← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

متى حدث لى الموت أو اذا مت أو متى مت فلفلان كذا، فان الوصية تكون نافذة. وهذا اذا كانت بغير كتاب وأشهد على ذلك. أو كانت بكتاب ولم يخرجه أى بشرط أن يشهد على تلك الوصية. وأما لو كتب الوصية ولم يشهد ومات وشهدت بينة أن هذا خطه لم يجز حتى يشهدهم، لأنه قد يكتب ولا يغرم وفى موضع آخر، قال: وان كانت الوصية مطبوعا عليها وقال الموصى للشهود أشهدوا بما فيها لى وعلى وما بقى من ثلثى فلفلان الفلانى، فانه يجوز لهم الشهادة بذلك ثم مات الموصى ففتحت الوصية، فاذا فيها وما بقى من الثلث فللمساكين، أو الفقراء مثلا، فان ما بقى من الثلث يقسم بين فلان الفلانى، وبين المساكين نصفين، كما لو كانت الوصية لاثنين فقط، فان الثلث يقسم بينهما نصفين. واذا قال الموصى وصيتى كتبتها، وهى عند فلان، فصدقوه، فانه يصدق. وكذلك اذا قال: أوصيته بثلثى فصدقوه، فانه يصدق فى ذلك ان لم يقل لابنى، أى أو قال انما أوصى بالثلث أو بأكثر لابنى، فانه لا يصدق حينئذ، لأنه يتهم. وأما القليل فينبغى أن يصدق. واذا قال الموصى: اشهدوا على أن فلانا وصى ولم يزد على ذلك، فانه يكون وصيه فى جميع الأشياء، ويزوج صغار بنيه، ومن بلغ من الكبار من أبكار بناته باذنهن الا أن يأمره الأب بالاجبار، أو يعين الزوج. واذا قال فلان وصى على الشئ الفلانى فان نظر الوصى يختص به (١). مذهب الشافعية: قال الشيخ الشرقاوى فى حاشيته على شرح التحرير لشيخ الاسلام زكريا الانصارى تعليقا على الحديث الذى استدل به شيخ الاسلام على طلب الوصية وهو قوله ﷺ «ما حق امرئ مسلم له شئ يوصى به يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده». المراد من الكتابة الاشهاد اذ هى من غير شهادة لا تقبل لما ذكروه فى الوديعة أنه لا عبرة بخط ميت على شئ أن هذا وديعة فلان، أو فى دفتره، أن لفلان عندى كذا وديعة لاحتمال التلبيس أو شرائه وعليه تلك الكتابة، ولم يمحها، أو رد الوديعة وبقيت الكتابة.

стр. 4132

فالسنة الكتابة مع الشهادة وان لم يكن مريضا، لأن الانسان لا يدرى متى يفجؤه الموت. وهذا فى الوصية بمعنى التبرع المضاف لما بعد الموت. وأما الوصية بمعنى الايصاء التى تجب اذا ترتب على تركها ضياع حق عليه أو عنده كأن كان عنده ودائع لم يعلم بها أحد يشهد بها، ولا يكتفى بعلم الورثة، فان الوصية بهذا المعنى واجبة بشرط أن تكون أمام من يثبت الحق به (١). وجاء فى شرح الرملى على متن المنهاج. يسن الايصاء بقضاء الدين سواء كان لله تعالى كزكاة أم لآدمى ورد المظالم كالمغصوب وأداء الحقوق كالعوارى والودائع ان كانت ثابتة بغرض انكار الورثة ولم يردها والا وجب أن يعلم بها غير وارث فثبت بقوله ولو واحدا ظاهر العدالة كما هو ظاهر القياس، أو يردها حالا خوفا من خيانة الوارث. ثم قال: والأوجه الاكتفاء بخطه ان كان فى البلد من يثبته ولا مانع منه لأنهم كما اكتفوا بالواحد مع أنه وان انضم اليه يمين غير حجة عند بعض المذاهب نظرا لمن يراه حجة فكذلك الخط نظرا لذلك نعم من باقليم يتعذر فيه من يثبت بالخط أو يقبل الشاهد واليمين فالأقرب عدم الاكتفاء بهما قال الشبراملسى المعلق على شرح الرملى من يثبت الحق بالخط كالمالكية (٢). وجاء فى حاشية البجرمى على شرح المنهج تعليقا على الحديث الذى استدل به شيخ الاسلام على طلب الوصية وهو الحديث المتقدم - المراد بالكتابة (٣) الاشهاد. فمكتوب عنده أى شهد عليها. ثم قال فى موضع (٤) آخر: تعليقا على قول متن المنهج يسن الايصاء بأمر نحو طفل وبقضاء حق به شهود ولو واحدا ظاهر العدالة. والأوجه الاكتفاء بخطه ان كان فى البلد من يثبت به ولا مانع منه الى آخر ما تقدم فى عبارة الرملى. وزاد البجرمى قوله: والذى يثبت بالخط القاضى المالكى لأن الامام مالكا يثبت الحق بخط الشاهد اذا شهد اثنان بأن هذا خطه (٥). وخلاصة كل هذا ان المطلوب فى الوصية بالمعنى العام الاشهاد أو الكتابة بالقيود المعتبرة فيها عند من يكتفى بها

стр. 4133

منهم، سواء سن الاشهاد كما فى الوصية بمعنى التبرع، أو وجب كما فى بعض صور الايصاء مع ملاحظة القيود المعتبرة فى الحكم. ولهذا يرى بعضهم أن المطلوب الجمع بين الكتابة والاشهاد. وفى نهاية المحتاج (١): قال ولو أخرج الوصى الوصية من ماله ليرجع فى التركة رجع ان كان وارثا والا فلا أى الا أن اذن له حاكم أو جاء وقت الصرف الذى عينه الحاكم وفقد الحاكم ولم يتيسر بيع التركة فأشهد بنية الرجوع كما هو قياس نظائره. ولو أوصى ببيع بعض التركة واخراج كفنه من ثمنه فاقترض الوصى دراهم وصرفها فيه امتنع عليه البيع ولزمه وفاء الدين من ماله ويظهر أن محله عند عدم اضطراره الى الصرف من ماله، والا كان لم يجد مشتريا رجع ان اذن له حاكم أو فقده وأشهد بنية الرجوع. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف (٢) القناع: يسن أن يكتب الموصى وصيته ويسن أن يشهد الموصى عليها بعد أن يسمعوها منه، أو تقرأ عليه فيقر بها قطعا للنزاع. ويستحب أن يكتب فى صدرها: هذا ما أوصى به فلان بن فلان. وفى منته الارادات (٣): والأولى كتابتها والاشهاد على ما فيها لأنه أحفظ لها. وفى المغنى (٤) ومن كتب وصية ولم يشهد فيها حكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها نص أحمد على هذا فى رواية اسحاق بن ابراهيم فقال: من مات فوجدت وصيته مكتوبة عند رأسه ولم يشهد فيها وعرف خطه وكان مشهور الخط يقبل ما فيها. وروى عن أحمد أنه لا يقبل الخط فى الوصية. ولا يشهد على الوصية المختومة حتى يسمعها الشهود منه أو تقرأ عليه فيقر بما فيها وبهذا قال الحسن وأبو قلابة والشافعى وأبو ثور وأصحاب الرأى، لأن الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالاجماع، فكذا ها هنا.

стр. 4134

وأبلغ من هذا أن الحاكم لو رأى حكمه بخطه تحته ختمه ولم يذكر أنه حكم به، أو رأى الشاهد شهادته بخطه ولم يذكر الشهادة لم يجز للحاكم انفاذ الحكم بما وجده ولا للشاهد الشهادة بما رأى خطه به فها هنا أولى، وقد نص أحمد على هذا فى الشهادة. ووجه قول الخرقى قوله ﷺ «ما من امرئ مسلم له شئ يوصى فيه يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده، ولم يذكر شهادته، وما ذكرناه فى الفصل الأول الذى يلى هذا، ولأن الوصية يتسامح فيها، ولهذا صح تعليقها على الخطر والغرر. وصحت للحمل به وبمالا يقدر على تسليمه وبالمعدوم والمجهول، فجاز أن يتسامح فيها بقبول الخط كرواية الحديث. وان كتب وصيته وقال اشهدوا على بما فى هذه الورقة، أو قال هذه وصيتى فاشهدوا على بها، فقد حكى عن أحمد أن الرجل اذا كتب وصيته وختم عليها وقال للشهود اشهدوا على بما فى هذا الكتاب لا يجوز حتى يسمعوا منه ما فيه أو يقرأ عليه فيقر بما فيه، وهو قول من سمينا فى المسألة الأولى. ويحتمل كلام الخرقى جوازه لأنه اذا قبل خطه المجرد فهذا أولى. وممن قال ذلك عبد الملك بن يعلى ومكحول ونمير بن ابراهيم ومالك والليث والأوزاعى ومحمد بن سلمه وأبو عبيد واسحاق. واحتج أبو عبيد بكتب رسول الله ﷺ الى عماله وأمرائه فى أمر ولايته وأحكامه وسنته، ثم ما عملت به الخلفاء الراشدون المهديون بعده من كتبهم الى ولاتهم بالأحكام التى فيها الدماء والفروج والأموال يبعثون بها مختومة لا يعلم حاملها ما فيها وأمضوها على وجوهها. وذكر استخلاف سليمان بن عبد الملك عمر ابن عبد العزيز بكتاب كتبه وختم عليه ولا نعلم أحدا أنكر ذلك مع شهرته وانتشاره فى علماء العصر فكان اجماعا. ووجه الأول أنه كتاب لا يعلم الشاهد ما فيه فلم يجز أن يشهد عليه ككتاب القاضى الى القاضى. فأما ما ثبت من الوصية بشهادة أو اقرار الورثة به فانه يثبت حكمه ويعمل به ما لم يعلم رجوعه عنه، وان طالت مدته وتغيرت أحوال الموصى به مثل أن يوصى فى مرض فيبرأ منه ثم يموت بعد أو يقتل، لأن الأصل بقاؤه فلا يزول حكمه بمجرد الاحتمال والشك كسائر الأحكام. ويستحب أن يكتب الموصى وصيته ويشهد عليها، لأنه أحفظ لها وأحوط لما فيها، وقد صح أن النبى ﷺ قال: ما حق امرئ سلم له شئ يوصى فيه يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده.

стр. 4135

مذهب الزيدية: جاء فى شرح (١) الأزهار: وتجب الوصية والاشهاد على من له مال فمن كان يملك مالا وعليه حق لآدمى أو لله تعالى وجب عليه الوصية بتخليصه، ووجب عليه أن يشهد على وصيته، وهذا اذا لم يمكنه التخلص فى الحال، فان أمكن فهو الواجب. مذهب الإباضية: جاء فى شرح (٢) النيل: وندب للموصى أن يكتب وصيته بمحضر الأمناء ويشهدوا ويستخلف الأمين أمينا أو غيره وان لم يجد فخير من وجد، وان لم يجد أعلم ورثته، وان لم يجدهم أشهد عليها خير من وجد، كتبها أو لم يكتبها. قال رسول الله ﷺ : ما يحق لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عند رأسه. وعن ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما حق امرئ مسلم له شئ ويريد أن يوصى فيه يبيت ليلتين الا ووصيته مكتوبة عنده، فاذا وجدت عند رأسه ثبتت. ولو كتبها بيده أو كتبها غيره بلا شهود أو بشاهد واحد أو بشهود لا تجوز بدليل قوله عند رأسه والرأس تمثيل، ومواضع البيت الذى هو فيه سواء. وتجزى الوصية باللسان الا أن الكتاب أوثق. وأما الذى عندى فمعنى الحديث الا ووصيته مكتوبة كتابة معتدا بها بأن يمليها على غيره فيشهد عليها كاتبها وغيره ممن تجوز شهادته، أو يكتبها بخطه ويريها لورثته، ويقول: هذه وصيتى، وما فيها، أنا الذى أوصيت به، أو يريها الشهود، ويشهد عليها وعلى ما فيها، ويقول: هذا ما أوصيت به، ولا تكلف فى ذلك، فان الغالب انما يكتب العدول، ويشهد العدول، قال الله تعالى «شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (٣)». الاشهاد على كتاب القاضى الى القاضى مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (٤) للكاسانى الحنفى بعد أن تكلم صاحب البدائع على قضاء القاضى بعلمه سواء المستفاد قبل زمان القضاء

