← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

ألا تكون بينة كما ينقض النكاح لاختلاف حكمهما. وجاء فى نهاية المحتاج (١): لو علم المشترى بالعيب فى المبيع بعد زوال ملكه الى غيره فلا أرش له فى الأصح، فان عاد الملك له فله الرد، والرد على الفور. فان كان البائع غائبا عن البلد ولا وكيل له بها رفع الأمر الى الحاكم، ولا يؤخره لحضوره، فيقول اشتريته من فلان الغائب بكذا ثم ظهر به عيب كذا، ويقيم البينة على كل ذلك، ويحلفه أن الأمر جرى كذلك، لأنه قضاء على غائب فتعتبر شروطه ثم يفسخ ويحكم له بذلك، ويبقى الثمن دينا عليه ان قبضه ويأخذ المبيع ويضعه عند عدل ويعطيه الثمن من غير المبيع ان كان والا باعه فيه. وعلم مما قررناه أن الرفع الى الحاكم ليفسخ عنده تكفى فيه الغيبة ولو عن المجلس. أما القضاء به وفصل الأمر فلا بد فيه من شروط القضاء على الغائب، فلا يقضى عليه مع قرب المسافة. والأصح أنه اذا عجز عن الانهاء لمرض مثلا، أو أنهى وأمكنه فى الطريق الاشهاد يلزمه الاشهاد على نفى الفسخ على الراجح (٢)، لا على طلبه لقدرته على الفسخ بحضرة الشهود فتأخيره حينئذ يتضمن الرضا. والأقرب كما قاله ابن الرفعة الاكتفاء بشاهد واحد كما هو الأصح فى أداء الضامن. ولو أشهد مستورين فبانا فاسقين فالأوجه الاكتفاء به على الأصح كنظيره من الضمان أيضا. ولا ينافى لزوم الاشهاد هنا ما يأتى فى الشفعة أنه لو سار طالبها لم يحتج للاشهاد، كما لو أرسل وكيلا ولم يشهد، لأن الرد هنا رفع الملك الراد واستمراره على الملك مشعر بالرضا فاحتاج الى الاشهاد على الفسخ ليخرج عن ملكه، والشفيع لا يستفيد دخول الشقص فى ملكه، وانما يقصد به اظهار الطلب والسير يغنى عن ذلك، وانما يلزمه الاشهاد فى تلك الصور ان أمكنه، وتسقط حينئذ عنه الفورية لعود المبيع الى ملك البائع بالفسخ فلا يحتاج الى أن يستمر حتى ينهيه الى البائع أو الحاكم الا لفصل الأمر خاصة، وحينئذ لا يبطل رده بتأخيره ولا باستخدامه، نعم يصير به متعديا.

стр. 4027

وقد علم من ذلك أن قوله حتى ينهيه غاية لفصل الأمر خاصة، ويجوز أن يكون غاية لوجوب الاشهاد. وبهذا التقرير الذى ذهب اليه جمع محققون بناء على ما مر من أنه يشهد على نفس الفسخ علم صحة كلامه، اذ بعد الفسخ لا وجه لوجوب فور ولا انهاء. ومن زعم أن الاكتفاء بالاشهاد انما هو عند تعذر الحاكم والخصم فغير صحيح. وحينئذ فمعنى ايجاب الاشهاد عليه فى حالتى وجود العذر وفقده أنه عند وجوده يسقط الانهاء ويجب تحرى الاشهاد ان تمكن منه وعند فقده يخير بينه وبين الانهاء وحينئذ يسقط الاشهاد أى تحريه فلا ينافى وجوبه لو صادفه شاهد. فان عجز عن الاشهاد لم يلزمه التلفظ بالفسخ فى الأصح، لأن ايجاب لفظ من غير سامع أو سامع لا يعتد به بعيد فيؤخر الى أن يأتى به عند المردود عليه أو الحاكم لعدم فائدته قبل ذلك. وجاء فى المجموع: ان الاشهاد (١) على عقد البيع والاجارة وسائر العقود غير النكاح والرجعة مستحب وليس بواجب. واستدلوا للاستحباب بقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» هذا مذهبنا. وقال ابن المنذر: وبه قال أبو أيوب الانصارى وأبو سعيد الخدرى والشعبى والحسن وأصحاب الرأى وأحمد واسحاق. وبهذا قال جمهور الأمة من السلف والخلف. قال ابن المنذر: وقالت طائفة يجب الاشهاد على البيع وهو فرض لازم يعصى بتركه. قال روينا هذا عن ابن عباس. قال: وكان ابن عمر اذا باع بنقد أشهد ولم يكتب قال: وروينا عن مجاهد قال: ثلاثة لا يستجاب لهم دعوة: رجل باع بنقد ولم يشهد. وقال روينا نحو هذا عن أبى بردة وعن أبى موسى وابى سليمان المرعشى. واحتجوا بقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾. واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة أن النبى ﷺ باع واشترى ولم ينقل الاشهاد فى ذلك. وكذلك

стр. 4028

الصحابة فى زمنه وبعده وحملوا الآية الكريمة على الاستحباب. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى لابن قدامة (١): تحت عنوان الاشهاد فى البيع: قال ويستحب الاشهاد فى البيع لقوله تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ» وأقل أحوال الأمر الندب، ولأنه أقطع للنزاع وأبعد من التجاحد. ويختص ذلك بماله خطر. فأما ما لا خطر له كحوائج البقال والعطار وشبهها فلا يستحب ذلك فيها، لأنها تكثر فيشق الاشهاد عليها، وتقبح اقامة البينة عليها والترافع الى الحاكم فيها، بخلاف الكثير، وليس ذلك واجبا فى واحد منها ولا شرطا له. روى ذلك عن أبى سعيد الخدرى. وقال قوم: هو فرض لا يجوز تركه روى ذلك عن ابن عباس. وممن رأى الاشهاد واجبا فى البيع عطاء وجابر لظاهر الأمر. ولنا قوله تعالى (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته. قال أبو سعيد: صار الأمر الى الأمانة وتلا هذه الآية. ولأن النبى ﷺ اشترى من يهودى طعاما ورهنه درعه ومن رجل سراويل ومن أعرابى فرسا فجحده الأعرابى حتى شهد له خزيمة بن ثابت ولم ينقل أنه أشهد فى شئ من ذلك. وكان الصحابة يتبايعون فى عصره فى الأسواق فلم يأمرهم بالاشهاد ولا نقل عنهم مثله ولم ينكر عليهم النبى ﷺ ولو كانوا يشهدون فى كل مبايعاتهم لنقل. وقد أمر النبى ﷺ عروة بن الجعد البارقى أن يشترى له أضحية ولم يأمره بالاشهاد، ولأن المبايعة تكثر بين الناس فى أسواقهم وغيرها، فلو وجب الاشهاد فى كل ما يتبايعونه أفضى الى الحرج المحطوط عنا بقوله تعالى «ما جعل عليكم فى الدين من حرج والآية المراد بها الارشاد الى حفظ الأموال

стр. 4029

والتعليم كما أمر بالرهن والكتاب وليس بواجب. وهذا ظاهر. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (١): وفرض على كل مبتبايعين لما قل أو كثر أن يشهدا على تبايعهما رجلين، أو رجل وامرأتين من العدول، فان لم يجد عدولا سقط فرض الاشهاد، فان لم يشهدا وهما يقدران على الاشهاد فقد عصيا الله والبيع تام. فان كان البيع بثمن الى أجل مسمى ففرض عليهما مع الاشهاد أن يكتباه. برهان ذلك قول الله تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ». وروى عن مجاهد فى قول الله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» قال مجاهد: كان ابن عمر اذا باع بنقد أشهد وان باع نسيئة كتب وأشهد. وقال محمد بن جرير الطبرى: لا يحل لمسلم اذا باع واذا اشترى الا أن يشهد والا كان مخالفا لكتاب الله . مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٢): ويجب على متحمل الشهادة الأداء اذا طلب ذلك منه من له طلبه. وجاء فى الهامش: وقد يكون التحمل واجبا ومحظورا ومندوبا ومباحا ومكروها. أما الواجب ففى النكاح أو عند خشية فوات المال والمحظور فى الربا وطلاق البدعة. وقد يكون مندوبا وهو فى البيع والمعاملات. وقد يكون مباحا وهو الزيادة على الشاهد فى المعاملات ونحوها. وجاء فى التاج المذهب (٣): أن البيع يرد بالعيب اذا اجتمع فيه شروط ثلاثة. أحدها أن يكون العيب قد ثبت قبل البيع أو حدث فى المبيع قبل القبض. والثانى ألا يكون العيب قد زال عن المبيع بل بقى فيه مع المشترى، أو كان قد زال عند القبض، لكنه عاد مع المشترى.

стр. 4030

الثالث أن يكون قد شهد عدلان أو رجل وامرتان، أو عدلة فيما يتعلق بعورات النساء تصف ذلك للعدلين وهما يشهدان عند الحاكم أنه عيب ينقص القيمة أو يثبت عيب المبيع بشهادة رجل ويمين المدعى، أو بعلم الحاكم أو باقرار البائع أو نكوله أو برده اليمين، ولا بد أن يكون الشاهدان من ذوى الخبرة فى ذلك المبيع كالحدادين فى الحديد والحمارين فى الحمير أو من له خبرة وان لم يكن من أهل العلاج فى ذلك الشئ. ولا بد أن تكون الشهادة بلفظها لبيان ما هو العيب. ويرجع الى نظر الحاكم فى تعرف حاله هل ينقص القيمة أولا، فلو شهد شاهدان أنه عيب فقط وشهد آخران أنه ينقص القيمة فلا يكفى، لأنها مركبة، ولأنهما لم يبينا ما هو العيب، فلو بينا صحت الشهادة فى هذه المسئلة ولو مركبة، لأن الشاهدين الآخرين كالمعرفين لحالة العيب. مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف (١) أن الشهادة ليست شرطا فى انعقاد شئ من العقود أصلا، وبه قال جميع الفقهاء الا فى النكاح. ودليلنا اجماع الفرقة واخبارهم. وأما قوله تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» فمحمول على الاستحباب دون الوجوب. لأنه تعالى قال: وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة». فالبيع الذى أمرنا بالاشهاد عليه هو البيع الذى أمرنا بأخذ الرهن به عند عدم الشهادة، فلو كانت واجبة ما تركها بالوثيقة. وأيضا قال تعالى «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ»﴾. فثبت أنه غير واجب اذ لو كان واجبا لما جاز تركه بالأمانة. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٢): وخص بيع النقد بصنف معلوم من كل ما يكال أو يوزن بعيار، أراد به ما يشمل الميزان، كذلك أى معلوم وان بلا شهود وبلا أجل وبلا وزن للدنانير والدراهم المنقدة يعنى أن ذلك غير واجب. فان فعل فهو أحسن، لأن فى الاشهاد حفظا للمال وكميته وبه يحفظ كم أنقد وكم ترتب فى ذمة الآخر وما نوعه، ولأن الأصل فى بيع غير اليد باليد التأجيل، لأنه تأخير الى وقت معين، بخلاف العاجل بلا أجل، فانه تأخير الى غير معين، فهو

