← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

جاء فى كشاف القناع (١): «وإن شهدا لمن ادعى إرث ميت أنه وأرثه لا يعلمان له وارثا سواه حكم له بتركته سواء كانا من أهل الخبرة الباطنة بصحبة أو معاملة أو جوار أو لا، لأنه قد ثبت إرثه والأصل عدم الشريك فيه. وإن قالا: لا نعلم له وارثا غيره فى هذا البلد أو بأرض كذا، فكذلك. لأن الأصل عدمه فى غير هذا البلد وقد نفيا العلم به فى هذا البلد فصار فى حكم المطلق. إلى أن قال الموفق فى فتاويه: إنما احتاج إلى إثبات أن لا وارث له سواه لأنه يعلم ظاهرا، فإنه بحكم العادة يعرفه جاره ومن يعرف باطن أمره بخلاف دينه علي الميت لا يحتاج إلى إثبات ألا دين له سواه لخفاء الدين ولا ترد الشهادة على النفى المحصور بدليل المسألة المذكورة ومسألة الإعسار، والبينة فيه تثبت ما يظهر ويشاهد، بخلاف شهادتهما: لا حق له عليه ويدخل فى كلامهم إن كان النفى محصورا قبلت كقول الصحابى، دعى النبى ﷺ إلى الصلاة، وكان يأكل لحما مشويا من شاة يحتز منه بالسكين فطرح السكين وصلى ولم يتوضأ. قال القاضى: لأن العلم بالترك والعلم بالفعل سواء فى هذا المعنى، ولهذا نقول إن من قال صحبت فلانا فى يوم كذا فلم يقذف فلانا قبلت شهادته كما تقبل فى الإثبات. مذهب الزيدية: وفى مذهب الشيعة الزيدية: لا تقبل الشهادة على النفى إلا إذا كان النفى يقتضى الإثبات وكان متعلقا به. جاء فى شرح الأزهار (٢): «واعلم أن الشهادة لا تصح على نفى نحو أن يشهد الشهود أنه لا حق لفلان على فلان أو أن هذا الشئ ليس لفلان، إلا أن يقتضى الإثبات ويتعلق به نحو أن يشهدوا أنه لا وارث لزيد سوى فلان، فإن هذا نفى لكنه يقتضى أن فلانا هو الذى يستحق جميع الميراث، فاقتضى النفى الإثبات مع كونه متعلقا به لأن كونه الوارث وحده يتعلق بأنه يستحق جميع الميراث، فلو اقتضاه ولكن ليس بينهما تعلق لم تصح نحو أن يشهدوا أنه قتل أو باع فى يوم كذا فى موضع كذا، ثم شهد آخران أن الفاعل أو الشهود أو المشهود بقتله فى ذلك اليوم فى موضع آخر غير الذى شهدوا على وقوع الفعل فيه، فإنها شهادة على النفى أى أنه ما قتل وما باع فى ذلك الموضع فلا تصح، لأنها وإن تضمنت العلم ببراءة المشهود عليه. لكن ليس بين كونه فى موضع كذا فى يوم كذا وبين القتل والبيع تعلق، فلم تصح لعدم التعلق. وقال بعضهم: تصح، لأنها تضمنت العلم ببراءة الفاعل وهذا غاية التعلق فصحت.

стр. 457

وفى البحر الزخار: «ولا تصح على نفى كلا حق لفلان ونحوه، إلا حيث يمكن اليقين كعلى إقرار بنفى، أو أنه لم يكن بحضرتنا (١)». وهذا يضيف جواز الشهادة على النفى الذى يتيقن به. مذهب الإمامية: تقبل شهادة فى دعوى الإعسار، فلو شهدت البينة بالإعسار مطلقا دون تعرض لتلف المال المعلوم أصله وغيره لم تقبل حتى تكن مطلعة على باطن أمره بالصحبة المؤكدة، وكذا تقبل فى دعوى المواريث فى دار فى يد إنسان ادعى آخر أنها له ولأخيه الغائب إرثا عن أبيهما وأقام بينة، فإن كانت كاملة وشهدت أنه لا وارث له سواهما سلم إليه النصف ونعنى بالكاملة ذات المعرفة المتقادمة والخبرة الباطنة (٢). مذهب الإباضية: وفى مذهب الإباضية جاء فى شرح النيل (٣): وإن شهد الشاهدان أنه قتله فى موضع كذا وقت كذا، وشهد آخران له أنه فى ذلك الوقت فى موضع كذا، فإنه يقتل وبطلت بينته. وقال وائل بن أيوب: «سقط القتل عنه». فهو يذكر رأيين فى المسألة كما ذكر فى مذهب الزيدية. الشهادة على الشهادة تقبل الشهادة على الشهادة فى المذاهب الثمانية (٤) بشروط وأوضاع مفصلة فى المذاهب ومجال بيانها فى مصطلح «شهادة» (أنظر شهادة). علم القاضى مذهب الحنفية: يقول الحنفية: إذا كان القاضى قد استفاد علمه بحقيقة الحادثة المعروضة عليه فى زمن قضائه وفى المكان الذى يتولى القضاء فيه، فإن كانت الحادثة فى حد خالص لله تعالى كحد الزنا والشرب فلا يجوز له القضاء فيها بعلمه للشبهة الموجبة لدرء الحد، وإن كانت فى حد فيه حق للعبد كحد القذف أو فى حقوق العباد الخالصة كالأموال والعقود المقصود منها المال من البيع والشراء والقرض أو غير الأموال كالنكاح والطلاق والقتل، يجوز القضاء فيها بعلمه، وهذا بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه. أما إذا كان قد استفاد علمه بحقيقة الحادثة قبل توليه القضاء أو بعد توليه القضاء ولكن فى غير المكان الذى يتولى القضاء فيه ولو علم بها فى مصر آخر حال قضائه ثم عاد إلى مصره فرفعت إليه وعلم بها وهو قاض فى مكان قضائه ثم عزل ثم

стр. 458

أعيد إلى القضاء فعرضت عليه الحادثة، ففى هذه الحالات كلها، لا يجوز له أن يقضى بعلمه عند الإمام أبى حنيفة، سواء كانت فى حدود الله الخالصة أو فى غيرها من الحدود الأخرى أو حقوق العباد المالية أو غير المالية. وقال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: يجوز له أن يقضى بعلمه فى تلك الحالات جميعها إلا فى حدود الله الخالصة، فإنه لا يجوز له أن يقضى فيها بعلمه كما قال الإمام غير أنه فى حد الشرب إذا أتى بشخص فى حالة سكر ينبغى له أن يعزره لأجل التهمة ولا يكون ذلك من باب القضاء ولا إقامة الحد إذ له تعزير المتهم فإن لم يثبت عليه، هذا هو رأى المتقدمين من فقهاء الحنفية، أما المتأخرون منهم فقد أفتوا بعدم جواز قضاء القاضى بعلمه فى زماننا فى شئ أصلا لغلبة الفساد فى القضاة. وقد روى عن الإمام أبى حنيفة أن القاضى إذا علم بطلاق أو عتق أو غصب، أمر بأن يحال بين المطلق ومطلقته والمعتق وأمته والغاصب وما غصبه، بأن يجعل المطلقة أو الأمة أو المغصوبة تحت يد أمين إلى أن يثبت ما علمه القاضى بطريق شرعى ببينة أو إقرار أو نكول وذلك لكيلا يقربها المطلق أو السيد أو الغاصب، وهذا علي وجه الحسبة لا على وجه القضاء. ومذهب المتأخرين هو المعتمد وعليه الفتوى وعليه العمل الآن، ومن ثم يمكن القول بأن علم القاضى ليس طريقا للقضاء على المعتمد فى مذهب الحنفية. جاء فى تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار: «واعلم أن الكتابة بعلمه كالقضاء بعلمه فى الأصح، فمن جوزه جوزها ومن لا فلا، إلا أن المعتمد عدم حكمه بعلمه فى زماننا «أشباه» وفيها الإمام يقضى بعلمه فى حد قذف وقود وتعزير. قلت: فهل الإمام قيد؟ لم أره. لكن فى شرح الوهبانية للشرنبلالى، والمختار الآن عدم حكمه بعلمه مطلقا كما لا يقضى بعلمه فى الحدود الخالصة لله تعالى كزنا وخمر مطلقا، غير أنه يعزر من به أثر السكر للتهمة. وعن الإمام أن علم القاضى فى طلاق وعتاق وغصب يثبت الحيلولة على وجه الحسبة لا القضاء. وعلق ابن عابدين فى الحاشية على ذلك بما يأتى ملخصا: «وشرط جوازه عند الإمام أن يعلم فى حال قضائه فى المصر الذى هو قاضيه بحق غير حد خالص لله تعالى من قرض أو بيع أو غصب أو تطليق أو قتل عمد أو حد قذف، فلو علم قبل القضاء فى حقوق العباد ثم ولى فرفعت إليه تلك الحادثة أو علمها فى حال قضائه فى غير مصره، ثم دخله فرفعت إليه لا يقضى عنده، وقالا يقضى.

стр. 459

وكذا الخلاف لو علم بها وهو قاض فى مصره ثم عزل ثم أعيد. وأما فى حد الشرب وحد الزنا فلا ينفذ قضاؤه بعلمه اتفاقا، إلا أن المعتمد عند المتأخرين عدم جواز حكمه بعلمه لفساد قضاة الزمان. وعبارة الأشباه: والفتوى اليوم على عدم العمل بعلم القاضى فى زماننا، وهذا موافق لما مر من الفرق بين الحد الخالص لله تعالى وبين غيره. ففى الأول: لا يقضى اتفاقا بخلاف غيره فيجوز القضاء فيه بعلمه وهذا على قول المتقدمين وهو خلاف المفتى به، وإذا علم القاضى بالسكر يعزره للتهمة لأن القاضى له تعزير المتهم وان لم يثبت عليه، وإن علم بالطلاق أو العتق أو الغصب، يأمر بالحيلولة بين المطلق وزوجته والمعتق وأمته أو عبده، والغاصب وما غصبه، بأن يجعله تحت يد أمين إلى أن يثبت ما علمه القاضى بوجه شرعى على وجه الاحتساب وطلب الثواب لئلا يطأها الزوج أو السيد الغاصب لا على طريق الحكم بالطلاق أو العتاق أو الغصب (١). مذهب المالكية: وفى مذهب المالكية: إن القاضى يقضى بعلمه ويعتمد عليه فى الجرح والتعديل فى الشهود اتفاقا، أما غير ذلك من الأشياء ففيه خلاف، والعمل علي أنه لا يعتمد على علمه. جاء فى التبصرة (٢): وفى مختصر الواضحة «إذا كان الحاكم عالما بعدالة الشاهد حتى أنه لو لم يكن حاكما لزمه أن يعدله إذا سئل عنه فذلك الذى يجيز شهادته على علمه، ولا يعدله لا سرا ولا علانية، وإن سأله ذلك المشهود عليه، وكذلك إذا علم الحاكم من الشاهد جرحه حتى أنه لو لم يكن حاكما لزمه أن يجرحه إذا سئل عنه، فلا يعدله لا سرا ولا علانية ولا يقبل شهادته، وأن عدله المشهود له عنده بجميع أهل بلده.» ثم قال: «واختلف فى حكمه بما أقر به الخصمان بين يديه، فقال مالك وابن القاسم لا يحكم بعلمه فى ذلك.» وقال عبد الملك بن الماجشون: يحكم وعليه قضاة المدينة، ولا أعلم أن مالكا قال غيره. وبه قال مطرف وسحنون وأصبغ، والأول هو المشهور. وقال فى المتيطية: قال الشيخ عبد الرحمن فى مسائله: قول ابن القاسم أصح لفساد الزمان ولو أدرك عبد الملك وسحنون زماننا لرجعا عما قالاه، ولو أخذ بقولهما لذهبت أموال الناس وحكم عليهم بما لم يقروا به، ثم إذا حكم بعلمه فى ذلك فعلى قول مالك وأبن القاسم ينقضه هو كما ينقضه غيره.

стр. 460

وجاء فى كتاب العقد المنظم للحكام للقاضى الفقيه بن سلمون الكنانى على هامش التبصرة (١): «يعتمد القاضى على علمه فى التجريح والتعديل اتفاقا، ولا يحكم بعلمه فى شئ من الأشياء كان مما أقر به أحد الخصمين عنده أم لا، إلا أن يشهد عليه بذلك شاهد عدل، قاله ابن القاسم وبه العمل. وقال ابن الماجشون: يحكم عليه بما أقر به عنده وإن لم يشهد عليه، وهو قول عيسى وأصبغ وسحنون، وليس به عمل. مذهب الشافعية: وفى مذهب الشافعية: يجوز للقاضى أن يقضى بعلمه فى غير الحدود الخالصة لله تعالى، أما فيها فلا يقضى بعلمه لسقوطها بالشبهة ولأنه يندب فيا الستر. جاء فى حواشى التحفة (٢): «والأظهر أن القاضى يقضى بعلمه، أى بظنه المؤكد الذى يجوز له الشهادة مستندا إليه، وأن استناده قبل ولايته بأن يدعى عليه مالا وقد رآه القاضى أقرضه ذلك أو سمع المدعى عليه أقر بذلك. ولا بد أن يصرح بمستنده ليقول: علمت أن له عليك ما ادعاه وقضيت أو حكمت عليك بعلمى. فإن ترك أحد هذين اللفظين لم ينفذ حكمه ولا بد أن يكون ظاهر التقوى والورع، إلا فى حدود وتعازير الله تعالى. كحد زنا أو محاربة أو سرقة أو شرب لسقوطها بالشبهة مع ندب سترها فى الجملة، أما حقوق الآدميين فيقضى فيها سواء المال والقود وحد القذف، ويقضى بعلمه فى الجرح والتعديل والتقويم قطعا. مذهب الحنابلة: وفى مذهب الحنابلة: ليس للقاضى أن يقضى بعلمه مطلقا إلا فى الجرح والتعديل جاء فى كشاف القناع (٣): «ولا خلاف أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة فى مجلسه وهو محل نفوذ حكمه إذا سمعه معه شاهدان، لأن التهمة الموجودة فى الحكم بالعلم منتفية هنا، فإن لم يسمعه أى الإقرار أو البينة معه أحد أو سمعه معه شاهد واحد فله الحكم أيضا فى رواية حرب، لأنه ليس حكما بمحض العلم ولا يضر رجوع المقر. وقال القاضى: ليس له الحكم لأنه حكم بعلمه. والأولى أن يحكم إذا سمعه معه شاهدان خروجا من الخلاف، فأما حكمه بعلمه فى غير ذلك مما رآه أو سمعه قبل الولاية أو بعدها فلا يجوز لقول النبى ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم وأنتم تختصمون إلى، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع» متفق عليه. فدل على إنه يقضى بما سمع لا بما علم، إلا فى الجرح والتعديل فيعمل بعلمه فى