стр. 4136

والمستفاد بعده والحكم فى ذلك والخلاف فيه بين الفقهاء .. قال: وعلى هذا يخرج القضاء بكتاب القاضى فنقول: لقبول الكتاب من القاضى شرائط. منها البينة على أنه كتابه. فتشهد الشهود على أن هذا كتاب فلان القاضى، ويذكر اسمه ونسبه، لأنه لا يعرف أنه كتابه بدونه. ومنهما أن يكون الكتاب مختوما ويشهدوا على أن هذا ختمه لصيانته عن الخلل فيه. ومنها أن يشهدوا بما فى الكتاب بأن يقولوا: أنه قرأه عليهم مع الشهاد بالختم. وهذا قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى. وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: اذا شهدوا بالكتاب والخاتم تقبل وان لم يشهدوا بما فى الكتاب .. وكذا اذا شهدوا بالكتاب وبما فى جوفه تقبل، وان لم يشهدوا بالخاتم بأن قالوا لم يشهدنا على الخاتم أو لم يكن الكتاب مختوما أصلا. ووجه قول أبى يوسف أن المقصود من هذه الشهادة حصول العلم للقاضى المكتوب اليه بأن هذا كتاب فلان القاضى وهذا يحصل بما ذكرنا. وجه قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله أن العلم بأنه كتاب فلان لا يحصل الا بالعلم بما فيه فلا بد من شهادتهم بما فيه فتكون الشهادة على علم بالمشهود به. ومنها أن يكون بين القاضى المكتوب اليه وبين القاضى الكاتب مسيرة سفر. فان كان دونه لم تقبل، لأن القضاء بكتاب القاضى أمر جوز لحاجة الناس بطريق الرخصة لأنه قضاء بالشهادة القائمة على غائب من غير أن يكون عند خصم حاضر لكن جوز للضرورة. ولا ضرورة فيما دون مسيرة السفر. ومنها أن يكون فى الدين والعين التى لا حاجة الى الاشارة اليها عند الدعوى والشهادة كالدور والعقار. وأما فى الأعيان التى تقع الحاجة الى الاشارة اليها كالمنقول من الحيوان والعروض لا تقبل عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وهو قول أبى يوسف الأول. ثم رجع وقال: تقبل فى العبد خاصة اذا أبق وأخذ فى بلد فأقام صاحبه البينة عند قاضى بلدة أن عبده أخذه فلان فى بلد كذا فشهد الشهود على الملك أو على صفة العبد وحليته فان هذا القاضى الذى سمع البينة من صاحب العبد يكتب الى قاضى البلد الذى فيه العبد أنه قد شهد الشهود

стр. 4137

عندى أن عبدا صفته وحليته كذا وكذا ملك فلان أخذه فلان ابن فلان وينسب كل واحد منهما الى أبيه والى جده على رسم كتاب القاضى الى القاضى. واذا وصل كتاب القاضى هذا الى القاضى المكتوب اليه وعلم أنه كتابه بشهادة الشهود يسلم العبد اليه ويختم فى عنقه ويأخذ منه كفيلا. ثم يبعث به الى القاضى الكاتب حتى يشهد الشهود عليه عنده بعينه على الاشارة اليه، ثم يكتب القاضى الكاتب اليه كتابا آخر الى ذلك القاضى المكتوب اليه أول مرة، فاذا علم أنه كتابه قبله وقضى وسلم العبد الى الذى جاء بالكتاب، وأبرأ كفيله، ولا يقبل فى الجارية بالاجماع. ووجه قول أبى يوسف رحمه الله تعالى أن الحاجة الى قبول كتاب القاضى فى العبد متحققة لعموم البلوى به فلو لم يقبل لضاق على الناس ولضاعت أموالهم. ولا حاجة اليه فى الأمة، لأنها لا تهرب عادة لعجزها وضعف بنيتها وقلبها. ولهما أن الشهادة لا تقبل الا على معلوم للآية الكريمة «إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ»،﴾ والمنقول لا يصير معلوما الا بالاشارة اليه، والاشارة الى الغائب محال، فلم تصح شهادة الشهود، ولا دعوى المدعى لجهالة المدعى به، فلا يقبل الكتاب فيه. ولهذا لم تقبل فى الجارية وفى سائر المنقولات بخلاف العقار، لأنه يصير معلوما بالتحديد، وبخلاف الدين، لأن الدين يصير معلوما بالوصف. وهذا الذى ذكرنا مذهب الحنفية رضى الله عنهم. وقال ابن أبى ليلى رحمه الله تعالى: يقبل كتاب القاضى الى القاضى فى الكل. وينبغى للقاضى المرسل اليه أن لا يفك الكتاب الا بمحضر من الخصم ليكون أبعد عن التهمة. ومنها ألا يكون فى الحدود والقصاص لأن كتاب القاضى الى القاضى بمنزلة الشهادة على الشهادة، وهى لا تقبل فيهما كذا هذا. ومنها أن يكون اسم المكتوب له وعليه واسم أبيه واسم جده وفخذه مكتوبا فى الكتاب حتى لو نسبه الى أبيه ولم يذكر اسم جده أو نسبه الى قبيلته كبنى تميم ونحوه لا يقبل، لأن التعريف لا يحصل به الا أن يكون شيئا ظاهرا مشهورا أشهر من القبيلة، فيقبل لحصول التعريف. ومنها ذكر الحدود فى الدور والعقار لأن التعريف فى المحدود لا يصح الا بذكر الحدود. ولو ذكر فى الكتاب ثلاثة حدود يقبل عند أصحابنا الثلاثة. وعند زفر رحمه الله تعالى لا يقبل ما لم يشهدوا على الحدود الأربعة.

стр. 4138

ولو شهدوا على حدين لا يقبل بالاجماع واذا كانت الدار مشهورة كدار الأمير وغيره لا تقبل عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى وعندهما تقبل. وهذه من مسائل الشروط. ومنها أن يكون القاضى الكاتب على قضائه عند وصول كتابه الى القاضى المكتوب اليه حتى لو مات أو عزل قبل الوصول اليه لم يعمل به. ولو مات بعد وصول الكتاب اليه جاز له أن يقضى به. ومنها أن يكون القاضى المكتوب اليه على قضائه عند وصول الكتاب اليه حتى لو مات أو عزل قبل وصول الكتاب اليه ثم وصل الى القاضى الذى ولى مكانه لم يعمل به، لأنه لم يكتب اليه. مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير للامام الدردير وحاشية (١) الدسوقى: وان شهدوا أى العدلان على القاضى بحكم نسيه أى ادعى نسيانه أو أنكره أى أنكر أن يكون قد صدر منه، أمضاه، أى وجب امضاؤه عملا بشهادتهما سواء كان معزولا أم لا. ولما كان الانهاء جائزا معمولا به شرعا وهو تبليغ القاضى حكمه أو ما حصل عنده مما هو دونه كسماع الدعوى لقاض آخر أن يتمه أفاده بقوله: وأنهى قاض جوازا لغيره من القضاة. بمشافهة، أى مخاطبة ومكالمة بما حكم به أو بما حصل عنده من البينة مع تزكية أو دونها أن كان كل بولايته بأن يكون كل منهما ماكثا وقائما بطرف ولايته، ويخاطب صاحبه، لأن الحاكم اذا لم يكن بولايته كان معزولا، وأما بشاهدين يشهدهما على حكمه، ثم يشهدان عند آخر بما حصل عند الأول، فيجب عليه تنفيذه - أى ولا بد أن يكون كل منهما بولايته - فقد حذفه من الثانى لدلالة الأول عليه. فلا بد أن يشهدهما الأول بمحل ولايته، وأن يبلغا المنهى اليه بولايته - وسواء كان الحق المحكوم به مما يثبت بشاهدين أو بأربعة أو بشاهد ويمين أو بشهادة امرأتين أو امرأة واحدة. ولا يكون الانهاء الا بشاهدين، ولا يكون بشاهد واحد، ولا بشاهد ويمين وأولى مجرد ارسال كتاب. واعتمد المنهى اليه على شهادتهما وان

стр. 4139

خالفا فى شهادتهما كتابه الذى أرسله معهما. وندب ختمه لأنه ادعى للقبول. وسواء قرأه على الشاهدين أولا. ولم يفد الكتاب وحده من غير شهادة على الحاكم فى حكمه، وظاهره أن شهادة واحد تكفى فقط أو مع يمين تفيد مع الكتاب، وليس كذلك، فلا بد من شاهدين يشهدان على أن هذا كتاب القاضى الفلانى وأنه أشهدهما على ما فيه. قال الدسوقى وفى البنانى: العمل بخط القضاة وحده ان عرف للضرورة ولو مات أو عزل المنهى أو المنهى اليه قبل الوصول. ونص ابن عرفة قال ابن المناصف اتفق أهل عصرنا على قبول كتب القضاة فى الحقوق والأحكام بمجرد معرفة خط القاضى دون اشهاد على ذلك ولا خاتم معروف لضرورة رفع مشقة مجئ البينة مع الكتاب لا سيما مع انتشار الخطة وبعد المسافة، فاذا ثبت وجب العمل بذلك. بأن ثبت خط القاضى ببينة عادلة عارفة بالخطوط وجب العمل به وأن لم تقم بينه بذلك. وكذلك القاضى المكتوب اليه اذا كان يعرف خط القاضى الكاتب اليه فجائز له قبوله بمعرفة خطه. وهذا كله ان وصل كتاب القاضى قبل عزله أو موته، والا فلا يعمل به قاله ابن المناصف. قال ابن رحال الذى أدركنا عليه أشياخنا ان الانهاء يصح مطلقا، ولو مات الكاتب أو عزل قبل الوصول، أو مات المكتوب اليه، أو عزل، وتولى غيره قبل الوصول، أو أديا ما أشهدهما به. وان عند قاض آخر غير المنهى اليه لعزله أو موته. ولو كتب فيه اسم المنهى اليه .. ولو دفع القاضى كتابا مطويا الى الشهود أفاد العمل بمقتضاه ان أشهدهما ان ما فيه حكمه أو خطه. وظاهره أن الشهادة من غير اشهاد لا تكفى وهو قول أشهب. وقال ابن القاسم وابن الماجشون تكفى. وميز القاضى وجوبا فيه أى فى كتاب الانهاء ما يتميز به المدعى عليه من اسم وحرفة وغيرهما من الصفات التى لا يشاركه فيها غيره غالبا كنسبه وبلده وطوله وقصره وبياضه وسواده فنفذه القاضى الثانى المنهى اليه اذا كان الأول قد حكم وبنى على ما صدر من الأول اذا كان لم يحكم. وان لم يميز القاضى فى كتابه المحكوم عليه فأوصافه المميزة له من غيره ففى اعدائه أى تسليط القاضى المرسل اليه المدعى على صاحب ذلك الاسم لأن الشأن أن الطالب لا يطلب غير غريمه. وعلى صاحب الاسم أن يثبت أن فى البلد

стр. 4140

من يشاركه فيه. أولا يعديه حتى يثبت انفراده بهذا الاسم فى البلد.؟. قولان محلهما فيما اذا لم يكن فى البلد مشارك محقق والا لم يعده عليه اتفاقا. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب: يجوز للقاضى أن يكتب الى القاضى فيما ثبت عنده ليحكم به. ويجوز أن يكتب اليه فيما حكم به لينفذه لما روى الضحاك بن قيس قال: كتب إلى رسول الله ﷺ أن أورث امرأة أشيم الضبابى من دية زوجها. ولأن الحاجة تدعو الى كتاب القاضى الى القاضى فيما ثبت عنده ليحكم به وفيما حكم به لينفذه. فان كان الكتاب فيما حكم به جاز قبول ذلك فى المسافة القريبة والبعيدة لأن ما حكم به يلزم كل أحد امضاؤه وان كان فيما ثبت عنده لم يجز قبوله اذا كان بينهما مسافة لا تقصر فيها الصلاة لأن القاضى الكاتب فيما حمل شهود الكتاب كشاهد الأصل، والشهود الذين يشهدون بما فى الكتاب كشهود الفرع، وشاهد الفرع لا يقبل مع قرب شاهد الأصل. وجاء فى موضع آخر (١): لا يقبل الكتاب الا أن يشهد به شاهدا. وقال أبو ثور يقبل من غير شهادة لأن النبى ﷺ كان يكتب ويعمل بكتبه من غير شهادة. وقال أبو سعيد الاصطخرى: اذا عرف المكتوب اليه خط القاضى الكاتب وختمه جاز قبوله وهذا خطأ لأن الخط يشبه الخط والختم يشبه الختم فلا يؤمن أن يزور على الخط والختم. واذا أراد انفاذ الكتاب أحضر شاهدين ويقرأ الكتاب عليهما أو يقرأ غيره وهما يسمعان. والمستحب أن ينظر الشاهدان فى الكتاب حتى لا يحذف منه شئ، وان لم ينظر أجاز لأنهما يؤديان ما سمعا. واذا وصلا الى القاضى المكتوب اليه قرأ الكتاب عليه وقالا: نشهد أن هذا الكتاب كتاب فلان اليك وسمعناه وأشهدنا أنه كتب اليك بما فيه وان لم يقرأ الكتاب ولكنهما سلماه اليه. وقالا: نشهد أنه كتب اليك بهذا لم يجز لأنه ربما زور الكتاب عليهما وان أنكر ختم الكتاب لم يضر لأن المعول على ما فيه. وان امحى بعضه فان كانا يحفظان ما فيه أو معهما نسخة أخرى شهدا.

