← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

كثير من أهل العلم فهم معذورون حكمهم حكم الحاكم المجتهد يخطئ فيقتل مجتهدا أو يتلف مالا مجتهدا ففى الدم دية على بيت المال لا على الباغى ولا على عاقلته ويضمن المال كل من أتلفه وكذلك من تأول تأويلا خرق به الاجماع بجهالة ولم تقم عليه الحجة ولا بلغته. وأما من تأول تأويلا فاسداً لا يعذر فيه فعلى من قتل القود فى النفس فما دونها والحد فيما أصاب بوط ء حرام وضمان ما استهلك من مال .. » مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار - الأمام وأن جاز له تضمين الظلمة فإنه لا يجوز له أن ينقض لأجل التضمين ما وضعوه من أموالهم فى قربة (١). مذهب الإمامية: جاء فى كتاب شرائع الاسلام (٢) - قوله ولو أتلف الباغى على العادل مالا أو نفسا فى حالة الحرب ضمنه. مذهب الإباضية: جاء فى كتاب النيل وشرحه (٣) - قوله: لزم الباغى ضمان المال والدم إلا أن كان فعل ذلك تدينا فلا يلزم عند أصحابنا وقال: قال أصحابنا ما تلف بين أهل البغى والعدل من نفس أو مال فلا ضمان على كل واحد من الفريقين لأن الصحابة ومن معهم تقاتلوا ولم يطالب أحدهم وعن الزهرى وقعت الفتنة العظمى بين الصحابة وهم متوافرون فأجمع رأيهم أن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو هدر وكل ما تلف بتأويل القرآن فلا ضمان فيه. ١٧ - إتلاف النفس وما دونها من الأطراف (أنظر قود ودية وأرش). ١٨ - إتلاف الجنين - فى إتلاف الجناية على الجنين (أنظر غرة). ١٩ - إتلاف الصبى ونحوه. مذهب الحنفية: يلزم كلا من الصبى والمجنون والنائم ضمان ما أتلفوه: قال صاحب الهداية: - وأن أتلف الصبى والمجنون شيئا لزمهما ضمانه إحياء لحق المتلف عليه وهذا لأن كون الاتلاف موجبا لا يتوقف على القصد كالذى يتلف بانقلاب النائم عليه. وقال ابن عابدين (٤) - لو أن ابن يوم انلقب على قارورة إنسان مثلا فكسرها يجب الضمان عليه فى الحال وكذا العبد والمجنون إذا أتلف شيئا لزمهما ضمانه فى الحال لكن ضمان العبد بعد العتق فى إتلافه المال أما فى النفس فيقتص منه فى الحال أن جنى على النفس بما يوجب القصاص، ويدفع أو يفدى أن جنى عليها بما لا يوجب القصاص أو جنى على الطرف عمدا أو خطأ. وقال فى الدر المختار نقلا عن الأشباه: الصبى المحجور مؤاخذ بأفعاله فيضمن ما أتلفه من المال للحال وإذا قتل فالدية على عاقلته.

стр. 422

مذهب الشافعية: ما يتلفه الصبى والمجنون مضمون عليهما نفسا أو مالا قال صاحب نهاية المحتاج (١) - فى باب قاطع الطريق: «ولا عقوبة على صبى ومجنون ومكره وإن ضمنواً النفس والمال». مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٢) - قوله: «وجناية طفل فى دم أو مال على أبيه أو وليه أن لم يكن أبوه ولا يرجعان فى مال الطفل لأن الطفل كدابة يجب حفظه فإذا لم يحفظاه فقد ضيعا فلزمهما الغرم ولو كان له مال على الراجح - ومقابله القول بأنه يرجع فى مال الطفل أن كان فى الحين أو كان بعد وأنه إن شاء الأب أو الوالى أعطى من مال الطفل من أول مرة إن كان له مال وهو أولى من إعطائهما من مالهما ثم يأخذان من ماله». ما تتلفه الدواب: مذهب الحنفية: جاء فى الدر المختار نقلا عن الصيرفية: «حمار يأكل حنطة إنسان فلم يمنعه حتى أكل قال فى البدائع الصحيح أنه يضمن وقال ابن عابدين فى حاشيته تعليقا على ذلك (٣). ذكر الزاهدى هذا الفرع بلفظ رأى حماره قال الخير الرملى فلو الحمار لغيره أفتيت بعدم الضمان ويستمر ابن عابدين فيقول: ولا يخفى ظهور الفرق بين حماره وحمار غيره فإنه إذا كان الحمار له وتركه صار الفعل منسوبا إليه والنفع عائد عليه بخلاف حمار غيره فإنه وإن كان الإتلاف محققا وهو يشاهده لكنه لا ينتفع به. وقال صاحب الدر المختار: «وان أرسل طيراً ساقه أولا أو دابة أو كلبا ولم يكن سائقا له أو انفلتت دابة بنفسها فأصابت مالا أو آدميا نهارا أو ليلا لا ضمان فى الكل لقوله ﷺ «العجماء جبار» أى المنفلتة هدر قال ابن عابدين أى فعلها إذا كانت منفلتة ثم قال صاحب الدر المختار كما لو جمحت الدابة بالراكب ولم يقدر على ردها فإنه لا يضمن كالمنفلتة لأنه حينئذ ليس بمسير لها فلا يضاف سيرها إليه حتى لو أتلفت إنسانا فدمه هدر (٤). مذهب المالكية: وما أتلفته البهائم ليلا فعلى ربها وإن زاد على قيمتها. ونقل الباجى قول مالك ما أصابت الماشية بالنهار فلا ضمان على أربابها وما أصابت بالليل ضمنوه. قال أبو عمر إنما يسقط الضمان نهارا عن أرباب الماشية إذا أطلقت دون راع، وإن كان معها راع فلم يمنعها فهو كالقائد والراكب والسائق، وقد ضمن مالك القائد والسائق والراكب. وقال الباجى: من المواضع ضرب تنفرد فيه المزارع والحوائط ليس بمكان مسرح. وهذا لا يجوز إرسال المواشى فيه، وما أفسدت فيه ليلا أو نهارا فعلى أربابها - وضرب جرت عادة الناس بإرسال مواشيهم فيه ليلا أو نهارا فاحدث رجل فيه زرعا لا ضمان فيه على أهل المواشى ليلا أو نهارا. وفى انفلات الدابة يقول صاحب التاج والإكليل على هامش الحطاب (٥):

стр. 423

قال ابن سلمون: «وإذا عدت بهيمة على أخرى فقتلتها فلا شئ فى ذلك. قال أبو عمر وكذلك إذا انفلتت ليلا أو نهارا فركبت على رجل نائم فجرحته أو قتلته لأن جرح العجماء جبار». مذهب الشافعية: قال صاحب نهاية المحتاج (١) «وأن كانت الدابة وحدها فأتلفت زرعا أو غيره نهارا لم يضمن من وضع يده عليها سواء أكانت بحق كمودع أم بغيره كغاصب فان كان الاتلاف ليلا ضمن اذ العادة الغالبة حفظ الزرع نهارا والدابة ليلا، ولذا لو جرت عادة بلد بعكس ذلك انعكس الحكم أو جرت العادة بحفظهما فيهما ضمن فيهما، والعادة محكمة. وقال (٢): - من كان مع دابة أو دواب فى طريق مثلا ولو مقطورة سائقا أو قائدا أو راكبا ضمن اتلافها نفسا على العاقلة وما لا فى ماله ليلا ونهارا لأن فعلها منسوب اليه وعليه تعهدها وحفظها فإن كان معها سائق وقائد وراكب ضمن الراكب فان لم يكن راكب فعليهما أو ركبها إثنان فعلى المتقدم دون الرديف. وفى انفلات الدابة: قال فى نهاية المحتاج (٣) «ولو كان راكبها يقدر على ضبطها فاتفق أنها غلبته لنحو قطع عنان وثيق وأتلفت شيئا لم يضمن على ما قاله بعضهم والمعتمد الضمان» وقال (٤): - ولو بالت الدابة أو راثت بطريق فتلف به نفس أو مال فلا ضمان وإلا لامتنع الناس من المرور ولا سبيل إليه. وإتلاف الطير والنحل لا ضمان فيه وفيما تتلفه الهرة روايتان: قال فى نهاية المحتاج (٥): لا ضمان بإتلاف الطير مطلقا لأنه لا يدخل تحت اليد ما لم يرسل المعلم على ما صار إتلافه له طبعا، وأفتى البلقينى فى نحل قتل جملا بأنه هدر لتقصير صاحبه دون صاحب النحل لأنه لا يمكن ضبطه. وفى الهرة يقول صاحب نهاية المحتاج (٦) - وهرة تتلف طيرا أو طعاما أن عهد ذلك منها ضمن مالكها يعنى من يؤويها لأنه كان من حقه ربطها ليكفى غيره شرها فى الأصح ليلا ونهارا وأن لم يعهد ذلك منها فلا يضمن فى الأصح. والرأى الثانى لا ضمان لأن العادة أن الهرة لا تربط. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير: - وما أفسدت البهائم بالليل من الزرع فهو مضمون على أهلها وما أفسدت من ذلك نهارا لم يضمنوه - ثم قال: يعنى اذا لم تكن يد أحد عليها فان كان صاحبها معها أو غيره فعلى من يده عليها ضمان ما أتلفته من نفس أو مال. وإن لم تكن يد أحد عليها فعلى مالكها ضمان ما أفسدته من الزرع ليلا دون النهار.

стр. 424

قال: وإن أتلفت البهيمة غير الزرع لم يضمن مالكها ما أتلفته ليلا كان أو نهارا ما لم تكن يده عليها لأن البهيمة لا تتلف ذلك عادة فلا يحتاج إلى حفظها بخلاف الزرع (١). ويقول فى المغنى (٢): إذا أكلت بهيمة حشيش قوم ويد صاحبها عليها لكونه معها ضمن وإن لم يكن معها لم يضمن ما أكلته - وأن أتلفت البهيمة شيئا وهى فى يد المستعير فضمانه على المستعير سواء أتلفت شيئا لمالكها أو لغيره لأن ضمانه يجب باليد واليد للمستعير، وإن كانت البهيمة فى يد الراعى فالضمان على الراعى. وجاء فى المغنى ومن اقتنى كلبا عقورا فأطلقه فعقر إنسانا أو دابة ليلا أو نهارا أو خرق ثوب إنسان فعلى صاحبه ضمان ما أتلفه لأنه مفرط باقتنائه إلا إن يدخل إنسان داره بغير إذنه فلا ضمان فيه لأنه متعد بالدخول متسبب بعدوانه إلى عقر الكلب له. وإن دخل بإذن المالك فعليه ضمان لأنه تسبب إلى إتلافه - وإن أتلف الكلب بغير العقر مثل أن ولغ فى إناء إنسان أو بال لم يضمنه مقتنيه لأن هذا لا يختص به الكلب العقور - وإن اقتنى سنورا يأكل أفراخ الناس ضمن ما أتلفه كما يضمن ما أتلفه الكلب العقور وإن لم يكن له عادة بذلك لم يضمن صاحبه جنايته كالكلب اذا لم يكن عقورا (٣). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى لابن حزم «لا ضمان على صاحب البهيمة فيما جنته فى مال أو دم ليلا أو نهارا لكن يؤمر صاحبه لضبطه فإن ضبطه فذاك وإن عاد ولم يضبطه بيع عليه لقول رسول الله ﷺ «العجماء جرحها جبار» (٤). وقال كذلك فى جنايات الحيوان: - القول عندنا فى هذا هو ما حكم به رسول الله ﷺ وثبت عنه من أن العجماء جرحها جبار وعملها جبار فلا ضمان فيما أفسده الحيوان من دم أو مال لا ليلا ولا نهارا فإن أتى بها وحملها على شئ وأطلقها فيه ضمن حينئذ لأنه فعله. ليلا أو نهارا قال: وأما الحيوانات الضارية فقد جاءت فيها آثار - والقول عندنا أن الحيوان أى حيوان كان إذا أضر فى إفساد الزرع أو الثمار فإن صاحبه يؤدب بالسوط ويسجن إن أهمله فإن ثقفه فقد أدى ما عليه وان عاد الى اهماله بيع عليه ولا بد أو ذبح وبيع لحمه أى ذلك كان أعود عليه أنفذ عليه ذلك (٥). مذهب الزيدية: يقول الزيدية: - أن الواجب على مطلق البهيمة ما جنت فورا مطلقا أى ليلا أم نهارا فى ملك أم مباح أم حق عام أم خاص فإن تراخت جنايتها عن إطلاقها لم يضمن ما وقع منها بعد ذلك. وكذا الواجب على متولى الحفظ من مالك أو مستأجر أو مستعير أو

стр. 425

غاصب ضمان جناية غير الكلب ليلا لأن الحفظ فى الليل واجب عليه إلا الكلب فانه يرسل فى الليل ليحفظ ويربط بالنهار فينعكس الحكم فى حقه. وعلى متولى الحفظ ضمان جناية البهيمة العقور من كلب أو ثور أو فرس أو غير ذلك حيث كان مفرطا مطلقا أى ليلا أم نهارا فى مرعاها أم فى غيره. ولو جنت العقور على أحد فى ملكه أى فى ملك صاحبها على الداخل بإذنه فإنه يضمن فإذا لم يكن بإذنه فهو متعد بالدخول فعادت الجناية كأنها من جهة نفسه لتعديه فهدرت» (١). قال (٢): - وأما بولها وروثها وغلبتها على الراكب حتى لم يملك ردها بل ذهبت حيث شاءت وبطلت حكمته عليها فهدر ما جنت بأى هذه الوجوه غالبا أما أن أوقفها على شئ لتبول عليه فتهلكه فإنه يضمن. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية (٣): - قوله - ويضمن صاحب الماشية جنايتها ليلا لا نهارا على المشهور قال على ﵇ لا يضمن ما أفسدت البهائم نهارا ويقول على صاحب الزرع حفظه وكان يضمن ما أفسدته ليلا وروى ذلك عن النبى ﷺ . ومنهم وهم جلة المتأخرين من اعتبر التفريط فى الضمان مطلقا ليلا ونهارا والحق أن العمل ليس على هذه الرواية بل على إجماع الأصحاب ولما كان الغالب حفظ الدابة ليلا وحفظ الزرع نهارا أخرج الحكم عليه وليس فى حكم المتأخرين رد لقول القدماء وكيف كان فالأقوى اعتبار التفريط وعدمه. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٤) قوله: - يضمن مطلق مواشيه أن أكلت شجرا أو زرعا أو نحوهما أو أفسدت ذلك أو غيره لأحد وقيل لا يضمن ما فعلت من ذلك نهارا إلا أن تعمد فوجهها إلى ذلك قال ﷺ «جرح العجماء جبار» أى جرح الدابة مهدور فقيل ذلك إذا خرجت عن طاقة من هى بيده وإلا ضمن ما أكلت ليلا أو نهاراً وقيل لا يضمن ما فعلت نهارا لقوله ﷺ .. على صاحب الطعام حفظ طعامه نهارا وعلى صاحب الدابة حفظها ليلاً. «الإتلاف بالمبارزة والتصادم والتجاذب» مذهب الحنفية: نقل ابن عابدين ما جاء فى جامع الفصولين قال: وقعت فى بخارى واقعة وهى رجل قال لأخر ارم السهم إلى حتى آخذه فرمى إليه فأصاب عينه فذهبت لم يضمن كما لو قال له أجن على فجنى وهكذا أفتى بعض المشايخ به. وقاسوه على ما لو قال: اقطع يدى. وقال صاحب المحيط: الكلام فى وجوب القود ولا شك أنه تجب الدية فى ماله لأنه ذكر فى الكتاب: لو تضاربا بالوكز فذهبت عين أحدهما يقاد لو أمكن لأنه عمد. وان قال كل منهما لأخر أضرب اضرب وكذا لو بارزا على وجه الملاعبة أو التعليم فأصابت الخشبة عينه فذهبت يقاد أن أمكن وقال

