الأشياء التى تسمع فيها الشهادة حسبة كما سبقت الاشارة اليه.
٢ - العدد فيما يطلع عليه الرجال كالمداينات والمبايعات والجنايات وموجبات الحدود، لقوله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ»،﴾ وقوله سبحانه «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً» فاشترط العدد فى النصين والموضعين وان كان فى أحدهما يكفى شاهدان، وفى الآخر لا بد من أربعة شهداء.
هذا فيما يطلع عليه الرجال.
وأما فى غيره كعيوب النساء الباطنة والولادة فالعدد ليس بشرط بل تقبل فيه شهادة امرأة واحدة، والثنتان أحوط كما سيأتى.
٣ - اتفاق الشهادات مع بعضها فيما يشترط فيه العدد، فان حصل اختلاف بينها لم تقبل لأنها اذا اختلفت لم توجد شهادة كاملة على ما وقع فيه الاختلاف، وانما وجد شطر الشهادة فقط، وهو غير كاف فيما يشترط فيه العدد، اذ الشرط وجود شهادة كاملة على كل واقعة من وقائع الدعوى.
ثم ان هذا الاتفاق ليس بشرط دائما فى كل الشهادات حتى لو كانت الشهادات باقرارات وحصل بين الشهود اختلاف فى الزمان أو المكان فأنه لا يضر كما سياتى:
٤ - موافقة الشهادة للدعوى فى الموضوعات التى تشترط فيها الدعوى لصحة الشهادة وهى حقوق العباد كما ذكر.
فان خالفتها لم تقبل الا أن يوفق المدعى بين الدعوى والشهادة اذا أمكن التوفيق وذلك لأن الشهادة اذا لم توافق الدعوى كانت منفردة عنها، ومقطوعة الصلة بها، وتكون الشهادة بلا دعوى، والشهادة بدون دعوى فيما يشترط فيه الدعوى غير صحيحة ولا معتبرة.
٥ - عدم تكذيب الحس للشهادة، وعدم قيامها على خلاف المتواتر. فلو كذبها الحس لا تقبل لأن الحس يفيد القطع، والشهادة تفيد الظن، والظن لا يعارض القطعى فتكون باطلة كالشهادة التى تقوم على موت شخص وحياته مشاهدة أو على زوال دار وهى قائمة يشهد العيان ببنيانها، وعلى أن فلانا تخصص من قديم الزمان لمنافع القرية الفلانية بينما القرية أنشئت حديثا.
وكذلك اذا كانت الشهادة على خلاف المتواتر كما ورد فى الفتاوى المهدية من باب الشهادة.
شروط صحة الشهادة فى المشهود به
يشترط فى المشهود به شرط واحد وهو أن يكون معلوما وذلك بأن يعرفه
стр. 4167
الشهود فى شهادتهم بأقصى ما يمكن التعريف، وذلك بالاشارة اليه ان كان المدعى به حاضرا فى مجلس القضاء.
وان كان غائبا ولا يمكن انتقال القاضى والشهود اليه يحصل التعريف بذكر جنسه ونوعه وصفته وقيمته.
وفى العقار يذكر موقعه وحدوده.
وذلك لأن شرط القضاء علم القاضى بالمشهود به وهو المدعى به. وعلمه بذلك يكون من الدعوى والشهادة فما لم يعلم لا يمكنه القضاء.
شروط مكان الشهادة:
يشترط فى المكان شرط واحد وهو أن يكون مجلس القضاء وهو المكان الذى نصب ليجلس فيه القاضى للفصل فى الخصومات بين الناس. فلو أدى الشهادة فى غير هذا المجلس لا تعتبر، ولو كان القاضى حاضرا.
أما المحكم فليس له مجلس معين كالقاضى ذو الولاية العامة، بل كل مجلس يحكم فيه فهو مجلس حكمه وقضائه فتسمع فيه الشهادة أمامه. وذلك لأن الشهادة حجة ملزمة، ولا تكون كذلك الا بحكم الحاكم فتختص بمجلسه.
ويلحق بشرط المكان ما يتصل بزمان الشهادة. وقد تقدم الكلام فيما اذا أخر الشاهد الشهادة عن وقتها بدون عذر ثم يشهد بها، وهل تقبل، أو لا تقبل، سواء كانت فى حقوق العباد، أو فى شهادة الحسبة فى حقوق الله تعالى.
شروط وجوب قبول الشهادة على القاضى:
عدالة الشاهد:
وما تقدم من الشروط هى شروط صحة أداء الشهادة فاذا توفرت هذه الشروط جميعها كانت الشهادة صحيحة شرعا وجاز للقاضى أن يقبلها ويحكم بها، ويكون حكمه صحيحا وواجب النفاذ شرعا ولكنه يكون آثما فى قبوله هذه الشهادة وحكمه بها ما دام لم ينضم الى الشروط المذكورة شرط العدالة فى الشاهد. فاذا انضم هذا الشرط الى تلك الشروط لا يكون قبوله الشهادة وحكمه بها جائزا مع الاثم أو بدونه. بل يصبح قبولها والحكم بها واجبا عليه وملتزما به شرعا وبدون تأخير للحكم اذا لم يكن هناك. ما يجيز تأخير الحكم مما ذكره الفقهاء.
فعدالة الشاهد شرط وجوب قبول الشهادة والحكم بها على القاضى لا شرط صحة الأداء.
فالحنفية لا يعتبرون العدالة شرطا فى صحة القضاء ولا فى نفاذه.
ويقولون: لو قضى القاضى بشهادة
стр. 4168
فاسق صح قضاؤه ونفذ، لوجود أهلية الشهادة فى الفاسق وهى الولاية، ولكنه يكون آثما أو عاصيا كما عبر البعض.
وقيد فى الدر نفاذ القضاء بشهادة الفاسق بأن يغلب على ظن القاضى صدقه.
ونقل ابن عابدين فى حاشيته على الدر عن جامع الفتاوى أن القاضى اذا تحرى الصدق فى شهادة الفاسق تقبل، والا فلا.
والعدل هو من يجتنب الكبائر ويؤدى الفرائض وتغلب حسناته سيئاته.
والأصل فى هذا الباب أن من يرتكب جريمة فان كانت كبيرة سقطت عدالته، الا أن يتوب.
وان كانت صغيرة وأصر عليها فكذلك، لأن الصغيرة بالاصرار عليها تكون كبيرة كما قال النبى ﷺ «لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، وان لم يصر عليها لم تسقط عدالته.
ثم ان الشرط عند الامام أبى حنيفة هو العدالة الظاهرة فلا يتحرى الا اذا طعن الخصم أو كان الموضوع مما يدرأ بالشبهات.
وعند الصاحبين الشرط هو العدالة الحقيقية وهى التى تكون بالتحرى والسؤال عن الشهود ولو لم يطعن الخصم.
فلو طعن الخصم أو كان الموضوع مما يدرأ بالشبهات لم تكف العدالة الظاهرة بالاتفاق.
أما كون الشاهد غير متصف بما يخل بالمروءة فقد قالوا فيه ان عدم المروءة الذى ليس سببه الفسق فى الدين يختلف باختلاف عادات الناس وأعرافهم فى كل زمان ومكان فيجب الرجوع فى ذلك الى العرف.
من تقبل شهادته ومن لا تقبل
ذكرنا فيما مضى شروط صحة أداء الشهادة.
وواضح أن كل من فقد شرطا من هذه الشروط السابق ذكرها لا تقبل شهادته لأنها تكون شهادة غير صحيحة فلا تقبل، لأن القاضى لا يقبل الا الشهادة الصحيحة.
وكذلك لا تقبل شهادة من ليس بعدل لكن لو قبل القاضى شهادته وحكم بمقتضاها نفذ حكمه. لأنها شهادة صحيحة ويأثم القاضى لقبولها والحكم بها كما ذكرنا سابقا.
وبما أنه بعد ذكر شروط الصحة يمكن معرفة من لا تقبل شهادته لفقدانها أو فقدان بعض منها. الا أن بعض هذه الشروط يحتاج فى بيان محترزه الى ايضاح وتفصيل وذكر أمثلة كشرط عدم التهمة فى الشهادة وشرط العدالة وشروط أخرى فى محترزاتها نوع خفاء مما يقتضى بعض الايضاح والتفصيل.
стр. 4169
من لا تقبل شهادته للتهمة
ينبنى على اشتراط ألا يكون الشاهد متهما فى شهادته أنه لا تقبل شهادة من يأتى ذكرهم:
١ - شهادة الأصل لفرعه، والفرع لأصله، سواء علا الأصل أو سفل، وسواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم.
غير أنه يستثنى من ذلك صورة واحدة، وهى ما اذا شهد الجد لابن ابنه على ابنه فانه تقبل شهادته. وذلك لأن اقدامه على الشهادة على ابنه وهو احب الناس اليه دليل صدقه فانتفت التهمة التى هى سبب رد الشهادة.
٢ - شهادة أحد الزوجين للآخر فلا تقبل شهادة الزوج لزوجته ولا الزوجة لزوجها.
ويلحق بالزوجية أثرها وهو العدة ولو من حرمة مغلظة كالطلاق الثلاث.
ثم ان الزوجية انما تمنع من القضاء بالشهادة لا من صحة تحمل الشهادة، ولا من صحة أدائها.
فلو تحمل أحد الزوجين شهادة للآخر والزوجية قائمة وأداها وهى كذلك ولم يردها القاضى وقبل القضاء بهذه الشهادة وحصلت الفرقة بين الزوجين وانقضت العدة. ثم حكم القاضى بمقتضى الشهادة صح الحكم ونفذ، لأنه بنى على شهادة صحيحة فالشرط هنا عدم وجود التهمة لدى الشاهد وقت القضاء فقط.
٣ - شهادة المولى لعبده سواء كان قنا محضا، أو مدبرا، أو مكاتبا، أو أم ولد. وذلك لأن شهادته له شهادة لنفسه من كل وجه اذا لم يكن مدينا، ومن وجه اذا كان مدينا.
وشهادة الشخص لنفسه لا تجوز.
وهو أيضا متهم فى الشهادة لأنها تجر نفعا له، أو تدفع ضررا عنه.
وعدم جواز شهادتهم لسيدهم ظاهر من اشتراط الحرية فى الشاهد ومن وضوح التهمة فيها اذ هم مملوكون له.
٤ - شهادة الشريك لشريكه فيما هو من شركتهما، لأنه يكون شاهدا لنفسه فى البعض فترد شهادته لذلك.
والشهادة متى بطل بعضها بطل كلها.
فلو شهد أحدهما للآخر فيما ليس من شركتهما قبلت شهادته لعدم التهمة.
ومن صور شهادة الشريك ما لو شهدا ان لهما ولفلان على هذا الرجل ألف درهم فانه لا تقبل شهادتهما لأنهما يشهدان لأنفسهما.
هذا وهناك مسائل متفرعة على عدم جواز شهادة الشريك لشريكه منها ما يأتى.
стр. 4170
١ - شهدا ان زيدا أوصى بثلث ماله لقبيلة بنى فلان وهما منها صحت الشهادة ولا شئ لهما.
(ب) شهدا أنه أوصى لفقراء جيرانه وهما منهم صحت شهادتهما ولا شئ لهما.
(ج) شهدا أنه أوصى لفقراء بيته وهما من فقراء البيت لم تصح شهادتهما، ولو كانا غنيين صحت.
ووجه الفرق بين هذه الصورة والصورتين قبلها أنه يجوز تخصيص البعض فى الصورتين السابقتين بخلافه فى الثالثة. فلو صحت الشهادة فى الثالثة لاستحقا فى الوصية ولكانا شاهدين لنفسيهما.
(د) شهدا أنها صدقة موقوفة على فقراء جيرانه وهما منهم جازت ولو على فقراء قرابته لا تجوز.
والفرق أن القرابة لا تزول والجوار يزول فلم تكن شهادة لنفسه لا محالة.
(هـ) شهادة الأجير الخاص لمستأجره سواء كان أجيرا مسانهة أو مشاهرة أو مياومة، لأن منافعه مملوكة للمستأجر مدة الاجارة. فاذا شهد فيها وشهادته من منافعه يكون قد أخذ أجرا من مستأجره للمشهود له على شهادتها فلا تقبل لأنه يكون مثل من أخذ أجرا على شهادته. ومن يأخذ أجرا على الشهادة لا تقبل شهادته فكذا من هو مثله.
