اضطجاع أو قيام وهو فوقها أو تحتها.
واتحاد مكانها فى ركن البيت الشرقى أو الغربى أو وسطه ونحو ذلك.
ولا بد من ذكر ذلك كله للحاكم بعد تفريقهم.
وفرقوا وجوبا فى الزنا فقط ويشهدون أنه أدخل ذكره فى فرجها.
ويزيدون وجوبا وقيل ندبا. كالمرود فى المكحلة. زيادة فى التشديد وطلبا لحصول الستر.
وجاز لكل منهم النظر للعورة قصدا ليعلم كيف يؤدى الشهادة وألحقوا بالزنا فى الشهادة أمورا قالوا لا بد فيها من أربعة شهداء وحكوا فيها خلافا منها الشهود الذين يحضرون اللعان بين الزوجين والمذهب أن أقلهم أربعة.
المرتبة الثانية: ما ليس بمال ولا آيل أى راجع للمال كعتق وطلاق غير خلع ووصية بغير مال ورجعة ادعتها على زوجها المنكر وكتابة ونكاح ووكالة فى غير مال وبقية الحدود كالشرب والسرقة وقتل العمد.
ونصاب الشهادة فى ذلك عدلان فلا تقبل فيه شهادة النساء لقوله تعالى:
«وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ»﴾.
وحديث الزهرى مضت السنة من لدن رسول الله ﷺ أن لا شهادة للنساء فى الحدود والقصاص.
المرتبة الثالثة: أن يكون المشهود به مالا أو آيلا أى راجعا له.
والنصاب فيها عدلان أو عدل وامرأتان. لقوله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» «أو عدل فقط أو امرأتان فقط مع يمين المشهود له لحديث أن النبى ﷺ قضى بشاهد ويمين .. وذلك كأجل ادعاه المشترى وخالفه البائع ومثله اختلافهما فى البيع أو فى قبض الثمن فيثبت بعدلين أو عدل وامرأتين أو احدهما مع يمين المشهود له. وخيار ادعاه المشترى ونازعه البائع لأيلولته للمال واجارة كأن يقول المستأجر أجرنى بكذا. أو لمدة كذا أو نحو ذلك وخالفه الآخر. والديون والاقرار بها والاجارة والشفعة وقتل الخطأ واثبات التوارث.
المرتبة الرابعة: ما لا يطلع عليه الرجال ولا يظهر لهم. ونصاب الشهادة فيه امرأتان
عدلتان كولادة شهدتا بها ولو لم يحضر شخص المولود. وعيب فرج واستهلال المولود أو عدمه وكذا ذكورته أو أنوثته.
стр. 4237
ويترتب على ذلك الارث وعدمه وحيض فى أمة.
وأما الحرة فالقول قولها فيه لأنها مصدقة فيه وهناك ما يقبل فيه رجل واحد يؤدى علما وخبرة كالطبيب والقائف والترجمان .. وما تقبل فيه امرأة واحدة كعيوب الأمة التى لا يطلع عليها الرجال إذا كانت حاضرة وثبوت الرضاع.
وتقبل شهادة الصبيان على بعضهم على تفصيل وخلاف فيما تقبل فيه. وما لا تقبل وبشروط وأوضاع خاصة (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: يشترط للزنا أربعة من الرجال لقول الله تعالى «وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ٢».
وقوله «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ٣ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً»﴾.
وقوله «لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ ٤ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ»﴾.
فان هذه الآيات ظاهرة فى أنه لا يثبت الزنا الا بشهادة أربعة من الرجال.
ولا تقبل فيه شهادة النساء مطلقا ولا أقل من أربعة من الرجال.
ويلحق بالزنا فى ذلك اللواط واتيان البهيمة والميتة لا بد فى اتيانها من شهادة أربعة من الرجال ولا تقبل فيها شهادة النساء ولأنها فى معنى الزنا.
أما الاقرار بالزنا ففيه رأيان.
قيل يثبت بأربعة كأصله المشهود عليه.
وقيل يثبت باثنين.
واثبات ما ذكر بأربعة شهداء انما هو بالنسبة للحد والتعزير.
أما بالنسبة للحقوق الأخرى كطلاق علق عليها فتثبت بشهادة رجلين لا بشهادة غيرهما.
ويشترط للمال عين أو دين أو منفعة ولكل ما قصد به المال من عقد أو فسخ مالى كبيع وإقالة ورهن وشفعة ووارثة ولكل حق مالى كخيار. وأجل وجناية
стр. 4238
توجب مالا رجلان أو رجل وامرأتان لقول الله تعالى فى آية الدين «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» الى قوله «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ»﴾.
ويكفى فى ذلك أيضا شاهد ويمين.
ويشترط لغير ذلك مما ليس بمال ولا يقصد منه المال من عقوبة لله تعالى كحد شرب أو لآدمى كقود وحد قذف ولما يطلع عليه الرجال غالبا كنكاح وطلاق ورجعة وإسلام وإعسار رجلان. لا رجل وامرأتان إذ لا تقبل فيه شهادة النساء لقول الزهرى «مضت السنة من لدن رسول الله ﷺ أنه لا تجوز شهادة النساء فى الحدود ولا فى النكاح ولا فى الطلاق ويشترط لما يختص بمعرفته النساء أولا يراه الرجال غالبا كبكارة وضدها. ورتق وقرن وولادة وحيض وعيوب تحت الثياب رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة وحدهن للحاجة. ولا يحكم بشاهد واحد إلا فى هلال رمضان (يراجع فى ذلك كله تحفة المحتاج وحواشيها.
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة إن أقسام المشهود به سبعة.
أحدها: الزنا واللواط فلا يقبل فيهما أقل من أربعة شهداء من الرجال لقوله تعالى «وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ».
وقوله «لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ».
وقول النبى ﷺ «أربعة شهداء والا حد فى ظهرك».
فان ذلك كله نص وظاهر فى اشتراط أربعة من الرجال لاثبات الزنا واللواط من الزنا.
وكذا الشهادة على الإقرار بالزنا واللواط لا بد فيها من أربعة رجال يشهدون أنه أقر أربع مرات حتى يتم النصاب المقرر شرعا للاثبات فى ذلك.
والثانى: دعوى الفقر فلا يقبل قول من عرف بالغنى. انه فقير بثلاثة رجال لحديث مسلم «حتى يشهد ثلاثة من ذوى الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة».
والثالث: بقية الحدود كحد القذف والشرب وقطع الطريق - فلا تثبت بأقل من رجلين وكذا القود، لقول الزهرى «مضت السنة على عهد النبى ﷺ ألا تقبل شهادة النساء فى الحدود».
стр. 4239
والرابع: ما ليس بعقوبة ولا مال ويطلع عليه الرجال غالبا كالنكاح والطلاق والنسب والإيصاء والتوكيل فى غير المال. وهذا لا يقبل فيه أقل من رجلين.
والخامس: فى موضحة ونحوها نوع من جراحة الرأس وداء بعين وداء دابة. وهذا يقبل فيه طبيب واحد وبيطار واحد إن تعذر اشهاد اثنين عليه فان لم يتعذر فلا بد من اثنين.
والسادس: فى مال وما يقصد به المال كالبيع وأجله وخياره والرهن والمهر والشركة والشفعة وجناية الخطأ. وهذا يقبل فيه رجلان أو رجل وامرأتان لقوله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» وسياق الآية يدل على الاختصاص بالأموال والإجماع ينعقد على ذلك ولا تقبل شهادة أربع نسوة فأكثر مقام رجلين.
والسابع: ما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والحيض والولادة واستهلال الصبى وجراحة فى حمام وعرس ونحوهما مما لا يحضره الرجال وهذا تقبل فيه شهادة امرأة واحدة لما روى حذيفة أن رسول الله ﷺ أجاز شهادة القابلة وحدها.
وروى أبو الخطاب عن ابن عمر أن النبى ﷺ قال: يجزئ فى الرضاع شهادة امرأة واحدة» والأحوط اثنتان. وان شهد به رجل واحد كان أولى لكماله (يراجع فى ذلك كله كشاف القناع).
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم الظاهرى فى المحلى (١):
ولا يجوز أن يقبل فى الزنا أقل من أربعة رجال عدول مسلمين أو مكان كل رجل امرأتان مسلمتان عدلتان، فيكون ذلك ثلاثة رجال وامرأتين، أو رجلين وأربع نسوة، أو رجلا واحدا وست نسوة أو ثمانى نسوة.
ولا يقبل فى سائر الحقوق كلها من الحدود والدماء وما فيه القصاص والنكاح والطلاق والرجعة. والأموال إلا رجلان مسلمان عدلان أو رجل وامرأتان كذلك أو أربع نسوة كذلك ..
ويقبل فى كل ذلك حاشا الحدود رجل واحد عدل أو امرأتان كذلك مع يمين الطالب.
ويقبل فى الرضاع وحده امرأة واحدة عدلة أو رجل واحد عدل.
فأما وجوب قول أربعة من الرجال فى الزنا فبنص القرآن ولا خلاف فيه قال
стр. 4240
الله تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً.﴾.
وأما قبول رجلين فى سائر الحقوق كلها أو رجل وامرأتين فى الديون المؤجلة لأن الله تعالى قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» الى أن قال: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى»﴾.
وقال أيضا: يا أيها النبى اذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، فاذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهادة لله.
وادعى قوم قبول عدلين من الرجال فى سائر الأحكام قياسا على نص الله تعالى فى الطلاق والرجعة ..
واختلفوا فى قبول شهادة النساء منفردات فى شئ من الأشياء وفى قبولهن مع رجل فيما عدا الديون المؤجلة.
واختلف القائلون بقبولهن منفردات فى كم يقبل منهن فى ذلك واختلفوا أيضا فى الشاهد ويمين الطالب.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (١): واعلم أنه يعتبر فى الزنا وإقراره أربعة رجال أصول
فلا يقبل فى الشهادة على الزنا ولا على الاقرار به أقل من أربعة رجال، ولا شهادة النساء، ولا شهادة الفروع (أى الشهادة على الشهادة).
