بذى الحليفة أمر ببدنته فأشعر فى سنامها من الشق الأيمن، ثم سلت الدم عنها - أى نحاه عنها - وقلدها نعلين (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار الاشعار سنة لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما.
ثم قال: ولا دم لترك الاشعار والتقليد، اذ ليس حتما (٢).
مذهب الإمامية:
قال صاحب كتاب الخلاف: اذا ساق الهدى من الأبل أو البقر فمن السنة ان يقلدها نعلا ويشعرها.
ثم قال: دليلنا اجماع الفرقة.
وأيضا ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب النيل وشرحه - وكره الشعار لأنه تعذيب.
وهل المراد كراهة التحريم أو مجرد الكراهة.
قيل بكل ورد بأنه ﷺ قد اشعر وهو لا يفعل مكروها ولا محرما.
وجوز الاشعار فى سنام من أيسر ويجوز من أيمن كما فعل النبى ﷺ (٤).
حكمته
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن الحكمة من الاشعار هو اعلام الناس بان هذه البدنة هدى حتى يرده من يعثر عليه اذا ضل، وحتى لا يهيجه أحد اذا ورد ماء أو كلأ، وحتى لا يتعرض له أحد. وذلك لأنه لا يمكن تحقيق هذه الغاية بواسطة التقليد، لأن القلادة قد تقع فلا يمكن الاعتماد عليها وحدها من دون الاشعار، اذ الاشعار يلازم البدنة، لأنه أثر باق فيها (٥).
стр. 3957
مذهب الشافعية:
وكذلك عند الشافعية، اذ الاشعار عندهم علامة على ان البدن هدى لتجتنب (١).
ويقولون أن الهدى ربما اختلط بغيره فاذا أشعر وقلد تميز، وأنه ربما ند فيعرف كذلك بالاشعار فيرد (٢).
مذهب الحنابلة:
ذكر صاحب الشرح الكبير على متن المقنع أن الحكمة فى الاشعار هو أن لا تختلط البدن بغيرها، وان لا يتعرض لها اللص.
ثم ذكر ان ذلك المغنى لا يمكن تحقيقه بالتقليد وحده، لأن القلادة يحتمل فيها أن تنحل وتذهب فلا يكون ثم علامة (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى وسائل الشيعة أن الاشعار انما أمر به من يسوق الهدى، ليحرم ظهرها على صاحبها من حيث أشعرها، فلا يستطيع الشيطان أن يتسنمها (٤).
وروى أبو جعفر ﵇ انهم انما استحسنوا اشعار البدن، لأن أول قطرة تقطر من دمها يغفر الله له على ذلك (٥).
وفى الفروع أن الاشعار للتعريف بأنه هدى (٦).
ما يكون فيه الاشعار
مذهب الحنفية:
يكون الاشعار فى البدن التى يسوقها هديا وهى من الابل والبقر دون الغنم والاشعار (٧) انما يكون فى هدى التطوع.
ولا يكون فيما يجب جزاء أو نظير جناية فى الحج.
стр. 3958
مذهب المالكية:
قال الحطاب من المالكية فى شرح مختصر خليل أن الاشعار يكون فى الابل، لأنها هى التى تكون لها أسنمة، وقد ذكر خليل أنه يسن اشعار بسنم الهدى (١).
وقال الخرشى ان كانت الابل مما له أسنمة سن فيها أن تشعر، وأن كانت مما ليس له أسنمة فالمشهور عدم الاشعار (٢).
وقال ابن عبد السّلام ان المذهب اشعار ما له سنام من الابل والبقر أما ما ليس له سنام فيهما فالاقرب عدم الاشعار فيه (٣).
وفى الغنم حكى ابن الحاج فى مناسكه أن الامام مالك نهى عن اشعارها لأنها تضعف (٤).
وصرح الخرشى (بأن النهى يعنى الحرمة لأن اشعارها تعذيب وأصل التعذيب المنع فى غير ما ورد به النص (٥).
مذهب الشافعية:
ذكر الفيروزابادى من الشافعية أن الاشعار انما يكون فى الهدى اذا كان من الابل والبقر.
اما اذا كان الهدى غنما فلا يكون فيه الاشعار ويكتفى بتقليده.
لما روت عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ أهدى مرة غنما مقلدة، ولأن الاشعار لا يظهر فيها حيث يستر شعرها وصوفها موضع الاشعار فيها (٦).
مذهب الحنابلة:
ويرى الحنابلة ان الاشعار يكون فى البدن وهو الابل والبقر.
أما الغنم فلا تشعر، لأنها ضعيفة، ولان موضع الاشعار فيها يستره شعرها وصوفها (٧).
مذهب الظاهرية:
يرى الظاهرية ان الاشعار يكون فى الابل فقط.
стр. 3959
أما البقر فلا اشعار فيه ولا تقليد سواء كانت ذات أسنمة أو لم تكن.
وكذلك الغنم لا يرون فيها الاشعار (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار ان الاشعار انما يكون فى الابل (٢).
مذهب الإمامية:
يكون الاشعار فيما يساق هديا من الابل والبقر (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب النيل وشرحه أن الاشعار يكون فى ذات السنام من الابل وحكى خلافا فى جواز اشعار ما ليس له سنام منها وما له سنام من البقر (٤).
مكان الاشعار
مذهب الحنفية:
يرى أبو يوسف ان الاشعار يكون فى الجانب الايسر وقالوا انه هو الاشبه.
وأجاز بعضهم أنه يكون فى الجانب الايمن (٥).
مذهب المالكية:
ويرى المالكية أن الاشعار يكون فى سنم الهدى من الايسر للرقبة، وأنه يكون فى أعلا السنم مبتدئا من ناحية الرقبة الى ناحية الذنب، وان يكون الشق الذى يحدث فى الجلد قدر أنملتين فى الطول (٦).
مذهب الشافعية:
أما الشافعية فيرون ان الاشعار يكون فى صفحة سنام الابل اليمنى، لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ صلى الظهر فى
стр. 3960
ذى الحليفة ثم أتى ببدنة فأشعرها فى صفحة سنامها الايمن (١).
هذا اذا كان الهدى ابلا.
فأما اذا كان بقرا فمكان الاشعار حينئذ يقدر فيه على حسب مثيله فى الابل على ما يظهر (٢).
واذا تعدد الهدى وجعل المهدى كل ثنتين فى حبل وأشعر أحداهما فى الجانب الأيمن فانه يشعر الآخر فى الجانب الأيسر.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المحرر، واشعار البدن منها بشق صفحة سنامها اليمنى حتى يسيل دمها (٣).
مذهب الظاهرية:
يحكى ابن حزم من أهل الظاهر أن الاشعار يكون فى الجانب الأيمن من جسد الابل (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار أن الاشعار يكون فى صفحة سنام الابل اليمنى (٥).
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى أن الاشعار يكون فى الجانب الأيمن من الهدى.
واذا تعدد أشعر أحدها فى الجانب الأيمن والآخر فى الجانب الأيسر (٦).
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب النيل وشرحه، وجوز الاشعار من أيسر وقد يكون من أيمن (٧).
وقت الاشعار
مذهب المالكية:
عند المالكية: يختلف الوقت الذى يقوم فيه الحاج باشعار هديه تبعا لوجود
стр. 3961
الهدى على ما جاء عن شارح المختصر الجليل فى قوله: ويفعل الاشعار من حين احرامه بالحج ان كان الهدى معه أو من الموضع الذى اشتراه فيه بعد الميقات (١).
مذهب الشافعية:
الشافعية يرون كما جاء فى الأم أن الاشعار يسبق الاحرام كما تدل عبارتها على ذلك (٢).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى ان الحاج اذا كان معه هدى، وكان يسوقه مع نفسه فانه يستحب له أن يشعره حين يأتى الى الميقات (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى الفروع (٤): يكون اشعار الهدى حين يريد الحاج أن يحرم.
وروى العاملى من الشيعة الإمامية أن الحاج اذا أشعر هديه قبل أن ينته الى الميقات الذى يحرم منه لم يترتب على ذلك الاشعار شئ، واعتبر الاشعار كأن لم يكن، لأنه تقدم به على الوقت المحدد له كما نص على ذلك الفضل ابن يسار فى روايته عن أبى عبد الله (٥).
كيفية الاشعار
مذهب الحنفية:
ذكر صاحب بدائع الصنائع من الحنفية أن اشعار الهدى يكون بالطعن فى أسفل السنام وذلك من قبل اليسار عند أبى يوسف فقد روى عن النبى ﷺ أنه كان يدخل بين بعيرين من قبل الرءوس وكان يضرب أولا الذى عند يساره من قبل يسار سنامه، ثم يعطف على الآخر فيضرب به من قبل يمينه اتفاقا للأول لا قصدا فصار الطعن على الجانب الأيسر أصليا والآخر اتفاقيا (٦).
стр. 3962
وذكر السرخسى فى المبسوط أن الاشعار يكون بأن يضرب بالمبضع فى أحد جانبى سنام البدنة حتى يخرج الدم منه، ثم يلطخ بذلك الدم سنامه (١).
مذهب المالكية:
يرى الخرشى من المالكية أنه من الأمور التى يستحب للمشعر أن يبدأ عمله بها:
التسمية، ثم يأخذ فى الاشعار مبتدئا من جهة الرقبة الى جهة المؤخرة. لا من المؤخرة الى جهة الرقبة، وأن يشق الجلد، ويقطع فيه قدر الأنملة أو الأنملتين الى أن يسيل منه الدم.
ويرى أيضا أن يكون ذلك فى الجانب الأيسر من السنام لأن السنام لا يؤلم الهدى شقه. بخلاف سائر جسده، ويشق المشعر السنام طولا، وقيل:
عرضا.
وقيل: لا خلاف بين القولين، اذ هو من الخلاف اللفظى.
فاذا قيل: يشق طولا، فهو بالنظر الى طول البدنة وهو من ذنبها الى رأسها وعرضا يكون من الأرض الى أعلى سنامها.
واذا قيل: يشق عرضا، فهو بالنظر الى السنام وهو الحدبة، وطوله من أسفله فى ظهر البدنة الى أعلاه وقدره قدر امتداد أعلاه.
فهما راجعان الى شئ واحد.
ثم حكى الخرشى ما قاله ابن رشد فى كيفية الاشعار، وهو أن يستقبل المشعر بها القبلة، وأن يشعر بيمينه بينما خطام بعيره فى شماله (٢).
مذهب الشافعية:
يشير صاحب نهاية المحتاج من الشافعية الى كيفية الاشعار فى قوله عن الهدى: «فان كان بدنا سن اشعارها، فيجرح صفحة سنامها اليمنى أو ما يقرب من محله فى البقر - فيما يظهر - بحديدة وهى مستقبلة القبلة، ويلطخها بدمها (٣)».