أما الأجير المشترك وهو الذى يعمل للناس كلهم بالأجر كالخياط والحداد، ومن يستأجر على العمل لا على المدة فتقبل شهادته لمن يستأجره، لأن منافعه ليست مملوكة لمستأجره ولذا لا يستحق الأجر الا اذا عمل، بخلاف الأجير الخاص فانه يستحق الأجر بتسليمه نفسه وان لم يعمل، فلا يكون الأجير المشترك كمن يأخذ أجرة على الشهادة.
وأما المستأجر فتقبل شهادته للأجير مطلقا لعدم التهمة.
ودليل عدم قبول شهادة الاصناف الخمسة المذكورة قول النبى ﷺ «لا تقبل شهادة الولد لوالده ولا الوالد لولده ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته ولا العبد لسيده ولا المولى لعبده ولا الأجير لمن استأجره» ولأن المنافع بين الآباء والأبناء والزوجين متصلة فى العادة فتكون فى شهادة بعضهم لبعض تهمة جر المغنم بها فلم تقبل لذلك.
٦ - شهادة التلميذ الخاص لمعلمه وهو الذى يعد ضرر أستاذه ضرر نفسه ونفعه نفع نفسه ويأكل معه فى عياله وليس له أجرة معلومة وذلك لأنه متهم فى شهادته فى جره النفع لنفسه.
وأما شهادة الاستاذ لتلميذه فمقبولة لعدم التهمة.
وليس المراد بالتلميذ تلميذ الدروس
стр. 4171
العلمية فقط بل المراد ما يعم تلميذ كل حرفه.
وكذلك من جعل نفسه فى عيال آخر يخدمه ويأكل من أكله بدون أجر معين.
وتمنع بذلك لقول النبى ﷺ لا شهادة للقابع بأهل البيت.
٧ - شهادة العدو على عدوه، لقول النبى ﷺ «لا تجوز شهادة ذى الظنه ولا ذى الاحنة» والظنة التهمة والاحنة الحقد. والمراد العداوة الدنيوية بسبب أمر من أمور الدنيا لا بسبب الدين، والا فقد قبلنا شهادة المسلم على الكافر وبينهما العداوة الدينية.
ويعرف العدو وتعرف العداوة بالعرف.
فاذا اتصف شخص بهذه الصفة لأسباب دنيوية وعلاقات خاصة فلا تقبل شهادته على عدوه.
ولو حكم الحاكم بشهادة العدو لم ينفذ حكمه.
وذلك كشهادة المقذوف على قاذفه.
والمقطوع عليه الطريق على القاطع، والمقتول وليه على القاتل. والمعتدى عليه على المعتدى، والزوج على امرأته بالزنا بعد أن يكون قد قذفها به. لأن العداوة فى ذلك كله وفيما يماثله ويجرى مجراه قد وصلت بين الطرفين الى حد كبير يجعل كلا منهما يضمر لصاحبه العداوة ويتمنى له السوء ويفرح لحزنه ويحزن لفرحه كما قال الله تعالى فى شأن المنافقين مع المؤمنين «ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها» فأظهر تناهى عداوة المنافقين للمؤمنين.
وليس المراد بالعداوة كل خصومة تحصل بين شخص وآخر فى حق من الحقوق.
ثم ان العداوة قد يفسق بها صاحبها، وفى هذه الحالة لا تقبل شهادته مطلقا بالنسبة لجميع الناس.
أما اذا لم يفسق بها فلا تقبل شهادته على عدوه فقط.
ومثل العداوة العصبية فقد صرح فى معين الحكام بأن من موانع الشهادة العصبية. وهى أن يبغض الرجل الرجل، لا لسبب سوى أنه من بنى فلان أو من قبيلة كذا.
٨ - شهادة الصديق لصديقه اذا تناهت الصداقة بينهما الى حد أن يتصرف كل منهما فى مال الآخر كأنه ماله فلا تقبل شهادة أحدهما للآخر للتهمه.
٩ - شهادة الخصم فى الدعوى، لأن الشخص لا يكون خصما وشاهدا.
стр. 4172
والأصل فى ذلك أن كل من صار خصما فى حادثة لا تقبل شهادته فيها.
ومن كان بعرضية أن يصير خصما، ولم ينصب خصما بالفعل تقبل شهادته.
وينبنى على ذلك عدم قبول شهادة وصى الميت بحق للميت.
وعدم قبول شهادة وصى الصغير بحق للصغير.
وعدم قبول شهادة الوكيل بحق للموكل لأن كلا منهم خصم فى الدعوى.
الا أن هناك فرقا بين الوصى والوكيل.
ذلك أن شهادة وصى الميت بحق للميت غير مقبولة مطلقا، سواء كان الحق مالا، أو غيره، كانت الشهادة قبل العزل من الوصايه، أو بعد العزل منها.
وسواء كان المال المشهود به تحت يده أو تحت يد غيره، وذلك لحلوله محل الميت، حتى لا يملك عزل نفسه من الوصاية بدون عزل قاض، فكان كالميت نفسه وتساوت جميع أحواله فى عدم قبول شهادته له.
وأما الوكيل فانه أما وكيل عام أو خاص فى مسألة محدودة كأن يوكله فى قبض مبلغ دين عند شخص ويخاصمه فيه.
وقبل أن يخاصمه لدى القاضى عزله الموكل من الوكالة. وبعد ذلك قامت الخصومة بشأن الدين، وشهد الوكيل به للموكل أمام القاضى، تقبل شهادته.
بخلاف ما لو خاصم الوكيل فى الدين ثم عزله الموكل فان شهادته لا تقبل فى هذه الخصومة ولا فى أى حق ثابت وقت التوكيل.
وتقبل فى الحقوق الحادثة بعد التوكيل.
أما الوكالة العامة كأن يوكله بالخصومة فى كل حق له قبل أى انسان وقبضه.
فان خاصم رجلا فى حق ثم عزله الموكل وأراد أن يشهد فى هذه الخصومة لم تقبل شهادته فى هذا الحق ولا فى غيره مما هو ثابت قبل التوكيل أو يثبت بعده قبل العزل.
أما الحقوق الحادثة بعد العزل فتقبل فيها شهادته.
فالحقوق فى الوكالة العامة كحق واحد اذا خاصم فى بعضها لم يجز له أن يخاصم فيه ولا فى غيره.
١٠ - شهادة الشخص على فعل نفسه، فأنها لا تقبل.
وينبنى على ذلك عدم قبول شهادة الوكلاء والدلالين والصكاكين والمحضرين على ما صدر منهم من أفعال اذا صرحوا أمام القاضى بأنها من فعلهم.
стр. 4173
وكذلك لا تصح شهادة أى شخص بفعل أو عقد صدر منه متى صرح بذلك.
أما اذا لم يصرح بأن المشهود به من عمله فتصح شهادته وتقبل منه، كالوكيل بالنكاح اذا شهد بالزوجية فى خصومة بشأنها أمام القاضى، ولم يزد على ذلك قبلت شهادته.
وان صرح بأنه كان طرفا فى عقد هذا النكاح لا تقبل الشهادة، لأنه يشهد حينئذ على عمله.
من لا تقبل شهادته للفسق:
ذكرنا ما قالوه فى عدالة الشاهد، وأنها شرط وجوب قبول شهادته على القاضى والقضاء بها.
فاذا فقد الشاهد العدالة لم يجز للقاضى أن يقبلها ويحكم بموجبها بل عليه أن يردها، ولكن اذا قبلها وحكم بها نفذ حكمه ولا ينقض لأنه حكم ترتب على شهادة صحيحة، ويأثم لقبوله شهادة الفاسق.
وهذا اذا لم ينص فى قرار تعيينه ومنشوره على عدم قبول شهادة الفاسق.
فأن نص له على ذلك ثم قبلها لم ينفذ حكمه لأن القضاء يتخصص بالزمان والمكان والحادثة والرأى الراجح.
وانما اشترطت العدالة فى الشاهد لقبول شهادته، لأن الشهادة خبر يحتمل الصدق والكذب، والحجة هى الخبر الصادق، وبالعدالة يترجح جانب الصدق على جانب الكذب.
وبناء على اشتراط العدالة لا تقبل شهادة من يأتى:
(أ) من يدمن شرب المسكر سواء كان خمرا أم غيره.
فلو اتهم بأنه شرب مرة فى بيته ولم يثبت أنه مدمن للشرب لم يرفض القاضى شهادته، لأن شرط الحكم بالفسق وزوال العدالة ظهور الفسق، ولا ظهور بلا أدمان.
(ب) من يأتى بابا من الكبائر التى يتعلق بها الحد كالزنا والسرقة وقطع الطريق.
(ج) من يأكل الربا ويشتهر بذلك بين الناس.
(د) من يأكل مال اليتيم وان لم يحصل ذلك منه الا مرة واحدة.
(هـ) من يقامر بالنرد أو الشطرنج أولا يقامر بهما ولكن تفوته الصلاة بالاشتغال بهما.
(و) من يفعل ما يخل بالمروءة فان ترك المروءة مسقط للعدالة. وهى أن لا يأتى الانسان بما يعتذر منه مما يبخسه عن مرتبته عند أهل الفضل.
стр. 4174
وقد سبقت الاشارة الى أن ما يخل بالمروءة أن كان سببه الفسق فى الدين والخروج على احكامه فهو مسقط للعدالة قطعا.
وان كان سببه شيئا آخر غير الفسق فى الدين. فان المرجع فيه وفى اعتباره مخالفا ومسقطا للعدالة العرف، لأنه يختلف باختلاف عادات الناس وأعرافهم فى كل زمان ومكان.
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير للامام الدردير (١) وحاشية الدسوقى عليه: عن حكم الشهادة وشروطها ومن تقبل شهادته ومن لا تقبل ما يأتى:
حكم الشهادة.
قال: والتحمل للشهادة ان افتقر اليه أى احتيج اليه بأن خيف ضياع الحق من مال أو غيره - فرض كفاية اذ لو تركه الجميع لضاع الحق، ويتعين بما يتعين به فرض الكفاية بأن لم يوجد من يقوم به غيره. وظاهر الكلام ولو فاسقا عند التحمل اذ قد يحسن حاله عند الأداء أو لا يقدح فيه الخصم والعبرة بوقت الأداء.
ويجوز للمتحمل أن ينتفع على التحمل الذى هو فرض كفاية.
أما الذى يتعين فيه التحمل فلا يجوز الانتفاع عليه.
وأما الأداء فلا يجوز الانتفاع عليه مطلقا.
واذا لم يفتقر الى التحمل ولم يحتج اليه بأن كان لا يترتب على ترك التحمل ضياع حق فلا يكون فرض كفاية، بل قد يكون حراما كتحمل شهادة الزنا اذا كان عدد الشهود أقل من أربعة.
وقد يكون جائزا كرؤية هلال لم يتوقف عليه حكم شرعى.
ويتعين الأداء على المتحمل، أى اعلام الحاكم أو جماعة المسلمين بما تحققه من مسافة بين المتحمل ومحل الأداء كبريدين وهى أربعة وعشرون ميلا.
كما يتعين الأداء على شاهد ثالث ان لم يكتف بشهادة الشاهدين قبله عنند الحاكم لاتهامهما بما يمنع من قبول شهادتهما، كعداوة، أو قرابة، أو عدم عدالة، أو نحو ذلك، فيتعين حينئذ على الشاهد الثالث ممن تحملوا الشهادة أن يؤدى شهادته عند الحاكم محافظة على الحق من الضياع.
وكذا يتعين على رابع وخامس حتى يثبت الحق.
стр. 4175
ومن باب أولى ليس لأحد الاثنين أن يمتنع عن الشهادة، أو يقول لصاحب الحق احلف مع الشاهد الآخر ويقضى لك بشاهد ويمين.
وان امتنع من تعين عليه الأداء من أداء الشهادة الا أن يأخذ شيئا من المشهود له ينتفع به فانه يكون جرحا يمنع من قبول شهادته شرعا.
وكذلك لو أخذ شيئا بدون امتناع عن أداء الشهادة لأنه معصية اذ هو رشوة فى نظير أداء واجب عليه.
واذا بعدت المسافة بين مكان الشاهد ومحل الأداء وعسر عليه المشى ولم تكن له دابة يركبها يجوز أن يأخذ من المشهود له أجرة دابة يركبها أو يركب دابة المشهود له ولا يعد ذلك رشوة تجرح الشاهد وتمنع من قبول شهادته ..