стр. 4031

خلاف الأصل، ولو كان له أن يقبضه متى شاء ولا محذور فى التأجيل من جهة الشرع، ولا من جهة العقل، ولا يخرج به البيع عن كونه بيع نقد، لأنه سمى بيع نقد، لأنه أنقدت فيه الدراهم أو الدنانير أو كل منهما، وأما ما فى الذمة بها فغير منقد اذا كان عاجلا كما هو غير منقد اذا كان آجلا، ولا نرى شيئا يجوز بيعه أو شراؤه عاجلا، ولا يجوز آجلا، بل كل ما جاز بيعه عاجلا بلا احضار يجوز آجلا. ويدل على جواز بيع النقد المبوب له هنا بأجل قول الشيخ: ولا يحتاج فيه الى الشهود، ولا الى الأجل، فان معناه أنه لا يلزم فيه الاشهاد والتأجيل، ولا يكونان فيه شرطا، فهما جائزان لا واجبان، ولا حرام. الاشهاد فى الشفعة مذهب الحنفية: جاء فى الزيلعى (١) تستقر الشفعة بالاشهاد، لأنها حق ضعيف يبطل بالاعراض، فلا بد من الاشهاد بعد طلب المواثبة للاستقرار، كما أنه لا بد له من طلب المواثبة، وهو أن يطلب كما سمع، لقول النبى ﷺ «الشفعة لمن واثبها» وقوله: الشفعة كحل العقال، ولأن رغبته فيها بذلك تعلم، ولأنه يحتاج الى اثبات طلبه عند القاضى، ولا يمكنه ذلك الا بالاشهاد. وتملك الدار المشفوعة بأحد أمرين. أما بالأخذ اذا سلمها المشترى برضاه. أو بحكم الحاكم من غير أخذ، لأن ملك المشترى قد تم بالشراء، فلا يخرج عنه الى الشفيع الا برضاه أو بحكم الحاكم. ثم قال: فان علم الشفيع بالبيع أشهد فى مجلسه على الطلب، ثم على البائع ولو فى يده، أى اذا كان المبيع فى يده أو على المشترى أو عند العقار فهذان طلبان. فالأول طلب المواثبة. والثانى طلب التقرير. وفيه طلب ثالث وهو طلب الأخذ والتملك ولا بد من هذه الثلاثة.

стр. 4032

وعلق فى حاشية الشلبى على قوله «أشهد فى مجلسه على الطلب بقوله «قال فى الهداية: والاشهاد فيه أى فى طلب المواثبة ليس لازم، لأن طلب المواثبة ليس لاثبات الحق، وانما شرط هذا الطلب ليعلم أنه غير معرض عن الشفعة حتى يمكنه الحلف حين يطلب المشترى حلفه أنه طلبها كما سمع وفى الذخيرة. وانما ذكر أصحابنا الاشهاد عند الطلب لا لأنه شرط صحة هذا الطلب، بل لاعتبار ثبوته على المشترى عند انكاره الطلب. ثم قال الزيلعى أيضا: فالأول وهو طلب المواثبة فلما رويناه. والشرط أن يطلب كما علم على الفور من غير تأخير ولا سكوت، لأن سكوته بعد العلم يدل على رضاه بجوار الجار الحادث ومعاشرته فتبطل شفعته به. ولو أخبر بكتاب والشفعة فى أوله أو وسطه فقرأ الكتاب الى آخره بطلت شفعته اذا كان ذلك بعد علم المشترى والثمن ومعرفتهما، لأن السكوت انما يكون دليل الرضا بعد العلم بهما. ثم اذا أخبر بحضرة الشهود يشهدهم عليه. وان لم يكن بحضرته أخذ يطلب من غير اشهاد، لأن هذا الطلب صحيح من غير اشهاد، والاشهاد لمخافته الجحود، والانكار والطلب لا بد منه كيلا يسقط حقه فيما بينه وبين الله تعالى، وليمكنه الحلف اذا حلف، ولئلا يكون معرضا عنها وراضيا بجوار الدخيل. ويشترط أن يكون متصلا بعلمه عند عامة المشايخ. وهو مروى عن محمد رحمه الله تعالى. وعنه ان له التأمل الى آخر المجلس. وبهذه الرواية أخذ الكرخى رحمه الله تعالى: ولو قال بعد ما بلغه البيع: الحمد لله أو: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. أو سبحان الله لا تبطل شفعته على هذه الرواية، لأن الأول حمد على الخلاص من جوار البائع. والثانى تعجب منه لقصد الاضرار به ببيعه من المشترى الذى لا يرغب فى جواره، والثالث لافتتاح الكلام به .. ولا يدل شئ من ذلك على الأعراض. وكذا اذا قال عند العلم: من ابتاعها وبكم بيعت؟ لأنه يرغب فيها

стр. 4033

بثمن دون ثمن ويرغب عن مجاورة بعض دون بعض فلا يدل ذلك على الأعراض. وكذا لو قال: خلصنى الله .. ويصح الطلب بكل لفظ يفهم طلب الشفعة فى الحال. ولا يجب عليه الطلب حتى يخبره به رجلان ولو غير عدلين، أو واحد عدل عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، أو رجل وامرأتان لأن فيه الزاما من وجه دون وجه فيشترط فيه أحد شطرى الشهادة اما العدالة أو العدد .. وعندهما. يجب عليه الاشهاد اذا أخبره واحد، حرا كان أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا اذا كان الخبر حقا. واذا لم يشهد بطلت شفعته. ولو أخبره المشترى بنفسه يجب عليه الطلب بالاجماع كيفما كان، لأنه خصم فيه. والعدالة غير معتبرة فى الخصوم. وأما الثانى وهو طلب التقرير فلا بد من الاشهاد فيه، لأنه يحتاج اليه لاثباته عند القاضى. ولا يمكنه الاشهاد على طلب المواثبة ظاهرا لأنه على الفور، ويحتاج بعد ذلك الى الاشهاد للتقرير، حتى لو أمكنه ذلك وأشهد عند طلب المواثبة، بأن بلغه البيع بحضرة الشهود والمشترى أو البائع حاضرا أو كان عند العقار يكفيه. ويقوم ذلك مقام الطلبين ذكره شيخ الاسلام. وكيفية هذا الطلب أن ينهض من المكان الذى سمع فيه، ويشهد على البائع ان كان المبيع فى يده، أو على المشترى، أو عند العقار، فاذا فعل ذلك استقرت شفعته. وانما صح الاشهاد عند هؤلاء الثلاثة، لأن المشترى والبائع خصم فيه بالملك أو باليد. فأما عند العقار فلتعلق الحق به. ولا يكون البائع خصما بعد تسليم المبيع للمشترى لعدم الملك واليد، فلا يصح الاشهاد عليه بعده، هكذا ذكره القدورى والناطفى. وذكر شيخ الاسلام أنه يصح استحسانا. ومدة هذا الطلب مقدرة بالتمكن من الاشهاد مع القدرة على أحد هؤلاء الثلاثة، حتى لو تمكن ولم يطلب بطلت شفعته. وان قصد الأبعد من هذه الثلاثة وترك الأقرب فان كانوا جميعا فى مصره جاز استحسانا، لأن نواحى المصر جعلت كناحية واحدة حكما كانهم فى مكان واحد ..

стр. 4034

وان كان بعضهم فى مصره والبعضر فى مصر آخر أو فى الرستاق فقصد الأبعد وترك الذى فى مصره بطلت شفعته قياسا واستحسانا، لتباين المكانين حقيقة وحكما .. وان كان الشفيع غائبا يطلب طلب المواثبة حين يعلم ثم يعذر فى تأخير طلب التقرير بقدر المسافة الى أحد هذه الثلاثة. وصورة هذا الطلب أن يقول: ان فلانا اشترى هذه الدار وأنا شفيعها، وقد كنت طلبت الشفعة واطلبها الآن فاشهدوا على ذلك. وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه يشترط تسمية المبيع وتحديده، لأن مطالبة غير المعلوم لا تصح، فاذا لم يبين المطلوب لم يكن للمطالبة اختصاص بالبيع فلم يكن لها حكم حتى تبين المطلوب. وأما الثالث وهو طلب الأخذ والتمليك فلا بد منه أيضا، لأنه لا يحكم له بدون طلبه. ثم لا تسقط الشفعة بالتأخير فيه أى لا تسقط بتأخير هذا الطلب، وهو طلب الأخذ بعد ما استقرت شفعته بالاشهاد، وهذا عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى فى ظاهر الرواية. مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى: على الشرح (١) الكبير: وملك الشقص أى ملكه الشفيع بأحد أمور ثلاثة بحكم من حاكم له به أو دفع ثمن من الشفيع للمشترى. أو اشهاد بالأخذ ولو فى غيبة المشترى. وعلق الدسوقى فى الحاشية على قوله (أو اشهاد بالأخذ) بقوله: أى بالشفعة، وأما الاشهاد بأنه باق على شفعته فلا يملكه بذلك. سواء أشهد بذلك خفية أو جهرا. فلو أشهد انه باق على شفعته ثم سكت حتى جاوز الأمد المسقط حق الحاضر، ثم قام يطلبها، فلا ينفعه ذلك وتسقط شفعته، كما لأبى عمران العبدوسى .. وأما قوله (ولو فى غيبة المشترى) أى عند ابن عرفة.

стр. 4035

خلافا لابن عبد السّلام حيث قيد كون الاشهاد بحضرة المشترى ولا يعرف ذلك لغيره. ولعل هذا الخلاف مخرج على الخلاف فى أن الشفعة شراء أو استحقاق. فكلام ابن عرفة على الثانى. وكلام ابن عبد السّلام على الأول. ولزم الشفيع الأخذ بالشفعة ان أخذ أى قال أخذت وقد عرف الثمن. فان لم يعلم الثمن، فالأخذ صحيح غير لازم على المشهور. وقيل: بل فاسد، لأن الأخذ بالشفعة ابتداء بيع بثمن مجهول، فيرد، وله الأخذ بعد ذلك. واذا لزم فان وفى الثمن فواضح، وان لم يوفه باع الحاكم للتوفية من ماله. والحاصل أن الشفيع اذا قال بعد شراء المشترى: اشهدوا أنى أخذت بالشفعة فانه يلزمه ذلك الأخذ، ولا ينفعه رجوعه بشرط أن يعرف الثمن الذى اشترى به المشترى الشقص من الشريك. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (١): وان وجبت له الشفعة، وهو محبوس، أو مريض، أو غائب نظرت. فان لم يقدر على الطلب ولا على التوكيل، ولا على الاشهاد، فهو على شفعته، لأنه ترك لعذر. وان قدر على التوكيل فلم يوكل، ففيه ثلاثة أوجه. أحدها وهو قول القاضى أبى حامد أنه تسقط شفعته، لأنه ترك الطلب مع القدرة، فأشبه ما اذا قدر على الطلب بنفسه وترك. والثانى: وهو قول أبى على الطبرى أنه لا تسقط، لأن التوكيل ان كان بعوض لزمه غرم، وفيه ضرر، وان كان بغير عوض احتاج الى التزام منه، وفى تحملها مشقة، وذلك عذر فلم تسقط به الشفعة. ومن أصحابنا من يقول: لو وجد من يتطوع بالوكالة سقطت شفعته لأنه ترك

стр. 4036

الطلب من غير ضرر. فان لم يجد من يتطوع لم تسقط، لأنه ترك للضرر. وان عجز عن التوكيل وقدر على الاشهاد، فلم يشهد ففيه قولان. أحدهما: تسقط شفعته، لأن الترك قد يكون للزهد، وقد يكون للعجز. وقد قدر على أن يبين ذلك بالشهادة فاذا لم يفعل سقطت شفعته. والثانى: لا تسقط، لأن عذره فى الترك ظاهر فلم يحتج معه الى الشهادة. وجاء فى نهاية المحتاج: أنه اذا كان من له حق الشفعة مريضا، أو محبوسا، ولو بحق، وعجز عن الطلب بنفسه، أو كان غائبا عن بلد المشترى، بحيث تعد غيبته حائلة بينه وبين مباشرة الطلب كما جزم به السبكى تبعا لابن الصلاح أو كان خائفا من عدو أو من افراط برد، أو حر، فليوكل فى الطلب ان قدر على ذلك، لأنه الممكن. وان لم يقدر بأن عجز عن التوكيل، فليشهد رجلين، أو رجلا وامرأتين، أو واحدا ليحلف معه، قياسا على الرد بالعيب. وقال الزركشى: انه الأقرب. وبه جزم ابن كج فى التجريد. خلافا للرويانى. وقال فى الروض: ولا يغنيه الاشهاد عن الرفع الى القاضى. والاشهاد يكون على الطلب. ولو قال: أشهدت فلانا وفلانا فانكرا لم يسقط حقه. فان ترك المقدور عليه منهما، أى من التوكيل والاشهاد المذكورين بطل حقه فى الأظهر، لتقصيره المشعر بالرضا. والثانى: لا يبطل حقه، احالة للترك على السبب الظاهر، لا سيما أن التوكيل لا بد فيه من بذل مؤنة، أو تحمل منه. نعم الغائب مخير بين التوكيل، وبين الرفع الى الحاكم، كما أخذه السبكى من كلام البغوى. قال: وكذا اذا حضر الشفيع وغاب المشترى. ويجوز للقادر التوكيل أيضا. ففرضهم ذلك عند العجز انما هو لتعينه حينئذ طريقا، لا لامتناعه عند القدرة على الطلب بنفسه.