стр. 461

ذلك لأن التهمة لا تلحقه فيه، لأن صفات الشهود معنى ظاهر. بل قال القاضى وجماعة: ليس هذا بحكم، لأنه يعدل هو ومجرح غيره، ويجرح هو ويعدل غيره، ولو كان حكما لم يكن لغيره نقضه. وفى الطرق الحكمية: «الحكم بالاستفاضة ليس من حكمه بعلمه فيحكم بما استفاض وإن لم يشهد به أحد عنده». مذهب الظاهرية: وفى مذهب الظاهرية يقول ابن حزم فى المحلى (١): «وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه فى الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود، وسواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته، وأقوى ما حكم «أن يكون» بعلمه لأنه يقين الحق ثم بالإقرار ثم بالبينة». مذهب الزيدية: وفى مذهب الزيدية، جاء فى شرح الأزهار وهامشه (٢): وله القضاء بما علم إلا فى حد غير القذف فلا يجوز له أن يحكم فيه بعلمه لقوله تعالى: «لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ (٣)»، ومن حكم بعلمه فقد حكم بما أراه الله وعلم القاضى أبلغ من الشهادة، ولقول أبى بكر: لو رأيت رجلا على حد لم أحده حتى تقوم به البينة عندى. فأما فى حد القذف والقصاص والأموال فيحكم فيها بعلمه سواء علم ذلك قبل قضائه أو بعده لتعلق حق الآدمى بحد القذف، وفى السرقة يقضى بعلمه لأجل المال لا لأجل الحد. وفى البحر الزخار (٤): وله القضاء بما علم فى حق الآدمى وإن لم تقم بينة لعموم قوله تعالى: «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ»، ولإذنه ﷺ لهند أن تأخذ الكفاية من مال زوجها وإن كره، وذلك قضاء بالعلم، ولأن الشهادة إنما تثمر الظن فالعمل بالعلم أولى، ولا يقضى بعلمه فى حد غير القذف لخبر أبى بكر ولندب ستره، وجاز فى حد القذف لتعلق حق الآدمى به. مذهب الإمامية: وفى مذهب الإمامية: أجازوا للإمام أن يحكم بعلمه مطلقا، واختلفوا فى غيره من الحكام، فقيل يجوز له أن يحكم بعلمه مطلقا وهو الأشهر، وقيل يجوز ذلك فى حقوق العباد دون حقوق الله، وقيل بالعكس. وفى كفاية الأحكام من باب القضاء: الإمام يحكم بعلمه مطلقا، والأشهر فى غيره جواز الحكم بالعلم مطلقا، وقال ابن إدريس: يجوز حكمه فى حقوق الناس دون حقوق الله. ونقل فى المسالك عن ابن الجنيد عكس ذلك.

стр. 462

وفى المختصر النافع (١): «للإمام أن يقضى بعلمه مطلقا فى الحقوق، ولغيره فى حقوق الناس، وفى حقوق الله قولان. مذهب الإباضية: وفى مذهب الإباضية يقول صاحب شرح النيل (٢): «ولا يحكم الحاكم بعلمه فى شئ علمه قبل أن يكون قاضيا أو بعد أن كان قاضيا إلا ما علمه فى مجلس قضائه أو التزكية. وقيل: يحكم بما علم فى منزله الذى يقضى فيه، وقيل فى البلد الذى هو قاض عليه، ومعنى مجلس القضاء المكان الذى يجلس للقضاء فيه. وقيل ما علمه من لسان الخصمين حال محاكمتهما عنده، والقولان فى المذهب. إلى أن قال: والمذهب أنه يقضى بما علم فى مجلس قضائه، والصحيح أن مجلس القضاء مجلسه حين تداعى الخصمين. القرينة القاطعة وهى التى توجد عند الإنسان علما بموضوع النزاع والاستدلال يكاد يكون مماثلا للعلم الحاصل من المشاهدة والعيان. مذهب الحنفية: قد ذكر ابن الغرس من فقهاء الحنفية فى كتابه «الفواكه البدرية»: أن طريق القاضى إلى الحكم يختلف باختلاف المحكوم به والطريق فيما يرجع إلى حقوق العباد المحضة عبارة عن الدعوى والحجة. وهى إما البينة أو الإقرار أو اليمين أو النكول عنه أو القسامة أو علم القاضى بما يريد أن يحكم به أو القرائن الواضحة التى تصير الأمر فى حيز المقطوع به، فقد قالوا: لو ظهر إنسان من دار بيده سكين وهو متلوث بالدماء سريع الحركة عليه أثر الخوف فدخلوا الدار على الفور فوجدوا فيها إنسانا مذبوحا بذلك الوقت ولم يوجد أحد غير ذلك الخارج، فإنه يؤخذ به، وهو ظاهر إذ لا يمترى أحد فى أنه قاتله. والقول بأنه ذبحه آخر ثم تسور الحائط أو أنه ذبح نفسه، احتمال بعيد. إذ لم ينشأ عن دليل، وبذلك كانت القرينة القاطعة طريقا للقضاء مثل البينة والإقرار. هذا ما ذكره ابن الغرس، وقد تعقبه الخير الرملى فى حاشية المنح بأن هذا غريب خارج عن الجادة فلا ينبغى التعويل عليه ما لم يعضده نقل من كتاب معتمد ونقل فى تكملة رد المحتار عن صاحب البحر، أنه قال: إن مدار القرينة القاطعة على ابن الغرس وأنه لم ير ما قاله لغيره. وقال صاحب التكملة: والحق أن هذا محل تأمل، ولا يظن أن فى مثل ذلك يجب القصاص مع أن الإنسان قد يقتل نفسه، وقد يقتله آخر ويفر، وقد يكون أراد قتل الخارج فأخذ السكين وأصاب نفسه فأخذها الخارج وفر منه وخرج مذعورا، وقد يكون اتفق دخوله فوجده مقتولا فخاف من ذلك وفر وقد تكون السكين بيد

стр. 463

الداخل فأراد قتل الخارج ولم يتخلص منه إلا بالقتل، فصار من باب دفع الصائل، (الدفاع عن النفس، فلينظر التحقيق فى هذه المسألة) (١). وفى رسالة نشر العرف فى بناء بعض الأحكام على العرف من مجموعة رسائل ابن عابدين قال، بعد أن ذكر طائفة من المسائل والفروع التى بنى فيها المتأخرون الأحكام والفتاوى على العرف المتغير: «ويقرب من ذلك مسائل كثيرة أيضا حكموا فيها قرائن الأحوال العرفية كالحكم بالحائط لمن له اتصال أثر بيع ثم لمن له عليه أخشاب لأنه قرينة على سبق اليد، وجواز الدخول بمن زفت إليه ليلة العرس وإن لم يشهد عدلان بأنها زوجته» وساق مسائل كثيرة منها ما ذكره ابن الغرس سالف الذكر. ثم قال: ولكن لا بد لكل من المفتى والحاكم من نظر سديد واشتغال مديد ومعرفة بالأحكام الشرعية والشروط المرعية فإن تحكيم القرائن غير مطرد ألا ترى لو ولدت الزوجة ولدا أسود وادعاه رجل أسود يشبه الولد من كل وجه فهو لزوجها الأبيض ما لم يلاعن. وحديث ابن زمعة فى ذلك مشهور، عن عائشة رضى الله عنها قالت: اختصم سعد ابن أبى وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله ﷺ فى ابن وليدة زمعة) فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخى عتبة بن أبى وقاص، عهد إلى أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا آخى يا رسول الله ولد على فراش أبى. فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، احتجبى منه يا سودة بنت زمعة». قال فلم ير سودة قط (٢): والقرائن مع النص لا تعتبر، وكذا لو شهد الشاهدان بخلاف ما قامت عليه القرينة فالمعتبر هو الشهادة .. إلى أن قال: فلذا كان الحكم بالقرائن محتاجا إلى نظر سديد وتوفيق وتأييد (٣). فإذا كان مدار اعتبار القرينة القاطعة من طرق القضاء فى مذهب الحنفية على ابن الغرس ولم ينسب القول به إلى أمام من أئمة المذهب ولم ينقل عن كتاب معتمد فى المذهب، حتى قال فيه الخير الرملى وصاحب البحر ما سلفت الإشارة إليه. وقال ابن عابدين إن تحكيم القرائن غير مطرد وبين عدم اعتبارها فى كثير من المسائل - إذا كان الأمر كذلك - فإنه يمكن القول بأن القرينة القاطعة ليست من طرق القضاء عند الحنفية.

стр. 464

مذهب المالكية: وفى مذهب المالكية: أن القرينة طريق للقضاء، فقد عقد فى التبصرة بابا للقضاء بما يظهر من قرائن الأحوال والأمارات ذكر فيه طرفا من أحكام رسول الله ﷺ وأصحابه بالأمارات فقال: «ومنها ما ورد فى الحديث فى قضية الأسرى من قريظة كما حكم فيهم سعد، أن تقتل المقاتلة وتسبى الذرية، فكان بعضهم يدعى عدم البلوغ. فكان الصحابة يكشفون عن مؤتزريهم فيعلمون بذلك البالغ من غيره، هذا من الحكم بالإمارات، ومنها حكم رسول الله ﷺ وخلفائه من بعده بالقافة وجعلها دليلا على ثبوت النسب، وليس فيها إلا مجرد الإمارات والعلامات، ومنها حكم عمر بن الخطاب رضى الله عنه والصحابة معه متوافرون برجم المرأة إذا ظهر بها حمل ولا زوج لها. وقال بذلك مالك وأحمد بن حنبل اعتمادا على القرينة الظاهرة ومنها حكم عمر بن الخطاب وابن مسعود وعثمان رضى الله عنهم، ولا يعلم لهم مخالف بوجوب الحد على من وجد من فيه رائحة الخمر أو قاءها اعتمادا على القرينة الظاهرة. ثم قال: قال ابن العربى: على الناظر أن يلحظ العلامات إذا تعارضت فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح ولا خلاف فى الحكم بها. وقد جاء العمل بها فى مسائل اتفقت عليها الطوائف الأربعة. وبعضها قال به المالكية خاصة: الأولى: أن الفقهاء كلهم يقولون بجواز وط ء الرجل المرأة إذا زفت إليه ليلة الزفاف وإن لم يشهد عنده عدلان من الرجال بأنها زوجته اعتمادا على القرينة الظاهرة وعد نحو خمسين مسألة: اعتمد فى الحكم فيها على القرائن والأمارات (١). مذهب الحنابلة: وفى مذهب الحنابلة: يقول صاحب كشاف القناع (٢): «ولو وجد على دابة مكتوب: حبيس فى سبيل الله، أو وجد على باب دار أو على حائطها، وقف أو مسجد أو مدرسة حكم بما هو مكتوب على هذه الأشياء المذكورة، لأن الكتابة عليها أمارة قوية فعمل بها، لا سيما عند عدم المعارضة، وأما إذا عارض ذلك بينة لا تتهم ولا تستند إلى مجرد اليد، بل نذكر سبب الملك واستمراره، فإنها تقدم على هذه الأمارات. وأما إن عارضها مجرد اليد لم يلتفت إليها، فأن هذه الأمارات بمنزلة البينة والشهادة واليد ترفع لذلك. قال ابن القيم فى الطرق الحكمية فى آخر الطريق الثالث والعشرين: ولو وجد على

стр. 465

كتب علم فى خزانة مدة طويلة «وقف» فكذلك يحكم بوقفها عملا بتلك القرينة. وأما إن لم يعلم مقر الكتب ولا من كتب عليها الوقفية توقف فيها وعمل بالقرائن، فإن قويت حكم بموجبها، وإن ضعفت لم يلتفت إليها، وإن توسطت طلب الاستظهار وسلك طريق الاحتياط. مذهب الزيدية: (١). ذكروا أنه عند التداعى فى بيت الخص يحكم لمن تليه معاقد القمط إذ هى أمارة الملك فى العرف ولإجازته ﷺ قضاء حذيفة لمن إليه عقود القمط. مذهب الإمامية: وفى مذهب الإمامية: جاء فى المختصر النافع الطبعة الثانية (٢): إذا تداعيا خصا قضى لمن إليه القمط (الحبل الذى يشد به الخص)، وهى رواية عمرو بن شمر عن جابر. وفى عمرو ضعف. وعن منصور بن حازم عن أبى عبد الله أن عليا ﵇ قضى بذلك، وهى قضية فى واقعة، وهذا قضاء بالأمارة، فقد عد صاحب التبصرة المالكى من باب القضاء بالأمارات فقال: إذا تنازعا جدارا حكم به لصاحب الوجه ومعاقد القمط والطاقات والجذوع، وذلك حكم بالأمارات (٣). الخط مذهب الحنفية: اختلف فقهاء الحنفية فى اعتبار الكتابة حجة يؤخذ بها فى إثبات الحق ويعتمد عليها فى القضاء وعدم اعتبارها كذلك، وبالرغم من اقتناع الكثيرين من عدم جواز العمل بالخط معللين ذلك بأحد أمرين: الأول: احتمال أن الكاتب لم يقصد بما كتبه إفادة المعانى الحقيقية للكلمات والألفاظ التى كتبها وإنما قصد تجربة خطه أو مجرد اللهو والتسلية. والثانى: احتمال التزوير فى الخط إذ الخطوط تتشابه كثيرا إلى درجة كبيرة .. وقد قسموا الكتابة إلى ثلاثة أقسام. أولا: كتابة مرسومة، أى معنونة، ومصدرة بعنوان على ما جرى به العرف المتبع، كأن يكتب من فلان ابن فلان إلى فلان ابن فلان، أو وصلنى فلان ابن فلان، من فلان ابن فلان مبلغ كذا، أو بذمتى لفلان ابن فلان كذا، وهكذا، ومستبينة، أى ظاهرة ومقروءة. ثانيا: كتابة مستبينة، غير مرسومة كالكتابة على غير الوجه المعتاد عرفا أو الكتابة على الحائط وأوراق الشجر. ثالثا: كتابة غير مستبينة، كالكتابة على الماء أو فى الهواء. وقالوا: إن ما ينبغى فيه الاحتمال الأول، وهو قصد التجربة أو اللهو مع