وفى حق الله تعالى كحد الشرب. ولو مشوبا بحق آدمى كحد القذف والسرقة للقطع وفى القصاص يعتبر رجلان أصلان، فلا تقبل فيه شهادة النساء ولا شهادة الفروع أى الشهادة على الشهادة غالبا احترازا من الرضاع وفى عورات النساء وما لا يطلع عليه الرجال منهن تقبل فيه امرأة عدلة - الحرائر والإماء سواء -
وفيما عدا حقوق الله المحضة والمشوبة والقصاص وما ذكر يقبل فيه رجلان أو رجل وامرأتان أو شاهد ويمين المدعى سواء فى نكاح أو طلاق أو نسب أو مال.
стр. 4241
ولا يقبل شاهد ويمين فى أصل الوقف بل لا بد من رجلين أصليين.
مذهب الإمامية:
جاء فى المختصر النافع (١): ويثبت الزنا بالاقرار أو البينة - ولا بد من تكرار الاقرار أربعا.
وهل يشترط اختلاف مجالسه؟ قولان، والأشبه أنه لا يشترط.
ولا يكفى فى البينة اقل من أربعة رجال أو ثلاثة وامرأتين.
ولو شهد رجلان وأربع نساء يثبت بهم الجلد لا الرجم.
ولا تقبل شهادة ست نساء ورجل ولا شهادة النساء منفردات.
ولو شهد مادون الأربع لم يثبت وحدوا للفرية.
ولا بد فى الشهادة من ذكر المشاهدة وتواردهم على الفعل الواحد فى الزمان والمكان.
ولو أقام الشهادة بعض حدوا لو لم يرتقب اتمام البينة.
واللواط يثبت بالاقرار أربع مرات ولو أقر دون ذلك عزر.
ويشترط فى المقر التكليف والاختيار والحرية فاعلا كان أو مفعولا.
ولو شهد أربع يثبت ولو كانوا دون ذلك حدوا.
وفى اتيان البهائم يثبت بشهادة عدلين أو بالاقرار ولو مرة ولا يثبت بشهادة النساء منفردات ولا منضمات.
ولا تقبل شهادة النساء فى الهلال والطلاق وفى قبولها فى الرضاع تردد أشبه القبول.
ولا تقبل فى الحدود وتقبل مع الرجال فى الرجم على تفصيل. فيقبل فيه وفى الجلد شهادة امرأتين مع ثلاثة رجال.
ولو شهد أربع نساء مع رجلين لا تقبل فى الرجم وتقبل فى الجلد.
ولو شهد ست نساء مع رجل لا تقبل فيهما.
وكذلك لا تقبل شهادة النساء منفردات فى ذلك.
وتقبل فى الجراح والقتل شهادة
стр. 4242
النساء مع الرجال بأن يشهد رجل وامرأتان.
وأما لو شهدن منفردات فتجب بشهادتهن الدية لا القود.
وكذلك تقبل شهادتهن مع الرجال فى الديون.
ولو انفردن كامرأتين مع اليمين فالأشبه عدم القبول.
وتقبل شهادتهن منفردات فى العذرة وعيوب النساء الباطنة.
وتقبل شهادة القابلة فى ربع ميراث المستهل وامرأة واحدة فى ربع الوصية وكذا كل امرأة تقبل شهادتها فى الربع حتى يكملن أربعا فتقبل شهادتهن فى الوصية أجمع.
وجاء فيه أن حد القذف والسكر والسرقة والمحاربة يثبت كل منها بشهادة عدلين.
وتقدم ان شهادة النساء لا تقبل فى الحدود اما القصاص فيثبت بالبينة شاهدين، لا شاهد وامرأتين.
وفى كفاية الأحكام من باب الشهادات:
تقبل فى عيوب النساء والاستهلال والنفاس والحيض والولادة والرضاع شهادة امرأتين مسلمتين.
وإذا لم يوجد إلا شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه.
وفى كتاب شرائع الإسلام وتقبل شهادة امرأتين مع رجل فى الديون والأموال (يراجع المختصر (١) النافع الطبعة الثانية). وشرائع الاسلام من الشهادات وكفاية الأحكام من هذا الموضع.
وفى الروضة البهية (٢): يختلف نصاب الشهادة فى عدد الشهود وجنسهم من الذكورة والأنوثة باختلاف المسائل والموضوعات المشهود عليها.
فمنها: ما يثبت بأربعة رجال وهو الزنا واللواط لقوله تعالى فى الزنا «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً».
واللواط والسحق كالزنا. فأخذ حكمه فى ذلك.
ويكفى فى الزنا الموجب للرجم وهو
стр. 4243
الذى يتوفر فيه شرط الاحصان ثلاثة رجال وامرأتان.
أما الموجب للجلد وهو الذى يكون الزانى فيه غير محصن فيكفى فيه رجلان وأربع نسوة.
ومنها ما يثبت برجلين خاصة وهو الردة والقذف والشرب وحد القذف وحد السرقة. والسرقة نفسها والجناية الموجبة للقصاص وكل ما كان من حقوق الأدميين وليس مالا ولا المقصود منه المال.
ويدخل فيه الاسلام والبلوغ والولاء والجرح والتعديل والعفو عن القصاص والطلاق والخلع والوكالة والوصية اليه بخلاف الوصية بالمال والنسب والهلال.
ومنها ما يثبت برجلين أو رجل وامرأتين وشاهد ويمين وهو كل ما كان مالا أو المقصود منه المال مثل الديون والأموال والجناية الموجبة للدية.
ومنها ما يثبت بالرجال والنساء ولو منفردات.
وضابطه ما يعسر اطلاع الرجال عليه غالبا كالولادة والاستهلال وعيوب النساء الباطنة والرضاع والوصية بمال. -
ومنها ما يثبت بالنساء منضمات الى الرجال خاصة وهو الديون والأموال.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): وتقبل الشهادة من عدلين حرين بالغين عاقلين أو امرأتين كذلك مع عدل ولو وجد عدلان إلا فى زنا.
وترد من نساء فى الحدود مطلقا الرجم والجلد والتعزير والنكال والحد وقطع السارق فلا تقبل مع الرجال كما لا تقبل منهن وحدهن.
وقيل ترد منهن فى الزنا رجما أو جلدا وتقبل فى غيره.
وتقبل منهن فيما لا يباشره الرجال كرتق وعفل وبكارة وثيوبة وبيان حمل وحياة مولود وموته عند ولادته من قابلة أمينة فإن قولها بحياة المولود وموته ونحو ذلك مقبول إن لم تجر لنفسها أو لمن تشهد له نفعا وتدفع ضررا.
واختلفوا فى نصاب النساء فيما لا يباشره الرجال .. فقيل أمينة وقيل أمينتان بمنزلة رجل وقيل أربع. كل اثنتين بمنزلة رجل.
стр. 4244
شهادة غير المسلمين
مذهب الحنفية:
يقول الحنفية: ان الشهادة فيها معنى الولاية لما فيها من الالزام بالحكم، لأنها متى وقعت صحيحة واستوفت شرائطها الشرعية تقبل ويبنى عليها الحكم الملزم والواجب النفاذ على المحكوم عليه شاء أو أبى.
ولا ولاية لغير المسلم على المسلم لقول الله تعالى «وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»﴾.
واذا انعدمت الولاية لا تقبل الشهادة.
وأما أهل الذمة فتقبل شهادة بعضهم على بعض وان اختلفت مللهم فتقبل شهادة النصرانى على النصرانى وعلى اليهودى.
وشهادة اليهودى على اليهودى وعلى النصرانى وشهادة أهل كل دين على بعضهم وعلى الآخرين بشرط أن يكونوا من أهل العدالة فى دينهم - لأن الذمى من أهل الولاية على نفسه وعلى أولاده الصغار فيكون من أهل الشهادة على جنسه. ولأنه يجتنب ما يعتقده محرما فى دينه والكذب محرم فى الأديان كلها فيجتنبه. ولأن الحاجة ماسة الى قبول شهادة بعضهم على بعض صيانة لحقوقهم عن الضياع اذ هم يتعاملون مع بعضهم فى مواضع لا يحضرها المسلمون. وتوجد بينهم من المنازعات ما يحملهم على التقاضى للفصل فيها فلو لم تقبل شهادتهم على بعضهم لضاعت حقوقهم وذهبت أموالهم نهب الناهبين.
وقد أمرنا أن نعاملهم بالعدل والاحسان وأن نعمل على تحقيق مصالحهم المشروعة
ولا تقبل شهادة الحربى المستأمن على الذمى لأن الذمى من أهل دار الاسلام والمستأمن من أهل دار الحرب واختلاف الدار يقطع الولاية فلا تقبل الشهادة.
وتقبل شهادة الذمى على المستأمن كشهادة المسلم على الذمى.
وتقبل شهادة المستأمنين بعضهم على بعض اذا كانوا من أهل دار واحدة.
فان كانوا من أهل دارين مختلفين فلا تقبل لانقطاع الولاية.
وقد قال الله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ»﴾.
وهذه الآية تدل بظاهرها على جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين فى الوصية فى السفر اذا لم يوجد من المسلمين من يشهد عليها بناء على أن
стр. 4245
الضمير فى قوله «منكم» للمؤمنين المخاطبين بالآية - وكذا فى قوله «من غيركم» أى من غير المؤمنين وهم الكفار. فيكون المعنى اثنان ذوا عدل من المؤمنين أو آخران من غير المؤمنين.
وبهذا قال الامام أحمد وبعض الفقهاء.
وقال الحنفية ان هذا كان فى أول الاسلام والمسلمون قلة فى المدينة.
وكان من يسافر منهم وينزل به الموت ويوصى لا يجد من المسلمين من يشهده على وصيته فيشهد عليها اثنين من الكفار ثم نسخ هذا الحكم بآية الدين وسورة البقرة «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» الى قوله «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» والمرضى من الشهداء هم المسلمون العدول.
