ومن هذه الآيات قوله «وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (١)».
وقوله تعالى «إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٢)».
ومن المستحسن هنا - الاكتفاء ببيان المراد من مصطلح أصيل فى بعض أبواب الفقه التى يثور بشأنها الكلام عنه وذلك بالقدر اللازم لتحقيق هذا المقصد، وعدم التعرض للأحكام تفصيلا، ولكن فقط بالقدر الضرورى لاعطاء القارئ صورة واضحة عن هذا المصطلح فى كل باب من هذه الأبواب.
لفظ أصيل فى التصرفات
فى باب الكفالة:
بعض الفقهاء يعرف الكفالة بأنها ضم ذمة الكفيل الى ذمة الأصيل فى المطالبة دون الدين.
وجمهور الفقهاء يرى أن الكفالة ضم ذمة الكفيل الى ذمة الأصيل فى ثبوت أصل الدين.
فالأصيل هو من ثبت الدين فى ذمته ابتداء وهو المدين الأصلى.
وعلى هذا فالكفالة لا توجب براءة الأصيل، بل يطالب بالدين كل من الأصيل والكفيل سواء أكانت الكفالة ضم ذمة الكفيل الى ذمة الأصيل فى المطالبة بالدين فقط، أو ضم ذمة الكفيل الى ذمة الأصيل فى ثبوت أصل الدين.
ويرى بعض الفقهاء أن الكفالة توجب براءة الأصيل، لأنه لا بد من وجود الدين فى ذمة الكفيل، ومن ضرورة ذلك فراغ ذمة الأصيل، لأن ما ثبت فى محل معين فان سائر المحال الأخرى تفرغ منه بالضرورة، لاستحالة أن يكون الشئ الواحد شاغلا لمحلين، وقد ثبت الدين فى ذمة الكفيل فمن ضرورته براءة الأصيل (٣).
(أنظر مصطلح كفالة).
فى باب الحوالة:
الحوالة مشتقة من التحول.
وهى فى اصطلاح الفقهاء نقل الدين من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه (٤).
стр. 4272
وعلى ذلك يكون المحيل هو الأصيل الذى ثبت الالتزام فى ذمته فى أول الأمر.
وجمهور الفقهاء على أن الحوالة توجب براءة ذمة الأصيل (١)، لأنه بنقل الدين صار الأصيل - وهو هنا المحيل - غير ملتزم بالمرة متى توافرت بقية الشروط المطلوبة شرعا.
وتفصيل القول فى ذلك وفى غيره من أحكام يرجع اليه فى مصطلح (حوالة)
فى باب الوكالة:
التوكيل فى اصطلاح الفقهاء هو اقامة الانسان غيره مقامه فى تصرف جائز له (٢).
وعلى هذا فالأصيل فى باب الوكالة هو الموكل وهو الذى تنصرف اليه - بحسب الأصل آثار العقود التى يبرمها الوكيل فى حدود وكالته.
وتفصيل القول فى حقوق الأصيل - فى هذا المقام وفى غيرها من الأحكام يرجع اليه فى مصطلح (وكالة).
صدور الايجاب والقبول من شخص واحد:
من صور التعاقد الذى يوصف العاقد فيها بأنه أصيل يلى العقد عن نفسه ما يأتى.
١ - أن يكون الشخص أصيلا عن نفسه ووليا عن غيره وذلك كما فى بيع الأب ماله للصغير أو شرائه مال الصغير لنفسه.
٢ - أن يكون أصيلا عن نفسه ووكيلا عن غيره كما فى تصرفات الوكيل التى يجريها لنفسه فى أموال موكله.
٣ - أن يكون أصيلا عن نفسه وفضوليا عن الجانب الأخر وذلك كأن يبيع لنفسه مال غيره الذى لم يفوضه فى بيعه وهناك أحوال أخرى.
وتفصيل هذه الحالات وغيرها يرجع اليه فى مصطلح: عقد. فضالة. (ولاية).
стр. 4273
إضافة
التعريف اللغوى:
اضافة مصدر فعله أضاف على وزن أفعل، فهو ثلاثى مزيد بالهمزة فى أوله وأصل مادته ضيف.
جاء فى لسان العرب والقاموس المحيط (١) أنه يقال ضفت الرجل ضيفا وضيافة، وتضيفته اذا نزلت به ضيفا وملت اليه.
وقيل: نزلت به وصرت له ضيفا.
قال ابن برى وعلى ذلك قول القطامى:
تحيز عنى خشية أن أضيفها … كما انحازت الأفعى مخافة ضارب
وفى حديث عائشة رضى الله عنها:
ضافها ضيف فأمرت له بملحفة صفراء.
ويقال أضفت فلانا وضيفته - بفتح التاء فيهما - أنزلته عليك ضيفا وأملته اليك وقربته.
ولذلك قيل: هو مضاف الى كذا، أى ممال اليه.
ويقال أضاف فلان فلانا فهو يضيفه اضافة اذا ألجأه الى ذلك.
وفى التنزيل العزيز قول الله «فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما.» (٢)
قال أبو الهيثم: أضافه وضيفه عندنا بمعنى واحد كقولك أكرمه الله وكرمه.
ويقال ضافت المرأة اذا حاضت، لأنها مالت من الطهر الى الحيض وضافت الشمس تضيف وضيفت وتضيفت دنت للغروب وقربت.
وفى الحديث الشريف نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة اذا تضيفت الشمس للغروب - تضيفت:
مالت.
ويقال ضاف اليه اذا مال ودنا وكذلك أضاف.
стр. 4274
قال ساعدة بن جؤية يصف سحابا:
حتى أضاف الى واد ضفادعه … غرقى ردافى، تراها تشتكى النشجا
وضافنى الهم كذلك.
والمضاف: الملصق بالقوم الممال اليهم وليس منهم، وكل ما أميل الى شئ وأسند اليه فقد أضيف.
قال امرؤ القيس:
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا … الى كل حارى فشيب مشطب
أى أسندنا ظهورنا اليه وأملناها.
ومنه قيل للدعى مضاف لأنه مسند الى قوم ليس منهم.
وفى الحديث مضيف ظهره الى القبة أى مسنده، واضافة الاسم الى الاسم كقولك غلام زيد، فالغلام مضاف وزيد مضاف اليه.
والغرض من الاضافة التخصيص والتعريف ولهذا لا يجوز أن يضاف الشئ الى نفسه لأنه لا يعرف نفسه، فلو عرفها لما احتيج الى الاضافة.
والنحويون يسمون الباء حرف الاضافة، وذلك أنك اذا قلت مررت بزيد فقد أضفت مرورك الى زيد بالباء.
ويقال أضاف من الأمر اذا أشفق منه وحذر.
وعلى ذلك قول النابغة الجعدى:
أقامت ثلاثا بين يوم وليلة … وكان النكير أن تضيف وتجأرا
التعريف فى اصطلاح الفقهاء:
يستعمل الفقهاء كلمة اضافة، ويكادون لا يخرجون فى ذلك على المعنى اللغوى.
فهى بمعنى الاسناد والامالة والتخصيص.
فاذا قيل الحكم مضاف الى فلان أو من صفته كذا، كان ذلك اسنادا اليه.
واذا قيل الحكم مضاف الى زمان كذا كان تخصيصا له.
стр. 4275
الاضافة فى النكاح
أولا: حكم اضافة النكاح الى بعض
المرأة أو الى مجهول أو مبهم
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (١): أن من شروط ركن النكاح أن يضيف النكاح الى كل المرأة أو ما يعبر به عن الكل كالرأس والرقبة، بخلاف اليد والرجل، كما عرف فى الطلاق.
فلو أضاف النكاح الى ظهرها أو بطنها ذكر الحلوانى قال مشايخنا الأشبه من مذهب أصحابنا أنه ينعقد النكاح.
وذكر ركن الاسلام والسرخسى ما يدل على أنه لا ينعقد النكاح، كذا فى الذخيرة.
ولو قال تزوجت نصفك فالأصح عدم الصحة كما فى الخانية.
ومن شروط النكاح أن لا تكون المنكوحة مجهولة فلو زوجه بنته ولم يسمها وله بنتان لم يصح، للجهالة.
بخلاف ما اذا كان له بنت واحدة، الا اذا سماها بغير اسمها، ولم يشر اليها، فانه لا يصح كما فى التجنيس.
فلو كان له بنتان كبرى واسمها عائشة وصغرى واسمها فاطمة فأراد تزويج الكبرى فغلط فسماها فاطمة انعقد على الصغرى، فلو قال فاطمة الكبرى لم ينعقد لعدم وجودها.
وفى الذخيرة اذا كان للمزوج ابنة واحدة وللقابل ابنان، فان سمى القابل الابن باسمه صح النكاح للابن المسمى، وكذلك اذا لم يسمه واقتصر على قوله قبلت يجوز النكاح، ويجعل قوله قبلت جوابا فيتقيد بالايجاب، ولو ذكر القابل الابن الا أنه لم يسمه باسمه بأن قال قبلت لابنى لا يصح، لأنه لا يمكن أن يجعل جوابا لأنه زاد عليه (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة (٣) أنه لو قالت المولية لوليها زوجنى فقد وكلتك أن تزوجنى ممن أحببت، لم يجز أن يزوجها من
стр. 4276
نفسه، ولا من غيره حتى يسمى لها من يريد أن يزوجها، وأن زوجها أحدا قبل أن يسميه لها فأنكرت ذلك كان ذلك لها، وان لم يكن بين لها أنه يزوجها من نفسه ولا من غيره، الا أنها قالت له زوجنى ممن أحببت ولم يذكر لها نفسه فزوجها من نفسه أو من غيره فلا يجوز ذلك. هذا قول مالك رحمه الله تعالى اذا لم تجز ما صنع
قال سحنون رحمه الله تعالى وقد قال ابن القاسم انه اذا زوجها من غيره وان لم يسمه لها فهو جائز.
مذهب الشافعية:
جاء فى حاشيتى (١) قليوبى وعميرة أنه لا يكفى فى صحة عقد النكاح اضافة الانكاح الى جزء المرأة وان لم تعش بدونه كقلبها أو رأسها أو يدها.
نعم اعتمد شيخنا صحة البيع فى ذلك أن قصد به الجملة.
فيحتمل أن يقال بمثله هنا ويحتمل أن يفرق وهو أقرب.
وجاء فى مغنى المحتاج أنه لا يصح النكاح بلفظ الجزء من المنكوحة كزوجتك نصف ابنتى.
قاله الامام فى كتاب الطلاق (٢) ويشترط تعيين كل من الزوجين فزوجتك احدى بناتى، أو زوجت بنتى مثلا أحدكما باطل ولو مع الاشارة كالبيع.
ولو قال زوجتك بنتى وكان رآها قبل ذلك وليس له غيرها أو أشار اليها صح.
ولو سمى البنت المذكورة بغير اسمها، أو قال زوجتك هذا الغلام وأشار الى البنت التى يريد تزويجها صح.
ولو كان اسم ابنته الواحدة فاطمة فقال: زوجتك فاطمة، ولم يقل:
بنتى، لم يصح النكاح، لكثرة الفواطم، لكن لو نواها، صح، عملا بما نواه، كما قاله البغوى رحمه الله تعالى.
ولو قال - وله بنتان كبرى وصغرى - زوجتك بنتى الكبرى وسماها باسم الصغرى صح فى الكبرى اعتمادا على الوصف.
ولو ذكر الولى للزوج اسم واحدة من بنتيه وقصدهما الأخرى صح فيما قصداها ولغت التسمية، فان
стр. 4277
اختلف قصدهما لم يصح، لأن الزوج قبل غير ما أوجبه الولى.
ولو قال زوجتك بنتى الصغيرة الطويلة وكانت الطويلة الكبيرة فالتزويج باطل، لأن كلا الوصفين لازم وليس اعتبار أحدهما فى تمييز المنكوحة أولى من اعتبار الآخر، فصارت مبهمة.
ولو خطب كل من رجلين امرأة وعقد كل منهما على مخطوبة الآخر ولو غلطا صح النكاحان لقبول كل منهما ما أوجبه الولى (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن من شروط النكاح تعيين الزوجين، لأن النكاح عقد معاوضة أشبه تعيين المبيع فى البيع، ولأن المقصود فى النكاح التعيين فلم يصح بدونه، فلا يصح العقدان قال الولى زوجتك ابنتى، وله بنات حتى يميزها عن غيرها، بأن يشير اليها أو يسميها باسم يخصها او يصفها بما تتميز به عن غيرها، بأن تكون الصفة لا يشركها فيها غيرها من اخواتها، كقوله زوجتك بنتى الكبرى أو بنتى الصغرى أو بنتى الوسطى أو بنتى البيضاء، ونحوه كالحمراء أو السوداء، فان سماها مع وصفها الذى تتميز به كأن يقول زوجتك بنتى فلانة الكبرى كان ذلك تأكيدا، لأنه مقو لما دل الاسم عليه.
