← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

لم يأتوا بالشهداء ولم يذكر مفترقين ولا مجتمعين .. فان تمت الشهادة ولكنهم لم يعدلوا فكان الحسن البصرى والشعبى يريان أن لا حد على الشهود ولا على المشهود عليهم وبه قال أحمد والنعمان ومحمد ابن الحسن. وقال مالك: اذا شهد عليه أربعة بالزنا وكان أحدهم مسخوطا عليه (مردود الشهادة) أو عبدا يجلدون جميعا. وقال سفيان الثورى وأحمد واسحاق فى أربعة عميان يشهدون على امرأة بالزنا يضربون. فان رجع أحد الشهود وقد رجم المشهود عليه فى الزنى فقالت طائفة: يغرم ربع الدية ولا شئ على الآخرين وكذلك قال قتادة وحماد وعكرمة وأبو هاشم ومالك وأحمد وأصحاب الرأى. وقال الشافعى: ان قال تعمدت ليقتل فالأولياء بالخيار ان شاءوا قتلوا وان شاءوا عفوا وأخذوا ربع الدية وعليه الحد. وقال الحسن البصرى: يقتل وعلى الآخرين ثلاثة أرباع الدية. وقال ابن سيرين: اذا قال أخطأت وأردت غيره فعليه الدية كاملة. وان قال تعمدت قتل به. وبه قال ابن شبرمة. وجاء فى تفسير أحكام القرآن لأبى بكر الجصاص الحنفى لهذه الاية ما يأتى: - لم يختلف السلف فى أن ذلك كان حد الزانية فى بدء الاسلام وأنه منسوخ غير ثابت الحكم. روى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى هذه الآية: كان ذلك قبل أن تنزل آية النور «الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» وقد نسخت حكم هذه الاية فى العقوبة. وقد اختلف السلف فى معنى السبيل المذكور فى هذه الاية. فروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السبيل الذى جعله لهن الجلد لغير المحصن والرجم للمحصن. وعن قتادة مثل ذلك. وروى عن مجاهد فى بعض الروايات (أو ويجعل الله لهن سبيلا) أو يضعن ما فى بطونهن. وهذا لا معنى له، لأن الحكم كان عاما فى الحامل والحائل فالواجب أن يكون السبيل مذكورا لهن جميعا.

стр. 3992

وقد بين النبى ﷺ ذلك السبيل وهو الجلد والرجم. ونسخ جميع ما ذكر فى الاية الا ما ذكر من استشهاد أربعة شهود فان اعتبار عدد الشهود باق فى الحد الذى نسخ به الحدان الأولان وهو الجلد والرجم. وقد بين الله تعالى ذلك فى قوله سبحانه «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (١)». وقوله «لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون» فلم ينسخ اعتبار العدد فى الشهود ولم ينسخ الاستشهاد أيضا. وهذا يوجب جواز احضار الشهود والنظر الى الزانيين لاقامة الحد عليهما لأن الله تعالى أمر بالاستشهاد على الزنا وذلك لا يكون الا بتعمد النظر، فدل ذلك على أن تعمد النظر الى الزانيين لاقامة الحد عليهما لا يسقط الشهادة. وكذلك فعل أبو بكر وعمر مع شبل ابن معبد ونافع بن الحارث وزياد فى قصة المغيرة بن شعبة. وذلك موافق لظاهر الاية. وقد ذكر المفسرون فى تفسير قوله تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً»﴾. ان أصحابنا لم يختلفوا أن الشهود اذا كانوا كفارا أو عبيدا أو عميانا أو محدودين فى قذف فانهم يجدون جميعا ولا يحد المشهود عليه. أما اذا كانوا فساقا فقد اختلف الفقهاء هل يحد الشهود أو لا. كما اختلفوا فى حد المشهود عليه بهذه الشهادة. واختلف الفقهاء أيضا فيما اذا جاء الشهود متفرقين وأدوا شهادتهم كذلك. فقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعى: لا تقبل شهادتهم ويحدون ولا يحد المشهود عليه بالزنا. وقال عثمان البتى والشافعى تقبل شهادتهم ولا يحدون ويحد المشهود عليه. ٤ - قال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ٢ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذاً﴾

стр. 3993

﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ. فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ»﴾. وقد جاء فى تفسير القرطبى لهذه الآيات ما يأتى روى البخارى والدارقطنى وغيرهما أن هذه الآيات نزلت فى تميم الدارى وعدى ابن بداء. وكانا نصرانيين يختلفان بتجارتهما الى الشام. فخرج معهما مولى لبنى سهم يقال له بديل بن أبى مريم بتجارة منها جام من فضة منقوش بالذهب وكان مسلما فمرض بأرض ليس بها مسلم. فأوصى اليهما وتوفى بتلك الأرض. فدفعا تركته الى أهله وحبسا الجام وباعاه واقتسما ثمنه. ورفع ورثة السهمى الأمر إلى رسول الله ﷺ واختصموا الوصيين فاستحلفهما ﵇ «ما كتمتما ولا لطلعتما» ثم وجد الجام بمكة وعرف أن الوصيين قد باعاه. فحلف اثنان من ورثة السهمى أن هذا الجام للسهمى ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآية. وذكر أن تميم الدارى قد أسلم بعد الحادثة وتأثم وأخبر ورثة السهمى بما كان. قوله تعالى: «شهادة بينكم» اختار ابن عطية أن الشهادة هنا هى الشهادة التى تحفظ لتؤدى وضعف كونها بمعنى الحضور واليمين .. والمعنى: اذا قارب أحدكم الموت وحان وقت الوصية فشهادة ما بينكم فى الوصايا شهادة اثنين ذوى عدل منكم أو آخرين من غيركم. فذوا عدل صفة (اثنان) ومن غيركم صفة لآخرين. وهذا الفصل هو المشكل فى هذه الآية. والتحقيق أن يقال فيه: اختلف العماء فيه على ثلاثة أقوال: الأول: أن الكاف والميم فى قوله «منكم ضمير للمسلمين» وآخران من غيركم «للكافرين». فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة فى السفر اذا كانت وصية. وهو الأشبه بسياق الآية مع ما تقرر من الأحاديث. وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل وهم: أبو موسى الأشعرى وعبد الله بن قبس وعبد الله بن عباس. فمعنى الآية على هذا القول: ان الله تعالى أخبر أن حكمه فى الشهادة على الموصى اذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين. فان كان فى سفر وهو الضرب فى الأرض ولم يكن معه أحد من المؤمنين. فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر.

стр. 3994

فاذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بدلا وأن ما شهدا به حق وما كتما فيه شهادة. وحكم بشهادتهما. فان عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو اثم حلف رجلان من أولياء الموصى فى السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما. هذا معنى الآية على هذا المذهب. وهو رأى كثير من التابعين ومن تبعهم. وقال به من الفقهاء سفيان الثورى ومال اليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من قال به واختاره أحمد بن حنبل وقال: شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين فى السفر عند عدم المسلمين كلهم يقول «منكم» من المؤمنين ومعنى من «غيركم» يعنى الكفار. قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن الا بالمدينة وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة. والآية محكمة على رأى أبى موسى وشريح وغيرهما. والثانى: ان قوله سبحانه «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» منسوخ. وهذا قول زيد بن أسلم والنخعى ومالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم من الفقهاء. واحتجوا بقوله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» وقوله تعالى «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ»﴾. وقد قالوا ان آية الدين من آخر القرآن نزولا وأن فيها «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» فهو ناسخ لحكم هذه الآية وهو جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين، وقد كان هذا الحكم وقت أن لم يكن اسلام الا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب على المسلمين. أما اليوم فقد انتشر الاسلام وطبق الأرض فسقطت شهادة الكفار ولم يبق ما يدعو الى قبولها. وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم. وقد اختلفوا بعد ذلك فيما بينهم. فذهب أبو حنيفة الى جواز شهادة الكفار بعضهم على بعض وان اختلفت مللهم ومذاهبهم لأن الكفر كله ملة واحدة. وذهب الباقون الى عدم جواز شهادتهم على بعضهم اذا اختلفت الملة - والكل لا يجيز شهادتهم على المسلمين فى أى حال. ثم قال القرطبى: قلت ما ذكرتموه صحيح الا أنا نقول بموجبه وأن ذلك جائز فى شهادة أهل الذمة على المسلمين فى الوصية فى السفر

стр. 3995

خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم أما مع وجود مسلم فلا. ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل. وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة وليس ذلك فى غيره ومخالفة الصحابة الى غيرهم ينفر عنه أهل العلم. ويقوى هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: أنه لا منسوخ فيها. ودعوى النسخ لا تصح اذ لا بد فيه من اثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخى الناسخ. وما ذكروه على أنه ناسخ ورد فى قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة .. ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات. وقد يكون للكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة. فليس فيما قالوه ناسخ. الثالث - أن الآية لا نسخ فيها قاله الزهرى والحسن وعكرمة. ومعنى قوله: منكم أى من عشيرتكم وقرابتكم، لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان. ومعنى قوله «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» أى من غير القرابة والعشيرة. وعورض هذا بأن الخطاب فى أول الآية المؤمنين «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فكان الخطاب فى قوله منكم للمؤمنين أى من المؤمنين وكان الخطاب فى قوله من غيركم للمؤمنين أى من غير المؤمنين. وقد استدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض مهما اختلفت مذاهبهم لأن الكفر كله ملة واحدة - لأن معنى قوله «أو آخران من غيركم» من غير المؤمنين. فالآية بظاهرها تدل على جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين وتدل بمفهومها على جواز شهادتهم على بعضهم البعض - وقد دل الدليل على عدم جواز شهادتهم على المسلمين وهو الآيات الدالة على اشتراط العدالة والناسخة لهذا الحكم على ما أشير اليه. فبقيت شهادتهم على بعضهم فى مكان الجواز بدون مانع. وجاء فى تفسير أحكام القرآن لأبى بكر الجصاص الحنفى ما يأتى: اختلف فى معنى الشهادة فى قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ»﴾. فقال قائلون هى الشهادة على الوصية فى السفر، وأجازوا بها شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر .. روى الشعبى عن أبى موسى أن رجلا مسلما توفى بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهد على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فأحلفهما أبو موسى بعد العصر بالله ما خانا

стр. 3996

ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وأنها لوصية الرجل وتركته .. فأمضى أبو موسى شهادتهما وقال: هذا أمر لم يكن بعد هذا الذى كان فى عهد رسول الله ﷺ . وقال آخرون أن معنى الشهادة فى قوله: «شهادة بينكم» حضور الوصيين الوصية حين الوفاة من قولك شهدته اذا حضرته. وقال آخرون انما الشهادة هنا ايمان الوصية بالله اذا ارتاب الورثة بهما وهو قول مجاهد. والذى فعله أبو موسى يدل على أن المراد بها الشهادة على الوصية فى السفر التى تثبت بها عند الحكام، وأن هذا حكم ثابت غير منسوخ. وروى مثله عن شريح. وهو قول الثورى وابن أبى ليلى. وهذا المعنى هو المتبادر من لفظ الشهادة. اذا أطلق كما فى قوله تعالى «وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ» وقوله «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ» وقوله «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» يفهم منها الشهادات على الحقوق. وقوله (أو آخران من غيركم) معناه من غير ملتكم وليس من غير قبيلتكم كما ذهب البعض، لأن الخطاب فى الاية للمؤمنين ولم يجر ذكر للقبيلة حتى ترجع اليه الكناية. والكناية انما ترجع الى مذكور فى الخطاب أو معلوم بدلالة الحال - فاقتضت الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر. وقد ورد فى تأويل الآية عن عبد الله ابن مسعود وأبى موسى وشريح وعكرمة وقتادة وجوه مختلفة. وأشبهها بمعنى الآية ما روى عن ابن عباس قال: خرج رجل من بنى سهم مع تميم الدارى وعدى بن بداء فمات السهمى بأرض ليس بها مسلم فلما قدما بتركته فقدوا جام فضة مخوصا بالذهب. فاحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجد الجام بمكة فقالوا اشتريناه من تميم وعدى فقام رجلان من أولياء السهمى فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم. قال نزلت فيهم «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ فاحلفهما رسول الله ﷺ ندبا، لأن الورثة اتهموهما بأخذه ثم لما ادعيا أنهما اشتريا الجام من الميت استحلف الورثة وجعل القول قولهم وأخذوا الجام. ويشير أبو موسى فى قوله فى حادثة الرجل الذى بدقوقا وقبوله شهادة الكتابيين على وصيته - هذا أمر لم يكن بعد الذى كان فى عهد رسول الله ﷺ يشير بذلك الى هذه القصة. واختلفوا فى بقاء حكم جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر.