مذهب الحنابلة:
ذكر ابن قدامة فى الشرح الكبير أن اشعار الهدى يكون بشق صفحة سنام البدن الأيمن حتى يسيل منه
стр. 3963
الدم لحديث عائشة رضى الله عنها المذكور فى حكم الاشعار (١).
مذهب الظاهرية:
ذكر ابن حزم فى المحلى أن اشعار الهدى اذا كان من الابل يكون بأن يضربه بحديدة فى الجانب الأيمن من جسده حتى يدميه (٢).
مذهب الزيدية:
ذكر صاحب متن الدرر البهية أن اشعار الهدى يكون بشق صفحة سنام البعير ويسلت الدم عنها (٣).
وذكر صاحب البحر الزخار أنه يكون فى صفحة سنام الابل اليمنى (٤).
مذهب الإمامية:
روى عن أبى عبد الله من الشيعة الإمامية فى كيفية الاشعار أنه طلب من يونس بن يعقوب أن ينيخ بدنته، ثم يعقلها مستقبل القبلة، ثم يدخل المسجد حيث يصلى، ثم يفرض بعد صلاته، ثم يخرج الى بدنته فيأخذ فى اشعارها من الجانب الأيمن من سنامها ثم يقول: بسم الله اللهم منك ولك، اللهم تقبل منى (٥).
وكذا روى عنه أنه قال البدن تشعر فى الجانب الأيمن، ويقوم الرجل فى الجانب الأيسر (٦).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: وصفته عند بعض أن يشق فى صفحة السنام نحو الرقبة الى المؤخرة، يقول عند ذلك:
بسم الله والله أكبر ويجللها ان شاء (٧).
ما يترتب على الاشعار
مذهب الحنفية:
ذكر الكاسانى فى بدائع الصنائع أنه لا
стр. 3964
يترتب على اشعار الهدى انعقاد الاحرام بالحج.
فقال: ولو أشعر بدنة وتوجه معها لا يصير محرما لأن الاشعار مكروه عند أبى حنيفة، لأنه مثلة وايلام الحيوان من غير ضرورة لحصول المقصود بالتقليد وهو الاعلام بكون المشعر هديا لئلا يتعرض له لو ضل والايتان بفعل مكروه لا يصلح دليل الاحرام (١).
ثم حكى اختلاف المشايخ على قول أبى يوسف ومحمد.
قال بعضهم: ان أشعر وتوجه معها يصير محرما عندهما لأن الاشعار سنة عندهما كالتقليد فيصلح أن يكون دليل الاحرام كالتقليد.
وقال بعضهم لا يصير محرما عندهما أيضا لأن الاشعار ليس بسنة عندهما، بل هو مباح فلم يكن قربة، فلا يصلح دليل الاحرام.
ورتب الزيلعى على اشعار الهدى وعلم الناس به أكل الفقراء منه دون الأغنياء وأنه لا يحل تناوله قبل ان يبلغ محله، لأن الأذن بتناوله معلق ببلوغه محله.
ثم استدرك قائلا: الا أن التصدق على الفقراء أولى من أن يتركها جزرا للسباع (٢).
مذهب المالكية:
ذكر صاحب مواهب الجليل لشرح مختصر خليل: أن صاحب الطراز قال فى باب الهدى: اذا قلد الهدى تعين بالتقليد والاشعار، أو بسوقه أو بنذره وان تأخر ذبحه ولو مات المحرم لم يكن للورثة تعيين الهدى وابداله.
ثم قال وهذا بين، لأن الهدى يتعين بالتقليد والاشعار أى بسوقه أو بنذره وان تأخر ذبحه، فلما تعين الهدى خرج عن ملك ربه الى جهة القربة حتى لا يملك بيعه ولا ذبحه ولا صرفه الى غير جهة القربة.
واذا زال ملكه عنه بطل ارثه عنه وليس له أن ينتفع به ولا بشئ من منافعه، وانما هو تحت يده حتى يبلغ محله (٣).
стр. 3965
واذا ضل من الانسان أو سرق هديه الواجب، أو جزاء الصيد فأبدله ونحر البدل، ثم وجد هديه، فانه يجب عليه نحره ان كان مقلدا ومشعرا، لأنه تعين بالتقليد والأشعار، ولا يرده فى ماله: فلو وجده قبل أن ينحر بدله، فان كانا مقلدين ومشعرين وجب عليه أن ينحرهما، لأنهما تعينا بالتقليد، وان كانا غير مقلدين ولا مشعرين أو كان أحدهما مقلدا ومشعرا والآخر ليس كذلك فانه يلزمه نحر واحد منهما فى الأولى ونحر الذى قلده وأشعره فى الثانية، ويتصرف فى الآخر ببيع أو غيره (١).
مذهب الشافعية:
اذا ساق الحاج الهدى فليس له أن يركبه الا من ضرورة، واذا اضطر اليه ركبه ركوبا غير فادح له.
وله أن يحمل الرجل المضطر على هديه.
واذا كان الهدى أنثى فنتجت فان تبعها فصيلها ساقه، وان لم يتبعها حمله عليها.
وليس له أن يشرب من لبنها الا بعد رى فصيلها، وكذلك ليس له أن يسقى أحدا.
ثم قال: وان قلدها واشعرها ووجهها الى البيت أو وجهها بكلام فقال هذه هدى فليس له أن يرجع فيها ولا يبدلها بخير ولا بشر منها كانت زاكية أو غير زاكية.
وكذلك لو مات لم يكن لورثته أن يرثوها.
وانما انظر فى الهدى الى يوم يوجب فان كان وافيا ثم أصابه بعد ذلك عور أو عرج أو ما لا يكون به وافيا على الابتداء لم يضره اذا ابلغ المنسك.
وقال الشافعى فى الأم: وان قلد واشعر وهو لا يريد الاحرام فلا يكون محرما (٢).
مذهب الحنابلة:
وذكر صاحب المحرر أن أبا الخطاب قال: فى حكم الانتفاع بلبن الهدى
стр. 3966
المشعر اذا كان أنثى - انه لا يجوز بحال من الأحوال، وان ولدت ذبح الولد معها.
وله شرب لبنها الفاضل عن ولدها، وركوبها مع الحاجة ما لم يضربها، وجز صوفها، والتصدق به ان انتفعت بجزه.
ولو ذبحها فسرقت لم يلزمه شئ.
وان ذبحت بغير اذنه أجزأته ولا شئ على الذابح.
وان أتلفها صاحبها لزمته قيمتها يوم تلفها لا يوم ذبحها، وصرفت فى مثلها كالأجنبى اذا أتلفها.
وقيل: يلزمه أكثر القيمتين فان بقيت من القيمة بقية صرفت فى أخرى ان اتسعت لها والا تصدق بها أو بلحم يشتريه بها.
ولو تلفت أو ضلت بعير تفريط منه لم يلزمه شئ وان تعيبت ذبحها وأجزأته.
وان عطبت دون محلها ذبحها مكانها وأجزأته ولم يأكل ولا رفقته منها، لكن يصبغ نعله بدمها ويضرب به صفحتها علامة للفقراء عليها (١).
مذهب الزيدية:
ذكر صاحب البحر الزخار أن صاحب الهدى لا يجوز له أن يشرب من لبنها اذا كان أنثى الا ما فضل عن ولدها.
لما روى أن عليا ﵇ رأى رجلا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال له:
لا تشرب من لبنها الا ما فضل عن ولدها فاذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها.
ويتصدق بما يخشى فساده ان لم يتبع فان خشى من حبس اللبن حلبه وتصدق به. والصوف كاللبن على الخلاف، وله ركوبه ان اضطر هو أو غيره من المسلمين، ويضمن النقصان (٢).
مذهب الإمامية:
يرتب الشيعة الإمامية على الاشعار انعقاد احرام حج القران، اذ ينعقد هذا الاحرام بأحد ثلاثة هى الاشعار والتقليد والتلبية.
وصححه عمر بن يزيد عن أبى عبد الله ﵇ اذ يقول: من أشعر بدنة فقد أحرم (٣).
стр. 3967
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: قيل فى شأن من ساق الهدى من غير أن يشعره: انه يجوز له أن يرجع فيه، وأن يبدله، وأن يحمل عليه، ويشرب لبنه بضرورة.
وقيل يجوز له الانتفاع ولو بلا ضرورة.
ويرى الإباضية: أن الاشعار يخصص الحيوان للهدى حتى ولو لم يتلفظ المهدى بذلك.
فاذا لم يشعر الحيوان ولم يتلفظ بما يدل على أنه هدى جاز له الرجوع فيه.
قال صاحب النيل: وقيل من ساقه - يعنى الهدى - بلا اشعار جاز له الرجوع فيه وابدا له - ما لم يقل انه هدى - والحمل عليه، وشرب لبنه بضرورة، وجوز مطلقا (١).
إشهاد
التعريف بالاشهاد لغة واصطلاحا:
(أ) فى اللغة: الاشهاد مصدر فعله أشهد يشهد .. والثلاثى شهد من باب سلم.
وفى المختار (٢): أشهده على كذا فشهد عليه. واستشهده سأله أن يشهد، وشهد على كذا من باب سلم. وشهده أى حضره، وشهد له بكذا أى أدى ما عنده من الشهادة.
وفى لسان العرب: أشهدته على كذا فشهد عليه أى صار شاهدا عليه ..
وأشهدت الرجل على اقرار الغريم واستشهدته بمعنى.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ٣ مِنْ رِجالِكُمْ» وأشهدنى أملاكه أحضرنى .. واستشهدت فلانا على فلان سألته اقامة شهادة احتملها.
فالأشهاد طلب تحمل الشهادة بالمعاينة أو طلب أداء الشهادة عند القاضى.
(ب) فى الاصطلاح: يستعمل الفقهاء الاشهاد بمعنى طلب الشهود لتحمل الشهادة بحضورهم لمعاينة المشهود به، ومعرفتهم ما وقع.
стр. 3968
أو طلب الشهود لأداء الشهادة التى تحملوها أمام القضاء عند الخصومة.
وهذا لا يخرج عن الاستعمال اللغوى كما هو ظاهر.
ما يطلب فيه الاشهاد شرعا
يراد بما يطلب فيه الاشهاد شرعا الافعال والتصرفات. والأمور التى طلب الشارع فيها الى المكلفين احضار من يتحمل الشهادة عليها عند حصولها موثقا لأنفسهم، لأمكان تقديم البينة عند الحاجة، كطلبه من أولياء اليتامى وأوصيائهم الاشهاد عند دفع أموالهم اليهم، لامكان اقامة البينة على الدفع عند الحاجة فى قوله تعالى «وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾ (١). فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم أموالهم ولا تأكلوها اسرافا وبدارا أن يكبروا، ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. فاذا دفعتم اليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا».