ولو قال الولى زوجتك بنتى ولم يكن له الا بنت واحدة صح العقد ولو سماها الولى بغير اسمها، لأن عدم التعيين انما جاء من التعدد ولا تعدد هنا، وكذا لو سماها بغير اسمها وأشار اليها بأن قال زوجتك بنتى فاطمة هذه، وأشار الى خديجة، فيصح العقد على خديجة، لأن الاشارة أقوى وان سماها الولى باسمها، بأن قال: زوجتك فاطمة، ولم يقل بنتى لم يصح النكاح، وكذا لو قال زوجتك الكبيرة أو الطويلة ونحوه، لأن هذا الاسم أو هذه الصفة يشتركان بينها وبين سائر الفواطم أو الطوال.
وكمن له بنات فاطمة وعائشة فقال الولى زوجتك بنتى عائشة فقبل الزوج ونويا فى الباطن فاطمة فلا يصح النكاح، لأن المرأة لم تذكر بما تتميز به، فان اسم أختها لا يميزها بل يصرف العقد عنها، ولأنهما لم يتلفظا بما يصح العقد بالشهادة عليه فأشبه ما لو قال زوجتك عائشة فقط، أو ما لو قال زوجتك ابنتى ولم يسمها، واذا لم يصح فيما اذا لم يسمها ففى ما اذا سماها بغير اسمها أولى، وكذا ان قصد الولى واحدة والزوج أخرى، وان سمى لمن يريد التزويج فى العقد غير من خطبها فقبل
стр. 4278
يظنها المخطوبة لم يصح العقد، لأن القبول انصرف الى غير من وجد الايجاب فيها، ولو رضى الزوج بعد علمه بالحال فلا ينقلب النكاح صحيحا، فان قبل غير ظان أنها المخطوبة صح النكاح، وان كان الذى سمى له فى العقد غير مخطوبته وقبل يظنها اياها أى المخطوبة لم يصح العقد، لأن القبول انصرف الى غير من وجد الايجاب فيها، ولو رضى الزوج بعد علمه بالحال، فلا ينقلب النكاح صحيحا، فان قبل غير ظان أنها المخطوبة صح النكاح (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٢) أنه لا يحل نكاح من لم يولد بعد، فمن فعل ذلك لم يلزمه لأنه لا يدرى أيولد له ابنة أم ابن أم ميتة.
ولا يحل نكاح غائبة الا بتوكيل منها على ذلك ولا يحل انكاح غائب الا بتوكيل منه ورضا، لقول الله «وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها»﴾. (٣)
وقد تزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها وهى بأرض الحبشة وهو بالمدينة برضاهما معا (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن من أركان النكاح أن يكون لفظ التمليك متناولا لجميعها أو بضعها فيقول زوجتكها أو زوجتك بضعها أو ملكتك اياها أو ملكتك بضعها.
فأما لو قال زوجتك يدها أو رجلها أو رأسها لم ينعقد النكاح.
وكذا لو قال زوجتك ثلثها أو ربعها ما لم يكن فيه البضع.
ولو قال زوجتك نصفا ثم نصفا قيل يصح.
وقيل (٥) لا يصح.
ومن أركانه كذلك أن يقع قبول لعقد النكاح مثل العقد، وذلك لأن
стр. 4279
من حق العقد أن يكون ماضيا مضافا الى النفس مشتملا لجميعها أو بضعها فيقول فيه زوجت أو أنكحت، فلو قال زوج لم يصح، ولو قال أزوج من غير اضافة لم يصح، ولو قال زوجتك يدها أو رأسها لم يصح.
ويجب أن يكون القبول مثله فى ذلك فيقول قبلت أو تزوجت، فلو قال أتزوج لم يصح، ولو لم يضفه الى نفسه لم يصح، نحو أن يقول تزوج أو قبل، ولو قال قبلت نصفها أو رأسها أو نحو ذلك لم يصح (١).
ومن شروط النكاح تعيين المرأة حال العقد وتعيينها يحصل باشارة اليها نحو أن يقول، زوجتك هذه المشار اليها أو تلك التى قد عرفتها ولو كانت غائبة، أو تعيينها بوصف نحو أن يقول زوجتك ابنتى الكبرى أو الصغرى أو نحو ذلك، أو تعيينها بلقب نحو زوجتك ابنتى فاطمة أو زينب فهى تعين بأحد هذه الأمور، أو بأن يقول زوجتك بنتى أو أختى أو نحو ذلك، وذلك بشرط أن لا يكون له بنت أو أخت موجودة غيرها، فأما لو كان له بنت غيرها لم يكف قوله بنتى، لأنها لا تعين بذلك، أو يقول زوجتك التى قد تواطأنا عليها وعرفتها، فاذا عينها بأى هذه الأمور صح العقد، فان عرفها بوجهين من التعريفات التى تقدمت وتنافى التعريفان حكم بالأقوى منهما ولغا ذكر الأضعف.
مثال ذلك أن يقول زوجتك هذه الصغرى وهى الكبرى فيصح على الكبرى ويبطل قوله الصغرى.
وكذا لو قال زوجتك الكبرى زينب وهى فاطمة فانه يصح النكاح على الكبرى (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى أنه يشترط تعيين الزوج والزوجة على وجه يمتاز كل منهما عن غيره بالاسم أو الوصف الموجب له أو الاشارة.
وعلله فى التذكرة وغيرها بأن الاستمتاع يقتضى فاعلا ومنفعلا معينين لتعينه، لكنه لا يقتضى التعيين من أول الأمر، ولذا تصح اجازة الكلى مع أن الانتفاع المقصود من الاجارة يتوقف على التعيين والمتعين أن يكون الوجه فيه: أن الزوجية من الاضافات التى تقوم بغير المتعينين.
فلو قال: زوجتك احدى بناتى بطل.
стр. 4280
وكذا لو قال زوجت بنتى أحد ابنيك أو أحد هذين.
وكذا لو عين كل منهما غير ما عينه الآخر بل وكذا لو عينا معينا من غير معاهدة بينهما بل من باب الاتفاق صار ما قصده أحدهما عين ما قصده الآخر.
وأما لو كان ذلك مع المعاهدة لكن لم يكن هناك دال على ذلك من لفظ أو فعل أو قرينة خارجية مفهمة فلا يبعد الصحة.
وان كان الأحوط خلافه.
ولا يلزم تمييز ذلك المعين عندهما حال العقد، بل يكفى التميز الواقعى مع امكان العلم به بعد ذلك كما اذا قال: زوجتك بنتى الكبرى ولم يكن حال العقد عالما بتاريخ تولد البنتين لكن بالرجوع الى الدفتر يحصل له العلم (١).
ولو اختلف الاسم والوصف أو أحدهما مع الاشارة أخذ بما هو المقصود وألغى ما وقع غلطا مثلا لو قال زوجتك الكبرى من بناتى فاطمة وتبين أن اسمها خديجة صح العقد على خديجة التى هى الكبرى، ولو قال زوجتك فاطمة وهى الكبرى فتبين أنها الصغرى صح على فاطمة لأنها المقصود ووصفها بأنها كبرى وقع غلطا فيلغى، وكذا لو قال زوجتك هذه وهى فاطمة أو وهى الكبرى فتبين أن اسمها خديجة أو أنها صغرى فان المقصود تزويج المشار اليها وتسميتها بفاطمة أو وصفها بأنها الكبرى وقع غلطا فيلغى (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه يجب تعيين المنكوحة باسمها ولو واحدة، فلو قال زوجتك بنتى أو أمتى وعنده بنت واحدة أو أمة واحدة لم يجز.
وقيل جائز فيما بينهم وبين الله تعالى ولا يشهد به.
قلت هو جائز فى الحكم أيضا عندى أن عرفت بذلك فيشهد به وهو ظاهر قول فى الديوان.
وان قال زوجتك بنتى وما له الا بنت ابن فقولان.
وان زوجها بغير اسمها فرقا ولو مست.
وقيل يجوز عند الله اذا أرادها.
وجاز بلقبى الرجل والمرأة أن عرفا.
ومن كان له اسم عند أهله وآخر يدعى
стр. 4281
به فيجيب جاز به، وجاز بالأول أيضا ان كانت تجيب به ولو عرفت بالاخر (١).
وجاز زوجت لك بدن هذه المرأة ولا يجوز زوجت لك اسمها.
وان قال زوجت لك هذه الأمة وهى حرة أو هذا الرجل وهو امرأة، أو هذه الطفلة وهى بالغة وهم عارفون جاز.
وقيل لا.
وكذا ان قصد الى شخص امرأة فسماها بغيرها أو سمى الزوج بخلافه.
وان قال نصف هذه المرأة أو لنصف هذا الرجل لم يجز.
ولا يجوز زوجت لك رأسها أو يدها أو وجهها أو نحو ذلك، وكذلك فى الرجل أو زوجت لك هذه أو هذه أو من شئت منهما، أو من أحبك أو أحبها أبوك، أو غيره (٢).
ثانيا: حكم اضافة النكاح الى الوقت
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن من شروط جواز النكاح ونفاذه التأبيد، فلا يجوز النكاح المؤقت وهو نكاح المتعة - وهو نوعان:
أحدهما: أن يكون بلفظ التمتع.
والثانى: أن يكون بلفظ النكاح والتزويج وما يقوم مقامهما.
أما الاول فهو أن يقول أعطيك كذا على أن أتمتع منك يوما أو شهرا أو سنة ونحو ذلك، وهو باطل عند عامة العلماء.
وقال بعض الناس هو جائز، واحتجوا بظاهر قول الله «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» (٣).
والاستدلال بها من ثلاثة أوجه.
أحدها: انه ذكر الاستمتاع ولم يذكر النكاح والاستمتاع والتمتع واحد.
والثانى: أنه تعالى أمر بايتاء الأجر وحقيقة الاجارة والمتعة عقد الاجارة على منفعة البضع.
والثالث: أنه أمر بايتاء الاجر بعد الاستمتاع وذلك يكون فى عقد الاجارة والمتعة فأما المهر فانما يجب فى النكاح بنفس العقد ويؤخذ الزوج بالمهر أولا ثم يمكن من الاستمتاع
стр. 4282
فدلت الاية الكريمة على جواز عقد المتعة.
ويدل لنا الكتاب والسنة والاجماع والمعقول.
أما الكتاب الكريم فقول الله :
«وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» (١) فقد حرم الله تعالى الجماع الا بأحد شيئين، والمتعة ليست بنكاح، ولا بملك يمين فيبقى التحريم.
والدليل على أنها ليست بنكاح أنها ترتفع من غير طلاق ولا فرقة، ولا يجرى التوارث بينهما، فدل أنها ليست بنكاح، فلم تكن هى زوجة له.
وقوله تعالى فى آخر الآية «فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» سمى مبتغى ما وراء ذلك عاديا، فدل على حرمة الوط ء بدون هذين الشيئين.
وقول الله «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ» (٢) وكان ذلك منهم اجارة الاماء، نهى الله عن ذلك وسماه بغاء، فدل على الحرمة.
وأما السنة فما روى عن على رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الانسية.
وروى عن سبرة الجهنى رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم فتح مكة.
وروى أن رسول الله ﷺ كان قائما بين الركن والمقام وهو يقول: انى كنت أذنت لكم فى المتعة، فمن كان عنده شئ فليفارقه، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا، فان الله قد حرمها الى يوم القيامة.
وأما الاجماع فان الامة بأسرهم امتنعوا عن العمل بالمتعة مع ظهور الحاجة لهم الى ذلك.
وأما المعقول فهو أن النكاح ما شرع لاقتضاء الشهوة، بل لأغراض ومقاصد يتوسل به اليها واقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة الى المقاصد فلا يشرع (٣).
وأما الاية الكريمة فمعنى قول الله «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ»
стр. 4283
أى فى النكاح، لان المذكور فى أول الاية وآخرها هو النكاح، فان الله تعالى ذكر أجناسا من المحرمات فى أول الاية فى النكاح، وأباح ما وراء ذلك بالنكاح بقوله «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ» (١) أى بالنكاح.
وقوله تعالى «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» أى متناكحين غير زانين.
وقال تعالى فى سياق الاية الكريمة «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ»﴾.