стр. 426

العلامة الرملى فى حاشيته عليه أقول فى المسألة قولان قال فى مجمع الفتاوى ولو قال كل واحد لصاحبه اضرب اضرب. ووكز كل منهما صاحبه وكسر سنه فلا شئ عليه بمنزلة ما لو قال أقطع يدى فقطعها كذا فى الخانية والذى ظهر فى وجه ما فى الكتاب أنه ليس من لازم قوله أضرب اضرب. إباحة عينه لاحتمال السلامة مع المضاربة بالوكزة كاحتمالها مع رمى السهم فلم يكن قوله ارم السهم الى قوله اضرب أضرب صريحا فى إتلاف عضوه بخلاف قوله أقطع يدى أو أجن على فلم يصح قياس الواقعة عليه، والمصرح به ان الأطراف كالأموال يصح الأمر فيها (١). وفى الإتلاف بالتصادم والتجاذب قال صاحب الدر المختار «وضمن عاقلة كل فارس أو راجل دية الآخر ان إصطدما وماتا منه فوقعا على القفا لو كانا حرين غير عامدين، ولو كانا عبدين أو وقعا على الوجه يهدر دمهما … ولو كانا عامدين فعلى كل نصف دية الأخر، ولو دفع أحدهما على وجهه هدر دمه فقط … كما لو تجاذب رجلان حبلا فإنقطع الحبل فسقطا على القفا وماتا هدر دمهما لموت كل بقوة نفسه فان وقعا على الوجه وجب دية كل واحد منهما على عاقلة الأخر لموته بقوة صاحبه فإن تعاكسا بأن وقع أحدهما على القفا والأخر على الوجه فدية الواقع على الوجه على عاقلة الأخر لموته بقوة صاحبه وهدر دم من وقع على القفا لموته بقوة نفسه … ولو قطع إنسان الحبل بينهما فوقع كل منهما على القفا فمات فديتهما على عاقلة القاطع لتسببه بالقطع (٢). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل (٣): وإن تصادما أو تجاذبا مطلقا قصدا فماتا أو أحدهما فالقود - قال مالك: إذا اصطدم فارسان فمات الفرسان والراكبان فدية كل واحد على عاقلة الآخر وقيمة فرس كل واحد فى مال الأخر. وقال مالك فى السفينتين تصطدمان فتغرق احداهما بما فيها فلا شئ فى ذلك على أحد لأن الريح تغلبهم الا أن يعلم إن النواتية لو أرادوا صرفها قدروا فيضمنوا والا فلا شئ عليهم. وقال ابن الحاجب لو اصطدم فارسان عمدا فأحكام القصاص وإلا فعلى عاقلة كل واحد دية الأخر ثم قال فان أصطدم سفينتان فلا ضمان بشرط العجز عن التصرف والمعتبر العجز حقيقة لا لخوف غرق أو ظلمة. وقال ابن شاش: ولو تجاذبا حبلا فانقطع فتلف فكاصطدامهما وإن وقع أحدهما على شئ فأتلفه ضمناه. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير (٤): وإذا اصطدم الفارسان فماتت الدابتان ضمن كل واحد منهما قيمة دابة الآخر - وجملته أن على كل واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من الأخر من نفس أو دابة أو مال سواء كانا مقبلين أو مدبرين فإن كان أحدهما يسير والآخر واقف فعلى السائر قيمة دابة الواقف لأن السائر هو الصادم المتلف فكان

стр. 427

الضمان عليه وإن مات هو أو دابته فهو هدر لأنه أتلف نفسه ودابته. وقال: «وإن تصادم نفسان يمشيان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر». قال (١): ولا فرق بين البصيرين والأعميين والبصير والأعمى .. وإن كانتا امرأتين حاملتين فهما كالرجلين فإن أسقطت كل واحدة منهما جنينا فعلى كل واحدة نصف ضمان جنينها ونصف ضمان جنين صاحبتها لأنهما اشتركتا فى قتله وعلى كل واحدة منهما عتق ثلاث رقاب واحدة لقتل صاحبتها واثنتان لمشاركتهما فى الجنين. وفى تصادم السفينتين قال: وإذا وقعت السفينة المنحدرة على الصاعدة فغرقتا فعلى المنحدرة قيمة السفينة الصاعدة أو أرش ما نقصت أن أخرجت إلا أن يكون قيم المنحدرة غلبته الريح فلم يقدر على ضبطها (٢) وإن كانت إحدى السفينتين قائمة والأخرى سائرة فلا ضمان على الواقفة وعلى السائرة ضمان الواقفة إن كان مفرطا ولا ضمان عليه إن لم يفرط (٣). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم فى كتابه المحلى بعد إن بين حكم المقتتلين (٤). وأما المصطدمان راجلين أو على دابتين أو السفينتان يصطدمان فإن السفينتين إذا اصطدمتا بغلبة ريح أو غفلة فلا شئ فى ذلك لأنه لم يكن من الركبان فى ذلك عمل أصلا ولم يكسبوا على أنفسهم شيئا. وأموالهم وأموال عواقلهم محرمة إلا بنص أو إجماع. فان كانوا تصادموا وحملوا وكل أهل سفينة غير غارقة بمكان الأخرى لكن فى ظلمة لم يروا شيئا فهذه جناية والأموال مضمونة لأنهم تولوا إفسادها وقال تعالى: «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (٥)». وأما الأنفس فعلى عواقلهم كلهم لأنه قتل خطأ وإن كانوا تعمدوا فالأموال مضمونة كما ذكرنا وعلى من سلم منهم القود أو الدية كاملة. والقول فى الفارسين أو الراجلين يصطدمان كذلك وكذلك أيضا الرماة بالمنجنيق تقسم الدية علية وعليهم وتؤدى عاقلته وعاقلتهم ديته سواء وكذلك القول فى المتصارعين والمتلاعبين ولا فرق. وأما من سقط من علو على إنسان فماتا جميعا أو مات الواقع أو الموقوع عليه فإن الواقع هو المباشر لإتلاف الموقوع عليه بلا شك وبالمشاهدة لأن الوقعة قتلت الموقوع عليه ولم يعمل الموقوع عليه شيئا فدية الموقوع عليه أن هلك على عاقلة الواقع إن لم يتعمد الوقوع عليه لأنه قاتل خطأ فإن تعمد فالقود واقع عليه إن سلم أو الدية وكذلك الدية فى ماله إن مات الموقوع عليه قبله. فإن ماتا معا أو مات الواقع قبله فلا شئ فى ذلك لما ذكرنا من أن الدية إنما تجب بموت المقتول المجنى عليه لا قبل ذلك (٦).

стр. 428

مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية قوله (١): «والصادم لغيره يضمن فى ماله دية المصدوم لاستناد التلف إليه مع قصده الفعل ولو مات الصادم فهدر لموته بفعل نفسه أن كان المصدوم فى ملكه أو مباح أو طريق واسع - ولو وقف المصدوم فى موضع ليس له الوقوف فيه فمات الصادم بصدمة ضمن المصدوم الصادم لتعديه بالوقوف فيما ليس له الوقوف فيه. إذا لم يكن له أى للصادم مندوحة فى العدول عنه كالطريق الضيق. قال: ولو تصادم حران فماتا فلورثة كل واحد منهما نصف ديته ويسقط النصف لاستناد موت كل منهما إلى سببين: أحدهما من فعله والأخر من غيره فيسقط ما قابل فعله وهو النصف ولو كانا فارسين كان على كل منهما نصف قيمة فرس الأخر مضافا إلى نصف الدية». إتلاف مرخص فيه: قال صاحب الدر المختار فى كتاب الإكراه - ويرخص للمكره إتلاف مال مسلم أو ذمى بقتل أو قطع ويؤجر لو صبر أنظر (إكراه). إتلاف بعض ما فى السفينة لتنجو من الغرق مذهب الحنفية: قال صاحب الدر المختار فى كتاب القسمة «ولو خيف الغرق فاتفقوا على إلقاء أمتعة فالغرم بعدد الرءوس لأنها لحفظ الأنفس». قال ابن عابدين فى حاشيته «يفهم منه أنهم إذا لم يتفقوا على الإلقاء لا يكون كذلك بل على الملقى وحده وبه صرح الزاهدى فى حاويه. قال رامزا أشرفت السفينة على الغرق فألقى بعضهم حنطة غيره فى البحر حتى خفت يضمن قيمتها فى تلك الحال أى يضمن قيمتها مشرفة على الغرق .. ثم قال الرملى: ويفهم منه أنه لا شئ على الغائب الذى له مال فيها ولم يأذن بالإلقاء فلو أذن بأن قال إذا تحققت هذه الحالة فألقوا اعتبر إذنه. قال ابن عابدين نقلا عن الرملى على الأشباه وأقره الحموى. يجب تقييد القول بأن الغرم بعدد الرءوس بما إذا قصد حفظ الأنفس خاصة كما يفهم من تعليله. أما إذا قصد حفظ الأمتعة فقط كما إذا لم يخش على الأنفس وخشى على الأمتعة بأن كان الموضع لا تغرق فيه الأنفس وتتلف فيه الأمتعة فهى على قدر الأموال. وإذا خشى على الأنفس والأموال فألقوا بعد الاتفاق لحفظهما فعلى قدرهما. فمن كان غائبا وأذن بالإلقاء اذا وقع ذلك أعتبر ماله لا نفسه ومن كان حاضرا بماله أعتبر ماله ونفسه ومن كان بنفسه فقط أعتبر نفسه فقط (٢). مذهب الشافعية: قال صاحب نهاية المحتاج (٣): «ولو أشرفت سفينة بها متاع على غرق وخيف غرقها بما فيها جاز عند توهم النجاة طرح متاعها حفظا للروح. ويجب طرح ذلك لرجاء نجاة الراكب بشرط اذن المالك فى حالة

стр. 429

الجواز دون الوجوب. فان طرح ملك غيره ولو فى حالة الوجوب بلا اذن له فيه ضمنه كأكل مضطر طعام غيره بغير اذنه، وهذا لا ينافيه عدم الاثم لأن الاثم وعدمه يتسامح فيهما ما لا يتسامح فى الضمان، وان طرحه باذن مالكه فلا يضمنه. مذهب الحنابلة: ويرى الحنابلة أنه: - ان خيف على السفينة الغرق فألقى بعض الركبان متاعه لتخف وتسلم من الغرق لم يضمنه أحد لأنه أتلف متاع نفسه باختياره لصلاحه وصلاح غيره، وان ألقى متاع غيره بغير أمره ضمنه وحده، وان قال لغيره ألق متاعك فقبل منه لم يضمنه له لأنه لم يلتزم ضمانه، وان قال ألقه وأنا ضامن له أو وعلى قيمته لزمه ضمانه له لأنه أتلف ماله بعوض لمصلحة فوجب له العوض على من التزمه» (١). وقال فى نفس المصدر: واذا خرق سفينة فغرقت بما فيها وكان عمدا وهو مما يغرقها غالبا ويهلك من فيها لكونهم فى اللجة أو لعدم معرفتهم بالسباحة فعليه القصاص ان قتل من يجب القصاص بقتله وعليه ضمان السفينة بما فيها من مال ونفس، وان كان خطأ فعليه ضمان العبيد ودية الأحرار على عاقلته. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى لابن حزم (٢) قوله: - فان هال البحر وخافوا العطب فليخففوا الأثقل فالأثقل ولا ضمان فيه على أهل المركب لأنهم مأمورون بتخليص أنفسهم، واما من رمى الأخف وهو قادر على رمى الأثقل فهو ضامن لما رمى من ذلك لا يضمنه معه غيره ولا يرمى حيوان الا لضرورة يوقن معها بالنجاة برميه ولا يلقى انسان أصلا لا مؤمن ولا كافر لأنه لا يحل لأحد دفع ظلم عن نفسه بظلم من لم يظلمه والمانع من القاء ماله المثقل للسفينة ظالم لمن فيها فدفع الهلاك عن أنفسهم بمنعه من ظلمهم فرض. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٣) قوله: سفينة كريت لقوم فغرقت يضمن ربها ان دلس بها أو جهل سياسة البحر والا فالماء عدو قاهر فى الاهلاك فان أصيبت من فوقها بنحو ريح أو ماء أو ضرها الحوت بلا تفريط منه فلا ضمان عليه. قال: وللقوم ان انكسرت أن يأخذوا من ألواحها وأعوادها ما يركبونه وينجون به أنفسهم من الموت، وان خافوا غرقا خففوا بالقاء بعض المال بشراء من ربه باتفاقهم على المال وعلى الرءوس. ومن ألقى ماله بلا مشورتهم فمتبرع به وغرمه وحده ان كان لغيره ولا يلقون انسانا ولو مشركا معاهدا.

