← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

ويصح أن يكون القاذف للمشهود عليه مكملا للأربعة أى هو رابعهم. والثانى والثالث والرابع أن يكون بشهادة رجال أصول عدول ولو كانوا عبيدا، فلا تصح شهادة النساء ولا الفروع ولا المجروح عدالتهم أو بشهادة أربعة ذميين من عدولهم حيث كانت الشهادة على ذمى فتجوز شهادتهم عليه. ولو كان الشهود متفرقين أو مجتمعين فان شهادتهم تصح هذا مذهبنا. وان جاءوا مجتمعين لم يفرقوا. ولا بد أن يكون الشهود قد اتفقوا على اقراره كما مر من كونه جامعا للشروط المعتبرة، ولم يشهدوا بالاقرار بل بالفعل. فلا بد أن يشهدوا على حقيقته وهو الايلاج لأنه يجوز النظر الى عورة الغير عند الضرورة كتحمل الشهادة على الرضاع أو على الزنا. ومكانه نحو موضع كذا. ووقته نحو فى يوم كذا. وكيفيته من اضطجاع أو قيام أو غير ذلك. فان اتفقت شهادتهم على ذلك لزم الحد. وان اختلفت فى شئ منه أو اجملوا ولم يفصلوا نحو أن يقولوا: جامعها أو باضعها أو زنى بها ولم يفسروا بما ذكر لم تصح شهادتهم ولا حد عليهم لكمال البينة. ولا فرق بين أن يكون المشهود عليه حرا أم عبدا، أو تكون الشهادة على اتيان الذكر أم الأنثى، أو اتيان المرأة فى قبلها أم فى دبرها. فمتى ثبت الزنا جلد المختار للزنا المكلف. فلو كان مكرها سقط عنه الحد - وحد الاكراه الذى يسقط معه الحد هو الاضرار ونحوه -. أو كان مجنونا أو صغيرا فلا حد عليه أيضا. واذا رجع الشهود بعد الرجم ولم يقروا بالعمد فانه يجب على شاهدى الاحصان ثلث الدية، وعلى شهود الزنا ثلثان، سواء كانوا أربعة أم أزيد، وسواء رجعوا مع شاهدى الاحصان أم لا، وذلك لأن القتل وقع بمجموع شهادتهم. ويلزم شاهدى الاحصان الثلثان من الدية ان كانا من جملة الأربعة الذين شهدوا بالزنا، لأن ثلثها لزمهما لكونهما شهدا بالاحصان، وثلثها لكونهما شهدا بالزنا. (١) التاج المذهب ج ٤ ص ٢٢٠

стр. 4062

ولا شئ من الضمان على المزكى لشهود الاحصان، أو شهود الزنا عن الدية، لأنه كفاعل السبب وهم مباشرون. وكذا لا شئ من الضمان على الراجم والجالد. واذا أقر الزانى بعد اقامة الشهادة، فاذا كان الاقرار دون أربع مرات بطل استناد الحكم الى الشهادة، وبه يسقط الحد، ويستند الى الاقرار. ولا يكفى لاقامة الحد دون أربع مرات. فان أقر أربع مرات بطلت الشهادة وحد باقراره، فلو رجع بطل الحد. ولو أعاد الشهود شهادتهم بعد رجوعه لم تسمع، لأنه فى هذه الصورة يؤدى الى التسلسل. وان أقر بالزنا دون أربع قبل قيام الشهادة فلا تسمع الشهادة، لأنها لا تكون الا عن انكار ولم ينكر. ولا يحد لعدم اكمال الاقرار. واذا قامت الشهادة على امرأة بالزنا، وشهدت العدلة من النساء أنها رتقاء أو عذراء سقط الحد عنها، ما لم يضف الشهود الى شهادتهم ان الفعل فى الدبر لم يسقط الحد عنها. ويسقط الحد عن الشهود فلا يحدون للقذف، ولكن يعزرون، لأن قاذف الرتقاء والعذراء لا يحد. ولا شئ على الشهود والحاكم والامام اذا شهدت العدلة بأن المرجومة أو المجلودة رتقاء أو عذراء بعد التنفيذ للحد، لأنه لم يضف الى شهادة العدالة حكم بخلاف شهادة الزنا ولأنه لا يحكم بشهادة النساء وحدهن فى حد ولا مال. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية (١): ولو شهد فى الزنى أقل من النصاب المعتبر فيه وهو أربعة رجال أو ثلاثة وامرأتان أو رجلان وأربعة نسوة - وان ثبت بالأخير الجلد خاصة - حدوا، أى من شهد أقل من النصاب وان كان واحدا حدوا للفرية وهى الكذبة العظيمة. ويشترط فى قبول الشهادة به ذكر المشاهدة للايلاج كالميل فى المكحلة. قال الصادق ﵇: لا يرجم الرجل والمرأة حتى يشهد عليهما أربعة شهداء على الجماع، والايلاج، والادخال كالميل فى المكحلة.

стр. 4063

وفى صحيحة الحلبى عنه قال: حد الرجم أن يشهد أربعة أنهم رأوه يدخل ويخرج. وكذا لا يكفى دعوى المعاينة حتى يضموا اليها قولهم من غير عذر ولا شبهة الى آخر ما يعتبر. ولا بدمع ذلك من اتفاقهم على الفعل الواحد فى الزمان الواحد والمكان الواحد. فلو اختلفوا فى أحدها، بأن شهد بعضهم على وجه مخصوص والباقون على غيره، أو شهد بعضهم بالزنا غدوة، والأخرون عشية، أو بعضهم فى زاوية مخصوصة أو بيت، والآخرون فى غيره حدوا للقذف. والظاهر أنه لا بد من ذكر الثلاثة - الفعل الواحد، والزمان الواحد، والمكان الواحد فى الشهادة، والاتفاق عليها. فلو اطلقوا أو بعضهم حدوا وان لم يتحقق الاختلاف مع احتمال الاكتفاء بالاطلاق، لاطلاق الاخبار السابقة وغيرها. واشتراط عدم الاختلاف حيث يقيدون بأحد الثلاثة. وكذلك يشترط اجتماعهم حال اقامتها دفعة، بمعنى أن لا يحصل بين الشهادات تراخ عرفا لا بمعنى تلفظهم بها دفعة وان كان جائزا. ولو أقام بعضهم الشهادة فى غيبة الباقى حدوا. ولم يرتقب الاتمام، لأنه لا تأخير فى حد. وقد روى عن على ﵇ فى ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا فقال: أين الرابع. فقالوا: الآن يجئ فقال ﵇: حدوهم فليس فى الحدود نظر ساعة. وهل يشترط حضورهم فى مجلس الحكم دفعة قبل اجتماعهم على الاقامة؟ قولان. اختار أولهما العلامة فى القواعد. وثانيهما فى التحرير، وهو الاجود، لتحقق الشهادة المتفقة، وعدم ظهور المنافى مع الشك فى اشتراط الحضور دفعة. والنص لا يدل على أزيد من اعتبار عدم تراخى الشهادة. ويتفرع على القولين ما لو تلاحقوا واتصلت شهاداتهم، بحيث لم يحصل التأخير. فعلى القول الأول يحدون هنا بطريق أولى. وعلى القول الثانى يحتمل القبول وعدمه، نظرا الى فقد شرط الاجتماع

стр. 4064

حالة الاقامة دفعة وانتفاء العلة الموجبة للاجتماع، وهى تأخير حد القاذف، فانه لم يتحقق هنا. وحيث يحد الشاهد أولا قبل حضور أصحابه اما مطلقا أو مع التراخى، فان جاء الآخرون بعد ذلك وشهدوا، حدوا أيضا، لفقد شرط القبول فى المتأخر كالسابق. ولا يقدح تقادم الزنا المشهود به فى صحة الشهادة، للأصل. وما روى فى بعض الأخبار من أنه متى زاد عن ستة أشهر لا يسمع فهو شاذ. ولا يسقط الحد ولا الشهادة بتصديق الزانى الشهود، ولا بتكذيبهم. أما مع التصديق فظاهر. وأما مع التكذيب، فلأن تكذيب المشهود عليه لو أثر لزم تعطيل الاحكام. وفى الروضة البهية فى موضع (١) آخر: قال: لو شهد للمشهود عليها بالزنا أربع نساء بالبكارة بعد شهادة الأربعة بالزنا قبلا فالأقرب درء الحد أى دفعه عن الجميع. المرأة والشهود بالزنا لتعارض الشهادات ظاهرا، فانه كما يمكن صدق النساء فى البكارة، ويمكن صدق الرجال فى الزنا، وليس أحدهم أولى من الآخر، فتحصل الشبهة الدارئة للحد عن المشهود عليه، وكذا عن الشهود، ولامكان عودة البكارة. وللشيخ قول بحد شهود الزنا للفرية. وهو بعيد. نعم لو شهدن أن المرأة رتقاء أو ثبت أن الرجل مجبوب حد الشهود للقذف، مع احتمال السقوط فى الأول للتعارض ولو لم يقيده بالقبل فلا تعارض. وفى موضع آخر ويشترط للشهادة على اللواط أربعة رجال عدول يشهدون بالمعاينة للفعل، كما يشهدون فى الزنا. والسحق وهو دلك فرج المرأة بفرج أخرى يثبت بشهادة أربعة رجال عدول لا بشهادة النساء منفردات ولا منضمات. مذهب الإباضية: جاء فى النيل وشرحه (٢): وان شهد على امرأة بزنى ثلاثة ورابعهم زوجها فهل يلاعنها ويحد الثلاثة؟.

стр. 4065

وهذا هو المختار فى الديوان وصاحب الأصل. ووجهه أن الزوج مدع فلا تجوز شهادته. كما لا تجوز شهادة من جر لنفسه نفعا فى المال أو دفع ضرا عن نفسه. وذلك أن فى شهادته عليها بالزنى نفى الولد واسقاط حقوقها وابطال صداقها أو هو أجوزهم فى الشهادة، لأن فى شهادته عليها بذلك تفويت زوجته عن نفسه، واطلاق الألسنة عليه بأن زوجته فعلت كذا، وذلك قدح فى عرضه، فلولا ماله من العلم فيما شهد به لم يشهد بذلك على ما فيه من الاضرار به ولو شاء مجرد الفراق بينه وبينها لطلقها، لأن الطلاق بيده وفيه السلامة من ذلك الضرر. وعلى هذا القول فترجم ولا يلاعنها.؟ خلاف. وقال صاحب شرح النيل (١): ان شهد أربعة رجال على رجل أنه زنى وهو محصن فرجمه الامام، ثم رجعوا قتلوا ولا يرثونه ان كانوا ورثته. وقيل: لا يقتلون وعليهم الدية. وان رجع بعض ضمن منابه من الدية وان لم يحصن فجلده القاضى أو الامام فرجعوا ضمنوا الأرش، ومن مات بالجلد ضمنوا الدية. وان رجعوا قبل أن يتم الجلد أو الرجم اشتغل بهم. وقيل: لا فيتم الجلد أو الرجم وضمنوا دية ما فعل الامام قبل أن يرجعوا أو القاضى. وان شهد أربعة على الزنا وشهد اثنان أنه محصن فرجمه الامام، ثم رجعوا ضمنوا سواء على الرءوس. وقيل: يضمن شهود الزنا نصف الدية وشاهد الاحصان النصف الآخر. وقيل: لا ضمان عليهما. الاشهاد فى تصرفات الأمناء اتفق الفقهاء على أن أولياء اليتامى وأصياءهم والقائمين عليهم مطالبون بالاشهاد على دفع أموالهم اليهم عند بلوغهم وايناس الرشد منهم بعد الابتلاء والاختبار.

