وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تستحلف. فان أقام الزوج بينة قبلت بينته وتثبت الرجعة، لأن الشهادة قامت على الرجعة فى العدة فتسمع ولو كانت المطلقة أمة الغير فقال زوجها بعد انقضاء العدة كنت راجعتك وكذبته الأمة وصدقه المولى فالقول قولها عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ولا تثبت الرجعة.
وعندهما القول قول الزوج والمولى وتثبت الرجعة لأنها ملك المولى.
ويدل لأبى حنيفة أن انقضاء عدتها اخبار منها عن حيضها وذلك اليها لا الى المولى كالحرة.
فان قال الزوج لها قد راجعتك فقالت مجيبة له قد انقضت عدتى فالقول قولها عند أبى حنيفة مع يمينها.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى القول قول الزوج.
وأجمعوا على أنها لو سكتت ساعة ثم قالت انقضت عدتى يكون القول قول الزوج (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل أن الرجل اذا لم ينجز رجعة زوجته بأن يقول راجعت زوجتى، بل علقها كما لو قال اذا كان غد فقد ارتجعتك، قال مالك لا يكون ذلك رجعة.
قال عبد الحق هذه الرجعة تكون باطلة مطلقا.
وقيل: لا تكون رجعة الآن وتصح اذا جاء غد، فابطالها انما هو الآن فقط (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى الأم قال الشافعى رحمه الله تعالى: اذا قال الرجل لامرأته وهى فى العدة من طلاقه اذا كان غد فقد راجعتك واذا كان يوم كذا وكذا فقد راجعتك، واذا قدم فلان فقد راجعتك، واذا فعلت كذا فقد راجعتك فكان كل ما قال لم يكن رجعة.
واذا قال الرجل لامرأته اذا كان أمس فقد راجعتك لم تكن رجعة بحال ولو نوى اذا كان أمس يوم الاثنين فقد راجعتك لم يكن رجعة، وليس بأكثر
стр. 4342
من قوله لها اذا كان غد فقد راجعتك فلا يكون رجعة.
واذا قال لها فى العدة قد راجعتك أمس أو يوم كذا ليوم ماض بعد الطلاق كانت رجعة (١).
وجاء فى اعانة الطالبين أنه يشترط فى الرجعة عدم التأقيت فلو قال لها راجعتك شهرا لم يصح (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى هداية الراغب أنه لا يصح تعليق الرجعة فاذا قال الرجل لامرأته وهى فى العدة اذا جاء رأس الشهر فقد راجعتك لم يصح (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أن الرجعة تصح مشروطة بوقت نحو أن يقول لها والعدة باقية اذا جاء غد فقد راجعتك فلا يثبت حكمها الا من فجر غد.
والمختار عدم الرجعة، لأن الرجعة انما تقع عقيب حصول الشرط وهنا لم تقع عقيبه، وعن عامر ولو بعدها الا اذا قال فقد راجعتك الآن (٤).
حكم اضافة الايلاء الى الوقت أو الى
امرأة مبهمة أو مجهولة
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن المولى اذا أضاف الايلاء الى الوقت صار موليا، بأن قال اذا جاء غد فو الله لا أقربك أو قال اذا جاء رأس شهر كذا فو الله لا أقربك ويعتبر ابتداء المدة من وقت وجود الوقت لأن الايلاء يمين واليمين تحتمل الاضافة الى الوقت كسائر الايمان (٥).
واذا قال لامرأتين له والله لا أقربكما صار موليا منهما للحال حتى لو مضت
стр. 4343
أربعة أشهر ولم يقربهما فيها بانتا جمعيا، ويبطل، وكذا اذا قال لنسائه الأربع: والله لا أقربكن صار موليا منهن للحال حتى لو لم يقربهن حتى مضت أربعة أشهر بن جميعا، وهذا قول أصحابنا الثلاثة، وهو استحسان.
والقياس أن لا يصير موليا فى الأول ما لم يطأ واحدة منهما فيصير موليا من الأخرى.
وفى الثانى لا يصير موليا ما لم يطأ واحدة فيصير موليا من الأخرى.
وفى الثالث لا يكون موليا ما لم يطأ الثالثة منهن فيصير موليا من الرابعة وهو قول زفر رحمه الله تعالى.