стр. 4037

ولو سار عقب العلم بنفسه، أو وكل، لم يتعين عليه الاشهاد على الطلب حينئذ. بخلافه فى نظيره من الرد بالعيب، لأن الاشهاد هناك على المقصود، وهو الفسخ، والاشهاد هنا على الطلب، وهو وسيلة يغتفر فيها ما لا يغتفر فى المقصود (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع (٢): من شروط الشفعة المطالبة بها على الفور، بأن يشهد بالطلب حين يعلم ان لم يكن عذر. ثم اذا أشهد على الطلب له ان يخاصم المشترى ولو بعد أيام. ولا يشترط فى المطالبة حضور المشترى. لكن ان كان المشترى غائبا عن المجلس، حاضرا فى البلد، فالأولى أن يشهد على الطلب. ويبادر الشفيع الى المشترى فيطالبه بنفسه، أو بوكيله بالشفعة خروجا من الخلاف. فان بادر الشفيع، أو بادر وكيله من غير اشهاد أنه على الشفعة فهو على شفعته. فان كان للشفيع عذر يمنعه من الطلب، مثل أن لا يعلم بالبيع، أو علم الشفيع بالبيع ليلا، فأخر الطلب الى الصبح مع غيبة مشتر عنه، أو أخر الطلب لشدة جوع أو عطش ونحوه لم تسقط. ثم قال: فان أخر الشريك الطلب مع امكانه ولو جهلا، بأن التأخير مسقط لها، ومثله لا يجهل سقطت. الا أن يعلم الشريك بالبيع وهو غائب عن البلد فيشهد على الطلب بها فلا تسقط شفعته. ولو أخر المبادرة الى الطلب بعد الاشهاد وعند امكانه، لأن اشهاده بالطلب دليل على الرغبة، وعلى أنه لا مانع له من الطلب، الا قيام العذر به كغائب ومريض ومحبوس.

стр. 4038

وتسقط الشفعة اذا علم الشريك بالبيع وهو غائب، وسار هو أى الشريك الغائب، أو سار وكيله الى البلد الذى فيه المشترى فى طلبها أى الشفعة، ولم يشهد قبل سيره، ولو سار سيرا معتادا لأن السير يكون لطلب الشفعة ولغيره، وقد قدر أن يبين كون سيره لطلب الشفعة بالاشهاد عليه، فاذا لم يفعل سقطت كتارك الطلب مع حضوره. وان أخر الشريك الطلب والاشهاد لعجز عنهما، أو لعجزه عن السير الى المشترى فيطالبه، أو الى من يشهده على أنه مطالب، كالمريض لا من صداع وألم قليل، لأن ذلك لا يعجزه عن الطلب والاشهاد «كالمحبوس» ظلما، أو بدين لا يمكنه أداؤه، أو مثل الغائب لا يجد من يشهده، أو وجد من لا تقبل شهادته كالمرأة أو الفاسق ونحوها كغير بالغ، أو وجد مستور الحال فلم يشهدهما لم تسقط شفعته، لأنه معذور بعدم قبول شهادتهما .. قال فى تصحيح الفروع: ينبغى أن يشهدهما، ولو لم يقبلهما الحاكم. وهو على شفعته اذا أشهد على الطلب عند زوال عذره. أو وجد الغائب من لا يقدم معه الى موضع المطالبة فلم يشهده لم تسقط شفعته اذ لا فائدة فى اشهاده. فان وجد واحدا فأشهده، أو لم يشهده لم تسقط، أو أخر الطلب أو الاشهاد لاظهارهم زيادة فى الثمن، أو اظهارهم نقصا فى المبيع، أو لاظهارهم أن المشترى غيره، أو أخبره من لا يقبل خبره لفسقه فلم يصدقه، ولم يطلب أو يشهد فهو على شفعته. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى (١): ومن لم يعرض على شريكه الأخذ قبل البيع حتى باع فوجبت الشفعة بذلك للشريك. فالشريك على شفعته علم بالبيع، أو لم يعلم، حضره أو لم يحضره، أشهد عليه أو لم يشهد، حتى يأخذ متى شاء، ولو بعد ثمانين سنة أو أكثر أو يلفظ بالترك فيسقط حينئذ. ولا يسقط حقه بعرض غير شريكه أو رسوله عليه. ثم قال فى موضع آخر ردا على من يشترط الاشهاد. وقد علمنا أن حق الشريك واجب بعد البيع اذا لم يؤذنه البائع قبل البيع فأى حاجة به الى الاشهاد، أو من أين الزموه اياه وأسقطوا حقه بتركه؟. هذا خطأ فاحش واسقاط لحق قد

стр. 4039

وجب بايجاب الله تعالى فما يقويه الاشهاد ولا يضعفه تركه. مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب (١): وتبطل شفعته بتراخيه عقيب خبر عدلين بالبيع، وصحته، والمبيع، وقدر الثمن، وجنسه، وثمن المشترى، وأين موضعه، أو خبر عدل واحد وعدلتين. ولا يعتبر لفظ الشهادة بل العدد فقط. فاذا تراخى عقيب أن أخبر بكل ذلك بطلت شفعته مطلقا، أى ظاهرا، وباطنا، لا لو جهل ذلك أو شيئا منه لم تبطل شفعته بتراخيه، ولو كان المشترى دون الثلاث. والقول قوله بنفى العلم بها مع يمينه. أو تراخى عقيب خبر يثمر له ظنا فقط. ولا يشترط عدالة المخبر، بل لو كان صغيرا أو كبيرا كافرا مع حصول الظن بطلت شفعته دينا فقط، أى فيما بينه وبين الله تعالى، لا فى ظاهر الحكم، فلا يبطل الا بخبر عدلين أو عدل وعدلتين. نعم فمتى تراخى عن الطلب بلسانه، ولو كان هو وحده والسير المعتاد بنفسه الى المشترى ليطلب الشفعة أو البعث برسول أو وكيل. والكتاب الى المشترى يقوم مقام الرسول عقيب ان يبلغه الشراء والمبيع وقدر الثمن وجنسه. فاذا لم يفعل أى هذه بطلت شفعته بتراخيه عن الطلب ولو كان فى مسافة الثلاث، لأن الشفعة لا تثبت الا بالطلب فورا، وعند أن يظفر بالمشترى بعد السير اليه يطلب الشفعة. ولا يستغنى بالطلب الأول عند أن علم بالشراء ولو أشهد عليه. ولا تجب عليه المرافعة ولا الاشهاد عند الطلب ولا الخروج للسير. ثم جاء فى موضع آخر (٢): واذا اشترى للغير ماله فيه شفعة بالوكالة من الغير، أو الولاية عليه لم تبطل شفعته.

стр. 4040

ولكن يجب أن يطلب لنفسه عقيب الشراء فى المجلس قبل الاعراض فيقول: وأنا طالب لنفس الشفعة فيما شريته. هذا حيث كان الشراء بالولاية أو الوكالة ولم يضف. فأما مع الاضافة فيكون الطلب فورا فى وجه الأصل، لأن الحقوق لا تعلق بالوكيل مع الاضافة ولا بالفضولى. ولا يحتاج فى الحالتين الى اشهاد عند الطلب أو مرافعة الى الحاكم. وان ناكر المشترى له الطلب بين به متولى الشراء. ولا يسلم اليه، أى ليس له أن يسلم للمشفوع فيه الى نفسه، وانما يملك المشفوع فيه اذا سلمه المشترى له طوعا أو بالحكم، فان تعذر رافع نفسه الى من يصلح ليحكم له. مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف (١) أنه اذا وجبت الشفعة فسار الشفيع الى المطالبة بشفعته، فلم يأت المشترى فيطالبه، ولا الى الحاكم، بل مضى الى الشهود، وأشهد على نفسه بأنه مطالب بالشفعة، لم تبطل شفعته. والدليل على ذلك أنه قد وجب له الشفعة وابطالها يحتاج الى دليل ولا دليل يدل على ذلك. وجاء فى الروضة البهية (٢): ان الشفعة تثبت للغائب وان طالت غيبته، فاذا قدم من سفره أخذ ان لم يتمكن من الأخذ فى الغيبة بنفسه أو وكيله، ولا عبرة بتمكنه من الاشهاد. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٣): واذا أراد الشفيع أخذ شفعته من المشترى مثلا. أتى المشترى بما يشفع به، ومعه أمينان، أو أمينتان وأمين، وأجيز ثلاثة من أهل الجملة، وأجيز اثنان. وان شفع بلا حضرة شهود جاز وانما الاستشهاد مخافة انكار المشترى أن يكون الشفيع قد أخذ شفعته أو فعل ما يلزمه. والمراد بالمعية أن يكون بحضرته عند المشترى أمينان سواء أتى بهما أو كانا عند المشترى فيقول له: انك

стр. 4041

اشتريت دار فلان أو يقول مثل ذلك مما يشتمل على ذكر أصل مبيع. ويجوز أن يقول انك اشتريت الدار التى فى موضع كذا أو النخلة أو نحو ذلك. ويميز ذلك بما لا يلتبس به مع غيره والفرض التمييز. وجاء فى النيل (١) وشرحه: هل تجب الشفعة على الفور بشرط العلم والقدرة وامكان الطلب أو وقتها موسع؟ قولان. فلو لم يعلم ولو الى أن مضت سنون وجبت عليه على الفور بعد العلم، وكذا ان لم يقدر لمرض أو عدو أو نحوهما. أو لم يمكن الطلب لكون المشترى جبارا لا يطيقه، ولا يقهر له، ولكن يشهد شهودا على أخذها فاذا قدر وأمكن الطلب وجبت على الفور بعد القدرة وامكان الطلب. ومن علم ولم يطلب واحتج بالتقية فعليه أن يشهد سرا بنزعها، وأنه لم يمنعه من أخذها الا الخوف على نفسه، أو ماله من المشترى، وان لم يشهد هكذا خيف عليه فوتها. ومن علم فى ضيعة يخاف فوتها ولم يجد من يخلف عليها فليشهد شاهدين على أخذها، فان لم يجدهما فانه يدرك شفعته. ويعذر حافظ أمانة بعذر أو غيره ان خاف عليها حتى يأمن عليها، وان وجد من يشهده فهو أولى. فان أمكنه الاشهاد وجهل أن يشهد، أو تعمد ترك الاشهاد خيف عليه فواتها. ولا يتشاغل بالاشهاد ان أمكنه الطلب والخروج الى المشترى. واذا قيل أن وقت الشفعة موسع فقد اختلف فى حد ذلك. فقيل: ثلاثة ايام بعد العلم. وقيل: سبعة أيام. وقيل: سنتان. وقيل: ثلاث سنين. وان كان صاحب الشفعة فى بلد غير بلد المشترى أشهد وسار فى حينه، أو يوكل ان منعه عذر مرض أو نحوه، أى على قول من قال لا يجوز التوكيل فى أخذ الشفعة، الا لعذر، وأجله ثلاثة أيام مطلقا، سواء كانت مسافة البلد ثلاثة أيام أو أقل. وفى التاج: من علم ليلا فلا تفوته ان لم يطلبها حتى أصبح.