стр. 4066

قال الله تعالى: «وَابْتَلُوا الْيَتامى ١ حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا، وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً»﴾. فانه صريح فى الأمر بدفع الأموال اليهم والاشهاد على هذا الدفع. واختلفوا فى هذا الأمر هل هو للندب والاستحباب كما قال البعض، لأن الأولياء والأوصياء أمناء فى مال اليتيم والقول قولهم باليمين. أو هو للفرض كما هو ظاهر الآية، والوصى ليس بأمين اليتيم وانما هو أمين الأب الذى اختاره فلا يقبل قوله فى دفع المال ببينة. وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن الاشهاد المأمور به فى الآية انما هو على دفع الوصى فى حال يسره ما استقرضه من مال اليتيم وأكله فى حال فقره. وتكون الآية دليلا على وجوب القضاء على من أكل من مال اليتيم شيئا، وأن هذا يعتبر قرضا يجب رده وقضاؤه. وقال بعض: ان المراد اذا انفقتم شيئا على اليتيم، أو اشتريتم له بعض حاجة فأشهدوا، حتى يمكن اقامة البينة اذا وقع خلاف فى ذلك. فان كل مال قبض على وجه الأمانة باشهاد لا يبرأ منه قابضه الا بالاشهاد على دفعه وانفاقه. وقد قالوا يجوز للوصى أن يصنع فى مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه فيه حال حياته من تجارة وابضاع وبيع وشراء، وعليه أن يؤدى الزكاة من سائر أمواله عين وحرث وماشية وفطرة ويؤدى عنه أروش الجنايات، وقيم المتلفات، ونفقة الوالدين، وسائر الحقوق اللازمة. ويجوز أن يزوجه ويؤدى عنه الصداق ويصالح له وعليه على وجه النظر له. واذا قضى الوصى بعض الغرماء وبقى من المال بقية يفى بما عليه من الدين كان فعل الوصى جائزا. فان تلف باقى المال فلا شئ لباقى الغرماء على الوصى ولا على الذين اقتضوا ديونهم وان اقتضى الغرماء جميع المال ثم أتى غرماء آخرون فان كان عالما بالدين أو كان الميت معروفا بالدين الباقى ضمن الوصى لهؤلاء الغرماء ما كان يصيبهم فى المحاصة ورجع على الذين اقتضوا دينهم بذلك وان لم يكن عالما بالدين الباقى ولا كان الميت معروفا بذلك فلا شئ على الوصى. واذا دفع الوصى دين الميت بغير اشهاد ضمن.

стр. 4067

وأما ان أشهد وطال الزمان حتى مات الشهود فلا شئ عليه. ولما ينفقه الوصى والكفيل من مال اليتيم حالتان: حالة يمكن الاشهاد عليه، فلا يقبل قوله فيه الا ببينة. وحالة لا يمكن الاشهاد عليه فقوله مقبول فيه بغير بينة فمهما اشترى من العقار وما جرت العادة بالتوثق فيه لم يقبل قوله فيه بغير بينة. قال ابن خويز منداد: وقد فرقوا بين أن يكون اليتيم فى دار الوصى ينفق عليه فلا يكلف الاشهاد على نفقته وكسوته لأنه يتعذر عليه الاشهاد على ما يأكله ويلبسه فى كل وقت، ولكن اذا قال: أنفقت نفقة السنة قبل منه. وبين أن يكون اليتيم عند أمه أو حاضنته فيدعى الوصى أنه كان ينفق عليه، أو كان يعطى الأم أو الحاضنة النفقة والكسوة، فلا يقبل قوله على الأم أو الحاضنة الا ببينة أنها كانت تقتضى ذلك منه مشاهرة أو مسانهة. وقالوا: أن الآيات التى ذكرت فى أمر الايتام تدل على أن سبيل الايتام أن يلى عليهم غيرهم فى حفظ أموالهم والتصرف عليهم منها فيما يعود نفعه اليهم وهم وصى الأب أو الجد، ان لم يكن وصى أب أو وصى الجد، أن لم يكن أحد من هؤلاء أو أمين حاكم عدل بعد أن يكون الأمين أيضا عدلا. وكذلك شرط الأوصياء والجد والأب وكل من يتصرف على الصغير لا يستحق الولاية عليه الا أن يكون عدلا مأمونا. فأما الفاسق والمتهم من الآباء والمرتشى من الحكام والأوصياء والأمناء غير المأمونين فان واحدا من هؤلاء غير جائز له التصرف على الصغير ولا خلاف فى ذلك. ألا ترى أنه لا خلاف بين المسلمين فى أن القاضى اذا فسق بأخذ الرشوة أو بالميل الى الهوى وترك الحكم بالحق أنه يكون معزولا غير جائز الحكم، فكذلك حكم الله فيمن ائتمنه على أموال الأيتام من قاض أو وصى أو أمين أو حاكم. فغير جائز ثبوت ولايته فى ذلك الا على شرط العدالة وصحة الأمانة. وقد أمر الله تعالى: أولياء الايتام بالاشهاد عليهم بعد البلوغ بما يدفعون اليهم من أموالهم. وفى ذلك ضروب من الأحكام. أحدها الاحتياط لكل واحد من اليتيم ووالى ماله. فأما اليتيم، فلأنه اذا قامت عليه البينة بقبض المال كان أبعد من أن يدعى ما ليس له.

стр. 4068

وأما الوصى، فلأجل أن يبطل دعوى اليتيم بانه لم يدفع المال اليه، كما أمر الله تعالى بالاشهاد على البيوع احتياطا للمتبايعين. ووجه آخر فى الاشهاد: وهو أنه يظهر أداء أمانته وبراءة ساحته، كما أمر النبى ﷺ الملتقط بالاشهاد على اللقطة فى حديث عياض بن حماد المجاشعى أن النبى ﷺ قال: من وجد لقطة فليشهد ذوى عدل ولا يكتم ولا يغيب فأمره بالاشهاد لتظهر أمانته وتزول عنه التهمة. وقد قال أبو حنيفة وأصحابه: اذا ادعى الوصى أنه دفع المال الى اليتيم يصدق. وكذا اذا قال: انفقت عليه فى صغره صدق فى نفقة مثله. وكذلك لو قال: هلك المال. وقال مالك لا يصدق أنه دفع المال الى اليتيم. وهو قول الشافعى لأن الذى زعم أنه دفع المال اليه غير الذى ائتمنه كالوكيل بدفع المال الى غيره لا يصدق اذا قال دفعت الا ببينة. وقد قال الله تعالى: «فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ»﴾. ولو كان يصدق فى قوله دون بينة ما أمر الله بالاشهاد. ولكن ليس فى الأمر بالاشهاد دليل على أنه غير أمين وغير مصدق فى قوله دفعت، لأن الاشهاد مندوب اليه فى الأمانات كهو فى المضمونات من الديون. فليس فى الأمر بالاشهاد دلالة على أنه غير مصدق اذا لم يشهد. فان قيل: اذا كان مصدقا فى الرد فما معنى الاشهاد مع قبول قوله بغير بينة؟. قيل فيه الاحتياط للولى بظهور أمانته وزوال التهمة عنه وأن لا يدعى عليه اليتيم بعد ما قد ظهر رده. وفيه الاحتياط لليتيم فى ألا يدعى ما يظهر كذبه فيه وفيه أيضا سقوط اليمين عن الوصى اذا كانت له بينة فى دفعه اليه. ولو لم يشهد وادعى اليتيم أنه لم يدفعه كان القول قول الوصى مع يمينه واذا أشهد فلا يمين عليه. فهذه المعانى كلها مضمنة بالاشهاد وان كان المال أمانة فى يده. ويدل على أنه مصدق فيه بغير اشهاد اتفاق الجميع على أنه مأمور بحفظه وامساكه على وجه الأمانة حتى يوصله الى اليتيم فى وقت استحقاقه، فهو بمنزلة الودائع والمضاربات وما جرى مجراها من الأمانات. فوجب أن يكون مصدقا على الرد، كما يصدق على رد الوديعة.

стр. 4069

والدليل على أنه امانة أن اليتيم لو صدقه على الهلاك لم يضمنه، كما أن المودع لو صدق المودع فى هلاك الوديعة لم يضمنها. مذهب الحنفية: وهذا رأى الحنفية لا بالنسبة للأوصياء والقائمين على أموال اليتامى والتصرف فيها بالحفظ والاستثمار بل بالنسبة لكل الامناء على الأموال، ومن يتولون شأنا عاما من شئون المسلمين. يشهدون على تصرفاتهم فى الأموال التى تعتبر أمانة تحت أيديهم، وعلى أعمالهم للمصلحة التى عهد اليهم بالعمل لها. فقد جاء فى جامع الفصولين (١): ويصح اذن الأب والجد ووصيهما والقاضى ووصيه لليتيم وقنه لا اذن الأم وأخيه وعمه وخاله اذ ليس لهم التصرف فى ماله. والاذن من التصرف. وللأب أن يسافر بمال طفله وله دفعه مضاربة وبضاعة، وأن يوكل ببيع وشراء واستئجار وأن يودع ماله ويكاتب قنه ويزوج أمته لا قنه ويرهن ماله بدينه، وبدين نفسه. فلو هلك ضمن قدر المؤدى من دينه. وله أن يعمل به مضاربة. وينبغى أن يشهد عليه ابتداء، والا صدق ديانة، ويكون المشترى كله للصبى قضاء. وكذا لو شاركه ورأس ماله أقل من مال الصبى. فان أشهد فالربح كما شرط. والا صدق ديانة لا قضاء. فالربح على قدر رأس ماليهما قضاء، لأنه لا يستحق الا بالشرط فما لم يثبت الشرط عند القاضى لا يقضى له .. يماثله الوصى فى ذلك كله. ثم قال فى موضع آخر بعد أن رمز للمنتقى للحاكم الشهيد. نقد الأب من ماله ثمن شئ شراه لولده ونوى الرجوع يرجع ديانة لا قضاء ما لم يشهد .. ولو ثوبا أو طعاما وأشهد أنه يرجع لو له مال. وان لم يكن له مال فلا يرجع وان أشهد لوجد أنهما عليه فى هذه الحالة لأنه فقير يستحق النفقة.

стр. 4070

ولو كان اشترى له قنا أو شيئا لا يلزمه - رجع وان لم يكن له مال ان أشهد. وان لم يشهد فلا يرجع لأنه يكون متبرعا حينئذ. ولو أنفق عليه الوصى من ماله ومال اليتيم غائب، فهو متطوع لا يرجع الا أن يشهد أنه قرض عليه أو أنه يرجع. ولولى (١) الصغير أن يجعل ماله مضاربة عند نفسه، وينبغى أن يشهد على ذلك فى الابتداء. ولو لم يشهد يحل له الربح فيما بينه وبين الله تعالى، ولكن القاضى لا يصدقه. وكذلك اذا شارك ورأس ماله أقل من مال الصغير، فان أشهد فالربح على ما شرط، وان لم يشهد يحل فيما بينه وبين الله تعالى، ولكن القاضى لا يصدقه ويجعل الربح على قدر رأس مالهما. وفى الفتاوى (٢) الهندية اذا حجر القاضى بسبب الدين يشهد أنه قد حجر عليه فى ماله. والاشهاد ليس بشرط لصحة الحجر وانما احتيج اليه، لأنه يتعلق بهذا الحجر أحكام، وربما يقع التجاحد فيحتاج الى اثباته، فيشهد، ليقع الأمن من التجاحد. وجاء (٣) فى الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه - الوصى اذا اشترى كسوة للصغير أو اشترى ما يحتاجه من مال نفسه، فانه يرجع اذا أشهد على ذلك. وفى البزازية انما شرط الاشهاد، لأن قول الوصى فى الانفاق يقبل الا فى حق الرجوع بلا اشهاد. قلت: لكن فى القنية والخلاصة والخانية له أن يرجع بالثمن، وان لم يشهد، بخلاف الأبوين. وفى الحاشية نقل فى الشرنبلالية عن العمارية ما يوافق هذا، وما يخالفه. فقد اضطرب كلام أئمتنا فى الرجوع مطلقا أو بالاشهاد عليه.؟. فليحرر. أقول والتحرير ما فى أدب الأوصياء عن المحيط أن فى رجوع الوصى بلا اشهاد للرجوع