стр. 3997

فقال أبو موسى وشريح وثابت. وروى عن زيد بن أسلم فى قوله تعالى «شَهادَةُ بَيْنِكُمْ» قال: كان ذلك فى رجل توفى وليس عنده أحد من أهل الاسلام وذلك فى أول الاسلام والأرض حرب والناس كفار الا أن رسول الله ﷺ بالمدينة فكان الناس يتوارثون بالمدينة بالوصية. ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها. وروى عن ابراهيم النخعى قال: ان هذه الآية منسوخة نسخها قوله تعالى «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وروى أن المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها. وعن عائشة قالت: المائدة من آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فاستحرموه. وروى أبو اسحاق عن أبى ميسرة قال: فى المائدة ثمانى عشرة فريضة وليس فيها منسوخ. والذى يقتضيه ظاهر الآية جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر، سواء كان فى الوصية بيع أو اقرار بدين، أو وصية بشئ، أو هبة أو صدقة، هذا كله يشتمل عليه اسم الوصية اذا عقده فى مرضه. وعلى أن الله تعالى أجاز شهادتهما على الوصية فانه لم يخصص بها الوصية دون غيرها. وحين الوصية قد يكون اقرار بدين أو بمال عين وغيره ولم تفرق الآية بين شئ منه .. ثم قد روى أن آية الدين من آخر ما نزل من القرآن. وان كان قوم قد ذكروا أن المائدة من آخر ما نزل وليس يمتنع أن يريدوا بقولهم من آخر ما نزل من آخر سورة نزلت فى الجملة لا على أن كل آية منها من آخر ما نزل. وان كان كذلك وأن آية الدين من آخر ما نزل. فان آية الدين لا محالة ناسخة لجواز شهادة أهل الذمة على الوصية فى السفر، لقول الله فيها «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ (١)» وهم المسلمون لا محالة، لأن الخطاب فى أول الآية موجه للمؤمنين «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ٢ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» ولم يخصص بها حال الوصية دون غيرها فهى عامة فى جميع الأحوال. وقال «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» وليس الكفار بمرضيين فى الشهادة على المسلمين. فتضمنت آية الدين نسخ شهادة أهل الذمة على وصية المسلم. ومن حيث دلت على جوازها على وصية المسلم فى السفر فهى دالة على جوازها على وصية الذمى. ثم نسخ فيها جوازها على وصية المسلم بآية الدين وبقى حكمها على وصية الذمى فى السفر وغيره اذ كانت حالة السفر

стр. 3998

والحضر سواء فى حكم الشهادات، وعلى جواز شهادة الوصيين على الوصية من الميت، لأن فى التفسير أن الميت أوصى اليهما وأنهما شهدا على وصيته .. ودلت الآية كذلك على أن القول قول الوصى فيما فى يده للميت مع يمينه، لأن الوصيين استحلفا على ذلك. ودلت على أن دعوى الوصيين شراء شئ من الميت غير مقبولة الا ببينة. وعلى أن القول قول الورثة أن الميت لم يبع شيئا منهما مع ايمانهم. ٥ - قال الله تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)». «وقد جاء فى تفسير القرطبى لهاتين الآيتين ما يأتى: نزلت هذه الآية فى القاذفين. قال سعيد بن جبير: كان سببها ما قيل فى عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها فى حادث الافك. وقيل: بل نزلت بسبب القذفة عامة لا فى تلك النازلة. وقال ابن المنذر: لم نجد فى أخبار رسول الله ﷺ خبرا يدل على تصريح القذف. وظاهر كتاب الله مستفتى به دالا على القذف الذى يوجب الحد وأهل العلم على ذلك مجمعون. وذكر الله فى الآية النساء من حيث هن أهم ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس. وقذف الرجال داخل فى حكم الآية بالمعنى. والمحصنات العفائف فى هذا الموضع. وقد ذكر الاحصان فى الكتاب الكريم بمعانى العفة والحرية والاسلام والتزوج والاتفاق على أن القذف بصريح الزنى يوجب الحد. والخلاف فى التعريض قال مالك هو قذف. وقال الشافعى وأبو حنيفة لا يكون قذفا حتى يقول: أردت به القذف. وجمهور العلماء على أن من قذف رجلا أو امرأة من أهل الكتاب لا حد عليه. وقال الزهرى وسعيد بن المسيب وابن أبى ليلى: عليه الحد اذا كان لها ولد من مسلم. وقال بعضهم: اذا قذف نصرانية تحت مسلم عليه الحد. «ثم لم يأتوا بأربعة شهداء» الذى يفتقر الى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو الزنى رحمة بعباده

стр. 3999

وسترا لهم، اذ قلما يجتمع هذا العدد على رؤية هذه الجريمة على وجه توجب الشهادة به ثبوت الزنى ويقتضى الحد. واختلفوا فيما اذا جاء الشهود وأدوا شهادتهم فى مجلس القضاء متفرقين. فقال مالك: لا تقبل الشهادة اذ أخرجها التفرق من أن تكون شهادة الزنا المطلوب فيها الاجتماع. وقيل: تقبل، لأن المقصود أداء الشهادة عند القاضى وقد حصل. وليس فى نص الآية ولا فى غيرها من الآيات الواردة فى شأن الشهادة على الزنا ما يشير الى الاجتماع أو الانفراد. فيستوى أن تكون على هذا أو ذاك. فان تمت الشهادة ولكن لم يعدل الشهود فكان الحسن البصرى والشعبى يريان أن لا حد على الشهود ولا على المشهود عليهم. وبه قال أحمد والنعمان ومحمد بن الحسن. وقال مالك اذا شهد عليه أربعة بالزنى وكان أحدهم عبدا أو مردود الشهادة يجلدون جميعا حد القذف. وقال سفيان الثورى وأحمد واسحاق فى أربعة عميان يشهدون على امرأة بالزنى يضربون. وحكم شهادة الأربعة أن تكون على معاينة يرون ذلك كالمرود فى المكحلة على ما تقدم. وأن تكون فى موطن واحد على قول مالك. وان اضطرب واحد منهم جلد الثلاثة كما فعل عمر فى أمر المغيرة بن شعبة وذلك أنه شهد عليه بالزنى أبو بكرة نفيع ابن الحارث وأخوه نافع. وقال الزهرى: عبد الله بن الحارث وزياد أخوهما من الأم وهو مستحلق بمعاوية وشبل ابن معبد البجلى فجاء الثلاثة وأدوا الشهادة وتوقف زياد فجلد عمر الثلاثة المذكورين. «وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» حكم عليهم بأنهم فاسقون أى خارجون عن طاعة الله «إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا» استثناء. والمعنى ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا الا الذين تابوا وأصلحوا من بعد القذف «فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ». فتضمنت الآية ثلاثة أحكام فى القاذف: جلده ورد شهادته أبدا وفسقه. والاستثناء غير عامل فى جلده باجماع. الا ما روى عن الشعبى. وعامل فى فسقه باجماع.

стр. 4000

واختلف الناس فى عمله فى رد الشهادة. قال شريح وابراهيم النخعى والحسن البصرى وأبو حنيفة: لا يعمل الاستثناء فى رد شهادته، وانما يزول بالتوبة فسقه عند الله تعالى، وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة ولو تاب وأكذب نفسه. وقال الجمهور: الاستثناء عامل فى رد الشهادة، فاذا تاب القاذف قبلت شهادته وانما كان ردها لعلة الفسق وقد زال بالتوبة فتقبل قبل الحد وبعده. وهو قول عامة الفقهاء. وهل التوبة تحصل باكذاب القاذف نفسه فى القذف الذى حد فيه أو بالصلاح وحسن الحال وان لم يرجع عن قذفه. بالأول قال عمر وفعله فى حادثة المغيرة. وبالثانى قال مالك. ويروى عن الشعبى أن الاستثناء يعمل فى الأحكام الثلاثة فاذا تاب وظهرت توبته لم يحد وقبلت شهادته وزال عنه التفسيق. لأنه قد صار ممن يرضى من الشهداء. وقد قال الله «وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى»﴾. وهل تسقط شهادة القاذف بنفس القذف أو بالحد خلاف؟ قال الليث والأوزاعى والشافعى ترد شهادته بالقذف وان لم يحد للفسق اذ القذف من الكبائر. واذا تاب فعلى أى شئ تقبل توبته؟ قيل: تقبل فى كل شئ مطلقا حتى ما حد فيه، وكذلك كل من حد فى شئ من زنى أو قذف. وقيل: تقبل فى غير ما حد فيه فمن حد فى زنى أو قذف لا تقبل شهادته فى مثل ما حد فيه. والخلاف فى قبول شهادة المحدود فى القذف وعدم قبولها مبنى على الخلاف فى أن الاستثناء والشرط والصفة بعد جمل معطوفة يعود الى الجميع أو الى الأخير. فعند مالك والشافعى وأصحابهما يعود الى الجميع. وعند أبى حنيفة وأكثر أصحابه يعود الى أقرب مذكور منه وهو فى الآية الفسق. وذلك بناء على أن هذه الجمل المتعاطفة لها حكم الجملة الواحدة، لأن العطف شرك بينها فى الحكم أو لكل جملة حكم نفسها فى الاستقلال. وحرف العطف محسن لا مشرك. وهو الصحيح فى عطف الجمل لجواز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض.