ذكر النكاح لا الاجارة والمتعة فيصرف قوله تعالى فما استمتعتم به الى الاستمتاع بالنكاح.
وأما قوله سمى الواجب أجرا فنعم المهر فى النكاح يسمى أجرا.
قال الله «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (٢) أى مهورهن.
وقال «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ» (٣) وقوله أمر تعالى بايتاء الاجر بعد الاستمتاع بهن، والمهر يجب بنفس النكاح ويؤخذ قبل الاستمتاع.
قلنا قد قيل فى الاية الكريمة تقديم وتأخير كأنه تعالى قال: «فآتوهن أجورهن اذا استمتعتم به منهن»، أى اذا أردتم الاستمتاع بهن، كقوله تعالى «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» (٤) أى اذا أردتم تطليق النساء.
على أنه ان كان المراد من الاية الاجارة والمتعة فقد صارت منسوخة بما تلونا من الايات، وبما روينا من الاحاديث.
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن قوله تعالى «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» نسخه قوله «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ»﴾.
وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه انه قال: المتعة بالنساء منسوخة نسختها آية الطلاق والصداق والعدة والمواريث والحقوق التى يجب فيها النكاح أى النكاح هو الذى تثبت به هذه الأشياء ولا يثبت شئ منها بالمتعة (٥).
وأما النوع الثانى من النكاح المضاف الى الوقت فهو أن يقول: أتزوجك عشرة أيام أو نحو ذلك.
قال زفر رحمه الله تعالى: النكاح جائز وهو مؤبد، والشرط باطل، لأنه ذكر النكاح وشرط فيه شرطا فاسدا، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة،
стр. 4284
فبطل الشرط، وبقى النكاح صحيحا، كما اذا قال تزوجتك الى أن أطلقك الى عشرة أيام.
وأما أصحابنا الثلاثة فهذا النكاح عندهم فاسد، لانه لو جاز هذا العقد لكان لا يخلو.
أما أن يجوز مؤقتا بالمدة المذكورة.
وأما أن يجوز مؤبدا.
ولا سبيل الى الاول، لان هذا معنى المتعة، الا أنه عبر عنها بلفظ النكاح والتزوج، والمعتبر فى العقود معانيها لا الالفاظ كالكفالة بشرط براءة الاصيل، فهى حوالة معنى لوجود الحوالة وان لم يوجد لفظها والمتعة منسوخة.
ولا وجه للثانى، لان فيه استحقاق البضع عليها من غير رضاها وهذا لا يجوز.
وأما قول زفر أتى بالنكاح، ثم أدخل عليه شرطا فاسدا فممنوع، بل أتى بنكاح مؤقت، والنكاح المؤقت نكاح متعة، والمتعة منسوخة، وصار هذا كالنكاح المضاف لا يصح.
ولا يقال: يصح النكاح وتبطل الاضافة، لان المأتى به نكاح مضاف وهو لا يصح، كذا هذا.
بخلاف ما اذا قال تزوجتك على أن أطلقك الى عشرة أيام، لان هناك أبد النكاح ثم شرط قطع التأبيد بذكر الطلاق فى النكاح المؤبد، لانه على أن ان كلمة شرط والنكاح المؤبد لا تبطله الشروط.
وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أنه قال اذا ذكرا من المدة مقدار ما يعيشان الى تلك المدة فالنكاح باطل، وان ذكرا من المدة مقدار ما لا يعيشان الى تلك المدة فى الغالب جاز النكاح كأنهما ذكرا الابد (١).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه أن النكاح لاجل فاسد ويفسخ أبدا، وذلك له صورتان:
الاولى أن يقول زوجنى بنتك عشر سنين بكذا.
والثانية زوجنى بنتك مدة اقامتى فى هذا البلد، فاذا سافرت منه فارقتها فالعقد فى الصورتين فاسد، ويفسخ أبدا بغير طلاق، وعليه المسمى أن دخل، لان فساده لعقده.
وقيل عليه صداق المثل لان ذكر الاجل أثر خللا فى الصداق.
واختار اللخمى رحمه الله تعالى الاول.
стр. 4285
وقيل يفسخ بطلاق.
والقول بأن الفسخ بلا طلاق ناظر الى أن الخلاف الموجود فى المسألة غير معتبر لمخالفته الاجماع.
والقول بأنه يفسخ بطلاق ناظر لوجود الخلاف فى الجملة وان كان غير قوى.
والمعتمد القول الاول.
وعلى كل قيل يعاقب فيه الزوجان على المذهب ولا يبلغ الحاكم بعقابهما مبلغ الحد ويلحق فيه الولد بالزوج.
وقيل يحدان وهو ضعيف.
هذا اذا ذكر الاجل فى العقد للمرأة أو وليها.
أما اذا لم يقع ذلك فى العقد ولم يعلمها الزوج بذلك وانما قصده فى نفسه وفهمت المرأة أو وليها المفارقة بعد مدة فانه لا يضر على الراجح.
وان كان بهرام صدر فى شرحه وفى شامله بالفساد اذا فهمت منه ذلك الامر الذى قصده فى نفسه.
فان لم يصرح للمرأة ولا لوليها بذلك ولم تفهم المرأة ما قصده فى نفسه فليس نكاح متعة اتفاقا (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى معنى المحتاج أنه لا يصح توقيت النكاح بمدة معلومة كشهر، أو مجهولة كقدوم زيد، وهو نكاح المتعة المنهى عنه، وكان جائزا فى أول الاسلام رخصة للمضطر كأكل الميتة، ثم حرم عام خيبر، ثم رخص فيه عام الفتح، وقيل عام حجة الوداع، ثم حرم أبدا.
وكان ابن عباس رضى الله تعالى عنهما يذهب الى جوازها.
وروى البيهقى رضى الله تعالى عنه أنه رجع عنها.
ويرد تجويزها ما فى الصحيحين أن النبى ﷺ قال: كنت أذنت فى الاستمتاع بهذه النسوة الا وأن الله قد حرم ذلك الى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شئ فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا.
واستثنى البلقينى رحمه الله تعالى من بطلان النكاح ما اذا نكحها مدة عمره أو مدة عمرها.
قال: فان النكاح المطلق لا يزيد على ذلك، والتصريح بمقتضى الاطلاق لا يضر فينبغى أن يصح النكاح فى هاتين الصورتين.
стр. 4286
قال: وفى نص الام ما يشهد له وتبعه على ذلك بعض المتأخرين.
وهذا ممنوع فقد صرح بعض الاصحاب فى البيع بأنه لو قال بعتك هذا حياتك لم يصح البيع فالنكاح أولى.
وكذا لا يصح اذا أقته بمدة لا تبقى اليها الدنيا غالبا كما قاله شيخى رحمه الله تعالى، وهذا مبنى على أن الاعتبار بصيغ العقود لا بمعانيها (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن نكاح المتعة فاسد، وذلك بأن يتزوجها الى مدة معلومة أو مجهولة مثل أن يقول الولى: زوجتك ابنتى شهرا، أو سنة، أو زوجتكها الى انقضاء الموسم أو الى قدوم الحاج وشبهه، معلومة كانت المدة أو مجهولة.
أو يقول المتزوج: امتعينى نفسك، فتقول: أمتعتك نفسى لا بولى ولا شاهدين، لما روى الربيع بن سبرة أنه قال أشهد على أبى أنه حدث أن رسول الله ﷺ نهى عنه فى حجة الوداع.
وفى لفظ أن رسول الله ﷺ حرم متعة النساء، رواه أبو داود الى غير ذلك من الروايات.
وان نوى الزوج بقلبه أنه نكاح متعة من غير تلفظ بشرط فكالشرط نصا خلافا للموفق.
وان شرط الزوج فى النكاح طلاقها فى وقت ولو مجهولا فهو كالمتعة، فلا يصح، وان لم يدخل بها فى عقد المتعة.
وفيما حكمنا به أنه كمتعة فرق بينهما.
فيفسخ الحاكم النكاح ان لم يطلق الزوج، لأنه مختلف فيه.
ولا شئ عليه من المهر ولا متعة، لفساد العقد، فوجوده كعدمه.
وان دخل بمن نكحها نكاح متعة فعليه مهر المثل وان كان فيه مسمى.
وقال أبو اسحاق بن شاقلا رحمه الله تعالى أن الأئمة بعد الفسخ جعلوها فى حيز السفاح لا فى حيز النكاح.
لكن ذكر صاحب الاقناع كغيره من الأصحاب أن النكاح الفاسد يجب فيه بالدخول المسمى كالصحيح ولم يفرقوا بين نكاح المتعة وغيره.
стр. 4287
ولا يثبت بنكاح المتعة احصان ولا اباحة للزوج الأول الذى طلقها ثلاثا، لأنه فاسد فلا يترتب عليه أثره، ولا يتوارثان، ولا تسمى زوجة.
ومن تعاطاه عالما تحريمه عزر لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة، ويلحق فيه النسب اذا وطئ يعتقده نكاحا.
قال صاحب الكشاف أو لم يعتقده نكاحا، لأن له شبهة العقد ويرث ولده ويرثه ولده للحوق النسب (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يجوز نكاح المتعة وهو النكاح الى أجل.
وكان حلالا على عهد رسول الله ﷺ .
ثم نسخها الله تعالى على لسان رسوله ﷺ نسخا باتا الى يوم القيامة.
وذلك لما رويناه من طريق عبد الرزاق عن الربيع بن سبرة الجهنى عن أبيه قال خرجنا مع رسول الله ﷺ فذكر الحديث وفيه، فقال سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يخطب ويقول: من كان تزوج امرأة الى أجل فليعطها ما سمى لها، ولا يسترجع مما اعطاها شيئا، ويفارقها، فان الله قد حرمها عليكم الى يوم القيامة (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أن مما يفسد النكاح التوقيت فى الايجاب نحو أن يقول: زوجتك بنتى شهرا أو حتى يأتى الحجيج أو نحو ذلك، أو فى القبول نحو أن يقول: قبلت هذا النكاح شهرا أو نحو ذلك، فان هذا يفسد مع الجهل عند من قال بتحريم نكاح المتعة، وهو المؤقت مدة معلومة.
قيل: وانما يفسد النكاح اذا وقت بغير الموت، سواء طالت المدة أم قصرت.
وأما اذا وقت مدة حياتهما أو حياة أحدهما صح النكاح، لأن هذا مضمون النكاح اذ لا نكاح الا فى الحياة.
وهذا القول ذكره الفقيه حسن للمذهب.
стр. 4288
قال مولانا ﵇ وفيه نظر، لأنه نكاح مؤقت، وقد ورد النهى عن التوقيت، ولأن للنكاح أحكاما ثابتة بعد الموت من التوارث وغيره، واذا وقت بالحياة لزم ارتفاع النكاح بارتفاعها فتبطل تلك الأحكام (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أن نكاح المتعة عندنا مباح جائز.
وصورته أن يعقد على المرأة مدة معلومة بمهر معلوم.
فان لم يذكر المدة كان النكاح دائما.
وان ذكر الأجل ولم يذكر المهر بطل العقد.
وان ذكر مدة مجهولة لم يصح على الصحيح من المذهب، لاجماع الفرقة المحقة.
وأيضا قول الله تعالى «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ٢» وهذا مما قد ابتغاه بماله.
وقال تعالى «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ٣» ولفظ الاستمتاع اذا أطلق لا يفيد الا نكاح المتعة، ولأنه لا خلاف فى أنها كانت مباحة، فمن ادعى نسخها فعليه الدلالة، ولأن الأصل الاباحة والمنع يحتاج الى دليل (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن المزوج اذا قال: زوجت فلانة بفلان الى وقت كذا علق اليه، وجاز ان قبل.
وان جهل الأجل جاز فى الحين.
وكذا ان قال الى خيار ثلاثة أيام، أو فى مكة أو فى البصرة وهو فى غيرهما.
وان قال زوجتها لك أمس، أو وهى طفلة، أو قبل أن تخلق هى، أو الدنيا، أو قبل كونك، أو قبل أن تولد، أو فى طفولتك، أو فى بطن أمك، أو نحو ذلك، لم يجز.
وان قال زوجتها لك غدا، أو اذا جاء غد أو بعده لم يجز ذكر ذلك فى الديوان (٥).
стр. 4289
ونسخ نكاح المتعة عند الأكثر بآية الارث، اذ نكاح المتعة لا ارث فيه، أو بالنهى.
قال أبو عبيدة عن جابر عن من روى له عن على نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء يوم خيبر.
الخ.