وجه القياس أن المولى من لا يمكنه قربان امرأته من غير حنث يلزمه وههنا يمكنه فى الصورة الأولى قربان احداهما من غير حنث يلزمه، لأنه لا يحنث بوط ء احداهما اذ جعل شرط الحنث قربانهما من غير شئ يلزمه ولم يوجد وفى الصورة الثانية يمكنه قربان الثلاث منهن من غير حنث يلزمه ألا ترى أنه لا يحنث بوط ء الثلاث منهن فلم يوجد حد المولى فلا يكون موليا.
واذا وطئ احداهما أو وطئ الثلاث منهن فلا يمكنه وط ء الباقية الا بحنث يلزمه فوجد حد الايلاء فيصير موليا.
ووجه الاستحسان أن المولى من لا يمكنه وط ء امرأته فى المدة من غير شئ يلزمه بسبب اليمين وههنا لا يمكنه وطؤها فى المدة من غير شئ يلزمه بسبب اليمين، لأنه لو وطئ احداهما أو الثلاث منهن لزمه تعيين الأخرى للايلاء، وهذا شئ يلزمه بسبب اليمين، وقد وجد حد الايلاء، فيكون موليا، ولو قرب احداهما لا كفارة عليه، لعدم شرط الحنث وهو قربانهما، ولكن يبطل ايلاؤه منها، لأن ذلك يقف على القربان وقد وجد، والايلاء فى حق الباقية على حاله، لانعدام المبطل فى حقهما وهو القربان، ولو قربهما جميعا بطل ايلاؤهما وعليه كفارة اليمين لوجود المبطل لهما والموجب للكفارة وهو قربانهما، ولو ماتت احداهما قبل مضى أربعة أشهر بطل ايلاؤها ولا تجب الكفارة، وان وطئ الأخرى بعد ذلك بالاجماع، لأن شرط وجوب الكفارة قربانهما ولم يوجد، ولو طلق احداهما لا يبطل الايلاء.
أما اذا قال والله لا أقرب أحداكما فانه يصير موليا من احداهما، حتى لو وطئ احداهما لزمته الكفارة وبطل الايلاء لوجود شرط الحنث وهو قربان احداهما، ولو ماتت احداهما أو طلق احداهما ثلاثا أو بانت بلا عدة تعينت الباقية للايلاء لزوال المزاحمة، ولو لم يقرب احداهما حتى مضت المدة بانت احداهما بغير عينها وله خيار أن يوقع الطلاق
стр. 4344
على أيتهما شاء لأن الايلاء فى حق حكم البر تعليق الطلاق شرعا بشرط ترك القربان فى المدة فيصير كأنه قال: ان لم أقرب أحداكما أربعة أشهر فاحداكما طالق بائن ولو نص على ذلك فمضت المدة ولم يقرب احداهما طلقت احداهما غير عين وله الخيار يوقع على أيتهما شاء كذا هذا، ولو أراد أن يعين الايلاء فى احداهما قبل مضى أربعة أشهر لا يملك ذلك، حتى لو عين احداهما ثم مضت أربعة أشهر لم يقع الطلاق على المعينة بل يقع على احداهما بغير عينها ويخير فى ذلك، لأن اليمين تعلقت بغير المعينة فالتعيين يكون تغيير اليمين فلا يملك ذلك، لأن تغيير اليمين ابطالها من وجه واليمين عقد لازم لا يحتمل البطلان فلا يحتمل التغيير ولأن الايلاء فى حق البر تعليق الطلاق بشرط عدم القربان فى المدة ومتى علق الطلاق المبهم بشرط ثم أراد تغيير التعليق قبل وجود الشرط لا يقدر على ذلك كما اذا قال لامرأتيه اذا جاء غد فاحداكما طالق، ثم أراد أن يعين احداهما قبل مجئ الغد لا يملك ذلك، كذا هذا، فاذا مضت المدة وبانت احداهما بغير عينها فله الخيار فى تعيين أيتهما شاء للطلاق لأن الطلاق اذا وقع فى المجهولة يتخير الزوج فى التعيين فله أن يوقع الطلاق على احداهما، فلو لم يوقع الطلاق على واحدة منهما حتى مضت أربعة أشهر أخرى وقعت تطليقة أخرى وبانت كل واحدة منهما بتطليقة فى ظاهر الرواية.
وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يقع الطلاق على الأخرى وذلك لأنه آلى من احداهما لا من كل واحدة منهما فلا يتناول الايلاء الا احداهما.
ووجه ظاهر الرواية أن اليمين باقية لعدم الحنث فكان تعليق طلاق احداهما بمضى المدة من غير فئ باقيا فاذا مضت أربعة أشهر ووقع الطلاق على احداهما فقد زالت مزاحمتهما واليمين باقية فتعينت الأخرى لبقاء اليمين فى حقها وتعليق طلاقها كما لو زالت المزاحمة بعد مضى المدة قبل اختيار الزوج بالموت بأن ماتت احداهما أليس أنه تتعين الأخرى كذا ههنا (١).
وأما اذا قال: والله لا أقرب واحدة منكما فانه يصير موليا منهما جميعا، حتى لو مضت مدة أربعة أشهر ولم يقربهما فيها بانتا جميعا، كذا ذكر المسئلة فى الجامع من غير خلاف وهكذا ذكر القاضى فى شرحه مختصر الطحاوى.
وذكر القدورى فى شرحه مختصر الكرخى فقال على قول أبى حنيفة وأبى يوسف يكون موليا منهما استحسانا.
стр. 4345
وعلى قول محمد يكون موليا من احداهما وهو القياس، وذلك لأن قوله واحدة منكما لا يعبر به عنهما بل عن احداهما فصار كقوله والله لا أقرب احداكما، والدليل عليه أنه اذا قرب احداهما يحنث وتلزمه الكفارة فدل أن اليمين تناولت احداهما لا غير.
ووجه الاستحسان - وهو الفرق بين المسئلتين - ان قوله احداكما معرفة لأنه مضاف الى الكناية والكنايات معارف، بل أعرف المعارف، والمضاف الى المعرفة معرفة والمعرفة تختص فى النفى كما تختص فى الاثبات، وقوله واحدة منكما نكرة لأنها نكرة بنفسها ولم يوجد ما يوجب صيرورتها معرفة وهو اللام أو الاضافة فبقيت نكرة وهى فى محل النفى فتعم.
والدليل على التفرقة بينهما أنه يستقيم ادخال كلمة الاحاطة والاشتمال، وهى كلمة كل على واحدة منكما، ولا يستقيم ادخالها على احداكما حتى يصح أن يقال والله لا أقرب كل واحدة منكما ولا يصح أن يقال والله لا أقرب كل احداكما، فدل أن قوله واحدة منكما يصلح لهما. وقوله احداكما لا يصلح لهما الا أنه اذا قال والله لا أقرب واحدة منكما فقرب احداهما يبطل ايلاؤهما جميعا وتلزمه الكفارة لوجود شرط الحنث وهو قربان واحدة منهما، بخلاف ما اذا قال: والله لا أقربكما فقرب واحدة منهما أنه يبطل ايلاؤهما ولا يبطل ايلاء الباقية حتى لا تجب عليه الكفارة أما بطلان ايلاء التى قربها فلوجود شرط البطلان وهو القربان ولم يوجد القربان فى الباقية فلا يبطل ايلاؤهما وأما عدم وجوب الكفارة فلعدم شرط الوجوب وهو قربانهما جميعا.
ولو قال لامرأته وأمته والله لا أقربكما لا يكون موليا من امرأته ما لم يقرب الأمة فاذا قرب الأمة صار موليا من امرأته، لأن المولى من لا يمكنه قربان امرأته فى المدة من غير شئ يلزمه وقبل أن يقرب الأمة يمكنه قربان امرأته من غير حنث يلزمه.