стр. 4001

وجاء فى تفسير أحكام القرآن لأبى بكر الجصاص فى هاتين الآيتين ما يأتى: اتفق الفقهاء على أن قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ» قد أريد به الرمى بالزنا وان كان فى فحوى اللفظ دلالة عليه من غير نص، وذلك لأنه لما ذكر المحصنات وهن هنا العفائف دل ذلك على أن المراد بالرمى رميها بضد العفاف وهو الزنا. ووجه آخر وهو قوله تعالى «ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ» على صحة ما رموا به. ومعلوم أن هذا العدد من الشهود انما هو مشروط فى الزنا، فدل على أن رمى المحصنات فى الآية انما هو بالزنا. ويدل ذلك على معنى آخر وهو أن الرمى لابد أن يكون بصريح الزنا. وقد أجمعوا على أن الرمى بالزنا مراد بهذه الآية فكان ذلك بمنزلة ذكره فى اللفظ. وقد اختلفوا فى التعريض بالزنا. فقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعى لا حد فيه. وقال مالك فيه الحد. ويروى أن عمر بن الخطاب استشار الصحابة وحد فى التعريض بقول شخص لأخر والله ما أبى بزان ولا أمى بزانية. واختلف - هل يحد قاذف المجنون والصبى أو لا يحد. فقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن ابن صالح والشافعى: لا حد على قاذف المجنون والصبى. وقال مالك. لا يحد قاذف الصبى وان كان مثله يجامع اذا لم يبلغ ويحد قاذف الصبية اذا كان مثلها تجامع وان لم تبلغ ويحد قاذف المجنون. قوله تعالى «وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ»﴾. حكم الله تعالى فى القاذف اذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام. أحدها: جلد ثمانين. والثانى: بطلان الشهادة. والثالث: الحكم بتفسيقه الى أن يتوب. واختلف أهل العلم فى لزوم هذه الأحكام له وثبوتها عليه بالقذف بعد اتفاقهم على وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن اقامة البينة على الزنا. فقال قائلون: قد بطلت شهادته ولزمته سمة الفسق قبل اقامة الحد عليه وهو قول الليث بن سعد والشافعى.

стр. 4002

وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك: شهادته مقبولة ما لم يحد. وهذا يقتضى قولهم أنه غير موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد والا لما قبلت شهادته، ولأن قوله تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ» يقتضى توفر شرطين لبطلان شهادة القاذف. أحدهما الرمى بالزنا. والأخر عدم الاتيان بالشهود على زنا المقذوف متراخيا عن القذف وفوات الشهادة عليه. فما دامت اقامة الشهادة عليه بالزنا ممكنة بخصومة القاذف، فان لفظ الآية يقتضى بقاء الوضع على ما كان عليه غير محكوم عليه ببطلان الشهادة. أما شهادة المحدود فى القذف بعد التوبة فقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن ابن صالح والثورى لا تقبل شهادته اذا تاب وتقبل شهادة المحدود فى غير القذف اذا تاب. وقال مالك وعثمان البتى والليث والشافعى تقبل شهادة المحدود فى القذف اذا تاب. وقال الأوزاعى لا تقبل شهادة محدود فى الاسلام. وقد روى عن ابن عباس فى قوله تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» ثم استثنى فقال: «إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا» فتاب عليهم من الفسق وأما الشهادة فلا تجوز وروى عنه «إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا» فمن تاب وأصلح فشهادته فى كتاب الله مقبولة وحمل الأول على ما اذا جلد ثم تاب. والثانى على ما اذا تاب قبل الجلد. فحكم الاستثناء مقصور على ما يليه من زوال سمة الفسق ولا يرجع الى ما تقدمه الا بدليل. وما ورد فى بعض الآيات من رجوع الاستثناء الى كل ما سبقه من الجمل قام فيه دليل على ذلك. وعند عدم الدليل يقتصر على ما يليه. وقد اقتضت هذه الآية أن يكون شهود الزنا أربعة وأن يمتنع جواز الاقتصار على أقل من هذا العدد. وقد اختلف الفقهاء فيما اذا جاء القاذف بأربعة شهداء فساق فشهدوا على المقذوف بالزنا.

стр. 4003

قال الحنفية وعثمان البتى والليث بن سعد: لا حد على الشهود. وروى الحسن بن زياد عن أبى يوسف أنه يحد القاذف ويدرأ عن الشهود. وقال زفر يدرأ عن القاذف وعن الشهود. وقال مالك وعبيد الله بن الحسن يحد الشهود. والحنفية جميعا على أنه اذا كان الشهود كفارا أو محدودين فى قذف أو عبيدا أو عميانا يحد القاذف والشهود جميعا للقذف. واختلف الفقهاء اذا جاء شهود الزنا متفرقين. فقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعى والحسن بن صالح يحدون ولا تقبل شهادتهم. وقال عثمان البتى والشافعى لا يحدون وتقبل شهادتهم. ٦ - قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ. وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ﴾ ﴿يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (١). وقد جاء فى تفسير القرطبى لهذه الآيات ما يأتى: من طلق فى طهر لم يجامع فيه نفذ طلاقه وأصاب السنة. وان طلقها حائضا نفذ طلاقه وأخطأ السنة. وقال سعيد بن المسيب: لا يقع الطلاق فى الحيض، لأنه خلاف السنة واليه ذهبت الشيعة. وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: طلقت امرأتى وهى حائض فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ فتغيظ فقال: فليراجعها ثم ليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة .. فان بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا من حيضتها قبل أن يمسها. فذلك الطلاق للعدة كما أمر الله.

стр. 4004

وفى رواية أن رسول الله ﷺ قال: هى واحدة وهذا نص. وهو يرد على الشيعة قولهم. وأمر باحصاء العدة أى حفظ الوقت الذى وقع فيه الطلاق ليمكن معرفة نهاية الثلاثة القروء مدة العدة حيث تنته العدة وتحل للأزواج. والخطاب للازواج أو للزوجات أو للمسلمين أو للجميع فالكل مخاطب بالمحافظة على حدود الله. ونهى الأزواج عن اخراج المعتدة من مسكن النكاح ما دامت فى العدة كما نهى المعتدات عن الخروج منه. على تفصيل فى المعتدات واباحة الخروج للحاجة مما هو موضع خلاف بين الفقهاء. فاذا بلغن أجلهن «أى قاربن أنقضاء العدة كما فى قوله تعالى: واذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن أى قربن من انقضاء الأجل فأمسكوهن بمعروف يعنى المراجعة بالمعروف بأن تكون عن رغبة فيهن لا بقصد المضارة لتطويل العدة عليهن أو فارقوهن بمعروف أى اتركوهن حتى تنقضى عدتهن فيملكن أنفسهم. وفى قوله تعالى: «فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ» ما يوجب أن يكون القول قولها فى أنقضاء العدة اذا أدعت ذلك كما يدل عليه قوله تعالى: «وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ»﴾. «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» أمر بالاشهاد على الطلاق. وقيل على الرجعة. والظاهر رجوعه الى الرجعة لا الى الطلاق. فان راجع من غير اشهاد ففى صحة الرجعة قولان الفقهاء. وقيل أنه راجع الى الأمرين أى اشهدوا عند الرجعة والفرقة جميعا. وهذا الاشهاد مندوب اليه عند أبى حنيفة كقوله تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ». وعند الشافعى الاشهاد واجب فى الرجعة مندوب اليه فى الفرقة. وفائدة الاشهاد ألا يقع بينهما التجاحد وألا يتهم فى امساكها ولئلا يموت أحدهما فيدعى الباقى ثبوت الزوجية ليرث. وعند أكثر العلماء الاشهاد مندوب اليه فى الرجعة. وأوجب الامام أحمد الاشهاد فى الرجعة فى أحد قوليه وكذا الشافعى لظاهر الأمر. وقال مالك أن الرجعة لا تفتقر الى القبول فلا تفتقر الى الاشهاد كسائر الحقوق. وقوله «ذوى عدل منكم أى من المسلمين»

стр. 4005

وقيل من أحراركم قاله قتادة. والتعبير بذوى عدل يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الاناث. لذلك قال الجمهور لا مدخل للنساء فى الشهادة فيما عدا الأموال. «وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ» أى تقربا الى الله فى اقامة الشهادة على وجهها اذا مست الحاجة اليها من غير تبديل ولا تغيير. ومن أدعى بعد انقضاء العدة أنه راجع امرأته فى العدة. فان صدقته جاز، وأن أنكرت حلفت. فان أقام بينة أنه ارتجعها فى العدة ولم تعلم بذلك لم يضره جهلها بذلك وكانت زوجته. وان كانت قد تزوجت بآخر ولم يدخل بها ثم أقام الأول البينة على رجعتها فعن مالك فى ذلك روايتان. أحداهما: أن الأول أحق بها. والأخرى أن الثانى أحق بها. فان كان الثانى قد دخل بها فلا سبيل للأول عليها. وجاء فى تفسير أحكام القرآن لأبى بكر الجصاص لهذه الآيات ما يأتى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ». قال أبو بكر: روى عن ابن عمر رضى الله عنه أنه طلق امرأته فى الحيض فذكر ذلك عمر للنبى ﷺ فقال: مره فليراجعها وليمسكها حتى تطهر من حيضتها، ثم تحيض حيضة أخرى، فاذا طهرت فليفارقها قبل أن يجامعها أو يمسكها، فانها العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء. وقد بين النبى ﷺ مراد الله تعالى فى قوله «فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» وأن وقت الطلاق المأموربه أن يطلقها. طاهرا من غير جماع أو حاملا قد استبان حملها. «وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ» التى أوجبها الله تعالى بقوله. والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وبقوله واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن لأن جميع ذلك عدد للمطلقات على حسب اختلاف الأحوال فيكون احصاؤها لمعان لما يريد من رجعة أو فراق ولمراعاة حالها فى بقائها وعدم انتقالها الى حال تنتقل اليها عدتها، ولكى يشهد على فراقها اذا بانت ويتزوج بغيرها ممن لا تحل له معها. ولئلا يخرجها من بيتها قبل انقضاء العدة. وقوله «لا تخرجوهن من بيوتهن» فيه نهى للزوج عن اخراجها ونهى لها عن الخروج.

стр. 4006

وفيه دليل على وجوب السكنى لها ما دامت فى العدة، لأن بيوتهن التى نهى الله عن اخراجها منها هى البيوت التى كانت تسكنها قبل الطلاق .. ولا خلاف بين العلماء فى أن على الزوج اسكانها ونفقتها فى الطلاق الرجعى. والجمهور على أن الطلاق فى الحيض يقع. وذهب البعض الى عدم وقوعه ومنهم الشيعة. وقد رأى كل فى قصة عبد الله بن عمر حجة له. فاذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو فازقوهن بمعروف. «يعنى به مقاربة بلوغ الأجل لا حقيقته لأنه لا رجعة بعد بلوغ الأجل الذى هو انقضاء العدة، ولم يذكر الله طلاق المدخول بها ابتداء الا مقرونا بذكر الرجعة بقوله «لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً» يعنى أن يبدو له فيراجعها. قوله تعالى «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» أمر بالاشهاد على الرجعة والفرقة أيتهما اختار الزوج. وقد روى عن عمران بن حصين وطاووس وابراهيم وأبى قلابة أنه اذا راجع ولم يشهد فالرجعة صحيحة ويشهد بعد ذلك. قال أبو بكر: لما جعل له الامساك أو الفراق ثم عقبه بذكر الاشهاد كان معلوما وقوع الرجعة اذا راجع وجواز الاشهاد بعدها اذ لم يجعل الاشهاد شرطا فى الرجعة .. ولم يختلف الفقهاء فى أن المراد بالفراق المذكور فى الآية انما هو تركها حتى تنقضى عدتها، وأن الفرقة تصح، وان لم يقع الاشهاد عليها ويشهد بعد ذلك، وقد ذكر الاشهاد عقيب الفرقة ثم لم يكن شرطا فى صحتها كذلك الرجعة. وأيضا لما كانت الفرقة حقا له وجازت بغير اشهاد، اذ لا يحتاج فيها الى رضا غيره، وكانت الرجعة أيضا حقا له وجب أن تجوز بغير اشهاد. وأيضا لما أمر الله بالاشهاد على الامساك أو الفرقة احتياطا لهما ونفيا للتهمة عنهما اذا علم الطلاق ولم تعلم الرجعة أو لم يعلم الطلاق والفراق فلا يؤمن من التجاحد بينهما. ولم يكن معنى الاحتياط فيهما مقصورا على الاشهاد فى حال الرجعة والفرقة، بل يكون الاحتياط باقيا. وان أشهد بعدهما وجب أن لا يختلف حكمهما اذا أشهد بعد الرجعة بساعة أو ساعتين.