стр. 4071

اختلاف المشايخ فقد اضطرب كلام الخانية أيضا. ونقل عن الخلاصة اشتراط الاشهاد خلاف ما نقله الشارح عنها. ثم قال وفى المنتقى انفق الوصى من مال نفسه على الصبى وللصبى مال غائب فهو متطوع فى الانفاق استحسانا، الا أن يشهد أنه قرض، أو أنه يرجع به عليه، لأن قول الوصى لا يقبل فى الرجوع فيشهد لذلك. وفى المحيط عن محمد: اذا نوى الأب الرجوع ونقد الثمن على هذه النية، وسعه الرجوع فيما بينه وبين الله تعالى. أما فى القضاء فلا يرجع ما لم يشهد. ومثله فى المنتقى. وفيه أيضا لو شرى الأب لطفله شيئا يجبر هو عليه كالطعام والكسوة لصغيره الفقير، لم يرجع، أشهد، أو لم يشهد، لأنه واجب عليه. وان شرى له مالا يجب عليه كالطعام لابنه الذى له مال وكالدار والخادم، رجع أن أشهد عليه، والا فلا. وعن أبى حنيفة فى الدار ونحوها ان كان للابن مال رجع أن أشهد والا لا. وان لم يكن له مال يرجع أشهد أولا. وفى الخانية: ولو اشترى لطفله شيئا وضمن عنه ثم نقده من ماله يرجع قياسا لا استحسانا. قلت فقد تحرر أن فى المسألة قولين: أحدهما عدم الرجوع بلا اشهاد فى كل من الأب والوصى. والثانى اشتراط الاشهاد فى الأب فقط. ومثله الأم اذا كانت وصيا على أولادها. وعللوه بأن الغالب من شفقة الوالدين الانفاق على الأولاد للبر والصلة لا للرجوع بخلاف الوصى الأجنبى فلا يحتاج فى الرجوع الى الاشهاد. وقد علمت أن القول الأول استحسان، والثانى قياس، ومقتضاه ترجيح الأول. وفى ابن عابدين (١): قال فى الدر المختار: لو ادعى المتولى الدفع قبل قوله بلا يمين. لكن أفتى المنلا أبو السعود أنه من ادعى

стр. 4072

الدفع من غلة الوقف فى وقفه كأولاده وأولاد أولاده، قبل قوله. وان ادعى الدفع الى الامام بالجامع والبواب ونحوهما لا يقبل قوله، كما لو استأجر شخصا للبناء فى الجامع بأجرة معلومة ثم ادعى تسليم الأجرة اليه لم يقبل قوله. وعلق ابن عابدين بقوله: وفى حاشية الخير الرملى. والجواب عما قاله أبو السعود أنها ليس لها حكم الأجرة من كل وجه. ومقتضى ما قاله أبو السعود أنه يقبل قوله فى حق براءة نفسه، لا فى حق صاحب الوظيفة، لأنه أمين فيما فى يده فيلزم الضمان فى الوقف، لأنه عامل له وفيه ضرر بالوقف. والقول بأنه اذا دفع لارباب الوظائف والعاملين فى الوقف بالأجر لا يقبل قوله فى غير محله اذ يلزم منه تضمين ناظر الوقف اذا دفع لهم بلا بينة لتعديه. وفيه نظر، بل الضمان على الوقف، لأنه عامل له ولا تعدى منه أصلا، لأنه دفع حقا لمن يستحقه فأين التعدى اذا لم يشهد؟، والا لزم أنه يضمن أيضا فى مسألة استئجاره شخصا للبناء اذا دفع له الأجرة بلا بينة. ولذا جاء فى الحامدية وقول العلماء يقبل قوله فى الدفع الى الموقوف عليهم محمول على غير أرباب الوظائف المشروط عليهم العمل. ألا ترى أنهم اذا لم يعملوا لا يستحقون الوظيفة فهى كالأجرة لا محالة وهو كأنه أجير - فاذ اكتفينا بيمين الناظر يضيع عليه الأجر. وقال المولى عطاء الله أفندى فى مجموعته: سئل شيخ الاسلام زكريا عن هذه المسألة فأجاب بأنه أن كانت الوظيفة فى مقابلة الخدمة فهى أجرة لا بد للمتولى من أثبات الأداء بالبينة والا فهى صلة وعطية. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير للامام الدردير وحاشية الدسوقى عليه (١): والولى على المحجور من صغير أو سفيه لم يطرأ عليه السفه بعد بلوغه. الأب الرشيد لا الجد والأخ والعم، إلا بإيصاء من الأب، وله البيع لمال ولده المجحور له مطلقا ريعا أو غيره وان لم يذكر سببه، أى البيع، بل وان لم يكن له سبب لحمله على السداد عند كثير من أهل العلم. ثم يلى الأب وصيه فوصى الوصى وإن بعد.

стр. 4073

وهل هو كالأب له البيع مطلقا وان لم يذكر السبب، أو لا يلزمه بيان السبب الا فى الربع أى المنزل. والمراد العقار مطلقا اذا باعه فيبينان السبب. وعلق الدسوقى على ذلك بقوله: والمراد ببيان السبب اثباته بالبينة لا مجرد ذكره باللسان. والحاصل أن الأشياخ اختلفوا فيما اذا باع الوصى عقار اليتيم هل يصدق الوصى أنه باعه لذلك السبب ولا يلزمه اقامة البينة عليه، أو لا يصدق، ويلزمه اقامة البينة عليه.؟. قولان. بخلاف الأب اذا باع عقار ابنه الذى حجره، فأنه لا يكلف اثبات الوجه الذى باع لأجله، بل فعله ذلك محمول على النظر. ثم يلى الوصى حاكم أو من يقيمه، وباع الحاكم ما دعت الضرورة الى بيعه من مال اليتيم. بثبوت يتمه وأهماله وملكه لما بيع وأنه الأولى بالبيع من غيره وحيازة الشهود له بأن يقولوا للحاكم ولمن وجهه الحاكم معهم: هذا الذى حزناه وأطلعناكم عليه هو الذى شهدنا أو نشهد بأنه ملك اليتيم. فان شهدت بينة الملك أنه بيت فى المكان الفلانى صفته كذا وكذا وتنته حدوده الى كذا وكذا - كفت وأغنت عن بينة الحيازة كما عندنا بمصر. قال الدسوقى وحيازة الشهود له أى اطلاع الشهود عليه ان كان عقارا بأن يرسل القاضى جماعة يطلعون عليه، ويطوفون به من داخل ومن خارج، ثم يقولون للحاكم: هذا الذى حزناه وأطلعنا عليه هو الذى شهد عندك الشهود بأنه ملك للصغير. أو يرسل القاضى معهم أحدا من طرفه فيقولون له بعد الطواف به: هذا الذى حزناه واطلعنا عليه هو الذى شهد به عند القاضى أنه ملك لليتيم. وفى لزوم تصريحه بأسماء الشهود الذين شهدوا بذلك قولان، محلهما فى الحاكم العدل الضابط. وأما غيره فلابد من التصريح بهم، والا نقض حكمه. وأما الغائب فلا بد من التصريح بهم والا نقض حكمه. قال الدسوقى ومعنى تصريحه بذلك بأن يكتب فى السجل ثبت عندى بشهادة فلان وفلان يتمه. وبشهادة فلان وفلان اهماله. وبشهادة فلان وفلان ملكه لمحل فى جهة كذا.

стр. 4074

وجاء فى التاج والاكليل (١): وباع الناظر مالا ينتفع به من غير عقار فى مثله أو شقصه. وفى المدونة، ما ضعف من دواب حبس السبيل أو بلى من ثيابه فذهبت منفعته بيع ورد من ثمن الدواب فى خيل، فان لم تبلغ ثمن فرس، أو هجين، أو برذون أعين به فى ثمن فرس. ورد ثمن الثياب فى ثياب. فان قصر عن ثمن ما ينتفع به فرق فى السبيل. قال ابن عرفة من المدونة وغيرها يمنع بيع ما خرب من ربع الحبس مطلقا. وعبارة الرسالة. ولا يباع الحبس وان خرب. ثم قال: واختلف فى المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب. وقال ابن رشد: ان كانت هذه القطعة من الأرض المحبسة انقطعت منفعتها جملة وعجز عن عمارتها وكرائها فلا بأس بالمعاوضة فيها بمكان يكون حبسا مكانها، ويكون ذلك بحكم من القاضى بعد ثبوت ذلك السبب والغبطة فى ذلك للعوض عنه، ويسجل ذلك ويشهد به. مذهب الشافعية: يقول الشافعية: أن الوصى على اليتيم يعتبر أمين الأب الذى عينه وصيا وليس أمينا لليتيم. ومن ثم اذا ادعى أنه دفع لليتيم ماله أو أنه انفق عليه فى صغره لا يصدق الا ببينة. فلابد عنده من أن يشهد الوصى على دفع مال اليتيم اليه، لقول الله ﵎: «فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً»﴾. أمر بالاشهاد على الدفع. ولو كان يصدق فى قوله انه دفع المال الى اليتيم بلا بينة، لما أمره الله بالاشهاد. وفى تصرف الناظر. جاء فى مغنى (٢) المحتاج: اذا أجر الناظر العين الموقوفة على غيره مدة بأجرة مثلها فزادت الأجرة فى المدة أو ظهر طالب بالزيادة عليها لم ينفسخ العقد فى الأصح، لأن العقد قد جرى بالغبطة فى وقته فأشبه ما اذا

стр. 4075

باع الولى مال الطفل ثم ارتفعت القيم بالأسواق أو ظهر طالب بالزيادة. والثانى ينفسخ اذا كان للزيادة وقع والطالب ثقة لتبين وقوع العقد على خلاف الغبطة. أما اذا أجر العين الموقوفة عليه فانه يصح قطعا ولو بدون أجرة المثل كما لو أجر المطلق به. ولو أجر الناظر الموقوف على غيره بدون أجرة المثل فانه لا يصح قطعا. وأفتى ابن الصلاح فيما اذا أجر الناظر الوقف مدة معلومة بأجرة معلومة وشهد الشاهدان أنها أجرة المثل حالة العقد ثم تغيرت الأحوال وطرأت أسباب توجب زيادة أجرة المثل - أنه يتبين بطلان العقد ويتبين خطأ الشاهدين بأجرة المثل، لأن تقويم المنافع فى مدة ممتدة انما يصح اذا استمرت الحالة الموجودة حالة التقويم التى هى حالة العقد، وليس هذا التقويم كتقويم السلعة الحاضرة. مذهب الحنابلة: والحنابلة يرون أن الأوصياء على اليتامى والقائمين على أموالهم مكلفون بأن يدفعوا اليهم أموالهم بعد أن يبلغوا ويأنسوا منهم الرشد. وهم أمناء على هذه الأموال ماداموا يعملون متبرعين بدون أجر كالمودع. ويكون القول قولهم فى رد الأموال. وان كانوا يعملون بأجر فلا يعتبرون كالمودع بل كالمرتهن، والمستعير. ولا يكون القول قولهم فى الرد بل القول قول اليتيم، لأن الوصى قبض المال لحفظه فلم تقبل دعوى الرد بدون بينة. والقول فى التصرف فى المال وفى الانفاق عليه وعلى المحجور عليه قول الولى، الا أن يخالف الظاهر أو العرف والعادة فلا يقبل الا ببينة. والقول قول اليتيم فيما يشهد له الظاهر. جاء فى كشاف القناع (١): وللولى غير الحاكم وأمينه أن يأكل من مال المولى عليه لقوله تعالى: «وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» الأقل من أجرة مثله أو قدر كفايته ولو لم يقدره حاكم. وأما الحاكم وأمينه فلا يأكلان شيئا، لأنهما يستغنيان بمالهما فى بيت المال. ولا يلزمه عوضه اذا أيسر. وأن كان غنيا لم يجز له ذلك اذا لم يكن أبا.