واذا كان الشاهد موسرا هل يلزمه أن يكرى لنفسه دابة يركبها ولا يأخذ من المشهود له أجرة دابة يركبها - أو لا يلزمه ذلك ويأخذ من المشهود له أجرة دابة يركبها، أو يركب دابة المشهود له؟ رأيان، واستظهروا الأول.
واذا كانت المسافة بين محل الشاهد ومحل الأداء مسافة قصر لا يجب على الشاهد المتحمل أن يسافر الى محل أداء الشهادة.
ويجوز للشاهد فى هذه الحالة أن ينتفع من المشهود له بدابة يركبها أو بأجرة دابة وبنفقة له ولأهل بيته مدة ذهابه وايابه بلا تحديد ويجوز فى هذه الحالة أن يؤدى الشاهد شهادته عند قاضى بلده، وينقل قاضى بلده الشهادة الى القاضى المختص الذى على مسافة القصر يكتب بها اليه انهاء.
أو تنقل تلك الشهادة من هذا الشاهد بأن يؤديها عند رجلين ينقلانها عنه ويؤديانها عند القاضى الذى على مسافة القصر.
شروط الشهادة:
وانما تصح الشهادة من العدل، وهو فى عرف الفقهاء.
حر عند الأداء، فلا تصح شهادة الرقيق، أو من فيه شائبة رق.
ويصح التحمل من الرقيق ويؤدى وهو حر وان يكون مسلما فلا تصح شهادة الكافر ولو على مثله.
ويصح التحمل من الكافر ويؤدى وهو مسلم.
وأن يكون عاقلا حال التحمل والأداء معا.
بالغا عند الأداء فلو تحمل صبيا جاز ان كان ضابطا، ويؤدى وهو بالغ، فلا تصح شهادة الصبيان الا على بعضهم فى الجراح، ولا تجوز على غيرهم.
وانما تجوز بينهم فى الجراح وحدها قبل أن يتفرقوا ويعلموا ويجيئوا، فان
стр. 4176
افترقوا فلا شهادة لهم، الا أن يكونوا قد أشهدوا على شهادتهم قبل أن يتفرقوا
غير فاسق. بجارحة، وغير محجور عليه للسفه، فلا تصح الشهادة من فاسق، ولا مجهول الحال، ولا من سفيه محجور عليه.
غير مبتدع. وان تأول، فلا تصح شهادة البدعى، كالقدرى القائل بتأثير القدرة الحادثة، ولا الخارجى الذى يكفر بالذنوب.
وان كان متأولا فى ابتداعه أو خروجه.
غير مرتكب كبيرة ولو باطنية كالغل والحسد والكبر والرياء. وهو تفسير لعدم الفسق أى لم يفسق بالباطن ولا بالجوارح الظاهرة فلم يتصف بذلك أصلا، لا حال التحمل، ولا حال الأداء، أو حال الأداء فقط.
ولم يباشر كثير كذب. وهو ما زاد على الواحدة فى السنة، وهذا اذا لم يترتب على الكذب فساد أو ضرر.
فان ترتب عليه شئ من ذلك يمتنع القليل منه. وهو الواحدة أيضا.
ولم يرتكب صغيرة خسة - كسرقة لقمة، لدلالة ذلك على الدناءة فلا تقبل شهادته.
ولم يباشر سفاهة أى مجونا بأن يكثر الدعابة والهزل - ولم يلعب بنرد.
فان باشره ردت شهادته ولو لم يداوم عليه ولو كان من غير قمار وكذلك لعب الطاب والسيجة والمنقلة.
وأن يكون ذا مروءة - يترك غير اللائق كلعب الحمام مع المداومة عليه.
وبدون مقامرة اذ المقامرة به كبيرة.
وكسماع الغناء بغير آلة فانه مكروه اذا لم يكن بكلام قبيح ولم يحمل على قبيح كالتعلق بامرأة مثلا ولم يكن بآلة والا حرم فى ذلك كله.
ولا يباشر حرفة دنيئة كالدباغة والحجامة الا لضرورة.
ولا يداوم على لعب الشطرنج - فان ذلك كله يخل بالمروءة فلا تقبل الشهادة.
وان كان أعمى فتقبل شهادته فى قول، خلافا لأبى حنيفة والشافعى.
وتقبل شهادته فى الأقوال مطلقا، سواء تحملها قبل العمى أو بعده، لضبطه الأقوال بسمعه.
خلافا للحنفية حيث قالوا: لا تقبل شهادته فيها مطلقا.
стр. 4177
وقال الشافعى تجوز شهادته فيها بما تحمله من الأقوال قبل العمى.
وأما الأفعال المرئية فلا تجوز شهادته فيها مطلقا على المذهب، علمها قبل العمى أو بعده.
أو أصم غير أعمى لأن الأصم غير الأعمى يضبط الافعال ببصره، دون الاقوال، فانه يتوقف ضبطها على السمع، وهو معدوم منه فلا تقبل شهادته فى الأقوال، ما لم يكن سمعها قبل الصمم والا جاز.
وأما الأعمى الأصم فلا تقبل شهادته ولا يعامل.
وألا يكون مغفلا - فالمغفل لا تقبل شهادته الا فيما لا يلتبس من الأمور، ولا يختلط أى فى البديهيات كرأيت هذا يقطع يد هذا أو يأخذ ماله.
ولا يجوز للشاهد أن يتحمل الشهادة ولا أن يؤديها الا على من يعرفه بنسبه أو بذاته وعينه وأوصافه.
قال فى الشرح الكبير: ولا يشهد على من لا يعرف نسبه حين الأداء أو التحمل، وكذا من له نسب معروف، ولكنه يشترط فيه مع الغير كمن له بنتان زينب وفاطمة يعرفان نسبهما ولا يعرفان ذاتهما ولا يميزان بينهما.
لا يشهدان على نسبه، وانما يشهدان عليه بذاته وأوصافه، ان كان يعرف بذلك، وكان المشهود عليه يتعين بهذا النوع من التعيين كأن يقول الشاهد: أشهد أن لزيد دينا على عمرو الذى صفته كذا وكذا، أو يقول: أشهد أن المرأة فلانة التى صفتها كيت وكيت تزوجها أو طلقها فلان.
ولا يجوز تحمل الشهادة على امرأة منتقبة حتى تكشف عن وجهها ليؤدوا الشهادة على عينها وصفتها اذا كانوا لا يعرفونها بنسبها، أو يعرفونها به، ولكنها اشتركت فيه مع الغير ..
وان قالوا: أشهدتنا وهى منتقبة ونحن نعرفها كذلك على هذا الحال قبل كلامهم، وعليهم أن يعينوها ويخرجوها من بين نسوة تختلط بهن، فان أخرجوها قبلت شهادتهم، وان لم يخرجوها لم تقبل، ويضمنون ما شهدوا به عليها، لأنه بمنزلة الرجوع عن الشهادة.
وقيل لا ضمان عليهم، لأنهم معذورون فى الجملة.
وجاز لمن تحمل شهادة على امرأة معروفة النسب ثم نسيها - أن يؤدى الشهادة عليها أن حصل له العلم بها بعد ذلك بسؤال شاهدين، أو باخبار رجل، أو امرأة أو لفيف من الناس ..
وان حصل له العلم بشهادة شاهدين شهدا عنده بأنها المرأة التى تحمل عليها - فلا يؤدى الشهادة عليها فى تعرفها
стр. 4178
الا بالنقل عن هذين الشاهدين، وحينئذ لا بد أن ينضم اليه شاهد آخر فى أداء الشهادة عليها فى التعرف، ولا بد أن يقول شاهدا التعريف له وللآخر أشهد على شهادتنا.
وهذا اذا شاركاه فى علم ما يشهد به.
وجازت الشهادة بسماع فشا أى انتشر واشتهر أى يجوز الاعتماد فى الشهادة على السماع اذا انتشر وشاع أمره.
ولا يشترط أن يذكر فى شهادته أنه لا يزال يسمع من الثقات ومن غيرهم. بل لو قال: لم أزل أسمع من الثقات أن هذه الدار حبس ووقف أو ملك لفلان يكفى.
وقيل: لا بد من ذكر السماع من الثقات وغيرهم بأن يقول: سمعت سماعا فاشيا من العدول وغيرهم أن هذه الدار وقف أو ملك لفلان، والا لا يكفى.
وشهادة السماع انما جازت للضرورة على خلاف الأصل، لأن الأصل أن الانسان لا يشهد الا بما تدركه حواسه.
وتكون شهادة السماع فى الاملاك وغيرها.
من تقبل شهادته (١) ومن لا تقبل:
لا تقبل شهادة الأصل وان علا لفرعه وان نزل.
فلا تقبل شهادة أب ولا أم لولدها، وان ولد ملاعنة، لصحة استلحاقه، ولا شهادة الجد والجدة لولد الولد.
وكذلك لا تقبل شهادة أزواج الأصول للفروع - كزوجة الأب لا تشهد لربيبها أى ولد زوجها. وزوج الأم لا يشهد لربيبه أى لولد زوجته.
ولا تقبل شهادة الفروع وان نزلوا لأصولهم وان علوا.
فلا يشهد الولد لأبيه ولا لأمه ولا للجد أو الجدة.
وكذا لا تقبل شهادة أزواج الفروع للأصول كزوج البنت لا يشهد لأبوى زوجته.
وزوجة الابن لا تشهد لأبوى زوجها.
وأما شهادة زوج المرأة لأخوتها وشهادة زوجة الرجل لاخوته فجائزة.
ولا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر للتهمة المانعة من قبول الشهادة فيما ذكر كله.
وتقبل شهادة الأخ لأخيه أن برز الشاهد فى عدالته أى كان ظاهرا فيها وفاق أخوانه فيها، ولم يكن فى عيال المشهود له والا لم تقبل للتهمة.
ويشترط أن لا تكون الشهادة فى قصاص
стр. 4179
لأن الحمية فى القصاص تدفعه الى التجاوز فى الشهادة.
ويجوز للأخ أن يعدل أخاه.
وقيل لا يجوز التعديل، لأنه يشرف بتعديل أخيه فيجر تعديله نفعا له فلا تقبل.
وتجوز شهادة الأجير لمن استأجره أن برز فى العدالة، ولم يكن فى عيال المشهود له.
وتجوز شهادة العتيق لمن أعتقه أن برز العتيق فى العدالة، ولم يكن فى عيال المعتق.
أما شهادة المعتق لعتيقه فتقبل وان لم يكن مبرزا فى العدالة.
وتقبل شهادة الصديق لصديقه، ولو كان بينهما ملاطفة وهو الذى يسره ما يسر صديقه ويضره ما يضره، بشرط أن يكون الشاهد مبرزا فى العدالة وليس فى عيال المشهود له.
أما شهادة الشريك لشريكه فهو على ثلاثة أقسام.
مردودة، وغير جائزة مطلقا سواء كان مبرزا فى العدالة أو غير مبرز وهى شهادة الشريك لشريكه فيما فيه الشركة.
سواء كانت الشركة فى معين كالدابة أو غير معين كشركة التجارة وذلك لتضمنها الشهادة لنفسه ومقبولة بشرط أن يكون الشاهد مبرزا فى العدالة وهى شهادة الشريك لشريكه فى التجارة مفاوضة فى غير ما فيه الشركة.
ومقبولة مطلقا سواء كان الشاهد مبرزا فى العدالة أو لم يكن. وهى شهادة الشريك لشريكه فى معين كالدابة فيما ليس من شركتهما.
وتقبل الشهادة بالزيادة والنقصان على ما شهد به أولا بالتفصيل الآتى:
اذا شهد أولا بعشرة ادعاها المدعى، ثم شهد بعد ذلك بأقل من العشرة، بثمانية مثلا، فان شهادته بها تقبل ان كان مبرزا فى العدالة، سواء حكم بلزوم العشرة التى شهد بها أولا أو لم يحكم، الا أنه ان شهد ثانيا بأقل مما شهد به أولا، وكانت الشهادة الثانية قبل الحكم بالأولى، فالأمر ظاهر.
وان كانت بعد الحكم بما شهد به أولا كانت بمنزلة الرجوع عن الشهادة الأولى.
وحينئذ فيغرم الشاهد ما نقصه للمشهود عليه ولا ينقض الحكم.