стр. 4007

ولا نعلم بين أهل العلم خلافا فى صحة وقوع الرجعة بغير شهود، الا شيئا يروى عن عطاء، فان سفيان روى عن ابن جريج عن عطاء قال: الطلاق والنكاح والرجعة بالبينة .. وهذا محمول على أنه مأمور بالاشهاد على ذلك احتياطا من التجاحد، لا على أن الرجعة لا تصح بغير شهود. ألا ترى أنه ذكر الطلاق معها ولا يشك أحد فى وقوع الطلاق بغير بينة. وقد روى شعبة عن مطر الوراق عن عطاء والحكم قالا: اذا غشيها فى العدة فغشيانه رجعة. قوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ» فيه أمر باقامة الشهادات عند الحكام على الحقوق كلها لأن الشهادة هنا اسم للجنس وان كان مذكورا بعد الأمر باشهاد ذوى عدل على الرجعة، لأن ذكرها بعده لا يمنع استعمال اللفظ على عمومه. فانتظم ذلك معنيين: أحدهما الأمر باقامة الشهادة. والآخر أن اقامة الشهادة حق الله تعالى وأفاد بذلك تأكيده القيام به. من أحاديث الأحكام: ١ - باب البيع: فى منتقى الاخبار من أحاديث سيد الاخيار عن عمارة بن خزيمة «ان عمه حدثه، وكان من أصحاب النبى ﷺ أنه ابتاع فرسا من أعرابى، فاستتبعه النبى ﷺ ، ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبى ﷺ المشى، وأبطأ الاعرابى فطفق رجال يعترضون الاعرابى فيساومونه بالفرس لا يشعرون أن النبى ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابى النبى ﷺ فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه وألا بعته. فقال النبى ﷺ حين سمع نداء الأعرابى: أو ليس قد ابتعته منك؟. قال الاعرابى: لا والله ما بعتك. فقال النبى ﷺ : بلى قد ابتعته. فطفق الاعرابى يقول: هلم شهيدا. قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد ابتعته. فأقبل النبى ﷺ على خزيمة فقال: بم تشهد؟. فقال: بتصديقك يا رسول الله فجعل شهادة خزيمة شهادة رجلين «رواه أحمد والنسائى وأبو داود. وقد جاء فى شرح هذا الحديث للامام المجتهد محمد بن على الشوكانى قاضى قضاة اليمن فى كتابه نيل الأوطار وشرح منتقى الاخبار ما يأتى (١): قوله «لا والله ما بعتك» انما أنكر هذا الاعرابى البيع مع وقوعه، وحلف على ذلك، وهو صحابى، لأن بعض المنافقين كان حاضرا فأمره بذلك وأعلمه أن البيع لم يقع

стр. 4008

صحيحا، وأنه لا اثم عليه فى الحلف على أنه ما باعه، فأعتقد الأعرابى صحة كلام المنافق، لأنه لم يظهر له نفاقه، ولو عرفه لما اغتربه، وهذا وان كان هو اللائق بحال من كان صحابيا، ولكن لا مانع من أن يقع مثل ذلك من الذين لم يدخل حب الايمان فى قلوبهم. وغير مستنكر أن يوجد فى ذلك الزمان من يؤثر العاجلة، فانه قد كان بهذه المثابة جماعة منهم كما قال الله تعالى: «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» والله يغفر لنا ولهم «وبم تشهد» أى بأى شئ تشهد على ذلك ولم تكن حاضرا. وفى رواية للطبرانى - بم تشهد ولم تكن حاضرا. وقد استدل بهذا الحديث على جواز البيع بغير اشهاد. قال الشافعى: لو كان الاشهاد على البيع حتما لم يبايع رسول الله ﷺ يعنى الاعرابى من غير حضور شهادة. ومراده أن الأمر فى قول الله تعالى وأشهدوا اذا تبايعتم ليس على الوجوب بل هو على الندب، لأن فعل النبى ﷺ قرينة صارفة للأمر من الوجوب الى الندب. وقيل هذه الآية .. وأشهدوا اذا تبايعتم «منسوخة بقوله تعالى» فان أمن بعضكم بعضا. وقيل بل هى محكمة والأمر فيها على الوجوب لا على الندب. قال ذلك أبو موسى الأشعرى وابن عمر والضحاك وابن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وعطاء والشعبى والنخعى وداود بن على وابنه أبو بكر والطبرى .. قال الضحاك: هى عزيمة من الله ولو على باقة بقل. قال الطبرى: لا يحل لمسلم اذا باع أو اشترى أن يترك الاشهاد والا كان مخالفا لكتاب الله. وقال ابن العربى: وقول العلماء كافة أنه على الندب وهو الظاهر. وقد ترجم أبو داود على هذا الحديث: باب: اذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به. وبه يقول شريح. وفى البخارى أن مروان قضى بابن عمر وحده. وأجاب عنه الجمهور الذين يرون أنه لا يقضى الا بشهادة شاهدين بأن شهادة ابن عمر كانت على جهة الاخبار.

стр. 4009

ويجاب أيضا عن شهادة خزيمة بأن النبى ﷺ قد جعلها بمثابة شهادة رجلين فلا يصح الاستدلال بها على قبول شهادة الواحد. وذكر ابن التين أنه ﷺ قال لخزيمة لما جعل شهادته بشهادتين (لا تعد) أى تشهد على ما لم تشاهده. وقد أجيب عن ذلك الاستدلال بأن النبى ﷺ انما حكم على الاعرابى بعلمه وجرت شهادة خزيمة فى ذلك مجرى التوكيد. وقد تمسك بهذا الحديث جماعة من أهل البدع فاستحلوا الشهادة لمن كان معروفا بالصدق على كل شئ ادعاه. وهو تمسك باطل، لأن النبى ﷺ بمنزلة لا يساويه غيره فيها ولا يجوز أن يحكم لغيره بمقارنتها فضلا عن مساواتها حتى يصح الالحاق. ٢ - باب اللقطة: وفى المنتقى أيضا (عن عياض بن حماد قال: قال رسول الله ﷺ من وجد لقطة فليشهد ذوى عدل أو ليحفظ عفاصها ووكاءها. فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو أحق بها. وأن لم يجئ صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء. رواه أحمد ومسلم). قوله: (فليشهد) ظاهر الأمر يدل على وجوب الاشهاد وهو أحد قولى الشافعى وبه قال أبو حنيفة .. وفى كيفية الاشهاد قولان. أحدهما يشهد أنه وجد لقطة ولا يعلم بالعفاص ولا غيره، لئلا يتوصل بذلك الكاذب الى أخذها. والثانى: يشهد على صفاتها كلها حتى اذا مات لم يتصرف فيها الوارث. وأشار بعض الشافعية الى التوسط بين الوجهين. فقال: لا يستوعب الصفات ولكن يذكر بعضها. قال الثورى: وهو الأصح .. والثانى من قولى الشافعى أنه لا يجب الاشهاد وبه قال مالك وأحمد وغيرهما قالوا وانما يستحب احتياطا لأن النبى ﷺ لم يأمر به فى الأحاديث الأخرى التى وردت بشأن تعريف اللقطة فى هذا الباب. ولو كان واجبا لبينه. ثم اذا جاء الى الملتقط أحد ووصف اللقطة بالعلامات التى هى عليها - العفاص والوكاء والعدد. هل يدفعها اليه بمجرد هذا الوصف أو حتى يقيم البينة على أنها له أو يحلف على ذلك؟ جاء فى بعض أحاديث الباب «فان جاء

стр. 4010

صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها اياه». وفى بعضها «فان جاء أحد يخبرك بعدتها ووعائها ووكائها فاعطها اياه». وفى ذلك دليل على أنه يجوز للملتقط أن يرد اللقطة الى من وصفها بالعلامات المذكورة دون انتظار لاقامة بينة على أنها له. وبذلك قال المؤيد بالله والامام يحيى وبعض أصحاب الشافعى وأبو بكر الرازى الحنفى. قالوا: لأنه يجوز العمل بالظن لاعتماده فى أكثر الشريعة اذ لا تفيد البينة الا الظن وبه قال مالك وأحمد .. وحكى فى البحر عن القاسمية والحنفية والشافعية أن اللقطة لا ترد للواصف وان ظن الملتقط صدقه اذ هو مدع فلا تقبل (أى الا ببينة). وحكى فى الفتح عن أبى حنيفة والشافعى أنه يجوز له الرد الى الواصف ان وقع فى نفسه صدقه ولا يجبر على ذلك الا ببينة. وقال الخطابى: ان صح التعبير الوارد فى الأحاديث الأخرى «فان جاء صاحبها» لم تجز مخالفته. والا فالاحتياط مع من لم يرد الا بالبينة .. قال: ويتأولون قوله «اعرف عفاصها على أنه أمره بذلك لئلا تختلط بماله أو لتكون الدعوى فيها معلومة وللتنبيه على حفظ المال. قال الحافظ: قد صحت هذه الزيادة فى الأحاديث الأخرى فوجب المصير اليها .. وهذا هو الحق فترد اللقطة لمن وصفها بالصفات التى اعتبرها الشارع. وظاهر الحديث أن مجرد الوصف يكفى ولا يحتاج الى اليمين. أما اذا ذكر صاحب اللقطة بعض الأوصاف دون بعض كأن يذكر العفاص دون الوكاء أو العفاص دون العدد فقد اختلف فى ذلك. فقيل: لا شئ له الا بمعرفة جميع الأوصاف. وقيل تدفع اليه اذا جاء ببعضها. واذا لم يكن للقطة أوصاف من هذه الأوصاف فلا بد من ذكر أوصاف مختصة بها لتقوم مقام وصفها بالأمور التى اعتبرها الشارع. وقد اختلف العلماء فيما اذا تصرف الملتقط فى اللقطة لنفسه بعد تعريفها سنة ثم جاء صاحبها. هل يضمنها له أم لا؟. فذهب الجمهور الى وجوب ردها ان كانت قائمة أو رد بدلها ان كانت قد استهلكت وهو الذى يدل عليه ظاهر الأحاديث.