وقوله من رجالكم: أى من المسلمين المخاطبين بالآية. فدلت هذه الآية على أن الاستشهاد فى الحقوق والمسائل عامة يكون بالمسلمين العدول فى الوصية وغيرها.
فلا تقبل شهادة الكفار على المسلمين فى شئ لا فى الوصية ولا فى غيرها لا فى السفر ولا فى الحضر.
واستدل الحنفية بهذه الاية على جواز شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض لأنها دلت بظاهرها على جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين وبمفهومها على جواز شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض بطريق الأولى.
وقد نسخ حكم ظاهرها على ما ذكرنا وبقى حكم مفهومها معمولا به.
وذهب بعض ثالث الى أن الآية لا تدل على جواز شهادة غير المسلمين على المسلمين أصلا فى أى حق، لأن قوله «منكم» معناه من قبيلتكم وعشيرتكم ومعنى قوله من غيركم - من غير قبيلتكم وعشيرتكم.
وليس هذا بشئ ولا يتفق مع ظاهر الآية وسياقها راجع ابن عابدين من الشهادات والبدائع من الشهادات أيضا.
وتفسير الجصاص والقرطبى فى آية المائدة.
مذهب المالكية:
وقال المالكية (١) ان شهادة غير المسلمين لا تقبل أصلا لا على المسلمين
стр. 4246
ولا على بعضهم البعض سواء اتحدت مللهم أو اختلفت.
فلا تقبل شهادة النصرانى على النصرانى ولا على غيره من أهل الأديان الأخرى. وكذلك العكس. وذلك لاشتراط الاسلام فى الشاهد من غير تفصيل بقول الله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ»﴾.
فقال «مِنْ رِجالِكُمْ» والخطاب فى الآية للمؤمنين وقال ﴿(مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ)﴾ والمرضى هو المسلم.
واشتراط العدالة فيه بقوله سبحانه واشهدوا ذوى عدل منكم والكافر فاقد الأمرين ولأن المسلم الفاسق لا تقبل شهادته شرعا لفقدانه العدالة. والكافر شر من الفاسق وأضل سبيلا.
وأما قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» فقد نسخ حكمه بآية الدين «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ - اذ قال فيها - ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾.
فجعل من أوصاف الشاهدين أن يكونا من المؤمنين. وممن يرضاهم المؤمنون.
والكافر ليس كذلك.
مذهب الشافعية:
وكذلك يقول الشافعية: ان شهادة غير المسلمين لا تقبل أصلا لا على المسلمين ولا على غير المسلمين فيما بينهم، لأن الشهادة عندهم فيها معنى الولاية لما فيها من الالزام بالحكم وبالتالى نفاذ القول على الغير. اذ الحكم يبنى على الشهادة وهو نافذ على المحكوم عليه.
ولا ولاية لغير المسلم على المسلم لقول الله تعالى «وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» ولأن المسلم الفاسق لا تقبل شهادته شرعا لفقدانه العدالة المشروطة فى الشاهد بالنص «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» والكافر شر من الفاسق فلا تقبل شهادته أصلا.
وقالوا فى آية المائدة «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ» ان ذلك كان فى ابتداء الاسلام والمسلمون قلة بالمدينة ثم نسخ الحكم بآية الدين فى سورة البقرة اذ نص فيها على قوله «من رجالكم» وقوله ممن ترضون من الشهداء فلا تقبل شهادة غير المسلمين بحال (١).
стр. 4247
مذهب الحنابلة:
وقال الحنابلة: لا تجوز شهادة غير المسلمين ولو كانوا من أهل الذمة مطلقا لا على المسلمين ولا على بعضهم سواء اتحدت ملتهم أو اختلفت.
فلا تقبل شهادة النصرانى على نصرانى مثله ولا على أهل الأديان الأخرى وكذلك العكس، لأنه يشترط فى الشاهد أن يكون مسلما عدلا بالنصوص الواردة فى الشهادة من الكتاب والسنة وباتفاق أهل العلم. ولأن الاتفاق على عدم قبول شهادة المسلم الفاسق لفقدانه العدالة والكافر شر من الفاسق وهو الى ذلك كله غير مأمون.
واستثنوا من هذا المنع حالة الوصية فى السفر.
فأجازوا شهادة أهل الكتاب على الوصية فى السفر ممن حضره الموت من مسلم وكافر عند عدم وجود مسلم يشهد على الوصية. فتقبل شهادتهم فى هذه الحالة فقط ولو لم تكن لهم ذمة لقول الله ﵎ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ» فان الضمير فى قوله «منكم» للمؤمنين المخاطبين بالآية وكذا فى قوله «من غيركم».
فيكون المعنى ان الشهادة على الوصية فى السفر حين الموت «اثنان ذوا عدل من المسلمين أو اثنان من غير المسلمين».
فدلت الآية بظاهرها على جواز شهادة غير المسلمين على وصية المسلم فى السفر اذا لم يجد من يشهده من المسلمين.
والآية محكمة وحكمها باق.
والقول بالنسخ لا دليل عليه والنسخ لا يثبت بالاحتمال ولا يكون الا عند التعارض وعدم امكان الجمع بين الدليلين.
والجمع بين الدليلين اذا أمكن خير من الغاء احدهما فتحمل هذه الآية على هذه الحالة فقط - وهى حالة ضرورة والضرورة لها حكمها.
وقد قال بذلك ثلاثة من الصحابة الذين شهدوا بالتنزيل وعاصروه وهم أبو موسى الأشعرى وعبد الله بن قيس وعبد الله ابن عباس.
وقضى أبو موسى الأشعرى بذلك فى حادثة مماثلة لما نزلت فيه الاية بعد وفاة الرسول ﷺ .
وقال به كثير من التابعين ومن جاء بعدهم.
стр. 4248
وقال به من الفقهاء الأوزاعى والثورى وأبو عبيد القاسم بن سلام.
وذهب جماعة الى أن الآية لا دلالة فيها على جواز شهادة غير المسلم على المسلم لا فى الوصية ولا فى غيرها بناء على أن قوله منكم معناه من قبيلتكم وعشيرتكم وقوله «من غيركم» معناه من غير القبيلة والعشيرة.
وليس هذا القول بشئ ولا يساعد عليه ظاهر الآية وسياقها.
وأجاز ابن تيمية شهادة غير المسلم على المسلم فى كل موضع تقضى به الضرورة سواء فى الوصية أو فى غيرها وسواء كان فى السفر أو فى الحضر (١).
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم الظاهرى امام أهل الظاهر بالأندلس فى كتابه المحلى ولا يجوز أن تقبل شهادة كافر أصلا لا على كافر ولا على مسلم حاشا الوصية فى السفر فقط فإنه يقبل فى ذلك مسلمان أو كافران من أى دين كانا أو كافر وكافرتان أو أربع كوافر.
ويحلف الكفار ههنا مع شهادتهم بعد الصلاة بالله لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله انا اذا لمن الآثمين.
برهان ذلك قول الله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» (٢). والكافر فاسق فوجب أن لا يقبل وقول الله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ (٣). فوجب أخذ حكم الله تعالى كله.
وأن يستثنى الأخص وهو حكم هذه الآية من الأعم وهو حكم آية الدين «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الى قوله: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» (٤).
دون لجوء الى القول بالفسخ ليتوصل بذلك الى طاعة الجميع (٥).
стр. 4249
مذهب الزيدية:
يقول الزيدية: ان الشهادة لا تصح من كافر حربى وثنى أو ملحد أو مرتد ولا من غير المسلمين مطلقا على مسلم اجماعا لقول الله تعالى «وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً»﴾.
ولقول النبى ﷺ «الاسلام يعلو ولا يعلى عليه. ويقبل الذمى على أهل ملته كالمسلم على مثله بخلاف الحربى لانقطاع أحكامهم فأشبه المرتد.
ولا تقبل على مسلم إجماعا ولو على وصيته فى السفر، لقول النبى ﷺ لا تقبل شهادة ملة على ملة إلا ملة الإسلام فإنها تجوز على الملل كلها».
مذهب المالية:
وفى مذهب الشيعة الجعفريه (١): جاء فى المختصر النافع من كتاب الشهادات فى الكلام على صفات الشاهد والشروط التى تعتبر فيه لصحة الشهادة.
الثالث. الايمان فلا تقبل شهادة غير المؤمن وتقبل شهادة الذمى فى الوصية خاصة مع عدم المسلم.
وفى اعتبار الغربة تردد.
وتقبل شهادة المؤمن على أهل الملل الأخرى.
ولا تقبل شهادة أحدهم على المسلم لا غيره.
وهل تقبل علي أهل ملته؟ فيه رواية بالجواز ضعيفة.
والأشبه المنع.
وفى شرائع الإسلام أن شهادة غير المسلم تقبل على المسلم وغيره فى الوصية مع عدم حضور عدول المسلمين ولا يشترط كون المسلم فى غربة.
مذهب الإباضية:
وفى مذهب الإباضية: جاء فى شرح (٢) النيل: والإجماع على عدم قبول شهادة الكفار على المسلمين.
стр. 4250
وتجوز شهادة مشرك على مشرك من ملته.
وتقبل من كتابى على مثله فى ملته. فتقبل شهادة نصرانى على نصرانى مثله وشهادة يهودى على يهودى مثله.
وترد من ذى ملة على أخرى فوقها أو دونها فلا تقبل شهادة نصرانى على يهودى ولا شهادة يهودى على مجوسى.
واجاز بعضهم شهادة اعلاهم على من دونه كنصرانى أو يهودى على مجوسى.
أصل
التعريف به فى اللغة والاصطلاح واستعمالاتها عندهم:
الأصل فى اللغة كما فى القاموس:
اسفل الشئ.
ويذكر الأصوليون أن معناه فى اللغة ما يبتنى عليه غيره، وذلك يعم الابتناء الحسى والعقلى، أو يستند تحقق الشئ اليه، أو منشأ الشئ.
وأما استعمال الاصوليين والفقهاء لها فانه لا يبعد عن المعنى اللغوى، فهم يطلقونها ويريدون بها تارة الدليل، كقولهم أصل هذه المسألة الكتاب والسنة أى دليلها ومنه أصول الفقه أى أدلته.