أو احضار من يؤدى الشهادة أمام القاضى عند حصول النزاع، لا براء الذمة، أو أثبات حق، أو دعوى، كطلبه احضار أربعة شهداء فى حالة اقتراف جريمة الزنا أو الرمى بها فى قوله تعالى: «وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ ٢ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ»﴾.
سواء أكان الطلب على وجه الوجوب والفرضية، أم كان على وجه الندب والاستحباب، تبعا لما تقتضيه المصلحة، وتستوجبه دواعى التكليف.
وقد يختلف الفقهاء المجتهدون فى هذا الحكم، تبعا لتقديرهم وجه المصلحة كما سيأتى بيانه مفصلا فى بيان وصف الحكم فى المذاهب المختلفة فى كل موضع من المواضع.
والمرجع فى بيان الأمور التى طلب الشارع فيها من المكلفين الاشهاد عليها تحملا أو أداء، وجوبا أو ندبا، وآراء الأئمة والفقهاء فى ذلك وفى غيره مما يتعلق به - هو كتب الفقه فى المذاهب المختلفة، وكتب الخلاف والمقارنة التى تعنى ببسط أراء الفقهاء وأهل العلم فى المسائل المختلفة.
غير أنه قد أشير فى بعض آيات الاحكام من القرآن الكريم. وبعض أحاديث الأحكام من السنة النبوية الشريفة - الى طلب الاشهاد على بعض الافعال والتصرفات والمسائل.
وتناول المفسرون وشراح الحديث بالبيان والتفصيل آراء الفقهاء وأهل العلم
стр. 3969
فى أحكام الاشهاد فيما تناولته الآيات والأحاديث وما يتعلق بذلك ويتصل به.
واستطرد أكثرهم الى ذكر الافعال والتصرفات والعقود التى يطبق فيها الحكم وتأخذ نفس الوضع.
ولذلك فاننا سنعرض لبيان ما ذكره المفسرون وشراح الحديث فى الآيات والأحاديث المشار اليها خصوصا فى تفاسير آيات الأحكام وشروح أحاديثها، لنستعين على تحديد المواضع التى يجرى فيها الاشهاد.
ثم نبين الأحكام والآراء فى المذاهب المختلفة أخذا من كتب الفقه والخلاف جريا على المنهج الذى تقرر السير عليه فى تحرير الموسوعة وبيان الأحكام فبها.
من آيات الأحكام:
قال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ، وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ. وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ. فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ. وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً. فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى. وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا. وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١).
وقد جاء فى التفسير الجامع لأحكام القرآن لأبى عبد الله محمد بن أحمد الانصارى القرطبى المالكى - فى تفسير هذه الآية ما يأتى: قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: هذه الآية نزلت فى السلم خاصة. معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب نزول الآية. وهى تتناول جميع المداينات اجماعا.
وقال ابن خويز منداد: انها تضمنت ثلاثين حكما.
وقد استدل بها بعض علمائنا على جواز التأجيل فى القروض على ما قال مالك، اذ لم يفصل بين القرض وسائر العقود فى المداينات ..
وخالف فى ذلك الشافعية وقالوا: ان الآية ليس فيها جواز التأجيل فى سائر الديون، وانما فيها الأمر بالاشهاد اذا كان دينا مؤجلا .. ثم يعلم جواز التأجيل فى
стр. 3970
الدين وامتناعه بدلالة أخرى. وحقيقة الدين كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر فى الذمة نسيئة، فان العين عند العرب ما كان حاضرا. والدين ما كان غائبا.
وقد قيل: ان الناس لما كانوا يتعاملون حتى لا يشذ أحد منهم عن المعاملة، وكان منهم من يكتب، ومنهم من لا يكتب أمر الله أن يكتب بينهم كاتب بالعدل .. والأمر ان كان بالكتابة، لأن المراد الكتابة والاشهاد، لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة.
وقد ذهب بعض الناس الى أن كتب الديون واجب على أربابها فرض بهذه الآية بيعا كان أو قرضا لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وقد ذكر أن المراد الكتابة والاشهاد، لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة. فحكم الاشهاد كحكم الكتابة.
والقول بالوجوب هو اختيار الطبرى.
وقال ابن جريج من ادان فليكتب ومن باع فليشهد.
وقال الشعبى: كانوا يرون أن قوله: «فان أمن بعضكم بعضا» ناسخ للأمر بالكتب. وحكى نحوه ابن جريج.
وقال الجمهور الأمر بالكتب ندب الى حفظ الأموال وازالة الريب.
قال بعضهم: أن أشهدت فحزم وان ائتمنت ففى حل وسعة .. وهذا هو القول الصحيح. وعلى هذا فلا نسخ فى الآية، لأن الله تعالى ندب الى الكتابة فيما للمرء أن يهبه ويتركه باجماع فندبه انما هو على جهة الحيطة للناس.
وقد اختلفوا فى وجوب الكتابة على الكاتب، والشهادة على الشاهد.
فقال الطبرى والربيع: واجب على الكاتب اذا أمر أن يكتب.
وقال الحسن ذلك واجب عليه فى الموضع الذى لا يقدر على كاتب غيره.
والصحيح أنه ليس بواجب والأمر للارشاد
وقد جعل الله الذى عليه الحق أربعة أصناف.
صنف سليم كامل الأهلية يمل بنفسه «فليملل الذى عليه الحق».
وثلاثة أصناف لا يملون بأنفسهم، وتقع نوازلهم فى كل زمن، ويترتب الحق لهم فى أحوال وجهات غير المعاملات كالمواريث اذا قسمت وغير ذلك، وهم السفيه، والضعيف، والذى لا يستطيع أن يمل.
«فان كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل».
стр. 3971
وقوله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ ١ مِنْ رِجالِكُمْ» الاستشهاد طلب الشهادة.
وأختلف الناس هل الاستشهاد فرض أو ندب والصحيح أنه ندب على ما يأتى بيانه.
فى قوله تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ»﴾.
وقد رتب الله سبحانه الشهادة بحكمته فى الحقوق المالية والبدنية والحدود. وجعل فى كل حق شهيدين الا فى الزنا، ففيه جعل الشهادة فيه أربعة على ما بينه فى سورتى النساء والنور تشديدا على المدعى وسترا على العباد.
وقوله: «من رجالكم» - نص فى رفض الكفار والصبيان والنساء. ويتناول العبيد والعميان، لأنهم من رجال المؤمنين.
وقد اختلف العلماء فى جواز شهادة العبيد والعميان. وقوله «فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان» يدل على جواز شهادة المرأة مع رجلين ولو مع وجود الرجال. وهو رأى الجمهور.
وذهب بعض الى أن معناه: ان لم يوجد نصاب الشهادة من الرجال. تقبل شهادة المرأتين مع رجل. وهو ليس بظاهر.
وقد أجيزت شهادة النساء فى الأموال خاصة بهذه الآية اذ لم تذكر شهادتين فى غيرها بشرط أن يكون معها رجل.
لأن الأموال أكثر الله أسباب توثيقها، لكثرة جهات تحصيلها، وعموم البلوى بها وتكررها، فجعل فيها التوثق تارة بالكتابة، وتارة بالاشهاد، وتارة بالرهن، وتارة بالضمان.
وأدخل فى جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال.
ولا يتوهم عاقل أن قوله تعالى «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» يشمل دين المهر مع البضع، أو دين الصلح عن دم العمد، فأن تلك الشهادة ليست شهادة على الدين، بل هى شهادة على النكاح.
وأجاز العلماء شهادتهن منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة.
وعلى مثل ذلك أجيزت شهادة الصبيان فى الجراح فيما بينهم للضرورة. وكما جعل الله شهادة امرأتين بدل شهادة رجل وجب أن يكون حكمهما كحكمه.
فكما للمدعى أن يحلف مع الشاهد عند المالكية والشافعية، ويحكم له بشاهد ويمين، كذلك يجب أن يحلف مع شهادة امرأتين بمطلق هذه العوضية.
وهذا فى الأموال وما يتعلق بها دون حقوق الأبدان، للاجماع على ذلك من كل قائل بالقضاء بالشاهد واليمين. وذلك لأن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان بدليل قبول شهادة النساء فيها.
стр. 3972
وقوله «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» يدل على أن من الشهود من ليس موضع رضى.
فيؤخذ منه دليل على أن المسلمين ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم فهى بمعنى زائد عن الاسلام.
وقال أبو حنيفة: كل مسلم ظاهر الاسلام مع السلامة من فسق ظاهر فهو عدل وان كان مجهول الحال.
وقد قال العلماء: العدالة هى الاعتدال فى الأحوال الدينية، وذلك، بأن يكون مجتنبا للكبائر، محافظا على مروءته وعلى ترك الصغائر، ظاهر الأمانة غير مغفل.
وقيل: صفاء السريرة واستقامة السيرة فى ظن المعدل. والمعنى متقارب.
والخلاف بين أبى حنيفة وغيره فى اعتبار العدالة معنى زائد عن الاسلام يشترط تحققه فى الشاهد لقبول شهادته يجرى فى الأموال والنكاح. فيجوز النكاح عنده بشهادة فاسقين.
وقوله تعالى «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» قال البعض أن هذا للوجوب، وهو يشمل طلب الشهود، لتحمل الشهادة وتحصيلها وطلبهم لأداء الشهادة عند القاضى.
وقيل: انما يشمل دعوة الشهود لأداء الشهادة عند القاضى. أما دعوتهم لتحمل الشهادة فليس واجبا عليهم اجابتها، اذ لا يترتب على الامتناع ضياع حق.
ويمكن أن يحمل الوجوب فى حالة التحمل على ما اذا حضر أصحاب الشأن عند الشهود، وطلبوا اليهم التحمل.
وذهب بعض الى أن الأمر محمول على الندب. فالمسلمون مندوبون الى معونة اخوانهم. فيشمل حالتى التحمل والأداء.
فاذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق فالمدعو مندوب. وله أن يتخلف لأدنى عذر. وان تخلف بلا عذر فلا اثم عليه ولا ثواب له.
واذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوى الندب وقرب من الوجوب.
واذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، ولا سيما اذا كانت محصلة وكان الدعاء الى أدائها فان هذا الظرف آكد، لأنها قلادة فى العنق وأمانة تقتضى الأداء.
وهذا كله فى حال الدعاء للشهادة.
فأما من كانت عنده شهادة لرجل لم يعلمها مستحقها الذى ينتفع بها. فقال قوم: أداؤها ندب، لأن الآية فى حالة الدعاء فاذا لم يدع كان ندبا. ولقوله ﵇ «خير الشهداء الذى يأتى بشهادته قبل أن يسألها».