стр. 4011

وخالف فى ذلك الكرابيسى صاحب الامام الشافعى والبخارى رضى الله عنهم وداود ابن على أمام الظاهرية. قال ابن رشد: اتفق فقهاء الامصار مالك والثورى والأوزاعى وأبو حنيفة والشافعى أن للملتقط أن يتصرف فى اللقطة بعد التعريف سنة. ثم قال مالك والشافعى: له أن يتملكها. وقال أبو حنيفة: ليس له الا أن يتصدق بها. وروى مثل قوله عن على وابن عباس وجماعة من التابعين. وقال الأوزاعى ان كان مالا كثيرا جعله فى بيت المال. وروى مثل قول مالك والشافعى عن عمر وابن مسعود وابن عمر. وكلهم متفق على أنه أن أكلها ضمنها لصاحبها ألا أهل الظاهر. وقال فى البحر: مسألة ولا يضمن الملتقط إجماعا إلا لتفريط أو جناية إذ هو أمين حيث لم يأخذ لغرض نفسه. فإن جنى أو فرط فالأكثر يضمن. وداود الظاهرى والكرابيسى صاحب الامام الشافعى لا يضمن لظاهر الأحاديث. «فان جاء صاحبها وعرف» الخبر. ولم يذكر وجوب البدل. ٣ - باب الوصية: فى المنتقى أيضا (عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وعنده شئ يريد أن يوصى فيه الا ووصيته مكتوبة عند رأسه رواه الجماعة واحتج به من يعمل بالخط اذا عرف). استدل بهذا الحديث على جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو لم يقترن ذلك بالشهادة. وخص محمد بن نصر من الشافعية ذلك بالوصية لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام. وأجاب الجمهور بأن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به. قالوا: ومعنى قوله «وصيته مكتوبة عنده» أى بشرطها (يريد الاشهاد لأن به التوثق فيكون مضمرا فى الحديث). وقال المحب الطبرى: اضمار الاشهاد فيه بعد. وأجيب بأنهم استدلوا على اشتراط الاشهاد بأمر خارج كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾

стр. 4012

﴿آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» (١) فانه يدل على اعتبار الاشهاد فى الوصية. وقال القرطبى: ذكر الكتابة مبالغة فى زيادة التوثق والا فالوصية المشهود بها متفق عليها ولو لم تكن مكتوبة. وفى شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر جاء فى المنتقى ما يأتى: ١ - (عن الشعبى: أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا الأشعرى يعنى أبا موسى فأخبراه وقدما بتركته ووصيته. فقال الأشعرى: هذا أمر لم يكن بعد الذى كان فى عهد رسول الله ﷺ .. فأحلفهما بعد العصر. ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا. وانها لوصية الرجل وتركته فأمضى شهادتهما (رواه أبو داود والدارقطنى بمعناه). ٢ - وعن جبير بن نفير قال: دخلت على عائشة فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟ قلت نعم قالت: فانها آخر سورة أنزلت فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه رواه أحمد). ٣ - وعن ابن عباس قال: خرج رجل من بنى سهم (٢) مع تميم الدارى وعدى بن بداء فمات السهمى بأرض ليس بها مسلم، فلما قدموا بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بذهب فاحلفهما رسول الله ﷺ .. ثم وجد الجام بمكة فقالوا ابتعناه من تميم وعدى بن بداء فقام رجلان من أوليائه فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما. وان الجام لصاحبهم. قال: وفيهم نزلت هذه الآية - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ»﴾. رواه البخارى وأبو داود. وجاء فى شرح هذا الحديث للامام الشوكانى ما يأتى. واستدل بهذا الحديث على جواز شهادة الكفار على المسلمين بناء على أن المراد بالغير فى الآية الكريمة الكفار. والمعنى - منكم أى من أهل دينكم أو آخران من غيركم أى من غير أهل دينكم وبذلك قال أبو حنيفة ومن تبعه. وتعقب بأنه لا يقول بظاهرها فلا يجيز شهادة الكفار على المسلمين. وانما يجيز شهادة الكفار بعضهم على بعض، لأن الآية

стр. 4013

دلت بمنطوقها على جواز قبول شهادة الكافر على المسلم وبمفهومها على جواز قبول شهادة الكافر على الكافر بطريق الأولى. ثم دل الدليل على أن شهادة الكافر على المسلم غير مقبولة فبقيت شهادة الكافر على الكافر على حالها مقبولة. وخص جماعة القبول بأهل الكتاب وبالوصية وبفقد المسلم حينئذ. ومنهم ابن عباس وأبو موسى الأشعرى وسعيد ابن المسيب وشريح وابن سيرين والأوزاعى والثورى وأبو عبيد وأحمد، وأخذوا بظاهر الآية وحديث الباب فان سياقه مطابق لظاهر الآية .. وقيل المراد بالغير غير العشيرة، والمعنى منكم. أى من عشيرتكم. أو آخران من غيركم أى من غير عشيرتكم. وهو قول الحسن البصرى. وذهب جماعة من الأئمة الى أن الآية منسوخة بقوله تعالى: «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ»﴾. واحتجوا بالاجماع على رد شهادة الفاسق، والكافر شر من الفاسق. وأجاب الأولون بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وان الجمع بين الدليلين أولى من الغاء أحدهما، وبأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن وأنها محكمة كما تقدم .. وأخرج الطبرى عن ابن عباس باسناد رجاله ثقات أن الآية نزلت فيمن مات مسافرا وليس عنده أحد من المسلمين. وأنكر أحمد على من قال أن هذه الآية منسوخة. وقد صح عن أبى موسى الأشعرى أنه عمل بذلك كما فى حديث الباب. ٤ - باب النكاح: جاء فى المنتقى (١) وشرحه نيل الأوطار فى باب الشهادة فى النكاح ما يأتى: ١ - عن أبن عباس أن النبى ﷺ قال: البغايا اللاتى ينكحن أنفسهن بغير بينة رواه الترمذى. ٢ - عن عمران بن حصين عن النبى ﷺ قال: «لا نكاح الا بولى وشاهدى عدل» ذكره أحمد بن حنبل فى رواية ابنه عبد الله). ٣ - (وعن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ «لا نكاح الا بولى وشاهدى عدل» فان تشاجروا فالسلطان ولى من لا ولى له). رواه الدارقطنى. ولمالك فى الموطأ عن أبى الزبير المكى أن

стр. 4014

عمر بن الخطاب أتى بنكاح لم يشهد عليه الا رجل وامرأة فقال: هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت. وقد جاء فى شرح هذه الأحاديث من نيل الأوطار ما يأتى: وقد استدل بأحاديث الباب من جعل الاشهاد شرطا وقد حكى ذلك فى البحر عن على وعمر وابن عباس والعترة والشعبى وابن المسيب والأوزاعى والشافعى وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل. قال الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبى ﷺ ومن بعدهم عن التابعين وغيرهم. قالوا: لا نكاح الا بشهود «ولم يختلفوا فى ذلك من مضى منهم الا قوم من المتأخرين من أهل العلم. وانما اختلف أهل العلم فى هذا: اذا شهد واحد بعد واحد. فقال أكثر أهل العلم من الكوفة وغيرهم: لا يجوز النكاح حتى يشهد الشاهدان معا عند عقدة النكاح. وقد روى بعض أهل المدينة اذا شهد واحد بعد واحد فانه جائز اذا أعلنوا ذلك وهو قول مالك بن أنس وغيره. وقال بعض أهل العلم: يجوز شهادة رجل وامرأتين فى النكاح وهو قول أحمد واسحاق. انته كلام الترمذى. وحكى فى البحر عن ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن مهدى وداود أنه لا يعتبر الاشهاد. وحكى أيضا عن مالك أنه يكفى الاعلان بالنكاح. والحق ما ذهب اليه الأولون، لأن أحاديث الباب يقوى بعضها بعضا .. والنفى فى قوله - لا نكاح - يتوجه الى الصحة، وذلك يستلزم أن يكون الاشهاد شرطا، لأنه قد استلزم عدمه عدم الصحة وما كان كذلك فهو شرط. واختلفوا فى اعتبار العدالة فى شهود النكاح. فذهب القاسمية والشافعى الى أنها تعتبر. وذهب زيد بن على وأحمد بن عيسى وأبو عبد الله الداعى وأبو حنيفة الى أنها لا تعتبر .. والحق القول الأول، لتقييد الشهادة المعتبرة فى حديث عمران بن حصين وعائشة اللذين ذكرهما المصنف، وكذلك حديث ابن عباس الذى ذكرناه بالعدالة.

стр. 4015

٥ - الطلاق والرجعة: وعن عمران (١) ابن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة. أشهد على طلاقها وعلى رجعتها. ولا تعد) رواه أبو داود وابن ماجة ولم يقل «ولا تعد» وقد جاء فى شرح نيل الأوطار لهذا الحديث ما يأتى: الأثر أخرجه أيضا البيهقى والطبرانى وزاد «واستغفر الله» قال الحافظ فى بلوغ المرام: وسنده صحيح وقد استدل به من قلل بوجوب الاشهاد على الرجعة. وقد ذهب الى عدم وجوب الاشهاد على الرجعة. أبو حنيفة وأصحابه والقاسمية والشافعى فى أحد قوليه، واستدل لهم فى البحر بحديث ابن عمر لما طلق امرأته فى الحيض فان فيه أنه لما أخبر عمر النبى ﷺ بأن عبد الله طلق امرأته فى الحيض غضب وقال لعمر مره فليراجعها». ولم يذكر الاشهاد ولو كان واجبا لأمر به مع الأمر بالرجعة. وقال مالك والشافعى فى قوله الآخر والناصر انه يجب الاشهاد على الرجعة. واحتج فى نهاية المجتهد للقائلين بعدم الوجوب بالقياس على الأمور التى ينشئها الانسان لنفسه فانه لا يجب فيها الاشهاد. ومن الأدلة على عدم الوجوب أنه قد وقع الاجماع على عدم وجوب الاشهاد فى الطلاق كما حكاه الأوزاعى فى تيسير البيان والرجعة قرينة فلا يجب فيها كما لا يجب فيه. والأثر المذكور فى الباب لا يصلح للاحتجاج، لأنه قول صحابى فى أمر من محال الاجتهاد. وما كان كذلك لا يعتبر حجة لولا ما وقع من قوله «طلقت لغير سنة» وراجعت لغير سنة فانه يفيد أنه لا يقول فى الأمر بالاجتهاد والرأى. وانما يسنده الى السنة مما يدل على أن عنده فيه سنة. وأما قوله تعالى «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» فهو وارد عقب قوله فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف. وقد عرفت الاجماع على عدم وجوب الاشهاد فى الطلاق. والقائلون بعدم الوجوب يقولون بالاستحباب. ٦ - باب الدعوى والبينة: (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال «البينة على المدعى واليمين على من

стр. 4016

أنكر الا القسامة. رواه الدارقطنى وعن أبن عباس أن النبى ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه متفق عليه. وفى رواية أن النبى ﷺ قال: لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم. ولكن اليمين على المدعى عليه «رواه أحمد ومسلم». وقد جاء فى شرح الحديث الأول: وقد استدل بالحديث على أن أحكام القسامة مخالفة لما عليه سائر القضايا من ايجاب البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه. وجاء فى شرح الحديث الثانى: اختلف الفقهاء فى تعريف المدعى والمدعى عليه. قال فى الفتح والمشهور فيه تعريفان. الأول - أن المدعى من تخالف دعواه الظاهر والمدعى عليه بخلافه. والثانى أن المدعى من اذا سكت ترك وسكوته. والمدعى عليه من لا يخلى اذا سكت (١). والأول أشهر. والثانى أسلم. وقد أخرج الحديث البيهقى باسناد صحيح كما قال الحافظ بلفظ «البينة على المدعى واليمين على من أنكر». وظاهر أحاديث الباب أن اليمين على المنكر والبينة على المدعى .. ومن كانت اليمين عليه فالقول قوله مع يمينه. لكن ورد ما يدل على أنه اذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع. فقد أخرج أبو داود والنسائى من حديث الاشعث - سمعت رسول الله ﷺ يقول: اذا اختلف البيعان ليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان. فظاهر أحاديث الباب أن القول قول المدعى عليه بيمينه بلا فرق بين كونه بائعا أم لا ما لم يكن مدعيا. وظاهر أحاديث كتاب البيع أن القول قول البائع سواء كان مدعيا أو مدعى عليه. فيقع التعارض بين هذه الأحاديث وتلك فيما اذا كان البائع مدعيا. ويصار الى الترجيح.