стр. 4042

والمرأة اذا علمت نهارا فلا تفوتها حتى يدخل الليل. وقيل على المرأة أن تطلبها ليلا ان كانت مخدرة ولا يلزمها نهارا ولزمها أن تشهد فيه على أخذها حين تعلم بالبيع. ثم قال فى النيل وشرحه: ان المأخوذ به هو أن وقت الشفعة ثلاث سنين والمعمول به الآن فى هذه البلاد ثلاثة أيام. والوقت الذى هو ثلاث سنين هو وقت الاشهاد فى الأحكام، حتى ان بعض المشايخ يثبت الحيازة بثلاث سنين. وقيل: تفوت بمرور عام بعد العلم. وقيل: بمرور ثلاثة أيام بعد العلم. واذا أشهد الشفيع أنه قد أخذ شفعته من فلان، ولم يعلم المشترى حتى مضى أجل الشفعة. فقيل: صحت له. وقيل: بطلت. والشفيع فى شفعته ما لم تتم مدته فى الشفعة وهى ثلاثة أيام، أو سبعة أيام، أو سنة، أو سنتان، أو ثلاث سنين، أو تقطع عنه بأن يقول له هات لى ثمن ما اشتريت وخذه بالشفعة، ويصح ذلك بالتصديق أو بالاشهاد. ثم قال فى النيل (١) وشرحه وان مات مشتر ولم تؤخذ منه الشفعة فى حياته لم يشفع وارث الشفيع الا أن أحياها، أى الا أن أحيى الشفيع الشفعة فى حياة المشترى بأن أشهد أنه على الشفعة بناء على تراخيها فى ثلاثة أيام، أو غير الثلاثة على الخلاف فى مدتها أو أشهد لمانع له من أخذها ولو على القول بالفور، لأن الشفعة ليست فى ذمة المشترى ولا أمانة عنده فضلا عن أن تدرك بعد موته فى ماله الذى اشتراه، بل أن أخذه الشفيع صحت له، والا فلا. وحيث لم يأخذها منه حتى مات، ولم يحيها بالاشهاد، كان موته فواتا له وتركها حتى مات تركا لها. الاشهاد على الزنا الزنا جريمة من جرائم الحدود التى يكون الاعتداء فيها اعتداء على حق الله تعالى، وهو الذى نسميه حق المجتمع، اذ يتجه النظر فيه أول ما يتجه الى المحافظة على مصلحة المجتمع، وتوفير النفع والخير للكافة،. فهو يتصل بما يكون من شأنه أن يجعل الجماعة تعيش فى نقاء وطهر

стр. 4043

دينى وترتفع الى المستوى الأعلى الذى تسود فيه الفضيلة، وتحمى الجماعة من الانحلال، والتدهور الخلقى والانسانى. والحقوق التى لها مطالب من جهة العباد حين يتحمل الشاهد فيها الشهادة بالاشهاد أو بالمعرفة والاتصال. ويكون أداء الشهادة فيها واجبا ومفروضا اذا دعاه صاحب الشأن، أو خاف ضياع الحق اذا لم يشهد. وقد نهى الله تعالى عن عدم اجابة الدعوة الى أداء الشهادة فقال: «ولا يأب الشهداء اذا ما دعوا». كما نهى عن كتمان الشهادة وتوعد من يكتمها بالعقاب فقال: «ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه. والله بما تعملون عليم». أما جريمة الزنا فهى كما قلنا اعتداء على حق الله الخالص وليس فيها حق يطالب به العبد. ومثل هذا النوع. وحين تقع الجريمة ويقع نظر الشهود عليها. يكون الشاهد مأمورا أمرا فوريا بأحد أمرين، كلاهما حسبة لله تعالى على الشاهد. أولهما - أداء الشهادة، لاقامة حد الله تعالى ومنع الفساد فى الأرض وتثبيت دعائم الفضيلة فى المجتمع. وثانيهما: الستر، عملا بقوله ﷺ ؟ «من ستر على مسلم ستره الله تعالى فى الدنيا والآخرة. ولمنع أن تشيع الفاحشة فى المؤمنين بأعلان الخصومة والمقاضاة. لقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾. وعلى الشاهد أن يختار بين أكثر الواجبين نفعا لجماعة المؤمنين، وتحقيقا لمصالحهم. أيكون الستر أفضل، لأن المرتكب ذو مكانة فى الناس وقد زل زلة وعثر عثرة فوجبت اقالة عثرته، عسى أن يتوب ويتوب الله عليه، ولأن الشهادة اعلان للجريمة واشاعة للفاحشة وتسهيل لارتكابها. أم يكون الأولى كشف الجريمة وأعلانها منعا للجريمة، ووقاية للمجتمع من شرور هذا المجرم الأثيم؟ هو مخير بين هذين النظرين. واذا اختار الشهادة فلا بد أن يكون الشهود أربعة من الرجال، لقول الله تعالى: «وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ﴾

стр. 4044

﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً»﴾. وقوله: «لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ»﴾. فان هذه الآيات تدل على أنه يشترط لاثبات الزنا أربعة من الرجال، لأنه فى مقام بيان الحجة المثبتة لهذه الجريمة وترتيب العقوبة التى حددها الشارع على ثبوتها ولفظ أربعة فى الآيات اسم للعدد، وقد جاء مؤنثا فدل على أن المعدود مذكر كما تقتضيه قواعد العربية. وقد قام الاجماع وهو من أقوى الحجج على اعتبار مفهوم العدد. وعلى اعتبار الذكورة فيه. وقوله «(منكم) فى الآية الأولى يدل على ذلك. وقد رتب فى الآية الثانية جلد القاذف بالزنا على عدم اتيانه بأربعة شهداء لاثبات الزنا الذى قذف به، فدل على أنه لا يثبت بأقل من هذا العدد. ورتب فى الآية الثالثة اعتبار من رموا المحصنات بالزنا كاذبين على عدم اتيانهم بأربعة شهداء يثبتون صحة ما رموا به فدل ذلك على أن اثباته لا يكون الا بأربعة شهداء. ولا يقال أنه ليس فى هذه الآيات الا بيان جواز العمل بهذا العدد. وليس فيها ما يدل على وجوب العمل به ومنع العمل بأقل منه. لأن الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم الى يومنا هذا قد اجمعوا على أن شهود الزنا اذا نقص عددهم عن الأربعة لا تثبت جريمة الزنا ولا يحد المشهود عليه حد الزنا. ويعتبر الشهود قذفة فى حق المشهود عليه ويحدون حد القذف. وقد ثبت بالدليل الواضح الذى لا خلاف عليه من أحد أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد حد الثلاثة الذين شهدوا عنده على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم يعتبر شهادتهم مثبتة للزنا لنقصان العدد عما حدده الشارع نصابا للشهادة المثبتة فيه. ولو كان الزنا يثبت بما دون الأربعة لاعتبر شهادتهم مثبته ولحد المشهود عليه حد الزنا ولما حدهم حد القذف. وانما اشترط الشارع الحكيم فى الشهادة على الزنا أربعة شهداء. وحكم بأنه اذا لم يتم العدد أربعة يحد أولئك الذين شهدوا بالزنا وقالوا به ولو ثلاثة حد القذف، واعتبروا ظالمين كذابين فى نظر الشارع وفى نظر الناس، لأن هذه الجريمة جريمة خفية لا تصدر ممن يرتكبها الا فى تخف شديد وتستر عن أعين الناس واحساسهم بحيث لا يعلم بها

стр. 4045

أحد. ويندر أن يطلع مخلوق على هذه الجريمة بالصورة التى وقعت بها والحالة التى تمت عليها. والجرائم التى على هذا الوضع اذا لم يكن التحرى عن حقيقة وقوعها كاملا ترامى الناس بالقول بها من غير تردد ولا تحفظ ورمى بها البر والآثم. فكان لابد من التشدد فى ثبوتها وحين تظهر وتعلن مع هذا التشدد وهذا الاحتياط يكون الجو عرضة للتلوث وصالحا لانتشار الفساد. ومن ثم كان العقاب صارما والردع شديدا. ولأن غاية الشارع الحكيم من التشريع هو حماية الجماعة من أن يظهر فيها الشر والفساد، وأن تسود الفضيلة جو هذه الجماعة ولا تشيع فى أفقها العام الا ما يثبت دعائم هذه الفضيلة ويمكن لها حتى تعيش الجماعة فى طهر ونقاء تظلها الفضيلة ويسودها الطهر والعفاف فيجب أن تبقى أمثال هذه الجرائم الفاضحة الشنيعة منزوية وبعيدة عن اسماع الناس وأبصارهم، فاذا هى ظهرت وخرجت تمشى بين الناس كان بعثا للفساد ونشرا للفتنة. ووجب أخذ المجرم فيها باقصى العقاب، حتى لا يتتابع ظهورها ولا تنتشر رائحتها الكريهة. والنبى ﷺ يقول «من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فاستتر فهو فى ستر من الله ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد. فالاظهار وبداء الصفحة هو السبب فى اقامة الحد. وظهور المجرم بحيث يراه على جريمته أربعة من الناس ابداء للصفحة وكشف ليس وراءه كشف للستر، ولأن العقوبة فى أكثر الاحوال لا تنطبق شروط اثباتها الا على المصر عليها والمتشبث بها والذى تكررت منه حتى أمكن أن تقع منه علنا بحيث يعاين مثل هذه الواقعة أربعة من الشهود يرونها رأى العين. ما يعتبر فى الشهادة على الزنا مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع للكاسانى الحنفى (١): أن شرائط البينة القائمة على الحد منها ما يعم الحدود كلها، ومنها ما يخص البعض دون البعض. أما الذى يعم كل الحدود. فالذكورة والاصالة فلا تقبل شهادة النساء، ولا الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضى الى القاضى فى الحدود كلها، لتمكن زيادة الشبهة فيها، والحدود لا تثبت مع الشبهات. وأما الذى يخص البعض دون البعض، فمنها عدم التقادم، وأنه شرط فى حد