وتارة الرجحان، كقولهم، الأصل فى الكلام الحقيقة أى الراجح هو الحقيقة لا المجاز.
وتارة القاعدة المستمرة كقولهم اباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل.
وتارة الصورة المقيس عليها على اختلاف مذكور فى القياس فى تفسير الأصل (١).
وقد زاد الشوكانى فى كتابه ارشاد الفحول (٢) على المعانى المشار اليها
стр. 4251
لهذا اللفظ «المستصحب» وقال: أن أوفق هذه المعانى فى أصول الفقه هو الدليل.
ويكثر استعمال الفقهاء لهذه الكلمة بمعنى الدليل.
فيقولون: الأصل فى هذا الموضوع من القرآن كذا أو من السنة كذا.
كما يستعملها الفقهاء والاصوليون أحيانا بمعنى القاعدة الكلية، كقولهم «الأصل فى المنافع الاباحة».
وقول بعضهم الأصل فى الشروط المقترنة بالعقد الاباحة.
وقول بعضهم: ان الأصل فيها الحظر.
ويرد فى بعض عبارات الأصوليين كلمة استصحاب الأصل. على أنه من الأدلة الشرعية.
والمقصود من الأصل فى هذا التعبير.
الحكم السابق الذى لم يطرأ ما يقتضى تغييره.
وأشهر مواضع استعمال كلمة أصل فى كتب الفقه موضعان.
الموضع الأول: النفقة عند الكلام عن نفقة الأصول والفروع، وما يجب للأصول على الفروع والعكس وبيان ذلك فى مصطلح نفقه.
الموضع الثانى: الارث، وذلك عند الكلام عن العصبات فانهم يذكرون على رأسها الأصول ويراد بها الأب وان علا، مما موضع بيانه مصطلح عصبة. وعند الكلام فى باب الارث عند تقسيم التركه، وبيان مخارج السهام.
أصول الفقه:
وقد أصبحت كلمة أصل بعد جمعها وأضافتها الى كلمة فقه علما على العام المعروف بعلم أصول الفقه.
وقد عرفه الأصوليون بعدة تعريفات (أنظر مصطلح أصول الفقه).
أصل القياس:
يقول الأسنوى عند الكلام على أركان القياس (١): اذا ثبت الحكم فى صورة لوصف مشترك بينها وبين غيرها تسمى الأولى أصلا، والثانية فرعا، والمشترك علة وجامعا.
وجعل المتكلمون دليل الحكم فى الأصل أصلا.
стр. 4252
وجعل الامام - الرازى الحكم فى الأولى أصلا، والعلة فرعا، لأنه اظهار مستند الى هذا الحكم، وفى الثانية بالعكس، لأن الحكم فيها مبنى عليها.
ويقول عند البيان التفصيلى لكل من الأصل (١) والفرع أخذا من كلام البيضاوى فى المنهاج: ان للأصل خمسة شروط.
الأول ثبوت حكمه.
والثانى كون ذلك الحكم ثابتا بدليل من الكتاب أو السنة أو باجماع الأمة.
والثالث أن لا يكون الدليل الدال على حكم الأصل متناولا للفرع.
والرابع أن يكون حكم الأصل معللا بعلة معينة غير مبهمة.
والخامس أن لا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع اذا لم يكن لحكم الفرع دليل سوى القياس.
وقد فصل الأسنوى وغيره هذه الشروط وبينوا أدلتها وموضع ذلك مصطلح قياس.
أصمّ
الأصم لغة واصطلاحا:
جاء فى (القاموس المحيط) مادة (صمم):
الصمم محركة، انسداد الأذن وثقل السمع، وأصمه الله تعالى فهو أصم، جمعه صم وصمان.
وقد استعمله الفقهاء فى المعنى اللغوى المبين، وبينوا ما يتعلق به من أحكام من هذه الناحية.
حكم سجدة التلاوة عند الأصم
مذهب الحنفية:
تجب سجدة التلاوة على التالى الأصم، اذ لا يشترط فى وجوبها على التالى سماع تلاوته (٢).
стр. 4253
كما تجب عليه اذا كان مأموما تبعا لوجوبها على امامه اذا سجدها الامام فى الصلاة.
مذهب المالكية:
تسن على القارئ مطلقا، فيتناول الأصم (١).
والى هذا ذهب الشافعية (٢).
مذهب الحنابلة:
تسن سجدة التلاوة للقارئ ولو كان أصم (٣)، ويلزم مأموما متابعة امامه - فى سجدة التلاوة - فى صلاة جهر ان سمع أى تلزم المتابعة ان سمع المأموم قراءة الامام، والا فهى فى حده كصلاة السر.
وصرح فى شرحى الاقناع والمنته بلزوم المتابعة فى الصلاة الجهرية، ولو كان هناك مانع من السماع كبعد وطرش (٤).
مذهب الإمامية:
يستحب سجود التلاوة على القارئ وان كان أصم، وعلى المستمع.
أما السامع الذى يصل الى أذنه صوت القارئ دون قصد منه ففى وجوب السجدة عليه خلاف.
وليس على غير هؤلاء الثلاثة سجود (٥).
مذهب الإباضية:
لزم سجدة التلاوة القارئ فقط ولو كان أصم لا غيره، ولو فى المجلس.
وقيل تلزم من فى المجلس ولو لم يسمعها
стр. 4254
واختلف فيمن رآهم يسجدون ولم يسمعها لنوم أو غيره (١).
حضور الأصم خطبة الجمعة
مذهب الحنفية:
لو كانت الجماعة التى تنعقد بهم الجمعة - بعضهم أو كلهم - صما، وحضروا الخطبة صحت: اذ الشرط أن يحضرها جماعة تنعقد الجمعة بهم ولو لم يسمعوا شيئا منها: لصمم أو نوم أو بعد (٢).
مذهب المالكية:
لا يشترط فى الجماعة التى تنعقد بهم الجمعة سماعهم الخطبة، بل الشرط حضورهم من أول الخطبة ولو كانوا صما (٣).
مذهب الشافعية:
يشترط فى انعقاد الجمعة سماع من تنعقد بهم الجمعة للخطبة، وهم تسعة وثلاثون عدا الامام
فلو كان من لم يسمع الخطبة لصمم أو اغماء أو بعد فى المكان لم تصح الخطبة (٤).
مذهب الحنابلة:
يشترط فى اقامة الجمعة سماع الخطبة ولو من واحد ممن تنعقد بهم صلاتها.
فلو كان الكل عدا الامام صما لم تنعقد.
ولو كان غير الأصم منهم لم يسمع الخطبة لبعده لم تنعقد أيضا (٥).
стр. 4255
مذهب الزيدية:
فرض المأموم الاستماع لا السماع، اذ لم يأمر ﷺ الا بالاستماع والانصات، بدليل أجزاء الحضور من الأصم (١)
مذهب الإمامية:
ويجب رفع صوت الخطيب بحيث يسمعه العدد فصاعدا كما هو المعه د فى الأعصار والأمصار
وفى جامع المقاصد والمعزية: لو منع مانع من صمم أو صوت ريح أو ماء، فالظاهر الاجتزاء، ولا يجب أن يجهد نفسه.
وقد تبعا فى ذلك المصنف فى التذكرة ونهاية الأحكام حيث قال: لو رفع الصوت بقدر ما يبلغ ولكن كانوا كلهم أو بعضهم صما فالأقرب الأجزاء كما لو سمعوا ولم يفهموا (٢).
حكم تكلمه حيث يجب الانصات
أثناء قراءة القرآن أو أثناء الخطبة
مذهب الحنفية:
جاء فى المبسوط للسرخسى: (ولا ينبغى للقوم أن يتكلموا والامام يخطب ..
فان كان (المصلى) بحيث لا يسمع الخطبة فظاهر الجواب أنه يسكت، لأن المأمور به شيئان: الاستماع والانصات.
فمن قرب من الامام فقد قدر عليهما.
ومن بعد عنه، فقد قدر على أحدهما وهو الانصات، فيأتى بما قدر عليه.
والظاهر من ذلك أن على الأصم الانصات (٣)
مذهب المالكية:
نقل ابن راشد فى شرح مختصر ابن الحاجب فى صلاة الجمعة: أنه يجب الانصات وان لم يسمع.
وفى فتاوى ابن قداح أنه اذا صلى الجمعة
стр. 4256
فى موضع لا يسمع فيه قراءة الامام، وخاف على نفسه الوسوسة فانه يقرأ.
وقال البرزلى عقيب نقله مسألة ابن قداح هذه ما نصه (هذا استحسان وهو جار على مذهب من يجيز الكلام حيث لا يسمع خطبة الامام وعلى المشهور يصمت فيصمت هذا (١).
وحرم كلام من الجالسين بالمسجد فى حال خطبتيه لا قبلهما ولو جلس على المنبر الجلسة الأولى، وبينهما فى الجلسة الثانية ولو لم يسمع الخطبة لبعده أو صممه (٢).
مذهب الشافعية:
يكره الكلام لخبر مسلم: «اذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والامام يخطب فقد لغوت.
نعم الأولى لغير السامع أن يشتغل بالتلاوة والذكر.
ويسن الانصات لقوله تعالى (واذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) ورد فى الخطبة كما ذكره كثير من المفسرين بل أكثرهم وسميت قرآنا لاشتمالها عليه .. اذ الانصات السكوت، والاستماع شغل السمع بالسماع (٣)
مذهب الحنابلة:
للمنصت الذى لا يسمع من الحظ ما للسامع.
وقال القاضى أبو يعلى: يجب الانصات على السامع ويستحب لمن لا يسمع، لأن الانصات انما وجب لأجل الاستماع، والأول أولى لعموم النصوص.
وللبعيد أن يذكر الله تعالى ويقرأ القرآن ويصلى على النبى ﷺ ، ولا يرفع صوته (٤).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم: فرض على كل من حضر الجمعة سمع الخطبة أو لم يسمع - أن لا يتكلم مدة خطبة الامام بشئ البتة الا التسليم ان دخل حينئذ ..
