى أو ما يقرب من محله فى البقرة - فيما يظهر - بحديدة، وهى مستقبلة القبلة، ويلطخها بدمها علامة على أنها هدى (٥). مذهب الحنابلة: يعرفه صاحب الشرح الكبير بأنه شق صفحة سنام البدن حتى يسيل الدم، ثم يضيف

стр. 3953

معرفا البدن عند الحنابلة بأنها ما يتناول الأبل والبقر (١). ويرى الشيخ أبو البركات أن الاشعار ما ذكر، وأنه: ايقاف المشعر هديه فى عرفة (٢). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم من الظاهرية: الاشعار هو أن يضرب من يريد الاشعار البدنة - ويعنى بها الابل - بحديدة فى الجانب الأيمن من جسدها حتى يدميها (٣). مذهب الزيدية: وقال المرتضى من الزيدية هو شق فى صفحة سنام الابل اليمنى (٤). مذهب الإمامية: وذهب الشيعة الإمامية الى أن الاشعار عبارة عن شق السنام الأيمن، ثم يلطخ صفحته بدمه (٥). مذهب الإباضية: أما الإباضية فالاشعار عندهم هو أن يشق المشعر فى صفحة السنام نحو الرقبة الى المؤخر (٦). حكمه: مذهب الحنفية: يرى الامام أبو حنيفة ان الاشعار مكروه لما فيه من المثلة. جاء فى البحر الرائق - يعنى الاشعار مكروه عند أبى حنيفة. وفسر بعض فقهاء الحنفية ما روى عن الامام من كراهة الاشعار بأن المراد الاشعار الذى كان يقع فى زمانه اذ كان الناس يبالغون فى الاشعار الى حد تعريض حياة الهدى للخطر اما أصل

стр. 3954

الاشعار فليس مكروها عنده اذ قد اشتهرت الاخبار فيه (١). فقد جاء فى تبيين الحقائق نقلا عن الطحاوى أنه قال: ما كره أبو حنيفة أصل الاشعار. وكيف يكره ذلك مع ما اشتهر فيه من الأخبار. وانما كره اشعار أهل زمانه، لأنه رآهم يبالغون فيه على وجه يخاف منه السراية الى الموت، فرأى سد هذا الباب. وأما اذا وقف على قطع الجلد دون اللحم فلا بأس به واختاره فى غاية البيان، وصححه فى فتح القدير أنه الأولى (٢). هذا وقد حكى الزيلعى رأيا آخر فى حكم الاشعار عند أبى حنيفة جاء فيه: أنه انما كره أبو حنيفة ايثار الاشعار على التقليد، ولم يكره الاشعار فى ذاته (٣). ويرى الصاحبان أبو يوسف ومحمد ان الاشعار حسن، للحاجة اليه، حيث أن المقصود هو الاعلام حتى ترد اذا ضلت، ولا تهاج اذا وردت ماء أو كلأ، وأن لا يتعرض لها أحد. وهذا المعنى فى الاشعار أتم، لأنه ألزم والقلادة قد تقع، فمن هذا الوجه يكون الاشعار سنة، الا أنه عارض ذلك دليل الكراهة - وهو كونه مثله - فقلنا بأنه حسن، وان تركه فلا بأس به (٤). وأضاف ابن نجيم قائلا: وللاتباع الثابت فى صحيح مسلم وغيره. ولأن الاشعار ليس من المثلة، لأن المثلة ما يكون تشويها كقطع الأنف والأذنين، فليس كل جرح مثلة، ولأنه نهى عن المثلة فى أول الاسلام، وفعل الاشعار فى حجة الوداع، فلو كان الاشعار من المثلة لم يفعله ﷺ (٥). مذهب المالكية: ذكر صاحب الشرح الكبير فى سنن الاحرام: أن اشعار الهدى ثالث السنن لمن أراد أن يحرم، ان كان مع المحرم هدى مما يشعر كالأبل (٦). وحكى صاحب شرح مختصر خليل اختلاف الفقهاء من المالكية فى حكم