стр. 4046

الزنا، والسرقة، وشرب الخمر .. ومنها عدد الأربع فى الشهود فى حد الزنا، لقول الله . واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم. وقوله : «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾. وقوله «لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون. ولأن الشهادة أحد نوعى الحجة فيعتبر بالنوع الآخر وهو الاقرار وهناك فى الاقرار عدد الأربع شرط فكذا هنا بخلاف سائر الحدود فان عدد الأقارير الأربع لم يشترط فيها فكذا عدد الأربع من الشهود لم يشترط فيها. ولأن اشتراط عدد الأربع فى الشهادة يثبت معدولا به عن القياس بالنص، والنص ورد فى الزنا خاصة. فان شهد على الزنا أقل من أربعة لم تقبل شهادتهم لنقصان العدد المشروط. وهل يحدون حد القذف؟ قال أصحابنا يحدون، لما روى أن ثلاثة شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا فقام الرابع وقال: رأيت أقداما بادية، ونفسا عاليا، وأمرا منكرا ولا أعلم ما وراء ذلك، فقال سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه: الحمد لله الذى لم يفضح رجلا من أصحاب محمد ﷺ ، وحد الثلاثة حد القذف، وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام رضى الله عنهم، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر منهم، فيكون اجماعا. ولو شهد ثلاثة على الزنا، وشهد الرابع على شهادة غيره يحد الثلاثة حد القذف، لأن شهادتهم صارت قذفا لنقصان العدد، ولا حد على الرابع، لأنه لم يقذف. ولو علم أن أحد الأربع عبد أو مكاتب أو صبى، أو أعمى، أو محدود فى قذف، حدوا جميعا، لأن الصبى والعبد ليست لهما أهلية الشهادة أصلا ورأسا، فانتقص العدد، فصار كلامهم قذفا، والأعمى والمحدود فى القذف ليست لهما أهلية الشهادة أداء وان كانت لهم أهلية الشهادة تحملا وسماعا فقصرت أهليتهما للشهادة فانتقص العدد فصار كلامهم قذفا. ولو شهد الزوج وثلاثة نفر حد الثلاثة ولا عن الزوج امرأته لأن قذف الزوج يوجب اللعان لا الحد فانتقص العدد فى حق الباقين فصار كلامهم قذفا فيحدون ولو علم أن الشهود الأربعة عبيد أو كفار أو محدودون فى قذف أو عميان يحدون حد القذف وان علم أنهم فساق لا يحدون والفرق ما ذكرنا أن العبد والكافر لا شهادة لهما أصلا والأعمى والمحدود فى القذف لهما شهادة سماعا وتحملا لا أداء فكان كلامهم قذفا.

стр. 4047

والفاسق له شهادة على أصل أصحابنا سماعا وأداء فكان كلامه شهادة لا قذفا فلا يحدون حد القذف. ومنها اتحاد المجلس. وهو أن يكون الشهود مجتمعين فى مجلس واحد عند أداء الشهادة فان جاءوا متفرقين يشهدون واحدا بعد واحد لا تقبل شهادتهم، ويحدون وان كثروا، لأن كلامهم قذف حقيقة. وانما يخرج عن كونه قذفا شرعا بشرط أن يكونوا مجتمعين فى مجلس واحد وقت أداء الشهادة. فاذا انعدمت هذه الشريطة بقى قذفا فيوجب الحد. حتى لو جاءوا مجتمعين أو متفرقين وقعدوا فى موضع الشهود فى ناحية من المسجد، ثم جاءوا واحدا بعد واحد وشهدوا جازت شهادتهم، لوجود اجتماعهم فى مجلس واحد وقت الشهادة اذ المسجد كله مجلس واحد. ومنها أن يكون المشهود عليه بالزنا ممن يتصور منه الوط ء فان كان ممن لا يتصور منه الوط ء كالمجبوب لا تقبل شهادتهم ويحدون حد القذف. ولو كان المشهود عليه خصيا أو عنينا قبلت شهادتهم ويحد المشهود عليه فى ذلك، لتصور الزنا منهم لقيام الآلة. ومنها أن يكون المشهود عليه بالزنا ممن يقدر على دعوى الشبهة، فان كان ممن لا يقدر على ذلك كالأخرس لا تقبل شهادتهم، لأن من الجائز أنه لو كان قادرا لادعى شبهة. ولو كان المشهود عليه بالزنا أعمى قبلت شهادتهم، لأن الأعمى قادر على دعوى الشبهة لو كانت عنده شبهة. ولو شهدوا بالزنا ثم قالوا: تعمدنا النظر الى فرجها لا تبطل شهادتهم، لأن أداء الشهادة لا بد له من التحمل، ولا بد للتحمل من النظر الى عين الفرج، ويباح لهم النظر اليها لقصد اقامة الحسبة، كما يباح للطبيب النظر الى مكان المرض لقصد المعالجة. ولو قالوا: نظرنا مكررا بطلت شهادتهم، لأنه بالتكرار سقطت عدالتهم. ومنها اتحاد المشهود به، وهو أن يجمع الشهود الأربعة على فعل واحد، فان اختلفوا لا تقبل شهادتهم. وعلى هذا يخرج اذا شهد اثنان أنه زنى فى مكان كذا، وشهد آخران أنه زنى فى مكان آخر، والمكانان متباينان، بحيث يمتنع أن يقع فيهما فعل واحد عادة كالبلدين والدارين والبيتين لا تقبل شهادتهم. ولا حد على المشهود عليه، لأنهم شهدوا بفعلين مختلفين، لاختلاف المكانين، وليس على أحدهما شهادة الأربع. ولا حد على الشهود أيضا عند أصحابنا. وعند زفر يحدون، لأن عدد الشهود

стр. 4048

على الزنا قد انتقص ونقصان عدد الشهود يوجب صيرورة الشهادة قذفا. ولنا أن المشهود به لم يختلف عند الشهود، لأن عندهم أن هذا زنا واحد وانما وقع اختلافهم فى المكان، فثبت بشهادتهم شبهة اتحاد الفعل، فيسقط الحد بالشبهة .. وعلى هذا اذا اختلفوا فى الزمان فشهد اثنان أنه زنى بها يوم كذا، وشهد الاثنان الآخران أنه زنى بها فى يوم آخر. ولو شهد اثنان أنه زنى بها فى هذه الزاوية من البيت وشهد الاثنان الآخران أنه زنى بها فى هذه الزاوية الأخرى منه يحد المشهود عليه، لجواز أن ابتداء الفعل وقع فى هذه الزاوية من البيت، وانتهاؤه فى زاوية أخرى منه، لانتقالهما منه واضطرابهما، فلم يختلف المشهود به، فتقبل شهادتهم، حتى لو كان البيت كبيرا لا تقبل، لأنه يكون بمنزلة البيتين. ولو شهد أربعة بالزنا بامرأة فشهد اثنان أنه استكرهها، واثنان أنها طاوعته، لا حد على المرأة بالاجماع، لأن الحد لا يجب الا بالزنا طوعا. وأما الرجل فلا حد عليه عند أبى حنيفة. وعندهما يحد. ووجه قولهما أن زنا الرجل عن طوع ثبت بشهادة الأربع الا أنه انفرد اثنان منهم باثبات زيادة الاكراه منه، وأنه لا يمنع وجوب الحد. ولأبى حنيفة رحمه الله تعالى أن المشهود به قد اختلف، لأن فعل المكره غير فعل من ليس بمكره، فقد شهدوا بفعلين مختلفين، وليس على أحدها شهادة الأربع، فلا يحد المشهود عليه، ولا الشهود عند أصحابنا الثلاثة. خلافا لزفر. ثم الشهود اذا استجمعوا شرائط صحة الشهادة وشهدوا عند القاضى سألهم القاضى عن الزنا ما هو؟ وكيف هو؟ ومتى زنا؟ وأين زنى؟ وبمن زنى؟ لأنه يحتمل أنهم أرادوا غير الزنا المعروف فى السؤال عن الماهية. والسؤال عن الكيفية لأنه يحتمل أنهم أرادوا به الجماع فيما دون الفرج. والسؤال عن الزمان، لاحتمال أنهم شهدوا بزنا متقادم. والسؤال عن المكان، لأنه يحتمل أنه زنا فى دار الحرب. والسؤال عن المزنى بها، لأنه يحتمل أن تكون الموطوءة ممن لا يجب الحد بوطئها. فاذا سألهم القاضى فوصفوا سأل المشهود عليه أهو محصن أم لا. فان أنكر الاحصان وشهد على الاحصان

стр. 4049

رجلان أو رجل وامرأتان على الاختلاف سأل الشهود عن الاحصان ما هو؟ لأن له شرائط يجوز أن تخفى على الشهود، فاذا وصفوا قضى بالرجم. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير للامام الدردير وحاشية الدسوقى (١) عليه: ويثبت الزنا بالبينة العادلة أربعة رجال يرونه كالمرود فى المكحلة برؤية وزمن متحدين، أى يشهدون برؤية واحدة فى وقت واحد .. واذا ثبت الزنا بشهادة البينة المذكورة وادعت المرأة أنها بكر، أو رتقاء، ونظر اليها أربع نسوة وصدقتها على ذلك، فلا يسقط الحد المترتب عليها بشهادة الرجال الأربع. وكذلك لا يسقط الحد بشهادة أربع نسوة ببكارتها، بل ولا بشهادة أربع رجال بها، كما هو مذهب المدونة، لاحتمال دخول البكارة، فلا تمنع من تغييب الحشفة. وللرجال النظر اليها كما أفاده ابن مرزوق عن ابن القاسم. وأسقط اللخمى الحد بشهادة الرجال وشهادة النساء بالبكارة، لأن شهادتهم شبهة كما نقل عن ابن عرفة. فقد علمت أن من أسقط الحد بشهادة الرجال أسقطه بشهادة النساء. ومن لم يعتبر شهادة النساء وقال بالحد لم يعتبر شهادة الرجال. وجاء فى التاج والاكليل (٢): والشهادة فى اللواط كالزنا بوقت ورؤية اتحدا. ومن المدونة؟ وجه الشهادة فى الزنا أن يأتى الأربعة الشهداء فى وقت واحد يشهدون على وط ء واحد فى موضع واحد بهذا تتم الشهادة. وينبغى للقاضى أن يكشف الشهود بالزنا عن شهادتهم كيف رأوه؟ وكيف صنع؟ فان رأى فى شهادتهم ما يبطلها أبطلها. وفى المجموعة قال ابن القاسم كل الشهود لا يفرقون، ولا يسألون ان كانوا عدولا، الا فى الزنا، فانهم يفرقون ويسألون أنه أدخل فرجه فى فرجها.