стр. 4257
ومن تكلم بغير السّلام والرد وتشميت العاطس ذاكرا عالما بالنهى فلا جمعة له (١).
مذهب الزيدية:
يحرم الكلام حال الخطبة لقوله ﷺ لمن تكلم (٢): «لا جمعة لك» وهذا باطلاقة يشمل الأصم.
مذهب الإمامية:
يجب الاستماع على القريب السامع:
أما البعيد والأصم، فلا يجب عليهما الاستماع أثناء الخطبة، بل فى بعضها، ولا يحرم عليهما الكلام، فان شاءا سكتا، وان شاءا قرءا، وان شاءا ذكرا (٣).
مذهب الإباضية:
ومن دخل المسجد عند الخطبة فلا يركع، ولزمه الانصات لها، ولو كان لا يسمع لنحو بعد أو صمم أو ريح.
وقيل لا يلزمه ان كان لا يسمع (٤).
وأجاز أبو الموثر ان كان لا يسمع أن يقرأ فى نفسه ويحرك لسانه أو يذكر أو يسبح ولا ضير ان أسمع جليسه.
وفى موضع آخر: قيل الانصات واجب ولو ممن لا يسمع لبعد أو صمم (٥).
شهادة الأصم
مذهب الحنفية:
يشترط فى تحمل الشهادة السماع من الخصم لأن الشهادة تقع له، ولا يعرف كونه خصما الا بالرؤية، لأن النغمات يشبه بعضها.
بعضا.
стр. 4258
ومن شروط أداء الشهادة: القدرة على التمييز بالسمع والبصر بين المدعى والمدعى عليه فلا تقبل شهادة الأصم (١).
مذهب المالكية:
يفرق المالكية بين الشهادة على الأقوال والشهادة على الأفعال: فالعدل تقبل شهادته، وان كان أعمى فى القول أو كان أصم فى الفعل كالضرب والأكل والأخذ والاعطاء، واحترز بذلك عن المسموعات لا عن المشمومات والملموسات والمطعومات فانها اتفاق. وأما الأعمى الأصم فلا تجوز شهادته ولا معاملته (٢)
مذهب الشافعية:
ان كانت الشهادة على قول كالبيع والنكاح والطلاق والاقرار لم يجز التحمل فيها الا بسماع القول ومشاهدة القائل، فلا يتحمل الأصم هذه الشهادة لأنه لا يحصل العلم بذلك الا بالسماع والمشاهدة (٣).
وتقبل شهادته فى الأفعال لحصول العلم فيها بالمشاهدة والأقوال كعقد وفسخ يشترط.
مذهب الحنابلة:
تجوز شهادة الأصم فى المرئيات لأنه فيها كغيره.
وتجوز شهادة الأصم بما سمعه قبل صممه، لأنه فى ذلك كمن ليس به صمم (٤).
ومن شهد بحق عند حاكم ثم عمى أو خرس أو صم أو جن أو مات لم يمنع الحكم بشهادته ان كان عدلا (٥).
стр. 4259
مذهب الإمامية:
تقبل شهادة الأصم فيما يكفى فيه الرؤية كالأفعال من الغصب والسرقة والقتل والرضاع والولادة والزنا واللواط، لانتفاء الحاجة الى السمع فى الفعل (١).
قراءة الأصم فى صلاته
مذهب الحنفية:
يرى بعض فقهاء الحنفية:
أن أدنى الحد الذى تتحقق به القراءة فى الصلاة خروج صوت يصل الى أذن المصلى ولو حكما، كما لو كان هناك مانع من صمم أو جلبة أصوات أو نحو ذلك.
وفى تعرف تفصيل ذلك عند الحنفية وغيرهم يرجع الى مصطلح قراءة (٢).
قضاء الأصم
يرى الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة:
أن الأصم لا يصح توليته القضاء، ويجب عزل القاضى اذا طرأ الصمم عليه (٣).
وأما ثقل السمع فليس بمانع من توليته القضاء عندهم وعند الزيدية (٤).
امامة الأصم واقتداؤه
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن الأصم لا ينبغى أن يكون اماما راتبا لأنه قد يسهو فيسبح له فلا يسمع فيكون ذلك سببا لافساد الصلاة (٥)، ولا يجوز
стр. 4260
أن يكون مأموما وحده لأنه لا يهتدى الى أفعال الامام فان كان معه مأموم آخر جاز لأنه ينبهه الى أفعال الامام (١).
مذهب الشافعية:
قالوا فى امامة الأصم: تجوز امامة الأصم مع وجود السميع (٢).
وقالوا فى اقتداء الأصم: يشترط علم المأموم بانتقالات الامام ليتمكن من متابعته بأن كان يراه أو يرى بعض صف من المقتدين به أو واحدا منهم وان لم يكن فى صف، أو يسمعه أو يسمع مبلغا ثقة وان لم يكن مصليا أو بهداية ثقة بجنب أعمى أصم أو بصير أصم فى نحو ظلمة ..
فلو جهل المأموم أفعال امامه الظاهرة كالركوع والسجود لم تصح صلاته، فيقضى لتعذر المتابعة حينئذ (٣).
مذهب الحنابلة:
تصح امامة الأصم، لأنه لا يخل بشئ من أفعال الصلاة ولا شروطها فأشبه الأعمى، فان كان أصم أعمى صحت امامته لذلك.
وقال بعض أصحابهم: لا تصح امامته، لأنه اذا سها لا يمكن تنبيهه بتسبيح ولا اشارة والأولى صحتها، فانه لا يمنع من صحة الصلاة احتمال عارض لا يتيقن وجوده كالمجنون حال أفاقته (٤).
عقود الأصم
ايجاب الأصم:
اذا كان الأصم قادرا على النطق فالحكم فى ايجابه هو الحكم فى ايجاب الناطق غير الأصم، أى أنه ينشئ عقده بالايجاب بعبارته أو بكتابته ان كان قادرا على الكتابة الدالة على كل منهما سواء كان عقدا ينشأ بالارادة المنفردة كالوقف أم عقدا ينشأ من جانبين بالايجاب والقبول كالبيع.
أما اذا كان غير قادر على النطق بأن كان أصم أبكم فايجابه فى عقوده يكون باشارته المفهمة المعه دة، حكمه فى ذلك حكم الأخرس ذلك ما يتعلق بايجابه.
اتصال علمه بالقبول:
يتصل علمه بالقبول ان كان باشارة برؤيته
стр. 4261
لها اذا كان بصيرا فان كان بكتابة فبقراءته اياها اذا كان يعرف القراءة.
فان كان أعمى فلا سبيل الى التعامل معه شخصيا.
فاذا كان الموجب قبول الأصم اذا كان الأصم هو من وجه اليه الايجاب فيجب أن يعلم مضمون الايجاب الموجه اليه برؤيته اشارة الموجب أو بقراءته كتابته.
فان كان الأعمى فلا سبيل الى علمه بمدلول الايجاب ولذا لا يتأتى التعامل معه شخصيا
هذا هو رأى الفقهاء جميعا.
وجملة القول أن العقود التى تنشأ من جانبين لا تتم الا بارتباط الايجاب والقبول.
وذلك ما نص عليه صاحب الفتح الكمال ابن الهمام فى أول كتاب البيع عند الكلام على نشأة البيع وما دل عليه عند كلامه فى انشاء عقد الزواج.
وهو ما يدل عليه ما ذكر فى بقية المذاهب الأخرى عند كلامهم على العقود ووجوب انشائها على الارتباط بين العاقدين، بناء على التوافق بين القبول والايجاب، وعلم كل من الطرفين مضمون كلام الآخر فيها.
وهذا ما يتفق مع ما جاء فى حاشية العدوى على الخرشى اذ جاء فيها: ان حقيقة البيع توجد بسبب ما يدل على الرضا من العاقد من لفظ أو اشارة أخرس غير أعمى ..
وما جاء فى الذخيرة أنه اذا كان العاقد أخرس أعمى منعت معاملته ومناكحته لتعذر الاشارة منه (١).
غير أنه يلاحظ ما استجد الآن من امكان تعليم الأعمى القراءة والكتابة بواسطة الحروف المجسمة وبذلك يمكن التعامل مع الأصم بهذه الوسيلة.
أنظر مصطلح (عقد).
أصول الفقه
تعريف أصول الفقه بمعناه الأصلى الاضافى.
يراد بالتعريف هنا تفسير كل كلمة من هذا المركب الاضافى «أصول الفقه» على حدتها.
فكلمة أصول: جمع أصل وهو فى اللغة اسم لما يبتنى عليه غيره، سواء كان ذلك
стр. 4262
حسيا كالأساس الذى يشيد عليه البناء، فهو أصل له، أم كان عقليا كالقواعد الكلية التى يبتنى عليها الأحكام الجزئية.
ومن ذلك العلة فانها أصل للمعلول.
وأما كلمة فقه فان الفقه فى اللغة بمعنى العلم بالشئ والفهم له.
وعند الفقهاء العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من الأدلة التفصيلية كما قال البيضاوى وغيره.
وقد عرفه البيضاوى فى منهاجه فقال (١): هو معرفة دلائل الفقه اجمالا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، أى التصديق بجميع مسائل أدلة الفقه الاجمالية المتفق عليها والمختلف فيها، وبطريقة استفادة الفقه من تلك الأدلة واستنباط الأحكام الشرعية منها، وبصفات المستفيد وهو طلب حكم الله عن دليل.
موضوع أصول الفقه:
تمهيد مفيد:
ان كل علم - من العلوم المدونة - عبارة عن مجموعة من المسائل الكلية، يدور البحث فيها عن أحوال ذاتية متعلقة بشئ واحد، أو بأشياء متعددة، بشرط أن تكون متناسبة تناسبا يعتد به، بأن يجمعها أمر مشترك يدور البحث حوله. وبذلك تمتاز مجموعة مسائله عن مسائل العلوم الأخرى، تمام التميز، وهذا الشئ الواحد أو هذه الأشياء المتناسبة تسمى: «موضوع العلم».