стр. 4141

وان لم يحفظاه ولا معهما نسخة أخرى لم يشهدا، لأنهما لا يعلمان ما امحى منه. فان وصل الكتاب الى المكتوب اليه فحضر. الخصم وقال: لست فلان بن فلان فالقول قوله مع يمينه، لأن الأصل أنه لا مطالبة عليه. فان أقام المدعى عليه بينة أنه فلان ابن فلان فقال: أنا فلان بن فلان: الا أنى غير المحكوم عليه لم يقبل قوله الا أن يقيم البينة أن له من يشاركه فى جميع ما وصف به، لأن الأصل عدم من يشاركه فلم يقبل قوله من غير بينة. وان أقام بينة أن له من يشاركه فى جميع ما وصفه به توقف عن الحكم حتى يعرف من المحكوم عليه منهما. واذا حكم المكتوب اليه على المدعى عليه بالحق فقال المحكوم عليه: اكتب الى الحاكم الكاتب أنك حكمت على حتى لا يدعى على ثانيا ففيه وجهان. أحدهما وهو قول أبى سعيد الاصطخرى رضى الله عنه أنه يلزمه لأنه لا يأمن أن يدعى عليه ثانيا ويقيم عليه البينة فيقضى عليه ثانيا. والثانى أنه لا يلزمه، لأن الحاكم انما يكتب ما حكم به أو ثبت عنده. والقاضى الكاتب هو الذى حكم أو ثبت عنده دون المكتوب اليه. واذا ثبت عند القاضى حق بالاقرار فسأله المقر له أن يشهد على نفسه بما ثبت عنده من الاقرار لزمه ذلك لأنه لا يؤمن أن ينكر المقر فلزمه الاشهاد، ليكون حجة له اذا أنكر. وان ثبت عنده الحق بيمين المدعى بعد نكول المدعى عليه فسأله المدعى أن يشهد على نفسه لزمه، لأنه لا حجة للمدعى غير الاشهاد. وان ثبت عنده الحق بالبينة فسأله المدعى الاشهاد ففيه وجهان. أحدهما: أنه لا يجب لأن له بالحق بينة فلم يلزم القاضى تجديد بينة أخرى. والثانى أنه يلزمه لأن فى اشهاده على نفسه تعديلا لبينته واثباتا لحقه والزاما لخصمه. فان ادعى عليه حقا فأنكره وحلف عليه وسأله الحالف أن يشهد على براءته، لزمه ليكون حجة له فى سقوط الدعوى، حتى لا يطالبه بالحق مرة أخرى. وان سأله أن يكتب له محضرا فى هذه المسائل كلها وهو أن يكتب ما جرى وما ثبت به الحق، فان لم يكن عنده قرطاس من بيت المال ولم يأته المحكوم له بقرطاس لم يلزمه أن يكتب، لأن عليه أن يكتب وليس عليه أن يغرم.

стр. 4142

وان كان عنده قرطاس من بيت المال وأتاه صاحب الحق بقرطاس فهل يلزمه أن يكتب المحضر؟ فيه وجهان. أحدهما أنه يلزمه لأنه وثيقة بالحق فلزمه كالاشهاد على نفسه. والثانى أنه لا يلزمه، لأن الحق يثبت باليمين أو بالبينة دون المحضر. وان سأله أن يسجل له وهو أن يذكر ما يكتبه فى المحضر ويشهد على انفاذه ويسجل له فهل يلزم ذلك أم لا؟ على ما ذكرناه فى كتب المحضر، وما يكتب من المحاضر والسجلات يكتب فى نسختين احداهما تسلم الى المحكوم له والأخرى تكون فى ديوان الحكم. فان حضر عند القاضى رجلان لا يعرفهما وحكم بينهما ثم سأل المحكوم له كتب محضر أو سجل كتب حضر الى رجلان قال أحدهما أنه فلان بن فلان وقال الآخر أنه فلان ابن فلان ويذكر ما جرى بينهما ويشهد على ذلك. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى لابن قدامة (١): أن كتاب القاضى على ضربين. الضرب الأول: أن يكتب بما حكم به، وذلك مثل أن يحكم على رجل بحق، فيغيب قبل ايفائه أو يدعى حقا على غائب ويقيم بينة ويسأل الحاكم الحكم عليه فيحكم عليه ويسأله أن يكتب له كتابا يحمله الى قاضى البلد الذى فيه الغائب فيكتب له اليه أو يقيم البينة على حاضر فيهرب قبل الحكم فيسأل صاحب الحق الحاكم أن يحكم عليه وأن يكتب له كتابا يحمله. ففى هذه الصور الثلاثة يلزم الحاكم اجابته الى الكتابة، ويلزم المكتوب اليه قبوله سواء كانت بينهما مسافة بعيدة أو قريبة حتى لو كانا فى جانبى بلد أو مجلس لزمه قبوله وامضاؤه سواء كان حكما على حاضر أو غائب لا نعلم فى هذا خلافا، لأن حكم الحاكم يجب امضاؤه على كل حاكم. الضرب الثانى: أن يكتب بعلمه بشهادة شاهدين عنده يحق لفلان مثل أن تقوم البينة عنده بحق لرجل على آخر ولم يحكم به فيسأل صاحب الحق القاضى أن يكتب له كتابا بما حصل عنده فانه يكتب له أيضا. قال القاضى: ويقول فى كتابه: شهد عندى فلان وفلان بكذا وكذا ليكون المكتوب اليه هو الذى يقضى به.

стр. 4143

ولا يكتب. ثبت عندى لأن قوله ثبت عندى حكم بشهادتهما. فهذا لا يقبله المكتوب اليه الا فى المسافة البعيدة التى هى مسافة القصر. ولا يقبله فيما دونها، لأنه نقل شهادة فاعتبر فيه ما يعتبر فى الشهادة على الشهادة، لأن نقل الشهادة الى المكتوب اليه لا يجوز مع القرب كالشهادة على الشهادة ويفارق كتابه بالحكم، فان ذلك ليس بنقل وانما هو خبر. وكل موضع يلزمه قبول الكتاب فانه يأخذ المحكوم عليه بالحق الذى حكم عليه به فيبعث اليه ويستدعيه فان اعترف بالحق أمره بأدائه وألزمه اياه .. وان قال لست المسمى فى هذا الكتاب فالقول قوله مع يمينه، الا أن يقيم المدعى بينة أنه المسمى فى الكتاب. وان اعترف أن هذا الاسم اسمه، والنسب نسبه، والصفة صفته، الا أن الحق ليس هو عليه، انما هو على آخر يشاركه فى الاسم والنسب والصفة، فالقول قول المدعى فى نفى ذلك، لأن الظاهر عدم المشاركة فى هذا كله. فان اقام المدعى عليه بينة بما ادعاه من وجود مشارك له فى هذا كله، أحضره الحاكم وسأله عن الحق، فان اعترف به الزمه به وتخلص الأول، وان انكره وقف الحكم وكتب الى الحاكم كتابا يعلمه الحال وما وقع من الاشكال حتى يحضر الشاهدين فيشهدان عنده بما يتميز به المشهود عليه منهما. وان ادعى المسمى أنه كان فى البلد من يشاركه فى الاسم والصفة وقد مات نظرنا. فان كان موته قبل وقوع المعاملة. التى وقع الحكم بها أو كان ممن لم يعاصره المحكوم عليه أو المحكوم له لم يقع اشكال وكان وجوده كعدمه. وان كان موته بعد الحكم أو بعد المعاملة وكان ممن أمكن أن تجرى بينه وبين المحكوم له معاملة. فقد وقع الاشكال كما لو كان حيا لجواز أن يكون الحق على الذى مات. واذا كتب الحاكم بثبوت بينة أو اقرار بدين جاز وحكم به المكتوب اليه وأخذ المحكوم عليه به. وان كان ذلك عينا كعقار محدود وعين مشهودة لا تشتبه بغيرها كعبد معروف مشهور أو دابة كذلك حكم به المكتوب اليه أيضا وألزم تسليمه الى المحكوم له به. وأن كان عينا لا تتميز الا بالصفة كعبد غير مشهور أو غيره من الأعيان التى لا تتميز الا بالوصف ففيه وجهان. أحدهما لا يقبل كتابه، لأن الوصف لا

стр. 4144

يكفى، بدليل أنه لا يصح أن يشهد لرجل بالوصف والتحلية كذلك المشهود به. والثانى يجوز، لأنه ثبت فى الذمة بالعقد على هذه الصفة فأشبه الدين. ويخالف المشهود له فانه لا حاجة الى ذلك فيه فان الشهادة له لا تثبت الا بعد دعواه ولأن المشهود عليه يثبت بالصفة والتحلية فكذلك المشهود به. فعلى هذا الوجه ينفذ العين مختومة وان كان عبدا أو أمة ختم فى عنقه وبعثه الى القاضى الكاتب ليشهد الشاهدان على عينه. فان شهدا عليه دفع الى المشهود له به. وان لم يشهدا على عينه أو قال المشهود به غير هذا وجب على آخذه رده الى صاحبه ويكون حكمه حكم المغصوب فى ضمانه وضمان نقصه ومنفعته فيلزمه أجره ان كان له أجر من يوم أخذه الى أن يصل الى صاحبه، لأنه أخذه من صاحبه قهرا بغير حق. ثم قال: ومن استوفى الحق من المحكوم عليه فقال للحاكم عليه: اكتب لى محضرا بما جرى لئلا يلقانى خصمى فى موضع آخر فيطالبنى به مرة أخرى .. ففيه وجهان: أحدهما: تلزمه اجابته، ليخلص من المحذور الذى يخافه. والثانى لا تلزمه، لأن الحاكم انما يكتب بما ثبت عنده أو حكم به. فاما استئناف ابتداء فيكفيه الاشهاد فيطالبه أن يشهد على نفسه بقبض الحق، لأن الحق ثبت عليه بالشهادة. والأول أصح، لأنه قد حكم عليه بهذا الحق ويخاف الضرر بدون المحضر، فأشبه ما حكم به ابتداء. وان طالب المحكوم له بدفع الكتاب الذى ثبت به الحق، لم يلزمه دفعه اليه، لأنه ملكه فلا يجب عليه دفعه الى غيره وكذلك كل من له كتاب بدين فاستوفاه أو عقار فباعه لا يلزمه دفع الكتاب، لأنه ملكه، ولأنه يجوز أن يخرج ما قبضه مستحقا فيعود الى ماله. ثم قال فى موضع آخر (١): ولا يشترط أن يذكر القاضى اسمه فى العنوان ولا ذكر اسم المكتوب اليه فى باطنه، لأن المعول فيه على شهادة الشاهدين على القاضى الكاتب بالحكم وذلك لا يقدح فيها. ولو ضاع الكتاب أو امتحى سمعت شهادتهما وحكم بها. ثم قال: ويشترط لقبول كتاب القاضى شروط ثلاثة.

стр. 4145

الشرط الأول: أن يشهد به شاهدان عدلان ولا يكفى معرفة المكتوب اليه خط الكاتب وختمه، ولا يجوز له قبوله بذلك فى قول أئمة الفتوى. وحكى عن الحسن وسوار والعنبرى أنهم قالوا: اذا كان يعرف خطه وختمه قبله، وهو قول أبى ثور والأصطخرى. ويتخرج لنا مثله بناء على قوله فى الوصية اذا وجدت بخطه، لأن ذلك تحصل به غلبة الظن فأشبه شهادة الشاهدين. ودليلنا أن ما أمكن اثباته بالشهادة لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر، كاثبات العقود، ولأن الخط يشبه الخط، والختم يمكن التزوير عليه، ويمكن الرجوع الى الشهادة، فلم يعول على الخط، كالشاهد لا يعول فى الشهادة على الخط، وفى هذا انفصال عما ذكروه. ثم قال ابن قدامة: واذا ثبت هذا فان القاضى اذا كتب الكتاب دعا رجلين يخرجان الى البلد الذى فيه القاضى المكتوب اليه فيقرأ عليهما الكتاب، أو يقرأه غيره عليهما، والأحوط أن ينظرا معه فيما يقرأه، فان لم ينظرا جاز، لأنه لا يستقرأ الا ثقة فاذا قرئ عليهما قال: أشهدا على أن هذا كتابى الى فلان. وان قال: أشهدا على بما فيه كان أولى. وان اقتصر على قوله: هذا كتابى الى فلان فظاهر كلام الخرقى أنه لا يجزئ، لأنه يحملهما الشهادة فاعتبر فيه أن يقول: اشهدا على كالشهادة على الشهادة. وقال القاضى: يجزئ. ثم ان كان ما فى الكتاب قليلا اعتمد على حفظه وان كثر فلم يقدرا على حفظه كتب كل واحد منهما مضمونه، وقابل بها، لتكون معه يذكر بها ما يشهد به، ويقبضان الكتاب قبل ان يغيبا، لئلا بدفع اليهما غيره. فاذا وصل الكتاب معهما اليه قرأه الحاكم أو غيره عليهما. فاذا سمعاه قالا نشهد أن هذا كتاب فلان القاضى اليك أشهدنا على نفسه بما فيه، لأنه قد يكون كتابه غير الذى أشهدهما عليه. قال أبو الخطاب: ولا يقبل الا أن يقولا نشهد ان هذا كتاب فلان، لأنها أداء شهادة فلا بد فيها من لفظ الشهادة. ويجب أن يقولا من عمله لأن الكتاب لا يقبل الا اذا وصل من مجلس عمله، وسواء وصل الكتاب مختوما، أو غير مختوم، مقبولا أو غير مقبول، لأن الاعتماد على شهادتهما لا على الخط والختم.