والصحيح أن أداءها فرض وان لم يسألها اذا خاف ضياع الحق، أو كانت
стр. 3973
بطلاق، أو عتق مما يترتب على عدم ثبوته وقوع المحرم لقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ»﴾. وقوله «إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ»﴾.
وعلى الشاهد أن يعلم صاحب الحق بماله عنده من شهادة على حقه. وهذا يدعوه بعد ذلك.
وهل الامتناع عن الشهادة فى حالة الوجوب يعقب فسقا يقتضى رد الشهادة مطلقا.
أو ردها فى نفس الحادثة أو لا يعتبر؟ خلاف.
قوله تعالى «وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ» حض على الكتابة والاشهاد فى الدين كبيرا كان أو صغيرا. ونهى عن التردد فى ذلك بحجة أنه صغير خوفا من أن يملوا الكتابة والاشهاد.
قال العلماء الا ما كان من قيراط ونحوه لنزارته وعدم تشوف النفس اليه اقرارا أو انكارا «ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا» يعنى أن كتابة القليل والكثير والاشهاد عليه أعدل عند الله وأصح وأحفظ للشهادة وأقرب الى عدم الشك.
وقوله تعالى «إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها» لما علم الله مشقة الكتابة نص على تركها ورفع الجناح فى كل مبايعة بنقد، وذلك غالبا فى القليل كالمطعوم ونحوه، لا فى الكثير كالأملاك ونحوها قال السدى والضحاك هذا فيما كان يدا بيد ولما كانت الرباع والأرض وكثير من الحيوان لا يقبل البينونة بالمقبوض ولا يغاب عليه حسن الكتب فيها ولحقت فى ذلك مبايعة الدين. فكان الكتاب توثقا لما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغير القلوب.
فأما اذا تفاصلا فى المعاملة وتقايضا وبان كل منهما بما ابتاعه من صاحبه فيقل فى العادة خوف التنازع الا بأسباب غامضة، وقد نبه الشرع على هذه المصالح فى حالتى النسيئة والنقد وما يغاب عليه وما لا يغاب بالكتاب والشهادة والرهن.
قال الشافعى: البيوع ثلاثة: بيع بكتاب وشهود. وبيع برهان. وبيع بأمانة وقرأ هذه الآية.
وكان ابن عمر اذا باع بنقد أشهد واذا باع بنسيئة كتب.
قوله تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» قال الطبرى: معناه. وأشهدوا على صغير ذلك وكبيره.
وقد اختلف العلماء هل ذلك على الوجوب أو الندب؟
فقال: أبو موسى الأشعرى وابن عمر والضحاك وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد
стр. 3974
ومجاهد وداود بن على وابنه أبو بكر: هو على الوجوب.
ومن أشدهم فى ذلك عطاء. قال: أشهد اذا بعت واذا اشتريت ولو دسنجة بقل (أى حزمة بقل).
وممن كان يذهب الى هذا ويرجحه الطبرى.
وقال: لا يحل لمسلم اذا باع واذا اشترى الا أن يشهد والا كان مخالفا كتاب الله ، وكذلك اذا كان الى أجل فعليه أن يكتب ويشهد ان وجد كاتبا.
وذهب الشعبى والحسن الى أن ذلك على الندب والارشاد لا الحتم.
ويحكى أن هذا قول مالك والشافعى وأصحاب الرأى.
وقال الامام محمد بن عطية: والوجوب فى ذلك قلق.
أما فى الدقائق فصعب شاق.
وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستئلاف بترك الاشهاد.
وقد يكون عادة فى بعض البلاد.
وقد يستحى من العالم والرجل الموقر، فلا يشهد عليه، فيدخل ذلك كله فى الائتمان، ويبقى الامر بالاشهاد ندبا، لما فيه من المصلحة فى الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه.
وقد حكى عن جماعة أنهم قالوا: ان قوله تعالى «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ» ناسخ لما قبله، ولكن هذا ليس بشئ، لأنه لا تعارض بين هذا وما قبله، اذ أن هذا حكم من لم يجد كاتبا فهو غير الحكم السابق ..
على أنه لم يثبت أن هذا جاء متأخرا عن ذاك، بل قد وردا معا. ولا يرد الناسخ والمنسوخ معا.
وقد روى عن ابن عباس أنه لما قيل له: ان آية الدين منسوخة: قال: لا والله ان آية الدين محكمة ليس فيها نسخ - والاشهاد انما جعل للطمأنينة. وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا منها الكتابة ومنها الرهن ومنها الاشهاد.
ولا خلاف بين علماء الامصار. ان الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب فيعلم من ذلك مثله فى الاشهاد.
وقال القرطبى (١): وهذا كله استدلال حسن على أن الامر للندب وليس للوجوب.
وأحسن منه ما جاء من صريح السنة فى ترك الاشهاد. وهو ما أخرجه الدارقطنى عن
стр. 3975
طارق بن عبد الله المحاربى قال: «أقبلنا فى ركب من الربذة وجنوب الربذة حتى نزلنا قريبا من المدينة ومعنا ظعينة لنا فبينا نحن قعود اذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان فسلم فرددنا عليه. فقال: من أين أقبل القوم؟ فقلنا من الربذة وجنوب الربذة قال:
ومعنا جمل أحمر فقال تبيعونى جملكم هذا؟ فقلنا: نعم. قال بكم؟ قلنا: بكذا وكذا صاعا من تمر. قال فما استوضعنا شيئا وقال:
قد أخذته ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه فقالت الظعينة: لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه. فلما كان العشاء أتانا رجل فقال: السّلام عليكم. أنا رسول رسول الله ﷺ اليكم وانه يأمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا قال: فأكلنا حتى شبعنا وأكتلنا حتى استوفينا. وليس فى القصة أن النبى ﷺ أشهد، ولو كان واجبا ما تركه.
وذكر الزهرى حديثا عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبى ﷺ أن النبى ﷺ ابتاع فرسا من أعرابى، وفى الحديث. فطفق الاعرابى يقول: هلم شاهدا يشهد أنى بعتك قال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بعته. فأقبل النبى ﷺ على خزيمة فقال بم تشهد.؟ فقال خزيمة: بتصديقك يا رسول الله. قال فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين أخرجه النسائى وغيره.
ثم قال القرطبى: اعلم أن الذى أمر الله تعالى به من الشهادة والكتابة لمراعاة صلاح ذات البين، ونفى التنازع المؤدى الى فساد ذات البين، لئلا يسول له الشيطان جحود الحق وتجاوز ما حد له الشرع أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق.
ولأجله حرم الشارع البياعات المجهولة التى اعتيادها يؤدى الى الاختلاف وفساد ذات البين وايقاع التضاغن والتباين.
فمن ذلك ما حرمه الله من الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله تعالى «إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» فمن تأدب بأدب الله فى أوامره وزواجره حاز صلاح الدنيا والدين.
قال تعالى «وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً»﴾.
وجاء فى تفسير أحكام القرآن لأبى بكر الجصاص الحنفى فى تفسير هذه الآية ما يأتى:
يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه قال أبو بكر: ذهب قوم الى أن الكتاب والاشهاد على الديون
стр. 3976
الآجلة قد كانا واجبين بقوله تعالى:
«فاكتبوه» الى قوله «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ١» ثم نسخ الوجوب بقوله تعالى:
«فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ» روى ذلك عن أبى سعيد الخدرى والشعبى والحسن.
وقال آخرون هى محكمة لم ينسخ منها شئ روى عن ابن عباس رضى الله عنهما لما سئل عن نسخ آية المداينة قال: لا والله ان آية الدين محكمة وما فيها نسخ.
وقال سعيد بن جبير (وأشهدوا اذا تبايعتم) يعنى: وأشهدوا على حقوقكم اذا كان فيها أجل أو لم يكن فيها أجل فاشهد على حقك على كل حال.
وقال ابن جريج: سئل عطاء أيشهد الرجل على أن بايع بنصف درهم؟ قال: نعم هو تأويل قوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ».
وقد روى عن الحسن والشعبى: ان شاء أشهد وان شاء لم يشهد لقوله تعالى:
«فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً»﴾.
وروى عن ابن عمر أنه كان اذا باع أشهد ولم يكتب. وهذا يدل على أنه رآه ندبا، اذ لو كان واجبا لكانت الكتابة مع الاشهاد، لأنه مأمور بهما فى الآية.
واستعرض الجصاص القول بالنسخ فى الآية لتضافر الأقوال بعدم وجوب الكتابة والاشهاد.
والقول بعدم النسخ لورود الحكمين من قوله (وأشهدوا اذا تبايعتم) وقوله (فان أمن بعضكم بعضا) معا وعدم ثبوت تاريخ نزولهما.
ورجع القول بأن الأمر بالكتابة والاشهاد ندب غير واجب.
ورد على القائلين بالوجوب.
ثم قال: ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والاشهاد والرهن المذكور جميعه فى هذه الآية. ندب وارشاد الى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا وأن شيئا منه غير واجب.
وقد نقلت الأمة خلفا عن سلف عقود المداينات والأشربة والبياعات فى أمصارهم من غير اشهاد مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم.
ولو كان الاشهاد واجبا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به.
وفى ذلك دليل على أنهم رأوه ندبا ..
وذلك منقول من عصر النبى ﷺ إلى يومنا هذا ..
стр. 3977
ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها وأشريتها لورد النقل به متواترا مستفيضا، ولأنكرت على تاركه ترك الاشهاد فلما لم ينقل عنهم الاشهاد بالنقل المستفيض ولا اظهار النكير على تاركه من العامة ثبت بذلك أن الكتاب والاشهاد فى الديون والبياعات غير واجبين.
وقوله تعالى: «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» ينتظم سائر عقود المدايناب التى يصح فيها الآجال ولا دلالة فيه على جواز التأجيل فى سائر الديون، لأن الآية ليس فيها بيان جواز التأجيل فى سائر الديون وانما فيها الأمر بالاشهاد اذا كان دينا مؤجلا .. ثم يحتاج أن يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل فى الدين وامتناعه.
وانما فى الآية الأمر بالاشهاد اذا صح الدين والتأجيل.
وليس فى الآية دلالة على جواز التأجيل فى القرض، لأن قوله تعالى: ﴿(إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ)﴾ يدخل فيه عقد المداينة، وليس القرض بعقد مداينة اذ لا يصير دينا بالعقد دون القبض فوجب أن يكون القرض خارجا منه.
ثم قال الجصاص: ان قوله تعالى: «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» وقد اشتمل على كل دين ثابت مؤجل سواء كان بدله عينا أو دينا، فمن اشترى دارا أو عبدا بألف درهم الى أجل كان مأمورا بالكتاب والاشهاد بالآية.