стр. 466

استثناء الاحتمال الثانى، يكون حجة ويعمل به دفعا للضرر عن الناس، ولا سيما التجار، وأخذا بالعرف، وذلك كالكتابة المستبينة المرسومة مطلقا وهى التى عناها الفقهاء حين قالوا إن الإقرار بالكتابة كالإقرار باللسان، وألحقوها بالصريح من القول فى عدم توقف دلالتها على شبه أو إشهاد أو إملاء. وكالكتابة المستبينة غير المرسومة إذا وجدت نية أو كان معها إشهاد عليها أو إملاء على الغير ليكتبها مما ينفى احتمال التجربة أو اللهو. أما اذا لم يوجد معها شئ من ذلك فلا يعمل بها لقيام الاحتمال وكذلك إذا قضت العادة بأنه لا يكتب إلا على سبيل الجدية وجرى العرف باعتباره حجة كما فى دفاتر السمسار والتاجر والصراف، وما يكتبه الأمراء والكبراء ممن يتعذر الإشهاد عليهم من سندات وصكوك، ويعترفون بها أو يعدهم الناس مكابرين حين ينكرونها أو توجد بعد موتهم فإنها تكون حجة عليهم ويعمل بها. وكذلك من توجد فى صندوقه صرة مكتوب عليها هذه أمانة فلان الفلانى يؤخذ بها لأن العادة تقضى بأن الشخص لا يكتب ذلك علي ملكه. وقالوا: إن ما ينبغى فيه الاحتمالان معا يكون حجة ويعمل به كما فى سجلات القضاة المحفوظة عند الأمناء ولو كانت حديثة العهد، فإنه يؤخذ بما فيها من أقوال الخصوم وشهادة الشهود ويحكم بها ويعتمد عليها فى ثبوت وشروط ومصارف الأوقاف المنقطعة الثبوت المجهولة الشرائط والمصارف وكما فى البراءات، والقرارات السلطانية المتعلقة بالوظائف فإنها تعتبر حجة فيما تضمنته واشتملت عليه، إذ العرف جرى باعتبارها من أقوى الحجج والأدلة لبعدها عن احتمال التزوير والتجربة واللهو. أما الكتابة غير المستبينة أصلا فهى لغو ولا أثر لها (١). مذهب المالكية: قال فى الجواهر: لا يعتمد على الخط لإمكان التزوير فيه، وإذا وجد فى ديوانه حكما بخطه ولم يتذكره لا يعتمد عليه لإمكان التزوير، ولو شهد به عنده شاهدان فلم يذكر. قال القاضى أبو محمد: ينفذ الحكم بشهادتهما، أى لا يعتمد على المدون، وما وجد فى ديوان القاضى من شهادات الناس لا يعتمد القاضى منه إلا ما دونه بخطه أو بخط كاتبه العدل المأمون إذا لم يستنكر فيه شيئا (٢). ونقل ابن القيم فى الطرق الحكمية أن ابن وهب روى عن مالك فى الرجل يقوم فيذكر حقا قد مات شهوده ويأتى بشاهدين عدلين على خط كاتب الخط، قال: تجوز شهادتهما على كاتب الكتاب إذا كان عدلا مع يمين الطالب، وهو قول ابن القاسم، وأنه يجوز عند مالك الشهادة على الوصية المختومة (٣).

стр. 467

مذهب الشافعية: المشهور من مذهب الشافعى أنه لا يعتمد على الخط لا فى القضاء ولا فى الشهادة، لاحتمال التزوير فيها، فإن كانت محفوظة وبعد التزوير فيها وتذكرها القاضى أو الشاهد يجوز الاعتماد عليها، وإن لم يتذكرها فالصحيح عدم جواز الاعتماد (١). مذهب الحنابلة: إذا رأى القاضى حجة فيها حكمه لإنسان وطلب منه إمضاؤه، فعن أحمد ثلاث روايات: إحداها: أنه إذا تيقن أنه خطه نفذه، وإن لم يذكره، وأختاره فى الترغيب، وقدمه الشيخ مجد الدين فى التحرير ومثله الشاهد إذا وجد شهادة بخطه. الثانية: أنه لا ينفذه إلا إذا تذكره فان لم يتذكره لم ينفذه. الثالثة: إذا كان فى حرزه وحفظه كقمطره نفذه، وإلا فلا. وقال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأحمد رضى الله عنه: الرجل يموت وتوجد له وصية تحت رأسه من غير أن يكون قد أشهد عليها أحداً، فهل يجوز إنفاذ ما فيها؟ قال: إن كان قد عرف خطه وهو مشهور الخط، فإنه ينفذ ما فيها. قال الزركشى: نص عليه الإمام أحمد رضى الله عنه واعتمده الأصحاب. وقد نص فى الشهادة على أنه إذا لم يذكرها ورأى خطه لا يشهد حتى يذكرها. وقال الإمام فيمن كتب وصيته وقال اشهدوا على بما فيها: أنهم لا يشهدون إلا أن يسمعوها منه أو تقرأ عليه فيقر بها. فنص الإمام رضى الله عنه على الصحة وجواز التنفيذ بعد معرفة الخط فى الصورة الأولى. ونص على عدم الصحة وعدم جواز الشهادة إلا بعد السماع أو الإقرار بعد القراءة فى الصورة الثانية. وقد أختلف أصحاب أحمد فى ذلك، فمنهم من خرج فى كل مسألة حكم الأخرى وجعل فيها وجهين بالنقل والتخريج، فجوز عدم الصحة فى الأولى أخذا من الثانية، وجعل فى الثانية وجها بالصحة أخذا من الأولى، ومنهم من منع التخريج وأقر النصين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وفرق بين الحالتين بأنه فى الحالة الأولى انتفى احتمال التغيير فى الوصية بالزيادة والنقص بعد موت الموصى، فلم تمنع الشهادة عليها. وفى الثانية هذا الاحتمال قائم لوجود الموصى فمنعت الشهادة عليها ما لم يتأكد بالسماع أو الإقرار .. فالروايات عن الإمام مختلفة فى الأخذ بالخط واعتباره حجة (٢).

стр. 468

مذهب الزيدية: وفى مذهب الشيعة الزيدية لا يحكم القاضى بما وجده فى ديوانه من خطه ولو عرفه لأن الخطوط تشتبه. جاء فى البحر الزخار (١): ولا يحكم بما وجد فى ديوانه ولو عرف خطه لقوله تعالى: «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢)». وقال ابن أبى ليلى وأبو يوسف يصح بمعرفة الخط، قلنا تشتبه الخطوط. وفى باب الشهادة منه أنه لا تجوز الشهادة ولو عرف خطه أو خط غيره بإقرار بحق لاحتمال التزوير (٣). وجاء فى شرح الأزهار (٤): ولا يجوز للحاكم أن يحكم بما وجد فى ديوانه مكتوبا بخطه وختمه سجلا أو محضرا إن لم يذكر، هذا مذهبنا، فقيده بما إذا لم يذكر. مذهب الإمامية: وفى مذهب الشيعة الإمامية: جاء فى كشف اللثام من باب القضاء: لا يجوز للحاكم أن يعتمد على خطه إذا لم يتذكره وكذا الشاهد وإن شهد معه آخر ثقة لإمكان التزوير عليه. واكتفى الحفيد والقاضى وأبو على بخطه مع شهادة ثقة والصدوقان كذلك مع ثقة المدعى، وجاء فيه أنه لا يكتفى بما يجده مكتوبا بخطه وإن كان محفوظا عنده. وعلم عدم التزوير، وكذا ما يجده بخط مورثه كما هو الشأن فى الشهادة، لاحتمال اللعب أو السهو أو الكذب فى الكتابة. واعتمد الشيخ جعفر الكبير على الكتابة فى اثبات الوقف اذا كانت مضبوطة مرسومة تظهر منها الصحة وإن لم تبلغ حد العلم وإلا ضاعت الأوقاف، لأن طريقها الكتابة وفى الجواهر من باب القضاء: التحقيق أن الكتابة من حيث هى كتابة لا دليل على حجيتها من إقرار أو غيره. نعم، اذا قامت القرينة على إرادة الكاتب بكتابته مدلول اللفظ المستفاد من رسمها فالظاهر جواز العمل بها للسيرة المستمرة فى الأعصار والأمصار علي ذلك بل يمكن دعوى الضرورة على ذلك. كتاب القاضى إلى القاضى ويتصل بما نحن فيه كتاب القاضى إلى القاضى، وهو عند الحنفية إما بنقل الحكم إلى المكتوب إليه للتنفيذ أو بنقل الشهادة اليه للحكم بها ويقبل عندهم فيما عدا الحدود والقصاص، ويعنونه القاضى الكاتب من فلان إلى فلان بما يميزه ويدون فيه ما قام لديه، ويقرؤه على الشهود ويختمه أمامهم، ولا يقبله المكتوب إليه الا بحضور الشهود والخصم ولا بد من تعديلهم (٥).

стр. 469

مذهب المالكية: وعند المالكية، كذلك يكون كتاب القاضى تارة بنقل الحكم للتنفيذ والتسليم واختلفوا فيما إذا كان الحكم على غير رأى المكتوب إليه، كما إذا كتب قاض حنفى لقاض مالكى بأن يمكن رجلا من امرأة زوجت نفسها منه بغير ولى، هل يجب عليه التنفيذ أو لا. فعن سحنون لا ينبغى له تنفيذه لأنه خطأ عنده، وعن أشهب يجب التنفيذ لأنه صدر من صاحب سلطة وتعلق به حق المحكوم له فلا يجوز له أن يبطله، وتارة يكون بما ثبت عند القاضى الكاتب من حق لرجل على غريم غائب ويطلب إليه الحكم بما ثبت، وهذا لا خلاف فى وجوب قبوله والعمل به وهل يلزم أن يشهد عليه شاهدان يشهدان عند المكتوب إليه، أو يكفى أن يختمه ويقبله المكتوب إليه بعد معرفة الخط والختم؟ خلاف. ويقبل كتاب القاضى عندهم فى جميع الحقوق والأحكام (١). مذهب الشافعية: وعند الشافعية، تارة يكون كتاب القاضى إلى القاضى وجوبا بناء على طلب المدعى بما قام لديه من دعوى وإثبات على غائب بشروطها ليحكم له بها أو ينهى إليه بحكم أصدره على غائب بشروطه لينفذه عليه فى ماله. وفى صورة أخرى يكون المدعى به عينا فى بلد تحت ولاية المكتوب إليه فيكتب إليه يطلب إرسال العين بكفالة ليِشهد عليها البينة بالمعاينة. أو يتداعى الخصمان هناك لدى المكتوب إليه إذا لم يمكنه أو تعذر إرسال العين (٢). مذهب الحنابلة: وعند الحنابلة يكون الكتاب بنقل الحكم لتسليم المحكوم به أو تنفيذه فى مال الغائب أو الهارب، وتارة بنقل الشهادة المعدلة عند الكاتب أو عند المكتوب إليه ليحكم بها، وكتاب القاضى إلى القاضى عندهم بمثابة الشهادة علي الشهادة، ويشترط أن يقرأ الكاتب الكتاب على عدلين ويشهدهما عليه للتحمل. ثم يقرؤه المكتوب إليه ويشهدان بما فيه عنده. ولا يكفى معرفة الخط والختم للاشتباه وإمكان التزوير. ويقبل فى دعوى العين لإرسالها بكفالة أو مع أمين للشهادة عليها بالمعاينة كما عند الشافعية. مذهب الزيدية: وفى مذهب الشيعة الزيدية: للقاضى أن يكتب إلى حاكم آخر بحكمه إن كان قد حكم وينفذه المكتوب اليه ولو خالف مذهبه. وقيل ينفذه إن وافق مذهبه. ورد ببطلان فائدة الحكم ونصب الحكام. وإن كان لم يحكم وكتب إليه يعرفه أن فلانا وفلانا شهدا عندى بكذا لم ينفذه المكتوب اليه ما لم يحكم الكاتب.