стр. 430

إثبات تعريف الإثبات: فى اللغة: فى المصباح: ثبت الشئ يثبت ثبوتا: دام وأستقر، فهو ثابت. وثبت الأمر: صح. ويتعدى بالهمزة والتضعيف. وثبت فى الحرب فهو ثبيت مثل قرب فهو قريب، والاسم ثبت، ومنه قيل للحجة ثبت. وفى المختار: ثبت الشئ من باب دخل وثباتا أيضا. وأثبته غيره وثبته. وتقول: لا أحكم بكذا إلا بثبت، أى إلا بحجة. فالإثبات على هذا تقديم الثبت، أى الحجة كالإتحاف تقديم التحفة. فى الاصطلاح: يؤخذ من استعمال الفقهاء أن الإثبات بمعناه العام: إقامة الدليل على حق أو على واقعة من الوقائع، وبمعناه الخاص: إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التى حددتها الشريعة على حق أو على واقعة معينة تترتب عليها آثار. آراء الفقهاء فى الحجج الشرعية التى تثبت بها الدعوى للعلماء فى بيان الحجج الشرعية التى تثبت بها الدعوى طريقان: الأول: حصر طرق الإثبات فى طائفة معينة من أدلة يتقيد بها الخصوم فلا يقبل منهم غيرها. ويتقيد بها القاضى فلا يحكم إلا بناء عليها، وهذا هو رأى الجمهور من العلماء. جاء فى الدر المختار وحاشية رد المحتار لابن عابدين: أن طرق القضاء سبعة: البينة، والإقرار، واليمين، والنكول عنه، والقسامة، وعلم القاضى، والقرينة الواضحة التى تصير الأمر فى حيز المقطوع به (١). والثانى: عدم تحديد طرق معينة للإثبات يتقيد بها الخصوم أو القاضى. بل للخصوم أن يقدموا من الأدلة ما يستطيعون به إقناع القاضى بصحة دعواهم. وللقاضى أن يقبل من الأدلة ما يراه منتجا فى الدعوى ومثبتا لها، ومن أكبر أنصار هذا الرأى، العلامة ابن القيم، فقد قال (٢): «إذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأى طريق كان، فثم شرع الله ودينه، فأى طريق استخرج بها العدل والقسط فهى من الدين وليست مخالفة له». ومع اتفاق جمهور العلماء على حصر طرق الإثبات فى طائفة معينة من الأدلة فإنهم لم يتفقوا على أنواع هذه الأدلة، فبعضهم يعتبر كلا من اليمين والنكول عنه طريقا للقضاء، وبعضهم لا يعتبره طريقا له .. وقد يتفقون على اعتبار نوع من الأدلة طريقا للقضاء، ولكنهم يختلفون فى نطاق الاستدلال به كشهادة الشاهدين رجلين أو

стр. 431

رجل وامرأتين، أجمعوا على أنها طريق للقضاء، ولكنهم اختلفوا: هل تكون فى مسائل الأموال والمعاملات فقط أو فيما عدا الحدود والقصاص من الأموال والنكاح والطلاق. والأدلة التي تردد ذكرها فى كتب الفقه كطرق للقضاء أو أدلة يمكن إثبات الدعوى بها بين متفق عليه ومختلف فيه منها، هى: الإقرار، والشهادة، واليمين، والشاهد واليمين، والنكول، وعلم القاضى، والقرينة، والخط والقسامة، والقيافة، والقرعة، والفراسة. وسنتكلم على كل واحد منها بالترتيب الذى أوردناه. الإقرار الإقرار: إخبار الشخص بثبوت حق للغير على نفسه ولو كان هذا الحق سلبيا، أى بطريق النفى كإقراره بأن لا حق له على فلان، فإنه يثبت للمقر له على المقر حق عدم مطالبته بشئ من الحقوق. مذهب الحنفية: والإقرار عند الحنفية: يكون باللفظ وبالإشارة المفهمة من غير القادر على التلفظ كالأخرس ومعتقل اللسان إذا طال أمده وثبتت له إشارة، وبالكتابة، وبالسكوت كسكوت الوالد بعد تهنئة الناس له بالولد بعد الولادة يكون إقرارا منة بنسبه، وسكوت الزوجة والولد والأجنبى عند بيع العقار بحضرته، يكون إقراراً من الساكت بملكية البائع للعقار المبيع حتى لا تسمع منه دعوى ملكية هذا العقار على المشترى بعد ذلك (١). مذهب المالكية: وعند المالكية: يكون الإقرار باللفظ أو ما يقوم مقامه كالإشارة المفهمة من الأبكم والمريض، والكتابة فى صحيفة أو لوح أو خرقة أو على الأرض، والسكوت كسكوت غريم الميت عند بيع التركة أمامه، لا يقبل منه ادعاء الدين فى التركة بعد ذلك إلا أن يكون له عذر (٢). مذهب الشافعية: وعند الشافعية: يكون الإقرار باللفظ والكتابة عند من يجوز الاعتماد عليها، وبالإشارة من الأخرس والمريض العاجز عن الكلام (٣). مذهب الحنابلة: وعند الحنابلة: يكون الإقرار باللفظ والكتابة وبالإشارة المعلومة من الأخرس دون معتقل اللسان والمريض (٤).

стр. 432

مذهب الظاهرية: تحدث ابن حزم فى المحلى عن الإقرار ولم يذكر ما يكون به غير اللفظ من الكتابة والإشارة (١). مذهب الزيدية: وعند الزيدية: يكون الإقرار باللفظ والكتابة والإشارة المفهمة من الأخرس والمصمت (٢). واستثنى صاحب البحر الزخار: اللعان والإيلاء والشهادة والإقرار بالزنا لأنه يعتبر فيها لفظ مخصوص. مذهب الإمامية: وعند الشيعة الإمامية: يكون الإقرار باللفظ وتقوم مقامه الإشارة (٣). حجية الإقرار والإقرار حجة علي المقر يؤخذ به ويحكم عليه بمقتضاه وهو أقوى الأدلة لأن احتمال الصدق فيه أرجح من احتمال الكذب إذ العاقل لا يقر عادة ولا يرتب حقا للغير على نفسه إلا إذا كان صادقا فى إقراره. وحجية الإقرار ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: «وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ». أمر صاحب الحق بالإملال، وإملاله هو إقراره، فلو لم يكن حجة عليه ويؤخذ به لما كان فيه فائدة ولما أمر به. وقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» والشهادة على النفس هى الإقرار عليها بالحق. وفى السنة الصحيحة أن النبى ﷺ ، قبل من ماعز ومن الغامدية الإقرار بالزنا على أنفسهما وعاملهما به وأقام عليهما الحد بناء عليه. وقد أجمعت الأمة من عهد النبى ﷺ إلى الآن على أن الإقرار حجة على المقر يؤخذ به وجرت على ذلك فى الأقضية والمعاملات. والإقرار حجة قاصرة على المقر لا يتعداه إلى غيره ولا يمتد أثره إلى من عداه. فمن أقر على غيره بشئ لم يقبل إقراره، ومن ذلك إقرار الوصى والولى على موليه. وإقرار القيم على محجوره فإنه لا يصح. وهذا قدر متفق عليه، ولكنهم اختلفوا مع هذا فى إقرار العبد يكون فيه مساس بحق السيد وماله وإقرار المريض مرض الموت يكون فيه مساس بحق الورثة أو بحق الدائنين. وإذا استثنينا الظاهرية، فإن الجميع متفقون على عدم صحة إقرار العبد والمريض مرض الموت فى بعض الصور رعاية لحق السيد والورثة والدائنين وعدم الإضرار بهم مما تبين تفاصيله فى مصطلح «إقرار».

стр. 433

أما الظاهرية فقد قرر ابن حزم الظاهرى فى كتابه (١): أن إقرار العبد والمريض مرض الموت صحيح فى جميع صوره وأحواله من غير نظر إلى مساس هذا الإقرار بالسيد أو بالورثة والمداينين وتعديه إليهم بالضرر (انظر إقرار). ولا يكون الإقرار حجة، ولا ينبنى عليه أثره إلا إذا صدر صحيحا ومستوفيا جميع الشروط التى ذكرها الفقهاء فى المقر والمقر له والمقر به وفى الصيغة ولم يتصل به ما يفسده أو يغير من موجبه مما هو مفصل ومبسوط فى مصطلح إقرار (انظر إقرار). والإقرار حجة بنفسه يثبت به الحق المقر به للمقر له على المقر ويلزمه الوفاء له به دون توقف على قضاء القاضى وحكمه بالاتفاق. وهناك حالات لا يكفى فيها الإقرار للقضاء والحكم بل لا بد من إقامة البينة معه، كما إذا أدعى شخص على مدين الميت إنه وصيه فى التركة، وصدقه المدين فى دعوى الوصاية والدين، فإن القاضى لا يثبت الوصاية بهذا الإقرار إذ الاقتصار عليه لا يفيد مع مدين آخر ينكر الوصاية. وهناك حالات تسمع فيها بينة المدعى بطلبه بعد إقرار المدعى عليه بالحق لفائدة أخرى غير ثبوت الحق، كما فى دعوى شخص على مدين أنه وكيل عن الدائن إذا صدقه المدعى عليه فى دعوى الوكالة ولكنه طلب سماع البينة عليها لتكون يده يد أمانة لا يضمن بالهلاك دون تعد ولتبرأ ذمة المدين بالدفع إليه دون رجوع، فيقبل القاضى البينة. وكما فى دعوى الدين على الميت إذا أقر بها أحد الورثة، أو أقر بها الورثة جميعا، وطلب المدعى سماع البينة ليتعدى الحكم إلى بقية الورثة فى الأولى أو إلى بقية الدائنين فى الثانية، تسمع البينة (٢). وقد يتم الإقرار ثم تطرأ أمور تؤثر فيه أصلا أو تؤثر فى مدى حجيته وهى موضع خلاف بين الفقهاء، من ذلك. دعوى المقر أنه كان كاذبا فى إقراره مذهب الحنفية: قال الحنفية: إذا أعطى شخص صكا لآخر يتضمن إقراره بأنه استقرض منه مبلغا من المال، ثم ادعى أنه كاذب فى هذا الإقرار، لا تقبل منه هذه الدعوى عند أبى حنيفة ومحمد وهو القياس لأن الإقرار ملزم شرعا كالبينة بل هو آكد لأن احتمال الكذب فيه أبعد فلا يلتفت إليه، وتقبل عند أبى يوسف فى حق تحليف المقر له اليمين فيحلف على أن المقر صادق فى إقراره بالدين كما تضمنه الصك، فإن حلف ثبت حقه فى الدين وإن نكل فلا شئ له، وهو الإستحسان وعليه الفتوى، لأن العرف جار بكتابة الصك قبل أخذ المال فلا يكون الاقرار دليلا على القبض حقيقة.

стр. 434

ولأن الناس كثرت حيلهم ومخادعتهم، والمقر يضار بعدم التحليف، ولا يضار المقر له بالتحليف إن كان صادقا، فيصار إليه. وهذا فى غير حقوق الله الخالصة، أما فيها فتقبل دعوى الكذب فى الإقرار، ولا يؤخذ به المقر لما يورثه من الشبهة المؤثرة فى سقوط الحد كما فى الرجوع عن الإقرار (١). أما إذا كان تكذيب المقر من الشارع كما إذا أقرت المطلقة بانقضاء عدتها بعد مدة تحتمله ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر بعد الإقرار يثبت نسبه شرعا من المطلق لتيقن قيام الحمل وقت الإقرار، ويكون حكم الشارع بثبوت نسب الولد تكذيبا للمطلقة فى إقرارها بانقضاء العدة أو كان التكذيب من الحاكم، كما إذا اشترى شخص عينا من آخر، ثم ادعى ثالث علي المشترى ملكية هذه العين، وأنكر المشترى وقرر أنها ملك البائع الذى اشتراها منه، وأثبت المدعى دعواه وحكم له بالعين، فإنه يكون للمشترى حق الرجوع بالثمن علي البائع رغم إقراره بأن العين ملكه، لأن الحكم بملكية العين للمدعى تكذيب له فى إقراره. إذا كان التكذيب من الشارع أو من الحاكم يكون معتبرا ويبطل الإقرار به. وقال الشافعية: أن المقر يؤخذ بما أقر به، ولا يقبل منه دعوى الكذب فى ذلك (٢). وفى مذهب الشيعة الإمامية جاء فى شرائع الإسلام (٣): «إذا أشهد بالبيع وقبض الثمن ثم قال أنه لم يقبض الثمن وإنما أشهد بذلك تبعا للعادة، قيل لا يقبل قوله لأنه مكذب لإقراره، وقيل يقبل لأنه أدعى ما هو معتاد. وهو الأشبه، إذ هو ليس مكذبا لإقراره بل هو مدع شيئا آخر فيكون على المشترى اليمين. رجوع المقر عن الإقرار مذهب الحنفية: قال الحنفية: إن رجوع المقر عن إقراره بحقوق الله تعالى الخالصة كحد الزنا والشرب والسرقة بالنسبة للقطع، يقبل ويبطل به الإقرار فلا يؤخذ به مطلقا سواء رجع قبل القضاء عليه بموجبه أو بعد القضاء وقبل الشروع فى التنفيذ أو بعد الشروع فيه وقبل تمامه، فلا يحكم عليه إن رجع قبل الحكم ولا يقام عليه إن رجع بعد الحكم وقبل إقامة الحد. ولا يتم عليه الحد إن رجع بعد الشروع فيه وقبل إتمامه وذلك لاحتمال أن يكون صادقا فى رجوعه فيكون كاذبا فى الإقرار فهو يورث شبهة والحدود تدرأ بالشبهات، ولأنه يستحب للامام أن يلقن

стр. 435

المقر العدول عن الإقرار كما لقن النبى ﷺ ما عزا حين أقر بالزنا بقوله: لعلك قبَّلت أو لمست. ولو لم يكن الرجوع عن الإقرار جائزا لما كانت لهذا التلقين فائدة. والتعليل بأن الرجوع يورث شبهة وهى تؤثر فى الحدود يدل على أن حقوق الله الخالصة التى لا تدرأ بالشبهة، كالزكاة والكفارات، لا يقبل الرجوع عن الإقرار فيها، أما بالنسبة للمال فى الإقرار بالسرقة فلا يؤثر الرجوع ويجب على المقر ضمان هذا المال. أما فى حقوق العباد الخالصة كالأموال والقصاص، والمشتركة بين الله والعباد كحد القذف فلا يقبل الرجوع عن الإقرار فيها ويبقى الإقرار صحيحا ويؤخذ به المقر حكما وتنفيذا لأن هذه الحقوق تثبت مع الشبهة (١). مذهب المالكية: قال صاحب التبصرة (٢): «فإن أقر على نفسه وهو رشيد طائع بمال أو قصاص لزمه، ولا ينفعه الرجوع، وإن أقر بما يوجب عليه الحد كالزنا والسرقة فله الرجوع ولكن يلزمه الصداق والمال. مذهب الشافعية: يقول الإمام جلال الدين السيوطى فى الأشباه والنظائر (٣): «وكل من أقر بشئ ثم رجع عنه لم يقبل، إلا فى حدود الله تعالى، قلت: ويضم إلى ذلك ما إذا أقر الأب بعين للابن فإنه يقبل رجوعه كما صححه النووى فى فتاواه». مذهب الحنابلة: يقول صاحب كشاف القناع (٤): «ولا يقبل رجوع المقر عن إقراره لتعلق حق المقر له بالمقر به إلا فيما كان حدا لله تعالى فيقبل رجوعه عنه لأن الحد يدرأ بالشبهة وأما حقوق الآدميين وحقوق الله التى لا تدرأ بالشبهات كالزكاة والكفارات، فلا يقبل رجوع المقر عن الإقرار بها. مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم فى المحلى (٥): «من أقر لآخر أو لله تعالى بحق فى مال أو دم أو بشرة، وكان المقر عاقلا بالغا غير مكره، وأقر إقرارا تاما ولم يصله بما يفسده فقد لزمه ولا رجوع له بعد ذلك، فإن رجع لم ينتفع برجوعه وقد لزمه ما أقر به على نفسه من دم أو حد أو مال. وإن وصل الإقرار بما يفسده بطل كله ولم يلزمه شئ لا من مال ولا من قود ولا حد. مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٦): «ولا يجوز الرجوع عنه إذ هو خبر ماض إلا فى حق الله تعالى لأنه يسقط بالشبهة».