ولذلك عرفه العلماء: «بأنه ما يبحث - فى ذلك العلم عن عوارضه الذاتية».
وأرادوا بالعوارض «الأمور المحمولة على الشئ الخارجة عنه».
وأرادوا بالذاتية: «ما كان منشؤها ذات الشئ.
وبما أن العلم لا يمتاز عن غيره تمام التميز، الا بموضوعه - كان على طالبه أن يصدق بموضوعة موضوعه أى بأن موضوعه هو كذا لتحصل له زيادة بصيرة فى الشروع فيه بعد معرفة تعريفه وادراك حقيقته.
стр. 4263
فعلى طالب علم أصول الفقه أن يعرف ما هو موضوعه؟ قبل أن يشرع فيه، لما تقدم ذكره.
اذا تمهد هذا نقول: قد اختلف علماء الأصول فى موضوعه على مذاهب كثيرة أشهرها ثلاثة:
١ - (المذهب الأول) أن موضوعه:
الأدلة السمعية مجملة من حيث اثبات الأحكام الشرعية بجزئياتها، بطريق الاجتهاد، بعد الترجيح بينها عند تعارضها، وهذا مذهب الجمهور. وعليه فيعرف الأصول بنحو ما تقدم ذكره عن البيضاوى.
وانما كان الأمر كذلك، لأنه يبحث فى الأصول عن عوارض تلك الأدلة الذاتية من هذه الحيثية.
قال الآمدى: «ولما كانت مباحث الأصوليين فى علم الأصول - لا تخرج عن أحوال الأدلة الموصلة الى الأحكام الشرعية، المبحوث عنها فيه وعن أقسامها واختلاف مراتبها واستثمار الأحكام الشرعية عنها، على وجه كلى: كانت هى موضوع علم الأصول».
وتعبير بعضهم: «بأن موضوعه الدليل السمعى»، المراد منه: أن موضوع الأصول بالقوة هو: الدليل السمعى الكلى، وأن موضوعه بالفعل - فى قضاياه وسائله - وهو: أنواع هذا الدليل، وأعراضه وأنواع هذه الأعراض. كما صرح به الكمال بن الهمام وغيره، وكما سنذكره ونبينه.
وبذلك تعلم أن موضوع الأصول أشياء متعددة - وهى: الكتاب، والسنة وغيرهما: من الأدلة المتفق على حجيتها والأدلة المختلف فيها - ولكنها متناسبة:
لاشتراكها فى الايصال الى حكم شرعى.
وتعلم أيضا -: أن الأدلة التفصيلية ليست موضوعا له وانما تذكر فيه على سبيل المثال.
وتعلم كذلك - أن مسائل علم الأصول منحصرة فى ثلاثة مباحث:
الأدلة والترجيح عند التعارض والاجتهاد.
وأن مباحث الأحكام ليست من الأصول
ثم ان البحث عن العوارض الذاتية للدليل السمعى الاجمالى، يكون على أربعة أنواع:
(النوع الأول) أن يحمل العرض الذاتى على نفس الدليل، كقولنا: «الكتاب يثبت الحكم قطعا: اذا كانت دلالته قطعية».
(النوع الثانى) أن يحمل على نوع الدليل كقولنا: الأمر يفيد الوجوب» فان الأمر نوع من الكتاب.
стр. 4264
(النوع الثالث) أن يحمل على عرض ذاتى آخر له كقولنا «العام يفيد الظن» فان «العموم» عرض ذاتى للكتاب.
(النوع الرابع): «أن يحمل على نوع العرض الذاتى كقولنا: العام المخصوص يفيد الظن» فان العام المخصوص نوع من العام:
الذى هو عرض ذاتى للكتاب.
وجميع مباحث الأصول راجعة الى اثبات الأدلة للأحكام: بأن يكون محمولها هو الاثبات نفسه، أو أمرا آخر له نفع ودخل فيه كاشتراطنا فى حجية خبر الواحد:
أن يكون سنده متصلا، وأن يكون راوية ثقة.
ثم أن الأصوليين لم يتعرضوا لحجية الكتاب والسنة، لأن المقصود فى الفنون المسائل النظرية، وكون الكتاب والسنة حجة أمر بديهى دينى: لاجماع العامة والخاصة عليه. ولذلك يكفر منكره ومن تردد فى ثبوته بخلاف غيرهما من الأدلة ولذلك تعرضوا لاثبات حجية الاجماع والقياس: لأنه قد أكثر فيها الشغب من الحمقى والخوارج والروافض وبعض المعتزلة وتعرضوا لحجية القراءة ة الشاذة. وخبر الواحد، والأدلة المختلف فيها: لأنها غير بينة.
٢ - المذهب الثانى: أن موضوعه الأحكام الشرعية من حيث ثبوتها بالأدلة. وهى الأحكام التكليفية: من الوجوب والندب والحرمة والكراهة والاباحة والأحكام الوضعية: من السببية والشرطية والمانعية والصحة والفساد، وهو مذهب بعض الحنفية.
وعليه فيعرف الأصول: «بأنه علم يعرف به أحوال الأحكام الشرعية من حيث ثبوتها بالأدلة».
٣ - (المذهب الثالث): أن موضوعه:
الأدلة والأحكام الشرعية. وقد ذهب اليه صدر الشريعة من الحنفية.
وقد استدل له (أولا) بما ذكره صدر الشريعة نفسه: من أن علم أصول الفقه يبحث عن العوارض الذاتية للأدلة، وهى: اثباتها للأحكام، ويبحث كذلك عن العوارض الذاتية للأحكام وهى ثبوتها بالأدلة. فجعل أحدهما من المقاصد، والآخر من اللواحق - تحكم غايته ما فى الباب: أن مباحث الأدلة أكثر وأهم، ولكن ذلك لا يقتضى الأصالة والاستقلال.
واستدل له (ثانيا) بما ذكره السيد الجرجانى: من أنه قد يبحث فيه عن عوارض أخرى للحكم غير ثبوته بالدليل، كقولهم: «أن الوجوب موسع أو مضيق وعلى الأعيان أو على الكفاية الى غير ذلك مما ليس الموضوع فيه الدليل.
وقد حاول السعد التفتازانى أن يجعل الخلاف بين هذه المذاهب الثلاثة لفظيا
стр. 4265
فقال: «وفى ظنى أنه لا خلاف بينها فى المعنى، لأن من جعل الموضوع الأدلة، جعل المباحث المتعلقة بالأحكام راجعة الى أحوال الأدلة (يعنى: لا يلغى المسائل الباحثة عن أحوال الأحكام التى تذكر فى هذا الفن، ولا يسقطها من مسمى الأصول، بل يرجعها الى المسائل الباحثة عن أحوال الأدلة - بنوع من التأويل).
ومن جعله الأحكام، جعل المباحث المتعلقة بالأدلة راجعة الى أحوال الأحكام. تقليلا لكثرة الموضوع، فانه أليق بالعلوم.
ومن جعله كلا الأمرين فقد أراد التوضيح والتفصيل (واستراح من مشقة التأويل) ا. هـ.
لكن هذا كما ترى يؤدى الى نفى الخلاف فى اعتبار المسائل التى ذكرت فيه، سواء تعلقت بالأدلة أم بالأحكام من علم الأصول. لا الى نفى الخلاف فى الموضوع نفسه.
فالحق أن الخلاف فى الموضوع معنوى، وليس بلفظى.
ويؤكد ذلك أن بعض المحققين - كالقاضى البيضاوى، والتاج السبكى - جعل كثيرا من مباحث الأحكام من قبيل المقدمات، وصدرها أمام المقصود بالذات.
شرف علم الأصول وفضله
وفائدته وثمرته
أن علم أصول الفقه - بلا ريب - لأشرف من سائر علوم العربية: لشرف موضوعه، ولأن هذه العلوم وسائل بالنسبة اليه، ولأنه أقرب الوسائل الى الفقه.
وذكر بعضهم أنه أشرف من علمى التفسير والحديث، لعموم موضوعه - بالنسبة اليها - ولو من وجه.
وعلى كل: فهو من أفضل العلوم وأعظمها قدرا، وأرفعها ذكرا وأبلغها أثرا.
وأن له - من الفوائد المتنوعة العظيمة والآثار الحميدة العميمة ما لا يجمعه الحصر، ولا يأتى عليه الذكر.
١ - فمن أهم فوائده: التمكن من نصب الأدلة السمعية على مداولاتها، ومعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية منها.
وما ذكره الآمدى وغيره: «من أن فائدته وغايته: الوصول الى معرفة الأحكام الشرعية التى هى مناط السعادة الدينية والدنيوية وسبب الفوز بها فى الدنيا والآخرة أو: نفس هذه المعرفة.
стр. 4266
فالمراد منه: تحقق ذلك ولو بالقوة أى: الاقتدار على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
وذلك لأن من عرف أحوال الأدلة الاجمالية من حيث دلالتها على الأحكام عرف أحوال جزئياتها - وهى الأدلة التفصيلية من هذه الجهة، وتلك الحيثية فاذا وجد الأدلة التفصيلية: أمكنه الخوض فيها، واستنباط الأحكام منها، على الصواب بقدر الوسع والطاقة.
فلا يلزم من كون الشخص أصوليا، أن يكون فقيها: لأنه قد يعلم بأحوال الأدلة ولكن لا يجدها وقد يجدها ولكن لا ينظر فيها.
وان كان يلزم من كونه فقيها - أى مدركا للأحكام وعارفا بها عن أدلتها التفصيلية - أن يكون أصوليا: لتوقف معرفة الأحكام من تلك الأدلة على معرفة أحوالها، وتوقف معرفة أحوالها على العلم بأحوال كلياتها: التى انما يعنى الأصولى وحده بالبحث عنها.
ومن هنا عرف ابن الحاجب «الأصول» بأنه «العلم بالقواعد التى يتوصل بها الى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية».