стр. 4076

فان فرض الحاكم للولى شيئا جاز له أخذه مجانا ولو مع غناه. ولا يقرأ الولى ولا غيره فى مصحف اليتيم لأن ذلك يخلقه. ويأكل ناظر وقف بمعروف نصا اذا لم يشترط الواقف له شيئا. وظاهره أن الناظر يأكل بالمعروف ولو لم يكن محتاجا. قاله فى القواعد. وقال الشيخ: للناظر أخذ أجرة عمله مع فقره. والوكيل فى الصدقة لا يأكل منها شيئا لأجل العمل. ومتى زال الحجر فادعى على الولى تعديا فى ماله، أو ادعى ما يوجب ضمانا من نحو تفريط بلا بينة، فالقول قول الولى، لأنه أمين كالمودع حتى فى قدر نفقة عليه وقدر كسوة له وقدر نفقة وكسوة على أمواله أى أموال المحجور أو قدر نفقة على عقاره بالمعروف من مال الولى، ليرجع على المحجور عليه ما لم يعلم كذبه، أى الولى، أو يخالف عادة وعرفا، فلا يقبل قوله، لمخالفته الظاهر. لكن لو قال الوصى أنفقت عليك ثلاث سنين، وقال اليتيم: بل مات أبى منذ سنتين، وأنفقت على من أوان موته، فالقول قول اليتيم بيمينه، لأن الأصل موافقته. ويقبل قول الولى أيضا فى وجود ضرورة وغبطة ومصلحة وتلف مال المحجور أو بعضه، لأنه أمين، وحيث قلنا القول قول الولى فانه يحلف اذا كان غير حاكم. أما الحاكم فلا يحلف مطلقا لعدم التهمة. ويقبل قول الولى فى دفع المال اليه بعد بلوغه ورشده وعقله ان كان الولى متبرعا، لأنه أمين اشبه المودع. والا يكن الولى متبرعا بل بأجرة فلا يقبل قوله فى دفعه المال اليه، بل قول اليتيم، لأن الولى قبض المال لحظه فلم تقبل دعوى الرد كالمرتهن والمستعير. وجاء فى كشاف القناع قبل ذلك (١) أن من حجر عليه الحاكم يستحب اظهاره والاشهاد عليه أى على الحجر عليه لتجتنب معاملته. وعلم منه أن الاشهاد عليه ليس بشرط، لأنه ينتشر أمره لشهرته. وان رأى الحاكم أن يأمر مناديا بذلك أى بالحجر عليه ليعرفه الناس فعل. ولا يصح تزوجه الا باذن وليه، لأنه تصرف يجب فيه مال فلم يصح بغير اذن وليه كالشراء.

стр. 4077

وجاء فى المغنى (١) لابن قدامة: أن الوقف اذا تخرب وتعطلت منافعه كدار انهدمت أو أرض خربت وعادت مواتا ولم تمكن عمارتها أو مسجد انتقل أهل القرية عنه وصار فى موضع لا يصلى فيه أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه فى موضعه أو انشعب جميعه فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه الا ببيع بعضه جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته. وان لم يمكن الانتفاع بشئ منه بيع جميعه. قال أحمد فى رواية أبى داود اذا كان فى المسجد خشبتان لهما قيمة جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه. وقال فى رواية صالح: يحول المسجد خوفا من اللصوص. واذا كان موضعه قذرا قال القاضى: يعنى اذا كان ذلك يمنع من الصلاة فيه نص على جواز بيع عرصته فى رواية عبد الله، وتكون الشهادة فى ذلك على الامام. مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٢): وندب أن يشهد على الحجر، ويأمر مناديا فى البلد أن فلانا قد حجر عليه الحاكم لئلا يغتر الناس. وليمضه الحاكم الآخر ان مات الأول ولا يحتاج الى تجديد. مذهب الإمامية: جاء فى مفتاح (٣) الكرامة: اذا باع الأب أو الجد وذكر أنه للحاجة ورفع الأمر الى الحاكم جاز له أن يسجل على البيع ولا يكلفهما اثبات الحاجة والغبطة لأنهما غير متهمين فى حق ولدهما ولو باع الوصى أو أمين الحاكم لم يسجل الحاكم الا اذا قامت البينة على الحاجة والغبطة فاذا بلغ الصبى وأدعى على الأب أو الجد بيع ماله من غير حاجة ومصلحة كان القول قولهما مع اليمين وعليه البينة لأنه أدعى عليهما خلاف الظاهر اذ الظاهر من حالهما الشفقة وعدم البيع الا للحاجة ولو ادعى على الوصى أو الأمين فالقول قوله فى بيع العقار وعليهما البينة لأنهما مدعيان وفى غير العقار الأولى ذلك أيضا لهذا الدليل والفرق عسر الاشهاد فى كل قليل وكثير يبيعه كما ذكر ذلك كله فى التذكرة فيلزم القول هنا بوجوب الاشهاد حذرا من التفريط، وأما الوصى (٤) وأمين

стр. 4078

الحاكم ففى التذكرة أنه لا يقبل قولهما فى بيع العقار الا مع البينة وفى غير العقار أن الأولى ذلك وقد استشكل هنا بصحة تصرفات المسلم المالك لذلك التصرف ولأنه موضوع لفعل ما يعتقد أنه مصلحة فيرجع اليه فيه ولا يكلف اقامة البينة عليه ولأن دعواه صلاح التصرف دعوى عدم التعدى وهو الأصل والقول قوله فيه ومن أصالة بقاء الملك على مالكه الى أن يثبت الناقل وأصالة عدم الحاجة الى البيع وعدم خفاء المصالح والأول أقوى كما فى الايضاح وجامع المقاصد وهو الظاهر من حواشى الكتاب وقد قالوا فى باب الوكالة أنه لا يقبل قول الأب والجد له والوصى والحاكم وأمينه فى تسليم المال لو أنكر الصبى بعد رشده تسليم المال اليه وكذلك الوصى صرح به فى الشرائع والتذكرة، ويستجب اظهار الحجر لئلا يستضر معاملوه كما فى المبسوط والتحرير والتذكرة قال فى الأخير يستحب للحاكم الاعلام بالحجر والنداء على المفلس ويشهد الحاكم عليه بأنه حجر عليه والاعلان بذلك بحيث لا يستنصر معاملوه، ولو أقام شاهدا بدين حلف عنه وجعل فى سائر أمواله فان نكل ففى احلاف الغرماء أشكال وكذا لو كان الدين لميت ونكل الوارث وبمنعه صاحب الدين الحال من السفر قبل الايفاء لا المؤجل ولا يطالبه بكفيل ولا اشهاد وان كان الدين يحل قبل الرجوع ولا يمنع المالك من السفر معه ليطالبه عند الأجل لكن يلازمه ملازمة الرقيب. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): جاز لقائم يتيم وان أمه أو وليه أو متطوعا أن يبيع من أصله أن احتاج بقدر الثمن والحاجة بعلم أوليائه ان كانوا، والا فالصلحاء ان لم يكن حاكم عدل. ويشهدهم على بيع وانفاق عليه. وان لم يجد الولى الصلحاء أشهد خير من وجد من أهل المحلة. ومرادهم بالاشهاد على ذلك أنه يشهدهم أنه باع، وأنه ينفق عليه. ويتبين العدل فى الانفاق بعد ذلك وعدمه ليتيم أو غيره فيقام له بحقه. وان أشهد أنه ينفق كل يوم كذا فهو أحوط. وليس المراد أنه كلما أراد أن ينفق أشهد. وان قام اليتيم بعد ونازعه بأن قال لم تبع أو قال بعت بأكثر أو قال: بعت بأرخص أو قال: لم يحتج لبيع فيما باع يحكم بصحة فى بيع وقدر الثمن والحاجة، فلا سبيل عليه اذا تبين أن مثل ذلك الذى أدعى انفاقه ينفق على ذلك فى مثل تلك المدة، غير أنه يحلفه ان شاء ما خانه.

стр. 4079

ويرد فعل الأم مطلقا وان لم تقعد ومحتسب فمن باعه منهما يرجع مشتر عليه بالثمن، ويرجع هو به على اليتيم ان أشهد على ذلك المعه د من انفاق ثمنه عليه. ولو فى تزويج، كان الانسان اليتيم أنثى أو ذكرا والا عد متبرعا متصدقا من ماله بما أنفق عليه وضمن له ثمن أصله. وقيل: لا ضمان عليه، ولا رجوع عليه لليتيم اذا صحت الحاجة والبيع بقدر الثمن ولو لم يشهد على الانفاق، وهو الصحيح الذى لا يجوز خلافه. ويحتمل أن يريد بقوله أن أشهد على ذلك أن أشهد على البيع بقدر الثمن. وبقوله: والا: وان لم يشهد على البيع بقدر الثمن فيكون الاشهاد عليه كافيا فى رجوعه على اليتيم ولو لم يشهد على الانفاق. والأصل معروف له فلا ينتقل لغيره الا بوجه صحيح. وقيل غير الأصل فى ذلك كالأصل اذا علم أنه له وقد أمر بالاشهاد عليهم اذا دفعنا لهم أموالهم بعد بلوغهم وايناس الرشد منهم. الاشهاد فى النكاح مذهب الحنفية: جاء فى الهداية وحاشية (١) فتح القدير عليها للكمال بن الهمام ما يأتى: أعلم أن الشهادة شرط فى باب النكاح، لقوله ﵊ لا نكاح الا بشهود. وهو حجة على مالك فى اشتراط الاعلان دون الشهادة. ولا بد من اعتبار الحرية فيها، لأن العبد لا شهادة له لعدم الولاية. ولا بد من اعتبار العقل والبلوغ لأنه لا ولاية بدونهما. ولا بد من اعتبار الاسلام فى أنكحة المسلمين، لأنه لا شهادة للكافر على المسلم. ولا يشترط وصف الذكورة حتى ينعقد بحضور رجل وامرأتين، وفيه خلاف الشافعى رحمه الله تعالى. ولا تشترط العدالة حتى ينعقد بحضرة الفاسقين عندنا، خلافا للشافعى رحمه

стр. 4080

الله تعالى، لأن الشهادة من باب الكرامة، والفاسق من أهل الاهانة. ولنا أنه من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة. والمحدود فى القذف تقبل شهادته تحملا هنا، لأنه من أهل الولاية فيكون من أهل الشهادة تحملا. وانما الفائت ثمرة الأداء بالنهى لجريمته فلا يبالى بفواته كما فى شهادة العميان وابنى العاقدين. وان تزوج مسلم ذمية بشهادة ذميين جاز عند أبى حنيفة وأبى يوسف. وقال محمد وزفر: لا يجوز. وفى فتح القدير تعليقا على ما ذكر تشترط الشهادة: فى النكاح لقوله ﷺ «لا نكاح الا بشهود». وهو حجة على مالك فى اشتراط الاعلان دون الاشهاد. وظاهره أنه حجة عليه فى الأمرين اشتراط الاعلان، وعدم اشتراط الاشهاد ولكن المقصود أنه حجة فى أصل المسألة وهو اشتراط الاشهاد. وانما زاد ذكر الاعلان تتميما لنقل مذهبه. ونفى اشتراط الشهادة قول ابن أبى ليلى وعثمان البتى وأبى ثور وأصحاب الظاهر. قيل زوج ابن عمر بغير شهود، وكذا فعل الحسن. وهم محجوجون بقوله ﷺ «لا نكاح الا بشهود» رواه الدارقطنى. وروى الترمذى من حديث ابن عباس «البغايا اللاتى ينكحن أنفسهن بغير شهود. ولم يرفعه غير عبد الأعلى فى التفسير، ووقفه فى الطلاق. لكن ابن حبان روى من حديث عائشة رضى الله عنها أنه ﷺ قال: «لا نكاح الا بولى وشاهدى عدل. وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل فان تشاجروا فالسلطان ولى من لا ولى له». قال ابن حبان: لا يصح فى ذكر الشاهدين غير هذا. وشتان ما بين هذا وبين قول فخر الاسلام. ان حديث الشهود مشهور يجوز تخصيص الكتاب به أعنى قوله تعالى «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ» فيندفع به الايراد المعروف وهو لزوم الزيادة على الكتاب أو تخصيصه بخبر الواحد. واعلم أن المشايخ ﵏ نصبوا الخلاف فى موضعين فى الشهادة على ما ذكرنا وفى الاعلان.