стр. 436

مذهب الإمامية: جاء فى العناوين لميرفتاح (١): أن ذكر ما ينافى الإقرار بعد تحققه غير مسموع لدى ظاهر الأصحاب، ووجهه إطلاق الرواية، فإنه دال على النفوذ مطلقا سواء عقبة بما ينافيه من إنكار وتأويل أو لم يعقبه. ثم ذكر الخلاف فى مسائل الاستثناء وبدل البعض والفصل والوصل فى ذلك، وهل يتحقق الإقرار بما قبل الاستثناء والبدل فيعتبر منافيا له أو لا يتحقق أصلا لأن الكلام كله واحد. وجاء فى المختصر النافع فى باب الحدود أن الرجوع عن الإقرار بالزنا والقصاص يقبل ويسقط به الحد، فالرجوع عن الاقرار عندهم غير مقبول إلا فى حدود الله تعالى الخالصة. رد الإقرار مذهب الحنفية: قال الحنفية: إن الإقرار بغير النسب لا يتوقف على قبول المقر له وتصديقه، ولكنه يرتد برده وتكذيبه للمقر، واستثنوا من ذلك الإقرار بالحرية، فإن أقر السيد بحرية عبده ثبتت حريته وإن كذبه العبد فى إقراره وبالنسب فيما يصح الإقرار فيه من الرجل أو المرأة، لا يبطله الرد من المقر له بالنسب وإن توقف على تصديقه، فإن كذبه فى الإقرار ثم عاد وصدقه ثبت النسب دون حاجة الى إعادة الإقرار ثانياً. وبالطلاق إذا أقر بطلاق زوجته وكذبته ثبت الطلاق. وبالنكاح، إذا أقر بنكاح امرأة وكذبته ثم صدقته ثبت النكاح دون حاجة إلى إقرار آخر. وكذا الإقرار بالعتق والرق والوقف وكل ما ليس فيه تمليك مال ولو من وجه لا يرتد بالرد، وما كان فيه تمليك المال ولو من وجه يرتد بالرد، وإذا قبل ثم رد لا يقبل الرد. وفى كل موضع يرتد فيه الإقرار بالرد إذا أعاد المقر إقراره ثانيا بعد الرد فصدقه المقر له صح الإقرار (٢). مذهب المالكية: يقول صاحب التبصرة (٣): ويشترط أن يكون المقر له أهلا للاستحقاق وألا يكذب المقر، وإذا أكذب المقر له المقر ثم رجع لم يفده إلا أن يرجع المقر إلى الإقرار ومثل ذلك فى العقد المنظم للحكام أبو محمد عبد الله بن عبد الله بن سلمون الكنانى (٤). مذهب الحنابلة: يقول صاحب كشاف القناع (٥): «ومن أقر لكبير عاقل بمال فى يده، فلم يصدقه المقر له بطل إقراره لأنه لا يقبل قوله عليه فى ثبوت ملكه ويستمر بيد المقر لأنه كان فى يده فإذا بطل إقراره بقى كأنه

стр. 437

لم يقر به فإن عاد المقر فادعاه لنفسه أو لثالث قبل منه ولم يقبل بعد ذلك أن يدعيه المقر له أو لا مطلقا. مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (١): ولا يصح لمعين إلا بمصادقته، وقال الإمام يحيى: يكفى السكوت فإن رد بطل إذ شهادته على نفسه أولى، ولا يعتبر قبول المقر له إذ ليس بعقد لكن يبطل بالرد ويكون المقر به لبيت المال. ما يلحق الإقرار من البيان قد يلحق المقر بإقراره كلاما يغير من معنى الإقرار ودلالته تغييرا كليا أو جزئيا بطريق الاستثناء بأداة من أدواته أو بالمشيئة أو بطريق الاستدراك أو بطريق التكلم بكلام يغير من معنى الإقرار أو يرفع من حكمه بالنسبة للمقر له أو للمقر به فى مقداره أو فى وصفه أو فى نحو ذلك، ويكون ذلك متصلا أو منفصلا. وقد أفاض الفقهاء فى مختلف المذاهب فى شرح أنواع هذا البيان وأساليبه وما يترتب على كل منها من أحكام وآثار، ومحل ذلك كله ومجاله فى مصطلح إقرار (انظر: إقرار). نصاب الاقرار مذهب الحنفية: لا بد لثبوت الزنا بالإقرار عند الحنفية من أن يقر الشخص على نفسه أربع مرات فى أربعة مجالس بالاتفاق، وفى حد القذف والشرب والسرقة يكفى أن يقر مرة واحدة عند أبى حنيفة ومحمد، ومرتين عند أبى يوسف وزفر، ويكفى الإقرار مرة فيما عدا ذلك (٢). مذهب المالكية: يكفى الإقرار مرة واحدة لثبوت المقر به ومؤاخذة المقر بإقراره فى كل شئ حتى فى حد الزنا (٣). مذهب الشافعية: ومذهب الشافعية كمذهب المالكية يكفى الإقرار مرة واحدة فى كل شئ (٤). مذهب الحنابلة: يشترط الإقرار أربع مرات فى الزنا، ومرتين فى السرقة والحرابة (قطع الطريق) والقصاص، ومرة واحدة فى غير ذلك (٥). مذهب الظاهرية: يكفى الإقرار مرة واحدة فى كل شئ من حد أو قتل أو مال (٦). مذهب الزيدية: يشترط فى الإقرار بالزنا تكراره أربع مرات وتكراره مرتين فى الإقرار بالسرقة، ويكفى الاقرار مرة فيما عدا ذلك (٧).

стр. 438

مذهب الإمامية: يلزم الإقرار أربع مرات فى الزنا واللواط والسحق، ومرتين فى القذف والسرقة والشرب والقيادة ومرة واحدة فى غير ذلك (١). اليمين مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن اليمين ليست من طرق القضاء بالحق لأنها لا تكون عندهم إلا من جانب المدعى عليه حين ينكر الدعوى ويعجز المدعى عن الإثبات ويطلب تحليفه اليمين على نفى دعواه ويوجه القاضى إليه اليمين فإن حلف منع المدعى من دعواه بتقرير رفضها وبقى المدعى به المتنازع عليه فى يد المدعى عليه لعجز المدعى عن إثبات ملكه فيه لا قضاء به للمدعى عليه بناء على اليمين، ويسمى قضاء ترك. ومن ثم يبقى المدعى على دعواه وعلى حقه إذا أقام بينة عليها قضى له بموجبها ما لم يكن قد قرر أنه لا بينة له فإنه لا تقبل منه البينة ثانيا إلا عند محمد. ولو كان ترك المدعى به فى يد المدعى عليه قضاء له به بناء علي اليمين لما نقض هذا القضاء بعد ذلك، فجعل اليمين من طرق القضاء عند الحنفية إنما هو بحسب الظاهر فقط باعتبار أن القضاء يقطع الخصومة وفى قضاء الترك قطع للخصومة غالبا لأن الإثبات بالبينة بعد العجز عنها نادر (٢). وليس القصد من هذه اليمين هو التوصل للقضاء بالترك، فهو ليس بقضاء كما ذكرنا، وإنما القصد منها هو توصل المدعى إلى نكول المدعى عليه عن الحلف ليقضى عليه بالحق بناء على هذا النكول الذى يعتبر طريقا للقضاء عند الحنفية. بناء على أنه بذل أو إقرار كما سيأتى بيانه. ومن ثم قالوا إن اليمين حق للمدعى ملكه الشارع إياها وأوجبها له على المدعى عليه. فقد قال النبى ﷺ للمدعى «لك يمينه» واللام للتمليك. وقال: «البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه». و «على» تفيد الوجوب، غير أنها لا تجب على المدعى عليه ولا تتوجه عليه ولا يعتبر ناكلا إذا امتنع عن الحلف إلا بشروط سيأتى تفصيلها فى الكلام على النكول ولا يحلف فيما لا يجرى فيه البذل والإقرار كالحدود واللعان والنسب، ولا ترد اليمين على المدعى ولا يقضى له بيمينه وحدها أو بها مع شاهد عند الحنفية مطلقا على ما سيأتى بيانه. واستدلوا بما رواه الإمامان أحمد ومسلم أن النبى ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناس دماء رجال وأموالهم، لكن اليمين علي المدعى عليه»، وأخرجه البيهقى باسناد صحيح

стр. 439

بلفظ «البينة على المدعى واليمين على من أنكر». فحصر اليمين فى جانب المدعى عليه ولم يجعلها من جانب المدعى. مذهب المالكية والشافعية ويرى المالكية والشافعية: أن اليمين إذا توجهت على المدعى عليه بطلب المدعى حين لا تكون له بينة فإن حلفها سقطت دعوى المدعى، ثم هل يعود إليها ويجددها ويقدم عليها البينة أو لا يعود؟ بحث طويل ليس هنا مجال تفصيله، انظر فى تفصيله مصطلح «دعوى». ويشترط المالكية لجواز توجيه اليمين إلى المدعى عليه أن يكون بينه وبين المدعى خلطة وتعامل لئلا يستذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم. واستثنوا من هذا الشرط الصناع والتجار وأهل الأسواق فيما يدعى عليهم تتوجه عليهم اليمين وإن لم تكن خلطة. كما استثنوا حالة قيام تهمة أو عداوة أو ظلم. ولا يحلف إلا فيما يجرى فيه الإقرار، أما إذا نكل المدعى عليه عن الحلف أو اعتبر ناكلا بالامتناع عن الحلف أو بالسكوت عن الجواب فإنه لا يقضى عليه بالنكول عند المالكية والشافعية كما يقول الحنفية. وإنما ترد اليمين على المدعى بطلب المدعى عليه أو من القاضى دون طلبه بعد أن يعذر إليه بقوله: إن حلفت وإلا حلف المدعى وقضيت له عليك بالحق المطلوب، لأن النكول ليس من طرق القضاء عندهم لأنه يحتمل التورع عن اليمين الكاذبة كما هو الشأن فى المسلم، والترفع عن اليمين الصادقة كما فعل عثمان رضى الله عنه حين طلب المقداد منه الحلف وامتنع وقال لعمر: أخاف أن يوافينى قضاء فيقول الناس هذا بسبب يمينه الكاذبة، ويحتمل اشتباه الحال على الناكل فلا يدرى أصادق فيحلف أم كاذب فيمتنع. ومع هذه الاحتمالات لا يمكن اعتبار النكول حجة وطريقا للقضاء وإذا ردت اليمين على المدعى، فإن حلف قضى له بما يدعيه قضاء استحقاق. وتكون اليمين هنا كبينة المدعى أو كإقرار المدعى عليه، قولان: والأظهر عند أصحاب الشافعى أنها كإقرار المدعى عليه وسواء أكانت كالبينة أو كالإقرار فإنها تعتبر الطريق إلى القضاء بالحق شرعا مع النكول كما سيجئ التصريح به فى النكول. واستدلوا بما رواه الدار قطنى من حديث نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ رد اليمين على طالب الحق، وما روى عن على أنه حلف المدعى بعد نكول المدعى عليه (١).