стр. 470

وللمكتوب إليه أن يحكم بشهادتهما إن وافق مذهبه واجتهاده لكن بشروط تضمنها الفروع، وهى أن يشهد القاضى الكاتب شاهدين على الكتاب وأن يقرأه عليهما أو يقرأ بحضرته عليهما، ويقول أشهدكما أنى كتبت إلى فلان أبن فلان، فإن ختمه ولم يقرأه عليهما لم يعمل به. وقال الإمام يحيى: إذا ختمه وأشهدهما أنه كتابه فقد حصل أمان التحريف. وكذا يشترط أن يكتب اسم المكتوب إليه فى باطنه ولا يعمل به إذا مات الكاتب قبل بلوغ الكتاب إلى المكتوب إليه، وكذا إذا فسق أو عزل، ولو مات المكتوب إليه أو فسق أو عزل قبل بلوغه الكتاب لم يعمل به من ولى مكانه لأنه موجه إلى غيره، ولا يعمل بالكتاب إلا ببينة كاملة أنه كتابه وقيل يعمل به من غير شهادة لعملهم بكتب رسول الله ﷺ من غير شهادة وقيل إن عرف الخط والختم عمل به وإلا فلا ورد بأن الخطوط والختوم تشتبه وعلى الرأى الأول لا بد أن يقرأ الكاتب الكتاب على الشاهدين أو يقرأ الكتاب عليهما بحضرته ويقول أشهدكما أنى كتبت إلى فلان بن فلان (١). مذهب الإمامية: وعند الشيعة الإمامية: المشهور عند علمائهم عدم جواز العمل بكتاب القاضى إلى القاضى وقال ابن الجنيد لا يجوز ذلك فى حقوق الله تعالى، أما فى حقوق العباد وفى الأموال وما يجرى مجراها فيجوز العمل بكتاب القاضى إلى القاضى إذا كان القاضى من قبل الإمام. وقال ابن حمزة: لا يجوز للحاكم أن يقبل كتاب حاكم آخر إلا بالبينة فإن شهدت البينة على التفصيل حكم به (٢). وفى المختصر النافع (٣): لا يحكم الحاكم بأخبار حاكم آخر ولا بقيام البينة لثبوت الحكم عند غيره، نعم لو حكم بين الخصوم واثبت الحكم وأشهد على نفسه فشهد شاهدان بحكمه عند آخر وجب على المشهود عنده إنفاذ ذلك الحكم. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٤): الخطاب فى عرفهم فى الأحكام أن يكتب قاضى بلد إلى قاضى بلد آخر بما يثبت عنده من حق لشخص فى بلد الكاتب على آخر فى بلد المكتوب إليه لينفذه فى بلده وذلك واجب إن طلبه ذو الحق ويقبل كتاب القاضى فى الأحكام والحقوق بمجرد معرفة خطه بلا شهادة ولا خاتم وليس ذلك قضاء بعلمه بل لقبول بينة. وقال بعض أصحابنا لا يحكم القاضى بكتاب القاضى إليه، وقال بعضهم يحكم، ويجوز كتاب القاضى فى الحقوق كلها الا الحدود والقصاص، وانما يكتب فيما

стр. 471

اختصم عليه الخصمان وليس حاضرا فى بلده فيكتب الدعوى والجواب والشهادة إلى حاكم البلد الذى فيه الشئ بكتابه وكذا يكتب الدعوى والشهادة إن لم يحضر المدعى عليه إلى قاضى بلد هو فيه. القسامة مذهب الحنفية: القسامة عند الحنفية أيمان يحلفها أهل محلة أو قرية أو موضع قريب منهما أو دار اذا وجد فى شئ منها قتيل به أثر يدل على القتل من جراحة أو ضرب أو خنق ولا يعرف قاتله، يحلف هذه الأيمان خمسون رجلا منهم يتخيرهم ولى القتيل يقول كل منهم بالله ما قتلته ولا علمت له قاتلا، وإن نقص الموجودون منهم عن الخمسين كررت الأيمان على الموجودين ولو واحدا حتى تبلغ الخمسين. وشروطها: الدعوى بشروطها من أولياء القتيل على من وجد بينهم أو على بعض منهم ولو واحدا أنهم قتلوه عمدا أو خطأ إذ اليمين لا تجب إلا فى دعوى وإنكار المدعى عليهم دعوى القتل، إذ اليمين بنص الحديث على من أنكر، والمطالبة من أولياء القتيل بالقسامة لأن اليمين حق المدعى تستوفى بطلبه، وألا يعلم القاتل وإلا وجب عليه القصاص فى العمد والدية فى الخطأ بعد الثبوت ولا قسامة. وأن يكون المقسم بالغا عاقلا حرا فلا قسامة على صبى ومجنون وعبد، وأن تكمل الأيمان خمسين، وأن يكون الموضع الذى وجه فيه القتيل ملكا لأحد أو تحت يد أحد وأن يوجد فى القتيل أثر يدل على القتل، وحكمها القضاء بوجوب الدية إن حلفوا والحبس حتى يحلفوا إن نكلوا، وهذا فى دعوى القتل العمد، أما فى دعوى الخطأ فحكمها القضاء بالدية عند النكول والبراءة عند الحلف وحين يقضى بالدية تكون على العاقلة فى ثلاث سنين، ويجمع بينها وبين حلف اليمين على خلاف المقر فى الدعاوى. ولا يحلف أولياء القتيل عند الحنفية لا ابتداء ولا برد اليمين عليهم، جريا علي قاعدتهم فى الدعاوى: البينة على المدعى واليمين على من أنكر، وعلى رأيهم فى عدم رد اليمين على المدعى .. ولا قسامة عند الحنفية فيما دون النفس ولا فى سقط لم يتم خلقه. ودليل مشروعية القسامة السنة النبوية فى الصحيحين أن عبد الله بن سهل وعبد الرحمن بن سهل وعماهما حويصة ومحيصة خرجوا فى التجارة إلى خيبر، وتفرقوا لحوائجهم، فوجدوا عبد الله بن سهل قتيلا فى قليب من خيبر يتشحط فى دمه، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ ليخبروه فأراد عبد الرحمن أن يتكلم، فقال رسول الله ﷺ : «الكبر، الكبر». فتكلم أحد عميه حويصة أو محيصة الأكبر منهما وأخبره بذلك.

стр. 472

قال: «ومن قتله؟». قالوا: ومن يقتله سوى اليهود. قال ﵊: «تبرئكم اليهود بأيمانها». فقالوا: لا نرضى بأيمان قوم كفار لا يبالون ما حلفوا عليه. فقال ﵊: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟». فقالوا: كيف نحلف على أمر لم نعاين ولم نشاهد. فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة وفى رواية من عنده. فقد أشار رسول الله ﷺ إلى وجوب القسامة، بقوله تبرئكم اليهود بأيمانها، وإنما لم يجر القسامة بينهم لعدم طلب أولياء القتيل القسامة وهو شرط لإجرائها، حيث قالوا: لا نرضى بأيمان قوم كفار لا يبالون ما حلفوا عليه. ودفع الرسول الدية من عنده أو من مال الصدقة كان على سبيل الجعالة عن اليهود لأنهم من أهل الذمة وهم موضع للبر (١). واحتج من قال بتحليف أولياء القتيل ووجوب القصاص فى العمد بقول الرسول: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم. ورد القائلون بوجوب الدية بأن التقدير: وتستحقون بدل دم صاحبكم. مذهب المالكية: وعند المالكية: إذا وجد قتيل وكان هناك لوث تثبت القسامة، واللوث أن توجد قرينة أو ظاهر حال على القتل يوحى بصدق أولياء القتيل فى ادعائهم القتل. كشهادة واحد عدل أو امرأتين بالقتل أو وجود شخص بالقرب من القتيل معه آلة قتل أو أثر جراح بالقتيل، أو قول القتيل قتلنى فلان أو نحو ذلك على اختلاف فى التقدير. والحلف عندهم على أولياء القتيل لا على المدعى عليهم بعد الدعوى بالقتل على معين، ويحلف فى دعوى القتل العمد من له القصاص من الرجال المكلفين اثنان أو أكثر وتوزع عليهم الأيمان على عدد الرءوس ويستحقون الدم فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا. ويبدأ بأولياء الدم، ولهم أن يستعينوا بالعصبة. ولا يحلف الواحد وحده ولكن يستعين من عصبة الميت بمر يحلف معه. وفى دعوى الخطأ: المكلفون من الورثة رجالا ونساء على قدر ميراثهم، وإن كان الوارث واحدا حلف خمسين يمينا متوالية. وإستحق الدية إن كان ذكرا ونصفها إن كان أنثى، وإن تعددوا وزعت عليهم على قدر الميراث كما توزع عليهم الأيمان كذلك، ولا قسامة فيمن لا وارث له ولا يحلف بيت المال. والحلف يكون بالله تعالى إن فلانا قتل ولينا أو مورثنا فلانا، أو أنه ضربه ومن

стр. 473

ضربه مات. وبعد الحلف على النحو المذكور، يجب القود فى العمد والدية فى الخطأ. وترد الأيمان على المدعى عليهم فى دعوى القتل العمد، واختلفوا فى ردها فى دعوى القتل الخطأ، ولا قسامة عندهم فى الجراح والأطراف ولا فى العبيد والكفار ولا فى أهل الذمة وأن تحاكموا إلينا (١). مذهب الشافعية: وعند الشافعية: تثبت القسامة إذا وجد القتيل ولو عبدا فى المحلة أو القرية مع اللوث وقيام دعوى القتل عمداً أو خطا أو شبه عمد بشروطها. وليس من اللوث أن يقول القتيل: قتلنى فلان، والحلف عندهم على أولياء القتيل ومن يستحقون بدل دمه يحلفون خمسين يمينا بالله أن هذا يشير إلى المدعى عليه أو يعرفه: قتل ابنى أو أخى عمداً أو شبه عمد أو خطأ منفردا أو مع فلان، وإن مات الولى قبل تمام الأيمان انتقل الأمر إلى ورثة القتيل وحلفوا من جديد، وتوزع عليهم الأيمان على حسب الميراث، فإن حلف الأولياء أو الورثة، وجبت الدية علي المدعى عليه فى العمد وعلى عاقلته فى الخطأ وشبه العمد، ولا يجب القود فى العمد لأن القسامة حجة ضعيفة، ولم يتعرض حديث البخارى فى القسامة للقود. وما فى حديث عبد الله بن سهل: «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم» فتقديره: بدل دم صاحبكم. وإن لم يكن هناك لوث، أو أنكره المدعى عليه فى نفسه، وقال: لست أنا من رأيت السكين معه، ولا بينة، حلف وبرئت ذمته. وهل يحلف يمينا واحدة أو يحلف خمسين يمينا أو يجمع فيحلف يمينا لنفى اللوث وخمسين لنفى القتل؟ أقوال. ولو ظهر لوث بقتل مطلق لم يوصف بالعمد ولا بغيره، فلا قسامة لأنه لا يفيد مطالبة القاتل ولا العاقلة، ولا قسامة عندهم فى الجروح والأطراف وإتلاف الأموال غير العمد والقول فى الجروح والأطراف قول المدعى عليه مع يمينه كان لوث أولا واليمين هنا خمسون يمينا لأنها يمين دم (٢). مذهب الحنابلة: ولا تثبت القسامة عند الحنابلة إلا بدعوى القتل العمد أو شبه العمد أو الخطأ من ولى القتيل على واحد معين مكلف ولو كان أنثى أو عبدا أو ذميا أو كان المقتول واحدا ممن ذكروا لأن ما كان حجة فى قتل المسلم الحر يكون حجة فى قتل العبد والذمى. وأن يكون هناك لوث وليس منه قول القتيل قتلنى فلان. ولا يشترط وجود أثر أو جرح بالقتيل،

стр. 474

فإن لم يوجد اللوث حلف المدعى عليه يمينا واحدة وبرئ. وإن نكل قضى عليه بالدية ويسقط القود لأنه يندرئ بالشبهة كالحد، وأن يتفق أولياء القتيل على دعوى القتل على واحد معين. فإن كذب بعضهم بعضا أو لم يوافق أحد منهم على الدعوى أو ادعوا على أهل محلة أو قرية أو على واحد غير معين لم تثبت القسامة. وإن نكل أحدهم بعد الادعاء لم يثبت القتل لأن الحق فى محل الوفاق إنما يثبت بالأيمان التى تقوم مقام البينة ولا ينوب أحد عن غيره فى الأيمان كما فى سائر الدعاوى وأن يكون فى المدعين ذكور مكلفون ولو واحدا، إذ لا مدخل للنساء والصبيان والمجانين فى القسامة. والحلف عندهم على أولياء القتيل بحضرة الحاكم وبحضور المدعى عليه: بالله لقد قتل فلان هذا - ويشير إلى المدعى عليه أو يعينه بالاسم - ابنى فلانا منفردا عمدا بسيف أو بما يقتل غالبا .. وإذا ردت على المدعى عليه يحلف بالله ما قتلته ولا شاركت فى قتله ولا فعلت شيئا مات منه ولا كنت سببا فى موته ولا معينا على موته، وإن مات الولى انتقل ما عليه من الأيمان إلى ورثته على حسب الميراث. فإن حلف الأولياء استحقوا القود فى العمد والدية فى الخطأ وشبه العمد، وإن لم يحلفوا حلف المدعى عليه ولو امرأة خمسين يمينا وبرئ، وإن نكل لم يحبس ولزمته الدية. ولا قصاص لأن النكول حجة ضعيفة، وأن لم يرض الأولياء بيمين المدعى عليه وداه الإمام من بيت المال، فإن تعذر لم يجب على المدعى عليه شئ. ولو رد المدعى عليه اليمين على المدعى ليس له أن يحلف ولكن يقال للمدعى عليه إما أن تحلف وإما أن تعتبر ناكلا ويقضى عليك بالدية ولا تجرى القسامة عندهم فى الجراح والأطراف (١). مذهب الزيدية: القسامة مشروعة عندهم، وحكى عن الناصر أنها غير مشروعة ولكن تجب الدية من بيت المال والأصل فى ثبوت القسامة أن رجلا أتى إلى النبى ﷺ فقال: إن أخى قتل بين قريتين، فقال: يحلف منهم خمسون رجلا. فقال: ما لى غير هذا؟ فقال: ومائة من الإبل، فاقتضى وجوب القسامة والدية عليهم. وإنما تجب القسامة عندهم فى الموضحة فصاعداً لا فيما دونها ولا تلزم القسامة إلا بطلب الوارث ولو كان الورثة نساء أو عفا عنها بعضهم فلا يسقط حق الباقين، ولا يسقط حق من عفا عن القسامة من الورثة فى الدية لأنهما حقان مختلفان فمن وجد كله قتيلا أو جريحا أو وجد أكثره