لأنه علق الحنث بقربانهما فلا يثبت بقربان احداهما فاذا قرب الأمة فقد صار بحال لا يمكنه قربان زوجته من غير حنث يلزمه فصار موليا، ولو قال والله لا أقرب احداكما لم يكن موليا فى حق البر لما ذكرنا أن قوله احداكما معرفة لكونه مضافا الى المعرفة والمعرفة تخص ولا تعم سواء كان فى محل الاثبات أو فى محل النفى فلا يتناول الا احداهما، والايلاء فى حق البر تعليق الطلاق بشرط ترك القربان فى المدة فصار كأنه قال ان لم أقرب احداكما فى المدة فاحداكما طالق، ولو قال ذلك لا يقع الطلاق الا اذا عنى امرأته وما عنى ههنا فلا يمكنه جعله ايلاء فى حق البر ولو قرب احداهما تجب الكفارة، لأنه بقى يمينا فى حق الحنث وقد وجد شرط الحنث فتجب الكفارة كما لو قال
стр. 4346
لأجنبية والله لا أقربك ثم قربها حنث ولا يكون ذلك ايلاء فى حق البر، كذا هذا ولو قال والله لا أقرب واحدة منكما كان موليا من امرأته لما ذكرنا ان الواحدة نكرة مذكورة فى محل النفى فتعم عموم الافراد، كما لو قال لا أكلم واحدا من رجال حلب الا أنه لو قرب احداهما حنث لما ذكرنا أن شرط حنثه قربان واحدة منهما لا قربانهما وقد وجد.
ولو كان له امرأتان حرة وامة فقال والله لا أقربكما صار موليا منهما جميعا لأن كل واحدة منهما محل الايلاء فاذا مضى شهران ولم يقربهما بانت الأمة لمضى مدتها من غير قربان، واذا مضى شهران آخران بانت الحرة أيضا لتمام مدتها من غير فئ، ولو: قال والله لا أقرب احداكما يكون موليا من احداهما بغير عينها، لأن كل واحدة منهما محل الايلاء وقد اضاف الايلاء الى احداهما بغير عينها فيصير موليا من احداهما غير عين، ولو أراد أن يعين احداهما قبل مضى الشهرين لم يكن له ذلك واذا مضى شهران ولم يقربهما بانت الأمة لا لأنها عينت للايلاء، بل لسبق مدتها واستوثقت مدة الايلاء على الحرة، فاذا مضت أربعة أشهر ولم يقربها بانت الحرة لأن اليمين باقية اذا لم يوجد الحنث فكان تعليق الطلاق على احداهما باقيا فاذا مضى شهران وقع الطلاق على الأمة فقد زالت مزاحمتها واليمين باقية فتعينت الحرة لبقاء الايلاء فى حقها وتعليق طلاقها بمضى المدة وانما استوثقت مدة الايلاء على الحرة لأن ابتداء المدة انعقدت لاحداهما وقد تعينت الأمة للسبق فيبتدأ الايلاء على الحرة من وقت بينونة الأمة، بخلاف ما اذا قال لها والله لا أقربكما، لأن هناك انعقدت المدة لهما فاذا مضى شهران فقد تمت مدة الأمة فتتم مدة الحرة بشهرين آخرين، ولو ماتت الأمة قبل مضى الشهرين تعينت الحرة للايلاء من وقت اليمين، حتى اذا مضت أربعة أشهر من وقت اليمين تبين، لزوال المزاحمة بموت الأمة.
ولو قال والله لا أقرب واحدة منكما يكون موليا منهما جميعا حتى لو مضى شهران تبين الأمة ثم اذا مضى شهران آخران تبين الحرة كما فى قوله والله لا أقربكما غير أنه ههنا اذا قرب احداهما حنث وبطل الايلاء (١).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى أن من له زوجتان قال لهما ان وطئت احداكما فالأخرى طالق فمتى وطئ احداهما طلقت الأخرى، فان أبى أن يطأ احداهما بعد انقضاء أجل الايلاء فان الحاكم يطلق عليه واحدة، قال فى
стр. 4347
توضيحه: ينبغى أن يفهم على أن القاضى يجبره على طلاق واحدة أو يطلق واحدة بالقرعة والا فطلاق واحدة غير معينة لا يمكن، اذ الحكم يستدعى تعيين محله، وفى تطليق واحدة معينة منهما ترجيح بلا مرجح، ومن قامت بحقها من هاتين المرأتين كان الحكم ما ذكره المؤلف، ولا يشترط قيامهما معا.
قال ابن عبد السّلام وذكر بعضهم فى نظير هذه المسئلة قولين: هل يكون موليا منهما أو لا يكون موليا الا من احداهما.