стр. 4081

واستدلوا لمالك فى اثباته بالمنقول من قول النبى ﷺ فى الحديث عن عائشة رضى الله عنها عنه ﷺ «أعلنوا النكاح». وبالمعقول وهو أن حرام هذا الفعل يكون سرا، فضده يكون جهرا، لتنتفى التهمة والدى يظهر أن هذا نصب للخلاف فى غير محل النزاع، ويظهر ذلك من أجوبتهم عن هذا الاستدلال وغيره. وذلك أن كلمتهم قاطبة فيه على القول بموجب دلائل الاعلان وادعاء العمل بها باشتراط الاشهاد، اذ به يحصل الاعلان. وكلام المبسوط حيث قال: ولأن الشرط لما كان الاظهار يعتبر فيه ما هو طريق الظهور شرعا، وذلك بشهادة الشاهدين، فانه مع شهادتهما لا يبقى سرا. وقول الكرخى: نكاح السر ما لم يحضره شهود، فاذا حضروا فقد أعلن. وانما الخلاف بعد ذلك فى أن الاعلان المشترط هل يحصل بالاشهاد، وحتى لا يضر بعده توصيته للشهود بالكتمان اذ لا يضر بعد الاعلان التوصية بالكتمان، أو لا يحصل بمجرد الاشهاد حتى يضر قلنا: نعم، وقالوا: لا. ولو أعلن بدون الاشهاد لا يصح، لتخلف شرط آخر، وهو الاشهاد عندنا. وعنده يصح. فالحاصل أن شرط الاشهاد يحصل فى ضمنه الشرط الآخر. فكل اشهاد اعلان ولا ينعكس، كما لو أعلنوا بحضرة صبيان أو عبيد. وجاء فى البدائع (١) أن الشهادة شرط جواز النكاح لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا نكاح الا بشاهدين». وعن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: الزانية التى تنكح نفسها بغير بينة. ولو لم تكن الشهادة شرطا لم تكن زانية بدونها. ولأن الحاجة مست الى دفع تهمة الزنا عنها ولا تندفع الا بالشهود ولأنها لا تندفع الا بظهور النكاح واشتهاره ولا يشتهر الا بقول الشهود. وبه تبين أن الشهادة فى النكاح انما شرطت فيه للحاجة الى دفع الجحود والانكار، لأن ذلك يندفع بالظهور والاشتهار

стр. 4082

لكثرة الشهود على النكاح بالسماع من العاقدين، وبالتسامع. وكذلك قول النبى ﷺ «أعلنوا النكاح» لأنهما اذا أحضراه شاهدين فقد أعلناه. وللشاهد الذى ينعقد به النكاح شروط كالعقل والبلوغ والحرية. وجاء فى البحر الرائق (١) شرح كنز الدقائق الاشهاد شرط فى النكاح فلا يصح بغير شهود لحديث «لا نكاح الا بشهود» فكان شرطا ولذا قال فى مآل الفتاوى: ولو تزوج بغير شهود ثم أخبر الشهود على وجه الخبر لا يجوز الا أن يجدد عقدا بحضرتهم. وفى الخانية والخلاصة: لو تزوج بشهادة الله ورسوله لا ينعقد ويكفر لاعتقاده أن النبى ﷺ يعلم الغيب .. وصرح فى المبسوط بأن النبى ﷺ كان مخصوصا بالنكاح بغير شهود ولا يشترط الاعلان مع الشهود لما فى التبيين أن النكاح بحضور الشاهد يخرجه عن أن يكون سرا ويحصل بحضورهما الاعلان. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الصغير للامام الدردير (٢): ويندب الاشهاد عند العقد للخروج من الخلاف اذ كثير من الأئمة لا يرى صحته الا بالشهادة حال العقد. ونحن نرى وقوعه صحيحا فى نفسه وان لم تحصل الشهادة حال العقد كالبيع .. ولكن لا تتقرر صحته ولا تترتب ثمرته من حل التمتع الا بحصولها قبل البناء فجاز أن يعقدا فيما بينهما سرا، ثم يخبرا به عدلين كأن يقولا لهما: قد حصل منا العقد لفلان على فلانة، وأن الولى يخبر عدلين، والزوج يخبر عدلين غيرهما. ولا يكفى أن يخبر أحدهما عدلا، والثانى يخبر عدلا غيره، لأنها حينئذ بمنزلة الواحد .. وفى حاشية الصاوى قال: حاصله أن أصل الاشهاد على النكاح واجب، واحضارهما عند العقد مندوب. فان حصل عند العقد فقد وجد الأمران الوجوب والندب. وان فقد وقت العقد ووجد عند الدخول فقد حصل الواجب وفات المندوب وان لم يوجد اشهاد عند الدخول والعقد ولكن وجدت الشهود عند واحد منهما فالصحة قطعا. ويأثم أولياء النكاح لعدم طلب الشهود. وان لم توجد شهود أصلا فالفساد قطعا.

стр. 4083

وفى الشرح الكبير على خليل للامام الدردير (١): وندب اشهاد عدلين. فغير العدل من مستور وفاسق عدم، وغير من له ولاية ولو كان وكيله فشهادته عدم. وفى التاج (٢) والاكليل: وندب اشهاد عدلين غير الولى بعقده. قال أبو عمر: ينعقد النكاح بغير شهود عند مالك كما ينعقد البيع اذا رضى الزوج والمرأة، وكانت مالكة أمرها أو يتيمة مالكة نفسها وكان ذلك باذن ولى، ويشهدون فيما يستقبلون .. وقال ابن عرفة: البينة على العقد. نقل الأكثر عن المذهب أنها مستحبة وهى شرط فى البناء. وقال المتيطى يصح النكاح دون اشهاد. ومعنى لا يتم الا بالاشهاد انما ذلك عند المناكرة. وفى الحطاب (٣): يندب اشهاد عدلين، وفسخ أن دخل بلا اشهاد. ومفهوم الشرط أن دخلا بعد الاشهاد لا يفسخ ولو كان الاشهاد بعد العقد وهو كذلك - الا أن يكونا قصدا الى الاستسرار بالعقد فلا يصح أن يثبتا عليه. قال فى المقدمات: الاشهاد انما يجب عند الدخول وليس من شروط صحة العقد. فان تزوج ولم يشهد فنكاحه صحيح ويشهدان فيما يستقبل، الا أن يكونا قصدا الى الاستسرار بالعقد فلا يصح أن يثبتا عليه، لنهيه ﷺ عن نكاح السر. ويؤمر أن يطلقها طلقة ثم يستأنف العقد. فان دخلا فى الوجهين جميعا أى فى قصد الاستسرار وعدم قصده، فرق بينهما وان طال الزمان بطلقة لاقرارهما بالنكاح. وحدا أن أقرا بالوط ء، الا أن يكون الدخول فاشيا، أو يكون على العقد شاهد واحد فيدرأ الحد بالشبهة. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٤): أنه لا يصح النكاح الا بشاهدين.

стр. 4084

وقال أبو ثور يصح من غير شهادة، لأنه عقد فصح من غير شهادة كالبيع. وهذا خطأ لما روت عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ قال كل نكاح لم يحضره أربعة فهو سفاح خاطب، وولى وشاهدان. ويخالف البيع فان القصد منه المال. والقصد من النكاح الاستمتاع وطلب الولد، ومبناهما على الاحتياط. ولا يصح الا بشاهدين ذكرين. فان عقد برجل وامرأتين لم يصح لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها. ولا يصح الا بعدلين، لما روى ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: لا نكاح الا بولى وشاهدى عدل. فان عقد بمجهول الحال ففيه وجهان. أحدهما وهو قول أبى سعيد الاصطخرى أنه لا يصح، لأن ما افتقر ثبوته الى الشهادة لم يثبت بمجهولين، كالاثبات عند الحاكم. والثانى يصح وهو المذهب، لأنا لو اعتبرنا العدالة الباطنة لم تصح أنكحة العامة الا بحضرة الحاكم لأنهم لا يعرفون شروط العدالة وفى ذلك مشقة فاكتفى بالعدالة الظاهرة كما اكتفى فى الحوادث فى حقهم بالتقليد حين شق عليهم ادراكها بالدليل. فان عقد بمجهولين، ثم تبين أنهما كانا فاسقين لم يصح، لأنا حكمنا بصحته فى الظاهر، فاذا بان خلافه حكم بابطاله كما لو حكم الحاكم باجتهاده ثم وجد النص بخلافه. ومن أصحابنا من قال: فيه قولان، بناء على القولين فى الحاكم اذا حكم بشهادة شاهدين، ثم بان أنهما كانا فاسقين .. وان عقد بشهادة أعميين ففيه وجهان أحدهما أنه يصح، لأن الأعمى يجوز أن يكون شاهدا. والثانى لا يصح، لأنه لا يعرف العاقد، فهو كالأصم الذى لا يسمع لفظ العاقد. ويصح بشهادة ابنى أحد الزوجين، لأنه يجوز أن يثبت النكاح بشهادتهما، وهو ما اذا جحد الزوج الآخر. وهل يصح بشهادة ابنيهما أو بشهادة أبن الزوج وابن الزوجة؟ فيه وجهان. أحدهما: يصح، لأنهما من أهل الشهادة. والثانى: لا يصح، لأنه لا يثبت هذا النكاح بشهادتهما بحال. واذا اختلف الزوجان فقالت الزوجة: عقدنا بشهادة شاهدين فاسقين. وقال الزوج عقدنا بشهادة عدلين ففيه وجهان.

стр. 4085

أحدهما أن القول قول الزوج لأن الأصل بقاء العدالة. والثانى أن القول قول الزوجة لأن الأصل عدم النكاح. وان تصادقا على أنهما تزوجا بولى وشاهدين، وأنكر الولى والشاهدين لم يلتفت الى انكاره، لأن الحق لهما دون الولى والشاهدين. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف (١) القناع: من شروط النكاح الشهادة عليه، احتياطا للنسب خوف الانكار. فلا ينعقد النكاح الا بشاهدين. روى عن عمر وعلى وهو قول ابن عباس. رواه الدارقطنى: ولما روت عائشة رضى الله عنها مرفوعا: لابد فى النكاح من حضور أربعة الولى والزوج والشاهدين رواه الدارقطنى. وعن أبن عباس أن النبى ﷺ قال: البغايا اللواتى ينكحن أنفسهن بغير بينة. رواه الترمذى. ولأنه عقد يتعلق به حق غير المتعاقدين وهو الولد، فاشترطت الشهادة فيه، لئلا يجحد أبوه فيضيع نسبه بخلاف غيره من العقود. وما روى عن أحمد من أنه ﷺ أعتق صفية وتزوجها من غير شهود فمن خصائصه. ويكون الشاهدان مسلمين، لقوله ﷺ لا نكاح الا بولى وشاهدى عدل. رواه الخلال. وعدلين للحديث المذكور. وذكرين لما روى أبو عبيد فى الأموال عن الزهرى أنه قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة النساء فى الحدود ولا فى النكاح ولا فى الطلاق. وبالغين عاقلين، لأن الصبى والمجنون ليسا من أهل الشهادة. وسامعين لأن الأصم لا يسمع العقد حتى يشهد به. وناطقين لأن الأخرس لا يتمكن من أداء الشهادة ولو كانا عبدين كسائر الشهادات أو كانا ضريرين اذا تيقنا الصوت تيقنا لا شبهة فيه كالشهادة بالاستفاضة أو كانا عدوى الزوجين أو عدوى أحدهما أو عدوى الولى، لعموم قوله ﷺ وشاهدى عدل. ولأنه ينعقد بهما غير هذا النكاح فينعقد أيضا بهما كسائر العقود. ولا ينعقد النكاح بمتهم رحم كابنى الزوجين

стр. 4086

أو ابنى أحدهما وأبويهما وابن أحدهما وأبى الآخر للتهمة. ولا ينعقد بأصمين أو أخرسين أو شاهدين أحدهما كذلك لما تقدم. ولا يبطل النكاح بالتواصى بكتمانه، لأنه لا يكون مع الشهادة عليه مكتوما. فان كتم النكاح الزوجان والولى والشهود قصدا صح العقد وكره كتمانهم له، لأن السنة اعلان النكاح .. ولا ينعقد نكاح مسلم بشهادة ذميين، ولا بشهادة مسلم وذمى لقوله تعالى «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» ولو كانت ذمية كتابية أبواها كتابيان. ولو أقر رجل وامرأة أنهما نكحا بولى وشاهدى عدل قبل منهما، لأنه لا منازع لهما فيه، ويثبت النكاح باقرارهما لعدم المخاصمة فيه. ويكفى العدالة ظاهرا فقط فى الشاهدين بالنكاح، بأن لا يظهر فسقهما، لأن الغرض من الشهادة اعلان النكاح، ولهذا يثبت بالتسامع، فاذا حضر من اشتهر بحضوره كفى، ولأن النكاح يقع بين عامة الناس فى مواضع لا تعرف فيها حقيقة العدالة فاعتبار ذلك يشق. فلو بان الشاهدان بعده فاسقين، فالعقد صحيح ولا ينقض. وكذا لو بان الولى فاسقا، لأن الشرط العدالة ظاهرا، وهو أن لا يكون ظاهر الفسق وقد تحقق ذلك. ولو تاب الشاهد فى مجلس العقد فيكون كمستور العدالة قاله فى الترغيب فيكفى. وكذا لو تاب الولى فى المجلس، قلت يكتفى بذلك حيث أعتبرت العدالة مطلقا لأن أصلاح العمل ليس شرطا فيها. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى (١): ولا يتم النكاح الا باشهاد عدلين فصاعدا أو باعلان عام. فان استكتم الشاهدان لم يضر ذلك شيئا .. حدثنا محمد بن اسماعيل العذرى ومحمد ابن عيسى قالا: حدثنا محمد بن على الرازى المطوعى حدثنا محمد بن عبد الله الحاكم النيسابورى قال: سمعت أبا بكر بن اسحاق الامام يقول: قال الحاكم: ثم سألت أبا على: عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ «أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها وشاهدى عدل فنكاحها باطل». وان دخل بها فلها المهر. وان اشتجروا فالسلطان ولى من لا ولى له.