وان زاد فى شهادته الثانية عما شهد به أولا بأن شهد بخمسة عشر بعد أن كان قد شهد بعشرة، فان شهادته الثانية بالزيادة تقبل سواء حكم بما شهد به أولا، أو لم يحكم بشرط أن يكون مبرزا فى العدالة، وسواء كانت شهادته الأولى بالعشرة مطابقة لدعوى المدعى أو غير مطابقة.
غير أنه اذا كانت مطالبة للدعوى فلا يأخذ
стр. 4180
المدعى الزيادة التى شهد بها ثانيا، لعدم دعواه لها.
أما اذا لم يكن مبرزا فى العدالة فان شهادته تبطل كلها.
أما اذا خالف الشاهد الدعوى بالزيادة أو بالنقص ابتداء دون رجوع فى الشهادة كما لو ادعى المدعى عشرة فشهد له الشاهد ابتداء بخمسة عشر. فيحلف المدعى على العشرة التى ادعاها ويأخذها، ولا يقضى له بالخمسة الزائدة التى شهد بها الشاهد لعدم ادعائه اياها ..
واذا ادعى عشرة فشهد له الشاهد ابتداء بثمانية فيحلف على طبق شهادة الشاهد أى على ثمانية ويستحق الثمانية.
ثم ان أقام شاهدا آخر بالباقى وهو اثنان حلف مع هذا الشاهد وأخذ الزيادة، والا فلا.
ولا يشترط تبرز الشاهد فى العدالة فى هاتين الصورتين.
ومن سئل عن شهادته فقال: لا أدرى أولا علم عندى، ثم تذكر وشهد بما تذكر تقبل شهادته أن كان مبرزا فى العدالة.
وتقبل شهادة من الأب والأم لأحد ولديه على الآخر.
وكذلك شهادة الولد لأحد أبويه على الآخر. لأن الاقدام على الشهادة على أحد الولدين فى الأولى، وعلى أحد الأبوين فى الثانية دليل على انتفاء التهمة فى الشهادة للولد الآخر فى الأولى، والوالد الآخر فى الثانية.
ولا تقبل شهادة العدو على عدوه عداوة دنيوية، ولا على ابن العدو، ولا شهادة ابن العدو على عدو أبيه.
ولو كانت العداوة الدنيوية بين مسلم وكافر فلا تجوز شهادة المسلم على الكافر اذا كانت بينهما عداوة دنيوية.
أما شهادة الكافر على المسلم فلا تجوز مطلقا.
ويجب على الشاهد أن يبين للقاضى ما بينه وبين المشهود له أو عليه من قرابة أو عداوة، ليسلم من التدليس، وليتبين القاضى الأمر على حقيقته، فيقبل الشهادة أو يردها طبقا لحكم الشرع.
ولا تقبل شهادة من ردت شهادته لسبب فيما رد فيه بعد زوال السبب، بأن أدى شهادته فردت لفسق، أو صبا، أو رق، أو كفر، فلما زال المانع بأن تاب الفاسق وبلغ الصبى، أو عتق الرقيق، أو أسلم الكافر - عاد فأدى الشهادة لا تقبل منه لاتهامه بالحرص على قبول شهادته عند زوال المانع لما جبل عليه الطبع البشرى من دفع المعرة الحاصلة بالرد.
стр. 4181
ولذا لو أدى الشهادة وبه المانع، ولكن لم يحكم القاضى برد الشهادة وبقى الأمر معلقا حتى زال المانع، فعاد بعد زواله لأداء الشهادة تقبل منه، لعدم وجود معرة بينهم بالحرص على ازالتها بقبول الشهادة.
ولا تقبل شهادة من يتهم بالحرص على مشاركة غيره له فى معرته لتهون عليه كشهادة ولد الزنا فى الزنا.
ولا شهادة من حد لسكر أو زنا أو قذف فى مثل ما حد فيه. وتقبل فى غيره كمن حد لشرب فشهد بقذف تقبل.
ولا من خاصم المشهود عليه فيما يشهد به سواء كان فى حقوق الله أو فى حقوق العباد لاتهامه بالحرص على قبول شهادته بدلالة المخاصمة.
ولا من رفع شهادته للحاكم بدون طلب صاحب الحق. وذلك فى حقوق العباد المحضة.
أما فى حقوق الله تعالى فتجب الشهادة ولو من غير طلب كالعتق والطلاق والوقف والرضاع ..
أما فى الحدود فانه يتخير بين الشهادة والترك للستر. والستر أولى ..
والحرص على تحمل الشهادة لا يقدح فى الشاهد، ولا يمنع من قبول شهادته، لأن الأمر أمر المحافظة على الحق بخلاف الأداء.
ولا تقبل شهادة من يستبعد منه أن يشهد بمثلها كشهادة بدوى فى الحضر لحضرى على حضرى بدين أو بيع أو شراء ونحو ذلك مما يستبعد حضور البدوى فيه دون الحضرى، بخلاف ماذا سمع البدوى الحضرى يقر بشئ لحضرى آخر أو رآه يفعل بحضرى أمرا كغصب أو ضرب فانه لا يستبعد فتقبل شهادته فيه ..
ولا تقبل شهادة من يشهد لنفسه أو يجر بشهادته نفعا لنفسه أو يدفع بها ضررا عن نفسه.
وان حدث للشاهد فسق بعد أداء الشهادة وقبل الحكم بها لا تقبل الشهادة ولا يحكم بها، لأن العدالة شرط القضاء والحكم بالشهادة.
وان حدث الفسق بعد الحكم مضى ولا ينقض.
ولا تقبل شهادة من يأخذ الرشوة، ولا من يتعصب لبنى فلان أو لجنس دون جنس.
كذلك من يلعب فى يوم النيروز وهو أول السنة القبطية ويحتفل به.
ومن يماطل فى الحق بدون حق ولا سبب.
ولا من يحلف بالطلاق والعتاق، لأنه من يمين الفساق.
стр. 4182
ومن يسكن فى دار مغصوبة أو مع شريب خمر.
مذهب الشافعية:
حكم الشهادة:
تحمل (١) الشهادة فرض كفاية فى النكاح لتوقف انعقاده عليه، ولو امتنع الجميع أثموا، وكذا الاقرار والتصرف المالى وغيره كعتق وطلاق ورجعة. وغيرها التحمل فيه فرض كفاية .. الا الحدود وكتابة الصك التحمل فيها فرض كفاية فى الأصح، للحاجة اليه لتمهيد اثبات الحقوق عند التنازع.
والثانى المنع لصحتها بدونه.
واذا لم يكن فى القضية الا اثنان لزمهما الأداء لقوله تعالى «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا».
فلو أدى واحد وامتنع الآخر بلا عذر وقال للمدعى: احلف معه عصى .. وان كان فى الواقعة شهود فالأداء فرض كفاية فان شهد منهم اثنان فذاك والا أثموا.
فلو طلب الأداء من اثنين لزمهما فى الأصح.
وان لم يكن الا واحد لزمه الأداء اذا دعى له ان كان فيما يثبت بشاهد ويمين.
والا فلا.
وقيل لا يلزم الأداء الا من تحمل قصدا لا اتفاقا لأنه لم يوجد منه التزام.
شروط وجوب أداء الشهادة
لوجوب أداء الشهادة شروط هى:
أولها: أن يدعى من مسافة العدوى فأقل للحاجة الى الاثبات وتعذره بالشهادة على الشهادة لعدم قبولها حينئذ.
فان دعى لما فوقها لم يجب للضرورة.
واستثنى الماوردى ما اذا لم يعتد المشى ولا مركوب، وهو ممن يستنكر الركوب فى حقه، فلا يلزم الأداء حينئذ.
وخرج بقوله يدعى - ما اذا لم يطلب فلا يلزمه الأداء الا فى شهادة حسبة فيلزمه فورا ازالة للمنكر.
стр. 4183
وقيل أن يدعى من دون مسافة القصر لأنه فى حكم الحاضر .. أما اذا دعى من مسافة القصر فلا تجب الاجابة جزما.
نعم بحث الأذرعى وجوبه اذا دعاه الحاكم وهو فى عمله أو الامام الأعظم مستدلا بفعل عمر رضى الله عنه. واستدلاله أنما يتم من الامام دون غيره والفرق بينهما ظاهر.
ثانيها: أن يكون عدلا - فان دعى ذو فسق مجمع عليه ظاهر أو خفى لم يجب عليه الأداء لأنه عبث بل يحرم عليه وان خفى فسقه لأنه يحمل الحاكم على حكم باطل.
وعن ابن عبد السّلام جوازه وهو ظاهر ان انحصر خلاص الحق فيه ..
وصرح الماوردى بموافقة ابن عبد السّلام فى الخفى لأن فى قبوله خلافا.
قيل او مختلف فيه كشرب مالا يسكر من النبيذ لم يجب الأداء، لأنه يعرض نفسه لرد القاضى له بما يعتقده الشاهد غير قادح.
والأصح أنه يلزمه وان اعتقد هو أنه مفسق، لأن الحاكم قد يقبله، سواء أكان ممن يرى التفسيق ورد الشهادة به أم لا فقد يتغير اجتهاده ويرى قبولها وقضية التعليل عدم اللزوم اذا كان القاضى مقلدا لمن يفسق بذلك. وهو طاهر ..
وقد يمنع بأنه يجوز أن يقلد غير مقلده ..
وأجيب بأن اعتبار مثل هذا بعيد.
ولو كان مع المجمع على فسقه عدل لم يلزمه الأداء الا فيما يثبت بشاهد ويمين اذ لا فائدة له فيما عداه.
ويجوز للعدل أن يشهد بما يعلم أن القاضى يرتب عليه ما لا يعتقده هو كبيع عند من يرى اثبات الشفعة للجار وان كان هو لا يراها أو شهد بتزويج صغيرة بولى غير مجبر عند من يراه والشاهد لا يرى ذلك وان لم يقلد.
ويجوز له تحمل ذلك ولو قصدا. نعم لا يجوز له أن يشهد بصحة أو باستحقاق ما يعتقد فساده، ولا أن يتسبب فى وقوعه الا ان قلد القائل بذلك.
ثالثها: ألا يكون معذورا بمرض ونحوه من كل عذر مرخص فى ترك الجماعة.
فان كان معذورا بذلك أشهد على شهادته أو بعث القاضى من يسمعها دفعا للمشقة عنه ..
وأفهم الاقتصار على هذه الثلاثة عدم اشتراط زيادة عليها. فيلزمه الأداء عند نحو أمير وقاض فاسق لم تصح توليته ان تعين وصول الحق لمستحقه طريقا
стр. 4184
له أو عند قاض متعنت أو جائر أى لم يخش منه على نفسه كما هو واضح.
ولو قال لى عند فلان شهادة وهو ممتنع من أدائها من غير عذر لم يجبه، لاعترافه بفسقه، بخلاف ما اذا لم يقل من غير عذر لاحتماله.
ويتعين على المؤدى لفظ أشهد فلا يكفى مرادفه لأنه أبلغ فى الظهور ..
ولو عرف الشاهد السبب كالأقرار فهل له أن يشهد بالاستحقاق أو الملك؟. فيه وجهان.
أحدهما: لا. قال ابن أبى الدم: أنه الأشهر.
وثانيهما نعم وبه صرح ابن الصباغ وغيره، وهو مقتضى كلامهما، وهو الأوجه.
ولو شهد واحد شهادة صحيحة فقال الآخر أشهد بما أو بمثل ما شهد به لم يكف حتى يقول مثل ما قال، ويستوفيها لفظا كالأول، لأنه موضع أداء لا حكاية، وقد عمت البلوى بخلافه لجهل أكثر الحكام.
قال جمع ولا يكفى أشهد بما وضعت به خطى ولا بمضمونه ونحو ذلك مما فيه اجمال وابهام ولو من عالم ويوافقه قول ابن عبد السّلام واعتمده الاذرعى وغيره.
ولا يكفى قول القاضى اشهدوا على بما وضعت به خطى.
لكن فى فتاوى البغوى ما يقتضى الاكتفاء بذلك فيما قبل الأخيرة اذا عرف الشاهد والقاضى ما تضمنه الكتاب ويقاس به الأخيرة.
بل قال جمع ان عمل كثير على الاكتفاء بذلك فى الجميع ولا نعم لمن قال أشهد عليك بما نسب اليك فى هذا الكتاب، الا أن قيل له ذلك بعد قراءته عليه وهو يسمعه وكذا المقر، نعم ان قال أعلم بما فيه وأنا مقر به كفى.