كلام المؤلف يفيد أنه مول منهما، اذ قوله وان أبى الفيئة ظاهر فى أنها متعلقة بكل منهما، اذ هى انما تكون فى المولى منها، فان رفعته واحدة منهما ضرب له أجل الايلاء من يوم الرفع، وان رفعتاه جميعا ضرب له فيهما أجل الايلاء من يوم الرفع ثم وقف عند انقضاء الأجل، فان فاء فى واحدة منهما حنث فى الأخرى، وان لم يفئ فى واحدة منهما طلقتا عليه جميعا (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن الأظهر أنه لو قال الزوج لأربع والله لا أجامعكن فليس بمول فى الحال لأن الكفارة لا تجب ألا بوط ء الجميع كما لو حلف لا يكلم جماعة فهو متمكن من وط ء ثلاث بلا شئ يلحقه فان جامع ثلاثا منهن ولو فى الدبر أو بعد البينونة فمول من الرابعة لتعلق الحنث بوطئها، فلو مات بعضهن قبل وط ء انحل الايلاء لتعذر الحنث بوط ء من بقى، أما لو ماتت بعد وطئها وقبل وط ء الأخريات فلا ينحل الايلاء ومقابل الأظهر أنه مول من الأربع فى الحال، لأنه بوط ء واحدة يقرب من الحنث المحذور والقريب من المحذور محذور.
ولو قال لأربع والله لا أجامع كل واحدة منكن فمول حالا من كل واحدة منهن بمفردها كما لو أفردها بالايلاء فاذا مضت المدة فلكل مطالبته. وظاهر كلامه أنه لو وطئ واحدة لا يرتفع الايلاء فى حق الباقيات وهو وجه رجحه الامام.
والأصح عند الأكثرين كما ذكره الشيخان انحلال اليمين وزوال الايلاء، لأنه حلف أن لا يطأ واحدة وقد وطئ.
وبحث فيه بأنه أن أراد تخصيص كل منهن بالايلاء فالوجه عدم الانحلال، والا فليكن كقوله لا أجامعكن، فلا يحنث الا بوط ء الجميع.
وأجيب عنه بأن الحلف الواحد على متعدد يوجب تعلق الحنث بأى واحد وقع
стр. 4348
لا تعدد الكفارة باليمين الواحدة ولا يتبعض فيها الحنث، ومتى حصل فيها حنث حصل الانحلال.
فان قال والله لا أجامع واحدة منكن فان أراد الامتناع عن كل واحدة فمول منهن أو من واحدة منهن معينة فمول منها فقط ويؤمر بالبيان كما فى الطلاق ويصدق بيمينه فى ارادتها وان أراد واحدة مبهمة كان موليا من أحداهن ويؤمر بالتعيين فان عين كان ابتداء المدة من وقت اليمين على الأصح وأن أطلق اللفظ ولم ينو تعميما ولا تخصيصا حمل على التعميم على الأصح (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن الزوج ان قال والله لا وطئت واحدة منكن فمول منهن، لأن النكرة فى سياق النفى تعم ولا يمكنه وط ء واحدة منهن الا بالحنث فان طلق واحدة منهن أو ماتت كان موليا من البواقى، لأنه تعلق بكل واحدة منفردة فيحنث بوط ء واحدة منهن وتنحل يمينه لأنها يمين واحدة الا أن يريد واحدة منهن بعينها فيكون موليا منها وحدها، لأن اللفظ يحتمله وهو أعلم بنيته، وان أراد واحدة منهن مبهمة أخرجت بقرعة لا بتعيينه كالطلاق والعتق.
وان قال والله لا وطئت كل واحدة منكن فمول من جميعهن فى الحال، لأن لفظه صريح فى التعميم وتنحل يمينه بوط ء واحدة لأنها يمين واحدة، ولا يقبل قوله نويت واحدة منهن معينة أو مبهمة لأن لفظة كل أزالت الخصوص، وان قال والله لا أطؤكن لم يصر موليا فى الحال، لأنه يمكنه وط ء واحدة بغير حنث حتى يطأ ثلاثا فيصير موليا من الرابعة، لأن المنع حينئذ يصير فى الرابعة محققا ضرورة الحنث بوطئها وابتداء المدة حينئذ، وان مات بعضهن أو طلقها انحلت يمينه وزال حكم الايلاء لأنه يمكنه وط ء الباقيات بغير حنث، فان راجع المطلقة أو تزوجها بعد بينونتها عاد حكم يمينه لكن لا يصير موليا حتى يطأ ثلاثا فيصير موليا من الرابعة كما تقدم.