وقد فعل بالجاهلية وأول الاسلام.
وهو تزوج بولى أو نائبه وشهود وصداق معلوم لأجل مسمى ورضى.
قال فى الديوان جاز الأجل ولو طال.
وان تزوجها بكذا الى كذا أو بأكثر الى أطول جاز على ما اتفقا عليه من الأجلين.
وان لم يذكر الصداق جاز، وكان حكمهما حكم من تزوجت بدونه فى غير المتعة.
وان تزوجها الى كذا أى الى كذا أو الى مجهول كحرث أو حصد لم يجز.
وقيل: جاز وبطل الشرط.
وقيل: ثبت فى هذه الآجال.
وان اتفقا على أجل فالتبس عليهما اتفقا على آخر وعلى نزع الأول.
وان تزوج امرأتين فى عقدة، احداهما الى معلوم، والأخرى بلا أجل، وبين لكل صداقها، جاز. فاذا تم الأجل خرجت بلا طلاق.
ويعد طلاقا أو لا يعد؟ قولان.
وجه القول الثانى: أنه لا طلاق، وكان جابر لا يقول ان الفداء طلاق.
واختلفوا فى اختيار المرأة نفسها لبلوغ أو عتق، وان اتفقا قبل تمام الأجل على زيادة منه فى الصداق وزيادة منها فى الأجل فعلا بولى وشهود.
وان اتفقا على ذلك بعد انقضاء الأجل احتاجا الى الولى والصداق والشهود جاز، لأن ذلك نكاح جديد آخر أيضا مستقل ولا يعد خروجها بعد الأجل طلاقا فيجوز اتفاقهما بعده بلا عدة.
ولا يتوارثان بموت أحدهما قبل الأجل باتفاق من يراه منسوخا بآية الارث وبعض من يراه غير منسوخ وعند من يراه منسوخا بالنهى وجوز التوارث جمهور من يراه غير منسوخ بل أوجبه، قال فى الديوان ومن مات منهما فى الأجل فالميراث بينهما جار وطلاقه وظهاره وايلاؤه جائز عليه دون الأجل، وان أدرك الأجل قبل أن تنقضى عدة الظهار والايلاء بطل الظهار والايلاء وكلام الديوان كالنص فى اختيار أنه غير منسوخ اذ جرى عليه
стр. 4290
وأثبته وخرج عليه فما استمتعتم به منهن (١).
حكم الاضافة فى الطلاق
أولا - اضافة الطلاق الى الوقت:
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أن الزوج اذا أضاف الطلاق الى الوقت فهو اما أن يضيفه الى الزمان الماضى، واما أن يضيفه الى الزمان المستقبل، فان أضافه الى الزمان الماضى ينظر ان لم تكن المرأة فى ملكه فى ذلك الوقت لا يقع الطلاق، وان كانت فى ملكه وقع الطلاق للحال وتلغو الاضافة.
وعلى ذلك فاذا قال الرجل لامرأته أنت طالق قبل أن أتزوجك لا يقع الطلاق لأن تصحيح كلامه بطريق الاخبار ممكن، لأن المخبر به على ما أخبر ولا يمكن تصحيحه بطريق الانشاء الا بابطال الاسناد الى الماضى فكان التصحيح بطريق الاخبار، ولو قال لها أنت طالق أمس فان كان تزوجها اليوم لا يقع لما قلنا. وان كان تزوجها أول من أمس يقع الساعة، لأنه حينئذ تعذر تصحيحه بطريق الاخبار لانعدام المخبر به فيكون كذبا فيصحح بطريق الانشاء، ثم تعذر تصحيحه بانشاء الاضافة، لأن اسناد الطلاق الموجود للحال الى الزمان الماضى محال فبطلت الاضافة، واقتصر الانشاء على الحال فيقع الطلاق للحال.
ولو قال لأجنبية: أنت طالق اذا تزوجتك قبل أن أتزوجك ثم تزوجها وقع الطلاق، لأنه أوقع الطلاق بعد التزوج ثم أضاف الواقع الى ما قبل التزوج فوقع الطلاق ولغت الاضافة وكذلك اذا قال أنت طالق قبل ان اتزوجك اذا تزوجتك فتزوجها يقع الطلاق ويلغو قوله قبل أن اتزوجك.
ولو قدم ذكر التزويج فقال: اذا تزوجتك فأنت طالق قبل أن اتزوجك أو قبل ذلك ثم تزوجها لا يقع الطلاق عند محمد رحمه الله تعالى، لأن المعلق بالشرط يصير كالمنجز عند وجود الشرط فيصير قائلا عند التزويج أنت طالق قبل أن أتزوجك ولو نص على ذلك لا يقع كذا هذا.
وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى يقع الطلاق، لأنه أوقع الطلاق بعد التزوج ثم أضاف الواقع الى زمان ما قبل التزوج فتلغو الاضافة ويبقى الواقع على حاله.
هذا اذا أضاف الطلاق الى الزمان الماضى.
стр. 4291
أما اذا أضافه الى الزمان المستقبل:
فان أضافه الى زمان لا ملك له فى ذلك الزمان قطعا لم يصح، كما لو قال لها أنت طالق بعد موتى وكذا اذا قال لها أنت طالق مع موتى أو مع موتك لأن معناه بعد موتى أو بعد موتك، لأن الطلاق معلق بوجود الموت فصار الموت شرطا اذ الجزاء يعقب الشرط فكان هذا ايقاع الطلاق بعد الموت ولا ملك بعد الموت فبطل.
ولو قال لامرأته وهى أمة أنت طالق اثنتين مع عتق مولاك فأعتقها مولاها فان زوجها يملك الرجعة، لأنه تعلق طلاقها بعتق مولاها فصار عتق مولاها شرطا لوقوع الطلاق فيقع بعد تمام الشرط وهى حرة فى ذلك الوقت.
ولو قال لها اذا جاء غد فأنت حرة فجاء غد.
قال محمد رحمه الله تعالى: هذا والأول سواء، يملك الرجعة.
ولا خلاف فى أن عدتها ثلاث حيض لأنه علق الطلاق والعتاق على مجئ الغد فكان حال وقوع الطلاق والعتاق واحدا وهو حال مجئ الغد فيقعان معا والعتق حال وقوعه يكون واقعا، لأن الشئ حال وجوده يكون موجودا والشئ فى حال قيامه يكون قائما وفى حال سواده يكون أسود، فالطلقتان يصادفانها وهى حرة فلا تثبت الحرمة الغليظة، ولهذا كانت عدتها ثلاث حيض ولهذا لم تثبت الحرمة الغليظة فى المسألة الأولى كذا هذا.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى تطلق اثنتين ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره لأن الطلاق والعتاق لما علقا بمجئ الغد وقعا معا ثم العتق يصادفها وهى أمة وكذا الطلاق فيثبت الحرمة الغليظة بثنتين بخلاف المسئلة الأولى لأن ثمة تعلق الطلاق بالعتق فيقع بعد ثبوت العتق ضرورة على ما بينا بخلاف العدة فان وجوب العدة يتعقب الطلاق لأن الطلاق يصادفها وهى منكوحة ولا عدة على المنكوحة فلا يكون وجوبها مقارنا لوقوع الطلاق فكان عقيب الطلاق ضرورة وهى حرة فى تلك الحالة فكانت عدتها عدة الحرائر.
فان قال لامرأته أنت طالق غدا أو رأس شهر كذا أو فى غد صح، لوجود الملك وقت الاضافة والظاهر بقاؤه الى الوقت المضاف اليه فصحت الاضافة، ثم اذا جاء غد أو رأس الشهر فان كانت المرأة فى ملكه أو فى العدة أو فى أول جزء من الغد والشهر يقع الطلاق والا فلا كما فى التعليق.
وعلى هذا يخرج ما اذا قال لامرأته أنت طالق متى لم أطلقك وسكت أنها طلقت، لأن متى للوقت، فقد أضاف الطلاق الى وقت لا يطلقها فيه، فكما فرغ من
стр. 4292
هذه الالفاظ وسكت وجد هذا الوقت فيقع الطلاق.
وكذا اذا قال لها أنت طالق ما لم أطلقك، لأن معنى قوله ما لم أطلقك أى فى الوقت الذى لا أطلقك.
يقال فى العرف ما دمت تفعل كذا أفعل كذا أى فى الوقت الذى تفعل.
وقال الله تعالى خبرا عن عيسى ﵊ «وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ١» أى وقت حياتى، فيصير كأنه قال أنت طالق فى الوقت الذى لا أطلقك فكما فرغ وسكت تحقق ذلك الوقت فيقع الطلاق.
ولو قال ذلك يطلقها موصولا بأن قال لها أنت طالق ما لم أطلقك أنت طالق وذكر العبارتين الأخرتين فهى طالق هذه التطليقة دون التطليقة المضافة الى زمان لا يطلقها فيه عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله تعالى.
وكذا لو قال لها أنت طالق ثلاثا ما لم أطلقك أنت طالق تقع هذه الطلقة لا غير عندنا لأن المضاف اليه وقت خال عن الطلاق ولما قال أنت طالق موصولا بالكلام الأول فلم يوجد وقت خال عن الطلاق، لأن قوله انت طالق بجملته طلاق، لأنه كلام واحد لكونه مبتدأ وخبرا فلم يوجد بين الكلامين وقت لا طلاق فيه فلا يقع الطلاق المضاف لانعدام المضاف اليه.
وعند زفر رحمه الله تعالى يقع ثلاث تطليقات، لأنه أضاف الطلاق الى وقت لا طلاق فيه وكما فرغ من قوله ما لم أطلقك قبل قوله طالق وجد ذلك الوقت فيقع المضاف.
ولو قال أنت طالق غدا وقال عنيت آخر النهار لم يصدق فى القضاء بالاجماع ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى - ولو قال أنت طالق فى غد وقال عنيت فى آخر النهار لا يصدق فى القضاء فى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى - وانما يصدق فيما بينه وبين الله تعالى لا غير وان لم يكن له نية يقع فى أول جزء من الغد بلا خلاف لأن الغد اسم زمان والزمان اذا قرن بالفعل يصير ظرفا له سواء قرن به حرف الظرف وهو حرف فى أو لم يقرن به فان قول القائل كتبت فى يوم الجمعة ويوم الجمعة سواء فكان ذكر حرف الظرف والسكوت عنه بمنزلة واحدة ولو لم يذكر.
ولو قال أنت طالق غدا وقال عنيت آخر النهار لم يصدق فى القضاء ولهذا لو لم يكن له نية يقع فى أول جزء من الغد.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يصدق فى القضاء، لأن ما كان من الزمان ظرفا للفعل حقيقة وهو أن يكون كله
стр. 4293
ظرفا له يذكر بدون حرف الظرف وما كان منه ظرفا له مجازا وهو أن يكون بعضه ظرفا له والآخر ظرف ظرفه يذكر مع حروف الظرف فلما قال أنت طالق غدا بدون حرف الظرف فقد جعل الغد كله ظرفا للطلاق حقيقة، وانما يكون كله ظرفا للطلاق حقيقة اذا وقع الطلاق فى أول جزء منه فاذا وقع فى أول جزء منه يبقى حكما وتقديرا فيكون جميع الغد ظرفا له بعضه حقيقة وبعضه تقديرا، اما اذا وقع الطلاق فى آخر النهار لا يكون كل الغد ظرفا له، بل يكون ظرف الظرف.
فاذا قال عنيت آخر النهار فقد أراد العدول من الظاهر فيما يتهم فيه بالكذب فلا يصدق فى القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه نوى ما يحتمله كلامه ولما قال أنت طالق فى غد فلم يجعل الغد كلمة ظرف للطلاق حقيقة بل جعله ظرف الظرف وبين أن الظرف الحقيقى للطلاق هو جزء من الغد وذلك غير معين فكان التعيين اليه، فاذا قال عنيت آخر النهار فقد عين فيصدق فى التعيين، لأنه نوى حقيقة كلامه.
ونظيره ما اذا قال ان صمت فى الدهر فعبدى حر فصام ساعة يحنث، ولو قال ان صمت الدهر لا يحنث الا بصوم الأبد بالاجماع، لما قلنا كذا هذا، الا أنه اذا لم ينو شيئا يقع الطلاق فى أول جزء من الغد، لأن الأجزاء قد تعارضت فترجح الأول منها احتياطا لثبوت الاستحقاق له من وجه الاحتمال أنه ذكر حرف الظرف لتأكيد ظرفية الغد لا لبيان أنه ظرف الظرف فترجح الجزء الأول على سائر الأجزاء عند استواء الكل فى الجواز بثبوت الاستحقاق من وجه فيقع فى الجزء الأول، وقد خرج الجواب عن قولهما أن دخول حرف الظرف فى الغد وعدم الدخول سواء، لأنا قد بينا انهما يستويان.