стр. 4050

قال مالك لا تتم شهادتهم حتى يقولوا كالمرود فى المكحلة فى البكر والثيب. قال الغزالى: ونيط الزنا بهذا، وهذا قط لا يتفق. فهذا من أعظم الأدلة على طلب الشرع لستر الفواحش. فانظر الى الحكمة فى حرجهم فى باب الفاحشة بايجاب الرجم الذى هو أعظم العقوبات. ثم أنظر الى كشف ستر الله كيف أسبله على العصاة بتضييق الطريق فى كشفه فنرجوا من الله الستر يوم تبلى السرائر. وفى الحطاب: قال ابن عرفة وسمع عيسى ابن القاسم فى الشهادة على الشهادة فى الزنا: لا تجوز حتى يشهد أربعة على أربعة فى موضع واحد، ويوم واحد، وساعة واحدة فى موقف واحد على صفة واحدة .. قال ابن رشد: ليس من شرطها تسمية الموضع ولا اليوم ولا الساعة، وانما شرطها عند ابن القاسم ألا يختلف الأربعة فى ذلك. فان قالوا: رأيناه معا يزنى بفلانة غائبا فرجه فى فرجها كالمرود فى المكحلة تمت شهادتهم. وان قالوا: لا نذكر اليوم ولا نحد الموضع - وان قالوا فى موضع كذا ويوم كذا أو ساعة كذا من يوم كذا كان اثم. وان اختلفوا فى الموضع أو الأيام. فقال بعضهم: كان ذلك فى موضع كذا. وقال بعضهم بل كان فى موضع كذا. أو قال بعضهم فى يوم كذا. وقال بعضهم بل كان فى يوم كذا. بطلت شهادتهم عند ابن القاسم. وجازت عند ابن الماجشون، لأنهم اختلفوا فيما لو لم يذكروه تمت شهادتهم ولم يلزم الحاكم أن يسألهم عنه. وفى الموازية ان قال أحدهم: زنا بها منكبة وقال بعضهم مستلقية، بطلت الشهادة وحدوا للقذف. ومنه أيضا سمع عيسى: أن شهد أربعة بزنا رجل بامرأة فشهد اثنان أنها طاوعته، واثنان بأنه اغتصبها حد الأربعة. وفى التاج والاكليل: ولكل النظر للعورة. ومن المدونة قيل: ان شهد أربعة على رجل بالزنا فقالوا: تعمدنا النظر اليهما لتثبت الشهادة قال: كيف يشهد الشهود الا هكذا؟

стр. 4051

وناقض هذا ابن هارون بعدم اجازته فى اختلاف الزوجين فى عيوب الفرج، وكذا اذا اختلفا فى الاصابة وهى بكر أنها تصدق، ولا ينظرها النساء. قال القرويون ذلك مشكل. قال ابن عرفة يرد هذا بثلاثة أوجه: الأول أن الحد حق الله وثبوت العيب حق الآدمى، وحق الله آكد. الثانى ما لأجله نظر، وهو الزنا فانه محقق الوجود أو راجح الوجود أما ثبوت العيب فهو محتمل على السوية. الثالث: المنظور اليه فى الزنا هو مغيب الحشفة ولا يستلزم ذلك من الاحاطة بالنظر الى الفرج ما يستلزمه النظر الى العيب. وقال اللخمى ان لم يكن هذا الزانى معروفا بالفساد ففى تعمد النظر اليهما نظر. ويصح أن يقال: لا يكشفون ولا تتحقق عليهم الشهادة، لأن الشهود لو تبين لهم ذلك استحب لهم أن لا يبلغوا الشهادة. قال ابن عرفة وهذا كله أن عجز الشهود عن منع الفاعلين من اتمام ما قصداه أو ابتدآه من الفعل. ولو قدروا على ذلك بفعل أو قول فلم يفعلوا بطلت شهادتهم، لعصيانهم بعدم تغيير هذا المنكر، الا أن يكون فعلهم بحيث لا يمنع التغيير. وينبغى للامام أن يسألهم عن شهادتهم، فان كان فى شهادتهم ما يدرأ الحد درأه، فان غابوا قبل أن يسألهم عن شهادتهم قال ابن القاسم: ان غابوا غيبة بعيدة أو ماتوا أقام الحد بشهادتهم. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (١): المستحب أن يحضر اقامة الحد جماعة لقوله تعالى: «وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ». والمستحب أن يكونوا أربعة، لأن الحد يثبت بشهادتهم. ولا يقبل فى الشهادة على الزنا أقل من أربعة أنفس ذكور، لقول الله ﵎ «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ، فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ، أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً»﴾. وروى أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله: أرأيت أن وجدت مع امرأتى رجلا، أمهله حتى آتى بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ : نعم.

стр. 4052

وشهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة، أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد. وقال زياد: رأيت استاتنبو، ونفسا يعلو، ورجلان كأنهما أذنا حمار، لا أدرى ما وراء ذلك، فجلد عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه الثلاثة ولم يجلد المغيرة. ولا يقبل فى اللواط الا أربعة، لأنه كالزنا فى الحد، فكان كالزنا فى الشهادة. فأما اتيان البهيمة فان قلنا أنه يجب فيه الحد، فهو كالزنا فى الشهادة، لأنه كالزنا فى الحد، فكان كالزنا فى الشهادة. وان قلنا أنه يجب فيه التعزير ففيه وجهان. أحدهما وهو قول أبى على بن خيران واختيار المزنى رحمه الله تعالى أنه يثبت بشاهدين، لأنه لا يلحق بالزنا فى الحد فلم يلحق به فى الشهادة. والثانى وهو الصحيح أنه لا يثبت الا بأربعة لأنه فرج حيوان يجب بالايلاج فيه العقوبة، فاعتبر فى الشهادة عليه أربعة كالزنا. ونقصانه عن الزنا فى العقوبة لا يوجب نقصانه عنه فى الشهادة، كزنا الأمة ينقص عن زنا الحرة فى الحد ولا ينقص عنه فى الشهادة. وان شهد ثلاثة بالزنا ففيه قولان. أحدهما أنهم قذفوه ويحدون، وهو أشهر القولين، لأن عمر رضى الله تعالى عنه جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة. وروى ابن الوصى أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا، وقال الرابع: رأيتهما فى ثوب واحد، فان كان هذا زنا فهو ذلك، فجلد على ابن أبى طالب رضى الله تعالى عنه الثلاثة، وعزر الرجل والمرأة. ولأنا لو لم نوجب الحد جعل القذف بلفظ الشهادة طريقا الى القذف. والقول الثانى: أنهم لا يحدون، لأن الشهادة على الزنا أمر جائز، فلا يوجب الحد كسائر الجائزات، ولأن ايجاب الحد عليهم يؤدى الى أن لا يشهد أحد بالزنا، خوفا من أن يقف الرابع عن الشهادة، فيحدون، فتبطل الشهادة على الزنا. وان شهد أربعة على امرأة بالزنا وأحدهما الزوج ففيه وجهان. أحدهما وهو قول أبى اسحاق وظاهر النص أنه يحد الزوج قولا واحدا. الا أنه لا تجوز شهادته عليها بالزنا، فجعل قاذفا وفى الثلاثة قولان. والثانى وهو قول أبى على بن أبى هريرة

стр. 4053

أن الزوج كالثلاثة، لأنه أتى بلفظ الشهادة فيكون على القولين. فان شهد أربعة على رجل بالزنا فرد الحاكم شهادة أحدهم. فان كان بسبب ظاهر بأن كان عبدا أو كافرا أو متظاهرا بالفسق كان كما لو لم يتم العدد، لأن وجوده كعدمه. وان كان بسبب خفى كالفسق الباطن ففيه وجهان. أحدهما: أن حكمه حكم ما لو نقص بالعدد لأن عدم العدالة كعدم العدد. والثانى: أنهم لا يحدون قولا واحدا، لأنه اذا كان الرد بسبب فى الباطن لم يكن من جهتهم تفريط فى الشهادة، لأنهم معذورون، فلم يحدوا، واذا كان بسبب ظاهر كانوا مفرطين فوجب عليهم الحد. وان شهد أربعة بالزنا ورجع واحد منهم قبل أن يحكم بشهادتهم لزم الراجع حد القذف، لأنه اعترف بالقذف. ومن أصحابنا من قال: فى حده قولان، لأنه أضاف الزنا اليه بلفظ الشهادة وليس بشئ. وأما الثلاثة فالمنصوص أنه لا حد عليهم قولا واحدا، لأنه ليس من جهتهم تفريط، لأنهم شهدوا والعدد تام، ورجوع من رجع لا يمكنهم الاحتراز منه. ومن أصحابنا من قال فى حدهم قولان، وهو ضعيف. فان رجعوا كلهم وقالوا تعمدنا الشهادة وجب عليهم الحد. ومن أصحابنا من قال فيه قولان وليس بشئ. وان شهد أربعة على امرأة بالزنا، وشهد أربع نسوة أنها بكر لم يجب عليها الحد، لأنه يحتمل أن تكون البكارة أصلية لم تزل، ويحتمل أن تكون عائدة، لأن البكارة تعود اذا لم يبالغ فى الجماع، فلا يجب الحد مع الاحتمال. ولا يجب الحد على الشهود، لأنا اذا درأنا الحد عنها لجواز أن تكون البكارة أصلية، وهم كاذبون، وجب أن تدرأ الحد عنهم، لجواز أن تكون البكارة عائدة وهم صادقون.

стр. 4054

وفى البجرمى (١): يثبت الزنا ببينة لقوله تعالى: «وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ»﴾. ولو شهد أربعة رجال بزناها وأربع من النسوة، أو رجلان، أو رجل وامرأتان بأنها عذراء، فلا حد عليها للشبهة، لأن الظاهر من حال العذراء أنها لم توطأ. ولا حد على قاذفها أيضا، لقيام البينة بزناها، ولاحتمال أن العذرة زالت ثم عادت، لترك المبالغة فى الافتضاض. ولا حد على الشهود كذلك لقوله تعالى «وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ»﴾. وفى المهذب (٢): ومن شهد بالزنا ذكر الزانى ومن زنا به، لأنه قد يراه على بهيمة فيعتقد أن ذلك زنا، والحاكم لا يعتقد أن ذلك زنا، أو يراه على زوجته أو جارية ابنه فيظن أنه زنى. ويذكر صفة الزنا، فان لم يذكر أنه أولج، أو رأى ذكره فى فرجها، لم يحكم به، لأن زيادا لما شهد على المغيرة عند عمر رضى الله عنه، ولم يذكر ذلك فلم يقم الحد على المغيرة. فان لم يذكر الشهود ذلك سألهم الامام عنه. فان شهد ثلاثة بالزنا ووصفوا الزنا وشهد الرابع ولم يذكر الزنا لم يجب الحد على المشهود عليه، لأن البينة لم تكمل ولم يحد الرابع حد القذف، لأنه لم يذكر الزنا ولم يشهد به. وهل يجب الحد على الثلاثة؟ فيه قولان. وان شهد أربعة بالزنا، وفسر ثلاثة منهم بالزنا. وفسر الرابع بما ليس بزنا لم يحد المشهود عليه، لأنه لم تكمل البينة، ويجب الحد على الرابع قولا واحدا، لأنه قذفه بالزنا، ثم ذكر ما ليس بزنا. وهل يحد الثلاثة؟ على القولين. فان شهد أربعة بالزنا ومات واحد منهم قبل أن يفسر، وفسر الباقون بالزنا لم يجب الحد على المشهود عليه، لجواز أن يكون ما شهد به الرابع ليس بزنا. ولا يجب على الشهود الباقين الحد

стр. 4055

لجواز أن يكون ما شهد به الرابع زنا، فلا يجب الحد مع الاحتمال. مذهب الحنابلة: جاء فى المحرر (١): يثبت الزنا بأحد أمرين: الأول: الاقرار. والثانى: أن يشهد عليه فى مجلس واحد أربعة بزنا واحد، ويصفوه ممن تقبل شهادتهم فيه، سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين، وسواء صدقهم أو لم يصدقهم. فان شهد دون أربعة فهم قذفة يحدون حد القذف. وان شهد الأربعة فى مجلسين أو أكثر، أو كانوا فسقة أو عميانا، أو بعضهم، أو بان فيهم صبى مميز أو امرأة أو عبد ولم نقبله، حدوا للقذف. وعنه لا يحدون لكونهم أربعة. وعنه يحد العميان ومن فيهم أعمى دون غيرهم ولو كان أحد الأربعة الزوج لا عن وحد الثلاثة على الأولى. وعلى الأخرى لا لعان، ولا حد بحال. ولو كان الأربعة مستورى الحال أو عدولا ولكن مات أحدهم قبل أن يصف الزنا أو كانت شهادتهم على بكر فشهد ثقات النساء بعذرتها لم يحد الشهود ولا المشهود عليه، نص عليه. واذا شهد أربعة بزنا واحد، لكن قال اثنان: كان الزنا فى بيت كذا أو بلد كذا، أو يوم كذا. وقال اثنان بل كان فى بيت، أو بلد أو يوم آخر لم تقبل شهادتهم وهل هم قذفة فيحدون أم لا على روايتين وعنه تقبل شهادتهم فيحد من شهدوا عليه وان شهد اثنان بأن الزنا كان فى زاوية معينة من بيت صغير، واثنان أنه كان فى زاوية أخرى منه، أو قال اثنان كان الزنا فى قميص أبيض، وقال اثنان فى قميص أحمر كملت شهادتهم على الروايتين. وقيل: لا تكمل على الأولى. فعلى هذا هل يحدون للقذف؟ وجهان. ولو اتفق الأربعة على تعدد المكان، أو الزمان، لم تكمل شهادتهم، وحدوا للقذف رواية واحدة.