стр. 475

فى موضع يختص بمحصورين ولو كان امرأة ولم يدع الوارث على غيرهم لزمت القسامة، فيختار من المستوطنين الحاضرين وقت القتل الذكور المكلفين الأحرار خمسين يحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا قاتله، ويحبس الناكل حتى يحلف ويكرر اليمين على من شاء إن نقصوا عن الخمسين ولا تكرار مع وجود الخمسين المستوفين للشروط ولو تراضوا لأن اليمين لا يجرى فيها التوكيل ولا التبرع وتتعدد القسامة بتعدد القتيل، وبعد الحلف تلزم الدية عواقل أهل البلد الحالفين وغيرهم فإن لم يكن لهم عواقل أو كانت وتمردت حتى نقصت الدية وجبت فى أموالهم وإن لم يكن لهم ولا لأهل البلد أموال وجبت فى بيت المال، وإن لم تتوفر الشروط فى أهل الموضع فالدية والقسامة على عواقلهم، فإن كان الموضع لا يختص بمحصورين أو كان عاما فلا قسامة وتجب الدية فى بيت المال، وكذلك إن وجد القتيل فى مكان يختص به على سبيل الملك أو الاستئجار كداره وبستانه وبئره وإن وجد بين قريتين متساويتين فى القرب منه وفى تردد أهلهما وجبت القسامة على أهل القريتين جميعا. فإن كانت إحداهما أقرب وجبت على أهلها ولا تجب القسامة إن أدعى وارث القتيل على غير أهل الموضع. وإن كان فى أهل الموضع من هو على صفة تدفع عنه التهمة كأن كان شيخا هرما أو مريضا مدنفا وقت القتل لا تجب عليه القسامة لأن التهمة مرتفعة عنه (١). مذهب الإمامية: يرى الشيعة الإمامية أن القسامة هى الأيمان أو الجماعة التى تحلفها، فإذا وجد قتيل فى موضع ولا يعرف من قتله ولا تقوم عليه بينة، ويدعى الولى على واحد أو جماعة من أهل ذلك الموضع بالقتل العمد أو شبه العمد أو الخطأ ويكون هناك لوث - قرينة أو ظاهر حال يشعر بصدق الولى فى دعوى القتل - يحلف من أولياء القتيل خمسون رجلا على حصول القتل العمد. وإن نقصوا كررت الأيمان على الموجودين ولو كان واحدا حتى تكمل خمسين يمينا. أما فى الخطأ والشبيه بالعمد فيحلف الأولياء خمسا وعشرين يمينا. ومنهم من سوى بينهما فأوجب خمسين يمينا فى الخطأ وشبه العمد. فإن حلفوا وجب القصاص فى العمد: ووجبت الدية على القاتل فى شبه العمد وعلى العاقلة فى الخطأ، وقيل تجب على القاتل فى الخطأ أيضا. وإن لم يحلفوا وتعدد المدعى عليهم فالأظهر أن على كل واحد منهم خمسين يمينا، وأن كان المدعى عليه واحدا وأحضر من قومه خمسين رجلا يشهدون ببراءته حلف كل واحد منهم يمينا، وأن كانوا أقل كررت عليهم الأيمان حتى تكمل خمسين، وإن لم يحضر أحد كررت عليه الأيمان حتى تكمل وان نكل ألزم الدعوى عمدا أو خطأ، وتجرى القسامة عندهم فى النفس والأطراف.

стр. 476

واختلف فى عدد الأيمان فى الأطراف، فقيل خمسون يمينا إن كانت الجناية فى الطرف تبلغ دية النفس كالأنف واللسان، وإلا فبنسبتها من الخمسين. وقيل: ست أيمان فيما فيه دية النفس، وبحسابه من الست فيما دون ذلك (١). مذهب الإباضية: وتثبت القسامة عند الإباضية إذا وجد قتيل حر به علامة قتل فى بلدة أو محلة أو فى مكان قريب منها ولم يدع على معين ولم يوجد فى مسجد ولا فى زحام ولا عداوة بينه وبين قوم من أهل البلد، لزمت القسامة أهل البلد أو المحلة بأن يحلف منهم خمسون رجلا بالله ما قتلناه ولا علمنا قاتله وإن نقصوا عن الخمسين كررت اليمين على من يوجد منهم ولو واحدا حتى تكمل الأيمان خمسين، فإن حلفوا وجبت الدية على الحالفين ومن أبى الحلف حبس حتى يحلف أو يقر ولا قسامة عندهم على أعمى وصبى ومجنون وامرأة إلا إذا لم يوجد غيرها فتحلف وتجب على عاقلتها (٢). القافة القافة: جمع قائف، وهو الذى يعرف الآثار. والخلاف بين الفقهاء فى اعتبار القافة دليلا يعتمد عليه فى الحكم، يكاد ينحصر فى إثبات النسب بها. والأصل فى هذا الباب ما ورد فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت إن رسول الله ﷺ ، دخل على مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: «ألم ترى أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض» رواه الجماعة. وفى لفظ أبى داود وابن ماجة ورواية لمسلم والنسائى والترمذى: «ألم ترى أن مجززا المدلجى رأى زيدا وأسامة قد غطيا رءوسهما بقطيفة وبدت أقدامهما، فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض». قال أبو داود: كان أسامة أسود وكان زيد أبيض. ذكر الشوكانى هذا الحديث فى نيل الأوطار، وقال وقد أثبت الحكم بالقافة عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء والأوزاعى ومالك والشافعى وأحمد. وذهبت العترة والحنفية إلى أنه لا يعمل بقول القائف فى إلحاق الولد، بل يحكم بالولد الذى ادعاه اثنان لهما، واحتج لهم صاحب البحر بحديث: الولد للفراش. وروى عن الإمام يحيى أن حديث القافة منسوخ (٣). وإليكم بيان المذاهب فى ذلك: مذهب الحنفية: يرى الحنفية أنه لا يجوز العمل بقول القافة ولا الاعتماد على رأيهم فى الحاق الولد وإثبات نسبه ممن يشبهه للحديث

стр. 477

الصحيح «الولد للفراش وللعاهر الحجر» جعل أساس ثبوت النسب الفراش ولأن القافة يعتمدون على الشبه والشبه قد يتحقق بين الأجانب وينتفى بين الأقارب فلا يصلح أساسا لإثبات النسب. وحديث مجزز المدلجى لا حجة فيه لأن نسب أسامة بن زيد من أبيه كان ثابتا بالفراش، ولم يثبت بقول مجزز وسرور النبى ﷺ بما قاله مجزز إنما كان لقضائه على تمادى الناس فى نسب أسامة وخوضهم فيه مما كان يتأذى به النبى ﷺ ، وكان العرب يعتقدون صحة قول القافة ويعتمدون عليهم فى إلحاق الولد منذ الجاهلية، فجاء قول مجزز قاضيا على خوضهم فى نسب أسامة، وسر النبى ﷺ لذلك. فإن تنازع اثنان نسب صغير، فإن كان أحدهما صاحب فراش قضى له بنسب الصغير، وإن لم يكن أحدهما صاحب فراش ولا مرجح ألحق الولد بهما وثبت نسبه منهما. مذهب المالكية: ويرى المالكية أنه يعمل بقول القافة فى إلحاق الولد وثبوت نسبه أخذا من حديث مجزز المذكور لأن النبى ﷺ قد أقر قول مجزز وسر به ولو لم يكن حجة فى ثبوت النسب لما أقره إذ لا يقر إلا ما هو حق. وقد اختلفت الرواية عن الإمام مالك: هل يكتفى بقائف وأحد كالأخبار وهى رواية ابن القاسم، أو لا بد من قائفين كالشهادة، وهى رواية أشهب. وهل يشترط فى القائف أن يكون عدلا أو لا يشترط؟ روايتان. والمشهور عند المالكية أنه لا يحكم بقول القائف إلا فى أولاد الإماء دون أولاد الحرائر. وقال ابن وهب: يعمل به فى أولاد الحرائر واختاره اللخمى. وقال ابن يونس: إنه أقيس، وهل يجوز عندهم إلحاق الولد باثنين، قال الصردى: مذهب مالك أنه يكون للرجل أبوان فإن أشركتهما القافة فى الولد كان ابنا لهما جميعا فى قول ابن القاسم وغيره، وقيل لا يقبل قول القائف فى الإشراك بينهما ويدعى غيره حتى يلحقه بأصحهما شبها وإذا لم توجد القافة يوقف إلى أن يكبر فيوالى من شاء منهما، ولا تعتمد القافة إلا على أب موجود على قيد الحياة وقيل تعتمد على الأب الميت الذى لم يدفن، وقيل تعتمد على العصبة (١). مذهب الشافعية: ويرى الشافعية أنه يعمل بقول القافة فى إلحاق الولد وثبوت نسبه لحديث مجزز المذكور سواء فى ذلك أولاد الاماء وأولاد الحرائر.

стр. 478

ويشترط أن يكون القائف حرا مسلما عدلا ذكرا مجربا. ولا يشترط التعدد فى الأصح. وإن اختلف القائفان يرجح الأكثر حذقا ومهارة أو يؤتى بثالث ويؤخذ بموافقته أحد الاثنين، ويعمل بقول القافة عند تنازع رجلين نسب صغير وعند تنازع امرأتين على الصحيح عند عدم تيقن الأم (١). مذهب الحنابلة: ويرى الحنابلة العمل بقول القافة فى ثبوت النسب للحديث فى أولاد الإماء وأولاد الحرائر على السواء فى تنازع رجلين. ويجوز ثبوت النسب منهما معا وفى تنازع امرأتين. روى ابن الحكم أن يهودية ومسلمة ولدتا وادعت اليهودية ولد المسلمة فقيل للإمام أحمد: تكون فى هذا القافة؟ فقال: ما أحسنه. وهل يكفى قائف واحد أو لا بد من اثنين؟ فى رواية جعفر بن محمد النسائى ومحمد بن داود المصيصى والأثرم لا بد من اثنين. وفى رواية أبى طالب وإسماعيل بن سعيد أنه يكفى قائف واحد، وهو اختيار القاضى وصاحب المستوعب. وأخذ بعضهم من نص الإمام أحمد على الاكتفاء بالطبيب والبيطار الواحد إذا لم يوجد سواه رواية ثالثة بالاكتفاء بالقائف الواحد إذا لم يوجد سوأه، لأن القائف مثل الطبيب بل هو أولى إذ الأطباء أكثر وجودا من القافة (٢). مذهب الظاهرية: ويقول ابن حزم الظاهرى فى المحلى: إن الأخذ بقول القافة فى إلحاق الولد واجب فى أولاد الحرائر والإماء أخذا من حديث مجزز المذكور لأن سرور النبى صلي الله عليه وسلم تقرير له ودليل على اعتباره طريقا للإلحاق (٣). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٤): قالت العترة لا يثبت النسب بالقافة وهو الشبه، لقوله ﷺ : «الولد للفراش» وهذا فى معنى النفى والإثبات، كقوله: «الأعمال بالنيات». وقال الشافعى: بل يثبت لقوله ﷺ لامرأة هلال إن جاءت به أصيهب أثيبج حمش الساقين فهو لزوجها، فأثبت النسب بالشبه، قلنا: معارض

стр. 479

بقوله ﷺ للذى قال له إن امرأتى أتت بولد أسود «عسى أن يكون عرق نزعه» فلم يعتبر الشبه. وقوله فى امرأة هلال: أراد أنه خلق من ماء من أشبهه، وإن لم يثبت نسبه شرعا وقال الإمام يحيى أو كان قبل نسخ العمل بالقافة لقوله ﷺ : الولد للفراش. وتحدث عن مسألة اتفاق فراشين للحرة كنكاح امرأة المفقود حيث رجع وقد تزوجت، ونكاح المعتدة جهلا والأعمى غير زوجته غلطا، وعن إلحاق الولد بأحدهما دون الآخر عند الإمكان وعدم إلحاقه بأيهما عند التعذر، ثم قال: وقال الشافعى بل يعمل بالقافة إذ لا ترجيح لأيهما. قلنا: بل الترجيح بما ذكرنا، والقافة غير ثابتة شرعا. وهذا صريح فيما يفيد أن الزيدية لا يثبتون النسب بالقيافة. مذهب الإمامية: لا يجيز الشيعة الإمامية الأخذ بقول القائف فى إلحاق الولد ويكادون يجمعون على تحريم العمل بها لمنافاتها لما هو كالضرورى من الشرع من عدم الالتفات إلى هذه العلامات وهذه المقادير والمدار عندهم فى إلحاق النسب على الإقرار والولادة على الفراش أو نحو ذلك، مما جاء به الشرع (١). القرعة جاء فى نيل الأوطار للشوكانى: عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ كان إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. وقال الشوكانى: استدل بذلك على مشروعية القرعة فى القسمة بين الشركاء وغير ذلك. والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة. قال القاضى عياض: هو مشهور عن مالك وأصحابه لأنها من باب الحظر والقمار وحكى عن الحنفية إجازتها (٢). وفى الطرق الحكمية لابن القيم (٣): ومن طرق الأحكام الحكم بالقرعة، قال تعالى: «ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ» (٤) وقال تعالى: «وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ» (٥). ثم ساق عدة أحاديث فى القرعة بين الزوجات فى السفر وفى العتق فى مرض الموت بما يزيد عن الثلث. وفى القسمة بين الشركاء وفى اليمين إذا أكره الرجلان عليها أو استحباها فليستهما عليها وفى الطلاق، وقال ان مذهب الامام