стр. 4087

قال أبو محمد: لا يصح فى هذا الباب شئ غير هذا السند، يعنى ذكر شاهدى عدل، وفى هذا كناية لصحته. مذهب الزيدية: جاء فى التاج (١) المذهب: من شروط النكاح اشهاد عدلين. فلا يصح العقد الا بحضور شاهدين وسماعهما الايجاب والقبول تفصيلا وان لم يقصد اشهادهما. ومذهبنا أن العدالة فيهما شرط. وهى عندنا كعدالة امام الصلاة فلا يحتاج الى اختبار. ويصح أن يكون الشاهدان من أولياء المرأة غير الولى العاقد. ولو كان الشاهدان أعميين فان شهادتهما تكفى. لا أصمين أو أعجميين عند العرب أو العكس على وجه لا يفقهان اللغة. الا اذا كان الزوج والولى أخرسين وعقدا بالاشارة فيكفى الاصمان، لأن العمدة حينئذ على النظر لا على السمع. أو كان الشاهدان عبدى الزوجين أو أحدهما فان النكاح يصح بشهادتهما، ولو لم يحكم بشهادتهما فى النكاح والمهر اذ المراد هنا ما ينعقد به العقد فينعقد بهما. وبرجل وامرأتين. ويجب على العدل التتميم أى أن يتمم شهادة النكاح اذا كانت ناقصة من نفسه. وانما يتعين عليه الوجوب حيث لا يوجد عدل غيره مع شاهد واحد عدل. فأما اذا كان يوجد عدل غيره ممن لا يمتنع عن الحضور لم يتعين الوجوب على هذا الا أن يعرف امتناع ذلك الغير .. واذا حضر العقد شاهدان أحدهما فاسق، وظاهر السلامة، وهو يعرف أن مذهب الزوجين اشتراط العدالة وجب على الفاسق وغير العدل رفع التغرير بالتعريف أن شهادته غير صحيحة لعدم العدالة. وهذا اذا لم تمكنه التوبة نحو أن يكون الحق لآدمى وهو غير متمكن من التخلص والا كفت التوبة وانعقد النكاح بشهادته. واذا كان عقد النكاح بالكتابة نحو أن يكتب الزوج للولى زوجنى ابنتك - أو يكتب الولى للزوج - زوجتك ابنتى - فان الشهادة لا تجب عند الكتابة بل تقام عند المكتوب

стр. 4088

اليه فيقرأ الكتابة وهم يسمعون ثم يقول: قد زوجته أو قد قبلت النكاح. وكذا تقام عند المرسل اليه اذا كان العقد بالرسالة. ويصح أن يكون الرسول أحد الشاهدين. وان كان حامل الكتاب فأولى فى صحة كونه أحد الشاهدين. وتقام الشهادة فى العقد الموقوف على رضا الولى أو المرأة أو الزوج أو وليه عند ذلك العقد، لا عند الاجازة اذا وقت العقد وقت انعقاده فالاجازة تلحقه وقد انعقد على وجه الصحة من الشهادة لا عند الاجازة فلم يسمعا ايجابا ولا قبولا بل سمعا: أجزت أو نحوه. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية (١): أنه لا يشترط الشاهدان فى النكاح الدائم مطلقا، ولا الولى فى نكاح الرشيدة وان كان أفضل على الأشهر. خلافا لأبن أبى عقيل الذى يرى اشتراط الشاهدين فى النكاح استنادا الى رواية ضعيفة تصلح سندا للاستحباب لا للشرطية. وجاء فى الخلاف (٢): أنه لا يفتقر النكاح فى صحته الى شهود. وبه قال فى الصحابة الحسن بن على ﵉ وابن الزبير وابن عمر. واليه ذهب عبد الرحمن بن مهدى ويزيد بن هارون وبه قال أهل الظاهر. دليلنا اجماع الفرقة. وأيضا قول الله تعالى: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ» ولم يذكر الشهود. وقوله تعالى «وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ» وهو مثل ذلك. وأيضا فقد روى سهل بن سعد الساعدى أن امرأة أتت النبى ﷺ فقالت: يا رسول الله - وهبت نفسى منك فقال: مالى اليوم بالنساء من حاجة. وذكر الحديث حتى قال: زوجتكها بما معك من القرآن .. ومعلوم أنه لم يكن شهود. وروى أن جحش بن رباب من بنى أسد خطب إلى رسول الله ﷺ أمية بنت عبد المطلب فزوجه اياها ولم يشهد. ومن روى أنه قال: لا نكاح الا بولى وشاهدى عدل، فحمله على أنه لا يثبت عند الحاكم الا بشاهدى عدل دون انعقاد العقد فى حالة التزويج، أو تحمله على

стр. 4089

ضرب من الاستحباب والكمال بدلالة ما قدمناه. وجاء فى المخصر النافع (١): أنه لا يشترط حضور شاهدين ولا ولى اذا كانت الزوجة بالغة رشيدة على الأصح. ويستحب الاشهاد والاعلان والخطبة أمام العقد وايقاعه ليلا. وجاء فى تذكرة الفقهاء (٢): أنه يستحب الاعلان والاظهار فى النكاح الدائم والاشهاد. وليس الاشهاد شرطا فى صحة العقد عند علمائنا أجمع. وبه قال عبد الله بن ادريس والعنبرى وأبو ثور وابن المنذر والزهرى ومالك. ولا يستدل على عدم الاشهاد بأن النبى ﷺ لم يشهد وأن ذلك كان من خصائصه، لأنه جاز أنه أشهد ولم ينقل لأنا نقول: يجب أن يبين أنه من خصائصه لعموم التأسى، وهو مما تعم به البلوى فلا يترك نقله لو فعله. ومن طريق الخاصة ما رواه محمد بن سليم عن الباقر ﵇ قال: انما حصلت البينة فى النكاح من أجل المواريث. وعن زرارة أنه سأل الصادق عن رجل تزوج منه بغير شهود .. قال: لا بأس بالتزويج البتة بغير شهود فيما بينه وبين الله تعالى وانما جعل الشهود من تزويج السنة من أجل الولد ولولا ذلك لم يكن به بأس. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٣): يجب الاشهاد على النكاح لقول النبى ﷺ «لا نكاح الا بولى وشاهدين رواه الحسن ومثله عن أبى عبيدة عن جابر عن ابن عباس: لا طلاق الا بعد نكاح ولا ظهار الا بعد نكاح ولا عتق الا بعد ملك. ولا نكاح الابولى وصداق وبينة. ولوجوب الاشهاد بالقرآن والسنة على الرجعة التى هى فرع النكاح. ومذهبنا أن الاشهاد على النكاح معقول المعنى من جهة وتعبد من جهة. أما الجهة الأولى فلما يترتب من حقوق أحد الزوجين على الآخر وشغل الزوجة به والميراث ونحو ذلك.

стр. 4090

وأما الثانية فمأخوذة من أنه لو تزوجها بلا شهود ومسها لقلنا بحرمتها ولم نقل بحلها والاشهاد بعد. وجاز شهادة أمينين أو أمين وأمينتين، أو ثلاثة أو واحد وأربع نسوة أو رجلين وامرأتين أو أمين وأربع نسوة أو رجلين وأمينتين. ويتم النكاح بشهادة أهل الجملة عند الله ولو مخالفتين وفاسقين. وفى الحكم حيث لا انكار. وجاز شهادة والد الزوج مع غيره لا والد المرأة على قول. ما يعتبر فى الشهادة فى النكاح ينفرد عقد الزواج من بين سائر العقود والتصرفات بلزوم الشهادة عليه ليقع عقدا صحيحا شرعا. أما غيره من تلك العقود والتصرفات فالشهادة فيه مندوبة فى رأى أكثر العلماء. وقد تقدم أن الشيعة الإمامية يقولون بلزوم الاشهاد فى الطلاق، ويعتبرونه شرطا من شروط صحته، بحيث لا يصح الطلاق، ولا يقع عندهم بدون الاشهاد. وتقدم أيضا أن بعضا من العلماء يرون وجوب الاشهاد فى العقود والتصرفات، أخذا بظاهر الأمر بالاشهاد فى بعض الآيات. ولكن الأمر على ما ذكرنا. والسر فى اتفاق أكثر العلماء على لزوم الشهادة على الزواج أن له شأنا عظيما فى نظر الاسلام، وفى نظام الاجتماع وحياة الانسان، لما يترتب عليه من المصالح الدينية والدنيوية، ومن ثم كان جديرا باظهار شأنه. واعلان أمره بين الناس. واحضارهم مجلسه، واشهادهم على عقده، تكريما له، وتقديرا لمكانته. وتفرق الشهادة على الزواج بين حلاله وحرامه، فلا يستطيع أصحاب الأغراض السيئة أن يتستروا وراء ادعاء الزوجية عند ما ينكشف أمرهم، ويفتضح سرهم، وتثبت عليهم المعاشرة المشبوهة غير البريئة. وتمنع الشهادة على الزواج أحد الزوجين أن يحاول جحوده وانكاره تنصلا من تبعاته، وتهربا مما تلقيه رابطته المقدسة على عاتقه من آثار، كما يمنع الريب والشكوك والشبهات، وتدفع قالات السوء عن الزوجين حينما يراهما الناس مقيمان معا فى عشرة واحدة. فالشهادة على عقد الزواج أريد بها. أولا: أن تكون مظهرا للتكريم، واعلان شأن هذا العقد الخطير والسنة العظيمة

стр. 4091

واظهار خطرها ومكانتها، ووسيلة للقضاء على الظنون والشبهات، ومنع الجحود والانكار. وأريد بها ثانيا: التوثق لأمر العقد والاحتياط لاثباته عند الحاجة الى الاثبات حين يكون جحود أو انكار، فيشهد الحاضرون والشهود، وكل من سمع بالعقد واستفاض عنده أمره، حيث كان النكاح مما تصح الشهادة فيه بالتسامع. وقد اتفق الفقهاء على أن اعتبار الشهادة فى عقد النكاح أمرا لازما - الغاية منه شهر الزواج واعلانه بين الناس تحقيقا للاغراض والمعانى التى أشرنا اليها، فان فرق ما بين الحلال والحرام الاعلان والاظهار. ولقد قال النبى ﷺ «أعلنوا النكاح ولو بالدف». وقال أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه «لا يجوز نكاح السر حتى يعلن ويشهد عليه». ولمالك فى الموطأ عن أبى الزبير المكى أن عمر بن الخطاب أتى بنكاح لم يشهد عليه الا رجل وامرأة فقال «هذا نكاح السر ولا أجيزه». ولو كنت تقدمت فيه لرجمت. غير أن الحنفية والشافعية والحنابلة فى المشهور عندهم يقولون: ان الاعلان يتحقق بالشهادة على العقد. وتعتبر هذه الشهادة شرطا فى صحة العقد فلا يصح العقد بدونها، ويكون باطلا عند الشافعية والحنابلة، ولا يترتب عليه أثر، وأن أشهد بعد العقد، لأن فقد أى شرط عندهما من الشروط التى ترجع الى الأركان والى ما يحتم الشارع وجوده فى العقد يجعل العقد غير صحيح شرعا ولا يترتب عليه أثر والباطل والفاسد عندهما مترادفان. أما الحنفية فالعقد عندهم بدون الشهادة فاسد، ويترتب عليه بعض الاثار بالدخول فيه، كوجوب المهر، وثبوت النسب، ووجوب العدة، لأن فقد شرط من الشروط التى ترجع الى أركان العقد تبطله وفقد شرط من الشروط التى يحتم الشارع وجودها فى العقد تفسده. وفرق عندهم بين الباطل والفاسد. فالفاسد يترتب على الدخول فيه بعض الآثار. والباطل لا يترتب عليه أى أثر. وفى رواية عن أحمد ان الاشهاد ليس شرطا فى صحة النكاح. وذهب الى ذلك الشيعة الإمامية.