стр. 4146

فان امتحى الكتاب وكانا يحفظان ما فيه جاز لهما أن يشهدا بذلك، وان لم يحفظا ما فيه لم تمكنهما الشهادة. ودليلنا على ذلك أن النبى ﷺ كتب كتابا إلى قيصر ولم يختمه، فقيل له أنه لا يقرأ كتابا غير مختوم، فاتخذ الخاتم. واقتصاره على الكتاب دون الختم دليل على أن الختم ليس بشرط فى القبول، وانما فعله النبى ﷺ ليقرؤوا كتابه، ولأنهما شهدا بما فى الكتاب وعرفا ما فيه، فوجب قبوله، كما لو وصل مختوما وشهدا بالختم. قال ابن قدامة: اذا ثبت هذا فانه انما يعتبر ضبطهما لمعنى الكتاب، وما يتعلق به الحكم. قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن قوم شهدوا على صحيفة وبعضهم ينظر فيها وبعضهم لا ينظر؟ قال: اذا حفظ فليشهد، قيل: كيف يحفظ وهو كلام كثير؟ قال: يحفظ ما كان عليه الكلام والوضع، قلت: يحفظ المعنى؟ قال: نعم، قيل له: والحدود والثمن وأشباه ذلك؟ قال: نعم. ولو أدرج الكتاب وختمه وقال هذا كتابى أشهدا على بما فيه أو قد اشهدتكما على نفسى بما فيه لم يصح هذا التحمل لأنهما شهدا بمجهول لا يعلمانه فلم تصح شهادتهما كما لو شهدا أن لفلان على فلان مالا. الشرط الثانى: أن يكتبه القاضى من موضع ولايته وحكمه فان كتبه من غير ولايته لم يسغ قبوله، لأنه لا يسوغ له فى غير ولايته حكم فهو فيه كالعامى. الشرط الثالث: أن يصل الكتاب الى المكتوب اليه فى موضع ولايته فان وصله فى غيره لم يكن له قبوله حتى يصيرا الى موضع ولايته. ثم قال ابن قدامة فى موضع آخر (١): وان تغير حال الكاتب بموت أو عزل بعد أن كتب الكتاب، وأشهد على نفسه لم يقدح فى كتابه، وكان على من وصله الكتاب قبوله والعمل به سواء تغيرت حاله قبل خروج الكتاب من يده أو بعده، وبهذا قال الشافعى. وقال أبو حنيفة لا يعمل به فى الحالين. ودليلنا أن المعول فى الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على الحاكم وهما حيان، فيجب أن يقبل كتابه كما لو لم يمت ولأن كتابه ان كان فيما حكم به فحكمه لا يبطل بموته وعزله وان كان فيما ثبت عنده بشهادة فهو أصل، واللذان شهدا عليه فرع، ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهد الأصل، وان تغيرت حاله بفسق قبل الحكم بكتابته لم يجز

стр. 4147

الحكم به لأن حكمه بعد فسقه لا يصح فكذلك لا يجوز الحكم بكتابه، ولأن بقاء عدالة شاهدى الأصل شرط فى صحة الحكم بشاهدى الفرع، فكذلك بقاء عدالة الحاكم لأنه بمنزلة شاهدى الأصل، فان فسق بعد الحكم بكتابه لم يتغير، كما لو حكم بشئ ثم بان فسقه، فانه لا ينقض ما مضى من أحكامه كذا ههنا. وأما ان تغيرت حال المكتوب اليه بأى حال كان من موت، أو عزل، أو فسق، فلمن وصل اليه الكتاب ممن قام مقامه قبول الكتاب والعمل به، وبه قال الحسن، وقد حكى عنه أن قاضى الكوفة كتب الى اياس بن معاوية قاضى البصرة كتابا فوصل وقد عزل وولى الحسن فعمل به. ودليلنا أن المعول على شهادة الشاهدين بحكم الأول، أو ثبوت الشهادة عنده، وقد شهدا عند الثانى، فوجب أن يقبل كالأول، وهى ليست شهادة عند الذى مات كما يقول بعض الفقهاء، فان الحاكم الكاتب ليس بفرع، ولو كان فرعا لم يقبل وحده، وانما الفرع الشاهدان اللذان شهدا عليه، وقد أديا الشهادة عند المتجدد ولو ضاع الكتاب فشهدا بذلك عند الحاكم المكتوب اليه قبل فدل ذلك على أن الاعتبار بشهادتهما دون الكتاب. وقياس ما ذكرناه أن الشاهدين لو حملا الكتاب الى غير المكتوب اليه فى حال حياته وشهدا عنده عمل به لما بيناه. وأن كان المكتوب اليه خليفة للكاتب فمات الكاتب أو عزل انعزل المكتوب اليه، لأنه نائب عنه فينعزل بعزله وموته كوكلائه. مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب (١): ويندب للحاكم تنفيذ حكم غيره. فاذا كتب اليه أنى قد حكمت بكذا ندب له تنفيذه سواء وافق اجتهاده أم خالفه. ثم قال: وللحاكم أن يتولى الحكم بعد دعوى قد قامت عند حاكم غيره وكملت حتى لم يبق الا الحكم، ولا يحتاج الا الى اعادة الدعوى والشهادة وانما. يكون له ذلك بشروط عشرة. الأول أن يكون قد كتب اليه بذلك. ولا يعتبر ذكر اسم القاضى المكتوب اليه فى الكتاب. والثانى أن يكون قد أشهد أنه كتابه. والثالث أن يكون قد أمرهم بالشهادة فلا يكفى اشهاده لهم على أنه كتابه وقراءته عليهم، بل لا بد مع ذلك أن يأمرهم بالشهادة واقامتها فى وجه الخصم. والشرط الرابع أن يكون قد قرأه عليهم وسواء قرأه قبل الاشهاد أو بعده، فلا يكفى أن يشهدوا أن هذا كتاب الحاكم فلان حتى يقولوا قرأه علينا ونحن

стр. 4148

نسمع أو قرأناه وهو يسمع قراءتنا، ولا يكفى تأمل الشهود لذلك وقراءته اذا لم يسمع القراءة المشهود عليه. والخامس أن يكون قد نسب الخصوم وهم المحكوم عليه والمحكوم له والحق المحكوم به الى ما يتميز به، نحو أن يقول قد قامت الشهادة على فلان ابن فلان الفلانى أنه غصب من فلان بن فلان الفلانى الدار التى فى بلد كذا فى بقعة كذا ويحدها كذا وكذا. والشرط السادس والسابع حيث كان الكاتب والمكتوب اليه باقيين معا على قيد الحياة وولايتهما باقية حتى يصدر الحكم، فان تغير حال الكاتب بموته أو حال أحدهما بعزل أو فسق لم يصح للمكتوب اليه الحكم بذلك. والشرط الثامن أن لا يكون الكاتب والمكتوب اليه فى بلد واحد. فان كانا فى بلد واحد وهو ما حواه البريد لم يصح ذلك كما لا يجوز الا دعاء مع حضور الأصول الا لعذر. والشرط التاسع أن القاضى لا يعمل بكتاب القاضى الآخر فى الحكم الا اذا وافق اجتهاده، لا اذا خالف اجتهاده، بخلاف التنفيذ بعد الحكم. فمتى كملت هذه الشروط التسعة جاز للمكتوب اليه أن يعمل بالكتاب من دون أقامة دعوى الا فى الحد والقصاص والمنقول الموصوف حيث لم يتميز ولم يكن مما يثبت فى الذمة، فانه لا يجوز أن يتولى التنفيذ والحاكم غير الحاكم الأول، وهذا هو الشرط العاشر، الا أن يحضر المنقول الموصوف وتقوم الشهادة عليه، أو يتميز، أو كان مما يثبت فى الذمة فانه يصح. مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف (١): لا يجوز الحكم بكتاب قاض الى قاض. وخالف جميع الفقهاء فى ذلك وأجازوه اذا ثبت أنه كتابه. ودليلنا اجماع الفرقة واخبارهم وقوله تعالى «ولا تقف ما ليس لك به علم» والعمل بذلك اقتفاء بغير علم. ولا يحكم بكتاب قاض الى قاض سواء كان على صحته بينة أو كان مختوما فانه لا يجوز العمل به. وقال أهل العراق ان قامت البينة على ثبوته عمل به ويعمل به - ولا يعمل به اذا لم تقم البينة وان كان مختوما. وقالت قضاة البصرة الحسين وسوار وعبيد الله بن الحسن العنبرى: أنه اذا

стр. 4149

وصل مختوما حكم به وأمضاه وهو أحدى الروايتين عن مالك. ومن أجاز كتاب قاض الى قاض اذا قامت به البينة اختلفوا فى كيفية تحمل الشهادة فقال أبو حنيفة والشافعى: لا يصح الا بعد أن يقرأ الحاكم الكتاب على الشهود ويشهدهم على نفسه بما فيه ولا يصح أن يدرجه ثم يقول لهما: اشهدا على بما فيه ولا يعمل به. وقال أبو يوسف اذا ختمه بختمه وعنونه جاز أن يتحملا الشهادة عليه مدرجا يشهدهما أنه كتابه الى فلان فاذا وصل الكتاب اليه شهدا عنده بأنه كتاب فلان اليه فيقرؤه ويعمل بما فيه. وفى شرئع الاسلام (١): انهاء حكم الحاكم الى الآخر اما بالكتابة أو القول أو الشهادة. أما الكتابة فلا عبرة بها لامكان التشبيه وأما القول مشافهة فهو أن يقول للآخر حكمت بكذا أو أمضيت أو انفذت ففى القضاء به تردد، نص الشيخ فى أنه لا يقبل. وأما الشهادة فان شهدت البينة بالحكم أو بأشهاده اياهما على حكمه تعين القبول، لأن ذلك مما تمس الحاجة اليه اذ احتياج أرباب الحقوق الى اثباتها فى البلاد المتباعدة غالب .. وتكليف شهود الأصل التنقل متعذر أو متعسر فلا بد من وسيلة الى استيفائها مع تباعد الغرماء، ولا وسيلة الا رفع الأحكام الى الحكام. لا يقال يتوصل الى ذلك بالشهادة على شهود الأصل، لأنا نقول قد لا يساعد شهود الفرع على التنقل والشهادة الغائبة لا تسمع، ولأنه لو لم يشرع انهاء الأحكام بطلت الحجج مع تطاول المدد. والمنع من العمل بكتاب قاض الى قاض ليس منعا من العمل بحكم الحاكم مع ثبوته. ونحن نقول لا عبرة بالكتاب مختوما أو مفتوحا، فأنا لا نعمل بالكتاب أصلا ولو شهد به فكان الكتاب ملغى. واذا كان ذلك فالعمل بانهاء حكم الحاكم مقصور على حقوق الناس دون الحدود وغيرها من حقوق الله تعالى. ثم ما ينهى من الحاكم أمران: أحدهما حكم وقع بين المتخاصمين. والثانى اثبات دعوى مدع على غائب.

стр. 4150

أما الأول فان حضر شاهدان لأنهاء خصومة الخصمين وسمعا ما حكم به الحاكم وأشهدهما على حكمه، ثم شهدا بالحكم عند الآخر ثبت بشهادتهما حكم ذلك الحاكم وأنفذ ما ثبت عنده لا أنه يحكم بصحة الحكم فى نفس الأمر، اذ لا علم له به بل الفائدة فيه قطع خصومة المختصمين لو عادوا لمنازعة فى تلك الواقعة. وان لم يحضر الخصومة فحكى لهما الواقعة وصورة الحكم وسمى المتحاكمين بأسمائهما وآبائهما وصفاتهما وأشهدهما على الحكم ففيه تردد. والقبول أولى، لأن حكمه كما كان ماضيا كان اخباره ماضيا. وأما الثانى. وهو اثبات دعوى المدعى. فان حضر الشاهدان الدعوى واقامة الشهادة والحكم بما شهدا به وأشهدهما على نفسه بالحكم وشهدا بذلك عند الآخر قبلها وأنفذ الحكم. ولو لم يحضر الحكم وأشهدهما بما صورته أن فلان بن فلان الفلانى ادعى على فلان بن فلان الفلانى كذا، وشهد له بدعواه فلان وفلان ويذكر عدالتهما أو تزكيتهما فحكمت أو أمضيت ففى الحكم به تردد، مع أن القبول أرجح .. أما لو أخبر حاكما آخر بأنه ثبت عنده كذا لم يحكم به الثانى .. وليس كذلك لو قال حكمت فان فيه ترددا .. وصورة الاشهاد أن يقص الشاهدان ما شاهداه من الواقعة وما سمعاه من لفظ الحاكم، ويقولا: وأشهدنا على نفسه أنه حكم بذلك وأمضاه. ولا بد من ضبط الشئ المشهود به بما يرفع الجهالة عنه. ولو اشتبه على الثانى أوقف الحكم حتى يوضحه المدعى. ولو تغيرت حال الأول بموت أو عزل لم يقدح ذلك فى العمل بحكمه. وان تغيرت بفسق لم يعمل بحكمه، ويقر ما سبق انفاذه على زمان فسقه. ولا أثر لتغير حال المكتوب اليه بل كل من قامت عنده البينة بأن الأول حكم به وأشهدهم به عمل بها اذ اللازم لكل حاكم انفاذ ما حكم به غيره من الحكام. وفى المختصر النافع (١): من كتاب القضاء لا يحكم الحاكم بأخبار حاكم آخر ولا بقيام البينة بثبوت الحكم