وأفتى ابن عبد السّلام بجواز الشهادة على المكس أى من غير أخذ شئ منه، اذا قصد به ضبط الحقوق، لترد لأربابها، ان وقع عدل.
ويكفى قول شاهد النكاح: أشهد، أنى حضرت العقد أو حضرته وأشهد به.
ولو قالا لا شهادة لنا فى كذا ثم شهدا فى زمن يحتمل وقوع التحمل فيه لم يؤثر والا أثر.
ولو قال لا شهادة لى على فلان ثم قال كنت نسيت أتجه قبولها حيث اشتهرت ديانته.
стр. 4185
شروط تحمل الشهادة وأدائها:
لا يجوز تحمل الشهادة وأداؤها الا عن علم.
والدليل عليه قوله تعالى. ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (١).
وقوله تعالى «إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ»﴾. فأمر الله تعالى أن يشهد عن علم ..
وروى طاووس عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الشهادة فقال: وهل ترى الشمس؟ قال نعم قال: فعلى مثلها فاشهد أودع.
وان كانت الشهادة على فعل كالجناية والغصب والزنا والسرقة والرضاع والولادة وغيرها مما يدرك بالعين لم تجز الشهادة به الا عن مشاهدة، لأنها لا تعلم الا بها.
وان كانت الشهادة على عورة ووقع بصره عليها من غير قصد جاز أن يشهد بما شاهد.
وان أراد أن يقصد النظر ليشهد، فالمنصوص عليه أنه يجوز، وهو قول أبى اسحاق المروزى، لأن أبا بكرة ونافعا وشبل بن معبد شهدوا على المغيرة بالزنا عند عمر رضى الله عنه فلم ينكر عمر ولا غيره نظرهم.
وقال أبو سعيد الاصطخرى: لا يجوز أن يقصد النظر لأنه فى الزنا مندوب الى الستر، وفى الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء فلا حاجة بالرجال الى النظر للشهادة.
ومن أصحابنا من قال يجوز فى الزنا وغيره، لأن الزنا هتك حرمة الله تعالى بالزنا، فجاز أن تهتك حرمته بالنظر الى عورته وفى غير الزنا لم يوجد من المشهود عليه هتك حرمة فلم يجز هتك حرمته.
ومنهم من قال: يجوز فى غير الزنا ولا يجوز فى الزنا، لأن حد الزنا بنى على الدرء والاسقاط، فلا يجوز أن يتوصل الى اثباته بالنظر. وغيره لم يبن على الدرء والاسقاط فجاز أن يتوصل الى اثباته بالنظر.
وان كانت الشهادة على قول كالبيع والنكاح والطلاق والاقرار لم يجز التحمل فيها الا بسماع القول ومشاهدة القائل، لأنه لا يحصل العلم بذلك الا بالسماع والمشاهدة.
стр. 4186
وان كانت الشهادة على ما لا يعلم الا بالخبر. وهو ثلاثة: النسب والملك والموت جاز أن يشهد فيه بالاستفاضة فان استفاض فى الناس أن فلانا ابن فلان أو أن فلانا هاشمى أو أموى جاز أن يشهد به، لأن سبب النسب لا يدرك بالمشاهدة.
وان استفاض فى الناس أن هذه الدار أو هذا العبد لفلان جاز أن يشهد به، لأن أسباب الملك لا تضبط فجاز أن يشهد فيه بالاستفاضة.
وان استفاض أن فلانا مات جاز أن يشهد به، لأن أسباب الموت كثيرة، منها خفية، ومنها ظاهرة ويتعذر الوقوف عليها ..
وفى عدد الاستفاضة وجهان:
أحدهما وهو قول الشيخ أبى حامد الاسفرايينى رحمه الله تعالى أن أقله أن يسمع من اثنين عدلين، لأن ذلك بينة.
والثانى وهو قول أقضى القضاة أبى الحسن الماوردى رحمه الله تعالى أنه لا يثبت الا بعدد يقع العلم بخبرهم، لأن مادون ذلك من أخبار الآحاد فلا يقع العلم من جهتهم.
فان سمع انسانا يقر بنسب أب أو ابن فان صدقه المقر له جاز له أن يشهد به، لأنه شهادة على اقرار، وان كذبه
المقر له لم يجز له أن يشهد به، لأنه لم يثبت النسب. وان سكت فله أن يشهد به، لأن السكوت فى النسب رضا بدليل أنه اذا بشر بولد فسكت عن نفيه لحقه نسبه.
ومن أصحابنا من قال: لا يشهد حتى ينكر الاقرار به مع السكوت.
وان رأى شيئا فى يد انسان مدة يسيرة جاز أن يشهد له باليد، ولا يشهد له بالملك.
وان رآه فى يده مدة طويلة يتصرف فيه.
جاز أن يشهد له باليد، وهل يجوز أن يشهد له بالملك؟ فيه وجهان:
أحدهما وهو قول أبى سعيد الاصطخرى رحمه الله تعالى: أنه يجوز، لأن اليد والتصرف يدلان على الملك.
والثانى وهو قول أبى اسحاق رحمه الله تعالى: أنه لا يجوز أن يشهد له بالملك، لأنه قد تكون اليد والتصرف عن ملك، وقد تكون عن اجارة، أو وكالة، أو غصب، فلا يجوز أن يشهد له بالملك مع الاحتمال.
واختلف أصحابنا فى النكاح والعتق والوقف والولاء.
стр. 4187
فقال أبو سعيد الاصطخرى ﵀ يجوز أن يشهد فيها بالاستفاضة، لأنه يعرف بالاستفاضة أن عائشة رضى الله تعالى عنها زوجة النبى ﷺ ، وأن نافعا مولى ابن عمر رضى الله عنه.
وقال أبو اسحاق ﵀: لا يجوز، لأنه عقد، فلا يجوز أن يشهد فيه بالاستفاضة كالبيع.
ويجوز أن يكون الأعمى شاهدا فيما يثبت بالاستفاضة لأن طريق العلم به السماع، والأعمى كالبصير فى السماع.
ويجوز أن يكون شاهدا فى الترجمة، لأنه يفسر ما سمعه بحضرة الحاكم وسماعه كسماع البصير.
ولا يجوز أن يكون شاهدا على الأفعال، كالقتل والغصب والزنا، لأن طريق العلم بها البصر.
ولا يجوز أن يكون شاهدا على الأقوال كالبيع والاقرار والنكاح والطلاق اذا كان المشهود عليه خارجا عن يده ..
وحكى عن المزنى رحمه الله تعالى أنه قال: يجوز أن يكون شاهدا فيما اذا عرف الصوت.
ووجهه أنه اذا جاز أن يروى الحديث اذا عرف المحدث بالصوت ويستمتع بالزوجة اذا عرفها بالصوت جاز أن يشهد اذا عرف المشهود عليه بالصوت.
وهذا خطأ لأن من شروط الشهادة العلم .. وبالصوت لا يحصل له العلم بالمتكلم، لأن الصوت يشبه الصوت ..
ويخالف رواية الحديث الاستمتاع بالزوجة، لأن ذلك يجوز بالظن وهو خبر الواحد ..
وأما اذا جاء رجل وترك فمه على أذنه وطلق أو أعتق أو أقر، ويد الأعمى على رأس الرجل فضبطه الى أن حضر عند الحاكم فشهد عليه بما سمعه منه قبلت شهادته، لأنه يشهد عن علم.
وان تحمل الشهادة على فعل أو قول وهو بصير، ثم عمى نظرت.
فان كان لا يعرف المشهود عليه الا بالعين وهو خارج عن يده لم تقبل شهادته عليه، لأنه لا علم له بمن يشهد عليه.
وان تحمل الشهادة ويده فى يده وهو بصير ثم عمى ولم تفارق يده يده حتى حضر الى الحاكم وشهد عليه قبلت شهادته، لأنه يشهد عليه عن علم.
стр. 4188
وان تحمل بشهادة على رجل يعرفه بالاسم والنسب، وهو بصير، ثم عمى قبلت شهادته، لأنه يشهد على من يعلمه.
ومن شهد بالنكاح ذكر شروطه، لأن الناس يختلفون فى شروطه فوجب ذكرها فى الشهادة.
وان رهن رجل عبدا عند رجل بألف، ثم زاده ألفا آخر، وجعل العين رهنا بهما، وأشهد الشهود على نفسه أن العين رهن بألفين وعلم الشهود حال الرهن فى الباطن.
فان كانوا يعتقدون أنه لا يجوز الحاق الزيادة بالدين فى الرهن لم يجز أن يشهدوا الا بما جرى الأمر عليه فى الباطن.
وان كانوا يعتقدون أنه يجوز الحاق الزيادة بالدين فى الرهن ففيه وجهان.
أحدهما يجوز أن يشهدوا بأن العين رهن بألفين، لأنهم يعتقدون أنهم صادقون فى ذلك.
والثانى أنه لا يجوز أن يشهدوا الا بذكر ما جرى عليه الأمر فى الباطن لأن الاعتبار فى الحكم باجتهاد الحاكم دون الشهود.
ومن شهد بالرضاع وصف الرضاع وأنه ارتضع الصبى من ثديها أو من لبن حلب منها خمس رضعات متفرقات فى حولين لاختلاف الناس فى شروط الرضاع.
فان شهد أنه ابنها من الرضاع لم تقبل، لأن الناس يختلفون فيما يصير به ابنا من الرضاع.
وان رأى امرأة أخذت صبيا تحت ثيابها وأرضعته لم يجز أن يشهد بالرضاع، لأنه يجوز أن يكون قد أعدت شيئا فيه لبن من غيرها على هيئة الثدى فرأى الصبى يمص فظنه ثديها.
ومن شهد بالجناية ذكر صفتها.
فان قال: ضربه بالسيف فمات أو قال ضربه بالسيف فوجدته ميتا لم يثبت القتل بشهادته لجواز أن يكون مات من غير ضربه.
وان قال: ضربه بالسيف فمات منه أو ضربه فقتله ثبت القتل بشهادته.
وان قال ضربه بالسيف فانهر دمه فمات مكانه ثبت القتل بشهادته على المنصوص، لأنه اذا أنهر دمه فمات علم أنه مات من ضربه.
فان قال ضربه فأوضح أو قال ضربه
стр. 4189
بالسيف فوجد منه موضحا لم تثبت الموضحة بشهادته.
وان قال ضربه فأوضحه ثبتت الموضحة بشهادته لأنه أضاف الموضحة اليه.
وان قال: ضربه فسال دمه لم تثبت الدامية بالشهادة، لجواز أن يكون سيلان الدم من غير الضرب.
وان قال ضربه فأسال دمه ومات قبلت شهادته فى الدامية، لأنه أضافها اليه، ولا تقبل فى الموت لأنه يحتمل أن يكون الموت من غيره.
وان قال ضربه بالسيف فأوضحه فوجدت فى رأسه موضحتان، لم يجز القصاص، لأنا لا نعلم على أى الموضحتين شهد.
ويجب أرش موضحة لأن الجهل بعينها ليس بجهل لأنه قد أوضحه.
ومن شهد بالزنا ذكر الزانى ومن زنى بها لأنه قد يراه على بهيمة فيعتقد أن ذلك زنا، والحاكم لا يعتقد أن ذلك زنا أو يراه على زوجته أو جارية ابنه فيظن أنه زنا.
ويذكر صفة الزنا فان لم يذكر أنه أولج ذكره فى فرجها لم يحكم به لأن زيادا لما شهد على المغيرة عند عمر رضى الله عنه ولم يذكر ذلك لم يقم الحد على المغيرة.
فان لم يذكر الشهود ذلك سألهم الامام عنه.
فان شهد ثلاثة بالزنا ووصفوا الزنا وشهد الرابع ولم يذكر الزنا لم يجب الحد على المشهود عليه لأن البينة لم تستكمل ولم يحد الرابع حد القذف، لأنه لم يشهد بالزنا.
وهل يجب الحد على الثلاثة؟. فيه قولان.
وان شهد أربعة بالزنا، وفسر ثلاثة منهم الزنا، وفسر الرابع بما ليس بزنا لم يحد المشهود عليه، لأنه لم تكتمل البينة، ويجب الحد على الرابع قولا واحدا لأنه قذفه بالزنا ثم ذكر ما ليس بزنا.
وهل يحد الثلاثة على القولين؟
فان شهد أربعة بالزنا ومات واحد منهم قبل أن يفسر وفسر الباقون بالزنا لم يجب عليه الحد على المشهود عليه لجواز أن يكون ما شهد به الرابع ليس بزنا.