стр. 3955

الاشعار فقال: وسن اشعار سنمها - يعنى الابل - لأنها هى التى لها أسنمة. قال فى التوضيح: قال اللخمى وصاحب الجواهر: أطلق فى الكتاب أنها تشعر. وفى كتاب محمد: لا تشعر، لأن ذلك تعذيب. وقال ابن عبد السّلام: اختلف المذهب فى اشعار ما لا سنم له من الابل والبقر. والأقرب عدمه، لأن الأصل عدم تعذيب الحيوان، ثم قال: وأما ماله أسنمة من البقر فظاهر المذهب أنها تشعر (١). اما اشعار الغنم فقد حكى الخرشى من المالكية أنه حرام، لأن فيه تعذيبا لها (٢). مذهب الشافعية: جاء فى المهذب ان اشعار الابل والبقر مستحب (٣). وذكر المنوفى والشربينى الخطيب ان الاشعار فى هذين سنة (٤). اشعار الغنم عند الشافعية منهى عنه لضعفها، ولعدم ظهوره فيها لكثرة شعرها وصوفها (٥). مذهب الحنابلة: جاء فى الشرح الكبير: «ويسن اشعار البدن، لما روت عائشة رضى الله عنها قالت: فتلت قلائد هدى رسول الله ﷺ ، ثم أشعرها وقلدها (٦). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم فى شأن الحاج: وان كان معه هدى ساقه مع نفسه فنستحب له ان يشعر هديه. لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ لما كان

стр. 3956

بذى الحليفة أمر ببدنته فأشعر فى سنامها من الشق الأيمن، ثم سلت الدم عنها - أى نحاه عنها - وقلدها نعلين (١). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار الاشعار سنة لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما. ثم قال: ولا دم لترك الاشعار والتقليد، اذ ليس حتما (٢). مذهب الإمامية: قال صاحب كتاب الخلاف: اذا ساق الهدى من الأبل أو البقر فمن السنة ان يقلدها نعلا ويشعرها. ثم قال: دليلنا اجماع الفرقة. وأيضا ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما (٣). مذهب الإباضية: جاء فى كتاب النيل وشرحه - وكره الشعار لأنه تعذيب. وهل المراد كراهة التحريم أو مجرد الكراهة. قيل بكل ورد بأنه ﷺ قد اشعر وهو لا يفعل مكروها ولا محرما. وجوز الاشعار فى سنام من أيسر ويجوز من أيمن كما فعل النبى ﷺ (٤). حكمته مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن الحكمة من الاشعار هو اعلام الناس بان هذه البدنة هدى حتى يرده من يعثر عليه اذا ضل، وحتى لا يهيجه أحد اذا ورد ماء أو كلأ، وحتى لا يتعرض له أحد. وذلك لأنه لا يمكن تحقيق هذه الغاية بواسطة التقليد، لأن القلادة قد تقع فلا يمكن الاعتماد عليها وحدها من دون الاشعار، اذ الاشعار يلازم البدنة، لأنه أثر باق فيها (٥).

стр. 3957

مذهب الشافعية: وكذلك عند الشافعية، اذ الاشعار عندهم علامة على ان البدن هدى لتجتنب (١). ويقولون أن الهدى ربما اختلط بغيره فاذا أشعر وقلد تميز، وأنه ربما ند فيعرف كذلك بالاشعار فيرد (٢). مذهب الحنابلة: ذكر صاحب الشرح الكبير على متن المقنع أن الحكمة فى الاشعار هو أن لا تختلط البدن بغيرها، وان لا يتعرض لها اللص. ثم ذكر ان ذلك المغنى لا يمكن تحقيقه بالتقليد وحده، لأن القلادة يحتمل فيها أن تنحل وتذهب فلا يكون ثم علامة (٣). مذهب الإمامية: جاء فى وسائل الشيعة أن الاشعار انما أمر به من يسوق الهدى، ليحرم ظهرها على صاحبها من حيث أشعرها، فلا يستطيع الشيطان أن يتسنمها (٤). وروى أبو جعفر ﵇ انهم انما استحسنوا اشعار البدن، لأن أول قطرة تقطر من دمها يغفر الله له على ذلك (٥). وفى الفروع أن الاشعار للتعريف بأنه هدى (٦). ما يكون فيه الاشعار مذهب الحنفية: يكون الاشعار فى البدن التى يسوقها هديا وهى من الابل والبقر دون الغنم والاشعار (٧) انما يكون فى هدى التطوع. ولا يكون فيما يجب جزاء أو نظير جناية فى الحج.