ولو قال لامرأته أنت طالق اليوم وغدا يقع الطلاق فى اليوم لأنه جعل الوقتين جميعا ظرفا لكونها طالقا ولن يكون الوقتان جميعا ظرفا الا عند الوقوع فى أولهما لأنه لو تأخر الوقوع الى الغد لكان الظرف أحدهما ولو قال أنت طالق اليوم غدا أو غدا اليوم يؤخذ بأول الوقتين الذى تفوه به لأنه فى الأول أوقع الطلاق فى اليوم ووصف اليوم بأنه غد وهو محال فلغا قوله غدا وبقى قوله اليوم فيقع الطلاق فى اليوم وفى الثانى أضاف الطلاق الى الغد ووصف الغد بأنه اليوم وهو محال فلغا قوله اليوم وبقى قوله غدا فيقع الطلاق فى غد.
ولو قال لها أنت طالق متى شئت أو متى ما شئت أو اذا شئت أو اذا ما شئت أو كلما شئت لا يقع الطلاق ما لم تشأ، فاذا شاءت وقع، لأنه أضاف الطلاق الى وقت مشيئتها ووقت مشيئتها هو الزمان الذى توجد فيه مشيئتها فاذا شاءت فقد وجد ذلك الزمان فيقع ولا يقتصر
стр. 4294
هذا على المجلس بخلاف قوله ان شئت وما يجرى مجراه لأن هذا اضافة وذا تمليك، وعلى هذا الأصل يخرج الطلاق فى العدة (١).
مذهب المالكية:
جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أنه لو قال الرجل لامرأته أنت طالق بعد سنة نجز عليه الطلاق الآن حال التعليق لأنه ربط الطلاق بأمر محقق وقوعه فى المستقبل لوجوبه عادة اذ حصول الموت لكل واحد واجب عادى فلو بقى الطلاق من غير تنجيز للطلاق كان جاعلا حليتها لوقت معلوم يبلغه عمره فى ظاهر الحال فيكون شبيها بنكاح المتعة.
وكذا لو قال لها أنت طالق يوم موتى أو يوم موتك، وأولى ما لو قال أنت طالق قبل موتى، أو قبل موتك بيوم، أو شهر فينجز عليه وقت التعليق، بخلاف ما اذا قال أنت طالق بعد موتى أو موتك فلا يلزمه شئ، لأن الأجل لا يأتى الا وقد حصلت الفرقة بالموت، ولأنه لا يطلق على ميتة ولا يؤمر ميت بالطلاق (٢).
وجاء فى مواهب الجليل نقلا عن ابن القاسم فيمن قال لامرأته أنت طالق اذا قدم الحاج أنها تطلق الساعة لأنه أجل آت، وحمل الكلام على الزمان لا على القدوم كما هو المذهب أيضا فى البيع الى قدوم الحاج فان قال بعد قدوم زيد بشهر طلقت عند قدومه.
قال ابن عرفة ومن قال اذا مات فلان فأنت طالق لزمه الطلاق مكانه.
وفى الواضحة عن مطرف وأصبغ أنه ان قال اذا خسفت الشمس أو مطرت السماء فأنت طالق لزمه الطلاق بكلامه، لأنه أجل آت قال ابن حارث رحمه الله تعالى.
ولو قال أنت طالق الى مستهل الهلال أو الى وقت يأتى على كل حال فهى طالق وقت قوله اتفاقا.
وسمع ابن القاسم فى العدة ان أناسا اختلفوا فيمن طلق الى أجل سماه وأن عطاء كان يقول ذلك فقال مالك رحمه الله تعالى لا أقول له ولا لغيره هذه المدينة دار النبى ﷺ ودار الهجرة فاذكروا أن المطلق الى أجل يتمتع بامرأته الى ذلك الأجل فانا لم ندرك أحدا من علماء الناس قاله وهذا شبيه المتعة، قال ابن رشد رحمه الله تعالى قياسه ذلك على المتعة صحيح.
وقال فى النوادر فى ترجمة الطلاق الى أجل قال ابن سحنون عن أبيه رحمهما الله تعالى فيمن قال لزوجته أنت طالق فى
стр. 4295
شهر كذا أو الى شهر كذا هو سواء وهو طلاق الى أجل وتطلق الساعة (١).
قال فى الجواهر ولو قال أنت طالق يوم قدوم فلان فقدم فى نصف النهار تبين وقوع الطلاق أول النهار ولو قدم ليلا لم تطلق عليه الا أن تكون نيته تعليق الطلاق بالقدوم.
وقال فى كتاب الايمان بالطلاق من المدونة وان قال لها أنت طالق يوم أدخل دار فلان فدخلها ليلا أو حلف على الليل فدخلها نهارا دون ليل أو ليلا دون نهار حنث الا أن ينوى.
وهذا يتعارض مع كلام الجواهر فيما اذا لم تكن له نية.
كما يتعارض كلام الجواهر مع ما قاله المازرى رحمه الله تعالى فى شرح التلقين من أنه لو قال لامرأته أنت طالق يوم يقدم زيد من سفره فقدم زيد ليلا فانه يلزمه الطلاق لأن المراد بقوله يوم الوقت، واطلاق هذه اللفظة على الوقت مجاز، والوقت هو الليل والنهار فلهذا لزمه الطلاق.
ولفظ المدونة انما هو فى اليوم وهو كمال دورة الفلك اما من الطلوع الى الطلوع أو من الغروب الى الغروب، أو من الزوال الى الزوال.
وظاهر القرآن المغايرة من قول الله «سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً» (٢) والايمان تحمل على المقاصد أو على كلام العرب ومذهبهم أن الليل يستلزم النهار دون العكس عند الاطلاق (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج: أنه لو قال الرجل لامرأته أنت طالق فى شهر كذا أو فى غرته أو رأسه أو أوله أو دخوله أو مجيئه أو ابتدائه، أو استقباله، أو أول آخر أوله وقع الطلاق بأول جزء من الليلة الأولى منه أى معه، لتحقق الاسم بأول جزء منه ووجهه فى شهر كذا أن المعنى اذا جاء شهر كذا، ومجيئه يتحقق بمجئ أول جزء منه والاعتبار فى دخوله ببلد التعليق، فلو علق ببلده وانتقل الى أخرى ورأى فيها الهلال وتبين أنه لم ير فى تلك لم يقع الطلاق بذلك قاله الزركشى رحمه الله تعالى.
وظاهره كما قال شيخنا أن محله اذا اختلفت المطالع ولو رأى الهلال قبل غروب الشمس لم تطلق الا بعد غروبها، لأنه لليلة المستقبلة.
стр. 4296
وان قال لها أنت طالق فى نهار شهر كذا أو أول يوم من شهر كذا فبفجر أول يوم منه تطلق، اذ الفجر أول النهار وأول اليوم كما حكى عن ائمة اللغة، فان اراد وسط الشهر أو آخره وقد قال أنت طالق فى شهر كذا أو أراد من الأيام أحد الثلاثة الأول منه وقد قال أنت طالق غرة شهر كذا دين لاحتمال ما قاله فيهما ولأن الثلاثة الأول غرر فى الثانية ولا يقبل ظاهرا، فان قال اردت بغرته أو برأسه النصف مثلا لم يدين لأن غرة الشهر لا تطلق على غير الثلاثة الأول ورأسه لا تطلق على غير أول ليلة منه.
وان قال أنت طالق فى رمضان مثلا وهو فيه طلقت فى الحال، وان قال وهو فيه اذا جاء رمضان فتطلق فى أول رمضان القابل، اذ التعليق انما يكون على مستقبل.
ولو قال لها أنت طالق فى آخر شهر كذا أو سلخه فبآخر جزء من الشهر تطلق فى الأصح.
وقيل: تطلق بأول النصف الآخر منه اذ كله آخر الشهر فيقع بأوله، ورد بسبق الأول الى الفهم.
ولو علق بآخر أول آخر الشهر طلقت أيضا بآخر جزء منه، لأن آخره اليوم الأخير وأوله طلوع الفجر فآخر أوله الغروب وهو الجزء الأخير، هذا ما قاله الشيخان وهو المعتمد.
وان قال شيخنا: الأوجه أنها تطلق قبل زوال اليوم الأخير، لأنه آخر أوله، ووقت الغروب انما هو آخر اليوم، لا آخر أوله.
وان علق بأول آخر الشهر طلقت بأول اليوم الأخير منه، لأنه أول آخره ولو علق بآخر أول الشهر طلقت بآخر اليوم الأول منه، لأنه آخر أوله.
وقيل تطلق بآخر الليلة الأولى منه، لأنها أوله بالحقيقة ولو علق بانتصاف الشهر طلقت بغروب شمس الخامس عشر وان نقص الشهر، لأنه المفهوم من ذلك.
ولو علق بنصف نصفى الشهر الأول طلقت بطلوع فجر الثامن، لأن نصف نصف الشهر سبع ليال ونصف وسبعة أيام ونصف والليل سابق النهار فيقابل نصف ليلة بنصف يوم وتجعل ثمان ليال وسبعة أيام نصفا وسبع ليال وثمانية أيام نصفا.
ولو علق بنصف يوم كذا طلقت عند زواله لأنه المفهوم منه وان كان اليوم يحسب من طلوع الفجر شرعا ونصفه الأول أطول.
ولو علق بما بين الليل والنهار طلقت بالغروب ان علق نهارا والا فبالفجر اذ كل
стр. 4297
منهما عبارة عن مجموع جزء من الليل وجزء من النهار اذ لا فاصل بين الزمانين.
وان قال البلقينى رحمه الله تعالى: الأقيس أن يقع الطلاق فى الحال كما لو قال أنت طالق لا فى زمن.
ولو قال فى ليل اذا مضى يوم فأنت طالق فبغروب شمس غده تطلق اذ يتحقق به مضى اليوم أو قاله فى نهار ففى مثل وقته من غده تطلق، لأن اليوم حقيقة فى جميعه متواصلا كان أو متفرقا، فان فرض انطباق التعليق على أول النهار وقع بغروب شمسه.
وهذا كما قال الأذرعى رحمه الله تعالى اذا تم التعليق واستعقبه أول النهار.
أما لو ابتدأه أول النهار فقد مضى جزء قبل تمامه فلا يقع بغروب شمسه.
ولو قال اذا مضى اليوم - بالتعريف - فأنت طالق فان قاله نهارا فبغروب شمسه تطلق وان قل زمن الباقى منه، لأنه عرفه بلام العهد فانصرف الى اليوم الحاضر، وان قاله ليلا لغا أى لا يقع به شئ اذ لا نهار حتى يحمل على المعهود قال المتولى رحمه الله تعالى ولا يمكن الحمل على الجنس اذ لا يتصور بقاء الزوجين حتى تنقضى أيام الدنيا فكانت صفة مستحيلة.
أما اذا قال أنت طالق اليوم أو النهار أو الشهر أو السنة فانها تطلق فى الحال ليلا كان أو نهارا لأنه أوقعه وسمى الزمان بغير اسمه فلغت التسمية.
وعلى هذا يقاس شهر وسنة والشهر والسنة، فاذا قال ليلا أو نهارا فى غير الأخير من الشهر اذا مضى شهر فأنت طالق طلقت بمضى ثلاثين يوما ومن ليلة الحادى والثلاثين أو يومه بقدر ما سبق التعليق من ليلته أو يومه فان علق فى اليوم الأخير أو الليلة الأخيرة من الشهر كفى بعد شهر هلالى واذا قال فى أثناء الشهر: اذا مضت سنة فأنت طالق طلقت بمضى أحد عشر شهرا بالأهلة مع اكمال الأول من الثالث عشر ثلاثين يوما، فاذا أراد بقية الشهر أو السنة فقد غلظ على نفسه.
وان قال: اذا مضى الشهر أو قال السنة فأنت طالق طلقت بمضى بقية ذلك الشهر أو تلك السنة - والمعتبر السنة العربية، فان قال أردت غيرها أو أردت بالسنة معرفة سنة كاملة لم تقبل منه ظاهرا لتهمة التأخير ويدين لاحتمال ما قاله الأذرعى رحمه الله تعالى، نعم لو كان ببلاد الروم أو الفرس فينبغى قبول قوله، قال ولو علق بمضى شهور أو الشهور فبمضى ما بقى من السنة على الأصح عند القاضى وبمضى اثنا عشر شهرا عند الجيلى.