ومن أهم فوائده أيضا: أنه من أكبر الوسائل لحفظ الدين، وصون أدلته وحججه من تشبيه المتحللين، وتضليل الملحدين.
ومن أعظم الحواجز التى تدفع طعن الطاعنين وتمنع التأثر بتشكيك المخالفين.
وتمكن من الرد على نحو قول الهشامية (فرقة من الشيعة الإمامية. تنسب الى هشام ابن الحكم) «لا دلالة فى القرآن على حلال ولا حرام».
وقول بعض الحشوية: «ان فى القرآن ألفاظا مهملة، لا دلالة لها على شئ بالكلية».
وقول بعض المعتزلة: (ولا حجة فى الأخبار الآحادية».
وقول بعض النظامية والرافضة ان الاجماع والقياس ليسا من الحجج الشرعية «وغير ذلك مما يطول ذكره وشرحه».
٣ - وبالجملة فأصول الفقه هو العلم الذى يكون المجتهد المفكر، والفقيه المثمر.
فلا يمكن أن يستغنى عنه من يهتم بعلم الفقه والخلاف، ويتعرض لمقارنة المذاهب المختلفة، والموازنة بين الآراء المتباينة، ويعنى باظهار عللها وأدلتها، وكيفية دلالتها عليها، ويحرص على التقريب بينها، أو اظهار الحق فيها وبيان قويها من ضعيفها، أو صحيحها من باطلها، ومن يرغب فى دراسة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية - دراسة علمية صحيحة: تمكنه من معرفة أسرارها
стр. 4267
وتوصله الى الوقوف على الأحكام التى تفيدها وتؤخذ منها.
استمداده: يستمد من علم الكلام والعربية.
أما علم الكلام فلتوقف العلم بأن أدلة الأحكام مفيدة لها شرعا على معرفة الله تعالى وصفاته، وصدق رسوله ﷺ فيما جاء به، وغير ذلك مما لا يعرف فى غير علم الكلام.
وأما علم العربية فلتوقف معرفة دلالات الأدلة اللفظية من الكتاب والسنة على معرفة موضوعاتها لغة من جهة الحقيقة والمجاز والعموم والخصوص، الى غير ذلك مما لا يعرف فى غير علم العربية (١).
تدوينه وطرق تناوله
هذا الموضوع يتجه اتجاها تاريخيا غير موضوعى ولهذا لا نجد فى كتب الأصول القديمة من عرض للكتابة فى هذا، لأن اتجاههم فى الكتابة كان موضوعيا صرفا.
وقد وقفنا فى مقدمة ابن خلدون بين دراساته للعلوم ونشأتها، وما تناول فى كل فن مما يتعلق به من النبذ التاريخية أنه خص فن الأصول ببيان أول من ألف فيه وطرق الكتابة فيه فقال (٢):
أول من كتب فى علم الأصول الامام الشافعى اذ أملى رسالته المشهورة التى تكلم فيها فى الأوامر والنواهى، والبيان، والخبر، والنسخ، وحكم العلة المنصوصة من القياس.
ثم كتب فقهاء الحنفية فيه، وحققوا تلك القواعد، وأوسعوا القول فيها (٣).
وكتب المتكلمون أيضا كذلك، الا أن كتابة الفقهاء فيها أسمى بالفقه واليق بالفروع، لكثرة الأمثلة فيها والشواهد، وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية والمتكلمون يجردون صور تلك المسائل عن الفقه، ويميلون الى الاستدلال العقلى ما أمكن، لأنه غالب فنونهم ومقتضى طريقتهم، فكان لفقهاء الحنفية فيها اليد الطولى من الغوص على النكت الفقهية والتقاط هذه القوانين من مسائل الفقه ما أمكن.
وجاء أبو زيد الدبوسى من أئمتهم فكتب فى
стр. 4268
القياس بأوسع من جميعهم وتمم الأبحاث والشروط التى يحتاج اليها فيه.
وكملت صناعة أصول الفقه بكماله وتهذبت مسائله وتمهدت قواعده.
وعنى الناس بطريقة المتكلمين فيه.
وكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون كتاب البرهان لامام الحرمين، والمستصفى للغزالى وهما من الأشعرية، وكتاب العمدة للقاضى عبد الجبار وشرحه المعتمد لأبى الحسين البصرى، وهما من المعتزلة.
وكانت الكتب الأربعة قواعد هذا الفن وأركانه.
ثم لخص هذه الكتب الأربعة فحلان من المتكلمين المتأخرين، وهما الامام فخر الدين ابن الخطيب الرازى فى كتاب المحصول، وسيف الدين الآمدى فى كتاب الأحكام.
واختلفت طرائقهما فى الفن بين التحقيق والحجاج.
فابن الخطيب الرازى أميل الى الاستثمار من الأدلة والاحتجاج.
والآمدى مولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل.
وأما كتاب المحصول فاختصره تلميذ الامام سراج الدين الأرموى فى كتاب للتحصيل.
وتاج الدين الأرموى فى كتاب الحاصل.
واقتطف شهاب الدين القرافى منها مقدمات وقواعد فى كتاب صغير وسماه التنقيحات.
وكذلك فعل البيضاوى فى كتاب المنهاج.
وعنى المبتدئون بهذين الكتابين وشرحهما كثير من الناس.
وأما كتاب الأحكام للآمدى وهو أكثر تحقيقا فى المسائل فلخصه أبو عمرو بن الحاجب فى كتابه المعروف بالمختصر الكبير.
ثم اختصره فى كتاب آخر تداوله طلبة العلم.
وعنى أهل الشرق والغرب به وبمطالعته وشرحه وحصلت زبدة طريقة المتكلمين فى هذا الفن فى هذه المختصرات.
وأما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيرا.
وكان أحسن من كتب فيها من المتقدمين أبو زيد الدبوسى.
وأحسن كتابة المتأخرين فيها تأليف سيف الاسلام البزدوى من أئمتهم وهو مستوعب وجاء ابن الساعات من فقهاء الحنفية فجمع بين كتاب الأحكام وكتاب البزدوى فى الطريقتين وسمى كتابه البدائع فجاء من أحسن الأوضاع وأبدعها.
стр. 4269
وأئمة العلماء لهذا الفن تبادلونه قراءة وبحثا.
وولع كثير من علماء العجم بشرحه والحال على ذلك الى هذا العهد - عهد ابن خلدون.
هذا ما أورده ابن خلدون من كتب الأصول المختلفة.
وهناك كتب أخرى قد دونت فى عصره وغير عصره.
منها: كتاب أصول الكرخى الحنفى المتوفى سنة ٣١٠ هـ.
وكتاب أصول الجصاص الرازى المتوفى سنة ٣٣٠ هـ.
وأصول السرخسى المتوفى سنة ٤٢٨ هـ
وكتاب المنار للنسفى المتوفى سنة ٧٩٠ هـ وعليه عدة شروح وحواش طبع الكثير منها.
والتمهيد فى تخريج الفروع على الأصول للأسنوى المتوفى سنة ٧٧٢ هـ
والتنقيح لصدر الشريعة المتوفى سنة ٧٤٧ هـ وشرحه له المسمى بالتوضيح وهو كتاب لخص فيه كما يقول المؤلف - أصول البزدوى الحنفى والمحصول للفخر الرازى والشافعى.
ومنته السول والأمل لابن الحاجب المالكى.
وقد كتب عليه السعد التفتازانى الشافعى المتوفى سنة ٧٩٠ هـ حاشية نفيسة سماها «التلويح».
ومنها كتاب «جمع الجوامع» لتاج الدين السبكى الشافعى المتوفى سنة ٧٧١ هـ وقد جمع فيه من زهاء مائة مصنف كما يقول مؤلفه - ولذا كان عبارة عن جمع الأقوال المختلفة.
وقد شرحه الكثيرون.
وأجل شروحه شرح الجلال المحلى الشافعى.
ومنها: كتاب: الموافقات للامام الشهيد أبى اسحاق الشاطبى المالكى المتوفى سنة ٧٨٠ هـ وهو كتاب يقال:
أنه نسيج وحده فى بسط القواعد الأصولية والربط بينها وبين الكتاب والسنة وروح التشريع الاسلامى والكشف عن نواح جليلة من أسرار هذا التشريع مع أنه لم يتعرض لكثير من المباحث الأصولية، ومشتمل على خفاء فى أكثر المسائل التى تعرض لها.
ومنها كتاب تخريج الفروع على الأصول للزنجانى المتوفى سنة ٦٥٦ هـ.
ومنها كتاب «الأحكام فى أصول الأحكام لابن حزم الأندلسى الظاهرى المتوفى سنة ٤٥٦ هـ
стр. 4270
ومنها كتاب المسودة لابن تيمية:
مجد الدين المتوفى سنة ٦٥٢ هـ وشهاب الدين المتوفى سنة ٦٨٢ هـ وتقى الدين المتوفى سنة ٧٢٨ هـ.
ومنها: كتاب «التحرير» للكمال ابن الهمام المتوفى سنة ٨٦١ هـ.
وقد شرحه كثيرون: كابن أمير الحاج المتوفى سنة ٨٧٩ هـ.
وكتاب «مسلم الثبوت» لمحب الدين عبد الشكور المتوفى سنة ١١١٩ هـ.
وكلاهما من الكتب التى جمعت بين مسلكى المتكلمين والحنفية.
ومنها كتاب «ارشاد الفحول» للامام الشوكانى الزيدى المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ
وكتاب طلعة الشمس للسالمى الأباضى الذى انته من تأليفه سنة ١٣١٧ هـ.
أصيل
المعنى اللغوى:
جاء فى لسان العرب: رجل أصيل أى: له أصل ورأى أصيل أى له أصل.
ورجل أصيل ثابت الرأى عاقل.
وقول بعضهم ان النخل بأرضنا لأصيل أى: هو بها لا يزال ولا يفنى .. ومجد أصيل أى ذو أصالة (١).