стр. 4017

وأحاديث الباب أرجح فيكون القول قول البائع ما لم يكن مدعيا. وهناك أحاديث كثيرة تحدثت عن الشهود وما ينبغى أن يتصفوا به من صفات ويتوفر فيهم من شروط، لتقبل شهادتهم، ويبنى عليها القضاء والحكم ومن تقبل شهادته ومن لا تقبل وعدد وجنس الشهود فى المسائل والموضوعات المشهود بها. مما سيكون موضع الحديث آخر الأمر. هذا ما يظهر أن آيات الأحكام من الكتاب الكريم وأحاديث الأحكام من السنة المطهرة قد تعرضت لبيان الأشهاد فيه من المسائل والموضوعات، وتحدثت عن أحكام الاشهاد فيها، وما يتعلق بذلك ويتصل به من أحكام. وباستعراض ما شملته الآيات والأحاديث من مسائل وموضوعات طلب الشارع فيها الاشهاد يتبين أنها شملت مسائل عامة اتفق الفقهاء على طلب الاشهاد فيها ولكنهم اختلفوا اختلافا كبيرا فى كثير من التفاصيل والتفريعات والأحكام التى يترتب عليها ثبوت الحكم العام. ففى الآية الأولى وهى آية الدين من سورة البقرة دلت على طلب الاشهاد فى موضوعين عامين بنصين مستقلين. الأول قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» الى قوله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ». والثانى قوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ»﴾. ويدل الأول على طلب الاشهاد فى عقود المداينات عامة. وهى كل معاملة يكون فيها أحد البدلين دينا ثابتا فى الذمة سواء كان هذا الدين فى مقابلة عين أو منفعة. فمن اشترى دارا أو دابة أو ثوبا بثمن معين الى أجل محدود، ومن أجر داره أو أرضه بأجر معلوم الى أجل معلوم. كل هذه عقود مداينة يكتبها ويشهد فيها على سبيل الوجوب أو الندب بمقتضى هذه الآية. ويدل الثانى على طلب الاشهاد فى عقود البيع والشراء والمبادلات المالية بالاثمان الآجلة والعاجلة مما لم تجر العادة بالتساهل فيه ويكون محلا للتشاحن والتجاحد يجرى فيه الاشهاد وجوبا أو ندبا بهذه الآية كذلك .. اتفق الفقهاء على ذلك. ولكنهم اختلفوا فى تفاصيل وتفريعات كثيرة - فى صفة الاشهاد هل واجب وحتم أو مندوب ومستحب.

стр. 4018

واذا كان واجبا فهل الحكم باق أو نسخ. وهل النكاح على مهر مؤجل. والخلع على مال كذلك والصلح عن دم العمد نظير مال والكتابة نظير بدل مؤجل - تدخل فى نطاق عقود المداينات فتشملها الآية ويجرى فيها الاشهاد على أساس ما فيها من جانب مالى، وضعها فى هذا النطاق، أو لا تدخل فيه باعتبارها تصرفات وعقودا لا ينظر فيها الى الجانب المالى .. وهل تشمل الآية جميع عقود المداينات كانت قيمتها كثيرة أو قليلة وكان موضوعها هاما مما تتعلق به الرغبات والأطماع فيؤدى الى التجاحد والاختلاف أم تافها يجرى فيه التسامح والتساهل فى الكثير الغالب .. وكذلك أوصاف الشهود والشروط التى تؤهلهم للشهادة ما يعتبر منها وما لا يعتبر وعدد الشهود وجنسهم والموضوعات التى تقبل الشهادة فيها من هؤلاء وأولئك. وغير ذلك كله من التفاصيل والجزئيات التى تحقق الحكم أو تكمله. وفى الآية الثانية .. طلب فيها الشارع من الأوصياء أن يشهدوا على اليتامى عند دفع أموالهم اليهم بعد البلوغ وايناس الرشد منهم. ويتفق الفقهاء على هذا الحكم ولكنهم يختلفون فى تفاصيل وتفريعات تتصل بالحكم فى البلوغ ما يكون به. وفى الرشد ما معناه وما يكون فيه. ومن هم الأوصياء فى المال. وما سلطة الوصى فى مال اليتيم وحدود تصرفاته فيه وما يضمن فيه ومالا يضمن من التصرفات والأفعال. وما يمكن الاشهاد عليه من تصرف وانفاق للمال فيجب فيه الاشهاد ولا يقبل القول فيه الا ببينة وما لا يمكن الاشهاد عليه فلا يجب فيه الاشهاد ويقبل القول فيه بدون بينة. وما يباح للوصى أن يتناوله من مال اليتيم وعلى أى وجه وما لا يباح والاشهاد على ذلك. ثم صفة الاشهاد وهل هو واجب أو مندوب وما فائدته والغاية منه. وهل الوصى أمين فيقبل قوله بلا بينة أو ليس بأمين فلا بد من البينة. واذا عاود اليتيم عدم الرشد بعد البلوغ وايناس الرشد هل يعود الحجر عليه أو لا يعود وغير ذلك كله مما يتصل بأصل الحكم ويتعلق به. وفى الآية الثالثة طلب الشارع الاشهاد

стр. 4019

على الزنا وبين عدد الشهود وجنسهم أربعة من الرجال. وهذا محل اتفاق بين الفقهاء لم يخالف أحد مطلقا فى طلب الاشهاد على الزنا عند الاثبات وفى عدد الشهود وكونهم من الرجال. ولكنهم مختلفون فى أوصاف الشهود وما يعتبر منها شرطا لقبول الشهادة وترتيب أثرها عليها وما لا يعتبر .. وما الحكم اذا جاء الشهود متفرقين وأدوا الشهادة على هذا الوجه. وهل يحد الشهود والمشهود عليه أو لا يحد أحد أو يحد أحد الطرفين دون الاخر. واذا رجع الشهود كلهم أو بعضهم، وأثر ذلك فى الحكم وفى تضمين الشهود، وعدم تضمينهم. وغير ذلك كله مما يؤثر فى الحكم وجودا أو كمالا. وفى الاية الرابعة - طلب الشارع الاشهاد على الوصية فى السفر. ودل ظاهر الاية على جواز شهادة أهل الذمة على وصية المسلم فى السفر. والاشهاد على الوصية مطلوب شرعا. ولكن الفقهاء قد اختلفوا فى أصل الحكم هنا. هل تقبل شهادة غير المسلمين على المسلمين فى الوصية فى السفر اذا لم يوجد مسلمون يشهدون عليها للضرورة، أو تجوز هذه الشهادة فى الوصية وفى غيرها سفرا أو حضرا للضرورة وفى كل ما تقتضيه الضرورة. وهل حكم الجواز بتضيقه أو سعته محكم وباق أو منسوخ ومنتقض فلا تجوز شهادة غير المسلم على المسلم أصلا. وما حكم شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض. وما هو النظام المقرر شرعا فى شهادة الوصيين على وصية الميت وفى شهادة أولياء الميت فى ذلك وحدودها ومكانها من شهادة الوصيين وما يترتب عليها. والايمان المقررة وهل لها أوضاع خاصة وما هى؟ .. وفى هذا المجال تأتى بعض أحاديث الأحكام. فتقرر أولا حكم الاشهادة فى أصل الوصية كتصرف من صاحب المال مضاف الى ما بعد الموت وآراء الفقهاء فى هذا الاشهاد.

стр. 4020

ثم تجرى الأحاديث فى مساق واحد مع الآية المذكورة موضوع التعليق وتقرر ما انتهت اليه الآية وتضمنته من أحكام. ويجرى اختلاف الفقهاء فى الأحاديث فى الأحكام والجزئيات والتفاصيل على النحو الذى جرى عليه اختلافهم فى الآية. وتجرى الأراء والاستدلالات والمناقشات بين المختلفين هنا كما جرت هناك. وفى الآية الخامسة. طلب الشارع الاشهاد على اثبات القذف بالزنا أربعة شهداء من الرجال. وفى هذه الآية ننظر الى جانبين: جانب طلب الشهادة على الزنا كجريمة وهذا موضع الآية الرابعة المتقدمة. وقد لوحظ فى هذا الجانب عدد الشهود وجنس الشهود. وقد تقدم الكلام فى ذلك. والجانب الثانى جانب الاثبات من القاذف على جريمة القذف بالزنا. وقد جعل الشارع نصاب الشهادة فى ذلك أربعة من الرجال أيضا. ولهذا الجانب أحكامه وآثاره بالنسبة للحكم العام وهو الاشهاد. ومع اتفاق الفقهاء فى طلب الاشهاد، وفى نصاب الشهادة فانهم قد اختلفوا فى تفاصيل تتصل بالحكم وتؤثر فيه - ما يعتبر قذفا يوجب الحد وما لا يعتبر. ومن يحد قاذفه من الناس ومن لا يحد قاذفه. وأوصاف الشهود والشروط التى تعتبر فى أهليتهم للشهادة والتى لا تعتبر. والخلاف الواسع فى قبول شهادة المحدود فى القذف بعد التوبة وصلاح الحال وعدم قبولها وأساس ذلك. وهل الفسق يثبت بنفس القذف قبل الحد أو لا يثبت الا بالحد. وغير ذلك من التفاصيل والجزئيات التى تتصل بالحكم. وأخيرا فى الآية السادسة. طلب الشارع الاشهاد على الطلاق وعلى الرجعة بقوله تعالى «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ» بعد قوله : «فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ»﴾. ولا خلاف بين الفقهاء فى طلب الاشهاد فهو مقتضى النص وظاهره. وانما الخلاف فى صفة الاشهاد فى

стр. 4021

كل من الطلاق والرجعة هل هو واجب أو مندوب. واذا كان واجبا فهل يعتبر شرطا فى صحة الطلاق أو لا يعتبر. وبم تكون الرجعة، واذا ادعى المطلق الرجعة بعد انقضاء العدة وقبل تزوجها بآخر أو بعد التزوج ماذا يكون الحكم. وفى هذا المجال يأتى بعض أحاديث الأحكام بطلب الاشهاد على الطلاق وعلى الرجعة. ويجرى اختلاف الفقهاء فى الحديث على النسق وعلى الوجه الذى جرى عليه فى الآية فى الحكم والاستدلال والمناقشة بين أطراف الخلاف. ثم تذكر أحاديث الأحكام والاشهاد على اللقطة. ويتفق الفقهاء على طلب الاشهاد فيها ولكنهم يختلفون فى صفة الاشهاد هل هو واجب أو مندوب. وفى كيفية الاشهاد هل يكون على سبيل الاجمال والتعميم. ومن تعرض لتفاصيل أوصاف اللقطة ومشتملاتها وما هى عليه من أحوال وأوضاع حتى لا يؤدى هذا التفصيل والتحديد بأرباب الأطماع والمحتالين الى أن يدعوا اللقطة مستعينين بالتفاصيل التى احتواها الاشهاد مع أنه لا حق لهم فيها. أو يكون على سبيل التفصيل والتحديد ليهتدى الوارث بما فيه بعد وفاة الملتقط ويستعين على تمييز اللقطة عن مال الملتقط وعدم خلطها به. أو يسلك الملتقط سبيلا وسطا بين الطريقتين فيفصل فى الاشهاد بعض التفصيل ليعين المورث على التمييز ولا يستوعب كل الأوصاف ليسد الباب على المحتالين .. وبذلك يحقق المصلحة ويدفع الضرر المحتمل. ثم دفع اللقطة الى من يعرفها ويذكر أوصافها هل يتوقف على اشهاد واقامة بينة أو على حلف يمين أو يكون بمجرد الوصف والتعريف؟. وما حكم ما اذا تصرف الملتقط فى اللقطة بعد التعريف ومضى مدة الانتظار هل يتملكها وينتفع بها أو يتصدق بها لحساب مالكها. وهل يضمن اذا جاء صاحبها بعد ذلك أو لا يضمن؟. ثم تذكر أحاديث الأحكام الاشهاد فى النكاح.