ثم نقل عن الجيلى أنه لو علق بمضى ساعات طلقت بمضى ثلاث ساعات أو الساعات فبمضى أربعة وعشرين ساعة لأنها جملة ساعات اليوم والليلة، وكلام الجيلى أوجه (١).
ولو قال أنت طالق أمس أو الشهر الماضى أو السنة الماضية وقصد أن يقع فى الحال
стр. 4298
مستندا اليه وقع فى الحال على الصحيح ولغا قصد الاستناد الى أمس لاستحالته ومثله ما لو قصد ايقاعه امس أو قال:
لم أرد شيئا أو تعذر الرجوع اليه بموت أو جنون أو خرس ولا أشارة له مفهمة لكن فى صورة قصد ايقاعه أمس يقع فى الحال على المذهب المنصوص.
وقيل لغو لا يقع به شئ، لأنه انما أوقع طلاقا مستندا، فاذا لم يمكن استناده وجب أن لا يقع.
ولو لم يقصد الزوج انشاء طلاق لا حالا ولا ماضيا بل قصد الاخبار بالطلاق وهو أنه طلق أمس فى هذا النكاح وهى الآن معتدة من طلاق بائن رجعى صدق بيمينه فى ذلك لقرينة الاضافة الى أمس وتحسب عدتها من الوقت الذى ذكره ان صدقته، فان كذبته أو قالت لا علم لى فلم تصدقه ولم تكذبه فمن حين الاقرار كما فى الكافى - ولو قصد بما قال طلقت هذه فى نكاح آخر غير نكاحى هذا وبانت منى ثم جددت نكاحها أو طلقها زوج آخر فى نكاح سابق فان عرف نكاح سابق وطلاق فيه ببينة أو غيرها صدق بيمينه فى ارادة ذلك للقرينة نعم ان صدقته فيها فلا يمين وان لم يعرف له ما ذكر فلا يصدق ويقع فى الحال كما فى المحرر والشرح الصغير لبعد دعواه (١).
ولو قال أنت طالق قبل أن تخلقى قال الصيمرى رحمه الله تعالى طلقت اذا لم يكن له ارادة.
ولو قال نهارا أنت طالق غدا أو أمس غد بالاضافة وقع الطلاق فى الحال لأن غدا أمس وأمس غد هو اليوم فان قاله ليلا وقع غدا فى الأولى وحالا فى الثانية.
ولو قال أنت طالق أمس غدا أو غدا أمس بغير اضافة لغا ذكر أمس ووقع الطلاق فى الغد، لأنه علقه بالغد وبأمس ولا يمكن الوقوع فيهما ولا الوقوع فى أمس فيتعين الوقوع فى الغد لامكانه ولو قال أنت طالق اليوم غدا وقع طلقة فقط فى الحال ولا يقع شئ فى الغد، لأن المطلقة اليوم طالق غدا ويحتمل أنه لم يرد الا ذلك ولو أراد بذلك نصفها اليوم ونصفها الآخر غدا وقع أيضا طلقه فقط فى الحال لأن ما أخره تعجل فان أراد نصف طلقة اليوم ونصف طلقة غدا وقع طلقتان الا أن تبين بالأولى.
ولو قال أنت طالق غدا اليوم طلقت طلقة غدا فقط ولا تطلق فى اليوم، لأن الطلاق تعلق بالغد وذكره اليوم بعده تعجيل الطلاق بالمعلق وهو لا يتعجل ولو قال أنت طالق فى اليوم وفى غد، أو فى الليل وفى النهار وقع فى كل طلقتان فى الأولى فى اليومين وطلقتان فى الثانية واحدة بالليل وأخرى بالنهار قال المتولى رحمه الله تعالى:
لأن المظروف يتعدد بتعدد الظرف.
قال الرافعى رحمه الله تعالى وليس
стр. 4299
الدليل بواضح فقد يتحد المظروف ويختلف الظرف.
والأولى كما قال شيخنا تعليل ذلك باعادة العامل، بخلاف ما لو قال أنت طالق اليوم وغدا أو بالليل والنهار فانه يقع فى كل طلقه فقط، لعدم اعادة العامل.
ولو قال أنت طالق اليوم أو غدا طلقت فى الغد فقط لأنه اليقين، أو قال انت طالق غدا أو بعد غد، أو أنت طالق اذا جاء الغد أو بعد غد طلقت فيما ذكر بعد الغد لا فى الغد لما ذكر.
ولو قال أنت طالق يوما ويوما لا ولم ينو شيئا طلقت واحدة فقط فان نوى طلقة تقع فى يوم لا فى تاليه وهكذا ثلاث مرات وقع ثلاث فى ثلاثة أيام متفاصلة.
ولو قال أنت طالق اليوم اذا جاء الغد، أو أنت طالق الساعة ان دخلت الدار لم تطلق وان وجدت الصفة، لأنه علقه بوجودها فلا يقع قبله واذا وجدت فقد مضى الوقت الذى جعله محلا للايقاع.
ولو قال أنت طالق قبل موتى أو فى حياتى طلقت فى الحال فان ضم القاف والباء من قبل أو قال قبيل بالتصغير طلقت قبل الموت.
ولو قال: أنت طالق بعد قبل موتى طلقت فى الحال لأنه بعد قبل موته، أو قال أنت طالق قبل ما بعده رمضان وأراد بما بعده الشهر طلقت آخر جزء من رجب، وان أراد به اليوم فقبيل فجر يوم الثلاثين من شعبان ان كان تاما وان أراد به اليوم بليلته فقبيل الغروب ليلة الثلاثين منه ان كان تاما.
ولو قال أنت طالق بعد ما قبله رمضان وأراد بما قبله الشهر طلقت بمستهل ذى القعدة وأن أراد به اليوم بالليلة بعده ففى أول اليوم الثانى من شوال فان لم يرد الليلة فالقياس أنها تطلق بغروب شمس أول شوال.
ولو علق الطلاق بأفضل الأوقات طلقت ليلة القدر.
وقضيته ما مر فى الصوم أنها تطلق أول آخر ليلة من العشر الأخير.
ولو علق بأفضل الأيام طلقت يوم عرفة.
أو بأفضل أيام الاسبوع طلقت يوم الجمعة ان لم يكن فيه يوم عرفة.
أو بأفضل الشهور طلقت فى شهر رمضان (١).
стр. 4300
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (١) أنه اذا قال الرجل لامرأته أنت طالق أمس أو أنت طالق قبل أن أتزوجك ونوى وقوعه حين التكلم وقع الطلاق فى الحال، لأنه مقر على نفسه بما هو الأغلظ عليه، وان لم ينو وقوعه اذن بأن أطلق أو نوى ايقاعه فى الماضى لم يقع الطلاق، لأنه رفع للاستباحة ولا يملك رفعها فى الزمن الماضى فلم يقع كما لو قال أنت طالق قبل قدوم زيد بيومين فقدم اليوم.
وحكى عن أبى بكر أنه يقع اذا قال قبل أن أتزوجك، ولا يقع اذا قال أنت طالق أمس.
فعلى القول بوقوعه وان قال أردت أن زوجا قبلى طلقها أو قال أردت أنى طلقتها أنا فى نكاح قبل هذا قبل منه ان كان ذلك قد وجد، لأن لفظه محتمل له ما لم تكن قرينة من غضب أو سؤالها الطلاق ونحوه فلا يقبل منه ذلك، لأنه خلاف الظاهر.
فان مات بعد قوله أنت طالق أمس أو قبل أن أتزوجك أو جن أو خرس قبل العلم بمراده لم تطلق، لأن العصمة متيقنة فلا تزول بالشك.
وان قال أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر فقدم زيد قبل مضى الشهر لم تطلق، لأنه تعليق للطلاق على صفة ممكنة الوجود فوجب اعتبارها وكذا لو قدم مع مضى الشهر لم تطلق، لأنه لا بد من جزء يقع الطلاق فيه بعد مضى الشهر.
ويحرم على من قال لزوجته ذلك وطؤها من حين عقد الصفة ان كان الطلاق ببيتها، لأن كل شهر يأتى محتمل أن يكون شهر وقوع الطلاق فيه.
قال أبو العباس رحمه الله تعالى تأملت نصوص الامام احمد فوجدته يأمر باعتزال الرجل زوجته فى كل يمين حلف الرجل عليها بالطلاق وهو لا يدرى أبار هو أم حانث حتى يستبين أنه بار، فان لم يعلم أنه بار اعتزلها أبدا، وان علم أنه بار فى وقت وشك فى وقت اعتزلها وقت الشك وللزوجة المقول لها ذلك النفقه من حين التعليق الى أن يتبين وقوع الطلاق، لأن الأصل بقاء الزوجية وهى محبوسة لأجله. وان قدم زيد بعد شهر وجزء يسع وقوع الطلاق تبينا وقوع الطلاق فى ذلك الجزء عقب التعليق لوجود شرطه، وتبينا أن وطأه فى الشهر محرم ان كان الطلاق بائنا، لأنها أجنبية منه.
وان قال أنت طالق قبل موتى، أو قال أنت طالق قبل موتك، أو أنت طالق قبل موت زيد، أو أنت طالق قبل قدوم زيد، أو انت طالق قبل دخولك
стр. 4301
الدار طلقت فى الحال، لأن ما قبل تلك الأشياء من حين عقده أو الصفة، فكله، محل الطلاق فى أوله.
قال القاضى: سواء قدم زيد أو لم يقدم بدليل قول الله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها﴾ (١)» ولم يوجد الطمس فى المأمورين.
ولو قال لغلامه اسقنى قبل أن أضربك فسقاه فى الحال عد ممتثلا وان لم يضربه.
وأن قال أنت طالق قبيل موتى أو قال قبيل قدوم زيد أو قبيل موته أو قبيل دخولك الدار ونحوه لم يقع الطلاق فى الحال ويقع الطلاق فى الوقت الذى يليه الموت أو القدوم أو الدخول لأن التصغير يقتضى كون الذى يبقى جزء يسير.
وان قال أنت طالق قبيل موت زيد وعمرو بشهر فقال القاضى تتعلق الصفة بأولهما موتا يعنى قبله بشهر، لأن اعتباره بالثانى يفضى الى وقوعه بعد موته الأول واعتباره بالأول لا يفضى الى ذلك فكان أولى.
وأن قال أنت طالق بعد موتى أو أنت طالق مع موتى أو انت طالق بعد موتك أو انت طالق مع موتك لم تطلق، لأن البينونة حصلت بالموت فلم يبق نكاح يزيله والموت سبب الحكم بالبينونة فلا يجامعه وقوع الطلاق كما أنه لا يجامع البينونة.
وان قال أنت طالق يوم موتى أو يوم موتك أو يوم موت زيد طلقت فى أول اليوم الذى يموت فيه، لأن كل جزء من ذلك اليوم يصلح لوقوع الطلاق فيه ولا مقتضى لتأخيره عن أوله فوقع فى أوله.
قال صاحب كشاف القناع: وقياس ما قدمته عن الشيخ تقى الدين رحمه الله تعالى أنه يحرم وطؤها فى كل يوم من حين التعليق، لأن كل يوم يحتمل أن يكون يوم الموت، ولو قال لزوجتيه أطولكما حياة طالق فبموت احداهما يقع الطلاق بالأخرى عند موت احداهما، لأنه بموت احداهما يعلم أن الباقية أطولهما حياة ولا يقع الطلاق المعلق بذلك وقت يمينه أى حال عقد الصفة كسائر أنواع الطلاق المعلق بصفة كأنت طالق صائمة انما يقع عند وجود الصفة لا حال عقدها (٢).
واذا قال الرجل لزوجته أنت طالق غدا طلقت فى أوله عند طلوع فجره أو قال لها أنت طالق يوم السبت طلقت فى أوله أو قال أنت طالق فى رجب طلقت بأول ذلك لأنه جعل ذلك ظرفا للطلاق فاذا
стр. 4302
وجد ما يكون ظرفا طلقت كما لو قال اذا دخلت الدار فأنت طالق فاذا دخلت أول جزء منها طلقت.
وحاصله أنه اذا علق الطلاق بشهر أو وقت يمينه وقع الطلاق فى أوله.
وأما اذا قال ان لم أقضك حقك فى شهر رمضان فأمر أتى طالق لم تطلق حتى يخرج شهر رمضان قبل قضائه لأنه اذا قضاه فى آخره لم توجد الصفة وفى الموضعين - أى فيما اذا قال أنت طالق غدا ونحوه، وفيما اذا قال ان لم أقضك حقك فى شهر رمضان الخ - لا يمنع الزوج من وط ء زوجته قبل الحنث لبقاء الزوجية.