ولا يجب على الشهود الباقين الحد، لجواز أن يكون ما شهد به الرابع زنا فلا يجب الحد مع الاحتمال.
стр. 4190
ومن شهد بالسرقة ذكر السارق والمسروق منه والحرز والنصاب وصفة السرقة، لأن الحكم يختلف باختلافها فوجب ذكرها.
ومن شهد بالردة بين ما سمع منه لاختلاف الناس فيما يصير به مرتدا فلم يجز الحكم قبل البيان كما لا يحكم بالشهادة على جرح المشهود قبل بيان الجرح.
وهل يجوز للحاكم أن يعرض للشهود بالتوقف فى الشهادة فى حدود الله تعالى فيه وجهان.
أحدهما أنه لا يجوز، لأن فيه قدحا فى الشهود.
والثانى أنه يجوز لأن عمر رضى الله تعالى عنه عرض لزياد فى شهادته على المغيرة فروى أنه قال: أرجو ألا يفضح الله تعالى على يديك أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولأنه يجوز أن يعرض للمقر بالتوقف فجاز أن يعرض للشاهد.
شروط الشاهد:
جاء فى مغنى المحتاج (١): وشروط الشاهد أن يكون مسلما ولو بالتبعية فلا تقبل شهادة الكافر لا على مسلم ولا على كافر مثله.
خلافا لأبى حنيفة فى قبوله شهادة الكافر على الكافر.
وخلافا لأحمد فى قبوله شهادة الكافر على المسلم فى الوصية فى السفر، وذلك لقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» والكافر ليس بعدل وليس منا. ولأنه أفسق الفساق ويكذب على الله تعالى فلا يؤمن الكذب منه على خلقه.
وأن يكون حرا ولو بالدار. فلا تقبل شهادة رقيق خلافا لأحمد ولو مبعضا أو مكاتبا لأن أداء الشهادة فيه معنى الولاية وهو مسلوب منها.
وأن يكون مكلفا فلا تقبل شهادة مجنون بالاجماع ولا شهادة صبى، لقوله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ»﴾.
والصبى ليس من الرجال.
وأن يكون عدلا. فلا تقبل الشهادة من فاسق لقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ»
وأن يكون ذا مروءة وهى الاستقامة، لأن من لا مروءة له لا حياء له ومن لا حياء له قال ما شاء، لقوله ﷺ «اذا لم تستح فاصنع ما شئت».
стр. 4191
وغير متهم فى شهادة لقوله تعالى «ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ، وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا» والريبة حاصلة بالتهم.
ولما روى الحاكم أن النبى ﷺ قال: لا تجوز شهادة ذى الظنة ولا ذى الأحنة والظنة التهمة والأحنة العداوة.
وأن يكون ناطقا فلا تقبل شهادة الأخرس وان فهمت اشارته.
وأن يكون يقظا كما قاله صاحب التنبيه والجرجانى وغيرهم.
وأن لا يكون محجورا عليه لسفه.
من تقبل شهادته ومن لا تقبل
جاء فى المهذب (١): ولا تقبل شهادة الصبى.
ولا شهادة المغفل الذى يكثر منه الغلط، لأنه لا يؤمن أن يغلط فى شهادته.
وتقبل الشهادة ممن يقل منه الغلط لأن أحدا لا ينفك من الغلط.
واختلف أصحابنا فى شهادة الأخرس.
فمنهم من قال تقبل، لأن اشارته كعبارة الناطق فى نكاحه وطلاقه فكذلك فى الشهادة.
ومنهم من قال لا تقبل لأن اشارته أقيمت مقام العبارة فى موضع الضرورة وهو فى النكاح والطلاق لأنها لا تستفاد الا من جهته ولا ضرورة بنا الى شهادته، لأنها تصح من غيره بالنطق فلا تجوز باشارته ..
ولا تقبل شهادة العبد ولا الكافر ولا الفاسق.
فان ارتكب كبيرة كالغصب والسرقة والقذف وشرب الخمر فسق وردت شهادته سواء فعل ذلك مرة أو تكرر منه.
والدليل على ذلك قول الله تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ»﴾.
وما روى عن النبى ﷺ من قوله - لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذى غمز على أخيه فورد النص فى القذف والزنا وقسنا عليهما سائر الكبائر. وأن تجنب الكبائر وأرتكب الصغائر فان كان ذلك نادرا لم يفسق ولم ترد شهادته.
وان كان ذلك غالبا فى أفعاله فسق ورد فى شهادته، لأنه لا يمكن رد شهادته بالقليل من الصغائر، لأنه لا يوجد من يمحض الطاعة ولا يخلطها بمعصية.
стр. 4192
ولا تقبل شهادة من لا مروءة له كالقوال والرقاص ومن يأكل فى الأسواق ويمشى مكشوف الرأس فى موضع لاعادة له فى كشف الرأس فيه، لأن من ترك المروءة لم يؤمن أن يشهد بالزور.
واختلف أصحابنا فى أصحاب الصنائع الدنيئة اذا حسنت طريقتهم فى الدين كالكناس والزبال والنخال والحجام والمقيم بالحمام.
فمنهم من قال لا تقبل شهادتهم لدناءتهم ونقصان مروءتهم.
ومنهم من قال: تقبل شهادتهم لقوله تعالى «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ» ولأن هذه صناعات مباحة بالناس اليها حاجة فلم ترد بها الشهادة ..
ويكره اللعب بالشطرنج لأنه لعب لا ينتفع به فى الدين ولا تدعو اليه حاجة، ولا يحرم لأنه روى أن بعض الصحابة وبعض التابعين كان يلعبه.
ومن لعبه من غير عوض ولم يترك فرضا ولا مروءة لم ترد شهادته.
ومن لعبه على مال فان كان المال من الطرفين يأخذه الغالب كان قمارا تسقط به العدالة وترد به الشهادة لقوله تعالى:
«إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ» والميسر القمار.
وان كان المال من طرف واحد فلا يكون قمارا ولا ترد به الشهادة ولكن لا يجوز بذل العوض فيه. وان اشتغل به عن الصلاة فى وقتها فان لم يكثر ذلك لم ترد به الشهادة وان كثر ردت به.
وان ترك فيه المروءة بأن لعب به على الطريق أو تكلم فى لعبه بما يسخف من الكلام أو اشتغل به بالليل والنهار ردت شهادته لترك المروءة.
ويحرم اللعب بالنرد وترد به الشهادة.
وقال أبو اسحاق هو كالشطرنج.
وهو خطأ لقول النبى ﷺ من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله.
ويجوز اتخاذ الحمام وحكمه فى رد الشهادة كحكم الشطرنج.
ومن شرب قليلا من النبيذ لم يفسق ولم ترد شهادته.
ومن أصحابنا من قال: ان كان يعتقد تحريمه فسق وردت شهادته.
والمذهب الأول، لأن استحلال الشئ أعظم من فعله.
ويكره الغناء وسماعه من غير آلة مطربة، لما روى ابن مسعود أن النبى صلى الله عليه
стр. 4193
وسلم قال: الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت الماء البقل.
ولا يحرم لما روت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت: كان عندى جاريتان تغنيان فدخل أبو بكر رضى الله تعالى عنه فقال: مزمار الشيطان فى بيت رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ دعهما فانها أيام عيد.
فان غنى لنفسه أو سمع غناء جاريته ولم يكثر منه لم ترد شهادته - أما اذا أكثر من الغناء أو اتخذه صنعة يغشاه الناس للسماع.
أو يدعى الى المواضع ليغنى ردت شهادته لأنه سفه وترك للمروءة.
وكذا اذا اتخذ جارية ليجمع الناس لسماعها.
وأما الحداء فهو مباح.
ويحرم استعمال الآلات التى تطرب من غير غناء كالعود والطنبور والمعزفة والطبل والمزمار
ويجوز ضرب الدف فى العرس والختان دون غيرها.
وما قيل بكراهته واباحته فهو كالشطرنج فى رد الشهادة وقد تقدم حكمه.
ومن شهد بالزور فسق وردت شهادته، لأنها من الكبائر لقول النبى ﷺ عدلت شهادة الزور الا شرك بالله ثلاث مرات، وقوله: شاهد الزور لا يزول قدماه حتى يتبوأ مقعده من النار:
والخطأ فى الشهادة ليس من شهادة الزور.
ولا تقبل شهادة من يجر لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضررا بشهادته .. لقول النبى ﷺ «لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذى احنة - والظنين المتهم - والجار الى نفسه نفعا والدافع عنها ضررا متهمان.
فان شهد المولى لمكاتبه لم تقبل، لأنه يثبت لنفسه حقا، لأن مال المكاتب يتعلق به حق المولى.
وان شهد الوصى لليتيم والوكيل للموكل فيما فوض النظر فيه اليه لم تقبل، لأنهما يثبتان لأنفسهما حق المطالبة والتصرف.
وان وكله فى شئ ثم عزله لم يشهد فيما كان النظر فيه اليه.
فان كان قد خاصم فيه لم تقبل شهادته
وان لم يكن قد خاصم فيه ففيه وجهان.
أحدهما تقبل، لأنه لا يلحقه تهمة.
стр. 4194
والثانى لا تقبل، لأنه بعقد الوكالة يملك الخصومة فيه ..
وان شهد الغريم لمن له عليه دين، وهو محجور عليه بالفلس، لم تقبل شهادته، لأنه يتعلق حقه بما يثبت له بشهادته ..
وان شهد له لمن له عليه دين وهو موسر قبلت شهادته، لأنه لا يتعين حقه فيما شهد به.
وان شهد له وهو معسر قبل الحجر ففيه وجهان.
أحدهما لا تقبل، لأنه يثبت له حق المطالبة.
والثانى تقبل، لأنه لا يتعلق بما يشهد له به حق.
ولا تقبل شهادة الوالدين للأولاد وإن سفلوا.
ولا شهادة الأولاد للوالدين وإن علوا.
وقال المزنى وأبو ثور تقبل. ووجهه قوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ»﴾.
فعمم ولم يخصص ولأنهم كغيرهم فى العدالة فكانوا كغيرهم فى الشهادة. وهذا خطأ، لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذى أحنة. والظنين المتهم.
وهذا متهم لأنه يميل اليه ميل الطبع - وقد وردت الأحاديث بما يدل على أن الولد بضعة من الوالد. والآية نخصها بما ورد فى ذلك.
وكونه كغيره فى العدالة يبطل بعدم قبول شهادته لنفسه مع أنه كغيره فى العدالة.
وتقبل شهادة أحدهما على الآخر فى جميع الحقوق.
ومن أصحابنا من قال: لا تقبل شهادة الولد على الوالد فى إيجاب القصاص وحد القذف لأنه لا يلزمه القصاص بقتله ولا حد القذف بقذفه فلا يلزمه ذلك بقوله.
والمذهب الأول، لأنه إنما ردت شهادته له للتهمة ولا تهمة فى شهادته عليه ..
ومن عدا الوالدين والأولاد من الأقارب كالأخ والعم وغيرهما تقبل شهادة بعضهم لبعض لأنه لم يجعل نفس أحدهما لنفس الآخر فى العتق ولا ماله كماله فى النفقة.
وان شهد (١) رجلان على رجل أنه جرح أخاهما وهما وارثاه قبل الاندمال لم تقبل
стр. 4195
لأنه قد يسرى الى نفسه، فيجب الدم به لهما.
وان شهدا له بمال وهو مريض ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبى اسحاق:
أنه لا تقبل شهادتهما، لأنهما متهمان لأنه قد يموت فيكون المال لهما، فلم تقبل، كما لو شهدا بالجراحة.
والثانى وهو قول أبى الطيب بن سلمة:
أنه تقبل، لأن الحق يثبت للمريض، ثم ينتقل بالموت اليهما، وفى الجنابة اذا وجبت الدية وجبت لهما، لأنها تجب بموته فلم تقبل.
وان شهدا له بالجراحة وهناك ابن قبلت شهادتهما، لأنهما غير متهمين.
وان مات الابن وصار الاخوان وارثين نظرت.
فان مات الابن بعد الحكم بشهادتهما لم تسقط الشهادة، لأنه حكم بها.
وان مات قبل الحكم بشهادتهما سقطت الشهادة كما لو فسقا قبل الحكم.