стр. 480

أحمد أن القرعة طريق للقضاء، وذكر خلاف الأئمة الثلاثة فى استعمالها فى الطلاق وإليكم بيان المذاهب: مذهب الحنفية: لا يعتبر الحنفية القرعة طريقا من طرق القضاء والحكم، ومن ثم قرروا أنه لا يجوز استعمالها فى دعاوى النسب والمال، وفى الطلاق، والعتق حين يكون الطلاق أو العتق لغير معين أو لمعين، ويتسنى قبل موت المطلق أو المعتق وحين يتأخر بيانه حتى الموت. وقرروا أنها حين تجرى فيما تجرى فيه عندهم لا تكون الطريق لإثبات الحق والملك أو الإلزام به وإنما تكون لتطييب القلوب ونفى التهمة. جاء فى شرح العناية على الهداية وتكملة فتح القدير تعليقا علي قول صاحب الهداية فى باب القسمة «والقرعة لتطييب القلوب» هذا هو الاستحسان والقياس يأباها لأن فى استعمال القرعة تعليق الاستحقاق بخروجها. وذلك قمار أو هو فى معنى القمار، وهو حرام. ولهذا لم يجوز علماؤنا استعمالها فى دعوى النسب والمال، وتعيين المطلقة والعتق ولكنا تركنا القياس هنا بالسنة والتعامل الظاهر من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير. وليس هذا من باب القمار لأن أصل الاستحقاق فى القمار يتعلق بما يستعمل فيه وفيما نحن فيه لا يتعلق أصل الاستحقاق بخروج القرعة لأن القاسم لو قال: عدلت فى القسمة، فخذ أنت هذا الجانب وخذ أنت ذاك الجانب ولم يستعمل القرعة كان مستقيما إلا أنه ربما يتهم فى ذلك فيستعمل القرعة لتطبيب قلوب الشركاء ونفى تهمة الميل عن نفسه وذلك جائز (١). ومثل ذلك فى تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه من باب القسم بين الزوجات (٢). مذهب المالكية: لا يعتبر المالكية القرعة طريقا للقضاء بثبوت الحق والملك وإنما يعتبرونها طريقا لقطع النزاع على الاختصاص بالحق والأولوية به ولا تجرى عندهم فى الطلاق. جاء فى التبصرة لابن فرحون المالكى: قال القرافى رحمه الله تعالى فى الفروق: الفرق الأربعين والمائتين: اعلم أنه متى تعينت المصلحة أو الحق فى جهة فلا يجوز الاقراع بينه وبين غيره لأن فى القرعة ضياع ذلك الحق المعين. والمصلحة المعينة. ومتي تساوت الحقوق والمصالح فهذا هو موضع القرعة عند التنازع دفعا للضغائن والأحقاد والرضا بما جرت به الأقدار (٣). ثم ذكر صاحب التبصرة أن القرعة مشروعة فى مواضع: وعد اثنين وعشرين موضعا منها، بين الأب والأم عند التنازع

стр. 481

على حضانة الصغير، وبين الزوجات عند السفر، وبين الشركاء فى القسمة، وبين المؤذنين والأئمة للصلاة، والخلفاء عند التنازع والاستواء فى الكل. وبين العبيد إذا أوصى بعتقهم أو بثلثهم فى المرض ثم مات ولم يتسع الثلث للوصية، وبين المتابعين إذا اختلفا فيمن يبدأ باليمين عند التحالف والتناسخ (١). مذهب الشافعية: تعتبر القرعة عند الشافعية طريقا لقطع الخصومة والنزاع، ويجرونها فى العتق والقسمة والقسم بين الزوجات والسفر بهن وغير ذلك، ولا يجيزون استعمالها فى الطلاق لعدم ورود النص فيه. جاء فى شرح المنهج: ولو اعتق فى مرض موته عبدا لا يملك غيره ولا دين عليه عتق ثلثه، ولو أعتق ثلاثة معا لا يملك غيرهم وقيمتهم سواء عتق أحدهم، ويتميز عتقه بقرعة لأنها شرعت لقطع المنازعة فشرعت طريقا. وقال البجرمى فى حاشيته أن القرعة لا تحصل العتق بل هو حاصل وقت إعتاق المريض وإنما هى تميز العتيق عن غيره. وجاء فى الشرح المذكور: ولو علق بهما أى بنقيضين لزوجته وعبده، كأن قال: إن كان هذا الطائر غرابا فزوجتى طالق وإلا فعبدى حر. وجهل الحال منع منهما لزوال ملكه عن أحدهما، فلا يتمتع بالزوجة ولا يتصرف فى العبد إلى بيان لتوقعه، فإن مات قبل بيانه لم يقبل بيان وارثه بل يقرع «أى يعمل قرعة» فلعل القرعة تخرج على العبد فإنها مؤثرة فى العتق دون الطلاق، فإن خرجت القرعة على العبد عتق، وإن خرجت على الزوجة بقى الإشكال، إذ لا أثر للقرعة فى الطلاق (٢). مذهب الحنابلة: أما الحنابلة فإنهم يعتبرون القرعة طريقا من طرق القضاء والحكم، بل هى عندهم كالحكم، وتجرى عندهم فى الطلاق والنكاح والعتق والأموال والقسم بين الزوجات والسفر بهن وغير ذلك لما يجرى فيه النزاع والتخاصم. جاء فى كشاف القناع (٣) فى باب القسمة: فإذا تمت القسمة بأن عدلت السهام وأخرجت القرعة لزمت القسمة لأن القاسم كالحاكم وقرعته كالحكم. نص عليه لأنه مجتهد فى تعديل السهام كاجتهاد الحاكم فى طلب الحق فوجب أن تلزم قرعته. وفى الطرق الحكمية لابن القيم (٤): قال أحمد فى رواية إسحاق بن إبراهيم وجعفر ابن محمد: القرعة جائزة. وقال يعقوب بن بختان: سئل أبو عبد الله عن القرعة ومن قال إنها قمار، قال: إن كان ممن سمع الحديث، فهذا كلام رجل سوء يزعم أن حكم رسول الله ﷺ قمار.

стр. 482

قال إسحاق: قلت لأبى عبد الله أتذهب إلى حديث عمران بن حصين فى العبيد؟ قال: نعم. وقال مهنا: سألت أحمد عن رجل قال لامرأتين إحداكما طالق أو لعبدين أحدكما حر، قال: قد اختلفوا فيه. قلت: ترى أن يقرع بينهما؟ قال: نعم. قلت: أتجيز القرعة فى الطلاق؟ قال: نعم، وفى النكاح إذا زوج الوليان، ولم يعلم السابق منهما يقرع بينهما. فمن خرجت عليه القرعة حكم له بالنكاح وأنه الأول هذا منصوص أحمد فى رواية ابن منصور وحنبل. ونقل أبو الحارث ومنها لا يقرع فى ذلك وفى الدابة تكون فى يد رجل لا يملكها وهى لأحد رجلين لا يعرفه عينا أقرع بينهما فمن قرع صاحبه «أى خرجت له القرعة» حلف وسلمت إليه. مذهب الظاهرية: وفى مذهب الظاهرية ذكر أبن حزم الظاهرى فى المحلى أن من أوصى بعتق رقيق له لا يملك غيرهم أو كانوا أكثر من ثلاثة لا ينفذ من ذلك شئ إلا بالقرعة. ثم ذكر صورا للوصية: يعتق عبيده الذين لا مال له غيرهم: أو يعتق أكثر من ثلث كل واحد منهم بإجمال ودون ذكر أسمائهم، فإن الوصية يكون فيها حق لله تعالى وحق للورثة، ولا بد من القسمة ليتميز حق الله من حق الورثة، ولا سبيل إلى تمييز الحقوق والأنصباء فى القسمة إلا بالقرعة، فوجب الإقراع بينهم. فمن خرج عليه سهم العتق علمنا أنه هو الذى استحق العتق بموت الموصى وأنه حق الله تعالى ومن خرج عليه سهم علمنا أنه لم يوص فيه الموصى وصية جائزة وأنه من حق الورثة، وهذا صريح فى اعتبار القرعة وجوازها، فى العتق والقسمة (١). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار (٢): القرعة مشروعة فى القسمة إجماعا وفى غيرها الخلاف، وعند الزيدية هى توجب الملك لإقراعه صلي الله عليه وسلم بين نسائه وعمله بما اقتضت. وعند الإمام يحيى وبعض الأصحاب إنما شرعت لتطييب النفوس لا للملك، أو تعيين الحاكم أو التراضى بعد الإفراز أو التقويم كالعقد، وإقراعه ﷺ بين نسائه لتطييب نفوسهن فقط إذ له السفر بمن شاء. وجاء فى البحر أيضا (٣): قالت العترة يصح تعليق العتق فى الذمة كأحدكم حر إذ هو قربة كالنذر بخلاف الطلاق ويؤخذ بالتعيين كمن نذر بمجهول، فإن مات قبله عتقوا جميعا إذ لا مخصص لبعضهم فاستحق كل منهم قسطا فسرى إلى باقيه. وقال الشافعى والليث بن سعد: بل يقرع بينهم كفعله ﷺ إذ أقرع بين ستة أعبد لرجل أعتقهم فى مرضه

стр. 483

فأرق أربعة وأعتق اثنين، ولإقراعه بين نسائه فى السفر، ولمساهمة يونس ﵇ وفى كفل مريم ﵍. قلنا: أما الأعبد فمخالف للأصول، إذ الحرية لا يطرأ عليها الرق إجماعا. وأما غيرهم فلتطييب النفوس لا لأمر أوجبه. وليست طريقا شرعيا. وما استدلوا به معرض للاحتمال. وجاء فى البحر الزخار أيضا (١): وقالت العترة إذا أوقعه - أى الطلاق - علي غير معينة فى نيته كأحداكن كذا وقع على واحدة لا بعينها، وبه قال القاسمية فليس له صرفه إلى من يشاء لأنه لا يتعلق بالذمة. وعن المؤيد بالله له تعيين من شاء إذ يجوز ثبوته فى الذمة. وهذا كله ظاهر فى أن القرعة معتبرة عند الزيدية فى القسمة، والخلاف بينهم فى أنها تثبت الملك أو لا. أما فى غير القسمة كالعتق والطلاق، فإن القرعة غير معتبرة إذ ليست طريقا شرعيا. مذهب الإمامية: ويقرر الشيعة الإمامية أن القرعة مشروعة بالكتاب والسنة، ويقولون أن موارد القرعة على قسمين: أحدهما: ما كان الحق فيه معينا فى الواقع واشتبه علينا ظاهرا لعارض. وثانيهما: ما كان مرددا بين شيئين أو أكثر ولم يكن معينا فى الواقع. ويطلب فيه التعيين. ومن هذا القسم الأمور المشتركة بين شركاء ولم يتراضوا على القسمة بينهم، وقد اختلفوا فى معنى القضاء بالقرعة، فقيل إنها بنفسها فاصلة وميزان للقضاء دون حاجة إلى اليمين معها، وقيل أن المشهور أن القضاء بها يحتاج إلى اليمين (٢). وفى المختصر النافع: ولو أعتق مماليكه عند الوفاة أو أوصى بعتقهم ولا مال سواه عتق ثلثهم بالقرعة، فهى تجرى عندهم فى العتق، وهو من القسم الثانى من مواردها فيما ذكره صاحب عوائد الأيام. مذهب الإباضية: والقرعة مشروعة عند الإباضية، وقد عقد صاحب شرح النيل بابا فى قسمة القرعة وقال إنها هى الأصل وتكون بعد تقويم الأنصباء وتعديلها، وإذا حلف الشركاء أن يقتسموا يبرون فى حلفهم بقسمة القرعة وقال: وقد ذكر أن القرعة فى القرآن فقال: «فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ»،﴾ «وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ». وكان النبى ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه أيتهن وقع سهمها أخذها معه. وقال لرجلين لما اختلفا: «أستهما». وأمر أن يقرع بين حمزة وقتيل آخر فى ثوبين ليكفن كل منهما فى الثوب الذى يخرج له. واختصم ثلاثة إلى على فى ولد لأمة وقعوا عليها فى طهر واحد، فقال: أنا مقرع

стр. 484

بينكم فمن وقع السهم له فله الولد وعليه لكل من صاحبيه ثلث الدية، وعجب من ذلك الرسول ﷺ ولم يصح أنه أنكره، وهذا دليل على أن القرعة مشروعة عندهم كطريق لقطع النزاع وأنها تجرى فيما ذكر كله (١). الفراسة تعريف الفراسة: الفراسة: هى النظر الفاحص المثبت الناشئ عن جودة القريحة وحدة النظر وصفاء الفكر. قال ابن القيم الحنبلى فى الطرق الحكمية (٢): ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات، فإذا ظهرت لم يقدموا عليها شهادة تخالفها ولا إقرارا. وقد صرح الفقهاء كلهم بأن الحاكم اذا ارتاب بالشهود فرقهم وسألهم: كيف تحملوا الشهادة وأين تحملوها. وذلك واجب عليه، متي عدل عنه أثم وجار فى الحكم. وكذلك إذا ارتاب بالدعوى سأل المدعى عن سبب الحق وأين كان ونظر فى الحال، هل يقتضى صحة ذلك. وكذلك إذا ارتاب بمن القول قوله والمدعى عليه، وجب عليه أن يستكشف الحال ويسأل عن القرائن التي تدل على صورة الحال. وقل حاكم أو وال اعتنى بذلك وصار له فيه ملكة إلا وعرف المحق من المبطل وأوصل الحقوق إلى أهلها. ثم ذكر فراسة عمر بن الخطاب وقضائه بها فى بعض المسائل، وفراسة على بن أبى طالب كذلك وفراسة بعض القضاة السابقين كشريح وإياس بن معاوية وأبى حازم وغيرهم. وذكر شواهد من فراسة بعض الحكام والأمراء وما كان لها من أثر فى كشف الحقيقة والوصول إلى الحق، وأن هؤلاء الخلفاء والقضاة والحكام والأمراء كانوا يبنون الأحكام فى كثير من المسائل على الفراسة، وهو يرى أن الفراسة طريق من طرق القضاء والحكم. مذهب المالكية: وفى مذهب المالكية: النص الصريح على عدم جواز القضاء بها، وأن القضاء بها من باب الظن والتخمين، وذلك فسق وجور (٣). ونقل القرطبى فى تفسيره عن القاضى أبى بكر بن العربى أنه قال: الفراسة لا يترتب عليها حكم، فإن مدارك الأحكام معلومة شرعا، مدركة قطعا وليست الفراسة منها. وقال صاحب التبصرة: والحكم بالفراسة مثل الحكم بالظن والحزر والتخمين وذلك فسق وجور من الحاكم، والظن يخطئ ويصيب.