стр. 4092

ونسبه الكمال بن الهمام الى عامة أهل الظاهر. وأما المالكية فلهم فى الاشهاد على الزواج آراء ثلاثة: الأول: أنه شرط فى صحة النكاح، ويكفى وجوده بعد العقد وقبل الدخول. فقد ذكر الامام الدردير فى شرحه على مختصر خليل «ان الاشهاد شرط فى صحة النكاح، غير أنه لا يتعين أن يكون عند العقد بل يكفى حصوله بعده اذا كان قبل الدخول، فان دخل بغير اشهاد فسخ النكاح بطلقة بائنة، لأنه بحكم الحاكم. ثم اذا ثبت انه وطئها فى هذا الدخول باقرار الزوج والزوجة أو بشهادة أربعة شهداء حدا حد الزنا ولا يعذران بجهلهما، الا أن فشا نكاحهما وأعلن، فلا يحدان حينئذ لشبهة الحل بالاعلان. الثانى: ان الاشهاد ليس شرطا فى صحة النكاح، وانما هو شرط فى حل الدخول. فقد نقل الحطاب عن ابن رشد الكبير أنه قال فى مقدماته المدونة: الاشهاد انما يجب عند الدخول، وليس من شروط الصحة، فان تزوج الرجل ولم يشهد فنكاحه صحيح، ويشهدان فى المستقبل، الا أن يكونا قصدا الاستسرار بالعقد، فلا يصح أن يثبتا عليه، لنهيه ﷺ عن نكاح السر، ويؤمر ان يطلقها طلقة ثم يستأنف العقد. فاذا دخلا فى الوجهين جميعا يعنى فيما اذا قصدا الاستسرار وفيما اذا لم يقصداه فرق بينهما وان طال الزمن بطلقة لاقرارهما بالنكاح. وحدا ان أقرا بالوط ء، الا أن يكون الدخول فاشيا، أو يكون على العقد شاهد واحد فيدرأ الحد بالشبهة. والشرط لافشاء العقد الاعلان لا الشهادة، وانما هى شرط لترتيب الاثار. واذا تواصى الشاهدان بالكتمان لا ينشأ العقد، بل لا بد من توافر الاعلان للانعقاد، وهذا الرأى هو المشهور عند مالك. الثالث: أن الاعلان وحده كاف لانشاء العقد من غير حاجة الى تعيين الشهادة حدا مرسوما للاعلان من غير اشتراطها لترتيب الاثار، لأن القصد هو الاعلان وهو فرق ما بين النكاح وغيره. أما ما يعتبر فى شهود الزواج من شروط وأوصاف ففيه اختلاف المذاهب. وها هى ذى أقوال الفقهاء فى ذلك:

стр. 4093

مذهب الحنفية: نظرا لأن الحنفية قد لاحظوا فى الاشهاد على عقد النكاح أمورا هى تكريم هذا العقد واظهار شأنه وخطره والبعد بالزوجين عن الظنون والشبهات، والحيلولة بين أحد الزوجين ومحاولة انكار للعقد وجحوده، والاحتياط والتوثق لاثباته فى المستقبل عند حصول الانكار بشهادة الشهود، أو الحاضرين مجلسه، أو من سمعوا به ممن اشتهر واستفاض لديهم أمره بناء على جواز الشهادة بالتسامع فى النكاح - نظرا لذلك. فقد اشترطوا فى شهود العقد شروطا تحقق بمجموعها ما يأتى: أولا: أن يكونوا أهلا لتحمل الشهادة بالعقل المميز وليس بلازم ان يكون الشهود عند العقد وحين تحمل الشهادة أهلا لأداء الشهادة بالفعل أمام القاضى وقت الخصوصة. خلافا للشافعى الذى يشترط هذه الأهلية. ثانيا: أن يتحقق بحضور الشهود معنى الاعلان للعقد واظهاره بين الناس. ثالثا: أن يكونوا أهلا لأن يكرم بحضورهم عقد الزواج ويرفع من شأنه وخطره. فان لم يكونوا أهلا لتحمل الشهادة أو كانوا ممن لا يتحقق بحضورهم معنى الاعلان والاظهار: أو كانوا ممن لا يكرم بحضورهم عقد الزواج، فلا يصح العقد بشهادتهم. وعلى هذا الأساس تأتى الشروط التى يلزم توافرها فى شهود عقد الزواج وهى: الشرط الأول: العقل: فلا يصح العقد بحضور المجانين ومن فى حكمهم، لأنهم ليسوا أهلا لتحمل الشهادة، وحضورهم العقد لا يحقق معنى الاعلان والاظهار فى الناس، ولا يحصل به تكريم العقد واعلاء شأنه، فهم لا يعون شيئا، ولا يدرون ما يجرى فى مجلس العقد، ولأن الشهادة فيها معنى الولاية، لأنها ملزمة بالحكم الذى ينفذ على المحكوم به شاء أو أبى، ولا ولاية لهؤلاء على أنفسهم، فلا تثبت لهم الولاية على غيرهم بالشهادة عليهم. الشرط الثانى: البلوغ: فلا يصح العقد بحضور الصبيان ولو كانوا مميزين، لأنه لا يتحقق بحضورهم الاعلان ولا التكريم، وليسوا من أهل الولاية على أنفسهم، فلا تكون لهم الشهادة على غيرهم، وان كانوا من أهل تحمل الشهادة للتمييز. فاذا حضر صغار مميزون عقد الزواج مع الكبار البالغين الذين يصح العقد بشهادتهم، ثم بلغوا، وحصل خلاف

стр. 4094

وتخاصم بشأن العقد أمام القضاء، جاز لهم أن يشهدوا أمام القاضى، ويقبل القاضى شهادتهم، ويحكم بناء عليها لتوفر شروط صحة الأداء فيهم حينئذ، ولأنهم كانوا أهلا لتحمل الشهادة وقت حصول العقد. الشرط الثالث: الحرية: فلا يصح العقد بشهادة الارقاء سواء أكان رقهم كاملا أم كانوا مكاتبين أو مدبرين، لأن حضورهم لا يحقق الغرض من تكريم العقد واظهار شأنه، ولا يتم به الاعلان والاظهار فى الناس، اذ الرقيق مشغول بخدمة سيده، ولا يختلط بالناس، ولأن الشهادة ولاية، ولا ولاية للرقيق على نفسه، فلا تكون له ولاية على غيره، فلا يصلح شاهدا. وهو أهل لتحمل الشهادة. فاذا حضر مجلس العقد وتحمل الشهادة فيه، ثم عتق وقامت خصومته بشأن العقد أمام القضاء، جاز له أن يؤدى الشهادة أمام القاضى، وجاز للقاضى أن يحكم بشهادته. وذهب الامام أحمد الى جواز شهادة الرقيق، لأنه لا يوجد من النصوص الشرعية ما يمنع جواز شهادته، ولأنه روى عن أنس أنه قال: «ما علمت أحدا رد شهادة العبد. والله تعالى يقبلها يوم القيامة». الشرط الرابع: الاسلام: اذا كان كل من الزوجين مسلما - فلا يصح زواج المسلم بالمسلمة اذا كان الشهود غير مسلمين فانه ليس فى حضور غير المسلمين مجلس زواج المسلمين معنى التكريم لزواج المسلمين. ثم لا يتحقق بحضورهم الاعلان المطلوب. ولا يرجى بشهادتهم وحدهم على العقد ما يرجى من شهادة المسلمين من ذيوع أمره فى أهل الاسلام ولأن الشهادة من باب الولاية ولا ولاية لغير المسلم على المسلم. ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. ولأن الشهادة على عقد الزواج وان كانت من قبيل شهادة التحمل، الا أن لها شبها بشهادة الأداء من حيث أن فيها تسجيلا وتقريرا لحق الزوج على الزوجة، وهو ما أفاده العقد من ملك استمتاع الزوج بالزوجة. واذا فلا تصح شهادة غير المسلم على المسلمة فى العقد، كما لا تصح شهادته عليها فى الأداء. أما زواج غير المسلمين بعضهم ببعض فهو على ما يدينون فيه، فهم يقرون على أمورهم فى ذلك. وتصح عقود زواجهم ولو بغير شهود أصلا اذا كانت دياناتهم لا تشترط الشهود فى صحة الزواج.

стр. 4095

بقى الكلام على المسلم يتزوج كتابية. والحكم فيه أنه لا بد فيه من الشهادة عليه ولا بد من توفر نصاب الشهادة. واختلف فى شرط الاسلام فى الشهود. فقال محمد وزفر من الحنفية والشافعى وأحمد أنه يشترط الاسلام فى الشهود، كما هو الحال فى زواج المسلم بالمسلمة، لأن الشهادة على عقد الزواج هى شهادة على الايجاب والقبول فليست اذن شهادة على الزوجة الكتابية وحدها، وانما هى شهادة عليها وعلى الزوج المسلم. وقد قلنا: ان الشهادة على التحمل فى عقد الزواج شبيهة بشهادة الأداء، فلا تصح هذه الشهادة من غير مسلم على مسلم، كما لا تصح شهادته عليه فى الأداء بالاتفاق. واحتجوا أيضا بقول النبى ﷺ «لا نكاح الا بولى وشاهدى عدل». والمراد بالعدالة فى الحديث عدالة الدين، واجتناب الكبائر، وعدم الاصرار على الصغائر، والاتصاف بالمروءة. وغير المسلم لا توجد فيه هذه العدالة فلا يصح النكاح بشهادته عملا بنص الحديث. وقال الامامان أبو حنيفة وأبو يوسف: انه يصح زواج المسلم بالكتابية بشهادة كتابيين، لأن عقد الزواج وضع لأمرين: الأول حل استمتاع المرأة بالرجل. والثانى حل استمتاع الرجل بالمرأة حلا مقصورا عليه وهو ما يسمى ملك الاستمتاع. ولا شك أن هذا الثانى أجل خطرا وأعظم شأنا وأقوى أثرا من الأول. فان الزوج يشارك الزوجة فى أصل حق الاستمتاع ويزيد عليها بحق اختصاصه بها بحيث لا تحل لأحد سواه، فصح أن يغلب حقه الذى هو نوع من الملكية على حقها. وبذلك تكون الناحية الغالبة فى الشهادة أنها شهادة للزوج على الزوجة، فيراعى اذن حال المشهود عليه وهو الزوجة. وما دامت شهادة العقد من نوع شهادة التحمل الشبيهة بشهادة الأداء من حيث أن فيها تسجيلا وتقريرا لحق صاحب الحق. فلزم أن يراعى فيها حالة من عليه الحق الغالب فيكون هو المشهود عليه. فاذا كانت الزوجة المشهود عليها مسلمة لم تصح شهادة غير المسلم عليها. واذا كانت كتابية صح أن يشهد عليها شهود من أهل الكتاب سواء كانوا من أهل

стр. 4096

دينها أم من أهل دين آخر، لأن المقرر عندنا أن شهادتهم تجوز على بعضهم البعض. فان قيل اذا كان عقد الزواج مفيدا حقين للزوج على زوجته - أصل الحل والاختصاص به، فهو مفيد أيضا حقين للزوجة على زوجها، أصل الحل والمهر، فهما متساويان، فالشهادة على كل منهما. أجيب بأن المهر ليس من أركان العقد ولا من شروط صحته وانما هو حق مالى خارج ويصح العقد بدون ذكره بل ومع نفيه. الشرط الخامس: التعدد: وأقل مراتبه رجلان أو رجل وامرأتان. فلا يصح العقد بشهادة رجل واحد، ولا بشهادة رجل وامرأة، ولا بشهادة النساء وحدهن مهما كثرن، اذ لا يكتفى بشهادة النساء وحدهن الا فبما لا يطلع عليه الرجال عادة. وقد قال الله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى»﴾. فأثبتت الآية بنصها أن نصاب الشهادة فى المداينات والأمور المالية رجلان، أو رجل وامرأتان. والاشهاد فى هذه الأمور مندوب ومستحب كما هو رأى أكثر الفقهاء. واذا كان نصاب الشهادة فى المسائل المالية وهى لا تطلب الشهادة فيها الا على سبيل الندب والاستحباب لا تقل عن رجلين أو رجل وامرأتين، فيجب ألا يكتفى بأقل من ذلك فيما هو أعلى شأنا، وأقوى خطرا وهو الزواج وقد جعلت الشهادة فيه شرطا لصحته. يضاف الى ذلك أن معنى الاعلان المطلوب لا يتوفر ولا يتحقق الا بحضور الرجال، أو بحضور الرجال والنساء أما حضور النساء وحدهن فلا يكفى لأن الشأن فيهن ألا يغشين مجالس الرجال فلا يتم معنى الاعلان بحضورهن منفردات. الشرط السادس: سماع الشهود كلام المتعاقدين وفهمهما المراد منه. وذلك أنه لا يتحقق معنى الشهادة على العقد. ولا يتوافر له معنى التكريم والاكبار، ولا يتم الاعلان والاظهار فى الناس على الوجه المطلوب الا بأن يسمع الشهود كلام المتعاقدين عبارات الايجاب والقبول ويفهموا الغرض المقصود منه. فلو سمع الشاهدان كلام أحد العاقدين ولم يسمعا كلام الاخر، أو سمع شاهد أو شاهدان كلام أحد العاقدين، وسمع شاهد آخر أو شاهدان آخران كلام العاقد الثانى لم يصح العقد.