стр. 3958

مذهب المالكية: قال الحطاب من المالكية فى شرح مختصر خليل أن الاشعار يكون فى الابل، لأنها هى التى تكون لها أسنمة، وقد ذكر خليل أنه يسن اشعار بسنم الهدى (١). وقال الخرشى ان كانت الابل مما له أسنمة سن فيها أن تشعر، وأن كانت مما ليس له أسنمة فالمشهور عدم الاشعار (٢). وقال ابن عبد السّلام ان المذهب اشعار ما له سنام من الابل والبقر أما ما ليس له سنام فيهما فالاقرب عدم الاشعار فيه (٣). وفى الغنم حكى ابن الحاج فى مناسكه أن الامام مالك نهى عن اشعارها لأنها تضعف (٤). وصرح الخرشى (بأن النهى يعنى الحرمة لأن اشعارها تعذيب وأصل التعذيب المنع فى غير ما ورد به النص (٥). مذهب الشافعية: ذكر الفيروزابادى من الشافعية أن الاشعار انما يكون فى الهدى اذا كان من الابل والبقر. اما اذا كان الهدى غنما فلا يكون فيه الاشعار ويكتفى بتقليده. لما روت عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ أهدى مرة غنما مقلدة، ولأن الاشعار لا يظهر فيها حيث يستر شعرها وصوفها موضع الاشعار فيها (٦). مذهب الحنابلة: ويرى الحنابلة ان الاشعار يكون فى البدن وهو الابل والبقر. أما الغنم فلا تشعر، لأنها ضعيفة، ولان موضع الاشعار فيها يستره شعرها وصوفها (٧). مذهب الظاهرية: يرى الظاهرية ان الاشعار يكون فى الابل فقط.

стр. 3959

أما البقر فلا اشعار فيه ولا تقليد سواء كانت ذات أسنمة أو لم تكن. وكذلك الغنم لا يرون فيها الاشعار (١). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار ان الاشعار انما يكون فى الابل (٢). مذهب الإمامية: يكون الاشعار فيما يساق هديا من الابل والبقر (٣). مذهب الإباضية: جاء فى كتاب النيل وشرحه أن الاشعار يكون فى ذات السنام من الابل وحكى خلافا فى جواز اشعار ما ليس له سنام منها وما له سنام من البقر (٤). مكان الاشعار مذهب الحنفية: يرى أبو يوسف ان الاشعار يكون فى الجانب الايسر وقالوا انه هو الاشبه. وأجاز بعضهم أنه يكون فى الجانب الايمن (٥). مذهب المالكية: ويرى المالكية أن الاشعار يكون فى سنم الهدى من الايسر للرقبة، وأنه يكون فى أعلا السنم مبتدئا من ناحية الرقبة الى ناحية الذنب، وان يكون الشق الذى يحدث فى الجلد قدر أنملتين فى الطول (٦). مذهب الشافعية: أما الشافعية فيرون ان الاشعار يكون فى صفحة سنام الابل اليمنى، لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ صلى الظهر فى

стр. 3960

ذى الحليفة ثم أتى ببدنة فأشعرها فى صفحة سنامها الايمن (١). هذا اذا كان الهدى ابلا. فأما اذا كان بقرا فمكان الاشعار حينئذ يقدر فيه على حسب مثيله فى الابل على ما يظهر (٢). واذا تعدد الهدى وجعل المهدى كل ثنتين فى حبل وأشعر أحداهما فى الجانب الأيمن فانه يشعر الآخر فى الجانب الأيسر. مذهب الحنابلة: جاء فى المحرر، واشعار البدن منها بشق صفحة سنامها اليمنى حتى يسيل دمها (٣). مذهب الظاهرية: يحكى ابن حزم من أهل الظاهر أن الاشعار يكون فى الجانب الأيمن من جسد الابل (٤). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار أن الاشعار يكون فى صفحة سنام الابل اليمنى (٥). مذهب الإمامية: جاء فى مستمسك العروة الوثقى أن الاشعار يكون فى الجانب الأيمن من الهدى. واذا تعدد أشعر أحدها فى الجانب الأيمن والآخر فى الجانب الأيسر (٦). مذهب الإباضية: جاء فى كتاب النيل وشرحه، وجوز الاشعار من أيسر وقد يكون من أيمن (٧). وقت الاشعار مذهب المالكية: عند المالكية: يختلف الوقت الذى يقوم فيه الحاج باشعار هديه تبعا لوجود
следующие страницы →