وان شهد المولى على غريم مكاتبه، والوصى على غريم الصبى، أو الوكيل على غريم الموكل بالابراء من الدين، أو بفسق شهود الدين، لم تقبل الشهادة لأنه دفع بالشهادة عن نفسه ضررا، وهو حق المطالبة.
وان شهد شاهدان من عاقلة القاتل بفسق شهود القتل.
فان كانا موسرين لم تقبل شهادتهما، لأنهما يدفعان بهذه الشهادة عن أنفسهما ضررا وهو الدية.
وان كانا فقيرين فقد قال الشافعى رضى الله تعالى عنه ردت شهادتهما.
وقال فى موضع آخر: اذا كان من أباعد العصبات بحيث لا يصل العقل اليهما حتى يموت من قبلهما قبلت شهادتهما.
فمن أصحابنا من نقل جواب أحداهما الى الأخرى وجعلهما على قولين.
أحدهما أنه تقبل، لأنهما فى الحال لا يحملان العقل.
والثانى أنه لا تقبل، لأنه قد يموت القريب قبل الحول ويوسر الفقير فيصيران من العاقلة.
ومنهم من حملهما على ظاهرهما فقال:
تقبل شهادة الأباعد، ولا تقبل شهادة القريب الفقير، لأن القريب معدود فى العاقلة واليسار يعتبر عند الحول، وربما يصير موسرا عند الحول، والبعيد غير معدود فى العاقلة، وانما يصير من العاقلة اذا مات الأقرب.
وتقبل شهادة أحد الزوجين للآخر ولا تقبل شهادة الزوج على الزوجة فى الزنا لأن شهادته دعوى خيانة فى حقه فلم تقبل كشهادة المودع على المودع بالخيانة فى الوديعة، ولأنه خصم لها فيما يشهد به فلم تقبل.
стр. 4196
ولا تقبل شهادة العدو على عدوه لقوله ﷺ : لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذى أحنة وذو الاحنة هو العدو ولأنه متهم فى شهادته بسبب منهى عنه، فلم تقبل شهادته.
ومن ردت شهادته (١) بمعصية فتاب قبلت شهادته، لقول الله ﵎:
«وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ ٢ تابُوا»﴾.
والتوبة توبتان، توبة فى الباطن، وتوبة فى الظاهر.
فأما التوبة فى الباطن فهى ما بينه وبين الله فينظر فى المعصية فان لم يتعلق بها مظلمة لآدمى ولا حد لله تعالى كالاستمتاع بالأجنبية فيما دون الفرج منها فالتوبة منها أن يقلع عنها ويندم على ما فعل ويعزم على أن لا يعود الى مثلها والدليل عليه قول الله «وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ» (٣).
فان تعلق بها حق آدمى فالتوبة منها أن يقلع عنها ويندم على ما فعل ويعزم على أن لا يعود الى مثلها وأن يبرأ من حق الآدمى أما أن يؤديه أو يسأله حتى يبرئه منه، لما روى ابراهيم النخعى أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه رأى رجلا يصلى مع النساء فضربه بالدرة، فقال الرجل والله لئن كنت أحسنت فقد ظلمتنى، وان كنت أسأت فما علمتنى، فقال عمر اقتص قال: لا أقتص، قال فاعف قال لا أعفو فافترقا على ذلك ثم لقيه عمر من الغد فتغير لون عمر، فقال له الرجل يا أمير المؤمنين أرى ما كان منى قد أسرع فيك قال أجل قال فأشهد أنى قد عفوت عنك.
وان لم يقدر على صاحب الحق نوى أنه ان قدر أوفاه حقه وان تعلق بالمعصية حد لله تعالى كحد الزنا والشرب.
فان لم يظهر ذلك، فالأولى أن يستره على نفسه، لقوله ﵊
стр. 4197
من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله تعالى.
فان أبدى لنا صفحته أقمنا عليه حد الله.
وان أظهره لم يأثم، لأن ما عزا والغامدية اعترفا عند رسول الله ﷺ بالزنا فرجمهما، ولم ينكر عليهما.
وأما التوبة فى الظاهر، وهى التى تعود بها العدالة والولاية، وقبول الشهادة فينظر فى المعصية.
فان كانت فعلا كالزنا والسرقة لم يحكم بصحة التوبة، حتى يصلح عمله مدة، لقول الله ﵎ «إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا»﴾.
وقدر أصحابنا المدة بسنة، لأنه لا تظهر صحة التوبة فى مدة قريبة، فكانت أولى المدد بالتقدير سنة، لأنه تمر فيها الفصول الأربعة التى تهيج فيها الطبائع، وتغير فيها الاحوال.
وأن كانت المعصية بالقول.
فان كانت ردة فالتوبة منها، أن يظهر الشهادتين.
وان كانت قذفا فقد قال الشافعى رحمه الله تعالى: التوبة منه اكذابه نفسه.
واختلف أصحابنا فيه.
فقال أبو سعيد الاصطخرى رحمه الله تعالى هو أن يقول: كذبت فيما قلت، ولا أعود الى مثله.
ووجهه ما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: توبة القاذف اكذابه نفسه.
وقال أبو اسحاق وأبو على بن أبى هريرة رضى الله تعالى عنهما: هو أن يقول:
قذفى له كان باطلا، ولا يقول: أنى كنت كاذبا لجواز أن يكون صادقا فيصير بتكذيبه نفسه عاصيا كما كان بقذفه عاصيا.
ولا تصح التوبة منه الا باصلاح العمل على ما ذكرناه فى الزنا والسرقة.
فاما اذا شهد عليه بالزنا ولم يتم العدد.
فان قلنا أنه لا يجب عليه الحد فهو على عدالته، ولا يحتاج الى التوبة.
وان قلنا أنه يجب عليه الحد وجبت التوبة، وهو أن يقول ندمت على ما فعلت، ولا أعود الى ما أتهم به.
فاذا قال هذا عادت عدالته، ولا يشترط فيه اصلاح العمل، لأن عمر
стр. 4198
رضى الله عنه قال لأبى بكرة تب أقبل شهادتك.
وان لم يتب لم تقبل شهادته، ويقبل خبره لأن أبا بكرة ردت شهادته وقبلت أخباره.
وان كانت معصية بشهادة زور فالتوبة منها أن يقول كذبت فيما قلت ولا أعود الى مثله.
ويشترط فى صحة توبته اصلاح العمل على ما ذكرناه.
وأن شهد صبى أو عبد أو كافر لم تقبل شهادته.
فان بلغ الصبى، أو أعتق العبد، أو أسلم الكافر، وأعاد تلك الشهادة، لم تقبل.
وقال المزنى وأبو ثور رحمهما الله تعالى تقبل، كما تقبل من الصبى اذا بلغ، والعبد اذا أعتق، والكافر اذا أسلم.
وهذا خطأ، لأن هؤلاء لا عار عليهم فى رد شهادتهم، فلا يلحقهم تهمة فى اعادة الشهادة بعد الكمال، والفاسق عليه عار فى رد شهادته فلا يؤمن أن يظهر التوبة لازالة العار، فلا تنفك شهادته من التهمة.
وأن شهد المولى لمكاتبه بمال فردت شهادته، ثم أدى المكاتب مال الكتابة وعتق، وأعاد المولى الشهادة له بالمال فقد قال: أبو العباس فيه وجهان:
أحدهما: أنه تقبل لأن شهادته لم ترد بمعرة.
وانما ردت لأنه ينسب لنفسه حقا بشهادته وقد زال هذا المعنى بالعتق.
والثانى أنها لا تقبل وهو الصحيح، لأنه ردت شهادته للتهمة، فلم تقبل اذا أعادها، كالفاسق اذا ردت شهادته، ثم تاب، وأعاد الشهادة.
وأن شهد رجل على رجل أنه قذفه وزوجته فردت شهادته، ثم عفا عن قذفه وحسنت الحال بينهما، ثم أعاد الشهادة للزوجة، لم تقبل شهادته، لأنها شهادة ردت للتهمة، فلم تقبل وان زالت التهمة، كالفاسق اذا ردت شهادته ثم تاب وأعاد الشهادة.
وان شهد لرجل أخوان له بجراحة لم تندمل، وهما وارثان له فردت شهادتهما، ثم اندملت الجراحة فأعاد الشهادة ففيه وجهان.
أحدهما أنه تقبل، لأنها ردت للتهمة وقد زالت التهمة.
والثانى وهو قول أبى اسحاق وظاهر المذهب أنها لا تقبل لأنها شهادة ردت
стр. 4199
للتهمة فلم تقبل كالفاسق اذا ردت شهادته ثم تاب وأعاد.
مذهب الحنابلة:
تعريف الشهادة وحكمها:
الشهادة هى الاخبار بما علمه بلفظ خاص وهى حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه.
وتطلق على التحمل والأداء.
وتحملها فى غير حق الله تعالى فرض كفاية.
واذا تحملها وجبت كتابتها، ويتأكد ذلك فى حق ردئ الحفظ.
وأداؤها فرض عين.
وان قام بالفرض فى الحمل والأداء اثنان سقط عن الجميع.
وان امتنع الكل أثموا جميعا.
شروط وجوب التحمل والأداء.
ويشترط فى وجوب التحمل والأداء أن يدعى اليهما من تقبل شهادته ويقدر عليهما بلا ضرر يلحقه فى بدنه أو ماله أو أهله أو عرضه. ولا تبذل فى التزكية.
ويختص الاداء بمجلس الحكم.
ومن تحملها أو رأى فعلا أو سمع قولا بحق لزمه أداؤها على القريب والبعيد فيما دون مسافة القصر. والنسب وغيره سواء.
ولو أدى شاهد وأبى الآخر وقال للمدعى - احلف أنت بدلى - أثم.
ولو دعى فاسق الى تحملها فله الحضور ولو مع وجود غيره، لأن التحمل لا يعتبر له العدالة.
ومن شهد مع ظهور فسقه لم يعذر، لأنه لا يمنع صدقه فدل أنه لا يحرم أداء الفاسق ولا يضمن.
ويسن الاشهاد فى كل عقد سوى النكاح فان الاشهاد فيه واجب.
ما يعتبر فى الشهادة
ويحرم أخذ أجرة وجعل عليها تحملا وأداء ولو لم تتعين عليه.
ولكن أن عجز عن المشى أو تأذى به فله أخذ أجرة مركوب من رب الشهادة.
стр. 4200
وفى الرعاية: وكذا مزك ومعرف ومترجم ومفت ومقيم حد وقود. وحافظ مال بيت المال ومحتسب والخليفة. ولا يقيمها على مسلم بقتل كافر.
ويباح لمن عنده شهادة بحد لله تعالى اقامتها من غير تقدم دعوى ولا تستحب.
ولا تجوز الشهادة بحد قديم.
وللحاكم أن يعرض للشهود بالوقف عنها فى حق الله تعالى كتعريضه للمقر ليرجع.
ومن عنده شهادة لآدمى يعلمها لم يقمها حتى يسأله ولا يقدح فيه كشهادة حسبة، ويقيمها بطلبه ولو لم يطلبها حاكم ونحوه، فان لم يعلمها استحب له اعلامه، فان سأله أقامها ولو لم يطلبها حاكم، ويحرم كتمانها.
ولا يجوز للشاهد أن يشهد الا بما يعلمه برؤية أو سماع غالبا، لجوازه ببقية الحواس قليلا.
فالرؤية تختص بالافعال كالقتل والغصب والسرقة وشرب الخمر والرضاع والولادة ونحو ذلك.
فان جهل حاضرا جاز أن يشهد فى حضرته لمعرفة عينه.
وان كان غائبا فعرفه ممن يسكن اليه جاز أن يشهد ولو على امرأة.
وان لم تتعين معرفتها لم يشهد مع غيبتها.
ويجوز أن يشهد على عينها اذا عرف عينها ونظر الى وجهها.
وقال أحمد لا يشهد على امرأة حتى ينظر الى وجهها.
وهذا محمول على الشهادة على من لم يتيقن معرفتها.
فأما من تيقن معرفتها وعرف صوتها يقينا فيجوز.
وقال أحمد أيضا: لا يشهد على امرأة الا باذن زوجها.
وهذا يحتمل أنه لا يدخل عليها بيتها الا باذن زوجها.
ولا تعتبر اشارته الى المشهود عليه الحاضر مع نسبه ووصفه.
وان شهد باقرار لم يعتبر ذكر سببه كباستحقاق مال. ولا قوله طوعا فى صحته مكلفا عملا بالظاهر.