стр. 4022

ويتفق الفقهاء وأهل العلم على أن الاشهاد فى النكاح تطلبه النصوص وتقرره الأدلة. ولم يخالف فى ذلك الا نفر قليل من المتأخرين من أهل العلم. ولكنهم يختلفون فى كيفية الاشهاد هل يكون باحضار شاهدين مجلس العقد يشهدان على العقد أو يكفى أن يكون بالاعلان عن النكاح وشهر العقد بين الناس. ويختلفون كذلك فى صفة الاشهاد وحكمه هل هو واجب وهل يعتبر شرطا فى صحة العقد أو لا يعتبر. وهل العدالة شرط فى صحة الشهادة أو ليست بشرط؟. ثم تأتى الأحاديث بالباب الواسع فى الاشهاد. وهو الاشهاد على اثبات الحقوق والدعاوى. فيقرر الشارع أن البينة على المدعى واليمين على من أنكر. وهنا يتفق الفقهاء على الاثبات فى الحقوق والدعاوى بالبينة. ويرى الجمهور الأعظم من أهل العلم أن المراد بالبينة شهادة الشهود. ويرى بعض العلماء أن المراد منها كل ما يبين الحق ويظهره من شهادة أو قرينة أو خط أو علم القاضى وهكذا. والحديث فى هذا المجال يتعلق بالشهادة وحكمها ومراتبها وشروطها فى التحمل والأداء فى الشهود وفى الشهادة وفى الزمان والمكان وفى توافقها مع بعضها ومع الدعوى وتخالفها فى هذا وذاك ومن تقبل شهادته ومن لا تقبل والشهادة على الشهادة وشهادة الحسبة وغير ذلك كله مما يتصل بموضوع الشهادة وأبحاثها. وسيأتى بيان ذلك بالتفصيل بعد بيان المسائل التى يجرى فيها الاشهاد فى كل مسألة وأحكام الاشهاد وما يتعلق به فى كل منها فى المذاهب المختلفة التى يقضى منهج الموسوعة ببيان الأحكام فيها أخذا من كتب الفقه فى تلك المذاهب وكتب الخلاف. الاشهاد فى عقود المداينات والبيع مذهب الحنفية: جاء فى حاشية (١) الطحطاوى سائر العقود سوى النكاح تنعقد بغير شهود، ولكن يستحب الاشهاد عليها. وفى الواقعات أنه واجب فى المداينات.

стр. 4023

وجاء فى هذه الحاشية (١) أيضا أن الاشهاد على المبايعات والمداينات مندوب الا القدر اليسير كالخبز والماء والبقل. وفى الكاكى ويستحب الاشهاد فى العقود الا فى النكاح فانه يجب عندنا. وجاء فى الهداية وحاشية (٢) فتح القدير عليها للكمال بين الهمام أنه اذا حصل الايجاب والقبول لزم البيع ولا خيار لواحد من المتبايعين الا من عيب أو عدم رؤية. ودليلنا السمع والقياس. أما السمع فقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» وهذا عقد قبل التخيير وقوله تعالى «وأشهدوا اذا تبايعتم، وهو أمر بالتوثق بالشهادة، حتى لا يقع التجاحد للبيع، والبيع يصدق قبل الخيار بعد الايجاب والقبول، فلو ثبت الخيار وعدم اللزوم قبله كان ابطالا لهذه النصوص. مذهب المالكية: جاء فى تهذيب الفروق (٣): فى القاعدة الثانية من الفرق السابع والخمسين بعد المائة الفرق بين قاعدة البيع وقاعدة النكاح أن النكاح لا بد فيه من الاشهاد يشهد عليه أنه تزويج لا زنا ولا سفاح، لأن القاعدة أن الشهادة شرط فى النكاح، أما مقارنة للعقد كما قال الأئمة الثلاثة، أو قبل الدخول كما قال مالك. وعلى التقديرين لا بد من لفظ يشهد عليه أنه تزويج لا زنا ولا سفاح. وليس الاشهاد شرطا فى البيع، ولذا جوزوا فيه المناولة. وفى الشرح (٤) الصغير وندب الاشهاد فى النكاح عند العقد للخروج من الخلاف، اذ كثير من الأئمة لا يرى صحته الا بالشهادة حال العقد، كالبيع ولكن لا يتقرر صحته، ولا تترتب ثمرته من حل التمتع الا بحصولها قبل البناء، فجاز أن يعقد فيما بينهما سرا، ثم يخبرا به عدلين كأن يقولا لهما: قد حصل منا العقد لفلان على فلانة، وأن الولى يخبر عدلين والزوج يخبر عدلين. ولا يكفى أن يخبر أحدهما عدلا والثانى يخبر عدلا غيره لأنها حينئذ بمنزلة الواحد.

стр. 4024

وقد ذكر القرطبى المالكى فى تفسير قوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» وقد اختلف العلماء هل ذلك على الوجوب أو على الندب؟. فقال أبو موسى الأشعرى وابن عمرو والضحاك وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن على وابنه أبو بكر هو على الوجوب، ومن أشدهم فى ذلك عطاء. وذهب الشعبى والحسن الى أن ذلك على الندب والارشاد. ويحكى أن هذا قول مالك والشافعى وأصحاب الرأى اذا كان الخيار للبائع (١) أو للمشترى وغاب احدهما ثم قدم بعد انقضاء مدة الخيار فادعى من له الخيار أن كان بائعا أنه أمضاه فى زمنه أو ادعى ان كان مشتريا أنه رد فى زمنه فلا يقبل منه ذلك الا ببينة. قال ابن يونس قال بعض أصحابنا اذا كان الثوب بيد البائع والخيار له لم يحتج بعد أمد الخيار الى الاشهاد ان اراد الفسخ وان أراد أيضا البيع فليشهد على ذلك. وأن كان الثوب بيد المشترى فأراد أمضاء البيع لم يحتج لاشهاد، وان أراد فسخه فليشهد وهذا واضح. ثم قال: من اشترى سلعة على الخيار ثم باعها فى زمن الخيار ولم يخبر البائع باختيار امضاء البيع ولم يشهد على ذلك وادعى أنه اختار الامضاء قبل البيع وخالفه البائع وأراد نقض البيع أو أخذ الربح فهل يصدق المشترى فى دعواه اختيار الأمضاء قبل البيع بيمين وحينئذ فلا يكون للبائع سلاطة على المشترى لا بأخذ ربح ولا بنقض بيع وهذا ما حكاه ابن حبيب عن مالك وأصحابه وهو قول ابن القاسم فى بعض روايات المدونة. وفى الموازية: ولا يصدق المشترى أنه اختار الأمضاء قبل بيعه وحينئذ فيخير البائع بين نقض بيع المشترى وبين اجازته وأخذ ربحه. مذهب الشافعية: جاء فى الأم (٢): تحت عنوان الاشهاد فى البيع - قال الله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ (٣)» فاحتاج أمر الله بالاشهاد عند البيع أمرين:

стр. 4025

أحدهما أن تكون الدلالة على ما فيه الخط بالشهادة ومباح تركها، لاحتمال أن لا يكون من تركه عاصيا بتركه. واحتمل أن يكون حتما منه يعصى من تركه بتركه. والذى اختاره ألا يدع المتبايعان الاشهاد وذلك انهما اذا أشهدا لم يبق فى أنفسهما شئ، لأن ذلك ان كان حتما فقد أدياه وأن كان دلالة فقد أخذا بالخط فيها. وكل ما ندب الله تعالى اليه من فرض أو دلالة فهو بركة على من فعله، ألا ترى أن الاشهاد فى البيع ان كان فيه دلالة كان فيه أن المتبايعين أو أحدهما ان أراد ظلما قامت البينة عليه، فيمنع من الظلم الذى يأثم به وان كان تاركا لا يمنع منه - ولو نسى أو وهم فجحد منع من المأثم على ذلك بالبينة وكذلك ورثتهما من بعدهما .. أو لا ترى أنهما أو أحدهما لو وكل وكيلا أن يبيع فباع هذا رجلا وباع وكيله آخر ولم يعرف أى البيعين أول - لم يعط الأول من المشتريين بقول البائع .. ولو كانت بينة فأثبتت أيهما أول أعطى الأول فالشهادة سبب قطع التظالم وتثبت الحقوق .. وكل أمر الله ، ثم أمر رسول الله ﷺ الخير الذى لا يعتاض عنه من تركه. فأن قال قائل فأى المعنيين أولى بالآية الحتم بالشهادة أم الدلالة فان الذى يشبه والله أعلم واياه أسأل التوفيق أن يكون دلالة لا حتما يحرج من ترك الاشهاد. فان قال: ما دل على ما وصفت. قيل قال الله وأحل الله البيع وحرم الربا «فذكر أن البيع حلال ولم يذكر معه بينة». وقال فى آية الدين «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» والدين تبايع وقد أمر فيه بالاشهاد، فبين المعنى الذى أمر له به - فدل ما بين الله فى الدين، على أن الله انما أمر به على النظر والاحتياط لا على الحتم. قلت قال الله تعالى: «إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» ثم قال فى سياق الآية وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة. فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى أؤتمن أمانته فلما أمر اذا لم يجد كاتبا بالرهن ثم أباح ترك الرهن وقال: فان أمن بعضكم بعضا» علم أن الأمر الأول دلالة على الخط لا فرض منه يعصى من تركه والله أعلم. وقد حفظ عن النبى ﷺ أنه بايع أعرابيا فى فرس، فجحد الأعرابى بأمر بعض المنافقين، ولم يكن بينهما بينة. فلو كان حتما لم يبايع رسول الله ﷺ بلا بينة. وقد حفظت عن عدة لقيتهم مثل معنى قولى من أنه لا يعصى من ترك الاشهاد وأن البيع لازم اذا - تصادقا لا ينقضه