وقد دلت الآية على أنها مقصورة فى دين مؤجل فى أحد البدلين لا فيهما جميعا لأنه قال ﴿(إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ)﴾ ولم يقل بدينين، فأثبت الأجل فى أحد البدلين فلا يجوز وجود الأجل فيهما معا. وقد نهى النبى ﷺ عن الدين بالدين.
وأما اذا كانا دينين بالعقد فهو جائز فى السلم. الا أنه مقصور على المجلس.
والآية تشمل السلم كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما اذ أخبر أن السلم المؤجل مما انطوى تحت عموم الآية.
وعلى هذا فكل دين ثابت مؤجل فهو مراد بالآية سواء كان من أبدال المنافع أو الأعيان نحو الأجرة المؤجلة فى عقود الاجارات، والمهر اذا كان مؤجلا، وكذلك الخلع والصلح من دم العمد والكتابة المؤجلة، لأن هذه ديون مؤجلة ثابتة بعقد مداينة.
فكل عقد انتظمته الآية فهو العقد الذى ثبت به دين مؤجل، ولم تفرق بين أن يكون ذلك الدين بدلا من منافع أو أعيان، فوجب أن يكون جميع المندوب اليه من الكتاب والاشهاد مرادا بها هذه العقود كلها، وأن يكون ما ذكر من عدد الشهود وأوصاف الشهادة معتبرا فى سائرها، اذ ليس فى اللفظ تخصيص شئ منه دون غيره.
стр. 3978
فيوجب ذلك جواز شهادة الرجل والمرأتين فى النكاح اذا كان المهر دينا مؤجلا، وفى الخلع والاجارة والصلح من دم العمد، وسائر ما كان هذا وصفه.
وغير جائز الاقتصار بهذه الأحكام على بعض الديون المؤجلة دون بعض مع شمول الآية لجميعها.
قوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ (١)» هذا عطف على قوله فى أول الآية:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢)» والخطاب فى الأولى للمؤمنين، والعطف عليه يقتضى ملاحظة هذا الوصف فى الشهود على المسلمين.
ويقتضى أيضا ملاحظة الحرية فيهم بفحوى الخطاب، لأن الخطاب فى الآية لمن تداينوا بدين. ولمن يملى ممن عليه الحق أى يقر بالدين. وذلك انما يكون من الأحرار دون العبيد، لأن العبد لا يملك عقود المداينات، واذا أقر بشئ لم يجز اقراره الا باذن مولاه، والخطاب موجه الى من يملك ذلك على الاطلاق من غير اذن الغير. فدل ذلك على شرط الحرية فى الشهود.
وكذلك قوله (من رجالكم) يدل على اشتراط الحرية.
وقد اختلفوا فى شهادة العبيد والصبيان والعميان هل تجوز وتقبل أو لا تجوز؟
واتفقوا على قبول شهادة النساء مع الرجال فى الأموال أخذا من هذه الآية.
واختلفوا فى قبولها مع الرجال فى غير الأموال.
فقال أبو حنيفة وأصحابه وعثمان البتى لا تقبل شهادة النساء مع الرجال، لا فى الحدود، ولا فى القصاص، وتقبل فيما عدا ذلك من سائر الحقوق.
لما روى عن عمر أنه أجاز شهادة النساء مع الرجال فى النكاح والطلاق والعتق ..
وقال مالك لا تجوز شهادة النساء مع الرجال فى الحدود والقصاص والطلاق والنكاح والانساب والولاء والاحضان.
وتجوز فى الوكالة والوصية اذا لم يكن فيها عتق.
وقال الثورى تجوز شهادتهن فى كل شئ الا الحدود.
وروى عنه أنها لا تجوز فى القصاص أيضا.
وقال الأوزاعى: لا تجوز شهادة رجل وامرأتين فى نكاح.
وقال الليث: تجوز شهادة النساء فى الوصية والعتق، ولا تجوز فى النكاح والطلاق والحدود وقتل العمد الذى يقاد منه.
стр. 3979
وقال الشافعى: لا تجوز شهادة النساء مع الرجال فى غير الأموال. ولا تجوز فى الوصية الا الرجل وتجوز فى الوصية بالمال.
وقال الجصاص ان ظاهر الآية يقتضى جواز شهادتهن مع الرجال فى سائر عقود المداينات وهى كل عقد واقع على دين سواء كان بدله مالا أو بضعا أو منافع أو دم عمد لأنه عقد فيه دين، اذ المراد وجود دين فى العقد عن بدل أى دين كان. فاقتضى ذلك جواز شهادة النساء مع الرجل على عقد نكاح فيه مهر مؤجل اذا كان ذلك عقد مداينة، وكذلك الصلح عن دم العمد والخلع على مال والاجارات. فمن ادعى خروج شئ من هذه العقود من ظاهر الآية لم يسلم له ذلك الا بدلالة اذا كان العموم مقتضيا لجوازها فى الجميع.
قوله تعالى «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» قال الجصاص: لما كانت ديانات الناس وأمانتهم وعدالتهم انما هى من طريق الظاهر دون الحقيقة، اذ لا يعلم الضمائر وخبايا الأمور غير الله تعالى.
ولذلك قال ممن ترضون من الشهداء فدل ذلك على أن أمر تعديل الشهود ومعرفة حالهم أمر موكول الى الاجتهاد وغالب الظن فى عدالتهم وصلاح طرائقهم.
وذلك يختلف باختلاف الأشخاص.
والمعتبر غالب الظن لا اليقين والعلم.
والذى بنى عليه أمر الشهادة ثلاثة أشياء.
أحدها: العدالة.
والثانى: نفى التهمة.
والثالث: التيقظ والحفظ وقلة الغفلة.
أما العدالة فأصلها الايمان، واجتناب الكبائر، ومراعاة حقوق الله فى الواجبات والمسنونات، وصدق اللهجة والأمانة، وألا يكون محدودا فى قذف.
وأما نفى التهمة فأن لا يكون المشهود له والدا ولا ولدا ولا زوجا ولا زوجة، وألا يكون قد شهد بهذه الشهادة فردت لتهمة .. فشهادة هؤلاء غير مقبولة لمن ذكرنا وان كانوا عدولا مرضيين.
وأما التيقظ والحفظ وقلة الغفلة فان لا يكون مغفلا غير مجرب للأمور، فان مثله ربما لقن الشئ فتلقنه وربما جوز عليه التزوير فشهد به.
فمن شرط الرضا للشهادة أن يكون الشاهد متيقظا حافظا لما يسمعه متقنا لما يؤديه.
ثم استطرد الجصاص الى ذكر أوصاف الشهود وما ينبغى أن يتوفر فى الشاهد.
وبين آراء الفقهاء واختلاف الأئمة فى ذلك، ثم عرض للأخذ بالشاهد واليمين، وذكر اختلاف الفقهاء فى ذلك وآراءهم والاستدلال لهم.
قوله تعالى: «وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾
стр. 3980
صغيرا أو كبيرا الى أجله، أى لا تملوا ولا تضجروا أن تكتبوا القليل الذى جرت العادة بتأجيله، والكثير الذى ندب فيه الكتابة والاشهاد.
فأبان أن حكم القليل المتعارف فيه التأجيل كحكم الكثير فيما ندب اليه من الكتابة والاشهاد.
قوله تعالى: «ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا» فيه بيان أن الغرض الذى من أجله أمر الله بالكتابة والاشهاد فى عقود المداينات هو التوثق والاحتياط للمتداينين عند التجاحد والاختلاف. فان ذلك أقسط وأعدل عند الله وأولى أن لا يقع فيه بينهم التظالم. وأنه مع ذلك أثبت للشهادة وأوضح مما لو لم تكتب وأقرب الى نفى الريبة والشك فيها.
فأبان الله جل وعلا أنه أمر بالكتابة والاشهاد، احتياطا لنا فى ديننا ودنيانا، ودفعا للتظالم والتجاحد فيما بيننا.
وأخبر سبحانه أن فى الكتابة من الاحتياط للشهادة ما نفى عنها الريب والشك، وأعدل عند الله من أن لا يكون مكتوبا فيرتاب الشاهد ويتحير أيقيم الشهادة على ما عنده من شك فيقدم على محظور أو لا يقيمها فيضيع حق الطالب.
قوله تعالى: «إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها﴾ (١)» يعنى البياعات التى يستحق كل واحد من الطرفين على صاحبه فيها تسليم ما عقد عليه من جهته بلا تأجيل. فأباح ترك الكتابة فيها.
وذلك توسعة منه جل وعز لعباده ورحمة بهم، لئلا يضيق عليهم أمر تبايعهم فى المأكول والمشروب والأقوات التى حاجتهم اليها ماسة فى أكثر الأوقات.
وقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» يقتضى عمومه الاشهاد على سائر عقود البياعات بالأثمان الآجلة والعاجلة.
وانما خص التجارات الحاضرة غير المؤجلة باباحة ترك الكتابة فيها.
فأما الاشهاد فهو مندوب اليه فى جميعها الا النزر اليسير الذى لم تجر العادة بالتوثق فيه بالاشهاد، نحو شراء الخبز والبقل والماء وما جرى مجرى ذلك.
وفى شراء مثل هذه الأمور والتبايع فيها بدون اشهاد فى عهد النبى ﷺ والصحابة والتابعين ومن بعدهم دليل على أن الأمر بالاشهاد وان كان ندبا وارشادا، الا أنه انما يكون فى البياعات المعقودة على ما يخشى فيه التجاحد من الأثمان الخطيرة والأبدال
стр. 3981
النفيسة، لما يتعلق بها من الحقوق لبعضهم على بعض من عيب ان وجد ورجوع ما يجب لمبتاعيه باستحقاق مستحق لجميعه أو بعضه ..
وكان المندوب اليه فيما تضمنته هذه الآية الكتابة والاشهاد على البياعات المعقودة على أثمان آجلة والاشهاد على البياعات الحاضرة دون الكتابة ..
وروى الليث عن مجاهد فى قوله تعالى وأشهدوا اذا تبايعتم قال: اذا كان نسيئة كتب واذا كان نقدا أشهد.
٢ - قال تعالى: «وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ (١)» وقد جاء فى تفسير (٢) القرطبى لهذه الآية ما يأتى:
الابتلاء الاختبار، والآية خطاب للجميع لبيان كيفية دفع أموال اليتامى اليهم.
وقيل: انها نزلت فى ثابت بن رفاعة وعمه.
وذلك أن رفاعة توفى وترك ابنه ثابتا صغيرا. فأتى عم ثابت هذا إلى النبى ﷺ فقال:
ان ابن اخى يتيم فى حجرى. فما يحل لى من ماله. ومتى أدفع اليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقد اختلف العلماء فى معنى الاختبار.