стр. 485

أثر المعنى اللغوى: أثر الشئ بقيته، والجمع آثار، والأثر أيضا ما بقى من رسم الشئ، والأثر أيضا ما نتج عن شئ فدل على أن ذلك الشئ قد كان، كقولهم: النبات أثر للقطر لأنه حصل به ودل عليه، ومنه قوله تعالى: «فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» (١). ومواقع الأقدام آثار يستدل بها على السائرين، ومنه قوله تعالى: «فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ» (٢) «قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي» (٣). فذلك تعبير عن سلوكهم طريق من سبقهم، متتبعين آثارهم، والأثر أيضا: الخبر، لأنه بقية تؤثر لمن يخبر عنه، ومنه اطلاق الآثار على السنن المروية عن النبى ﷺ . والآثر (بسكون الثاء بعد الهمزة المفتوحة): (٦) نقل الحديث وروايته، ومنه أثرت العلم آثره أثرا، أى رويته، وأصله تتبعت أثره (٤). معنى الأثر فى مصطلح الحديث: علماء مصطلح الحديث يطلقون «الأثر» أحيانا على ما يروى من السنة مرفوعا أو موقوفا أو مقطوعا، وأحيانا يفرقون بين المرفوع فيسمونه خبرا، والموقوف فيسمونه أثرا. ويوضح ذلك ما ذكره السيوطى (٥) فى التدريب، والنووى فى التقريب، إذ يقولان ما نصه: «الموقوف هو المروى عن الصحابة قولا لهم أو فعلا أو نحوه» أى تقريرا «متصلا كان» إسناده «أو منقطعا، ويستعمل فى غيرهم» كالتابعين «مقيدا، فيقال: وقفه فلان على الزهرى ونحوه، وعند فقهاء خراسان تسمية الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر» قال أبو القاسم الفورانى أحد فقهاء خراسان: الفقهاء يقولون الخبر ما يروى عن النبى ﷺ ، والأثر ما يروى عن الصحابة. المراد بالأثر فى استعمال الفقهاء: ١) يستعمل الفقهاء أحيانا كلمة الأثر أو الأثار، فيما يروى من السنة عن النبى ﷺ مرفوعا، أو موقوفا، أو غير ذلك، كقولهم: والأثار دالة على كذا، أو وقد استدل على هذا بالأثر المروى عن فلان، أو المرفوع أو

стр. 486

المنقطع، أو المتصل الى غير ذلك، جريا على التوسع فى المعنى الاصطلاحى للأثر. ب) وأحيانا يستعملون كلمة الأثر مضافة، فيقولون: أثر العقد، وأثر الفسخ، وأثر النكاح الفاسد، وأثر الاقرار، وأثر اللعان ونحو ذلك ويذكرون الأثر حين يتكلمون عن الاستدلال بآثار الأقدام وما يتصل بها من القافة «انظر قافة» ويذكرون أثر كل فى المصطلح المضاف اليه. إثم ١ - المعنى اللغوى: الاثم: الذنب وأن يعمل الانسان ما لا يحل له، وجمعه آثام، ويقال أثم فلان (بكسر الثاء) يأثمَ (بفتحها) إذا وقع فى الإثم فهو آثم. ٢ - المعنى الاصطلاحى: والفقهاء يستعملون كلمة الإثم، بمعنى المعصيه، كقولهم: إذا حلف على أثم يريدون فعل معصية، فيجب عليه ألا يفعله ويكفر عن يمينه. وكقولهم: شرب الخمر إثم وقذف المحصنات إثم، والغصب إثم، والغش إثم، وهكذا. كما يستعملونه بالمعنى اللغوى كقولهم هل يأثم اذا أكره على تناول المحرم، وهل يأثم من أخر زكاة الفطر عن وقتها. إجَابَة التعريف اللغوى: الإجابة والاستجابة، بمعنى، وهو رجع الكلام، تقول أجابه عن سؤاله، واستجاب الله دعاءه، قال الله تعالى: «فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ (١) .. » وفعله: أجاب يجيب، والمصدر الإجابة. والمجاوبة والتجاوب: التجاور، وتجاوب القوم: جاوب بعضهم بعضا (٢) أما عند الفقهاء فلا يكادون يخرجون بها عن هذا المعنى اللغوى. أولا - إجابة المؤذن للصلاة: مذهب الحنفية: يذهب الحنفية إلى وجوب إجابه المؤذن، وقال الحلوانى بالندب، وذلك فى إجابة اللسان وبالوجوب فى المشى بالقدم على من سمع الأذان، ولو جنبا لا حائضا ونفساء وسامع خطبة، وفى صلاة جنازة وجماع ومستراح وأكل وتعليم علم وتعلمه بخلاف القرآن بأن يقول بلسانه مثل ما

стр. 487

يقول المؤذن إذا كان يؤذن بالعربية من غير لحن فى الأذان إلا فى الحيعلتين فيحوقل، وفى «الصلاة خير من النوم» فيقول صدقت وبررت، ولو تكرر سماع الأذان أجاب الأول (١). مذهب الشافعية: أما الشافعية فيذهبون إلى استحباب الاجابة على المؤذن لمن سمعه ثم يصلى على النبى ﷺ لما روى عبد الله ابن عمرو بن العاص أن النبى ﷺ قال: «اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على، فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه بها عشرا». فإن سمع ذلك وهو فى الصلاة لم يأت به فى الصلاة، فإذا فرغ أتى به وإن كان فى قراءة أتى به ثم رجع إلى القراءة لأنه يفوت والقراءة لا تفوت (٢). ويقول الشافعية أن الإقامة كالأذان فى الإجابة إلا أنه يقول عند التلفظ بإقامة الصلاة: أقامها الله وأدامها (٣). مذهب الحنابلة: أما الحنابلة فيقولون يسن لمن سمع المؤذن أن يقول كقوله إلا فى الحيعلة فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله ويستدلون على ذلك بما فى الصحيحين عن أبى سعيد مرفوعا «اذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول». ويفصلون الأمر فيقول صاحب النكت والفوائد السنية: وظاهر الأمر على الوجوب وقد قال به هنا بعض العلماء وأكثرهم على الاستحباب كقولنا وقد ورد ما يؤخذ منه صرفه عن ظاهره وهو ما رواه جماعة منهم مسلم عن أنس أنه ﵊ كان يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فان سمع أذانا أمسك وإلا أغار، فسمع رجلا يقول الله أكبر الله أكبر فقال النبى ﷺ : على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: خرجت من النار. وقد نص الامام أحمد فى رواية الأثرم وغيره على أنه لا يجب إجابة المؤذن. وظاهر كلام صاحب المحرر وكلام الأصحاب أنه يكرر مثل ما يقول المؤذن بتكرر سماع الأذان للصلاة الواحدة، وأنه إذا سمع الأذان وهو يقرأ قطع القراءة فإذا فرغ عاد عليها لأنها لا تفوت وكذا إذا دخل المسجد والمؤذن يؤذن وافقه ثم أخذ فى التحية (٤). مذهب المالكية: ويقول المالكية: وندب حكاية الأذان لسامعه بأن يقول مثل ما يقول المؤذن من تكبير أو تشهد لمنتهى الشهادتين على المشهور ولو كان السامع فى صلاة نفل فيندب له حكايته أما حكايته فى الفرض

стр. 488

فمكروهة مع الصحة إن اقتصر على منتهى الشهادتين أو أبدل الحيعلتين بالحوقلتين وإلا فتبطل (١). مذهب الظاهرية: أما ابن حزم الظاهرى فيقول: ومن سمع المؤذن فليقل كما يقول المؤذن سواء من أول الأذان إلى آخره وسواء كان فى غير صلاة أو فى صلاة فرض أو نافلة، حاشا قول المؤذن حى على الصلاة، حى على الفلاح، فإنه لا يقولهما فى الصلاة ويقولهما فى غير صلاة، فإذا أتم الصلاة فليقل ذلك، مستشهدا فى ذلك بالحديث السابق ذكره فى مذهب الشافعية (٢). مذهب الزيدية: ويرى الزيدية أن يقول السامع كالمؤذن لقوله صلى الله علية وسلم «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» وقال: «من قال حين يسمع ذلك دخل الجنة». ويقول كالمقيم أيضا، ويحوقل فى الحيعلة فيهما، ويقطع ما هو فيه لذلك إلا الصلاة، فإن فعل، فكالدعاء فيها ونسب إلى يحيى من فقهائهم أنه يقول أقامها الله وأدامها، عند قول مقيم الصلاة «قد قامت الصلاة» (٣). ويقول الزيدية أيضا: «وندب لسامع الأذان أن يحوقل بأن يقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم ويدعو» (٤). مذهب الإمامية: ويقول الشيعة الجعفرية: ويستحب الحكاية لغير المؤذن إذا سمع كما يقول المؤذن وإن كان فى الصلاة إلا الحيعلات فيها فيبدلها بالحوقلة ولو حكاها بطل لأنها ليست ذكرا، وكذلك يجوز ابدالها فى غيرها، ويردد المجيب عبارة المؤذن فى سكتته بين كل عبارة وأخرى أو يرددها معه، ووقت حكاية الفصل بعد فراغ المؤذن منه أو معه، وليقطع الكلام إذا سمعه غير الحكاية وإن كان قرآنا، ولو دخل المسجد أخر التحية إلى الفراغ منه (٥). مذهب الإباضية: جاء فى كتاب الوضع فى الفقه الاباضى الحديث الوارد فى اجابة المؤذن وهو قوله ﷺ : «اذا سمعتم الأذان فقولوا مثل ما يقول المؤذن» (٦). ثانيا - إجابة الدعوة إلى الوليمة: مذهب الحنفية: يذهب الأحناف إلى أن إجابة الدعوة سنة، قال ﵊: «من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم». قال فى الهداية: ومن دعى إلى وليمة أو طعام فوجد ثمة لعبا أو غناء فلا بأس بأن يقعد ويأكل، وهذا إذا كان بعد الحضور، ولو علم قبل الحضور لا يحضر لأنه لم يلزمه حق الدعوة (٧).

стр. 489

مذهب المالكية: ويذهب المالكية الى وجوب اجابة الدعوة، وهو فى الأكل بالخيار، وفى الترمذى عن النبى ﷺ أنه قال: «من دعى فليجب، فإن شاء طعم وأن شاء ترك». وقال أبن رشد: الأكل مستحب لقوله ﵇ «فإن كان مفطرا فليأكل وأن كان صائما فليصل (أى يدعو) لصاحب الوليمة» (١). ويسقط وجوب الدعوة وجود غناء ورقص نساء وآلة لهو غير دف. مذهب الشافعية: أما الشافعية فيقولون: من دعى إلى وليمة العرس، وجب عليه الإجابة لما روى ابن عمر رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليأتها». ومن الشافعية من قال: هى فرض على الكفاية لأن القصد اظهارها، وذلك يحصل بحضور البعض (٢)، وقيل إنها سنة. وأما وليمة الختان والولادة فالاجابة إليها مستحبة قولا واحدا وقيل على الخلاف (٣). وإنما تجب أو تسن بشرط (٤) ألا يخص الأغنياء بالدعوة وبشرط إسلام الداعى، وإلا يكون المدعو مرخصا فى ترك الجماعة أو الجمعة، وألا يكون المقصود المباهاة وألا يكون الداعى فاسقا أو شريرا، وألا يكون المدعو قاضيا إلا مع أصله أو فرعه وألا تتعارض الدعوة مع ما هو أهم كأداء الشهادة وأن يتعين المدعو. وإن دعى مسلم إلى وليمة ذمى ففيه وجهان: أحدهما تجب الإجابة للخير، والثانى لا تجب لأن الإجابة للتواصل وإختلاف الدين بمنع التواصل. وأن كانت الوليمة ثلاثة أيام أجاب فى اليوم الأول والثانى وتكره الاجابه فى اليوم الثالث لما روى أن سعيد بن المسيب ﵀ دعى مرتين فأجاب ثم دعى الثالثة فحصب الرسول. وعن الحسن ﵀ أنه قال: الدعوة أول يوم حسن والثانى حسن والثالث رياء وسمعة. وإن دعاه اثنان ولم يمكنه الجمع بينهما أجاب أسبقهما لحق السبق، فإن استويا فى السبق أجاب أقربهما رحما، فان أستويا فى الرحم أجاب أقربهما دارا، فإن استويا فى ذلك أقرع بينهما. وإن دعى إلى موضع فيه دف أجاب لأن الدف يجوز فى الوليمة، فإن دعى إلى موضع فيه منكر من زمر أو خمر فان قدر على إزالته لزمه أن يحضر لوجوب الاجابة

стр. 490

ولإزالة المنكر، وأن لم يقدر على أزالته لم يحضر، لما روى أن رسول الله ﷺ نهى أن يجلس على مائدة يدار فيها الخمر. ومن حضر الطعام فان كان مفطرا ففيه وجهان: أحدهما يلزمه أن يأكل، لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل». والثانى: لا يجب، لما روى جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعى أحدكم الى طعام فليجب فان شاء طعم، وإن شاء ترك». وأن دعى وهو صائم لم تسقط عنه الإجابة للخبر، ولأن القصد التكثير والتبرك بحضوره، وذلك يحصل مع الصوم، فإن كان الصوم فرضا لم يفطر، وإن كان تطوعا فالمستحب أن يفطر لأنه يدخل السرور على من دعاه وإن لم يفطر جاز (١). مذهب الحنابلة: ويرى الحنابلة وجوب إجابة الدعوة إذا كان الداعى مسلما وعين المدعو، وقيل هى فرض كفاية، وقيل مستحبه. ولا تجب مع من يجوز هجره ولا من عمم بدعوته ولا من دعى بعد اليوم الأول، ولا يجوز لمن حضر الوليمة قطع صوم واجب ويستحب الأكل للمتنفل والمفطر. وقيل أن لم ينكسر قلب الداعى باتمام النفل فهو أولى. وادا علم فى الدعوه منكرا كالخمر والزمر وأمكنه الإنكار حضر وأنكر وإلا فلا يحضر ولو حضر فشاهد منكرا أزاله أن قدر وجلس وإلا إنصرف وأن علم به ولم يره ولم يسمعه فله الجلوس (٢). مذهب الظاهرية: أما أبن حزم الظاهرى فيقول: وفرض على كل من دعى إلى وليمة أو طعام أن يجيب الا من عذر فان كان مفطرا ففرض عليه أن يأكل، فإن كان صائما فليدع الله لهم، فإن كان هنالك حرير مبسوط أو كانت الدار مغصوبة أو كان الطعام مغصوبا أو كان هناك خمر ظاهر فليرجع ولا يجلس. عن نافع أن ابن عمر كان يقول عن النبى ﷺ : إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه عرسا كان أو نحوه. وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعى أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليصل، وأن كان مفطرا فليطعم».