стр. 440

مذهب الحنابلة: ويرى الحنابلة: أن اليمين تكون من جانب المدعى عليه إذا طلب المدعى تحليفه عند عدم البينة ووجهها إليه القاضى فإن حلف أخلى سبيله لأنه لم يتوجه عليه حق. وإن نكل عن الحلف قضى عليه بالحق المدعى بناء على النكول إذا طلب المدعى ذلك. ويجب أن يقول له الحاكم: إن حلفت وإلا قضيت عليك بالنكول، لأن النكول ضعيف فوجب اعتضاده بذلك. ولا ترد اليمين عندهم على المدعى مطلقا لا بطلب المدعى عليه ولا من القاضى لقول النبى ﷺ : «اليمين على المدعى عليه» حصرها فى جهة المدعى عليه فلم تشرع لغيره. وفيما رواه أحمد أن عثمان قضى على ابن عمر بالنكول. ولا يحلف المدعى عليه عندهم إلا فى حق لآدمى لقوله ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه»، ولا يقضى بالنكول إلا فى الأموال وما يقصد به المال. أما حقوق الله تعالى كالحدود والعبادات والكفارات والنذور فلا يستحلف فيها المدعى عليه ولا يقضى عليه بالنكول إلا أن يتضمن الحد حقا للعبد كدعوى السرقة توصلا للضمان أو لرد المسروق، فإنها تسمع ويستحلف المدعى عليه لحق الآدمى. والنكول عندهم كإقامة بينة لا كإقرار إذ لا يتأتى ذلك مع الإنكار ولا كبذل لأنه قد يكون تبرعا ولا تبرع هنا (١). جاء هذا فى كشاف القناع، ولم يحك فيه خلافا. ولكن صاحب المغنى حكى خلاف أبى الخطاب فى رد اليمين على المدعى (٢) فقال: «واختار أبو الخطاب أن له رد اليمين على المدعى فإن ردها حلف المدعى وحكم له بما ادعاه». ثم ساق الاستدلال للقولين. مذهب الظاهرية: وفى مذهب الظاهرية يقول ابن حزم فى المحلى (٣): «فإن لم يكن للطالب بينه وأبى المطلوب من اليمين أجبر عليها أحب أم كره بالأدب، ولا يقضى عليه بنكوله فى شئ من الأشياء أصلا. ولا ترد اليمين على الطالب البتة، ولا ترد يمين أصلا إلا فى ثلاثة مواضع، وهى القسامة، والوصية فى السفر إذا لم يشهد عليها إلا الكفار، وإذا أقام المدعى على دعواه شاهدا واحدا فإنه يحلف معه ويقضى له بالحق، فإن نكل حلف المدعى عليه وبرئ فإن نكل أجبر على اليمين. مذهب الزيدية: وعند الزيدية (٤): إذا أنكر المدعى عليه الدعوى ولم تكن للمدعى بينة فى المجلس

стр. 441

لزمت اليمين المدعى عليه بطلب المدعى فى غير حقوق الله تعالى المحضة إذ لا يحلف فى هذه الحقوق عندهم وبشروط أخرى. فإن حلف المدعى عليه حكم بسقوط دعوى المدعى وإن نكل حكم عليه بالحق بمقتضى النكول عند الهادى والناصر، إذا كان النكول فى المجلس. وذلك فى غير الحدود والقصاص والنسب. أما هذه فلا يحكم فيها بالنكول وإن نكل ثم أراد الحلف إن كان قبل الحكم أجيب وأن كان بعده لا يجاب وإن حلف المدعى عليه اليمين ثم أحضر المدعى البينة قبلت منه قبل الحكم ولا تقبل بعده، وفى البحر الزخار: «واليمين شرعت لقطع الخصومة فى الحال إجماعا لا لقطع الحق. فتقبل البينة بعدها، إذ البينة العادلة حق من اليمين الفاجرة، وقيل لقطع الحق فلا تقبل البينة». مذهب الإمامية: جاء فى المختصر النافع (١): وإن قال المدعى لا بينة لى عرفه الحاكم أن له اليمين (أى له تحليف المدعى عليه)، ولا يجوز إحلافه حتى يلتمس المدعى، فإن تبرع أو أحلفه الحاكم لم يعتد بها وأعيدت مع التماس المدعى ثم المنكر، اما أن يحلف أو يرد أو ينكل فإن حلف سقطت الدعوى ولو ظفر له المدعى بمال لم يجز له المقاصة. ولو عاود الخصومة لم تسمع دعواه ولو أقام بينة لم تسمع، وقيل يعمل بها ما لم يشترط الحالف سقوط الحق بها. ولو أكذب نفسه جاز مطالبته وحل مقاصته، فإن رد اليمين على المدعى صح فإن حلف استحق وإن امتنع سقطت، ولو نكل المنكر عن اليمين وأصر قضى عليه بالنكول وهو المروى، وقيل: «يرد اليمين على المدعى فإن حلف ثبت حقه، وإن نكل بطل الحق، ولو بذل المنكر اليمين بعد الحكم بالنكول لم يلتفت إليه». الشاهد واليمين مذهب الحنفية: قال الحنفية: لا يصح القضاء بالشاهد الواحد ويمين المدعى، لأن اليمين لم تشرع من جانب المدعى مطلقا، وإنما شرعت من جانب المدعى عليه فى الحديث المشهور «البينة على المدعى واليمين على من أنكر» قسم بينهما، والقسمة تنافى الشركة والألف واللام فى البينة واليمين للجنس، وإذا كان قد جعل من جانب كل منهما جنسا فقبول اليمين من جانب المدعى يخالف ذلك. وقد رسم الله تعالى طريق الإثبات فى الآية الكريمة: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ.﴾. الآية (٢)». وجعل الشاهد الواحد واليمين طريقا للإثبات من جانب المدعى يخالف ذلك (٣). مذهب المالكية والشافعية والحنابلة . وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى صحة القضاء بالشاهد الواحد واليمين من جانب المدعى، لما رواه أحمد ومسلم وأبو

стр. 442

داود وابن ماجة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ ، قضى بيمين وشاهد وما رواه أحمد والدار قطنى عن على بن أبى طالب أن النبى ﷺ قضى بشهادة شاهد واحد ويمين صاحب الحق. وقالوا: أن الإثبات بالشاهد واليمين إنما يقبل فى الأموال وما يقصد به المال من العقود كالبيع والشراء والإقالة والحوالة والضمان والشفعة والرهن، ونكول اليمين بعد إقامة الشاهد وتعديله (١). مذهب الظاهرية: وفى مذهب الظاهرية، يقول ابن حزم فى المحلى (٢): «قال أبو محمد قد صح ما قد أوردناه آنفا من قول النبى ﷺ بالقضاء باليمين على المدعى عليه، وأنه لو أعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم. وقوله ﷺ : «بينتك أو يمينه، ليس لك إلا ذلك». فصح يقينا أنه لا يجوز أن يعطى المدعى بدعواه دون بينة. وبطل أن يعطى شيئا بنكول خصمه أو بيمينه إذا نكل خصمه لأنه أعطى بالدعوى. وصح أن اليمين بحكم الله تعالى على لسان رسوله ﵊ على المدعى عليه. ووجب بذلك ألا يعطى المدعى يمينا أصلا إلا حيث جاء النص بأن يعطاها. وليس ذلك إلا فى القسامة فى المسلم يوجد مقتولا وفى المدعى يقيم شاهدا عدلا فقط. وهذا صريح فى القول بصحة القضاء بالشاهد الواحد واليمين من جانب المدعى. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار وهامشه: واعلم أنه يكفى شاهد واحد ويمين المدعى فتقوم اليمين مقام شاهد ولو كان الحالف فاسقا فإن يمينه تقوم مقام شاهد. وقال الناصر: لا تكفى يمين المدعى مع الشاهد الواحد إلا حيث يكون عدلا مرضيا. ويقبل الشاهد الواحد مع يمين المدعى فى كل حق لآدمى محض دون حق الله المحض وبعض حق الله المشوب أيضا فلا يقبل فيه ذلك، وذلك كالحدود والقصاص لقوله ﷺ : «أمرنى جبريل ﵇ أن أحكم بشاهد ويمين». وفى البحر الزخار: ويحكم بشاهد ويمين إذ قضى به ﷺ فى روايات وقضى به عمر وعثمان رضى الله عنهما، ولا يحكم بذلك إلا فى حق لآدمى محض لا فى الحدود والقصاص اجماعا (٣).

стр. 443

مذهب الإمامية: جاء فى المختصر النافع (١): «ويقضى بالشاهد واليمين فى الأموال والديون ولا يقبل فى غيره مثل الهلال والحدود والطلاق والقصاص». ويشترط شهادة الشاهد أولا وتعديله ولو بدأ باليمين وقعت لاغية ويفتقر إلى إعادتها بعد الإقامة (أى إقامة الشاهد). وجاء فيما كتبه بعض علمائهم للجنة الموسوعة أن طائفة منهم تأملوا فى اشتراط الترتيب واختاروا عدم اشتراطه وقواه فى مستند الشيعة فى باب القضاء. مذهب الإباضية: وفى مذهب الإباضية (٢): «ولا يجوز عند أصحابنا أن يحكم الحاكم بشاهد ويمين المدعى .. ». يمين الاستظهار الأصل عند الحنفية أنه متى أقام المدعى بينة شرعية على دعواه حكم له بالحق الذى يدعيه دون توقف على شئ آخر. ولكنهم قالوا: «إن هناك مسائل يتوقف الحكم فيها للمدعى على حلفه يمينا بصيغة معينة، ومن أظهر هذه المسائل ما إذا ادعى شخص دينا فى تركة ميت وأثبت دعواه بالبينة الصحيحة، فإن القاضى لا يحكم له بما يدعيه إلا بعد أن يحلف بالله ما استوفى هذا الدين من الميت ولا من أحد أداه إليه عنه ولا قبضه قابض بأمره ولا أبرأه منه ولا من بعضه ولا أحيل به ولا بشئ منه على أحد ولا عنده به ولا بشئ منه رهن». وتسمى هذه اليمين عندهم يمين الاستظهار وهى حق للتركة، ومن ثم يوجهها القاضى إلى المدعى ولو لم يطلب الخصم المدعى عليه كالوصى والوارث توجيهها لاحتمال أن يكون هناك غريم آخر أو موصى له، وهذا باتفاق الإمام وصاحبيه وهذه اليمين ليست جزءا من الدليل وإنما هى شرط فلو حكم بدون استحلاف لا ينفذ حكمه. وهناك مسائل يستحلف فيها المدعى بعد الإثبات بدون طلب من الخصم، على رأى أبى يوسف، احتياطا (٣). مذهب المالكية: وعند المالكية: تسمى هذه اليمين يمين القضاء ويمين الاستبراء. قال صاحب التبصرة فى باب القضاء بالبينة المقامة مع اليمين (٤). «وصورة ذلك أن يشهد شاهدان لرجل بشئ معين فى يد آخر، فإنه لا يستحقه حتى يحلف أنه ما باع ولا وهب

стр. 444

ولا خرج عن يده بطريق من الطرق المزيلة للملك وهو الذى عليه الفتيا والقضاء. وقال ابن رشد: «ويمين القضاء متوجهة على من يقوم على الميت أو الغائب أو على اليتيم أو على الأحباس أو على المساكين وعلى كل وجه من وجوه البر وعلى بيت المال وعلى من استحق شيئا من الحيوان، ولا يتم الحكم إلا بها. ثم ذكر مسألة دعوى الدين فى تركة الميت ووجوب التحليف فيها، وذكر أن هذه اليمين واجبة مع شهادة السماع لاحتمال أن يكون أصل السماع من شاهد واحد، والشاهد الواحد لا بد معه من اليمين». ويدل كلامه على أن هذه اليمين متممة للدليل. مذهب الشافعية: وعند الشافعية: يحلف المدعى اليمين مع البينة فى الدعوى على الغائب والصبى والمجنون والميت، وتسمى عندهم يمين الاستظهار كالحنفية، وقالوا: إنه لا يتعرض فى هذا اليمين لصدق الشهود بخلاف اليمين مع الشاهد الواحد يتعرض فيها لصدق الشاهد. وعلل الشروانى فى حاشيته هذا الحكم بقوله «لكمال الحجة هنا» وهذا صريح فى أن هذه اليمين ليست جزءا من الدليل. مذهب الحنابلة: وعند الحنابلة: لا يلزم تحليف المدعى اليمين مع البينة التامة فى الدعوى على الغائب والصغير والمجنون والمستتر والممتنع «أن حقه باق» لقوله ﷺ «البينة على المدعى واليمين على من أنكر» ولكن الاحتياط تحليفه خصوصا فى هذه الأزمنة لاحتمال أن يكون قضاه أو غير ذلك (١). مذهب الإمامية: وعند الإمامية: «جاء فى المختصر النافع (٢) «ولا يستحلف المدعى مع بينة إلا فى دعوى الدين علي الميت، يستحلف على بقائه فى ذمته استظهارا فهم يسمونها يمين الاستظهار كالحنفية». النكول مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن النكول طريق للقضاء وحده يبنى عليه القاضى حكمه بالحق لصاحبه بناء عليه دون حاجة الى شئ آخر، كرد اليمين على المدعى. لما روى عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن أباه باع عبدا وأراد المشترى أن يرده بعيب، ولما اختصما إلى عثمان رضى الله عنه قال لابن عمر: احلف بالله لقد بعته وما به داء تعلمه فأبى فقضى عليه برد العبد.

стр. 445

وكان شريح يجرى فى قضائه فى خلافة عمر على ذلك. والنكول: إما حقيقى، وهو أن يقول المدعى عليه: لا أحلف. وإما حكمى، وهو أن يسكت عن الحلف والامتناع عنه مع عدم الآفة من صمم أو خرس. ولا يصير النكول حجة عند الحنفية يباح للقاضى أن يحكم بناء عليها إلا إذا توافرت شروط صحته، بأن يكون فى مجلس القضاء وبعد عرض اليمين فيه، فإذا حصل العرض فى غير المجلس أو حصل العرض فيه وحصل النكول فى غيره لم تتوفر الحجة ولم يجز الحكم بمقتضاه، وأن يكون النكول عن يمين واجبة على المدعى عليه شرعا، وأن تكون بناء على عرض القاضى حتى لو امتنع عن حلف يمين موجهة من الخصم لا يعتبر ناكلا. ولا تكون اليمين واجبة شرعا إلا إذا كان المدعى عليه منكرا للحق المدعى به وكانت بطلب المدعى إلا فى الأشياء التى يحلف فيها القاضى من غير طلب. وألا تكون للمدعى بينة حاضرة بمجلس القضاء. وأن تكون الدعوى صحيحة شرعا. وألا يكون المدعى به حقا خالصا لله تعالى كالحدود وما فى حكمها كاللعان. وأن يكون المدعى به مما يجوز الإقرار به شرعا من المدعى عليه ولا يقضى بالنكول فى القصاص فى النفس، وإنما يحبس الناكل حتى يحلف أو يقر عند الامام أبى حنيفة. ويجب عليه المال عند الصاحبين، وللمدعى عند النكول أن يقدم بينة على دعواه ليبنى الحكم عليها ويتعدى إلى غير المدعى عليه، لأن النكول فى معنى الإقرار وهو حجة قاصرة على صاحبه لا يتعداه إلى غيره بخلاف البينة. والقضاء بالنكول لا يمنع المقضى عليه من أن يدفع دعوى المدعى المحكوم فيها بدفع يبطلها ويقيم عليه البينة فيثبت وينقض به الحكم المبنى على النكول، بشرط ألا يكون الدفع مناقضا لما تضمنه النكول الذى هو بمثابة الإقرار. ولو قضى بالنكول ثم أراد المدعى عليه أن يحلف لا يلتفت إليه لأنه أبطل حقه، أما لو أراد الحلف قبل القضاء جاز لأن النكول لا يعتبر حجة ملزمة إلا إذا اتصل به القضاء. وقد اختلف الإمام والصاحبان فى اعتبار النكول بذلا أو إقرارا وترتب على هذا الخلاف خلاف فى بعض المسائل والأحكام، مجال تفصيلها فى مصطلح نكول (انظر: نكول) (١). مذهب المالكية والشافعية: ويرى المالكية والشافعية أن النكول ليس طريقا للقضاء، ولا يحكم القاضى بالمدعى بناء عليه وحده، وانما ترد اليمين