стр. 4151

عند غيره. نعم لو حكم بين الخصوم واثبت الحكم وأشهد على نفسه فشهد شاهدان بحكمه عند آخر وجب على المشهود عنده إنفاذ ذلك الحكم. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): أن الخطاب فى الأحكام هو أن يكتب قاضى بلد إلى قاضى بلد آخر بما ثبت عنده من حق الانسان فى بلد القاضى الكاتب على آخر فى بلد القاضى المكتوب اليه، وينفذ المكتوب اليه ذلك فى بلده، وذلك واجب إن طلبه ذو الحق. ويقبل كتاب القاضى فى الأحكام والحقوق بمجرد معرفة خطه بلا شهادة، ولا خاتم، وليس ذلك من المكتوب اليه حكما بعلمه، بل كقبول بينة. ويجب عليه أن يشهد أو يكتب أن هذا كتاب ورد من قاضى كذا، وأنه ثابت الصحة عندى لحدث الموت أو العزل. ثم قال صاحب شرح النيل فى موضع آخر (٢) وقال بعض أصحابنا: لا يحكم القاضى بكتاب القاضى اليه. وقال بعضهم يحكم ولا يقبل كتاب قاضى المخالفين ولا يكتب اليه. وقال المخالفون: لا يكاتب غير العدل الا فيما كان لا شك فيه. ويجوز كتاب القاضى فى الحقوق كلها الا الحدود والقصاص. وأنما يكتب فيما اختصم فيه الخصمان وليس حاضرا فى بلده فيكتب الدعوى والجواب والشهادة إلى حاكم البلد الذى فيه الشئ فيحكم بكتابه. وكذا يكتب الدعوى والشهادة إن لم يحضر المدعى عليه إلى قاضى بلد هو فيه وانما يكتب اذا لم يمكن الشهود الوصول اليه وبعد أن يكتب الكتاب يطويه ويطبع عليه بخاتمه ويكتب العنوان ويدفعه لأمينين ويبلغانه الى الحاكم. وأن علما بما كتب فيه أول مرة بمحضرهما أو قال لهما القاضى الذى وجه معهما الكتاب قد صح عندى ما كتبت فيه وأنه حق بعد ما طوى الصحيفة جاز لهما أن يشهدا بما فيه عند الحاكم فى قول أبى عبيدة مسلم بن أبى كريمة. وقيل: لا يشهدا على البطاقة ان لم يقرأها، أو تقرأ عليهما، أو يعلما ما فيها بالمشاهدة. وتجوز على كتاب القاضى شهادة من تجوز شهادته فى سائر الأحكام. وتجوز فيه الشهادة على الشهادة. واذا وصله الكتاب فلا يفتحه الا بحضرة

стр. 4152

الخصمين أو وكيلهما فيقرأه عليهما فيشهد الشهود الذين جاءوا به أنه كتاب القاضى الذى أرسلهما به، فان كانا أمينين عند القاضى الثانى فليجوز قولهما، والا فليكلفهما من يزكيهما، فاذا زكيا حكم بما فيه، وان كان ذلك فيما يجرى فيه الدفع دفعه لصاحبه. ويجوز لهذا الحاكم الثانى أن يبعث هذه البطاقة الى حاكم آخر ان كان الشئ الذى اختصما عليه عنده فى موضعه الذى كان فيه، أو كان عنده المدعى عليه فليحكم الحاكم بما صح عنده فى ذلك مثل الحاكم الثانى. وأما ان كتب القاضى الكتاب ولم يقصد به أحدا من قضاة المسلمين ولكن ذكر فيه: الى من يبلغه كتابى هذا من قضاة المسلمين فليحكم بما فيه فانه لا يشتغل به من بلغ اليه من قضاة المسلمين. ومنهم من يقول يحكم به من وصل اليه من قضاة المسلمين. وجاء فى موضع آخر (١): اختلف قومنا فى انفاذ القاضى ما كتب اليه قاض مات أو عزل قبل انفاذه، وان مات المنفوذ اليه أو عزل أنفذه من يلى بعده. وان أتى الكتاب الى القاضى فلان بن فلان الفلانى وفى تلك القبيلة رجلان أو ثلاثة على ذلك الاسم فلا يحكم على أحدهم حتى يتبين له فيمن كتب فيه البطاقة منهم. وكذلك ان مات واحد منهم وعاش الآخر وقد كان فى تاريخه أنه لم يكتبها الا بعد موته بزمان طويل فلا يشتبه ذلك عليه وليحكم على الحى منهم. وان أتاه كتاب القاضى فيما اختلف فيه العلماء ولكنه لم يؤخذ بذلك القول فلا يحكم به، لأن هذا القاضى هو الذى يحكم بينهم ولا يحكم الا بما حكم به قبل ذلك. وفى الأثر: للقاضى أن يخاطب قاضيا بأحد ثلاثة أشياء: الأول الحكم الذى حكم به فى قضية بعد نفوذه. والثانى بأداء الشهود وقبولهم المقتضى للثبوت على أن يحكم فيها المكتوب اليه. والثالث بمجرد أداء الشهود على أن ينظر الذى كتب اليه فى تعديلهم، ثم يحكم. والخطاب أما باشهاد القاضى على نفسه بالحكم أو بالثبوت أو الأداء. ثم يشهد من يشهد عليه بذلك عند القاضى الآخر. وأما بأن يكتب اليه. وكان المتقدمون يشترطون لدفع الكتاب الشهادة على الدفع أو الشهادة بأنه

стр. 4153

كتبه القاضى أو ختم بخاتمه المعروف عند القاضى الآخر. ثم اكتفى المتأخرون بمعرفة خطه واما بالمشافهة وهى غير كافية، لأن أحدهما فى غير محل ولايته، ومن كان فى غير موضع ولايته لا ينفذ حكمه ولم يقبل خطابه. واذا مات القاضى المكتوب اليه أو عزل لزم من ولى بعده اعمال ذلك الخطاب خلافا لأبى حنيفة. واذا خاطب قاض قاضيا فان عرف أنه أهل للقضاء قبل خطابه وان عرف أنه ليس أهلا لم يقبله. ما يعتبر فى الشهادة عامة ذكرنا أن الاشهاد هو طلب الشهود ليتحملوا أو ليؤدوا الشهادة. وهذا يتطلب الكلام على الشهادة فى الصورة التى يتم بها التحمل والأداء على الوجه المشروع. والكلام على الشهادة فى صورتها الصحيحة يقتضى الكلام على حجية الشهادة، وحكمها، وشروطها، وأثرها، ومراتبها، ومن تقبل شهادته، ومن لا تقبل، وبعض مواضعها. حجية الشهادة: اتفق الفقهاء وأهل العلم جميعا على أن الشهادة طريق من طرق القضاء وحجة يبنى عليها الحكم الملزم بالحق لصاحبه على من يخاصمه فيه وينكره عليه متى قامت على الوجه الصحيح المشروع واستوفت جميع شرائطها وأحكامها التى اعتبرها الشارع، وقد جاء ذلك على خلاف القياس الذى يأبى أن تكون الشهادة حجة فى الأحكام، لأنها خبر محتمل الصدق والكذب. والمحتمل لا يكون حجة ملزمة ولكن ترك هذا القياس بالنصوص. قال الله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ. فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ.» وقال تعالى «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» وقال «وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» وقال فاذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله». وقال النبى ﷺ «شاهداك أو يمينه. وقال البينة على المدعى واليمين على من أنكر». ولاجماع الأمة من عهد رسول الله ﷺ الى الآن على أنها حجة يبنى عليها الحكم الملزم والقضاء الواجب التنفيذ .. ولأن حاجة الناس داعية الى ذلك، لأن المنازعات والخصومات تكثر بين الناس وتتعذر اقامة الحجة الموجبة للعلم فى كل خصومة وهى مشاهدة الحادثة عيانا، ووصول الخبر بطريق التواتر المفيد للعلم وهما الطريقان المفيدان للعلم، وغيرهما انما يفيد ظنا، والتكليف انما يكون بحسب الوسع.

стр. 4154

ونظير ذلك القياس فى الأحكام بغالب الرأى فى موضع الاجتهاد .. ثم القياس بعد هذا ان يكتفى بشهادة الواحد، لأن رجحان جانب الصدق يظهر فى خبر الواحد العدل موجبا للعمل فى رواية الحديث. وكما لا يثبت القطع بخبر الواحد كذلك لا يثبت بخبر الاثنين ولا يخبر الأربعة بل يثبت بالعدد البالغ حد التواتر. واذن لا معنى لاشتراط رجلين أو رجل وامرأتين لعدم الفائدة .. ويمكن ترك ذلك بالنصوص المبينة للعدد فى الكتاب والسنة، وحاشا ان ترد النصوص من الكتاب والسنة بتحديد العدد فى الشهادة واختلافه باختلاف الموضوعات والمسائل المشهود بها من غير أن تكون له فائدة او مغزى وأقل ما فيه طمأنينة القلب وذلك عند اخبار العدد اظهر منه فى خبر الواحد ثم فى العدد معنى التوكيد اذ التزوير والتلبيس فى الخصومات يقع بكثرة، فيشترط العدد صيانة للحقوق من الضياع، فلو لم تعتبر الشهادة حجة لوقع الناس فى الحرج المدفوع بقول الله تعالى «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»﴾. والشهادة حجة متعدية الى الغير على خلاف الاقرار فانه حجة قاصرة على نفس المقر، ولذلك قالوا: تسمع البينة بعد الاقرار فى بعض المواضع اذا طلب المدعى بقصد تعدية الحكم الى الغير وجعله حجة عليه كما بين فى موضعه. حكم الشهادة: الشهادة نوعان: شهادة تحمل، وشهادة أداء. وتحمل الشهادة معناه علم الشاهد بالحادثة عند حصولها وفهمه لها، واحاطته بها على وجه يستطيع معه أن يؤدى الشهادة بها عند القاضى فى مجلس الحكم على وجه صحيح يترتب عليه أثرها، وهو وجوب القضاء بها اما باشهاد صاحب الحق وطلبه، أو بحضور الشاهد ومشاهدته. وتحمل الشهادة مندوب ومستحب احياء للحقوق، الا أن يترتب على عدم التحمل ضياع الحق، فيكون التحمل واجبا محافظة على الحقوق من الضياع. وهذا اذا ما دعى الشخص للشهادة من صاحب الحق. أما أداء الشهادة فهو أن يشهد الشاهد بما تحمله أمام القضاء فى مجلس الحكم، وهذا واجب وحتم اذا ما دعاه صاحب الحق للأداء. وقد قيل فى تأويل قول الله تعالى «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» انه يحتمل أن يكون المراد النهى عن الاباء عن تحمل الشهادة اذا دعاه صاحب الحق للتحمل ضمانا لحقه فى المستقبل عند حصول نزاع عليه، فيكون النهى لكراهة الأباء عن التحمل كراهة تنزيه، ومرجعها خلاف الأولى. ويكون التحمل مندوبا اليه شرعا، لما فيه من اعانة المسلم على حفظ حقه. ويحتمل أن يكون النهى موجها الى من تحملوا الشهادة بالفعل فى الماضى ينهاهم الشارع عن الاباء عن أداء الشهادة أمام الحاكم عند الخصومة اذا دعاهم صاحب الحق لأدائها، فيكون النهى للتحريم، ويكون أداء الشهادة واجبا مفروضا.

стр. 4155

وهذا فى غير الحدود، وعند طلب صاحب الحق. ولم يخالف فى ذلك أحد، لأن الله تعالى قد نهى عن كتمان الشهادة بقوله «وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ» والنهى عن الشئ أمر بضده، فيكون أداء الشهادة مأمورا به، وأكد هذا النهى الأمر بتهديد من يكتم الشهادة بالعقاب بقوله «ومن يكتمها فانه آثم قلبه» فانه حكم صريح بثبوت الاثم على الكتمان ومن لازم الاثم العقاب .. وانما كان أمر أداء الشهادة على هذا الوضع، لأنه بالشهادة تحيا الحقوق وتثبت وبدونها تضيع وتهلك. أما فى الحدود كالزنا وشرب الخمر والسرقه فان أداء الشهادة فيها غير واجب أصلا، لأن الشاهد مخير فيها بين أن يشهد، وان لا يشهد، بل ان ترك الشهادة أفضل تحصيلا للستر المطلوب شرعا بحديث «من ستر على مسلم ستره الله فى الدنيا والآخرة. وهذا فى غير المتهتك الفاجر، أما هو فالشهادة عليه أولى منعا للشر والفساد فى غير حد السرقة فان الشهادة فيه واجبة احياء للمال ولكن يقول فى شهادته «أخذ» ولا يقول سرق كما سيأتى. محل وجوب أداء الشهادة: والحقوق التى يراد اثباتها بالشهادة تنقسم الى قسمين حقوق الله، وحقوق العباد .. وحقوق الله تنقسم الى قسمين: الحدود، وغير الحدود. فالأقسام ثلاثه حقوق العباد، وحقوق الله غير الحدود. وحقوق الله التى هى الحدود، ولكل من هذه الاقسام حكم خاص فى وجوب الأداء وعدم وجوبه، وفى شروط الوجوب ان كان الأداء واجبا. شروط وجوب الأداء فى حقوق العباد يشترط لوجوب أداء الشهادة على الشاهد فى حقوق العباد عند الحنفية شروط، بحيث اذا اختل شرط منها وسع الشاهد أن لا يشهد دون أن يتحمل اثما ولا ذنبا. ١ - أن يطلب صاحب الحق من الشاهد أداء الشهادة ان كان صاحب الحق يعلم بشهادة الشاهد. وان كان لا يعلم بالشهادة وخاف الشاهد ضياع الحق ان لم يشهد - وجب عليه أن يعلم صاحب الحق بشهادته. ثم ان طلب منه صاحب الحق بعد ذلك أداء الشهادة وجب عليه الأداء والا فلا. ووجوب الأداء على الشاهد مشروط بالطلب على كل حال، وبدونه لا يكون الوجوب، اذ يجوز أن يكون صاحب الحق قد طلب حقه، أو تنازل عنه فيكون فى تدخل الشاهد اثارة وتعرض لما لا يعنيه. ٢ - أن يتعين الشاهد لاثبات الحق بحيث اذا لم يشهد ضاع الحق .. فلو لم يتعين بأن كانت الشهود على الحق كثيرة،