فقيل: هو أن يتأمل الوصى أخلاق يتيمه، ويستمع الى أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته والمعرفة بالسعى فى مصالحه، وضبط ماله، أو الاهمال لذلك، فاذا توسم الخير. قالوا: لا بأس أن يدفع اليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه.
فان نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار، ووجب على الوصى تسليم جميع ماله اليه.
وان أساء النظر فيه وجب عليه امساك ماله عنه.
وليس فى العلماء من يقول: انه اذا اختبر الصبى فوجده رشيدا ترتفع الولاية عنه، وأنه يجب دفع ماله اليه واطلاق يده فى التصرف فيه لقوله تعالى «حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ»﴾.
стр. 3982
وقال بعض الفقهاء: الصغير لا يخلو من أحد أمرين: اما أن يكون غلاما أو جارية.
فان كان غلاما رد النظر اليه فى نفقة الدار شهرا، أو اعطاه شيئا نزرا يتصرف فيه، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه، وهو مع ذلك يراعيه، لئلا يتلفه، فان أتلفه فلا ضمان على الوصى فاذا رآه متوخيا سلم اليه ماله وأشهد عليه.
وان كانت جارية رد اليها ما يرد الى ربة البيت من تدبير بيتها، والنظر فيه فى الاستغزال والاستقصاء على الغزالات فى دفع القطن وأجرته واستيفاء الغزل وجودته. فان رآها رشيدة سلم اليها مالها وأشهد عليها. والا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما.
وقال الحسن ومجاهد وغيرهما:
اختبروهم فى عقولهم وأديانهم وتنمية أموالهم.
قوله تعالى: «حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ» أى حال النكاح ووقته.
والبلوغ يكون بخمسة أشياء.
ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء:
وهى الاحتلام والانبات والسن.
واثنان يختصان بالنساء وهما الحيض والحبل.
أما الاحتلام والحيض والحبل لم يختلف العلماء فى أنها بلوغ.
أما الانبات فمختلف فى اعتباره بلوغا.
وأما السن فمختلف فى حد البلوغ منه ما هو وما مقداره.
قوله تعالى: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» اختلف العلماء فى تأويل الرشد.
فقال الحسن وقتادة وغيرهما: صلاحا فى العقل والدين.
وقال ابن عباس والسدى والثورى:
صلاحا فى العقل وحفظ المال.
قال سعيد بن جبير والشعبى: ان الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده، فلا يدفع الى اليتيم ماله وان كان شيخا حنى يؤنس منه رشده.
وهكذا قال الضحاك: لا يعطى اليتيم ماله وان بلغ مائة سنة حتى يعلم منه اصلاح ماله.
وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون الا بعد البلوغ وعلى أنه ان لم يرشد بعد
стр. 3983
بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر وان شاخ.
خلافا لأبى حنيفة الذى يقول: اذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطيه ما له ولو لم يرشد، لأنه يكون فى مثل هذه السن جدا.
وقد اختلفوا فى دفع المال الى المحجور عليه هل يحتاج الى السلطان أم لا؟
قال جماعة: لابد من رفعه الى السلطان وأن يثبت عنده رشده ثم يدفع اليه ماله.
وقال آخرون: لا حاجة الى رفعه الى السلطان وثبوت الرشد عنده، بل ذلك موكول الى اجتهاد الوصى واقتناعه برشد المحجور بعد الاختبار.
قال ابن عطية: والصواب فى أوصياء زماننا ألا يستغنى عن رفع الأمر الى السلطان وثبوت رشد المحجور عنده، لما حفظ من تواطؤ الأوصياء على أن يرشد الصبى ويبرأ المحجور عليه لسفهه وقلة تحصيله فى ذلك الوقت.
واذا سلم المال الى اليتيم بثبوت الرشد ووجوده، ثم عاد الى السفه بظهور تبذير وقلة تدبير عاد اليه الحجر عند مالك والشافعى فى أحد قوليه.
وقال أبو حنيفة: لا يعود الحجر.
ويجوز للوصى أن يصنع فى مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه فيه حال حياته من تجارة وابضاع وبيع وشراء، وعليه أن يؤدى الزكاة من سائر أمواله عن عين وحرث وماشية وفطرة، ويؤدى عنه أروش الجنايات وقيم المتلفات ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه، ويؤدى عنه الصداق، ويشترى له جارية يتسررها، ويصالح له وعليه على وجه النظر له.
واذا قضى الوصى بعض الغرماء وبقى من المال بقية تفى بما عليه من الدين كان فعل الوصى جائزا.
فان تلف باقى المال فلا شئ لباقى الغرماء على الوصى ولا على الذين اقتضوا ديونهم ..
وان اقتضى الغرماء جميع المال ثم أتى غرماء آخرون. فان كان عالما بالدين الباقى أو كان الميت معروفا بالدين الباقى ضمن الوصى لهؤلاء الغرماء ما كان يصيبهم فى المحاصة ورجع على الذين اقتضوا دينهم بذلك.
وان لم يكن عالما بالدين الباقى ولا كان الميت معروفا بذلك فلا شئ على الوصى.
стр. 3984
واذا دفع الوصى دين الميت بغير اشهاد ضمن.
وأما ان أشهد وطال الزمان حتى مات الشهود فلا شئ عليه.
وقد ذكر القرطبى فى كلامه على أحكام الوصى فى الانفاق وغيره عند قوله تعالى فى سورة البقرة «وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ» نقلا عن ابن كتانة: وله أن ينفق فى عرس اليتيم ما يصلح من صبغ وطيب ونحو ذلك ومصلحته بقدر حاله وحال من يزوج اليه، وبقدر كثرة ماله.
وكل ما فعله على وجه النظر فهو جائز.
وما فعله على وجه المحاباة وسوء النظر فهو غير جائز ..
ودل الظاهر على أن ولى اليتيم يعلمه أمر الدنيا والآخرة، ويستأجر له ويؤاجره ممن يعلمه الصناعات.
واذا وهب لليتيم شئ فللوصى أن يقبضه لما فيه من الاصلاح.
ولما ينفقه الوصى والكفيل من مال اليتيم حالتان:
حالة يمكن الاشهاد عليه فلا يقبل قوله الا ببينة.
وحالة لا يمكن الاشهاد عليه فقوله مقبول بغير بينة.
فمهما اشترى من العقار وما جرت العادة بالتوثق فيه لم يقبل قوله فيه بغير بينة.
قال ابن خويز منداد: ولذلك فرق أصحابنا بين أن يكون اليتيم فى دار الوصى ينفق عليه فلا يكلف الاشهاد على نفقته وكسوته، لأنه يتعذر عليه الاشهاد على ما يأكله ويلبسه فى كل وقت ولكن اذا قال: أنفقت نفقة لسنة قبل منه - وبين أن يكون اليتيم عند أمه أو حاضنته فيدعى الوصى أنه كان ينفق عليه أو كان يعطى الأم أو الحاضنة النفقة والكسوة فلا يقبل قوله على الأم أو الحاضنة الا ببينة أنها كانت تقبض ذلك مشاهرة أو مسانهة.
قوله تعالى: «وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)».
اختلف فى تفسير هذا القول على أقوال كثيرة.
فقيل: أن المراد من كان من الأوصياء على اليتامى غنيا بماله فليستعفف عن الأكل من مال اليتيم ولا يأخذ منه شيئا، وان كان فقيرا فليأكل بالمعروف أى بمقدار حاجة مثله غير متأثل مال الصغير ولا واق ماله بمال الصغير.
стр. 3985
وقيل: ان الأكل بالمعروف أن يأخذ من مال الصغير ما يحتاجه عند الحاجة على سبيل القرض ويرده، اذا قدر، وهو مروى عن عمر بن الخطاب.
ورد بأن الثابت عن السلف وفى الأحاديث أن للوصى الفقير أن يأخذ حاجته من مال الصغير دون اسراف ولا تبذير.
وقيل: ان الأكل من مال اليتيم كان مباحا بهذه الآية ثم نسخ الحكم بقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» وقوله:
«إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» ولا دليل على هذا النسخ ولا موجب له.
وقيل: ان المعنى ان من كان من الأوصياء غنيا بماله فليستعفف بغناه ولا يقرب مال اليتيم، ومن كان منهم فقيرا فليأكل من مال نفسه بقدر الكفاف حتى لا يحتاج الى مال الصغير.
وقيل غير هذا وذاك.
قوله تعالى: «فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ»﴾.
أمر الله تعالى بالاشهاد تنبيها على التحصين والتوثق وازالة للتهم.
وهذا الاشهاد مستحب عند طائفة من العلماء، فان القول قول الوصى لأنه أمين.
وقالت طائفة: هو فرض وهو ظاهر الآية: وليس الوصى بأمين حتى يقبل قوله كالوكيل اذا زعم أنه رد ما دفع اليه أو المودع اذا زعم رد الوديعة، وانما هو أمين الأب فلا يقبل قوله على غيره.
ألا ترى أن الوكيل لو ادعى أنه دفع لزيد ما أمره به الموكل لم يقبل قوله الا ببينة فكذلك الوصى.
ورأى عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه وابن جبير أن هذا الأشهاد انما هو على دفع الوصى فى يسره ما استقرضه من مال يتيمه حالة فقره. فالآية دليل على وجوب القضاء على من أكل من مال اليتيم والمعنى: فاذا اقترضتم أو أكلتم من مال اليتيم فأشهدوا اذا غرمتم وقضيتم ما أخذتموه والصحيح أن اللفظ يعم هذا وسواه: والظاهر أن المراد: اذا انفقتم شيئا على المولى عليه أو دفعتم اليه ماله فأشهدوا حتى يمكن اقامة البينة اذا وقع خلاف فى ذلك. فان كل مال قبض على وجه الأمانة باشهاد لا يبرأ منه قابضه الا بالاشهاد على دفعه لقوله تعالى:
«فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ» فاذا دفع المال لمن دفع اليه بغير اشهاد فلا يحتاج فى دفعه لاشهاد ان كان قبضه بغير اشهاد.
قوله تعالى: «وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً»﴾.
стр. 3986
أى كفى بالله حاسبا لأعمالكم ومجازيا عليها وفى هذا وعيد لكل جاحد حق.
وجاء فى تفسير أحكام القرآن لأبى بكر الجصاص الحنفى لهذه الآية ما يأتى:
قوله تعالى: «وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ (١)» يرى الجصاص أن الابتلاء يكون باذن الصغير الذى قارب البلوغ بالتجارة فى جزء من ماله، ليتدرب على التصرف فى المال، ويتعرف أمور التجارة وأحوال التجار، وطرق الكسب، فيتبعها، وطرق الخسارة فيتجنبها، فاذا بلغ وثبت رشده بحسن التصرف فى المال وتتميته دفع اليه المال وألا أبقاه عنده حتى يؤنس منه الرشد.