واذا قال أنت طالق اليوم أو أنت طالق فى هذا الشهر أو أنت طالق فى هذا الحول طلقت فى الحال لأن اليوم والشهر والحول ظرف لايقاع الطلاق فوجب أن يقع اذن.
فان قال أردت أن الطلاق انما يقع فى آخر هذه الأوقات أو فى وسط الشهر أو يوم كذا منه أو فى النهار دون الليل أو عكسه دين، وقبل حكما، لأنه يجوز أن يريد ذلك فلا يلزمه الطلاق فى غيره وارادته لا تخالف ظاهره اذ ليس أوله أولى فى ذلك من غيره الا فى قوله أنت طالق غدا أو يوم السبت فلا يدين.
ولا يقبل حكما اذا قال أردت احدهما أو وسطهما ونحوه، لأنه مخالف لمقتضى اللفظ اذ مقتضاه الوقوع فى كل جزء منه ليعم جملته، كما لو قال: لله على أن أصوم رجب لزمه صوم جميعه، ولا يكون واقعا فى جميعه الا اذا وقع من أوله، بخلاف ما لو قال فى غد أو فى يوم السبت فان مقتضاه الوقوع فى جزء منه وهو صادق بجميع أجزائه. وكذلك لو قال لله على أن أصوم فى رجب أجزأه يوم منه (١).
وان قال أنت طالق فى أول رمضان أو فى غرته أو قال أنت طالق غرته أو فى رأسه أو استقباله أو مجيئه طلقت بأول جزء منه ولم يقبل قوله اردت آخره أو وسطه ونحوه ظاهرا ولا باطنا، لأنه لا لا يحتمله، وان قال أردت بالغرة اليوم الثانى قبل منه، لأن الثلاث الأول من الشهر تسمى غررا.
وأن قال انت طالق بانقضاء رمضان أو بانسلاخه أو بنفاده أو بمضيه طلقت فى آخر جزء منه لأن ذلك مؤدى تعليقه.
وان قال أنت طالق أول نهار رمضان أو أول يوم من رمضان طلقت بطلوع فجر أول يوم منه لأنه أول اليوم والنهار.
وأن قال أنت طالق اذا كان رمضان أو أنت طالق الى رمضان أو أنت طالق الى هلال رمضان أو أنت طالق فى هلال رمضان طلقت وقت يستهل رمضان الا أن يكون أراد من الساعة الى الهلال فتطلق
стр. 4303
فى حال التلفظ بذلك لأن من لابتداء الغاية.
وأن قال انت طالق فى مجئ ثلاثة أيام طلقت فى أول اليوم الثالث اذن وان قال:
أنت طالق اليوم أو غدا طلقت فى الحال.
وأن قال انت طالق غدا أو بعد غد طلقت فى أسبق الوقتين وكذا لو قال أنت طالق فى هذا الشهر أو الآتى وان قال أنت طالق اليوم وغدا وبعد غد أو قال انت طالق فى اليوم وفى غد وفى بعد غد فواحدة فى الأولى - وهى قوله انت طالق اليوم وغدا وبعد غد - لأنها اذا طلقت اليوم كانت طالقا غدا وبعد غد كقوله أنت طالق كل يوم، ويقع ثلاث فى الثانية - وهى قوله أنت طالق فى اليوم وفى غد وفى بعده فتطلق فى كل يوم طلقة لأن اتيانه بفى وتكراره يدل على تكرار الطلاق كقوله أنت طالق فى كل يوم.
وان قال انت طالق اليوم ان لم أطلقك اليوم أو أسقط اليوم الأول أو اليوم الأخير ولم يطلقها فى يومه وقع الطلاق فى آخر جزء منه لأن خروج اليوم يفوت به طلاقها فوجب وقوعه قبله فى آخر وقت الامكان كموت أحدهما فى اليوم لأن معنى يمينه ان فاتنى طلاقك اليوم فأنت طالق فيه، فاذا بقى من اليوم ما لا يتسع لتطليقها فقد فاته طلاقها فوقع حينئذ (١).
وان قال أنت طالق يوم يقدم زيد أو أنت طالق فى اليوم الذى يقدم فيه زيد فماتت فى يوم قدومه أو مات الحالف فى يوم قدومه، أو مات الزوجان فى يوم قدومه أو لم يمت واحد منهما فى ذلك اليوم تبين أن طلاقها وقع من أول اليوم الذى قدم فيه زيد من طلوع فجره كما لو قال أنت طالق يوم الجمعة.
وان قال أنت طالق فى شهر رمضان ان قدم زيد فقدم زيد فى رمضان طلقت من أول رمضان فيتبين انها طلقت من غروب الشمس من آخر يوم شعبان قياسا على التى قبلها، بخلاف ما لو قال أنت طالق فى شهر رمضان اذا قدم زيد، فانها تطلق عقب قدومه.
وان قال أنت طالق فى غد اذا قدم زيد فماتت قبل قدومه لم تطلق لأن اذا اسم زمان مستقبل فمعناه أنت طالق غدا وقت قدومه، وان قدم زيد والزوجان حيان طلقت عقب قدومه لوجود الصفة.
وان قال أنت طالق اليوم غدا طلقت اليوم واحدة، لأن من طلقت اليوم فهى طالق غدا الا أن يريد أنها طالق اليوم طلقة وطالق غدا طلقة فتطلق اثنتين فى اليومين على حسب ما أراده، فان قال أردت أنها تطلق فى أحد اليومين طلقت اليوم ولم تطلق غدا، لأنه جعل الزمان كله ظرفا للطلاق فوقع فى أوله وان أراد نصف طلقة اليوم ونصف طلقة غدا فثنتان، لأن كل نصف يكمل ضرورة عدم تبعيض
стр. 4304
الطلاق، وان نوى نصف طلقة اليوم وباقيها غدا طلقت اليوم واحدة، لأنه اذا قال نصفها اليوم كملت فلم يبق لها بقية تقع غدا.
وان قال أنت طالق الى شهر أو أنت طالق الى حول تطلق بمضيه، روى عن ابن عباس وأبى ذر رضى الله تعالى عنهم، ولأنه جعل ذلك غاية للطلاق ولا غاية لآخره فوجب أن يجعل غاية لأوله، ولأن هذا يحتمل أن يكون توقيتا لايقاعه كقول الرجل أنا خارج الى سنة أى بعد سنة فلم يقع الطلاق بالشك الا أن ينوى طلاقها فى الحال فتطلق فى الحال عملا بنيته كقوله أنت طالق الى مكة ولم ينو بلوغها الى مكة فيقع فى الحال.
وان قال أنت طالق من اليوم الى سنة طلقت فى الحال، فان قال أردت أن عقد الصفة من اليوم، وأن وقوعه بعد سنة لم يقع الطلاق الا بعد سنة عملا بنيته واللفظ يحتمله.
وان قال أردت تكرير طلاقها من حين تلفظت الى سنة طلقت فى الحال ثلاثا ان كانت مدخولا بها والا بانت بالأولى ولم يلحقها ما بعدها (١).
وان قال أنت طالق فى آخر الشهر تطلق فى آخر جزء من الشهر، لأنه آخره وقيل تطلق بآخر فجر اليوم منه، اختاره الأكثر قاله فى المبدع وقطع به فى المقنع، وغيره لأن آخر الشهر آخر يوم منه، واذا علق الطلاق على وقت تعلق بأوله.
وان قال أنت طالق فى أول آخر الشهر تطلق بطلوع فجر آخر يوم منه، لأن آخر الشهر اليوم وأوله طلوع الفجر، ويحرم وطؤها فى تاسع عشرين، لاحتمال أن يكون آخر الشهر ذكره ابن الجوزى رحمه الله تعالى فى المذهب، والمراد ان كان الطلاق بائنا بخلاف الرجعى فيجوز وطؤها فيه.
وان قال أنت طالق فى آخر أوله تطلق فى آخر أول يوم منه، قاله فى المقنع، قال فى المبدع على المذهب، وقال فى الأنصاف هذا أحد الوجوه، وقال ابن منجا فى شرحه هذا المذهب، وقال فى المغنى والشرح الكبير هذا أصح، وقدمه فى الهداية والمستوعب والرعايتين والحاوى الصغير، وجزم به فى الوجيز.
وقيل تطلق بطلوع فجر أول يوم منه وهذا المذهب، قال فى الفروع طلقت بطلوع فجر أول يوم منه فى الأصح، جزم به فى الغرر وقدمه فى المحرر.
وقال أبو بكر فى المسئلتين تطلق بغروب شمس الخامس عشر منه، لأن نصف الشهر فما دون يسمى أوله، فاذا شرع فى النصف الثانى صدق أنه آخره فيجب أن
стр. 4305
يتحقق الحنث لأنه أول آخره وآخر أوله (١).
وان قال اذا مضى يوم فأنت طالق فان كان القول المذكور نهارا وقع الطلاق اذا عاد النهار الى مثل وقته الذى تلفظ فيه من أمس ذلك النهار ليكمل اليوم وان كان قوله ذلك ليلا فانها تطلق بغروب شمس غد تلك الليلة ليتحقق مضى يوم.
وان قال اذا مضت سنة فأنت طالق طلقت اذا مضى اثنا عشر شهرا بالأهلة ويكمل الشهر الذى حلف فى أثنائه بالعدد ثلاثين يوما حيث كان الحلف فى أثناء الشهر فاذا مضى أحد عشر شهرا بالأهلة أضاف الى ما مضى من الشهر الأول قبل حلفه تتمة الثلاثين يوما، وانما اعتبرت الأهلة حيث أمكن لأنها المواقيت التى جعلت للناس بالنص.
وان قال اذا مضت السنة فأنت طالق، أو قال اذا مضت هذه السنة فأنت طالق طلقت بانسلاخ ذى الحجة، لأنها لما ذكرها بلام التعريف انصرفت الى السنة المعروفة وهى التى آخرها ذو الحجة، فان قال أردت بالسنة اثنى عشر شهرا دين، وقبل منه حكما، لأن لفظه يحتمله.
وان قال أنت طالق فى كل سنة طلقة طلقت الأولى فى الحال، لأنه جعل السنة ظرفا للطلاق فيقع اذن، وتطلق الثانية فى أول المحرم، لأن السنة الثانية ظرف للطلقة فتطلق فى أولها وكذا الثالثة ان بقيت الزوجة فى عصمته بأن استمرت الزوجة فى عدتها أو ارتجعها فى عدة الطلاق أو جدد نكاحها بعد أن بانت، وان بانت حتى مضت السنة الثالثة ثم تزوجها لم يقع الطلاق، ولو نكحها فى السنة الثانية وقعت الطلقة عقب نكاحه أو نكحها فى السنة الثالثة وقعت كذلك عقبه لأنه جزء من السنة التى جعلها ظرفا للطلاق ومحلا له، وكان سبيله أن يقع أولها فمنع منه كونها غير محل للطلاق، لعدم نكاحه حينئذ، فاذا عادت الزوجة وقع فى أولها، فان قال أردت بالسنة اثنى عشر شهرا قبل حكما، لأن لفظه يحتمله، وان قال أردت أن يكون أول السنين المحرم دين، لأنه محتمل، ولم يقبل فى الحكم، لأنه خلاف الظاهر.
وان قال أنت طالق يوم يقدم زيد فقدم نهارا مختارا حنث، لوجود الصفة سواء علم القادم باليمين أو جهلها، وسواء كان القادم ممن لا يمتنع بيمينه كالسلطان والحاج والأجنبى، أو كان ممن يمتنع باليمين من القدوم كقرابة لهما أو لأحدهما أو غلام لأحدهما، وان قدم زيد ليلا طلقت ان نوى باليوم الوقت أو لم ينو شيئا، لأن اليوم يطلق بمعنى الوقت قال الله «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ» (٢) وقال:
«وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ» (٣) وان قدم
стр. 4306
زيد نهارا طلقت فى أوله أى من طلوع فجر يوم قدومه على ما تقدم بيانه، وان قدم بزيد ميتا أو مكرها لم تطلق، لأنه لم يقدم وانما قدم به، ولو كان الحالف مثلا أراد فى هذا المثال بقدوم زيد انتهاء سفره حمل الكلام على نيته فيقع الطلاق.