стр. 4156

وأدى غيره الشهادة، وقبلت بالفعل لم يأثم بالترك، لعدم الضرر حينئذ، فلو أدى غيره ولم تقبل شهادته وكان الشاهد بحيث لو أدى تقبل شهادته وجب عليه الأداء بالطلب ويأثم بالترك. ٣ - عدالة القاضى بحيث يغلب على ظن الشاهد أنه لا يرد شهادته لغير سبب. فان ظن أنه يرده لعدم عدالته وسعه أن لا يشهد، الا أن يظن أنه يقبله لشهرته ومكانته فيتعين عليه الأداء احياء الحق. ٤ - قرب مكان الشاهد من مجلس القضاء بحيث يمكنه أن يؤدى الشهادة ويرجع الى أهله فى نفس اليوم. فلو كان بعيدا وسعه أن لا يشهد لتضرره حينئذ، والله تعالى يقول «ولا يضار كاتب ولا شهيد»، ولقول النبى ﷺ : أكرموا الشهود فان الله تعالى يستخرج بهم الحقوق ويدفع بهم الظلم. ثم اذا كان بين مكان الشاهد ومجلس الحكم مسافة تحتاج للركوب وأركب صاحب الحق الشاهد دابة أعدها له فهل يمنع ذلك من قبول الشهادة؟. قالوا: اذا لم يكن لدى الشاهد عذر يبرر الركوب من عدم استطاعة المشى أو عدم القدرة على كراء دابة يمنع من قبول الشهادة والا لا يمنع. واذا أكل الشاهد من طعام المشهود له قالوا: ان كان الطعام أعد لأجل الشاهد لا تقبل شهادته والا قبلت. وعن محمد لا تقبل فى الحالتين للحرج والتأثير. وعن أبى يوسف تقبل فى الحالتين لجريان العادة به. والفتوى على قول أبى يوسف. ٥ - علم الشاهد أو غلبة ظنه أن القاضى يقبل شهادته أو يسرع فى قبول شهادته عن غيره. فلو علم أو ترجح لديه أنه لا يقبله لم يجب عليه أن يشهد. وان شك فى الأمر توقف الحموى فى الحكم. اذ قال: فلو شك ينظر حكمه. والظاهر وجوب الشهادة فى هذه الحالة احتياطا لاحياء الحق ان قبلت شهادته. ٦ - ألا يخبره عدلان ببطلان المشهود به كما اذا كانت الشهادة على دين وأخبره عدلان باستيفاء صاحب الحق دينه فليس له أن يشهد. وان أخبره بذلك فاسقان خيربين الشهادة

стр. 4157

مع اخبار القاضى بخبرهما وبين الامتناع عن الشهادة. وان كان المخبر واحدا لا يسعه أن يمتنع عدلا كان المخبر أو فاسقا. وفى البزازية: اذا شهد عندك عدلان بخلاف ما علمت ووقع فى قلبك صدقهما لم تسعك الشهادة الا اذا علمت يقينا أنهما كاذبان. وان شهد عندك عدل واحد لك أن تشهد بما علمت الا أن يقع فى قلبك صدقه. ٧ - اذا كانت الشهادة على اقرار. يشترط أن لا يقف الشاهد على أن المقر أقر خوفا أو طمعا، فان علم بذلك لا يشهد. ٨ - أن لا يخاف الشاهد على نفسه اذا شهد من سلطان جائر أو غيره، أو لم يتذكر الشهادة على وجهها. فان خاف على نفسه أو لم يتذكر الشهادة لم يشهد. واذا توفرت هذه الشروط جميعها وأصبح واجبا على الشاهد أن يؤدى الشهادة. ولكنه أخرها لغير عذر ظاهر ثم شهد. فما الحكم.؟. أتقبل شهادته أم لا تقبل. قال شيخ الاسلام خواهر زادة. لا تقبل شهادته لتمكن الشبهة فانه يحتمل أن تأخره كان لاستجلاب الأجرة. وقال الكمال بن الهمام: الأوجه القبول ويحمل تأخره على العذر من نسيان ثم تذكر وغير ذلك مما ليس فيه سوء ظن. ورجح ابن الشحنة ما قاله شيخ الاسلام لفساد الزمان. وهذا فى غير شهادة الحسبة التى تكون فى حقوق الله تعالى من غير طلب. أما فيها فقد نصوا على أن شاهد الحسبة متى أخر شهادته بلا عذر فسق فترد شهادته. ورد ذلك فى بابى الحدود والطلاق. وضابط التأخير أن يكون الشاهد متمكنا من الشهادة عند القاضى، ولكنه لا يشهد دون نظر الى تقدير التأخير بأيام أو مدة معينة. وما ورد فى بعض الفتاوى من تقدير التأخير بمدة محدودة فانما جاء من كون حادثة الفتوى جاءت كذلك. شروط وجوب الأداء فى حقوق الله غير الحدود يشترط لوجوب أداء اشهادة على الشاهد

стр. 4158

فى حقوق الله تعالى غير الحدود جميع الشروط السابقة فى حقوق العباد. ما عدا طلب صاحب الحق أداء الشهادة، فانه ليس بشرط هنا لوجوب الأداء، بل تجب الشهادة هنا بدون طلب، لأن حق الله تعالى يجب على كل مسلم مكلف القيام باثباته. والشاهد من جملة المسلمين المكلفين فوجب عليه الاثبات فى ذلك وكان قائما بالخصومة من جهة الوجوب وكان شاهدا من جهة تحمل ذلك. والقاضى فى هذه المسائل يكون نائبا عن الله تعالى فكأنه حصلت دعوى فلم يحتج الى خصم آخر. وهذه الحقوق هى المسائل التى تسمع فيها الشهادة حسبة بدون سابقة دعوى. كالطلاق والخلع والايلاء والظهار والمصاهرة وهلال رمضان، والنسب على خلاف فيه، والرضاع وجرح الشاهد. والوقف على تفصيل فيه. حق الله تعالى اذا كان حدا. أما اذا كان الحق الذى يراد اثباته حدا من الحدود كالزنا وشرب الخمر وغيرها لم تجب الشهادة أصلا، وكان الشاهد مخيرا بين أن يشهد، وأن لا يشهد، أى بين الستر والاظهار، لأنه بين حسنيين، طلب الشارع كلا منهما اقامة الحد اخلاء للعالم من الفساد، والستر توقى التهتك المندوب اليه بالحديث من ستر على مسلم ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة. واذا كان الستر مندوبا اليه فالشهادة تكون خلاف الأولى وهذا فى غير المتهتك الذى يجاهر بالفسق والعصيان ويفتخر بارتكاب الفاحشة أما هذا المتهتك فالشهادة عليه أفضل اخلاء للأرض من الفساد وقطعا لدابر الشر، ولأن الستر عليه يؤدى الى تماديه فى الغى والضلال. وهذا فى غير السرقة أما فى السرقة فلا يترك الشهادة اذ يترتب على تركها ضياع حق صاحب المال المسروق منه فيؤديها احياء لماله، ولكن يقول فى شهادته ان فلانا (أخذ) من فلان كذا توصيلا الى الحكم عليه برد ما أخذ وضمانه ولا يقول (سرق) من فلان كذا محافظة على الستر، وتوصلا للضمان اذ لو قال (سرق) يحكم عليه بقطع يده اذا بلغ المسروق النصاب وتوافرت الشروط كلها، ولا يحكم بالضمان حينئذ، اذ المقرر أنه لا يجتمع قطع وضمان، فيضيع حق صاحب المال ولم تكن الشهادة لاحياء الحق بل كانت لاضاعته. ولا يقال ان أداء الشهادة واجب بمقتضى النص (ولا يأب الشهداء اذا ما دعوا) ﴿(وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ ١ قَلْبُهُ)﴾ فكيف تخرج الشهادة على الحدود من حكم

стр. 4159

هذا النص ولا تجب الشهادة فيها بل يكون بالستر مندوبا اليه والشهادة خلاف الأولى. ولا يقال ذلك لأن الأحاديث التى وردت فى شأن الستر فى الحدود ووجوب تلقين ما يدرأ الحد وقد بلغت فى مجموعها مبلغ الشهرة فجاز أن يخصص بها النص. ويثبت الشهادة فى الحدود حكم آخر غير الحكم فى غيرها. شروط الشهادة مذهب الحنفية: يقول الحنفية أن شروط الشهادة تنقسم الى ثلاثة أقسام. ١ - شروط تحمل الشهادة. ٢ - شروط صحة أداء الشهادة. ٣ - شروط وجوب قبول الشهادة على القاضى. شروط تحمل الشهادة. يشترط لصحة تحمل الشهادة ثلاثة شروط. الأول: العقل ولو من صبى مميز، فلو كان مجنونا أو صبيا غير مميز لم يصح تحمله، لأن التحمل هو علم الشاهد بالحادثة، وفهمها وقت حصولها، والفهم لا يكون الا بآلته، وهى العقل فما لم يوجد لا يحصل الفهم وبالتالى لا يحصل التحمل. الثانى: البصر فلا يصح التحمل من الأعمى وذلك لأنه لا بد أن يعرف الخصمين ويميز بينهما حتى يشهد لأحدهما على الآخر. وغير البصير لا يمكنه التمييز بين الخصمين وقت الحمل والسمع وحده لا يكفى لهذا التمييز، لأن النغم يشبه النغم، والصوت يعدل الصوت، وكم من أصوات تسمع ويظن أنها لأناس معينين ثم يتبين أنها لآخرين غيرهم، فلو جاز للأعمى أن يشهد بناء على معلومات حصلها من طريق السمع، لتعرضت حقوق الناس للضياع نتيجة الاشتباه واللبس، وفى هذا ضرر وخطر كبيران. الثالث: معاينة الشاهد الشئ المشهود به أو معاينة دليله بنفسه فى غير الأشياء التى تجوز الشهادة فيها بالتسامع، وذلك لقول النبى ﷺ «إذا علمت مثل الشمس فاشهد والا فدع» ولا يعلم الشئ المشهود به مثل الشمس الا بمعاينته أو معاينة دليله. فمثال معاينة الشئ نفسه أن يرى الشاهد شخصا باع داره لآخر بايجاب وقبول شرعيين فيشهد بالبيع، أو يرى انسانا قتل انسانا بآلة قاتلة فيشهد بالقتل أو قذف انسانا أمامه فيشهد بالقذف .. وهكذا من كل حادثة تقع بمرأى ومسمع من الشاهد. ومثال معاينة دليل الشئ أن يرى عينا ثوبا أو دابة أو دارا فى يد انسان يستعملها

стр. 4160

استعمال الملاك بدون منازع ويقع فى قلبه أن هذه العين ملكه، فانه يحل له أن يشهد لصاحب اليد بالملكية، لأنه وان لم يشاهد سبب الملكية، وهو الشراء، أو الميراث مثلا، الا أنه شاهد دليل الملكية، وهو اليد والتصرف المذكوران.، ودليل الشئ يدل عليه ويقوم مقامه. ومن باب أولى اذا شاهد سبب الملكية كأن يراه وهو يشترى العين. ومما يذكر يتبين أنه لا يشترط لصحة تحمل الشهادة البلوغ ولا الحرية ولا الاسلام ولا العدالة. فلو كان وقت التحمل صبيا مميزا أو عبدا غير مسلم أو فاسقا ثم بلغ الصبى وعتق العبد وأسلم غير المسلم وتاب الفاسق. وشهدوا عند القاضى بعد زوال الصفات المنافية لأهلية أداء الشهادة بما تحملوه وهم متصفون بتلك الصفات قبلت شهادتهم شرعا. شروط صحة أداء الشهادة شروط صحة أداء الشهادة أربعة أنواع، لأن منها ما يرجع لنفس الشاهد ومنها ما يرجع للمشهود به ومنها ما يرجع لنفس الشهادة، ومنها ما يرجع لمكان الشهادة، وها هى حسب الترتيب المذكور. شروط صحة الأداء فى الشاهد: الشروط التى ترجع لنفس الشاهد تنقسم الى قسمين. ١ - عامة وهى التى تشترط فى الشاهد فى جميع الأحوال وبالنسبة لجميع الموضوعات. ٢ - وخاصة وهى التى تشترط فى بعض الموضوعات وبالنسبة لبعض الحوادث دون البعض، بناء على اعتبارات من الشارع اقتضت هذا الاشتراط. الشروط العامة فى الشاهد والشروط العامة التى تشترط فى الشاهد ترجع الى ثلاثة أصول. الأول: كون الشاهد من أهل الولاية على غيره، وهذا يستلزم اشتراط البلوغ والعقل والحرية. الثانى: اتصاف الشاهد بما يرجح جانب الصدق فى شهادته على جانب الكذب، وهذا يستلزم العدالة والعلم بالمشهود به والبعد عما يخل بالمروءة والسلوك الحميد. الثالث: انتفاء التهمة عن الشاهد فى شهادته وهذا يستلزم عدم الصلة الخاصة بينه وبين المشهود له أو عليه، بحيث تقتضى المجاملة أو التحامل كالقرابة الى