стр. 491

وصح عن أبى هريرة: من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله (١). مذهب الزيدية: ويندب عند الزيدية حضور الوليمة بشروط سبعة: أولها أن تعم الفقير والغنى، والثانى: حيث تكون فى اليوم الأول والثانى، والثالث: ألا يكون هناك منكر، والرابع: أن يعين الداعى من يدعوه بنفسه أو برسوله أو بكتاب، والخامس ألا يدعوه لخوف منه أو لطمع فى جاهه أو اعانته على باطل، والسادس: ألا يكون الداعى فاسقا أو شريرا، والسابع: ألا يكون أكثر مال الداعى حراما. وندب أيضا اجابة المسلم إلى طعامه وإن لم يكن معه وليمة، وإذا اتفق داعيان أو أكثر فيستحب له أجابتهم جميعا، ويندب له تقديم إجابة الأول ثم الأقرب نسبا ثم الأقرب بابا، فإذا أستويا أقرع بينهما (٢). مذهب الإمامية: أما الشيعة الجعفرية: فيستحبون إجابه الدعوة للوليمة عند الزفاف (٣) وقد حكم فى الشرائع بكراهة الصوم ندبا لمن دعى إلى طعام، واستدل عليه فى الجواهر بما دل على النهى عن معارضة المؤمن وترك إجابته وقد قيل أن مقتضى اطلاق النص والفتوى عدم الفرق بين من هيأ لهم طعاما وغيره وبين من يشق عليه المخالفة وغيره، ونص الفاضلان على اشتراط كونه مؤمنا ولعله لكونه المتبادر من الأخ، ولأنه الذى رعايته أفضل من الصوم (٤). ثالثا - إجابة المستفتى: يقول ابن القيم (٥): إن سأل سائل عن الحكم فللمسئول حالتان: أحداهما أن يكون عالما به، والثانية أن يكون جاهلا به، فإن كان جاهلا حرم عليه الافتاء، وإن كان عالما بالحكم فللسائل حالتان: أحداهما أن يكون حضر وقت العمل (أى جاء السائل إلى المفتى لسؤاله عن واقعة حدثت) وقد احتاج إلى السؤال، فيجب على المفتى المبادرة على الفور إلى جوابه، الثانية أن يكون قد سأله عن الحادثة قبل وقوعها فهذا لا يجب على المفتى أن يجيب عنها، وأطال فى ذكر الأدلة (أنظر: أفتاء). رابعا - أجابه الاستغاثة: يقول الأحناف (٦): يجب إغاثة الملهوف بقطع الصلاة، سواء استغاث بالمصلى أو لم يعين أحدا فى الاستغاثة (انظر: إغاثة). خامسا - إجابة الخصوم عند القاضى: لا خلاف بين الفقهاء فى الزام المدعى عليه بالإجابة على الدعوى اذا ما طلب منه ذلك.

стр. 492

جاء فى البدائع (١): «أن من حكم الدعوى وجوب الجواب على المدعى عليه لأن قطع الخصومة والمنازعة وأجب ولا يمكن ذلك إلا بالجواب». وفى المغنى (٢) إذا حرر المدعى دعواه فللحاكم أن يسأل خصمه الجواب قبل أن يطلب المدعى ذلك. وفى الدردير وحاشية الدسوقى (٣): يلزم المدعى عليه أن يجيب المدعى على دعواه بشئ محقق أو بالانكار (انظر: دعوى، وقضاء). سادسا - إجابة المرأة فى النكاح: جاء فى كتاب الهدايه فى الفقه الحنفى: النكاح ينعقد بالايجاب والقبول، فلو استأذن الثيب فلا بد من رضاها بالقول لقوله ﵊ «الثيب تشاور» ولأن النطق لا يعد عيبا منها وقل الحياء بالممارسة فلا مانع من النطق فى حقها (٤). وفى الكنز وشرحه للعينى (٥) ان استأذن الولى البكر البالغة فسكتت أو ضحكت فهو اذن منها (انظر: نكاح). سابعا - إجابة طالب الضيافة: للفقهاء خلاف وتفصيل فى إجابه الضيف إلى طلب الضيافة، فيذهب الظاهرية - كما ينقل عنهم ابن حزم (٦) - إلى أنها فرض. وكذلك المالكية (٧) على تفصيل. ونقل الشوكانى (٨) أنها ليست واجبة عند الجمهور (انظر: ضيافة). ثامنا - الإجابة إلى الإسلام: يقول الحنفية: إن الإجابة إلى الإسلام بعد الدعوة إليه تقتضى الكف عن القتال وكذا فى الجزية بالنسبة لغير المرتدين ومشركى العرب. جاء فى الهداية (٩): إذا دخل المسلمون دار الحرب فحاصروا حصنا أو مدينة دعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا كفوا عن قتالهم، وأن أمتنعوا دعوهم إلى أداء الجزية، وهذا فى حق من تقبل منه الجزيه ومن لا تقبل منه كالمرتدين وعبدة الأوثان لا يقبل منهم إلا الإسلام فان بذلها من تقبل منهم الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين (انظر: جهاد). وقالوا (١٠) فى المرتد: يعرض عليه الإسلام فان كانت له شبهة كشفت عنه ويحبس ثلاثة أيام فان أجاب إلى الإسلام وإلا قتل (انظر: مرتد).

стр. 493

إجارة ١ - التعريف بها لغة: يقال أجر الشئ اكراه وأجر العامل صاحب العمل رضى أن يكون أجيرا عنده وجمعه أجراء، ومنه قوله تعالى: «عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ» (١). وأجر فلانا على كذا أعطاه أجرا. والفعل من باب قتل، وعند بنى كعب من باب ضرب. ويقال آجرت الدار فأنا مؤجرها، كما يقال آجرت فأنا مؤاجر. وأجر من فلان الدار أكراها له وأجر فلانا الدار أكراه اياها وآجره مؤاجرة استأجره، واستأجره اتخذه أجيرا كما يقال ائتجر على فلان بكذا عمل له بأجر، ويقال فى معنى أجره أكراه فهو مكر وكاراه فهو مكار واكتراه استأجره فهو مكتر وأكرانى دابته أجرنى اياها. والأجرة الكراء والكروة. والاجارة الأجرة على العمل. والأجر عوض العمل وجمعه أجور وجمع الأجرة أجر (٢). ٢ - التعريف بها شرعا: يعرفها الفقهاء بأنها عقد يفيد تمليك المنفعة بعوض، وبذلك تميزت من الجعالة لأن الجعالة ليست عقدا وانما تنشأ بارادة الجاعل وحدها، ومن البيع والهبة لأنهما يفيدان تمليك الأعيان، ومن العارية والوصية بالمنفعة لأن التمليك بهما بالمجان. وليس فى تعريف الاجارة بذلك اختلاف بين الفقهاء جميعا، وانما يختلفون فى العبارة الدالة على هذا المعنى من ناحية استعمال لفظ بدل لفظ له معناه أو من ناحية زيادة بيان وتفصيل كما فى تعريف بعض الحنابلة لها فى «كشاف القناع» بأنها عقد على منفعة مباحة معلومة تؤخذ شيئا فشيئا مدة معلومة من عين معلومة أو موصوفة فى الذمة أو عمل معلوم بعوض معلوم. واستثنوا من المدة ما فتح من الأرض عنوة وترك لأهله بالخراج على أن يكون أجرة له مراعاة للمصلحة العامة التى استوجبت ذلك فانه فى نظر الحنابلة يعد متروكا فى يد أهله بطريق الاجارة دون تقدير مدة لذلك، ولذا يبقى فى أيديهم لا ينزع منهم. وينتقل بالوراثة الى ورثتهم فيتوارثون منافعها كما تتوارث الأعيان (٣). وكذلك استثنوا الصلح مع صاحب أرض على حق ادعى عليه نظير بدل أو عوض هو أن يجرى المصالح فى تلك الأرض ماء أرضه الفاضل من ريها أو حاجتها من الماء فى ريها على أن يكون ذلك حقا له دائما، فقد أجازوا ذلك على أنه اجارة للمجرى، فى أرض المصالح بلا اشتراط مدة بل تعد اجارة مستمرة (٤).

стр. 494

وقد شاع عند كثير من الفقهاء استعمال اسم الاجارة وما اشتق منها فى استئجار الآدميين واستعمال اسم الكراء وما اشتق منه فى استئجار غيرهم ومع ذلك فقد يستعملون اللفظين دون تفرقة بينهما فى الاستعمال (١). وفى الشرح الكبير للدردير (٢) أن المالكية يسمون العقد على منافع الآدمى وما يقبل الانتقال كالثياب والأوانى ما عدا السفن والحيوان اجارة، والعقد على منافع ما لا يقبل الانتقال كالأرض والدور، وكذلك منافع السفن والدواب كراء، وهذا هو الاستعمال الغالب عندهم، وقد يستعملون أحد اللفظين محل الآخر. الاجارة - محلها محل الاجارة المنافع فلا ترد الا على منفعة، والمنفعة نوعان: منفعة أشياء: وهى ما يكتسب من الأعيان كمنافع الدور والثياب والحيوان ونحو ذلك. ومنفعة أعمال: وهى ما يقوم به العمال من الأعمال التى تطلب منهم كالخياطة والصياغة والصناعة والنجارة والبناء والحمل ونحو ذلك. ولما كان محلها المنافع كان الواجب فيها عند تمامها تسليم ذلك المحل الى من تملكه استيفاء لحقه، غير أن المنافع لا يتصور فيها التسليم بذاتها لأنها أعراض، فقام مقام ذلك تسليم العين التى تطلب منها المنفعة وتمكين المنتفع من الانتفاع بها، واعتبر ذلك تسليما للمنفعة نفسها، وذلك واضح فى اجارة الأشياء. أما فى اجارة العمال على الأعمال فان تسليم العمل المطلوب يتم اما بقيام العامل الأجير بالعمل فعلا والتخلية بينه وبين المؤجر، واما بتسليم نفسه الى مستأجره واستعداده لأن يقوم به كما فى الأجير الخاص (الوحد). ولذا لو سلم نفسه الى مستأجره مدة الاجارة كلها مستعدا للقيام بالعمل استحق الأجرة، وان لم يعمل لأنه فعل ما يطلب منه وما يستطيع أن يقوم به وذلك محل اتفاق بين المذاهب. وبناء على ما ذكر لم تجز اجارة الشجر والكرم لأخذ ثمره كما فى استئجار البساتين لأخذ أثمارها لأن الثمر عين لا منفعة فلا ترد عليه الاجارة، وكذلك لم يجز استئجار شاة لأخذ لبنها أو أولادها أو صوفها ولا استئجارها لترضع جديا أو طفلا ولا استئجار الآجام والبرك لأخذ ما يكون فيها من السمك ولا استئجار المراعى المملوكة لرعى ما فيها من الكلأ ولا استئجار الفحل للضراب وغير ذلك مما يراد من استئجاره تملك عين لا منفعتها، والى هذا ذهب الحنفية (٣) ومالك (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) كما ذهب الى ذلك أيضا ابن حزم من الظاهرية (٧) والزيدية (٨).

стр. 495

وأما الشيعة الإمامية: فقد جاء فى كتاب تحرير الأحكام (١) لهم: «ولا يجوز استئجار شجر لأخذ ثمره، كما جاء فيه أيضا ما نصه وفى جواز استئجار الغنم والابل والبقر لأخذ لبنها أو لاسترضاعها أو لأخذ صوفها أو شعرها أو وبرها اشكال كما جاء فيه أيضا: ويجوز كراء بئر أو عين لأخذ الماء منها أما شراء الماء فلا يصح». والحكم الأول الخاص باستئجار الشجر لأخذ ثمره يدل على أن الشيعة الإمامية كغيرهم فى أنهم لا يجوزون ورود عقد الاجارة على الأعيان ومن ثم كان فى قولهم بجواز استئجار الغنم لأخذ لبنها وصوفها اشكال، وربما دل هذا على وجود خلاف فى الفقه الشيعى فى تجويز اجارة عين لأخذ ما تنتجه من ماء أو لبن ونحوه، ومن ثم جاز استئجار البئر لأخذ مائه نتيجة لهذا الخلاف وان لم يشر صاحب الكتاب الى هذا الخلاف، وربما كان ذلك من قبيل الاستثناء وأن المذهب الشيعى يرى عدم الجواز الا فيما نص على جوازه. الإباضية: أما الإباضية فقد جاء فى شرح النيل جواز كراء البئر أو العين لأخذ مائه، وان ذلك محل خلاف عندهم (٢). وأجاز ذلك الحنفية لعموم البلوى (٣) واستثنى الفقهاء من هذا الأصل اجارة الظئر للارضاع مراعين فى ذلك أن الاجارة فى هذه الحال على ما تقوم به الظئر من أعمال ومنافع للطفل من حمل ورعاية وحفظ وغير ذلك من الأعمال التى تصلح أن تكون محلا لعقد الاجارة، أما اللبن فتابع لذلك. وذهب ابن عقيل من الحنابلة الى جواز استئجار البئر ليستقى منه أياما معلومة أو ليؤخذ منه دلاء معلومة. وفى المغنى أن القول بهذا يقتضى جواز استئجار بركة ليصطاد منها السمك مدة معلومة. كما نصوا على جواز الاستئجار على الكتابة وعندئذ يكون التزام الكاتب بالحبر والأقلام ودخوله فى الاجارة من قبيل دخول التابع ومثله خيط الخياط وكحل الكحال ومرهم الطبيب وصبغ الصابغ (٤) وماء الحمام، وذلك مع ملاحظة ما فى الحمام من الانتفاع بالأدوات والمكث فيه، ومثل هذه المسائل كثير فيما جرى به العرف. وفى المحلى لابن حزم (٥): ولم يجز مالك اجارة الشاة ولا الشاتين للحلب وأجاز اجارة القطيع من ذوات اللبن للحلب، كما أجاز استئجار البقرة للحرث مع اشتراط لبنها. وقد جاء بالتاج والاكليل للمواق ما يدل على ذلك (٦). فقد جاء فيه جواز أن يكترى البقرة ويشترط حلابها لأن الغرر خف بما انضاف
следующие страницы →