واستدل بما روى أن النبى ﷺ أمر عمر بن أبى سلمة وهو صغير بتزويج أمه أم سلمة اياه.
وفى رواية أنه أمر سلمة بن أبى سلمة وهو صغير بذلك.
وفى هذا دليل على جواز اذن الصغير بالتصرف الذى يملكه عليه غيره من بيع أو شراء.
وأما تأويل الابتلاء على معنى الاختبار فى عقولهم ودينهم فليس بشئ، لأن اعتبار الدين فى دفع المال غير واجب باتفاق الفقهاء، اذ لو كان رجلا فاسقا ضابطا لأموره عالما بالتصرف فى وجوه التجارات لم يجز أن يمنع ماله لأجل فسقه.
فعلمنا أن اعتبار الدين غير واجب. وان كان رجلا ذا دين وصلاح الا أنه غير ضابط لماله يغبن فى تصرفه كان ممنوعا من ماله عند القائلين بالحجر لضعف العقل فعلمنا أن اعتبار الدين فى ذلك لا معنى له.
والبلوغ يكون بالاحتلام أى بلوغ الحلم.
وايناس الرشد يكون بالعقل وحسن التصرف فى المال.
وقوله تعالى: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ» يقتضى وجوب دفع المال اليهم بعد البلوغ وايناس الرشد.
قوله تعالى: «وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ»﴾.
اختلف السلف فى تأويله.
فقيل: ان المحتاج من الأوصياء يأكل من مال اليتيم بالمعروف أى نظير عمله فيه ولا يأخذ شيئا من عين المال.
وقيل: ان استغنى استعفف وان احتاج أكل فى حدود الحاجة وقضى أن أيسر.
стр. 3987
وقيل يأخذ من مال اليتيم عند الحاجة ما يسد الجوعة ويستر العورة ولا يقضى اذا أيسر.
وقيل: من كان غنيا فليستغن بغناه، ومن كان فقيرا فليأكل من مال نفسه بالمعروف، حتى لا ينفذ ماله ويحتاج الى مال اليتيم.
«وقيل غير ذلك كله».
ويرى الجصاص أنه لا يحل للأوصياء أخذ شئ من أموال اليتامى مطلقا، وأن المراد بالأكل بالمعروف الأكل من مال نفسه بقدر حتى لا يحتاج الى مال اليتيم جمعا بين الآية والآيات المحكمة التى تنهى عن أكل أموال اليتامى وأكل أموال الغير بغير حق بالباطل وقوله تعالى:
﴿فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً»﴾.
قال أبو بكر: ان الايات التى تقدم ذكرها فى أمر الأيتام تدل على أن سبيل الأيتام أن يلى عليهم غيرهم فى حفظ أموالهم والتصرف عليهم فيها فيما يعود نفعه اليهم وهم: وصى الأب أو الجد ان لم يكن وصى أب. أو وصى الجد ان لم يكن أحد من هؤلاء. أو أمين حاكم عدل بعد أن يكون الأمين أيضا عدلا.
وكذلك شرط الأوصياء والجد والأب وكل من يتصرف على الصغير لا يستحق الولاية عليه الا أن يكون عدلا مأمونا.
فأما الفاسق والمتهم من الآباء والمرتشى من الحكام والأوصياء والأمناء غير المأمونين. فان واحدا من هؤلاء غير جائز له التصرف على الصغير.
ولا خلاف فى ذلك نعلمه .. ألا ترى أنه لا خلاف بين المسلمين فى أن القاضى اذا فسق بأخذ الرشوة أو بالميل الى الهوى وترك الحكم بالحق أنه يكون معزولا غير جائز الحكم. فكذلك حكم الله فيمن ائتمنه على أموال الأيتام من قاض أو وصى أو أمين أو حاكم فغير جائز ثبوت ولايته فى ذلك الا على شرط العدالة وصحة الأمانة.
وقد أمر الله تعالى أولياء الأيتام بالاشهاد عليهم بعد البلوغ بما يدفعون اليهم من أموالهم وفى ذلك ضروب من الأحكام.
أحدها: الاحتياط لكل واحد من اليتيم ووالى ماله.
فأما اليتيم فلأنه اذا قامت عليه البينة بقبض المال كان أبعد من أن يدعى ما ليس له.
وأما الوصى فلأن يبطل دعوى اليتيم بأنه لم يدفع المال اليه.
стр. 3988
كما أمر الله تعالى بالاشهاد على البيوع احتياطا للمتبايعين ووجه آخر فى الاشهاد وهو أن يظهر أداء أمانته وبراءة ساحته.
كما أمر النبى ﷺ الملتقط بالاشهاد على اللقطة فى حديث عياض بن حماد المجاشعى أن النبى ﷺ قال: «من وجد لقطة فليشهد ذوى عدل ولا يكتم ولا يغيب فأمره بالاشهاد لتظهر أمانته وتزول عنه التهمة.
وفى تصديق الوصى على دفع المال الى اليتيم يقول الجصاص: قال أبو حنيفة وأصحابه فى الوصى اذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال اليه - أنه يصدق وكذلك لو قال:
أنفقت عليه فى صغره صدق فى نفقة مثله. وكذلك لو قال: هلك المال.
وقال مالك: لا يصدق أنه دفع المال الى اليتيم وهو قول الشافعى، لأن الذى زعم أنه دفع المال اليه غير الذى ائتمنه كالوكيل بدفع المال الى غيره لا يصدق اذا قال دفعت الا ببينة وقد قال الله تعالى «فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ» ولو كان يصدق بقوله دون بينة ما أمر بالاشهاد.
ولكن ليس فى الأمر بالاشهاد دليل على أنه غير أمين وغير مصدق، لأن الاشهاد مندوب اليه فى الأمانات كهو فى المضمونات من الديون، فليس فى الأمر بالاشهاد دلالة على أنه غير مصدق اذا لم يشهد.
فان قيل: اذا كان مصدقا فى الرد فما معنى الاشهاد مع قبول قوله بغير بينة؟
قيل له فيه ما قدمنا ذكره من ظهور أمانته والاحتياط فى زوال التهمة عنه فى أن لا يدعى عليه بعد ما قد ظهر رده وفيه الاحتياط لليتيم فى أن لا يدعى ما يظهر كذبه فيه .. وفيه أيضا سقوط اليمين عن الوصى اذا كانت له بينة فى دفعه اليه ولو لم يشهد وادعى اليتيم أنه لم يدفعه كان القول قول الوصى مع يمينه واذا أشهد فلا يمين عليه.
فهذه المعانى كلها مضمنة بالاشهاد وان كان أمانة فى يده.
ويدل على أنه مصدق فيه بغير اشهاد واتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وامساكه على وجه الأمانة حتى يوصله الى اليتيم فى وقت استحقاقه فهو بمنزلة الودائع. والمضاربات وما جرى مجراها من الأمانات فوجب أن يكون مصدقا على الرد كما يصدق على رد الوديعة.
والدليل على أنه أمانة أن اليتيم لو صدقه على الهلاك لم يضمنه كما أن المودع لو صدق المودع فى هلاك الوديعة لم يضمنها.
وأما القول بأن الأوصياء لم يأتمنهم
стр. 3989
الأيتام وانما ائتمنهم الآباء فلم يصدقوا فى قولهم للايتام - فهو قول بعيد عن معانى الفقه ومنتقض، لأنه لو كان ما ذكره علة لنفى التصديق لوجب ألا يصدق القاضى اذا قال لليتيم قد دفعت المال اليك، لأنه لم يأتمنه. وكذلك فى الأب اذا قال بعد بلوغ الصغير: قد دفعت اليك مالك لا يصدقه لأنه لم يأتمنه.
ويلزم أيضا أن يجب عليهما الضمان اذا تصادقوا بعد البلوغ أنه قد هلك لأنه أمسك ماله من غير ائتمان له عليه.
وأما تشبيه الوصى بالوكيل بدفع المال الى غيره فتشبيه بعيد.
ومع ذلك فلا فرق بين الوصى والوكيل من الوجه الذى صدقنا فيه الوصى، لأن الوكيل مصدق أيضا فى براءة نفسه غير مصدق فى ايجاب الضمان ودفعه الى غيره. وانما لم يقبل قوله على المأمور بالدفع اليه. وأيضا فان الوصى فى معنى من يتصرف على اليتيم باذنه ألا ترى أنه يجوز تصرفه عليه فى البيع والشراء لجواز تصرف أبيه. فاذا كان امساك الوصى المال بائتمان الأب له عليه واذن الأب جائز على الصغير.
صار كأنه ممسك للمال بعد البلوغ باذنه فلا فرق بينه وبين المودع.
٣ - قال الله تعالى: «وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ (١)».
وقد جاء فى تفسير القرطبى لهذه الآية ما يأتى:
المراد بالفاحشة فى هذا الموضع الزنا. وقوله من «نسائكم» أى من نساء المسلمين. اضافة فى معنى الاسلام فلا تدخل الكافرة فى الحكم.
وقوله «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» أى من المسلمين.
فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعة تغليظا على المدعى وسترا على العباد.
وتعديل الشهود بالأربعة فى الزنا حكم ثابت فى التوراة والأنجيل والقرآن.
قال الله تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٢)».
وقال هنا «فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ..
стр. 3990
وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: جاءت اليهود إلى رسول الله ﷺ برجل وامرأة منهم قد زنيا. فقال النبى ﷺ «أئتونى بأعلم رجلين منكم» فأتوه بابنى صوريا. فنشدهما «كيف تجدان أمر هذين فى التوراة: قالا نجد فى التوراة اذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره فى فرجها مثل الميل فى المكحلة رجما قال النبى «فما يمنعكما أن ترجموهما قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل فدعا رسول الله ﷺ بالشهود - فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره فى فرجها مثل الميل فى المكحلة. فأمر رسول الله ﷺ برجمهما.
وقال قوم: انما كان الشهود فى الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق اذ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما.
وهذا ضعيف فان اليمين تدخل فى الأموال واللوث يعتبر فى القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا.
ولا بد أن يكون الشهود ذكورا لقوله «منكم».
ولا خلاف فيه بين الأمة وأن يكونوا عدولا، لأن الله تعالى شرط العدالة فى البيوع والرجعة وهذا أعظم وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيد بالدليل على ما هو مذكور فى أصول الفقه.
ولا يكونون ذمة وان كان الحكم على ذمية.
وسيأتى ذلك فى الشهادة على الوصية فى السفر. شهادة غير المسلم على المسلم «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ»﴾.
وقد ذكر المفسرون فى تفسير آية النور التى تقدم ذكرها أن من شرط أداء الشهود الشهادة عند مالك رحمه الله تعالى.
أن يكون ذلك فى مجلس واحد، فان افترقت لم تكن شهادة.