стр. 446

على المدعى بطلب المدعى عليه أو من القاضى فإن حلف قضى له به بما طلب وإن نكل سقطت دعواه، لأن النكول ليس بينة ولا إقرارا، وهو حجة ضعيفة فلا يقوى على الاستقلال بالحكم فإذا حلف معه المدعى قوى جانبه فاجتمع اليمين من جانبه والنكول من جانب المدعى عليه فقام مقام الشاهدين أو الشاهد واليمين (١). مذهب الحنابلة: يرى الحنابلة أن النكول حجة يبنى عليه الحكم، فإذا توجهت اليمين على المدعى عليه من القاضى بطلب المدعى ونكل قال له القاضى إن حلفت وإلا قضيت عليك بالنكول، فإن لم يحلف قضى عليه بالنكول إذا سأله المدعى ذلك. ولا ترد اليمين على المدعى إلا فى رأى أبى الخطاب على ما ذكره صاحب المغنى: «والنكول عندهم كإقامة بينة وليس بمثابة الإقرار لأنه لا يتأتى جعل الناكل مقرا مع إنكاره كما أنه ليس بمثابة البذل لأن البذل قد يكون تبرعا ولا مجال للتبرع هنا. ولا يقضى بالنكول إلا فى الأموال وما يقصد به المال كالعقود والمعاملات مما تقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو رجل ويمين المدعى (٢). مذهب الظاهرية: وفى مذهب الظاهرية فإن لم يكن للطالب بينه وأبى المطلوب من اليمين أجبر عليها أحب أم كره بالأدب، ولا يقضى عليه بنكوله فى شئ من الأشياء أصلا. ولا ترد اليمين على الطالب البتة (٣)». مذهب الزيدية: وفى مذهب الشيعة الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٤): وإذا لم يكن للمدعى بينة فى المجلس فطلب يمين المنكر فنكل عن اليمين فإنه يجب عليه ذلك الحق بالنكول وهذا مذهب الهادى والناصر. وإنما يحكم بالنكول إذا وقع فى مجلس الحاكم سواء نكل مرة أو أكثر إلا فى الحد والنسب فإنه لا يحكم فيهما بالنكول وإذا سكت المدعى عليه ولم يجب أو قال: لا أقر ولا أنكر، فلا يحكم عليه بالنكول ولكن يحبس حتى يقر أو ينكر فيطلب منه اليمين وإن نكل، ولو نكل المدعى عليه عن اليمين ثم أجاب إلى الحلف وجب أن يقبل اليمين بعد النكول ما لم يحكم فلا يقبل، لأن النكول ليس بإقرار حقيقة ولا يجب به الحق إلا بعد الحكم. مذهب الإمامية: وفى مذهب الشيعة الإمامية، جاء فى المختصر النافع (٥): «ولو نكل المنكر عن اليمين وأصر قضى عليه بالنكول، وهو المروى. وقيل يرد اليمين على المدعى، فإن حلف ثبت حقه، وإن نكل بطل، وان بذل

стр. 447

المنكر اليمين بعد الحكم بالنكول لم يلتفت إليه». الشهادة إتفق الفقهاء جميعا على أن الشهادة من طرق القضاء، لقوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» «وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» (١). «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)». وقوله ﷺ : «البينة على المدعى واليمين على من أنكر» وإجماع الأمة على أنها حجة يبنى عليها الحكم، غير أنها ليست حجة بنفسها إذ لا يثبت بها الحق ولا يلزم من عليه أن يؤديه إلا إذا اتصل بها القضاء. هل فى الشهادة معنى الولاية؟ ما فى الشهادة من معنى الولاية صرح الحنفية والشافعية بأن الشهادة فيها معنى الولاية ورتبوا على ذلك عدم قبول شهادة بعض الطوائف لعلة انعدام الولاية فيهم، وندد ابن القيم بذلك وقال إنه معلوم البطلان والشهادة لا تستلزمه (٣). ومجال ذلك وبيانه فى مصطلح «شهادة» (انظر شهادة). مراتب الشهادة ونصابها مذهب الحنفية: يقول الحنفية إن الشهادة على أربع مراتب: المرتبة الأولى: الشهادة على الزنا ونصابها أربعة رجال، فلا تقبل فيها شهادة النساء، ولا شهادة عدد من الرجال أقل من أربعة، لقوله تعالى: «وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» ﴿، «لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ» (٤). وهذا إذا أريد إثبات الزنا لأجل إقامة الحد أما إذا أريد إثباته لأجل حق آخر يترتب على ثبوته، فلا يشترط فيه هذا العدد بل يثبت بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين أو بالنكول، كما إذا علق الزوج طلاق زوجته على الزنا، وادعت الزوجة حصوله وأنكر الزوج فأثبتته بالبينة أو طلبت تحليفه فنكل يثبت وتطلق المرأة ولكن لا يحد الزوج. المرتبة الثانية: الشهادة على بقية الحدود والقصاص فى النفس أو فيما دونها، ونصابها رجلان، ولا تقبل فيها شهادة النساء لأنها تندرئ بالشبهات: «إدرأوا الحدود بالشبهات». وشهادة النساء فيها شبهة البدلية عن شهادة الرجال، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، وإن لم تكن بدلا عنها حقيقة، ولما قال الزهرى «مضت السنة من لدن رسول الله ﷺ والخلفيتين من بعده لا شهادة للنساء فى الحدود والقصاص».

стр. 448

وهذا إذا أريد بإثبات ما ذكر إقامة الحدود والقصاص، أما إذا أريد إثبات حق آخر فلا تشترط الذكورة، كما إذا علق عتق عبده على شرب الخمر، فإنه يجوز إثبات الشرب بشهادة رجل وامرأتين، ويعتق العبد ولكن لا يحد المشهود عليه بالشرب لعدم توفر الشرط فى الشهادة. المرتبة الثالثة: الشهادة على ما لا يطلع عليه الرجال عادة من عيوب النساء فى المواضع التى لا يطلع عليها الرجال كالبكارة والثيوبة والولادة والرتق والقرن، وفيها تكفى شهادة امرأة واحدة وثنتان أحوط لقوله ﷺ : «شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه» وقول حذيفة رضى الله عنه: «أجاز رسول الله ﷺ شهادة القابلة على الولادة». المرتبة الرابعة: سائر الحقوق والمسائل غير ما تقدم، كالبيع والشراء وسائر العقود والمعاملات والحقوق المالية والنكاح والطلاق والوصية والوقف والقتل الذى موجبه المال، ونصاب ذلك كله رجلان أو رجل وامرأتان، لقوله تعالى «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» والآية وإن كانت فى مقام حفظ الحق والتوفق له إلا أن القصد من الحفظ إثبات هذه الحقوق عند التجاحد والتخاصم أمام الحاكم وذلك يقتضى إقامة الشهادة عند الحاكم ووجوب أخذ الحاكم بها وإلا لما ظهرت مزية الحفظ (١). مذهب المالكية: وقال المالكية: إن البينات أنواع: الأول الشهادة على رؤية الزنا، وهذا متفق على أن نصابه أربعة رجال ولا تقبل فيه شهادة النساء، وقد ألحقوا بهذا النوع أحكاما لا بد فيها من أربعه شهود وحكوا فيها خلافا، منها الشهود الذين يحضرون لعان الزوجين، والمذهب أن أقلهم أربعة. الثانى: الشهادة فيما ليس بمال ويطلع عليه الرجال غالبا، كالنكاح والطلاق والنسب والشرب والقذف والوكالة وقتل العمد، وهذه لا تثبت إلا بشهادة رجلين ولا مدخل فى شئ منها للنساء. الثالث: الشهادة فى الأموال وحقوقها كالآجال والخيار والشفعة والإجارة وقتل الخطأ والقرض والبيع وما فى بابه، وكذا ما يتعلق بالمال كإثبات التوارث والوكالة بطلب المال، ونصاب الشهادة فيها اثنان: رجلان أو رجل وامرأتان. والرابع: أحكام لا يطلع عليها الرجال غالبا كالولادة والبكارة والثيوبة وعيوب النساء مما تحت ثيابهن، وهذه تجزئ فيها شهادة امرأتين. وهناك ما يقبل فيه رجل واحد يؤدى علما وخبرة كالطبيب والقائف والترجمان، وما تقبل فيه امرأة واحدة كما فى عيوب الأمة التى لا يطلع عليها الرجال إذا كانت حاضرة، وفى ثبوت الرضاع (٢).

стр. 449

مذهب الشافعية: وقال الشافعية: يشترط للزنا واللواط وإتيان البهيمة والميتة، أربعة رجال بالنسبة للحد أو التعزير، لقوله تعالى «ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ» (١). أما بالنسبة لوقوع طلاق علق عليه، فيثبت برجلين لا بغيرهما. ويشترط للمال عين أو دين أو منفعة، ولكل ما قصد به المال من عقد أو فسخ مالى كبيع وإقالة ورهن وشفعة ووراثة، ولكل حق مالى كخيار وأجل وجناية توجب مالا: رجلان أو رجل وامرأتان. ويشترط لغير ذلك مما ليس بمال ولا يقصد منه المال من عقوبة لله تعالى كحد شرب، أو لآدمى كقود وحد قذف، ولما يطلع عليه الرجال غالبا كنكاح وطلاق ورجعة وإسلام وإعسار، رجلان لا رجل وامرأتان. إذ لا تقبل فيه شهادة النساء لقول الزهرى: «مضت السنة من لدن رسول الله ﷺ أنه لا تجوز شهادة النساء فى الحدود ولا فى النكاح ولا فى الطلاق». ويشترط لما يختص بمعرفته النساء أو لا يراه الرجال غالبا، كبكارة وضدها، ورتق وقرن، وولادة وحيض وعيوب تحت الثياب، رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة وحدهن للحاجة، ولا يحكم بشاهد واحد إلا فى هلال رمضان (٢). مذهب الحنابلة: وقال الحنابلة: إن أقسام المشهود به سبعة: أحدها الزنا واللواط فلا يقبل فيهما أقل من أربعة رجال لقوله تعالى: «لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ». وقول النبى ﷺ لهلال ابن أمية: «أربعة شهداء وإلا حد فى ظهرك». واللواط من الزنا، وكذا الشهادة على الإقرار بهما، لا بد فيها من أربعة رجال يشهدون أنه أقر أربعا. والثانى: دعوى الفقر، فلا يقبل قول من عرف بالغنى أنه فقير إلا بثلاثة رجال، لحديث مسلم: «حتى يشهد ثلاثة من ذوى الحجى من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة». والثالث: بقية الحدود كحد القذف والشرب وقطع الطريق فلا تثبت بأقل من رجلين وكذا القود، لقول الزهرى: «مضت السنة على عهد النبى ﷺ ألا تقبل شهادة النساء فى الحدود». والرابع: ما ليس بعقوبة ولا مال ويطلع عليه الرجال غالبا كالنكاح والطلاق والنسب والإيصاء، والتوكيل فى غير المال فلا يقبل فيه أقل من رجلين.

стр. 450

والخامس: فى موضحة ونحوها (نوع من جراحة الرأس) وداء بعين وداء دابة فيقبل فيه طبيب واحد وبيطار واحد إن تعذر إشهاد اثنين عليه فان لم يتعذر فلا بد من اثنين. والسادس: فى مال وما يقصد به المال كالبيع وأجله وخياره والرهن والمهر والشركة والشفعة وجناية الخطأ فيقبل فيه رجلان أو رجل وامرأتان، لقوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ» وسياق الآية يدل على الاختصاص بالأموال والإجماع منعقد على ذلك، ولا تقبل شهادة أربع نسوة فأكثر مقام رجلين. والسابع: ما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والحيض والولادة والاستهلال. وجراحة فى حمام وعرس ونحوهما مما لا يحضره الرجال. فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة، لما روى حذيفة: «أن رسول الله ﷺ أجاز شهادة القابلة وحدها». وروى أبو الخطاب عن ابن عمر أن النبى ﷺ قال: «يجزئ فى الرضاع شهادة امرأة واحدة»، والأحوط اثنتان وإن شهد به رجل كان أولى لكماله (١). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم فى المحلى (٢): «ولا يجوز أن يقبل فى الزنا أقل من أربعة رجال عدول مسلمين أو مكان كل رجل امرأتان مسلمتان عدلتان، فيكون ذلك ثلاثة رجال وامرأتين، أو رجلين وأربع نسوة أو رجلا واحدا وست نسوة، أو ثمان نسوة فقط. ولا يقبل فى سائر الحقوق كلها من الحدود والدماء وما فيه القصاص والنكاح والطلاق والرجعة والأموال إلا رجلان مسلمان عدلان أو رجل وامرأتان كذلك أو أربع نسوة كذلك. ويقبل فى كل ذلك حاشا الحدود رجل واحد عدل أو امرأتان كذلك مع يمين الطالب، ويقبل فى الرضاع وحده امرأة واحدة عدلة أو رجل واحد عدل. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٣): واعلم أنه يعتبر فى الزنا وإقراره أربعة رجال أصول، فلا يقبل فى الشهادة على الزنا ولا على الإقرار به شهادة دون أربعة رجال ولا شهادة النساء والفروع «أى الشهادة على الشهادة) وفى حق الله كحد الشارب ولو مشوبا كحد القاذف والسارق للقطع، وفى القصاص: يعتبر رجلان أصلان، ولا تقبل فيه شهادة النساء ولا الفروع وفى عورات النساء وما لا يطلع عليه الرجال منهن تقبل معه امرأة عدلة: الحرائر والإماء سواء، وفيما عدا حقوق الله المحضة والمشوبة والقصاص وما ذكر يقبل فيه رجلان أو رجل واحد وامرأتان أو شاهد ويمين المدعى سواء فى نكاح أو طلاق أو