стр. 4097

ولو سمع الشاهدان كلام العاقدين ولكن لم يفهماه ولم يفهما المقصود منه لأنه بلغة لا يعرفانها لا يصح العقد. ويكفى أن يسمعا الكلام ويفهما المقصود منه، وأنه عقد زواج وان لم يفهما معانى الألفاظ اللغوية. ولو عقد العقد بحضرة شاهدين نائمين أو أصمين لا يسمعان شيئا من الايجاب والقبول، أو كانا لا يفهمان المراد مما يسمعانه فلا تصح شهادتهما ولا يصح بها العقد. وهذا الذى ذكر انما يلزم فى العقد الحضورى الذى يجرى بالألفاظ والكلمات. أما اذا كان العقد غيابيا برسالة من الموجب، فان الشرط أن يسمع الشهود فى مجلس القبول ما فى الكتاب بأن يقرأ عليهم، أو يعرفوا ما فيه، ثم يسمعوا القبول واردا على ذلك من الطرف الاخر. وكذلك اذا كان العاقدان أو أحدهما أخرس وأجرى العقد بالكتابة أو بالاشارة لزم أن يفهم الشهود المقصود من ذلك كله. الشرط السابع: أن يكون سماع الشهود كلام المتعاقدين فى وقت واحد حال صدوره. فلو سمع أحد الشاهدين الايجاب والقول ولم يسمعهما الآخر، ثم أعيد العقد بشطريه فسمعه الشاهد الثانى، ولم يسمعه الأول لم يصح العقد بذلك. وقد قيل: أن هذا هو الأصح الذى أخذ به عامة العلماء. وذلك أن الذى وقع فى هذه الصورة هو عقدان كاملان بالايجاب والقبول، ولم يشهد على كل منهما غير شاهد واحد فلم يصح شئ منهما. وروى عن الامام أبى يوسف أنه يقول: متى كان المجلس واحدا فانه يصح العقد استحسانا، لأن المجلس المتحد يجمع المتفرقات. فكأنه عقد واحد بشهادة شاهدين فيصح. العدالة فى شهود الزواج وليس من شروط الشهادة على عقد الزواج أن يكون الشهود عدولا. فيصح العقد بحضور فاسقين أو محدودين فى قذف سواء تابا من جريمة القذف أو لم يتوبا، لأن الفاسق يجوز أن ينشئ عقد الزواج لنفسه ولغيره فيجوز له أن يشهد على عقد الزواج، لأن من يصلح للقيام بالايجاب والقبول وهما ركنان فى العقد، يصلح لأن يشهد عليه، لأن الشهادة شرط فى العقد والركن أقوى من الشرط والركن جزء من الماهية، والشرط خارج عنها ومن قدر على الأقوى يقدر على الأضعف، ولأن الفاسق يصلح لتولى

стр. 4098

أمر العامة الذى هو من قبيل الولاية العامة، فلان يصلح للشهادة التى هى من قبيل الولاية الخاصة من باب أولى. ولأن الغرض من الشهادة على الزواج تكريم العقد والاعلان عنه. وليس فى حضور الفاسق فى الحال التى لا يكون فيها متلبسا بالفسق وشهادته ما ينافى تكريم العقد فيمكن أن يتوفر بحضوره معنى التكريم ويحصل به الاعلان. واذا كانت الشهادة تعتمد على ترجيح جانب الصدق على جانب الكذب فكثير من الفساق يتحرجون من الكذب، ولا يشك من يخالطهم فى أن أقوالهم يغلب فيها جانب الصدق. على أن الشهادة فى عقد الزواج ليس الغرض الأول منها اثبات العقد عند الخصومة أمام القضاء، حتى يراعى فيها كل ما يراعى فى أداء الشهادة، وانما الغرض الأول هو الاعلان والتكريم، وذلك حاصل بحضور الفاسق. ثم ان شهادة الفاسق فى الخصومات ليس الحكم فيها ان ترد فى كل حال بل يجوز للقاضى أن يقبلها ويحكم بموجبها اذا تحرى عن الشاهد ووقف على أنه صادق فى شهادته. فان الله تعالى يقول فى شأنه «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ»﴾. فأمر الله بالتبين والتثبت فى شأنه ولم يأمر برد أقواله باطلاق. وليس من شروط الشهادة على الزواج أن يكونوا مبصرين، لأن الغرض الأول من الشهادة على هذا العقد هو التكريم والاعلان. وليس الاثبات، وذلك يتحقق بشهادة الأعمى. ويكفى فيها معرفة الشهود للزوجين معرفة تحقق هذا الغرض. وقد قرر الفقهاء أن معرفة الشهود للزوجين تتحقق بأن يعرفوا اسم كل منهما واسم أبيه. وكذلك ليس من الشروط أن يكون الشهود ممن لا ترد شهادتهم للزوجين فى القضاء. وبناء على ذلك يصح الزواج بشهادة أبوى الزوجين. وبشهادة ابنى الزوج من امرأة أخرى، وبشهادة ابنى الزوجة من رجل آخر، وبشهادة ابن للزوج وابن للزوجة وكذلك بشهادة ابنى الزوجين معا. وذلك كأن يطلق الرجل امرأته طلاقا بائنا، وله منها أولاد ثم يعقد عليها بشهادة ابنيه منها. وكذلك لا يشترط أن يكون الشهود ممن تقبل شهادتهم على الزوجين فى القضاء. ولذلك يصح العقد بشهادة عدوين للزوجين أو لأحدهما.

стр. 4099

ثم اذا وقعت خصومة بشأن هذا الزواج امام القضاء قبلت شهادة ابنى الزوج عليه ولم تقبل له. وكذلك الحال فى ابنى الزوجة يقبل شهادتهما عليها ولا تقبل لها. أما اذا كان الشاهدان ابنيهما جميعا فلا تقبل شهادتهما، لأنهما حينئذ تكون لأحدهما على الآخر لتحقق التهمة .. وشهادة عدوى أحد الزوجين تقبل له ولا تقبل عليه. وشهادة عدويهما لا تقبل لأحدهما مطلقا. لأنها حينئذ تكون شهادة على الآخر فتتحقق التهمة التى تمنع من قبول الشهادة. وبناء على ما ذكر من أحكام اذا تولى رجل زواج ابنته الكبيرة برضاها فاجرى العقد مع الزوج بحضور شاهد واحد. (رجل واحد أو امرأتين منفردتين) وكانت الزوجة حاضرة فى مجلس العقد فان العقد يقع صحيحا ويعتبر مستوفيا شرط الشهادة. ويعتبر الأب هو الشاهد الثانى فى العقد. وعبارة الايجاب والقبول التى صدرت منه تعتبر فى هذه الحالة صادرة من الزوجة الحاضرة فى المجلس بنفسها. ويكون الأب مجرد سفير لها ومعبر عنها لا غير لأن الأصل متى كان حاضرا اعتبر هو المباشر للعقد .. واذا وكل رجل رجلا فى أن يزوج ابنته الصغيرة من فلان فتولى الوكيل العقد مع الزوج بحضور شاهد واحد وكان الموكل والد الزوجة حاضرا مجلس العقد فانه يصح العقد ويعتبر الوكيل شاهدا آخر. ويكون مجرد سفير ومعبر عن الأب الموكل، لأن الموكل متى كان حاضرا انتقلت اليه عبارة الوكيل وصار هو المباشر للعقد. واذا زوج الأب ابنته الصغيرة من رجل بحضور شاهد واحد لا يصح العقد، لأن الأب هو الولى، وهو الذى تعتمد عبارته فى العقد، ولا تنتقل عبارته الى ابنته الصغيرة حتى يكون مجرد سفير ومعبر عنها، لأنها صغيرة وغير حاضرة وحينئذ يكون هو العاقد حقيقة وحكما. ولا يصلح أن يكون شاهدا لأن العاقد الحقيقى لا يكون أحد الشهود، فلم يبق للعقد الا شاهد واحد فلا يكون صحيحا (١). مذهب المالكية: جاء فى الحطاب (٢): ويجوز اشهاد عدلين فى النكاح غير الولى. وظاهره اشتراط العدالة عند تحمل الشهادة فى النكاح وهو المذهب.

стр. 4100

فشهادة غير العدول فيه كالعدم. قال فى المدونة: وان نكح مسلم ذمية بشهادة ذميين لم يجز، فان لم يدخلا أشهدا الآن عدلين مسلمين. وفسخ أن دخلا بلا اشهاد. قال الحطاب مفهوم الشرط ان دخلا بعد الاشهاد لا يفسخ ولو كان الاشهاد بعد العقد. وهو كذلك الا أن يكون قصد الى الاستسرار بالعقد فلا يصح أن يثبتا عليه. قال فى المقدمات: الاشهاد انما يجب عند الدخول وليس من شروط صحة العقد. فان تزوج ولم يشهد فنكاحه صحيح، ويشهدان فيما يستقبل، الا أن يكون قصدا الى الاستسرار بالعقد، فلا يصح أن يثبتا عليه، لنهيه ﷺ عن نكاح السر، ويؤمر أن يطلقها طلقة، ثم يستأنف العقد. فان دخلا فى الوجهين جميعا. يعنى مع قصد الاستسرار وعدم قصده فرق بينهما وان طال الزمان بطلقة لاقرارهما بالنكاح .. وحدا حد الزنى ان أقرا بالوط ء، الا أن يكون الدخول فاشيا أو يكون على العقد شاهد واحد فيدرأ الحد بشبهة الحل. قال فى المدونة: تجوز شهادة الأفذاذ فى النكاح والعتاق. قال عياض: الأفذاذ المتفرقون وهو أن لا يجتمع الشهود على شهادة المتناكحين والولى اذا عقدوا النكاح وتفرقوا قال كل واحد لصاحبه: أشهد من لقيت. قال أبو الحسن: فيكون على هذا شاهدان على الزوج وشاهدان على الولى وشاهدان على المرأة أن كانت ثيبا .. قال ابن فرحون فى التبصرة عن أبى ابراهيم: وفى البكر ذات الأب بأربعة: شاهدان على المنكح وشاهدان على الناكح. واما أن أشهد كل منهم الشهود الذين أشهدهم صاحبه مرة بعد مرة فليست بافذاذ. والظاهر أن البكر بلا ولى مجبر مثل الثيب. قال ابن الهندى: شهادة الافذاذ لا تعمل شيئا اذا أشهد كل واحد منهم بغير نص ما أشهد به صاحبه وان كان معنى شهادتهم واحدا حتى يتفق شاهدان على نص واحد. قال البرزلى فى مسائل النكاح عن السيورى: لا يشهد فى النكاح الا العدول فى الوكالة. يعنى فى توكيل المرأة الثيب من يعقد نكاحها وفى العقد، غير أنه أن ترك ما ذكر يعنى من شهادة غير العدول عليها فى الوكالة على العقد وعلم منها الرضا والدخول بعد علمها مضى النكاح. وقال الدمامينى فى كتاب الشهادات من حاشية البخارى - قال ابن المنير: ونحن
следующие страницы →