وان قال لزوجته ان تركت هذا الصبى يخرج فأنت طالق فانفلت الصبى بغير اختيارها فخرج فان كان الحالف نوى أن لا يخرج الصبى حنث الحالف بخروجه، وان نوى أن لا تدعه لم يحنث نصا، لأنها لم تتركه وان لم تعلم نيته انصرفت يمينه الى فعلها فلا يحنث الا اذا خرج الصبى بتفريطها فى حفظه أو خرج باختيارها، لأن ذلك مقتضى لفظه فلا يعدل عنه الا لمعارض ولم يتحقق لكن ان كان لليمين سبب هيجها حملت عليه (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى: أن من قال اذا جاء رأس الشهر فأنت طالق أو ذكر وقتا ما فلا تكون طالقا بذلك لا الآن ولا اذا جاء رأس الشهر، لأنه لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطلاق بذلك، وقد علمنا الله الطلاق فى المدخول بها وفى غير المدخول بها وليس هذا فيما علمنا، «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (٢) وأيضا فان كان كل طلاق لا يقع حين ايقاعه فمن المحال أن يقع بعد ذلك فى حين لم يوقعه فيه (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن ما علق من الطلاق بمضى حين - نحو أن يقول أنت طالق بعد حين ونحوه كأن يقول أنت طالق بعد وقت أو بعد دهر أو بعد عصر أو بعد حقب (٤) قال بعض أهل المذهب يقع بالموت، وذلك لأن الحين يطلق على القليل والكثير من الزمان وكذلك الدهر والعصر والوقت والحقب، فلما احتمل القليل والكثير والأصل أن لا طلاق يقينا على اليقين حتى مات فانكشف أنها طلقت قبيل موته أو موتها.
وقال محمد بن يحيى: ان قال أنت طالق الى حين أو زمان، فان نوى وقتا فذاك وان لم ينو فاذا مات أو ماتت، وذلك لأن الى تستعمل للغاية وبمعنى مع واستعمالها هنا للغاية لا يصح، لأن الطلاق لا يتوقت فكانت بمعنى مع واذا كانت بمعنى مع فهى مقدرة بمعنى الشرط
стр. 4307
أى اذا مضى حين، قالوا والحين لفظة مشتركة تستعمل للصباح والعشى كقول الله «حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ» (١) وبمعنى السنة وعليه قول الله «تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ» (٢) أى كل سنة وقيل ستة أشهر وبمعنى أربعون سنة، وعليه قول الله «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ» (٣) وعن العمر، وعليه قوله تعالى «وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ» (٤) قالوا:
فاذا احتملت هذه المعانى حمل على المتيقن وهو العمر، لأن الأصل عدم الطلاق.
قال مولانا ﵇: وما ذكره أصحابنا فى هذه المسئلة غاية الضعف والركة والمخالفة لمقتضى اللغة العربية، والصحيح عندى أنها تطلق بعد مضى لحظة، لأنه قيده بمضى حين، وقد مضى الحين اذ لفظة الحين اسم جنس واذا علق الطلاق بوقت معين فانه يقع بأول المعين نحو أنت طالق اذا جاء غد فانها تطلق بأول غد، وكذا بعد شهر ونحوه فانها تطلق بأول الشهر الثانى ونحو ذلك، لأنه علقه بظرف ممتد فتطلق بأوله.
قال أبو العباس اذا قال أنت طالق غدا أو أنت طالق اذا جاء غد طلقت اذا طلع الفجر، وهكذا اذا قال أنت طالق فى غد، قال فان نوى وقتا بعينه من نصفه أو آخره فله نيته فى ظاهر الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى على أصل يحيى ﵇ (٥).
واذا علق بوقتين معينين وقع أول الأول ان تعدد ذلك الوقت المعين كاليوم غدا، لأن الطلاق يتعلق بالظرف الأول لا الثانى، فاذا قال أنت طالق اليوم غدا طلقت أول اليوم وان قال أنت طالق غدا اليوم طلقت غدا، ولو تعدد الوقت بتخيير نحو أنت طالق اليوم أو غدا أو بعدد جمع نحو أنت طالق اليوم وغدا فانها تطلق بأول المذكور من الوقتين أولا غالبا، بخلاف ما اذا قال أنت طالق غدا واليوم فانها تطلق بأول الآخر فتطلق فى الحال ها هنا وهو اليوم، لأن تأخره لفظا لا يخرجه عن تقدمه لتقدمه فى الوقوع مع تعليق الطلاق بهما جميعا.
ومن قال انت طالق يوم يقدم زيد ونحوه كيوم أدخل الدار وما أشبه ذلك فانه لوقت قدومه ودخوله حيا مختارا، سواء وقع ليلا أو نهارا، لأن قوله يوم يقدم بمعنى وقت يقدم عرفا فان قصد النهار فقط فله نيته، وان قدم ميتا أو مكرها لا فعل له لم تطلق لأنه مقدوم به لا قادم ولفظ أول آخر هذا اليوم وعكسيه وهو آخر أول هذا اليوم موضوع
стр. 4308
لنصفه، فاذا قال أنت طالق أول آخر اليوم هذا أو آخر أوله وقع الطلاق عند انتصاف النهار، وهكذا الأمر فى الشهر ونحوه، اذا قال فى أول آخره أو فى آخر أوله فانه يقع الطلاق فى اليوم الخامس عشر ان وفا الشهر وان نقص ففى نصف الخامس عشر.
ولو قال لها أنت طالق فى اليوم اذا جاء غد فانها تطلق غدا.
واذا قال أنت طالق أمس فانه لا يقع لأنه علقه بمستحيل.
وقال أبو جعفر اذا كانت فى حباله بالأمس.
ومن قال أنت طالق اذا مضى يوم وكان هذا الانشاء فى النهار لا فى الليل فانها تطلق لمجئ مثل ذلك الوقت الذى طلقها فيه من النهار الثانى فاذا طلقها وقت العصر مثلا طلقت وقت العصر فى النهار الثانى.
وان قال انت طالق اذا مضى يوم وكان هذا الانشاء فى الليل طلقت لغروب شمس اليوم التالى لهذا الليل واذا قال أنت طالق اذا رأيت القمر فانها لا تطلق اذا رأت الهلال أو الشهر أو ثانيه أو ثالثه، لأنه لا يسمى قمرا الا من رابع الشهر الى ليلة سبع وعشرين فاذا رأته فى ذلك طلقت، وان رأته فى ثامن وعشرين أو تاسع وعشرين لم تطلق.
واذا قال أنت طالق اذا رأيت البدر لم تطلق الا اذا رأت القمر ليلة رابع عشر، لأنه لا يسمى بدرا الا فى تلك اليلة، واذا قال أنت طالق يوم العيد ولم تكن له نية طلقت بأول العيدين الفطر أو الأضحى، فان قال ذلك بعد الفطر فبالأضحى وكذا اذا قال أنت طالق فى ربيع طلقت فى ربيع الأول اذا قال ذلك فى صفر، وان كان فى ربيع ففورا وهكذا اذا قال أنت طالق يوم موت زيد وعمرو فانها تطلق بموت الأول منهما، لأنه وقته بحصول وقت موتهما وقد حصل أوله بموت الأول بخلاف ما لو جعل موتهما شرطا نحو اذا مات زيد وعمرو فانها لا تطلق.
ومن قال أنت طالق قبل كذا كان هذا غير مقيد بمستقبل وانما هو للحال، فاذا قال أنت طالق قبل موتى أو قبل موت زيد أو قبل طلوع الشمس أو نحو ذلك مما هو مقطوع بحصوله فانها تطلق فى الحال، فان قال قبل قدوم زيد ونحوه مما لا يقطع بحصوله فانها تطلق فى الحال أيضا بشرط حصول ذلك فيكون حصوله كاشفا لوقوع الطلاق عقيب الكلام، ويجوز له الاستمرار على الوط ء فى هذه الصورة اذ لا يعلم حصوله، والأصل بقاء النكاح وجواز الوط ء وعدم حصول القدوم، فان قال أنت طالق قبل طلوعك السماء من كل ما هو مستحيل لم تطلق اذ لا قبل له رأسا.
وان قال أنت طالق قبل كذا بشهر طلقت لقبل ذلك الأمر بشهر، فاذا قال
стр. 4309
أنت طالق قبل موتى بشهر طلقت قبله بشهر، فان مات قبل مضى شهر لم يقع شئ.
واذا قال أنت طالق قبل كذا وكذا بشهر نحو أن يقول أنت طالق قبل موت فلان وفلان بشهر طلقت لقبل موت آخرهما بشهر (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أن الطلاق ان علق بشرط من الشروط أو بصفة من الصفات المستقبلة فانه لا يقع أصلا لا فى الحال ولا فى المستقبل حين حصول الشرط والصفة لاجماع الفرقة وأخبارهم فانهم لا يختلفون فى ذلك، وأيضا لأن الأصل بقاء العقد وايقاع هذا الضرب من الطلاق يحتاج الى دليل، والشرع خال من ذلك (٢)، فلو قال لها أنت طالق اذا قدم فلان، أو أنت طالق فى شهر رمضان، أو اذا رأيت هلال رمضان فانت طالق أو أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر لم يقع طلاقه (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن الزوج اذا قال لامرأته أنت طالق أمس أو اليوم وأمس طلقت فى حينها.
وان قال أنت طالق اليوم وغدا طلقت اليوم وقوله (وغدا) حشو.
وان قال أنت طالق فى غد أو اذا جاء غد طلقت غدا.
وان قال أنت طالق غدا واذا جاء ما بعد غد وقع طلاق غدا وآخر بعد غد.
وان قال أنت طالق الساعة غدا أو طالق اليوم اذا جاء غد طلقت فى حينها.
وقيل حتى يجئ غد.
وان قال أنت طالق اليوم اذا جاء فلان غدا طلقت اليوم اذا جاء غد.
وان قال انت طالق اليوم أو فى اليوم طلقت فى حينها.
وان قال أنت طالق رمضان أو فى رمضان أو يوم الجمعة أو نحو ذلك، فان عنى الماضى وقع فى حينه، وان عنى المستقبل وقع اذا دخل.
وان قال أنت طالق كل سنة واحدة طلقت عند تمام كل سنة ان كان يراجعها
стр. 4310
وقيل تبين بمضى أربعة، وان تزوجت غيره فى الثانية ثم رجعت اليه قبل تمام ثلاث سنين ففى وقوع الطلاق قولان.
وان قال أنت طالق كل سنة ثلاثا بانت منه بثلاث وان تزوجته بعد تزوج غيره فلا تطلق (١)، وتطلق من حينها بقوله أنت طالق قبل موتى أو قبل موتك أو قبل موت فلان أو قبل موت هذه الدابة أو قبل وقوع كذا بلا أجل، الا أن أراد قبل ذلك باتصال فكمن أجل فلا يمس اذ لا يدرى متى يكون الموت أو متى يقع كذا.
وقيل، يجبر على طلاقها.
وقيل: تطلق من حينه (٢).
وان أجل الطلاق بشهر أو أقل أو أكثر قبل الموت أو الوقوع فلا يمسها بعد، اذ لا يدرى متى يكون ذلك فان مس ثم عاش أو عاشت أو عاش فلان أو عاشت الدابة ان لم يقع كذا حتى جاوز ما وقته لم تحرم، وكره مسها على ذلك حذرا من وقوع المس بعد الطلاق، ولا تبين بمضى أربعة أشهر بلا مس اذ لم يمنع من جماعها يقينا لاحتمال الحياة أو عدم الوقوع أكثر مما أجل فانكشف الغيب أنه لم يمنع فيما زاد على الأجل.
وقيل: تبين لأنه ممنوع منه فى الجملة، لاحتمال الموت والوقوع فى الأجل، وفى هذا ونحوه اعمال العدة بلانية.
وقيل: يجبر بطلاقها بما يردعه ولو بحبس أو ضرب طلاقا بائنا لا رجعة فيه ولو برضاها ولو لم ينوه بائنا وله أن يمتنع وحرم عليه تعطيلها وامساكها على عدم المس ونحوه.
وقيل: تطلق من ساعتها، لأن الطلاق واقع والأجل مجهول الحلول، فلا وجه لاثبات الأجل، لأنه لا يتوصل الى معرفته ولا لالغاء الطلاق وان أراد الانحلال من قوله ذلك فأداها وراجعها وترثه ان مات ولم تتم عدتها فى الشهر التالى لموته وهو الذى قبل موته، لأن كلا من الشيئين المتصلين تال للآخر ان قال قبل موتى بشهر، وورثها ان ماتت وعاش بعدها شهرا أو أكثر لانكشاف أنها ماتت غير مطلقة ويرثها أيضا ان مات بعدها قبل تمام الشهر ان لم تتم العدة وكان الطلاق رجعيا (٣).