стр. 4201
وان شهد بسبب يوجب الحق أو استحقاق غيره - ذكره.
والسماع ضربان: سماع من المشهود عليه كالطلاق والعتاق والاقرار والابراء والعقود وحكم الحاكم وانفاذه ونحوها.
فيلزمه أن يشهد بها على من سمعه وان لم يشهده به لاستحقاقه أو مع العلم به
واذا قال المتحاسبان: لا يشهد علينا الشهود بما يجرى بيننا لم يمنع ذلك الشهادة ولزوم اقامتها.
وسماع من جهة الاستفاضة فيما يتعذر علمه غالبا به وبها كالنسب والموت والملك المطلق والنكاح عقدا ودواما والطلاق والخلع وشرط الوقف ومصرفه والعتق والولاء والولاية والعزل وما أشبه ذلك فيشهد بالاستفاضة فى ذلك كله.
ولا يشهد بها الا عن عدد يقع العلم بخبرهم.
ولا يشترط هنا ما يشترط فى الشهادة على الشهادة ويكتفى بالسماع .. ويلزم الحكم بشهادة لم يعلم تلقيها من الاستفاضة.
وفى المغنى شهادة أصحاب المسائل شهادة استقاضة لا شهادة على شهادة.
وقال القاضى: الشهادة بالاستفاضة خبر لا شهادة. وتحصل بالنساء والعبيد.
وان سمع النساء فأقر بنسب أب أو ابن فصدقه المقر له جاز أن يشهد له به وان كذبه لم يجز له أن يشهد له به. وان سكت جاز أن يشهد.
ومن رأى شيئا فى يد انسان مدة طويلة يتصرف فيه تصرف الملاك من نقض وبناء واجارة واعارة ونحوها جاز أن يشهد له بالملك.
والورع أن لا يشهد الا باليد والتصرف خصوصا فى هذه الأزمنة.
ومن شهد بنكاح أو غيره من العقود فلا بد من ذكر شروطه.
وان شهد برضاع فلا بد من ذكر عدد الرضعات، وأنه شرب من ثديها، أو من لبن حلب منه فى الحولين، فلا يكفى أن يشهد أنه ابنها من الرضاع.
وان شهد بقتل احتاج أن يقول:
ضربه بسيف أو غيره أو جرحه فقتله أو مات من ذلك.
وان قال جرحه فمات لم يحكم به.
وان شهد بزنا ذكر المزنى بها وأين وكيف وفى أى زمان وأنه رأى ذكره فى فرجها.
وان شهد بسرقة ذكر السارق والمسروق منه والمال والنصاب وكيف سرق.
стр. 4202
وان شهد بقذف اشترط ذكر المقذوف وصفة القذف وألفاظه. وما قيل فيه.
وان شهد أن هذا العبد ابن أمته أو هذه الثمرة من ثمرة شجرته لم يحكم بهما حتى يقولا: ولدته فى ملكه واثمرته فى ملكه.
وان شهدا أنه اشتراها من فلان أو أوقفها عليه أو أعتقها لم يحكم بها حتى يقولا: وهى ملكه.
وان شهدا أن هذا الغزل من قطنه أو الطائر من بيضه أو الدقيق من حنطته حكم له بها
لا أن شهدا ان هذه البيضة من طيره حتى يقولا: باضتها فى ملكه.
وان شهدا بأرث ميث وقالا: أنه وأرثه لا يعلمان له وارثا سواه حكم له بتركته سواء كانا من أهل الخبرة الفاطنة أولا ويعطى ذوى الفروض فروضهم كاملة.
وإن قالا: لا نعلم له وارثا غيره فى هذا البلد أو بأرض كذا فكذلك.
لا أن قالا: لا نعلم له وارثا فى البيت غيره.
ثم ان شهدا أن هذا وارثه شارك الأول.
وان شهدت بينة أن هذا ابنه لا وارث له غيره. وبينة أخرى لآخر ان هذا ابنه لا وارث له غيره ثبت نسبهما وقسم المال بينهما.
ولا ترد الشهادة على النفى بدليل المسألة المذكورة ومسألة الإعسار والبينة فيه.
وان كان النفى محصورا قبلت كقول الصحابى فطرح السكين وصلى ولم يتوضأ.
ولو شهد اثنان فى محفل على واحد أنه طلق أو أعتق قبل. وكذا لو شهدا على خطيب أنه قال أو فعل على المنبر فى الخطبة شيئا لم يشهد به غيرهما مع المشاركة فى الاجتماع والمشاهدة وفى سمع وبصر.
ولا يعارضه قولهم: اذا انفرد واحد فيما تتوفر الدواعى على نقله مع مشاركة خلق كثير رد.
وان شهدا أنه طلق أو أعتق أو أبطل من وصاياه واحدة ونسيا عينها لم يقبل.
وتصح شهادة مستخف، وشهادة من سمع الحاكم يحكم أو يشهد على حكمه وانفاذه ويلزمه أن يشهد بما سمع.
وان شهد أحد الشاهدين أنه أقر بقتله عمدا أو قتله عمدا. وشهد الآخر أنه أقر بقتله أو قتله وسكت ثبت القتل، وصدق المدعى عليه فى صفته.
стр. 4203
وان شهدا بفعل متحد فى نفسه كاتلاف ثوب ونحوه، واختلفا فى صفة متعلقة به كلونه وآلة قتل مما يدل على تغاير الفعلين لم تكمل البينة.
فلو شهد أحدهما أنه غصب ثوبا أحمر وشهد الآخر أنه غصب ثوبا أبيض أو شهد أحدهما أنه غصب اليوم وشهد الآخر أنه غصب الأمس لم تكمل البينة.
وكذا لو شهد أنه تزوجها أمس والآخر أنه تزوجها اليوم.
أو شهد أحدهما أنه سرق مع الزوال كيسا أبيض وشهد آخر أنه سرق مع الزوال كيسا أبيض.
أو شهد أحدهما أنه سرق هذا الكيس غدوة وشهد آخر أنه سرق هذا الكيس عشية.
وكذا القذف اذا اختلف الشاهدان فى وقت قذفه. وان أمكن تعدده ولم يشهدا باتحاده فبكل شئ شاهد فيعمل بمقتضى ذلك ولا تنافى.
وان كان بدل كل شاهد بينة ثبتا هنا أن ادعاهما والا ما ادعاه .. وان كان الفعل مما لا يمكن تكراره كقتل رجل بعينه تعارضتا.
ولو كانت الشهادة على اقرار بفعل أو بغيره. ولو نكاحا أو قذفا جمعت.
فلو شهد أحدهما أنه أقر بألف أمس والآخر أنه أقر بألف اليوم أو شهد أحدهما أنه باعه داره أمس والآخر أنه باعه أياها اليوم. كملت وثبت البيع والاقرار.
وان شهد واحد بالفعل والآخر على اقراره به جمعت.
وأن شهد واحد بعقد نكاح أو قتل أو خطأ وآخر على اقراره لم تجمع، ولمدعى القتل أن يحلف مع أحدهما ويأخذ الدية.
ومتى جمعتا مع اختلاف وقت القتل أو الطلاق فالعدة والارث يليان آخر الوقتين.
وان شهد شاهد أنه أقر له بألف والآخر أنه أقر له بألفين أو شهد أحدهما أن له عليه ألفا والآخر أن له عليه ألفين.
كملت بينة الألف وثبت. وله أن يحلف مع شاهده على الألف الأخرى.
ولو شهدا بمائة وآخران بخمسين دخلت فيها الا مع ما يقتضى التعدد فيلزمانه.
ولو شهد واحد بألف من قرض وآخر بألف من ثمن مبيع لم تكمل.
стр. 4204
ولو شهد واحد بألف وآخر بألف من قرض كملت.
وان شهدا أن له عليه ألفا ثم قال أحدهما قضاه بعضه بطلت شهادته.
وان شهد أنه أقرضه ألفا. ثم قال أحدهما: قضاه خمسمائة صحت شهادتهما بالألف.
واذا كانت له بينة بألف فقال أريد أن تشهدا لى بخمسمائة لم يجز اذا كان الحاكم لم يول الحكم فوقها.
شروط الشاهد
يعتبر فى الشاهد سبعة شروط:
أحدها أن يكون عاقلا، ولا تقبل شهادة من ليس بعاقل اجماعا قاله ابن المنذر، وسواء ذهب عقله بجنون أو سكر أو طفولية وذلك، لأنه ليس بمحصل، ولا تحصل الثقة بقوله، ولأنه لا يأثم بكذبه ولا يتحرز منه:
والثانى: أن يكون مسلما.
والثالث: أن يكون بالغا، فلا تقبل شهادة صبى لم يبلغ بحال، يروى هذا عن ابن عباس، وبه قال القاسم وسالم وعطاء ومكحول وابن أبى ليلى والأوزاعى والثورى والشافعى واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه.
وعن أحمد ﵀ رواية أخرى أن شهادتهم تقبل فى الجراح اذا شهدوا قبل الافتراق عن الحالة التى تجارحوا عليها.
وهذا قول مالك، لأن الظاهر صدقهم وضبطهم.
فان تفرقوا لم تقبل شهادتهم، لأنه يحتمل أن يلقنوا.
قال ابن الزبير أن أخذوا عند مصاب ذلك فبالحرى أن يعقلوا ويحفظوا.
وعن الزهرى ان شهادتهم جائزة ويستحلف أولياء المشجوج وذكره عن مروان.
وعن أحمد رواية ثالثة ان شهادته تقبل اذا كان ابن عشر.
قال ابن حامد فعلى هذه الرواية تقبل شهادتهم فى غير الحدود والقصاص كالعبيد
وروى عن على رضى الله عنه ان شهادة بعضهم تقبل على بعض.
وروى ذلك عن شريح والحسن والنخعى.
قال ابراهيم كانوا يجيزون شهادة بعضهم على بعض فيما كان بينهم.
стр. 4205
قال المغيرة وكان أصحابنا لا يجيزون شهادتهم على رجل ولا على عبد.
وروى الامام أحمد باسناده عن مسروق قال: كنا عند على فجاءه خمسة غلمة فقالوا: أنا كنا ستة غلمة نتغاط فغرق منا غلام فشهد الثلاثة على الاثنين أنهما غرقاه وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الدية، وجعل على الثلاثة خمسيها وقضى نحو هذا مسروق.
والمذهب أن شهادتهم لا تقبل فى شئ لقول الله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ» وقال - واشهدوا ذوى عدل منكم - وقال ممن ترضون من الشهداء - والصبى ممن لا يرضى، وقال - ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فانه آثم قلبه» فأخبر أن الشاهد الكاتم لشهادته آثم، والصبى لا يأثم فيدل على أنه ليس بشاهد ولان الصبى لا يخاف من مأثم الكذب فيزعه عنه ويمنعه منه فلا تحصل الثقة بقوله ولأن من لا يقبل قوله على نفسه فى الاقرار لا تقبل شهادته على غيره كالمجنون يحقق هذا ان الاقرار أوسع، لأنه يقبل من الكافر والفاسق والمرأة، ولا تصح الشهادة منهم، ولأن من لا تقبل شهادته فى المال لا تقبل فى الجراح كالفاسق، ومن لا تقبل شهادته على من ليس بمثله لا تقبل على مثله كالمجنون.
الشرط الرابع: العدالة لقول الله تعالى «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» ولا تقبل شهادة الفاسق لذلك ولقول الله تعالى «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» فأمر بالتوقف عن نبأ الفاسق والشهادة نبأ فيجب التوقف عنه.
وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال «ولا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا محدود فى الاسلام ولاذى غمر على أخيه» رواه أبو عبيد.
وكان أبو عبيد لا يراه خص بالخائن والخائنة أمانات الناس بل جميع ما افترض الله تعالى على العباد القيام به أو اجتنابه من صغير ذلك وكبيره قال الله تعالى «إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ» الآية.
وروى عن عمر رضى الله عنه أنه قال لا يؤسر رجل بغير العدول، ولأن دين الفاسق لم يزعه من ارتكاب محظورات الدين فلا يؤمن أن لا يزعه عن الكذب فلا تحصل الثقة بخبره.
اذا تقرر هذا فالفسوق نوعان:
أحدهما: من حيث الأفعال فلا نعلم خلافا فى رد شهادته.
والثانى: من جهة الاعتقاد وهو اعتقاد البدعة فيوجب رد الشهادة أيضا.