стр. 4056

ولو قال اثنان زنى بها مطاوعة، واثنان زنى بها مكرهة لم تقبل شهادتهم. قال أبو بكر والقاضى: ويحد شاهدا المكان، لقذف المرأة، وهل يحد الأربعة لقذف الرجل؟ على وجهين. وقال أبو الخطاب تقبل شهادتهم على الرجل فيحد دونهم ودون المرأة. واذا شهد أربعة بالزنا فرجع أحدهم قبل الحد حد الأربعة. وعنه يحدون الا الراجع. ويتخرج أن لا يحد سواه اذا رجع بعد الحكم وقبل الحد. ولو رجع الكل فهل يحدون؟ على الروايتين فى الواحد. ولو رجع أحدهم بعد اقامة الحد فلا حد الا على الراجع، اذا كان الحد جلدا أو رجما وقلنا يورث حد القذف. واذا شهد أربعد على رجل أنه زنى بامرأة فشهد أربعة على الشهود أنهم هم الزناة بها لم يحد المشهود عليه. وفى حد الشهود الأولين حد الزنا روايتان. وعلى كلتيهما فى حدهم للقذف روايتان أيضا. فاذا حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد لذلك. وعنه تحد به اذا لم تدع شبهة. ولو زنى متزوج له ولد فأنكر أن يكون وطئ زوجته لم يرجم. فان شهد عليه بينة. أنه قال جامعتها أو وطئتها رجم. وان قال دخلت بها فوجهان. وفى كشاف القناع (١): لا يعتبر ذكر مكان الزنا عند أبى حامد. والمذهب خلافه. ولا يعتبر ذكر المزنى بها ان كانت الشهادة على رجل، لأنه لم يأت فى الحديث الصحيح ذكر المزنى بها ولا مكان الزنا. وقطع فى المنته فى الشهادات بأنه يعتبر ذكرهما.

стр. 4057

ولا يعتبر ذكر الزانى ان كانت الشهادة على المرأة كعكسه. ويكفى اذا شهدوا أنهم رأوا ذكره فى فرجها لحصول العلم بالزنا. والتشبيه بالمرود فى المكحلة والرشاء فى البير تأكيد. وذكر ابن قدامة (١) فى المغنى أن الخرقى ذكر فى شهود الزنا سبعة شروط. الشرط السادس منها: أن يصفوا الزنا فيقولوا: رأينا ذكره فى فرجها كالمرود فى المكحلة والرشاء فى البئر، وهذا قول معاوية بن أبى سفيان والزهرى وأبى ثور وابن المنذر وأصحاب الرأى، لما روى فى قصة ما عز أنه لما أقر عند النبى ﷺ بالزنا فقال: أوطئتها حتى غاب ذلك منك فى ذلك منها كما يغيب المرود فى المكحلة والرشاء فى البئر قال نعم، واذا اعتبر التصريح فى الاقرار كان اعتباره فى الشهادة أولى. وروى أبو داود باسناده عن جابر قال: جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا فقال النبى ﷺ أئتونى بأعلم رجلين منكم فأتوه بابنى صوريا فنشدهما: كيف تجدان أمر هذين فى التوراة قالا: نجد فى التوراة اذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره فى فرجها مثل الميل فى المكحلة رجما قال النبى ﷺ فما يمنعكم أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا وكرهنا القتل، فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره فى فرجها مثل الميل فى المكحلة، فأمر النبى ﷺ برجمهما. ولأنهم اذا لم يصفوا الزنا احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد فاعتبر كشفه. قال بعض أهل العلم: يجوز للشهود أن ينظروا الى ذلك منهما، لاقامة الشهادة عليهما، ليحصل الردع بالحد. ويشترط أن يكون الشهود رجالا كلهم ولا تقبل فيه شهادة النساء بحال ولا نعلم فيه خلافا. الا شيئا يروى عن عطاء وحماد أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان. وهو شذوذ لا يعول عليه، لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين، ويقتضى أن يكتفى فيه بأربعة.

стр. 4058

ولا خلاف فى أن الأربعة اذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم، وأن أقل ما يجزئ خمسة، وهذا خلاف النص ولأن فى شهادتهم شبهة لتطرق الضلال اليهم قال الله تعالى (١) «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» والحدود تدرأ بالشبهات. ثم قال فى المغنى (٢): واذا تمت الشهادة بالزنا فصدقهم المشهود عليه بالزنا لم يسقط الحد، خلافا لأبى حنيفة. وان شهد شاهدان واعترف هو مرتين لم تكمل البينة ولم يجب الحد. وان كملت البينة ثم مات الشهود أو غابوا جاز الحكم بها واقامة الحد، لأن كل شهادة جاز الحكم بها مع حضور الشهود، جاز مع غيبتهم كسائر الشهادات، واحتمال رجوعهم ليس بشبهة، كما لو حكم بشهادتهم. وان شهدوا بزنا قديم أو أقربه وجب الحد لعموم الآية، ولأنه حق يثبت على الفور، فيثبت بالبينة بعد تطاول الزمان، كسائر الحقوق وان شهد أربعة بالزنا على امرأة فشهد ثقات من النساء أنها عذراء، فلا حد عليها، ولا حد على الشهود كذلك. وبهذا قال الشعبى والثورى وأبو ثور وأصحاب الرأى. والدليل عليه أن البكارة تثبت بشهادة النساء ووجودها يمنع من الزنا ظاهرا لأن الزنا لا يحصل بدون الايلاج فى الفرج، ولا يتصور ذلك مع بقاء البكارة لأن البكر هى التى لم توطأ فى قبلها. واذا انتفى الزنا لم يجب الحد، كما لو قامت البينة بأن المشهود عليه بالزنا مجبوب. وانما لم يجب الحد على الشهود، لاحتمال صدقهم. فانه يحتمل أن يكون وطئها ثم عادت عذرتها، فيكون ذلك شبهة فى درء الحد عنهم غير موجب له عليها، فان الحد لا يجب بالشبهات، ويجب أن يكتفى بشهادة امرأة واحدة، لأن شهادتها مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال. فأما ان شهدت بأنها رتقاء، أو ثبت أن الرجل المشهود عليه مجبوب، فينبغى أن يجب الحد على الشهود، لأنه يتيقن كذبهم فى شهادتهم بأمر لا يعلمه كثير من الناس، فوجب عليهم الحد.

стр. 4059

مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى (١): لا يجوز أن يقبل فى شئ من الشهادات من الرجال والنساء الا عدل رضى لقول الله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا»﴾. وفى موضع آخر منه (٢): ولا يجوز أن يقبل فى الزنا أقل من أربعة رجال عدول مسلمين، أو مكان كل رجل امرأتان مسلمتان عدلتان، فيكون ذلك ثلاثة رجال وامرأتين أو رجلين وأربع نسوة أو رجلا واحدا وست نسوة، أو ثمان نسوة فقط. وذلك لقول الله تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً»﴾. وقال ابن حزم الظاهرى (٣): واذا لم يتم الشهود أربعة حدوا حد القذف. لما روى عن عبد الرحمن بن أبى بكرة أن أبا بكرة وزيادا ونافعا وشبل بن معبد كانوا فى دار أبى عبد الله فى غرفة ورجل فى أسفل ذاك اذ هبت ريح ففتحت الباب ووقعت الشقة، فاذا رجل بين فخذيها فقال بعضهم: قد ابتلينا بما ترون فتعاهدوا وتعاقدوا على أن يقوموا بشهادتهم، فلما حضرت صلاة العصر أراد الرجل أن يتقدم فيصلى بالناس فمنعه أبو بكرة وقال: لا والله لا تصلى بنا وقد رأينا ما رأينا فقال الناس: دعوه فليصل فانه الأمير واكتبوا بذلك الى عمر بن الخطاب، فكتبوا الى عمر رضى الله تعالى عنه فكتب عمر بن الخطاب: أن أقدموا على فلما قدموا شهد عليه أبو بكرة ونافع وشبل، وقال زياد: رأيت ورأيت ولكن لا أدرى أنكحها أم لا، فجلدهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الا زيادا، فقال أبو بكرة: ألستم قد جلدتمونى قالوا: بلى، قال: فأشهد بالله ألف مرة لقد فعل، فأراد عمر بن الخطاب أن يجلده الثانية، فقال على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه أن كانت شهادة أبى بكرة شهادة رجلين فارجم صاحبك والا فقد جلدتموه. وروى من طريق عبد الرازق عن معمر عن بديل العقيلى عن أبى الوضاح قال: شهد ثلاثة نفر على رجل وامرأة بالزنا وقال الرابع: رأيتهما فى ثوب واحد فان كان هذا زنا فهو ذاك فجلد على الثلاثة وعزر الرجل والمرأة وقال ابن حزم (٤): وان شهد أربعة بالزنا على امرأة وأحدهم زوجها فالحكم فى هذا على ثلاثة أوجه.

стр. 4060

اذا كان الزوج قاذفا، فلا بد من أربعة شهود سواه، والا حد أو يلاعن. فان لم يكن قاذفا لكن جاء شاهدا فان كان عدلا ومعه ثلاثة عدول، فهى شهادة تامة، وعلى المشهود عليها حد الزنا كاملا. وان كان الزوج غير عدل، أو كان عدلا، وكان فى الذين معه غير عدل، أو لم يتم ثلاثة سواه والشهادة لم تتم، فلا حد على المشهود عليه، وليس الشهود قذفة فلا حد عليهم، ولا حد على الزوج ولا لعان، لأنه ليس قاذفا. ثم قال ابن حزم (١): وان شهد أربعة بالزنا على امرأة وشهد أربع نسوة أنها عذراء، فوجب أن يقرر النساء على صفة عذرتها، فان قلن أنها عذرة يبطلها ايلاج الحشفة ولا بد، وأنه صفاق عند باب الفرج فقد أيقنا بكذب الشهود وأنهم وهموا فلا يحل انفاذ الحكم بشهادتهم، وان قلن أنها عذرة واغلة فى داخل الفرج لا يبطلها ايلاج الحشفة، فقد أمكن صدق الشهود اذ بايلاج الحشفة يجب الحد فيقام الحد عليها حينئذ، لأنه لم يتيقن كذب الشهود ولا وهمهم. أما الشهود الذين يحضرون اقامة حد الزنا عملا بقوله : «وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (٢). فليس عند ابن حزم عدد معين لا بد من حضوره. فقد قال (٣): لو أراد الله من قوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين» عددا معينا لبينة، ولأوقفنا عليه ولم يدعنا نخبط فيه عشواء حتى نتكهن فيه الظنون الكاذبة. وقالت طائفة: هى واحد من الناس فان زاد فجائز وهو قول ابن عباس. وقالت طائفة: الطائفة اثنان فصاعدا وهو قول عطاء، وبه يقول اسحق بن راهوية مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب (٤): يحد الزانى بشروط أربعة، سواء كان المشهود عليه حرا أم عبدا أنثى أم ذكرا. أحدها أن يثبت الزنا بشهادة أربعة فلو كانوا دون ذلك لم يصح.