стр. 4161

درجة معينة، والزوجية، والشركة والصداقة الى حد والخصومة الدنيوية. ويضاف شروط أخرى ان لم ترجع الى هذه الأصول بطريق مباشر، فانها تكمل ما يرجع اليها كالنطق والبصر. وجملة ما يشترط فى الشاهد من هذا النوع هو. ١ - العقل وقت الأداء وقد سبق أن هذا شرط فى التحمل كذلك، لأن من لا يعقل لا يفهم الحادثة التى يشهد عليها ولا يحيط بها فلا يستطيع أداء الشهادة عليها لانتفاء الضبط وانعدام الثقة بما يخبر به. وأيضا فغير العاقل فاقد الولاية على نفسه، والشهادة من باب الولاية فلا تكون له ولاية على غيره. ٢ - البلوغ: وهذا شرط فى الأداء وليس شرطا فى التحمل فلا يصح أداء الصبى، وان كان عاقلا وأهلا للتحمل لأن فيها معنى الولاية على المشهود عليه، لأنها طريق لالزامه بالحق والقضاء عليه به. والصبى لا ولاية له على نفسه فلا تكون له ولاية على غيره. ولأنه لو كانت له شهادة معتبرة لكان ملزما بالاجابة عند الدعوة بحكم قوله تعالى «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» والاجماع على أنه غير ملزم بذلك. ٣ - الحرية: فلا تقبل شهادة القن والمدبر وأم الولد والمكاتب، لأنهم عبيد والشرط الحرية فى الشاهد، لأن فيها معنى الولاية والتمليك وهما مفقودان من العبد. واستبعد الكمال بن الهمام من الحنفية عدم قبول شهادة العبد. ٤ - البصر فلا تقبل شهادة الأعمى وان كان بصيرا وقت التحمل. وهذا عند أبى حنيفة ومحمد. وعند أبى يوسف. البصر ليس بشرط فى الأداء فتصح الشهادة من الأعمى متى كان بصيرا وقت التحمل. ومحل هذا الخلاف فى المواضع التى لا يحتاج فيها الشاهد الى الاشارة عند الشهادة. وأما فيما يحتاج فيه الى الاشارة، فالبصر شرط لصحة الأداء فيه اجماعا، لأن الاشارة لا تكون مميزة مفهمة غرض المشير الا اذا كانت ناشئة عن البصر. ٥ - النطق. فلا تقبل شهادة الأخرس، لأنه لا عبارة له واشارته مشتبهة وغير قاطعة. ولا بد فى الشهادة أن تكون واضحة جلية حتى يصح الحكم بها لأناس على آخرين. وأيضا فان من شروط صحة الشهادة أو ركنها على الخلاف أن يقول (أشهد) وهذا لا يتأتى منه الا اذا كان ناطقا.

стр. 4162

٦ - ألا يكون محدودا فى قذف، فلو كان محدودا فى قذف وشهد لم تصح شهادته، وان كان قد تاب لقول الله ﵎ «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فان الله نهى عن قبول شهادة من يحد فى القذف أبدا وجعل عدم قبول شهادته من تتمة عقوبته. والاستثناء فى الآية «إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» استثناء من قوله «وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» وليس استثناء من قوله «وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً» لأن القاعدة الأصولية عند الحنفية أن الاستثناء والشرط بعد جمل متعاطفة يرجع الى الأخيرة منها لا الى جميعها، ولأن هذا ينافى قوله أبدا - اذ يدل على التأبيد والاستثناء من عدم قبول الشهادة يجعله مؤقتا ومحدودا بالتوبة. هذا فى المحدود حد القذف. أما المحدود فى غير القذف كالزنا والشرب والسرقة فانه تقبل شهادته اذا تاب لأنه بالتوبة صار عدلا، ولأنه لم ينص فيها على عدم القبول أبدا. ٧ - ألا يكون متهما فى شهادته بأن لا يكون فيها جر مغنم للشاهد ولا دفع مغرم عنه. فان كان كذلك بأن جربها المغنم أو دفع بها المغرم لم تقبل شهادته، لقوله ﷺ لا شهادة لجار المغنم ولا لدافع المغرم، ولأنه يكون متهما فى شهادته ولا شهادة للمتهم. اذ مع التهمة يغلب على الظن كذب الشاهد. والأصل فى بناء الأحكام القضائية على الشهادة وهى لا تفيد الا الظن، وانما هو دفع لحاجة الناس، فوجب أن يراعى فى خبر الشهود وأحوالهم ما يرجح جانب الصدق فى شهادتهم على جانب الكذب بقدر المستطاع ٨ - ألا يكون خصما فى الدعوى لقوله ﷺ : لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين أى متهم فلا تقبل شهادة وصى الميت للميت، ولا وصى الصغير للصغير، ولا الوكيل للموكل، لأن كل واحد من هؤلاء خصم فى الدعوى التى يشهد فيها، اذ هو ممثل لصاحب الحق فيكون مدعيا وشاهدا فى وقت واحد وهذا غير جائز. ٩ - أن يكون عالما بالمشهود به ذاكرا له وقت أداء الشهادة. فلو نسى المشهود به لم يجز له أن يشهد. ولو رأى اسمه وخطه وخاتمه على الصك الذى يريد أن يشهد بما فيه مع كونه غير متذكر له، لأنه حينئذ يكون قد شهد بما لم يعلم. والله يقول

стр. 4163

«ولا تقف ما ليس لك به علم» والنبى ﷺ يقول: «اذا علمت مثل الشمس فاشهد. والا فدع». ولا عبرة برؤية خطه واسمه وخاتمه على الورقة لأن الخط يشبه الخط، ولأن الاحتيال والتزوير كثير الوقوف وقريب الحصول، فلا يجوز الاعتماد على ذلك. وهذا عند أبى حنيفة. وعند الصاحبين أن هذا ليس بشرط فى صحة الشهادة حتى لو رأى خطه على الصك ولم يتذكر ما فيه حل له أن يشهد بما فيه، لأن النسيان أمر جبل عليه الانسان خصوصا اذا طالت المدة فلو اشترطنا الذكر والعلم فى كل حادثة لأدى ذلك الى اضاعة كثير من الحقوق. هكذا ذكر الخلاف بين الامام والصاحبين. وقد ذكر خلاف آخر بالنسبة لأخذ القاضى بالشهادة التى عنده فى الديوان والحكم بها فقالوا: اذا رأى القاضى فى ديوانه شهادة شهود أديت عنده على حق ولم يتصل بها القضاء، ثم جاء المشهود له وطلب من القاضى الحكم له بناء على هذه الشهادة المدونة عنده. والقاضى لا يتذكر هذه الشهادة ولا أن أحدا شهد عنده بتلك الشهادة فهل يجوز للقاضى أن يحكم بهذه الشهادة أو لا يجوز؟ قال أبو حنيفة لا يحكم ولأن الحكم انما يبنى على شهادة حقيقية تورث الظن بصحة ما يشهد به الشهود. وهذه ليست كذلك اذ لا يذكرها فهى كالعدم. وقال الصاحبان يحكم، لأن الشهادة محفوظة عنده فى ديوان ويبعد التزوير. فيها. وأما اذا كانت الشهادة مكتوبة فى صك غير محفوظ فى ديوان القاضى، فلا تصح الشهادة بها، ولا يحكم القاضى بها. وكذلك اذا كانت الشهادة مكتوبة فى صك فى يد المدعى والشاهد ينكرها ولا ينكرها عليها خطه وهو يعترف بأنه خطه .. فليس القاضى أن يحكم بتلك الشهادة قولا واحدا. الشروط الخاصة فى الشاهد شروط صحة الأداء التى ترجع لنفس الشاهد وهى خاصة ببعض الموضوعات هى: ١ - الاسلام: اذا كان المشهود عليه مسلما فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم، وتقبل شهادة المسلم على الكافر وشهادة الكفار بعضهم على بعض، سواء اتفقوا فى الدين أو اختلفوا فيه، بشرط أن يكونوا عدولا فى دينهم. وانما لم تقبل شهادة غير المسلم على المسلم، لما فى الشهادة من الولاية اذ هى متى صحت تلزم القاضى بالحكم بها بالحق المتنازع عليه للمدعى على المدعى عليه. وينفذ الحكم جبرا عنه، ولا ولاية لكافر على مسلم. وانما قبلنا شهادة الكفار بعضهم على بعض، لأن الحاجة ماسة الى ذلك، صيانة لحقوقهم من الضياع، لأنهم يتعاملون فى العادة مع بعضهم فى مواضع لا يحضرها

стр. 4164

المسلمون. وتوجد بينهم المنازعات التى تحملهم على التقاضى للفصل فيها، فلو لم تقبل شهادتهم على بعضهم فى معاملاتهم لضاعت حقوقهم وذهبت أموالهم. والمصلحة فى غير ذلك. ٢ - الذكورة فى الشهادة على الحدود والقصاص سواء كان فى النفس أو فيما دونها من الأعضاء لحديث الزهرى «مضت السنة من لدن رسول الله ﷺ والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء فى الحدود والقصاص ولأن الحدود والقصاص تدرأ بالشبهات لحديث «ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم»، وشهادة النساء فيها شبهة البدلية على شهادة الرجال بالنص «فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء» ولما جبلن عليه من السهو والغفلة. وهذا بخلاف الأموال مثلا فان شهادتهن تقبل فيها بالاتفاق، لنص الآية «فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ»﴾. ٣ - الاصالة فى الشهادة على الحدود والقصاص فلا تقبل فيها الشهادة بالنيابة وهى المعبر عنها بالشهادة على الشهادة، لما فيها من الشبهة، اذ شهادة الفروع فيها بدل عن شهادة الأصول، وتعدد الشهادة يورث ضعفا لتعدد مواضع الظن والاحتمال. وهذا بخلاف الأموال وبقية الحقوق غير الحدود والقصاص فانه تقبل فيها الشهادة على الشهادة متى كانت مستوفية شروطها الشرعية وكذا كتاب القاضى الى القاضى. ٤ - تعذر حضور شهود الأصل فى الشهادة على الشهادة فى المواضع التى تقبل فيها الشهادة على الشهادة. ٥ - عدم التقادم فى الشهادة على الحدود ما عدا حد القذف. فان شهدوا بما يوجب حدا كالزنا وشرب الخمر وقد تقادم العهد، ولم يكن للشهود عذر يمنعهم من أداء الشهادة وقتها، كمرض، أو خوف، أو بعد مسافة، أو نحو ذلك لا تقبل شهادتهم للتهمة، لأن الشاهد فى الحدود مخير بين الستر والاظهار، ولا بد أن يختار أحد الأمرين من قريب. فتأخيره الشهادة ان كان لاختيار الستر فالاقدام على الشهادة بعد ذلك يكون لعداوة حركته أو سبب دفعه الى ذلك فيتهم. وان لم يكن التأخير للستر كان فاسقا بالتأخير فوجد المانع من قبول الشهادة فى الحالتين. أما حد القذف فيقبل فيه تأخير الشهادة، لأن فيه حق العبد وهو دفع العار عنه.

стр. 4165

والدعوى فيه شرط للشهادة فيحمل التأخير على تأخر الدعوى. وحد التقادم مفوض لرأى القاضى عند أبى حنيفة. ومقدر بشهر عند محمد. وبستة أشهر عند البعض. وهذا فى غير حد الشرب فان التقادم فيه محدد بزوال رائحة الخمر من الفم. الا فى المسافة البعيدة فيفتقر ولا يعتبر الزوال تقادما وتقبل الشهادة بعده. شروط صحة الأداء فى الشهادة والشروط التى ترجع لنفس الشهادة تنقسم الى قسمين أيضا. ١ - شروط عامة. ٢ - شروط خاصة بأنواع من الشهادات دون غيرها. الشروط العامة فى الشهادة ليس هناك شرط عام فى الشهادة فى جميع الصور والموضوعات الا شرط واحد، وهو لفظ أشهد بصيغة المضارع. وقد جعله فى تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ركنا فى الشهادة. وسواء أكان ركنا أم شرطا فى صحة الشهادة فان النتيجة واحدة. وهى عدم قبول الشهادة بغير هذا اللفظ من الألفاظ كلفظ أعلم أو أتيقن أو أخبر أو نحو ذلك فان هذه الألفاظ وان كانت تؤدى المعنى، الا أن النصوص التى وردت فى شأن طلب الشهادة وجعلها حجة يبنى عليها القضاء نطقت باشتراط لفظ أشهد. قال الله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ» «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله. وقال النبى ﷺ «اذا علمت مثل الشمس فاشهدوا الا فدع» وهكذا وردت النصوص كلها بلفظ الشهادة. الشروط الخاصة فى الشهادة والشروط الخاصة فى الشهادة هى: ١ - أن تكون مسبوقة بالدعوى اذا كانت قائمة على حقوق العباد سواء كانت الدعوى من نفس صاحب الحق أو من نائبه بأنابته هو كالوكيل عنه، أو بانابة الشرع كالولى والوصى لأن الشهادة شرعت لاثبات وقائع الدعوى فلا بد أن تكون هناك دعوى. وأما حقوق الله تعالى فتسمع فيها الشهادة من غير سابقة دعوى، وهى