стр. 4026

ألا تكون بينة كما ينقض النكاح لاختلاف حكمهما. وجاء فى نهاية المحتاج (١): لو علم المشترى بالعيب فى المبيع بعد زوال ملكه الى غيره فلا أرش له فى الأصح، فان عاد الملك له فله الرد، والرد على الفور. فان كان البائع غائبا عن البلد ولا وكيل له بها رفع الأمر الى الحاكم، ولا يؤخره لحضوره، فيقول اشتريته من فلان الغائب بكذا ثم ظهر به عيب كذا، ويقيم البينة على كل ذلك، ويحلفه أن الأمر جرى كذلك، لأنه قضاء على غائب فتعتبر شروطه ثم يفسخ ويحكم له بذلك، ويبقى الثمن دينا عليه ان قبضه ويأخذ المبيع ويضعه عند عدل ويعطيه الثمن من غير المبيع ان كان والا باعه فيه. وعلم مما قررناه أن الرفع الى الحاكم ليفسخ عنده تكفى فيه الغيبة ولو عن المجلس. أما القضاء به وفصل الأمر فلا بد فيه من شروط القضاء على الغائب، فلا يقضى عليه مع قرب المسافة. والأصح أنه اذا عجز عن الانهاء لمرض مثلا، أو أنهى وأمكنه فى الطريق الاشهاد يلزمه الاشهاد على نفى الفسخ على الراجح (٢)، لا على طلبه لقدرته على الفسخ بحضرة الشهود فتأخيره حينئذ يتضمن الرضا. والأقرب كما قاله ابن الرفعة الاكتفاء بشاهد واحد كما هو الأصح فى أداء الضامن. ولو أشهد مستورين فبانا فاسقين فالأوجه الاكتفاء به على الأصح كنظيره من الضمان أيضا. ولا ينافى لزوم الاشهاد هنا ما يأتى فى الشفعة أنه لو سار طالبها لم يحتج للاشهاد، كما لو أرسل وكيلا ولم يشهد، لأن الرد هنا رفع الملك الراد واستمراره على الملك مشعر بالرضا فاحتاج الى الاشهاد على الفسخ ليخرج عن ملكه، والشفيع لا يستفيد دخول الشقص فى ملكه، وانما يقصد به اظهار الطلب والسير يغنى عن ذلك، وانما يلزمه الاشهاد فى تلك الصور ان أمكنه، وتسقط حينئذ عنه الفورية لعود المبيع الى ملك البائع بالفسخ فلا يحتاج الى أن يستمر حتى ينهيه الى البائع أو الحاكم الا لفصل الأمر خاصة، وحينئذ لا يبطل رده بتأخيره ولا باستخدامه، نعم يصير به متعديا.

стр. 4027

وقد علم من ذلك أن قوله حتى ينهيه غاية لفصل الأمر خاصة، ويجوز أن يكون غاية لوجوب الاشهاد. وبهذا التقرير الذى ذهب اليه جمع محققون بناء على ما مر من أنه يشهد على نفس الفسخ علم صحة كلامه، اذ بعد الفسخ لا وجه لوجوب فور ولا انهاء. ومن زعم أن الاكتفاء بالاشهاد انما هو عند تعذر الحاكم والخصم فغير صحيح. وحينئذ فمعنى ايجاب الاشهاد عليه فى حالتى وجود العذر وفقده أنه عند وجوده يسقط الانهاء ويجب تحرى الاشهاد ان تمكن منه وعند فقده يخير بينه وبين الانهاء وحينئذ يسقط الاشهاد أى تحريه فلا ينافى وجوبه لو صادفه شاهد. فان عجز عن الاشهاد لم يلزمه التلفظ بالفسخ فى الأصح، لأن ايجاب لفظ من غير سامع أو سامع لا يعتد به بعيد فيؤخر الى أن يأتى به عند المردود عليه أو الحاكم لعدم فائدته قبل ذلك. وجاء فى المجموع: ان الاشهاد (١) على عقد البيع والاجارة وسائر العقود غير النكاح والرجعة مستحب وليس بواجب. واستدلوا للاستحباب بقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» هذا مذهبنا. وقال ابن المنذر: وبه قال أبو أيوب الانصارى وأبو سعيد الخدرى والشعبى والحسن وأصحاب الرأى وأحمد واسحاق. وبهذا قال جمهور الأمة من السلف والخلف. قال ابن المنذر: وقالت طائفة يجب الاشهاد على البيع وهو فرض لازم يعصى بتركه. قال روينا هذا عن ابن عباس. قال: وكان ابن عمر اذا باع بنقد أشهد ولم يكتب قال: وروينا عن مجاهد قال: ثلاثة لا يستجاب لهم دعوة: رجل باع بنقد ولم يشهد. وقال روينا نحو هذا عن أبى بردة وعن أبى موسى وابى سليمان المرعشى. واحتجوا بقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾. واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة أن النبى ﷺ باع واشترى ولم ينقل الاشهاد فى ذلك. وكذلك

стр. 4028

الصحابة فى زمنه وبعده وحملوا الآية الكريمة على الاستحباب. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى لابن قدامة (١): تحت عنوان الاشهاد فى البيع: قال ويستحب الاشهاد فى البيع لقوله تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ» وأقل أحوال الأمر الندب، ولأنه أقطع للنزاع وأبعد من التجاحد. ويختص ذلك بماله خطر. فأما ما لا خطر له كحوائج البقال والعطار وشبهها فلا يستحب ذلك فيها، لأنها تكثر فيشق الاشهاد عليها، وتقبح اقامة البينة عليها والترافع الى الحاكم فيها، بخلاف الكثير، وليس ذلك واجبا فى واحد منها ولا شرطا له. روى ذلك عن أبى سعيد الخدرى. وقال قوم: هو فرض لا يجوز تركه روى ذلك عن ابن عباس. وممن رأى الاشهاد واجبا فى البيع عطاء وجابر لظاهر الأمر. ولنا قوله تعالى (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته. قال أبو سعيد: صار الأمر الى الأمانة وتلا هذه الآية. ولأن النبى ﷺ اشترى من يهودى طعاما ورهنه درعه ومن رجل سراويل ومن أعرابى فرسا فجحده الأعرابى حتى شهد له خزيمة بن ثابت ولم ينقل أنه أشهد فى شئ من ذلك. وكان الصحابة يتبايعون فى عصره فى الأسواق فلم يأمرهم بالاشهاد ولا نقل عنهم مثله ولم ينكر عليهم النبى ﷺ ولو كانوا يشهدون فى كل مبايعاتهم لنقل. وقد أمر النبى ﷺ عروة بن الجعد البارقى أن يشترى له أضحية ولم يأمره بالاشهاد، ولأن المبايعة تكثر بين الناس فى أسواقهم وغيرها، فلو وجب الاشهاد فى كل ما يتبايعونه أفضى الى الحرج المحطوط عنا بقوله تعالى «ما جعل عليكم فى الدين من حرج والآية المراد بها الارشاد الى حفظ الأموال

стр. 4029

والتعليم كما أمر بالرهن والكتاب وليس بواجب. وهذا ظاهر. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (١): وفرض على كل مبتبايعين لما قل أو كثر أن يشهدا على تبايعهما رجلين، أو رجل وامرأتين من العدول، فان لم يجد عدولا سقط فرض الاشهاد، فان لم يشهدا وهما يقدران على الاشهاد فقد عصيا الله والبيع تام. فان كان البيع بثمن الى أجل مسمى ففرض عليهما مع الاشهاد أن يكتباه. برهان ذلك قول الله تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ». وروى عن مجاهد فى قول الله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» قال مجاهد: كان ابن عمر اذا باع بنقد أشهد وان باع نسيئة كتب وأشهد. وقال محمد بن جرير الطبرى: لا يحل لمسلم اذا باع واذا اشترى الا أن يشهد والا كان مخالفا لكتاب الله . مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٢): ويجب على متحمل الشهادة الأداء اذا طلب ذلك منه من له طلبه. وجاء فى الهامش: وقد يكون التحمل واجبا ومحظورا ومندوبا ومباحا ومكروها. أما الواجب ففى النكاح أو عند خشية فوات المال والمحظور فى الربا وطلاق البدعة. وقد يكون مندوبا وهو فى البيع والمعاملات. وقد يكون مباحا وهو الزيادة على الشاهد فى المعاملات ونحوها. وجاء فى التاج المذهب (٣): أن البيع يرد بالعيب اذا اجتمع فيه شروط ثلاثة. أحدها أن يكون العيب قد ثبت قبل البيع أو حدث فى المبيع قبل القبض. والثانى ألا يكون العيب قد زال عن المبيع بل بقى فيه مع المشترى، أو كان قد زال عند القبض، لكنه عاد مع المشترى.

стр. 4030

الثالث أن يكون قد شهد عدلان أو رجل وامرتان، أو عدلة فيما يتعلق بعورات النساء تصف ذلك للعدلين وهما يشهدان عند الحاكم أنه عيب ينقص القيمة أو يثبت عيب المبيع بشهادة رجل ويمين المدعى، أو بعلم الحاكم أو باقرار البائع أو نكوله أو برده اليمين، ولا بد أن يكون الشاهدان من ذوى الخبرة فى ذلك المبيع كالحدادين فى الحديد والحمارين فى الحمير أو من له خبرة وان لم يكن من أهل العلاج فى ذلك الشئ. ولا بد أن تكون الشهادة بلفظها لبيان ما هو العيب. ويرجع الى نظر الحاكم فى تعرف حاله هل ينقص القيمة أولا، فلو شهد شاهدان أنه عيب فقط وشهد آخران أنه ينقص القيمة فلا يكفى، لأنها مركبة، ولأنهما لم يبينا ما هو العيب، فلو بينا صحت الشهادة فى هذه المسئلة ولو مركبة، لأن الشاهدين الآخرين كالمعرفين لحالة العيب. مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف (١) أن الشهادة ليست شرطا فى انعقاد شئ من العقود أصلا، وبه قال جميع الفقهاء الا فى النكاح. ودليلنا اجماع الفرقة واخبارهم. وأما قوله تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» فمحمول على الاستحباب دون الوجوب. لأنه تعالى قال: وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة». فالبيع الذى أمرنا بالاشهاد عليه هو البيع الذى أمرنا بأخذ الرهن به عند عدم الشهادة، فلو كانت واجبة ما تركها بالوثيقة. وأيضا قال تعالى «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ»﴾. فثبت أنه غير واجب اذ لو كان واجبا لما جاز تركه بالأمانة. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٢): وخص بيع النقد بصنف معلوم من كل ما يكال أو يوزن بعيار، أراد به ما يشمل الميزان، كذلك أى معلوم وان بلا شهود وبلا أجل وبلا وزن للدنانير والدراهم المنقدة يعنى أن ذلك غير واجب. فان فعل فهو أحسن، لأن فى الاشهاد حفظا للمال وكميته وبه يحفظ كم أنقد وكم ترتب فى ذمة الآخر وما نوعه، ولأن الأصل فى بيع غير اليد باليد التأجيل، لأنه تأخير الى وقت معين، بخلاف العاجل بلا أجل، فانه تأخير الى غير معين، فهو
следующие страницы →