стр. 4061

ويصح أن يكون القاذف للمشهود عليه مكملا للأربعة أى هو رابعهم. والثانى والثالث والرابع أن يكون بشهادة رجال أصول عدول ولو كانوا عبيدا، فلا تصح شهادة النساء ولا الفروع ولا المجروح عدالتهم أو بشهادة أربعة ذميين من عدولهم حيث كانت الشهادة على ذمى فتجوز شهادتهم عليه. ولو كان الشهود متفرقين أو مجتمعين فان شهادتهم تصح هذا مذهبنا. وان جاءوا مجتمعين لم يفرقوا. ولا بد أن يكون الشهود قد اتفقوا على اقراره كما مر من كونه جامعا للشروط المعتبرة، ولم يشهدوا بالاقرار بل بالفعل. فلا بد أن يشهدوا على حقيقته وهو الايلاج لأنه يجوز النظر الى عورة الغير عند الضرورة كتحمل الشهادة على الرضاع أو على الزنا. ومكانه نحو موضع كذا. ووقته نحو فى يوم كذا. وكيفيته من اضطجاع أو قيام أو غير ذلك. فان اتفقت شهادتهم على ذلك لزم الحد. وان اختلفت فى شئ منه أو اجملوا ولم يفصلوا نحو أن يقولوا: جامعها أو باضعها أو زنى بها ولم يفسروا بما ذكر لم تصح شهادتهم ولا حد عليهم لكمال البينة. ولا فرق بين أن يكون المشهود عليه حرا أم عبدا، أو تكون الشهادة على اتيان الذكر أم الأنثى، أو اتيان المرأة فى قبلها أم فى دبرها. فمتى ثبت الزنا جلد المختار للزنا المكلف. فلو كان مكرها سقط عنه الحد - وحد الاكراه الذى يسقط معه الحد هو الاضرار ونحوه -. أو كان مجنونا أو صغيرا فلا حد عليه أيضا. واذا رجع الشهود بعد الرجم ولم يقروا بالعمد فانه يجب على شاهدى الاحصان ثلث الدية، وعلى شهود الزنا ثلثان، سواء كانوا أربعة أم أزيد، وسواء رجعوا مع شاهدى الاحصان أم لا، وذلك لأن القتل وقع بمجموع شهادتهم. ويلزم شاهدى الاحصان الثلثان من الدية ان كانا من جملة الأربعة الذين شهدوا بالزنا، لأن ثلثها لزمهما لكونهما شهدا بالاحصان، وثلثها لكونهما شهدا بالزنا. (١) التاج المذهب ج ٤ ص ٢٢٠

стр. 4062

ولا شئ من الضمان على المزكى لشهود الاحصان، أو شهود الزنا عن الدية، لأنه كفاعل السبب وهم مباشرون. وكذا لا شئ من الضمان على الراجم والجالد. واذا أقر الزانى بعد اقامة الشهادة، فاذا كان الاقرار دون أربع مرات بطل استناد الحكم الى الشهادة، وبه يسقط الحد، ويستند الى الاقرار. ولا يكفى لاقامة الحد دون أربع مرات. فان أقر أربع مرات بطلت الشهادة وحد باقراره، فلو رجع بطل الحد. ولو أعاد الشهود شهادتهم بعد رجوعه لم تسمع، لأنه فى هذه الصورة يؤدى الى التسلسل. وان أقر بالزنا دون أربع قبل قيام الشهادة فلا تسمع الشهادة، لأنها لا تكون الا عن انكار ولم ينكر. ولا يحد لعدم اكمال الاقرار. واذا قامت الشهادة على امرأة بالزنا، وشهدت العدلة من النساء أنها رتقاء أو عذراء سقط الحد عنها، ما لم يضف الشهود الى شهادتهم ان الفعل فى الدبر لم يسقط الحد عنها. ويسقط الحد عن الشهود فلا يحدون للقذف، ولكن يعزرون، لأن قاذف الرتقاء والعذراء لا يحد. ولا شئ على الشهود والحاكم والامام اذا شهدت العدلة بأن المرجومة أو المجلودة رتقاء أو عذراء بعد التنفيذ للحد، لأنه لم يضف الى شهادة العدالة حكم بخلاف شهادة الزنا ولأنه لا يحكم بشهادة النساء وحدهن فى حد ولا مال. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية (١): ولو شهد فى الزنى أقل من النصاب المعتبر فيه وهو أربعة رجال أو ثلاثة وامرأتان أو رجلان وأربعة نسوة - وان ثبت بالأخير الجلد خاصة - حدوا، أى من شهد أقل من النصاب وان كان واحدا حدوا للفرية وهى الكذبة العظيمة. ويشترط فى قبول الشهادة به ذكر المشاهدة للايلاج كالميل فى المكحلة. قال الصادق ﵇: لا يرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع، والايلاج، والادخال كالميل فى المكحلة.

стр. 4063

وفى صحيحة الحلبى عنه قال: حد الرجم أن يشهد أربعة أنهم رأوه يدخل ويخرج. وكذا لا يكفى دعوى المعاينة حتى يضموا اليها قولهم من غير عذر ولا شبهة الى آخر ما يعتبر. ولا بدمع ذلك من اتفاقهم على الفعل الواحد فى الزمان الواحد والمكان الواحد. فلو اختلفوا فى أحدها، بأن شهد بعضهم على وجه مخصوص والباقون على غيره، أو شهد بعضهم بالزنا غدوة، والأخرون عشية، أو بعضهم فى زاوية مخصوصة أو بيت، والآخرون فى غيره حدوا للقذف. والظاهر أنه لا بد من ذكر الثلاثة - الفعل الواحد، والزمان الواحد، والمكان الواحد فى الشهادة، والاتفاق عليها. فلو اطلقوا أو بعضهم حدوا وان لم يتحقق الاختلاف مع احتمال الاكتفاء بالاطلاق، لاطلاق الاخبار السابقة وغيرها. واشتراط عدم الاختلاف حيث يقيدون بأحد الثلاثة. وكذلك يشترط اجتماعهم حال اقامتها دفعة، بمعنى أن لا يحصل بين الشهادات تراخ عرفا لا بمعنى تلفظهم بها دفعة وان كان جائزا. ولو أقام بعضهم الشهادة فى غيبة الباقى حدوا. ولم يرتقب الاتمام، لأنه لا تأخير فى حد. وقد روى عن على ﵇ فى ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا فقال: أين الرابع. فقالوا: الآن يجئ فقال ﵇: حدوهم فليس فى الحدود نظر ساعة. وهل يشترط حضورهم فى مجلس الحكم دفعة قبل اجتماعهم على الاقامة؟ قولان. اختار أولهما العلامة فى القواعد. وثانيهما فى التحرير، وهو الاجود، لتحقق الشهادة المتفقة، وعدم ظهور المنافى مع الشك فى اشتراط الحضور دفعة. والنص لا يدل على أزيد من اعتبار عدم تراخى الشهادة. ويتفرع على القولين ما لو تلاحقوا واتصلت شهاداتهم، بحيث لم يحصل التأخير. فعلى القول الأول يحدون هنا بطريق أولى. وعلى القول الثانى يحتمل القبول وعدمه، نظرا الى فقد شرط الاجتماع

стр. 4064

حالة الاقامة دفعة وانتفاء العلة الموجبة للاجتماع، وهى تأخير حد القاذف، فانه لم يتحقق هنا. وحيث يحد الشاهد أولا قبل حضور أصحابه اما مطلقا أو مع التراخى، فان جاء الآخرون بعد ذلك وشهدوا، حدوا أيضا، لفقد شرط القبول فى المتأخر كالسابق. ولا يقدح تقادم الزنا المشهود به فى صحة الشهادة، للأصل. وما روى فى بعض الأخبار من أنه متى زاد عن ستة أشهر لا يسمع فهو شاذ. ولا يسقط الحد ولا الشهادة بتصديق الزانى الشهود، ولا بتكذيبهم. أما مع التصديق فظاهر. وأما مع التكذيب، فلأن تكذيب المشهود عليه لو أثر لزم تعطيل الاحكام. وفى الروضة البهية فى موضع (١) آخر: قال: لو شهد للمشهود عليها بالزنا أربع نساء بالبكارة بعد شهادة الأربعة بالزنا قبلا فالأقرب درء الحد أى دفعه عن الجميع. المرأة والشهود بالزنا لتعارض الشهادات ظاهرا، فانه كما يمكن صدق النساء فى البكارة، ويمكن صدق الرجال فى الزنا، وليس أحدهم أولى من الآخر، فتحصل الشبهة الدارئة للحد عن المشهود عليه، وكذا عن الشهود، ولامكان عودة البكارة. وللشيخ قول بحد شهود الزنا للفرية. وهو بعيد. نعم لو شهدن أن المرأة رتقاء أو ثبت أن الرجل مجبوب حد الشهود للقذف، مع احتمال السقوط فى الأول للتعارض ولو لم يقيده بالقبل فلا تعارض. وفى موضع آخر ويشترط للشهادة على اللواط أربعة رجال عدول يشهدون بالمعاينة للفعل، كما يشهدون فى الزنا. والسحق وهو دلك فرج المرأة بفرج أخرى يثبت بشهادة أربعة رجال عدول لا بشهادة النساء منفردات ولا منضمات. مذهب الإباضية: جاء فى النيل وشرحه (٢): وان شهد على امرأة بزنى ثلاثة ورابعهم زوجها فهل يلاعنها ويحد الثلاثة؟.

стр. 4065

وهذا هو المختار فى الديوان وصاحب الأصل. ووجهه أن الزوج مدع فلا تجوز شهادته. كما لا تجوز شهادة من جر لنفسه نفعا فى المال أو دفع ضرا عن نفسه. وذلك أن فى شهادته عليها بالزنى نفى الولد واسقاط حقوقها وابطال صداقها أو هو أجوزهم فى الشهادة، لأن فى شهادته عليها بذلك تفويت زوجته عن نفسه، واطلاق الألسنة عليه بأن زوجته فعلت كذا، وذلك قدح فى عرضه، فلولا ماله من العلم فيما شهد به لم يشهد بذلك على ما فيه من الاضرار به ولو شاء مجرد الفراق بينه وبينها لطلقها، لأن الطلاق بيده وفيه السلامة من ذلك الضرر. وعلى هذا القول فترجم ولا يلاعنها.؟ خلاف. وقال صاحب شرح النيل (١): ان شهد أربعة رجال على رجل أنه زنى وهو محصن فرجمه الامام، ثم رجعوا قتلوا ولا يرثونه ان كانوا ورثته. وقيل: لا يقتلون وعليهم الدية. وان رجع بعض ضمن منابه من الدية وان لم يحصن فجلده القاضى أو الامام فرجعوا ضمنوا الأرش، ومن مات بالجلد ضمنوا الدية. وان رجعوا قبل أن يتم الجلد أو الرجم اشتغل بهم. وقيل: لا فيتم الجلد أو الرجم وضمنوا دية ما فعل الامام قبل أن يرجعوا أو القاضى. وان شهد أربعة على الزنا وشهد اثنان أنه محصن فرجمه الامام، ثم رجعوا ضمنوا سواء على الرءوس. وقيل: يضمن شهود الزنا نصف الدية وشاهد الاحصان النصف الآخر. وقيل: لا ضمان عليهما. الاشهاد فى تصرفات الأمناء اتفق الفقهاء على أن أولياء اليتامى وأصياءهم والقائمين عليهم مطالبون بالاشهاد على دفع أموالهم اليهم عند بلوغهم وايناس الرشد منهم بعد الابتلاء والاختبار.
следующие страницы →