стр. 4166

الأشياء التى تسمع فيها الشهادة حسبة كما سبقت الاشارة اليه. ٢ - العدد فيما يطلع عليه الرجال كالمداينات والمبايعات والجنايات وموجبات الحدود، لقوله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ»،﴾ وقوله سبحانه «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً» فاشترط العدد فى النصين والموضعين وان كان فى أحدهما يكفى شاهدان، وفى الآخر لا بد من أربعة شهداء. هذا فيما يطلع عليه الرجال. وأما فى غيره كعيوب النساء الباطنة والولادة فالعدد ليس بشرط بل تقبل فيه شهادة امرأة واحدة، والثنتان أحوط كما سيأتى. ٣ - اتفاق الشهادات مع بعضها فيما يشترط فيه العدد، فان حصل اختلاف بينها لم تقبل لأنها اذا اختلفت لم توجد شهادة كاملة على ما وقع فيه الاختلاف، وانما وجد شطر الشهادة فقط، وهو غير كاف فيما يشترط فيه العدد، اذ الشرط وجود شهادة كاملة على كل واقعة من وقائع الدعوى. ثم ان هذا الاتفاق ليس بشرط دائما فى كل الشهادات حتى لو كانت الشهادات باقرارات وحصل بين الشهود اختلاف فى الزمان أو المكان فأنه لا يضر كما سياتى: ٤ - موافقة الشهادة للدعوى فى الموضوعات التى تشترط فيها الدعوى لصحة الشهادة وهى حقوق العباد كما ذكر. فان خالفتها لم تقبل الا أن يوفق المدعى بين الدعوى والشهادة اذا أمكن التوفيق وذلك لأن الشهادة اذا لم توافق الدعوى كانت منفردة عنها، ومقطوعة الصلة بها، وتكون الشهادة بلا دعوى، والشهادة بدون دعوى فيما يشترط فيه الدعوى غير صحيحة ولا معتبرة. ٥ - عدم تكذيب الحس للشهادة، وعدم قيامها على خلاف المتواتر. فلو كذبها الحس لا تقبل لأن الحس يفيد القطع، والشهادة تفيد الظن، والظن لا يعارض القطعى فتكون باطلة كالشهادة التى تقوم على موت شخص وحياته مشاهدة أو على زوال دار وهى قائمة يشهد العيان ببنيانها، وعلى أن فلانا تخصص من قديم الزمان لمنافع القرية الفلانية بينما القرية أنشئت حديثا. وكذلك اذا كانت الشهادة على خلاف المتواتر كما ورد فى الفتاوى المهدية من باب الشهادة. شروط صحة الشهادة فى المشهود به يشترط فى المشهود به شرط واحد وهو أن يكون معلوما وذلك بأن يعرفه

стр. 4167

الشهود فى شهادتهم بأقصى ما يمكن التعريف، وذلك بالاشارة اليه ان كان المدعى به حاضرا فى مجلس القضاء. وان كان غائبا ولا يمكن انتقال القاضى والشهود اليه يحصل التعريف بذكر جنسه ونوعه وصفته وقيمته. وفى العقار يذكر موقعه وحدوده. وذلك لأن شرط القضاء علم القاضى بالمشهود به وهو المدعى به. وعلمه بذلك يكون من الدعوى والشهادة فما لم يعلم لا يمكنه القضاء. شروط مكان الشهادة: يشترط فى المكان شرط واحد وهو أن يكون مجلس القضاء وهو المكان الذى نصب ليجلس فيه القاضى للفصل فى الخصومات بين الناس. فلو أدى الشهادة فى غير هذا المجلس لا تعتبر، ولو كان القاضى حاضرا. أما المحكم فليس له مجلس معين كالقاضى ذو الولاية العامة، بل كل مجلس يحكم فيه فهو مجلس حكمه وقضائه فتسمع فيه الشهادة أمامه. وذلك لأن الشهادة حجة ملزمة، ولا تكون كذلك الا بحكم الحاكم فتختص بمجلسه. ويلحق بشرط المكان ما يتصل بزمان الشهادة. وقد تقدم الكلام فيما اذا أخر الشاهد الشهادة عن وقتها بدون عذر ثم يشهد بها، وهل تقبل، أو لا تقبل، سواء كانت فى حقوق العباد، أو فى شهادة الحسبة فى حقوق الله تعالى. شروط وجوب قبول الشهادة على القاضى: عدالة الشاهد: وما تقدم من الشروط هى شروط صحة أداء الشهادة فاذا توفرت هذه الشروط جميعها كانت الشهادة صحيحة شرعا وجاز للقاضى أن يقبلها ويحكم بها، ويكون حكمه صحيحا وواجب النفاذ شرعا ولكنه يكون آثما فى قبوله هذه الشهادة وحكمه بها ما دام لم ينضم الى الشروط المذكورة شرط العدالة فى الشاهد. فاذا انضم هذا الشرط الى تلك الشروط لا يكون قبوله الشهادة وحكمه بها جائزا مع الاثم أو بدونه. بل يصبح قبولها والحكم بها واجبا عليه وملتزما به شرعا وبدون تأخير للحكم اذا لم يكن هناك. ما يجيز تأخير الحكم مما ذكره الفقهاء. فعدالة الشاهد شرط وجوب قبول الشهادة والحكم بها على القاضى لا شرط صحة الأداء. فالحنفية لا يعتبرون العدالة شرطا فى صحة القضاء ولا فى نفاذه. ويقولون: لو قضى القاضى بشهادة

стр. 4168

فاسق صح قضاؤه ونفذ، لوجود أهلية الشهادة فى الفاسق وهى الولاية، ولكنه يكون آثما أو عاصيا كما عبر البعض. وقيد فى الدر نفاذ القضاء بشهادة الفاسق بأن يغلب على ظن القاضى صدقه. ونقل ابن عابدين فى حاشيته على الدر عن جامع الفتاوى أن القاضى اذا تحرى الصدق فى شهادة الفاسق تقبل، والا فلا. والعدل هو من يجتنب الكبائر ويؤدى الفرائض وتغلب حسناته سيئاته. والأصل فى هذا الباب أن من يرتكب جريمة فان كانت كبيرة سقطت عدالته، الا أن يتوب. وان كانت صغيرة وأصر عليها فكذلك، لأن الصغيرة بالاصرار عليها تكون كبيرة كما قال النبى ﷺ «لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، وان لم يصر عليها لم تسقط عدالته. ثم ان الشرط عند الامام أبى حنيفة هو العدالة الظاهرة فلا يتحرى الا اذا طعن الخصم أو كان الموضوع مما يدرأ بالشبهات. وعند الصاحبين الشرط هو العدالة الحقيقية وهى التى تكون بالتحرى والسؤال عن الشهود ولو لم يطعن الخصم. فلو طعن الخصم أو كان الموضوع مما يدرأ بالشبهات لم تكف العدالة الظاهرة بالاتفاق. أما كون الشاهد غير متصف بما يخل بالمروءة فقد قالوا فيه ان عدم المروءة الذى ليس سببه الفسق فى الدين يختلف باختلاف عادات الناس وأعرافهم فى كل زمان ومكان فيجب الرجوع فى ذلك الى العرف. من تقبل شهادته ومن لا تقبل ذكرنا فيما مضى شروط صحة أداء الشهادة. وواضح أن كل من فقد شرطا من هذه الشروط السابق ذكرها لا تقبل شهادته لأنها تكون شهادة غير صحيحة فلا تقبل، لأن القاضى لا يقبل الا الشهادة الصحيحة. وكذلك لا تقبل شهادة من ليس بعدل لكن لو قبل القاضى شهادته وحكم بمقتضاها نفذ حكمه. لأنها شهادة صحيحة ويأثم القاضى لقبولها والحكم بها كما ذكرنا سابقا. وبما أنه بعد ذكر شروط الصحة يمكن معرفة من لا تقبل شهادته لفقدانها أو فقدان بعض منها. الا أن بعض هذه الشروط يحتاج فى بيان محترزه الى ايضاح وتفصيل وذكر أمثلة كشرط عدم التهمة فى الشهادة وشرط العدالة وشروط أخرى فى محترزاتها نوع خفاء مما يقتضى بعض الايضاح والتفصيل.

стр. 4169

من لا تقبل شهادته للتهمة ينبنى على اشتراط ألا يكون الشاهد متهما فى شهادته أنه لا تقبل شهادة من يأتى ذكرهم: ١ - شهادة الأصل لفرعه، والفرع لأصله، سواء علا الأصل أو سفل، وسواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم. غير أنه يستثنى من ذلك صورة واحدة، وهى ما اذا شهد الجد لابن ابنه على ابنه فانه تقبل شهادته. وذلك لأن اقدامه على الشهادة على ابنه وهو احب الناس اليه دليل صدقه فانتفت التهمة التى هى سبب رد الشهادة. ٢ - شهادة أحد الزوجين للآخر فلا تقبل شهادة الزوج لزوجته ولا الزوجة لزوجها. ويلحق بالزوجية أثرها وهو العدة ولو من حرمة مغلظة كالطلاق الثلاث. ثم ان الزوجية انما تمنع من القضاء بالشهادة لا من صحة تحمل الشهادة، ولا من صحة أدائها. فلو تحمل أحد الزوجين شهادة للآخر والزوجية قائمة وأداها وهى كذلك ولم يردها القاضى وقبل القضاء بهذه الشهادة وحصلت الفرقة بين الزوجين وانقضت العدة. ثم حكم القاضى بمقتضى الشهادة صح الحكم ونفذ، لأنه بنى على شهادة صحيحة فالشرط هنا عدم وجود التهمة لدى الشاهد وقت القضاء فقط. ٣ - شهادة المولى لعبده سواء كان قنا محضا، أو مدبرا، أو مكاتبا، أو أم ولد. وذلك لأن شهادته له شهادة لنفسه من كل وجه اذا لم يكن مدينا، ومن وجه اذا كان مدينا. وشهادة الشخص لنفسه لا تجوز. وهو أيضا متهم فى الشهادة لأنها تجر نفعا له، أو تدفع ضررا عنه. وعدم جواز شهادتهم لسيدهم ظاهر من اشتراط الحرية فى الشاهد ومن وضوح التهمة فيها اذ هم مملوكون له. ٤ - شهادة الشريك لشريكه فيما هو من شركتهما، لأنه يكون شاهدا لنفسه فى البعض فترد شهادته لذلك. والشهادة متى بطل بعضها بطل كلها. فلو شهد أحدهما للآخر فيما ليس من شركتهما قبلت شهادته لعدم التهمة. ومن صور شهادة الشريك ما لو شهدا ان لهما ولفلان على هذا الرجل ألف درهم فانه لا تقبل شهادتهما لأنهما يشهدان لأنفسهما. هذا وهناك مسائل متفرعة على عدم جواز شهادة الشريك لشريكه منها ما يأتى.

стр. 4170

١ - شهدا ان زيدا أوصى بثلث ماله لقبيلة بنى فلان وهما منها صحت الشهادة ولا شئ لهما. (ب) شهدا أنه أوصى لفقراء جيرانه وهما منهم صحت شهادتهما ولا شئ لهما. (ج) شهدا أنه أوصى لفقراء بيته وهما من فقراء البيت لم تصح شهادتهما، ولو كانا غنيين صحت. ووجه الفرق بين هذه الصورة والصورتين قبلها أنه يجوز تخصيص البعض فى الصورتين السابقتين بخلافه فى الثالثة. فلو صحت الشهادة فى الثالثة لاستحقا فى الوصية ولكانا شاهدين لنفسيهما. (د) شهدا أنها صدقة موقوفة على فقراء جيرانه وهما منهم جازت ولو على فقراء قرابته لا تجوز. والفرق أن القرابة لا تزول والجوار يزول فلم تكن شهادة لنفسه لا محالة. (هـ) شهادة الأجير الخاص لمستأجره سواء كان أجيرا مسانهة أو مشاهرة أو مياومة، لأن منافعه مملوكة للمستأجر مدة الاجارة. فاذا شهد فيها وشهادته من منافعه يكون قد أخذ أجرا من مستأجره للمشهود له على شهادتها فلا تقبل لأنه يكون مثل من أخذ أجرا على شهادته. ومن يأخذ أجرا على الشهادة لا تقبل شهادته فكذا من هو مثله. أما الأجير المشترك وهو الذى يعمل للناس كلهم بالأجر كالخياط والحداد، ومن يستأجر على العمل لا على المدة فتقبل شهادته لمن يستأجره، لأن منافعه ليست مملوكة لمستأجره ولذا لا يستحق الأجر الا اذا عمل، بخلاف الأجير الخاص فانه يستحق الأجر بتسليمه نفسه وان لم يعمل، فلا يكون الأجير المشترك كمن يأخذ أجرة على الشهادة. وأما المستأجر فتقبل شهادته للأجير مطلقا لعدم التهمة. ودليل عدم قبول شهادة الاصناف الخمسة المذكورة قول النبى ﷺ «لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته ولا العبد لسيده ولا المولى لعبده ولا الأجير لمن استأجره» ولأن المنافع بين الآباء والأبناء والزوجين متصلة فى العادة فتكون فى شهادة بعضهم لبعض تهمة جر المغنم بها فلم تقبل لذلك. ٦ - شهادة التلميذ الخاص لمعلمه وهو الذى يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه ويأكل معه فى عياله وليس له أجرة معلومة وذلك لأنه متهم فى شهادته فى جره النفع لنفسه. وأما شهادة الاستاذ لتلميذه فمقبولة لعدم التهمة. وليس المراد بالتلميذ تلميذ الدروس
следующие страницы →