стр. 451

نسب أو مال، ولا يقبل شاهد ويمين فى أصل الوقف بل لا بد من رجلين أصليين. مذهب الإمامية: فى مذهب الشيعة الإمامية: جاء فى المختصر النافع (١) ولا تقبل شهادة النساء فى الهلال والطلاق، وفى قبولها فى الرضاع تردد أشبهه القبول، ولا تقبل فى الحدود، وتقبل مع الرجال فى الرجم على تفصيل يأتى. وفى الجراح والقتل بأن يشهد رجل وامرأتان، ويجب بشهادتهن الدية لا القود، وفى الديون مع الرجال، ويقبلن منفردات فى البكارة وعيوب النساء الباطنة، وتقبل شهادة القابلة فى ربع ميراث المستهل الذى يصرخ عند الولادة، وامرأة واحدة فى ربع الوصية، وكذا كل امرأة يثبت شهادتها فى الربع حتى يكملن أربعا فتقبل شهادتهن فى الوصية أجمع. وفى كفاية الأحكام من باب الشهادات تقبل فى عيوب النساء والاستهلال والنفاس والحيض والولادة والرضاع شهادة امرأتين مسلمتين وإذا لم يوجد إلا شهادة امرأة واحدة مأمونة قبلت شهادتها فيه. وفى كتاب شرائع الإسلام وتقبل شهادة امرأتين مع رجل فى الديون والأموال. وفى المختصر (٢): «ويثبت الزنا بالإقرار أو البينة، ولا يكفى فى البينة اقل من أربعة رجال أو ثلاثة وامرأتين ولو شهد رجلان وأربع نساء يثبت بهم الجلد لا الرجم. ولا تقبل شهادة ست نساء ورجل ولا شهادة النساء منفردات، ولو شهد ما دون الأربع لم يثبت وحدوا للفرية». وجاء فيه أن حد القذف والسكر والسرقة يثبت بشهادة عدلين وكذا المحارب، وفى القصاص يثبت بالبينة شاهدين لا شاهد وامرأتين، وفى إتيان البهائم ووط ء الأموات يثبت بشهادة رجلين عدلين، ولا يثبت بشهادة النساء منفردات ولا منضمات. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٣): وتقبل من عدلين حرين بالغين عاقلين أو امرأتين كذلك مع عدل ولو وجد عدلان إلا فى زنا. وترد من نساء فى الحدود مطلقا، الرجم والجلد والتعزير والنكال والحد وقطع السارق، فلا تقبل مع الرجال كما لا تقبل منهن وحدهن وقيل ترد منهن فى الزنا رجما أو جلدا وتقبل فى غيره، وتقبل منهن فيما لا يباشره الرجال كرتق وعفل وبكارة وثيوبة وبيان حمل وحياة مولود وموته عند ولادته، ومن قابلة أمينة فإن قولها بحياة المولود وموته ونحو ذلك مقبول، إن لم تجر لنفسها أو لمن لا تشهد له نفعا أو تدفع ضررا. واختلفوا فى نصاب النساء فيما لا يباشره الرجال فقيل أمينة وقيل أمينتان بمنزلة رجل، وقيل أربع، كل اثنتين بمنزلة رجل

стр. 452

شهادة غير المسلمين مذهب الحنفية: يقول الحنفية: إن الشهادة فيها معنى الولاية، ومن ثم لا تجوز شهادة غير المسلم على المسلم لانعدام الولاية «وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً» (١). «وتقبل شهادة المسلم على غير المسلم لتحقق المعنى». وكذا شهادة غير المسلمين بعضهم على بعض، وإن اختلفت مللهم لأن الذمى من أهل الولاية على نفسه وأولاده وهو يجتنب ما يعتقده محرما فى دينه والكذب محرم فى الأديان كلها. ولا تقبل شهادة المستأمن على مثله مع اختلاف الدار بينهما لانقطاع الولاية، وقالوا أيضا لا تقبل شهادة غير العاقل ولا الصبى ولا المملوك لأنهم ليسوا من أهل الولاية (٢). مذهب المالكية والشافعية: وقال المالكية والشافعية: لا تجوز شهادة غير المسلمين مطلقا لا على المسلمين، ولا على بعضهم البعض سواء اتحدت ملتهم أو اختلفت وسواء أكان فى السفر أم فى الحضر، لقوله تعالى «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ»﴾. وقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ». وذكر ابن القيم فى الطرق الحكمية (٣): إن الإمام مالكا أجاز شهادة الطبيب الكافر حتى علي المسلم للضرورة. وذكر ابن حزم فى المحلى (٤): أن المالكية أجازوا شهادة طبيبين كافرين حيث لا يوجد طبيب مسلم (٥). مذهب الحنابلة: وقال الحنابلة: لا تجوز شهادة غير المسلم ولو كان من أهل الذمة مطلقا لا على مسلم ولا على مثله اتحدت ملتهم أو اختلفت لقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ»،﴾ وغير المسلم ليس منا ولأنه غير مأمون. واستثنوا حالة الوصية فى السفر، فأجازوا شهادة أهل الكتاب بالوصية فى السفر ممن حضره الموت من مسلم وكافر عند عدم وجود مسلم، فتقبل شهادتهم فى هذه الحالة فقط ولو لم تكن لهم ذمة لقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (٦)»، وأجاب غيرهم بأن معنى قوله «أو آخران من غيركم» أى من غير عشيرتكم، أو أن الآية منسوخة بقوله تعالى «وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (٧).

стр. 453

مذهب الظاهرية: وفى مذهب الظاهرية يقول ابن حزم فى المحلى (١): «لا يجوز أن يقبل كافر أصلا لا على كافر ولا على مسلم، حاشا الوصية فى السفر فقط، فإنه يقبل فى ذلك مسلمان أو كافران من أى دين كانا، أو كافر وكافرتان أو أربع كوافر، ويحلف الكفار ههنا مع شهادتهم، بعد الصلاة بالله لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذن لمن الآثمين. برهان ذلك قول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢)». والكافر فاسق فوجب ألا يقبل. وقال الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ .. » الآية، فوجب أخذ حكم الله تعالى كله، وأن يستثنى الأخص من الأعم ليتوصل بذلك إلى طاعة الجميع. مذهب الزيدية: (٣) ولا تصح من كافر حربى وثنى أو ملحد أو مرتد مطلقا، ولا من غيرهم على مسلم إجماعا لقوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً». وقوله ﷺ : «الإسلام يعلو». ويقبل الذمى على أهل ملته كالمسلم على مثله بخلاف الحربى لانقطاع أحكامهم، فأشبه المرتد، ولا تقبل على مسلم إجماعا ولو على وصيته فى السفر لقوله ﷺ : «لا تقبل شهادة ملة على ملة إلا ملة الإسلام، فإنها تجوز على الملل كلها». مذهب الإمامية: وفى مذهب الشيعة الإمامية، جاء فى المختصر النافع (٤): وتقبل شهادة المؤمن على أهل الملل، ولا تقبل شهادة أحدهم على المسلم ولا غيره. وهل تقبل علي أهل ملته؟ فيه رواية بالجواز ضعيفة، والأشبه المنع. وفى كتاب شرائع الإسلام: أن شهادة غير المسلم تقبل على المسلم وغيره فى الوصية مع عدم حضور عدول المسلمين، ولا يشترط كون الموصى فى غربة. مذهب الإباضية: وفى مذهب الإباضية، جاء فى شرح النيل (٥): والإجماع على عدم قبول شهادة الكفار على المسلمين، وتجوز شهادة مشرك على مشرك من ملته، وبعضهم يجيز شهادة أعلاهم على من دونه كنصرانى على يهودى، ويهودى على مجوسى. وتقبل من كتابى على مثله فى ملته، ويهودى على يهودى، ونصرانى على نصرانى، وترد من ذى ملة على أخرى فوقها أو دونها (٦).

стр. 454

وقيل يجوز كل ملة شرك على ملة شرك أخرى، وجوزت من أهل ملة على أهل ملة دونها لا فوقها. ومن قال: الشرك كله ملة واحدة أجاز شهادة كل ملة على أخرى. الشهادة على النفى مذهب الحنفية: الأصل عند الحنفية أن الشهادة على النفى لا تقبل، ولكنهم قالوا: إذا توافرت شروط التواتر فى الشهادة على النفى تقبل، كما إذا ادعى شخص على آخر أنه اعتدى عليه بالضرب أو بالقذف فى يوم كذا فى مكان كذا، وحدده. فأقام المدعى عليه بينة على أنه لم يكن فى ذلك اليوم فى ذلك المكان بل كان فى مكان كذا، وتواتر بين الناس أنه كان حقيقة فى المكان المذكور فى اليوم المذكور، وكذلك إذا كان النفى شرطا لثبوت أمر وجودى مترتب عليه، كقول الشخص إن لم أدخل الدار اليوم فامرأتى طالق أو عبدى حر، فبرهنت المرأة أو العبد على أنه لم يدخل الدار في هذا اليوم تقبل، لأن الغرض من إثبات الشرط فى الواقع إثبات الجزاء وهو الطلاق أو العتق، وكذلك إذا كان النفى يحيط به علم الشاهد، كما إذا قال الزوج للمرأة: بلغك النكاح؟ فسكتت، وقالت رددت، فأقام بينة على سكوتها، تقبل. لأن السكوت فى مجلس محدد الطرفين مما يحيط به الشاهد القائم علي المجلس وكذلك لو كان النفى ضمن إثبات، كما إذا اختلفا فى أن المرضع أرضعت الصغير بلبن شاة أو بلبن نفسها، فشهدت البينة بأنها أرضعته بلبن شاة لا بلبن نفسها تقبل، لأن النفى هنا داخل ضمن الإثبات فإن قولهما أرضعته بلبن شاه يتضمن أنها لم ترضعه بلبن نفسها، وقولهما بعد ذلك: لا بلبن نفسها تصريح بالنفى الذى تضمنه الإثبات، وكشهادة الشاهدين بانحصار إرث المتوفى فى أولاده زيد وعمرو وخالد، ولا وارث له سواهم. جاء فى فروع الدر من باب القبول وعدمه فى الشهادات: «شهادة النفى المتواتر مقبولة». وفى تعليق ابن عابدين فى الحاشية على ذلك: «وذكر فى الهامش فى النوادر عن الثانى، شهدا عليه بقول أو فعل يلزم عليه بذلك إجارة أو بيع أو كتابة أو طلاق أو عتاق أو قتل أو قصاص فى مكان أو زمان وصفاه، فبرهن المشهود عليه أنه لم يكن ثمة يومئذ، لا تقبل. لكن قال فى المحيط فى الحادى والخمسين: إن تواتر عند الناس، وعلم الكل عدم كونه فى ذلك المكان والزمان فلا تسمع الدعوى ويقضى بفراغ الذمة لأنه يلزم تكذيب الثابت بالضرورة، والضروريات مما لا يدخله الشك عندنا. وفى هذا التعليق أيضا: «وذكر الناطفى: أمن الإمام أهل مدينة من دار الحرب فاختلطوا بمدينة أخرى وقالوا كنا جميعا فشهدا أنهم لم يكونوا وقت الأمان فى تلك المدينة يقبلان، إذا كانا من غيرهم.

стр. 455

وذكر الإمام السرخسى: أن الشرط وإن نفيا كقوله إن لم أدخل الدار اليوم فامرأته كذا، فبرهنت على عدم الدخول اليوم يقبل .. لأن الغرض إثبات الجزاء، وقد علل صاحب الفتح قبول بينة الزوج على سكوت المرأة فى مجلس بلوغها النكاح بقوله: لأنها لم تقم على النفى بل على حالة وجودية فى مجلس يحاط بطرفيه أو هو نفى يحيط به الشاهد فيقبل. وقد ذكرت هذه الفروع وغيرها فى جامع الفصولين، وذكر أن الشهادة فيها قبلت على النفى (١). مذهب المالكية: وفى مذهب المالكية يقول صاحب التبصرة (٢): «قال القرافى: اشتهر على ألسنة الفقهاء أن الشهادة علي النفى غير مقبولة، وفيه تفصيل. فإن النفى قد يكون معلوما بالضرورة أو بالظن الغالب الناشئ عن الفحص، وقد يعرى عنهما. فهذه ثلاثة أقسام: الأول: تجوز الشهادة به اتفاقا كما لو شهد أنه ليس فى هذه البقعة التي بين يديه فرس ونحوه، فإنه يقطع بذلك، وكذلك يجوز أن يشهد أن زيدا لم يقتل عمرا بالأمس لأنه كان عنده فى البيت لم يفارقه، أو أنه لم يسافر لأنه رآه فى البلد فهذه شهادة صحيحة بالنفى. الثانى: يجوز الشهادة بالنفى مستندا إلى الظن الغالب، ومن ذلك الشهادة على حصر الورثة وأنه ليس له وارث غير هذا، فمستند الشاهد الظن، وقد يكون له وأرث لم يطلع عليه، فهى شهادة على النفى مقبولة. الثالث: ما عرى عنهما، مثل أن يشهد أن زيدا لم يوف الدين الذى عليه أو ما باع سلعته ونحو ذلك، فهذا نفى غير منضبط، وإنما تجوز الشهادة علي النفى المضبوط قطعا أو ظنا. مذهب الشافعية: وفى مذهب الشافعية: يقول الإمام الجلال السيوطى فى الأشباه والنظائر (٣): «الشهادة على النفى لا تقبل إلا فى ثلاثة مواضع: أحدها: الشهادة علي أنه لا مال له وهى شهادة الإعسار. الثانى: الشهادة على أنه لا وارث له. الثالث: «أن يضيفه إلى وقت مخصوص، كأن يدعى عليه بقتل أو اتلاف أو طلاق فى وقت كذا فيشهد له بأنه ما فعل ذلك فى هذا الوقت فإنها تقبل فى الأصح». مذهب الحنابلة: وفى مذهب الحنابلة: أن الشهادة على النفى مقبولة إذا كان النفى مضبوطا ويحيط به علم الشارع أو كان يستند الى علم أو دليل ظنى.