وقال عبد الملك: تقبل شهادتهم مجتمعين ومفترقين.
فرأى مالك تعبد وبه قال ابن الحسن.
ورأى عبد الملك أن المقصود أداء الشهادة واجتماعها وقد حصل.
وهو قول عثمان البتى وأبى ثور. واختاره ابن المنذر، لقوله تعالى: «ثم لم يأتوا بأربعة شهداء «وقوله» فاذ
стр. 3991
لم يأتوا بالشهداء ولم يذكر مفترقين ولا مجتمعين ..
فان تمت الشهادة ولكنهم لم يعدلوا فكان الحسن البصرى والشعبى يريان أن لا حد على الشهود ولا على المشهود عليهم وبه قال أحمد والنعمان ومحمد ابن الحسن.
وقال مالك: اذا شهد عليه أربعة بالزنا وكان أحدهم مسخوطا عليه (مردود الشهادة) أو عبدا يجلدون جميعا.
وقال سفيان الثورى وأحمد واسحاق فى أربعة عميان يشهدون على امرأة بالزنا يضربون.
فان رجع أحد الشهود وقد رجم المشهود عليه فى الزنى فقالت طائفة:
يغرم ربع الدية ولا شئ على الآخرين وكذلك قال قتادة وحماد وعكرمة وأبو هاشم ومالك وأحمد وأصحاب الرأى.
وقال الشافعى: ان قال تعمدت ليقتل فالأولياء بالخيار ان شاءوا قتلوا وان شاءوا عفوا وأخذوا ربع الدية وعليه الحد.
وقال الحسن البصرى: يقتل وعلى الآخرين ثلاثة أرباع الدية.
وقال ابن سيرين: اذا قال أخطأت وأردت غيره فعليه الدية كاملة. وان قال تعمدت قتل به. وبه قال ابن شبرمة.
وجاء فى تفسير أحكام القرآن لأبى بكر الجصاص الحنفى لهذه الاية ما يأتى:
- لم يختلف السلف فى أن ذلك كان حد الزانية فى بدء الاسلام وأنه منسوخ غير ثابت الحكم. روى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى هذه الآية: كان ذلك قبل أن تنزل آية النور «الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» وقد نسخت حكم هذه الاية فى العقوبة.
وقد اختلف السلف فى معنى السبيل المذكور فى هذه الاية.
فروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السبيل الذى جعله لهن الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن.
وعن قتادة مثل ذلك.
وروى عن مجاهد فى بعض الروايات (أو ويجعل الله لهن سبيلا) أو يضعن ما فى بطونهن.
وهذا لا معنى له، لأن الحكم كان عاما فى الحامل والحائل فالواجب أن يكون السبيل مذكورا لهن جميعا.
стр. 3992
وقد بين النبى ﷺ ذلك السبيل وهو الجلد والرجم. ونسخ جميع ما ذكر فى الاية الا ما ذكر من استشهاد أربعة شهود فان اعتبار عدد الشهود باق فى الحد الذى نسخ به الحدان الأولان وهو الجلد والرجم. وقد بين الله تعالى ذلك فى قوله سبحانه «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (١)».
وقوله «لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون» فلم ينسخ اعتبار العدد فى الشهود ولم ينسخ الاستشهاد أيضا.
وهذا يوجب جواز احضار الشهود والنظر الى الزانيين لاقامة الحد عليهما لأن الله تعالى أمر بالاستشهاد على الزنا وذلك لا يكون الا بتعمد النظر، فدل ذلك على أن تعمد النظر الى الزانيين لاقامة الحد عليهما لا يسقط الشهادة.
وكذلك فعل أبو بكر وعمر مع شبل ابن معبد ونافع بن الحارث وزياد فى قصة المغيرة بن شعبة. وذلك موافق لظاهر الاية.
وقد ذكر المفسرون فى تفسير قوله تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً»﴾. ان أصحابنا لم يختلفوا أن الشهود اذا كانوا كفارا أو عبيدا أو عميانا أو محدودين فى قذف فانهم يجدون جميعا ولا يحد المشهود عليه.
أما اذا كانوا فساقا فقد اختلف الفقهاء هل يحد الشهود أو لا.
كما اختلفوا فى حد المشهود عليه بهذه الشهادة.
واختلف الفقهاء أيضا فيما اذا جاء الشهود متفرقين وأدوا شهادتهم كذلك.
فقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعى: لا تقبل شهادتهم ويحدون ولا يحد المشهود عليه بالزنا.
وقال عثمان البتى والشافعى تقبل شهادتهم ولا يحدون ويحد المشهود عليه.
٤ - قال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ٢ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذاً﴾
стр. 3993
﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ. فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ»﴾.
وقد جاء فى تفسير القرطبى لهذه الآيات ما يأتى روى البخارى والدارقطنى وغيرهما أن هذه الآيات نزلت فى تميم الدارى وعدى ابن بداء. وكانا نصرانيين يختلفان بتجارتهما الى الشام. فخرج معهما مولى لبنى سهم يقال له بديل بن أبى مريم بتجارة منها جام من فضة منقوش بالذهب وكان مسلما فمرض بأرض ليس بها مسلم. فأوصى اليهما وتوفى بتلك الأرض. فدفعا تركته الى أهله وحبسا الجام وباعاه واقتسما ثمنه. ورفع ورثة السهمى الأمر إلى رسول الله ﷺ واختصموا الوصيين فاستحلفهما ﵇ «ما كتمتما ولا لطلعتما» ثم وجد الجام بمكة وعرف أن الوصيين قد باعاه. فحلف اثنان من ورثة السهمى أن هذا الجام للسهمى ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآية.
وذكر أن تميم الدارى قد أسلم بعد الحادثة وتأثم وأخبر ورثة السهمى بما كان.
قوله تعالى: «شهادة بينكم» اختار ابن عطية أن الشهادة هنا هى الشهادة التى تحفظ لتؤدى وضعف كونها بمعنى الحضور واليمين ..
والمعنى: اذا قارب أحدكم الموت وحان وقت الوصية فشهادة ما بينكم فى الوصايا شهادة اثنين ذوى عدل منكم أو آخرين من غيركم. فذوا عدل صفة (اثنان) ومن غيركم صفة لآخرين. وهذا الفصل هو المشكل فى هذه الآية.
والتحقيق أن يقال فيه: اختلف العماء فيه على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الكاف والميم فى قوله «منكم ضمير للمسلمين» وآخران من غيركم «للكافرين».
فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة فى السفر اذا كانت وصية. وهو الأشبه بسياق الآية مع ما تقرر من الأحاديث.
وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل وهم: أبو موسى الأشعرى وعبد الله بن قبس وعبد الله بن عباس.
فمعنى الآية على هذا القول: ان الله تعالى أخبر أن حكمه فى الشهادة على الموصى اذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين.
فان كان فى سفر وهو الضرب فى الأرض ولم يكن معه أحد من المؤمنين. فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر.
стр. 3994
فاذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بدلا وأن ما شهدا به حق وما كتما فيه شهادة.
وحكم بشهادتهما.
فان عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو اثم حلف رجلان من أولياء الموصى فى السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما.
هذا معنى الآية على هذا المذهب.
وهو رأى كثير من التابعين ومن تبعهم.
وقال به من الفقهاء سفيان الثورى ومال اليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من قال به
واختاره أحمد بن حنبل وقال: شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين فى السفر عند عدم المسلمين كلهم يقول «منكم» من المؤمنين ومعنى من «غيركم» يعنى الكفار.
قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن الا بالمدينة وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة.
والآية محكمة على رأى أبى موسى وشريح وغيرهما.
والثانى: ان قوله سبحانه «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» منسوخ.
وهذا قول زيد بن أسلم والنخعى ومالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم من الفقهاء.
واحتجوا بقوله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» وقوله تعالى «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ»﴾.
وقد قالوا ان آية الدين من آخر القرآن نزولا وأن فيها «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» فهو ناسخ لحكم هذه الآية وهو جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين، وقد كان هذا الحكم وقت أن لم يكن اسلام الا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب على المسلمين. أما اليوم فقد انتشر الاسلام وطبق الأرض فسقطت شهادة الكفار ولم يبق ما يدعو الى قبولها.
وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم.
وقد اختلفوا بعد ذلك فيما بينهم.
فذهب أبو حنيفة الى جواز شهادة الكفار بعضهم على بعض وان اختلفت مللهم ومذاهبهم لأن الكفر كله ملة واحدة.
وذهب الباقون الى عدم جواز شهادتهم على بعضهم اذا اختلفت الملة - والكل لا يجيز شهادتهم على المسلمين فى أى حال.
ثم قال القرطبى: قلت ما ذكرتموه صحيح الا أنا نقول بموجبه وأن ذلك جائز فى شهادة أهل الذمة على المسلمين فى الوصية فى السفر
стр. 3995
خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم أما مع وجود مسلم فلا. ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل.
وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة وليس ذلك فى غيره ومخالفة الصحابة الى غيرهم ينفر عنه أهل العلم.
ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: أنه لا منسوخ فيها. ودعوى النسخ لا تصح اذ لا بد فيه من اثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخى الناسخ.
وما ذكروه على أنه ناسخ ورد فى قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة ..
ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات.
وقد يكون للكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة. فليس فيما قالوه ناسخ.
الثالث - أن الآية لا نسخ فيها قاله الزهرى والحسن وعكرمة.
ومعنى قوله: منكم أى من عشيرتكم وقرابتكم، لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان.
ومعنى قوله «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» أى من غير القرابة والعشيرة.
وعورض هذا بأن الخطاب فى أول الآية المؤمنين «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فكان الخطاب فى قوله منكم للمؤمنين أى من المؤمنين وكان الخطاب فى قوله من غيركم للمؤمنين أى من غير المؤمنين.
وقد استدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض مهما اختلفت مذاهبهم لأن الكفر كله ملة واحدة - لأن معنى قوله «أو آخران من غيركم» من غير المؤمنين.
فالآية بظاهرها تدل على جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين وتدل بمفهومها على جواز شهادتهم على بعضهم البعض -
وقد دل الدليل على عدم جواز شهادتهم على المسلمين وهو الآيات الدالة على اشتراط العدالة والناسخة لهذا الحكم على ما أشير اليه. فبقيت شهادتهم على بعضهم فى مكان الجواز بدون مانع.
وجاء فى تفسير أحكام القرآن لأبى بكر الجصاص الحنفى ما يأتى: اختلف فى معنى الشهادة فى قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ»﴾.
فقال قائلون هى الشهادة على الوصية فى السفر، وأجازوا بها شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر ..
روى الشعبى عن أبى موسى أن رجلا مسلما توفى بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهد على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فأحلفهما أبو موسى بعد العصر بالله ما خانا