ويقول صاحب المختار الأصيل الوقت بعد العصر الى المغرب وجمعه أصل، وقد آصل أى دخل فى الأصيل، وجاء مؤصلا، ورجل أصيل الرأى أى محكم الرأى (٢).
المعنى الاصطلاحى:
ولم يخرج الفقهاء فى الجملة عما قرره اللغويون فى معنى كلمة أصيل، ذلك أنهم تكلموا عن حقوق الشخص الذى يعتبر أصيلا فى بعض التصرفات كما فى الكفالة والحوالة والوكالة، وأيضا فانهم تكلموا عن حكم العبادة فى وقت الأصيل.
بل لقد وردت كلمة أصيل فى القرآن الكريم فى أكثر من آية ساقها الله لبيان أن وقت الأصيل هو من الأوقات التى يستحب فيها ذكره تعالى وتسبيحه وتحميده.
стр. 4271
ومن هذه الآيات قوله «وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (١)».
وقوله تعالى «إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٢)».
ومن المستحسن هنا - الاكتفاء ببيان المراد من مصطلح أصيل فى بعض أبواب الفقه التى يثور بشأنها الكلام عنه وذلك بالقدر اللازم لتحقيق هذا المقصد، وعدم التعرض للأحكام تفصيلا، ولكن فقط بالقدر الضرورى لاعطاء القارئ صورة واضحة عن هذا المصطلح فى كل باب من هذه الأبواب.
لفظ أصيل فى التصرفات
فى باب الكفالة:
بعض الفقهاء يعرف الكفالة بأنها ضم ذمة الكفيل الى ذمة الأصيل فى المطالبة دون الدين.
وجمهور الفقهاء يرى أن الكفالة ضم ذمة الكفيل الى ذمة الأصيل فى ثبوت أصل الدين.
فالأصيل هو من ثبت الدين فى ذمته ابتداء وهو المدين الأصلى.
وعلى هذا فالكفالة لا توجب براءة الأصيل، بل يطالب بالدين كل من الأصيل والكفيل سواء أكانت الكفالة ضم ذمة الكفيل الى ذمة الأصيل فى المطالبة بالدين فقط، أو ضم ذمة الكفيل الى ذمة الأصيل فى ثبوت أصل الدين.
ويرى بعض الفقهاء أن الكفالة توجب براءة الأصيل، لأنه لا بد من وجود الدين فى ذمة الكفيل، ومن ضرورة ذلك فراغ ذمة الأصيل، لأن ما ثبت فى محل معين فان سائر المحال الأخرى تفرغ منه بالضرورة، لاستحالة أن يكون الشئ الواحد شاغلا لمحلين، وقد ثبت الدين فى ذمة الكفيل فمن ضرورته براءة الأصيل (٣).
(أنظر مصطلح كفالة).
فى باب الحوالة:
الحوالة مشتقة من التحول.
وهى فى اصطلاح الفقهاء نقل الدين من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه (٤).
стр. 4272
وعلى ذلك يكون المحيل هو الأصيل الذى ثبت الالتزام فى ذمته فى أول الأمر.
وجمهور الفقهاء على أن الحوالة توجب براءة ذمة الأصيل (١)، لأنه بنقل الدين صار الأصيل - وهو هنا المحيل - غير ملتزم بالمرة متى توافرت بقية الشروط المطلوبة شرعا.
وتفصيل القول فى ذلك وفى غيره من أحكام يرجع اليه فى مصطلح (حوالة)
فى باب الوكالة:
التوكيل فى اصطلاح الفقهاء هو اقامة الانسان غيره مقامه فى تصرف جائز له (٢).
وعلى هذا فالأصيل فى باب الوكالة هو الموكل وهو الذى تنصرف اليه - بحسب الأصل آثار العقود التى يبرمها الوكيل فى حدود وكالته.
وتفصيل القول فى حقوق الأصيل - فى هذا المقام وفى غيرها من الأحكام يرجع اليه فى مصطلح (وكالة).
صدور الايجاب والقبول من شخص واحد:
من صور التعاقد الذى يوصف العاقد فيها بأنه أصيل يلى العقد عن نفسه ما يأتى.
١ - أن يكون الشخص أصيلا عن نفسه ووليا عن غيره وذلك كما فى بيع الأب ماله للصغير أو شرائه مال الصغير لنفسه.
٢ - أن يكون أصيلا عن نفسه ووكيلا عن غيره كما فى تصرفات الوكيل التى يجريها لنفسه فى أموال موكله.
٣ - أن يكون أصيلا عن نفسه وفضوليا عن الجانب الأخر وذلك كأن يبيع لنفسه مال غيره الذى لم يفوضه فى بيعه وهناك أحوال أخرى.
وتفصيل هذه الحالات وغيرها يرجع اليه فى مصطلح: عقد. فضالة. (ولاية).
стр. 4273
إضافة
التعريف اللغوى:
اضافة مصدر فعله أضاف على وزن أفعل، فهو ثلاثى مزيد بالهمزة فى أوله وأصل مادته ضيف.
جاء فى لسان العرب والقاموس المحيط (١) أنه يقال ضفت الرجل ضيفا وضيافة، وتضيفته اذا نزلت به ضيفا وملت اليه.
وقيل: نزلت به وصرت له ضيفا.
قال ابن برى وعلى ذلك قول القطامى:
تحيز عنى خشية أن أضيفها … كما انحازت الأفعى مخافة ضارب
وفى حديث عائشة رضى الله عنها:
ضافها ضيف فأمرت له بملحفة صفراء.
ويقال أضفت فلانا وضيفته - بفتح التاء فيهما - أنزلته عليك ضيفا وأملته اليك وقربته.
ولذلك قيل: هو مضاف الى كذا، أى ممال اليه.
ويقال أضاف فلان فلانا فهو يضيفه اضافة اذا ألجأه الى ذلك.
وفى التنزيل العزيز قول الله «فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما.» (٢)
قال أبو الهيثم: أضافه وضيفه عندنا بمعنى واحد كقولك أكرمه الله وكرمه.
ويقال ضافت المرأة اذا حاضت، لأنها مالت من الطهر الى الحيض وضافت الشمس تضيف وضيفت وتضيفت دنت للغروب وقربت.
وفى الحديث الشريف نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة اذا تضيفت الشمس للغروب - تضيفت:
مالت.
ويقال ضاف اليه اذا مال ودنا وكذلك أضاف.
стр. 4274
قال ساعدة بن جؤية يصف سحابا:
حتى أضاف الى واد ضفادعه … غرقى ردافى، تراها تشتكى النشجا
وضافنى الهم كذلك.
والمضاف: الملصق بالقوم الممال اليهم وليس منهم، وكل ما أميل الى شئ وأسند اليه فقد أضيف.
قال امرؤ القيس:
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا … الى كل حارى فشيب مشطب
أى أسندنا ظهورنا اليه وأملناها.
ومنه قيل للدعى مضاف لأنه مسند الى قوم ليس منهم.
وفى الحديث مضيف ظهره الى القبة أى مسنده، واضافة الاسم الى الاسم كقولك غلام زيد، فالغلام مضاف وزيد مضاف اليه.
والغرض من الاضافة التخصيص والتعريف ولهذا لا يجوز أن يضاف الشئ الى نفسه لأنه لا يعرف نفسه، فلو عرفها لما احتيج الى الاضافة.
والنحويون يسمون الباء حرف الاضافة، وذلك أنك اذا قلت مررت بزيد فقد أضفت مرورك الى زيد بالباء.
ويقال أضاف من الأمر اذا أشفق منه وحذر.
وعلى ذلك قول النابغة الجعدى:
أقامت ثلاثا بين يوم وليلة … وكان النكير أن تضيف وتجأرا
التعريف فى اصطلاح الفقهاء:
يستعمل الفقهاء كلمة اضافة، ويكادون لا يخرجون فى ذلك على المعنى اللغوى.
فهى بمعنى الاسناد والامالة والتخصيص.
فاذا قيل الحكم مضاف الى فلان أو من صفته كذا، كان ذلك اسنادا اليه.
واذا قيل الحكم مضاف الى زمان كذا كان تخصيصا له.
стр. 4275
الاضافة فى النكاح
أولا: حكم اضافة النكاح الى بعض
المرأة أو الى مجهول أو مبهم
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (١): أن من شروط ركن النكاح أن يضيف النكاح الى كل المرأة أو ما يعبر به عن الكل كالرأس والرقبة، بخلاف اليد والرجل، كما عرف فى الطلاق.
فلو أضاف النكاح الى ظهرها أو بطنها ذكر الحلوانى قال مشايخنا الأشبه من مذهب أصحابنا أنه ينعقد النكاح.
وذكر ركن الاسلام والسرخسى ما يدل على أنه لا ينعقد النكاح، كذا فى الذخيرة.
ولو قال تزوجت نصفك فالأصح عدم الصحة كما فى الخانية.
ومن شروط النكاح أن لا تكون المنكوحة مجهولة فلو زوجه بنته ولم يسمها وله بنتان لم يصح، للجهالة.
بخلاف ما اذا كان له بنت واحدة، الا اذا سماها بغير اسمها، ولم يشر اليها، فانه لا يصح كما فى التجنيس.
فلو كان له بنتان كبرى واسمها عائشة وصغرى واسمها فاطمة فأراد تزويج الكبرى فغلط فسماها فاطمة انعقد على الصغرى، فلو قال فاطمة الكبرى لم ينعقد لعدم وجودها.
وفى الذخيرة اذا كان للمزوج ابنة واحدة وللقابل ابنان، فان سمى القابل الابن باسمه صح النكاح للابن المسمى، وكذلك اذا لم يسمه واقتصر على قوله قبلت يجوز النكاح، ويجعل قوله قبلت جوابا فيتقيد بالايجاب، ولو ذكر القابل الابن الا أنه لم يسمه باسمه بأن قال قبلت لابنى لا يصح، لأنه لا يمكن أن يجعل جوابا لأنه زاد عليه (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة (٣) أنه لو قالت المولية لوليها زوجنى فقد وكلتك أن تزوجنى ممن أحببت، لم يجز أن يزوجها من