стр. 456

جاء فى كشاف القناع (١): «وإن شهدا لمن ادعى إرث ميت أنه وأرثه لا يعلمان له وارثا سواه حكم له بتركته سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة بصحبة أو معاملة أو جوار أو لا، لأنه قد ثبت إرثه والأصل عدم الشريك فيه. وإن قالا: لا نعلم له وارثا غيره فى هذا البلد أو بأرض كذا، فكذلك. لأن الأصل عدمه فى غير هذا البلد وقد نفيا العلم به فى هذا البلد فصار فى حكم المطلق. إلى أن قال الموفق فى فتاويه: إنما احتاج إلى إثبات أن لا وارث له سواه لأنه يعلم ظاهرا، فإنه بحكم العادة يعرفه جاره ومن يعرف باطن أمره بخلاف دينه علي الميت لا يحتاج إلى إثبات ألا دين له سواه لخفاء الدين ولا ترد الشهادة على النفى المحصور بدليل المسألة المذكورة ومسألة الإعسار، والبينة فيه تثبت ما يظهر ويشاهد، بخلاف شهادتهما: لا حق له عليه ويدخل فى كلامهم إن كان النفى محصورا قبلت كقول الصحابى، دعى النبى ﷺ إلى الصلاة، وكان يأكل لحما مشويا من شاة يحتز منه بالسكين فطرح السكين وصلى ولم يتوضأ. قال القاضى: لأن العلم بالترك والعلم بالفعل سواء فى هذا المعنى، ولهذا نقول إن من قال صحبت فلانا فى يوم كذا فلم يقذف فلانا قبلت شهادته كما تقبل فى الإثبات. مذهب الزيدية: وفى مذهب الشيعة الزيدية: لا تقبل الشهادة على النفى إلا إذا كان النفى يقتضى الإثبات وكان متعلقا به. جاء فى شرح الأزهار (٢): «واعلم أن الشهادة لا تصح على نفى نحو أن يشهد الشهود أنه لا حق لفلان على فلان أو أن هذا الشئ ليس لفلان، إلا أن يقتضى الإثبات ويتعلق به نحو أن يشهدوا أنه لا وارث لزيد سوى فلان، فإن هذا نفى لكنه يقتضى أن فلانا هو الذى يستحق جميع الميراث، فاقتضى النفى الإثبات مع كونه متعلقا به لأن كونه الوارث وحده يتعلق بأنه يستحق جميع الميراث، فلو اقتضاه ولكن ليس بينهما تعلق لم تصح نحو أن يشهدوا أنه قتل أو باع فى يوم كذا فى موضع كذا، ثم شهد آخران أن الفاعل أو الشهود أو المشهود بقتله فى ذلك اليوم فى موضع آخر غير الذى شهدوا على وقوع الفعل فيه، فإنها شهادة على النفى أى أنه ما قتل وما باع فى ذلك الموضع فلا تصح، لأنها وإن تضمنت العلم ببراءة المشهود عليه. لكن ليس بين كونه فى موضع كذا فى يوم كذا وبين القتل والبيع تعلق، فلم تصح لعدم التعلق. وقال بعضهم: تصح، لأنها تضمنت العلم ببراءة الفاعل وهذا غاية التعلق فصحت.

стр. 457

وفى البحر الزخار: «ولا تصح على نفى كلا حق لفلان ونحوه، إلا حيث يمكن اليقين كعلى إقرار بنفى، أو أنه لم يكن بحضرتنا (١)». وهذا يضيف جواز الشهادة على النفى الذى يتيقن به. مذهب الإمامية: تقبل شهادة فى دعوى الإعسار، فلو شهدت البينة بالإعسار مطلقا دون تعرض لتلف المال المعلوم أصله وغيره لم تقبل حتى تكن مطلعة على باطن أمره بالصحبة المؤكدة، وكذا تقبل فى دعوى المواريث فى دار فى يد إنسان ادعى آخر أنها له ولأخيه الغائب إرثا عن أبيهما وأقام بينة، فإن كانت كاملة وشهدت أنه لا وارث له سواهما سلم إليه النصف ونعنى بالكاملة ذات المعرفة المتقادمة والخبرة الباطنة (٢). مذهب الإباضية: وفى مذهب الإباضية جاء فى شرح النيل (٣): وإن شهد الشاهدان أنه قتله فى موضع كذا وقت كذا، وشهد آخران له أنه فى ذلك الوقت فى موضع كذا، فإنه يقتل وبطلت بينته. وقال وائل بن أيوب: «سقط القتل عنه». فهو يذكر رأيين فى المسألة كما ذكر فى مذهب الزيدية. الشهادة على الشهادة تقبل الشهادة على الشهادة فى المذاهب الثمانية (٤) بشروط وأوضاع مفصلة فى المذاهب ومجال بيانها فى مصطلح «شهادة» (أنظر شهادة). علم القاضى مذهب الحنفية: يقول الحنفية: إذا كان القاضى قد استفاد علمه بحقيقة الحادثة المعروضة عليه فى زمن قضائه وفى المكان الذى يتولى القضاء فيه، فإن كانت الحادثة فى حد خالص لله تعالى كحد الزنا والشرب فلا يجوز له القضاء فيها بعلمه للشبهة الموجبة لدرء الحد، وإن كانت فى حد فيه حق للعبد كحد القذف أو فى حقوق العباد الخالصة كالأموال والعقود المقصود منها المال من البيع والشراء والقرض أو غير الأموال كالنكاح والطلاق والقتل، يجوز القضاء فيها بعلمه، وهذا بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه. أما إذا كان قد استفاد علمه بحقيقة الحادثة قبل توليه القضاء أو بعد توليه القضاء ولكن فى غير المكان الذى يتولى القضاء فيه ولو علم بها فى مصر آخر حال قضائه ثم عاد إلى مصره فرفعت إليه وعلم بها وهو قاض فى مكان قضائه ثم عزل ثم

стр. 458

أعيد إلى القضاء فعرضت عليه الحادثة، ففى هذه الحالات كلها، لا يجوز له أن يقضى بعلمه عند الإمام أبى حنيفة، سواء كانت فى حدود الله الخالصة أو فى غيرها من الحدود الأخرى أو حقوق العباد المالية أو غير المالية. وقال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: يجوز له أن يقضى بعلمه فى تلك الحالات جميعها إلا فى حدود الله الخالصة، فإنه لا يجوز له أن يقضى فيها بعلمه كما قال الإمام غير أنه فى حد الشرب إذا أتى بشخص فى حالة سكر ينبغى له أن يعزره لأجل التهمة ولا يكون ذلك من باب القضاء ولا إقامة الحد إذ له تعزير المتهم فإن لم يثبت عليه، هذا هو رأى المتقدمين من فقهاء الحنفية، أما المتأخرون منهم فقد أفتوا بعدم جواز قضاء القاضى بعلمه فى زماننا فى شئ أصلا لغلبة الفساد فى القضاة. وقد روى عن الإمام أبى حنيفة أن القاضى إذا علم بطلاق أو عتق أو غصب، أمر بأن يحال بين المطلق ومطلقته والمعتق وأمته والغاصب وما غصبه، بأن يجعل المطلقة أو الأمة أو المغصوبة تحت يد أمين إلى أن يثبت ما علمه القاضى بطريق شرعى ببينة أو إقرار أو نكول وذلك لكيلا يقربها المطلق أو السيد أو الغاصب، وهذا علي وجه الحسبة لا على وجه القضاء. ومذهب المتأخرين هو المعتمد وعليه الفتوى وعليه العمل الآن، ومن ثم يمكن القول بأن علم القاضى ليس طريقا للقضاء على المعتمد فى مذهب الحنفية. جاء فى تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار: «واعلم أن الكتابة بعلمه كالقضاء بعلمه فى الأصح، فمن جوزه جوزها ومن لا فلا، إلا أن المعتمد عدم حكمه بعلمه فى زماننا «أشباه» وفيها الإمام يقضى بعلمه فى حد قذف وقود وتعزير. قلت: فهل الإمام قيد؟ لم أره. لكن فى شرح الوهبانية للشرنبلالى، والمختار الآن عدم حكمه بعلمه مطلقا كما لا يقضى بعلمه فى الحدود الخالصة لله تعالى كزنا وخمر مطلقا، غير أنه يعزر من به أثر السكر للتهمة. وعن الإمام أن علم القاضى فى طلاق وعتاق وغصب يثبت الحيلولة على وجه الحسبة لا القضاء. وعلق ابن عابدين فى الحاشية على ذلك بما يأتى ملخصا: «وشرط جوازه عند الإمام أن يعلم فى حال قضائه فى المصر الذى هو قاضيه بحق غير حد خالص لله تعالى من قرض أو بيع أو غصب أو تطليق أو قتل عمد أو حد قذف، فلو علم قبل القضاء فى حقوق العباد ثم ولى فرفعت إليه تلك الحادثة أو علمها فى حال قضائه فى غير مصره، ثم دخله فرفعت إليه لا يقضى عنده، وقالا يقضى.

стр. 459

وكذا الخلاف لو علم بها وهو قاض فى مصره ثم عزل ثم أعيد. وأما فى حد الشرب وحد الزنا فلا ينفذ قضاؤه بعلمه اتفاقا، إلا أن المعتمد عند المتأخرين عدم جواز حكمه بعلمه لفساد قضاة الزمان. وعبارة الأشباه: والفتوى اليوم على عدم العمل بعلم القاضى فى زماننا، وهذا موافق لما مر من الفرق بين الحد الخالص لله تعالى وبين غيره. ففى الأول: لا يقضى اتفاقا بخلاف غيره فيجوز القضاء فيه بعلمه وهذا على قول المتقدمين وهو خلاف المفتى به، وإذا علم القاضى بالسكر يعزره للتهمة لأن القاضى له تعزير المتهم وان لم يثبت عليه، وإن علم بالطلاق أو العتق أو الغصب، يأمر بالحيلولة بين المطلق وزوجته والمعتق وأمته أو عبده، والغاصب وما غصبه، بأن يجعله تحت يد أمين إلى أن يثبت ما علمه القاضى بوجه شرعى على وجه الاحتساب وطلب الثواب لئلا يطأها الزوج أو السيد الغاصب لا على طريق الحكم بالطلاق أو العتاق أو الغصب (١). مذهب المالكية: وفى مذهب المالكية: إن القاضى يقضى بعلمه ويعتمد عليه فى الجرح والتعديل فى الشهود اتفاقا، أما غير ذلك من الأشياء ففيه خلاف، والعمل علي أنه لا يعتمد على علمه. جاء فى التبصرة (٢): وفى مختصر الواضحة «إذا كان الحاكم عالما بعدالة الشاهد حتى أنه لو لم يكن حاكما لزمه أن يعدله إذا سئل عنه فذلك الذى يجيز شهادته على علمه، ولا يعدله لا سرا ولا علانية، وإن سأله ذلك المشهود عليه، وكذلك إذا علم الحاكم من الشاهد جرحه حتى أنه لو لم يكن حاكما لزمه أن يجرحه إذا سئل عنه، فلا يعدله لا سرا ولا علانية ولا يقبل شهادته، وأن عدله المشهود له عنده بجميع أهل بلده.» ثم قال: «واختلف فى حكمه بما أقر به الخصمان بين يديه، فقال مالك وابن القاسم لا يحكم بعلمه فى ذلك.» وقال عبد الملك بن الماجشون: يحكم وعليه قضاة المدينة، ولا أعلم أن مالكا قال غيره. وبه قال مطرف وسحنون وأصبغ، والأول هو المشهور. وقال فى المتيطية: قال الشيخ عبد الرحمن فى مسائله: قول ابن القاسم أصح لفساد الزمان ولو أدرك عبد الملك وسحنون زماننا لرجعا عما قالاه، ولو أخذ بقولهما لذهبت أموال الناس وحكم عليهم بما لم يقروا به، ثم إذا حكم بعلمه فى ذلك فعلى قول مالك وأبن القاسم ينقضه هو كما ينقضه غيره.

стр. 460

وجاء فى كتاب العقد المنظم للحكام للقاضى الفقيه بن سلمون الكنانى على هامش التبصرة (١): «يعتمد القاضى على علمه فى التجريح والتعديل اتفاقا، ولا يحكم بعلمه فى شئ من الأشياء كان مما أقر به أحد الخصمين عنده أم لا، إلا أن يشهد عليه بذلك شاهد عدل، قاله ابن القاسم وبه العمل. وقال ابن الماجشون: يحكم عليه بما أقر به عنده وإن لم يشهد عليه، وهو قول عيسى وأصبغ وسحنون، وليس به عمل. مذهب الشافعية: وفى مذهب الشافعية: يجوز للقاضى أن يقضى بعلمه فى غير الحدود الخالصة لله تعالى، أما فيها فلا يقضى بعلمه لسقوطها بالشبهة ولأنه يندب فيا الستر. جاء فى حواشى التحفة (٢): «والأظهر أن القاضى يقضى بعلمه، أى بظنه المؤكد الذى يجوز له الشهادة مستندا إليه، وأن استناده قبل ولايته بأن يدعى عليه مالا وقد رآه القاضى أقرضه ذلك أو سمع المدعى عليه أقر بذلك. ولا بد أن يصرح بمستنده ليقول: علمت أن له عليك ما ادعاه وقضيت أو حكمت عليك بعلمى. فإن ترك أحد هذين اللفظين لم ينفذ حكمه ولا بد أن يكون ظاهر التقوى والورع، إلا فى حدود وتعازير الله تعالى. كحد زنا أو محاربة أو سرقة أو شرب لسقوطها بالشبهة مع ندب سترها فى الجملة، أما حقوق الآدميين فيقضى فيها سواء المال والقود وحد القذف، ويقضى بعلمه فى الجرح والتعديل والتقويم قطعا. مذهب الحنابلة: وفى مذهب الحنابلة: ليس للقاضى أن يقضى بعلمه مطلقا إلا فى الجرح والتعديل جاء فى كشاف القناع (٣): «ولا خلاف أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة فى مجلسه وهو محل نفوذ حكمه إذا سمعه معه شاهدان، لأن التهمة الموجودة فى الحكم بالعلم منتفية هنا، فإن لم يسمعه أى الإقرار أو البينة معه أحد أو سمعه معه شاهد واحد فله الحكم أيضا فى رواية حرب، لأنه ليس حكما بمحض العلم ولا يضر رجوع المقر. وقال القاضى: ليس له الحكم لأنه حكم بعلمه. والأولى أن يحكم إذا سمعه معه شاهدان خروجا من الخلاف، فأما حكمه بعلمه فى غير ذلك مما رآه أو سمعه قبل الولاية أو بعدها فلا يجوز لقول النبى ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم وأنتم تختصمون إلى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع» متفق عليه. فدل على إنه يقضى بما سمع لا بما علم، إلا فى الجرح والتعديل فيعمل بعلمه فى
следующие страницы →