وان آلى من واحدة من زوجاته ثم قال للأخرى شركتك معها أو أنت شريكتها لم يصر موليا من الثانية، لأن اليمين بالله لا تصح الا بلفظ صريح من اسم أو صفة والتشريك بينهما كناية فلم يقع به اليمين بخلاف الطلاق والظهار (٢).
стр. 4349
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١) أن من آلى من أربع نسوة له بيمين واحدة وقف لهن كلهن من حين يحلف، فان فاء الى واحدة سقط حكمها وبقى حكم البواقى فلا يزال يوقف لمن لم يفئ اليها حتى يفئ أو يطلق وليس عليه فى كل ذلك الا كفارة واحدة لأنها يمين واحدة على أشياء متغايرة، ولكل واحدة حكمها وهو مول من كل واحدة منهن «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أنه اذا آلى الرجل من احدى زوجاته كان لهن كلهن المرافعة مع اللبس فى المولى عنها لأن كل واحدة فى حكم المولى عنها (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أن الزوج اذا قال لأربع والله لا وطئتكن لم يكن موليا فى الحال، وجاز له وط ء ثلاث منهن، ويتعين التحريم فى الرابعة ويثبت الايلاء ولها المرامقة (٤).
ويضرب لها المدة ثم تقفه بعد المدة، ولو ماتت واحدة قبل الوط ء انحلت اليمين، لأن الحنث لا يتحقق الا مع وط ء الجميع وقد تعذر فى حق الميتة اذ لا حكم لوطئها .. وليس كذلك لو طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، لأن حكم اليمين هنا باق فيمن بقى لامكان الوط ء فى المطلقات ولو بالشبهة.
ولو قال والله لا وطئت واحدة منكن تعلق الايلاء بالجميع وضربت المدة لهن عاجلا، نعم لو وطئ واحدة حنث وانحلت اليمين فى البواقى، ولو طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثا كان الايلاء ثابتا فيمن بقى.
ولو قال فى هذه أردت واحدة معينة قبل قوله، لأنه أبصر بنيته، ولو قال والله لا وطئت كل واحدة منكن كان موليا من كل واحدة كما لو آلى من كل واحدة منفردة، وكل من طلقها فقد وفاها حقها ولم ينحل اليمين فى البواقى، وكذا ان وطئها قبل الطلاق لزمته الكفارة، وكان الايلاء حينئذ فى البواقى باقيا (٥).
стр. 4350
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن من له زوجات أربع أو ثلاث أو له زوجتان فقال لهن ان لم أجامعكن أى دفعة فأنتن طوالق فان تركهن حتى مضت خرجن بالايلاء.
وقيل: طلقن من حين الحلف لعدم امكان مسهن جميعا، وان مسهن حرمت الثلاث الأولى ان كن أربعا، والأولى والثانية ان كن ثلاثا والأولى ان كانت اثنتين، لا الرابعة التى مس آخرا أو الثالثة التى مس آخرا أو الثانية التى مسها آخرا، والحاصل أنه لا تحرم التى مس آخرا فيما يقال، ولعل عدم التحريم راجع لانتفاء ما يمس معها دفعة لو أمكن المس دفعة كما حلف عليه فان مراده أن يجامعهن دفعة وحرمت الثلاث مثلا اذا كن أربعا لامتناع مسهن دفعة حيث فرق ومس واحدة (١) بعد واحدة.
ومن له أربع فحلف بطلاقهن أن يتزوج عليهن فان تركهن غير متزوج أربعة أشهر خرجن بالايلاء وحرم من سمى منهن قبل التزوج أو بعده ولا يبريه التزوج أن تزوج عليهن. ولا يصح نكاحه خامسة، وان فارقته احداهن أو أكثر ثم تزوج على الباقيات فلا يجزيه، لأنه لم يتزوج على الأربع كلهن كما حلف بل على بعض فلا يبريه تزوجه فاذا مضت أربع بانت الباقيات (٢).
حكم اضافة الظهار الى وقت أو الى
سبب الملك أو الى بدن الزوجة
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أنه يصح ظهار الرجل من امرأته مضافا الى وقت بأن قال لها انت على كظهر أمى الى رأس شهر كذا لقيام الملك، وكذلك تعليقه بالملك وهو اضافته الى سبب الملك صحيح عندنا، بأن قال الرجل لأجنبية أن تزوجتك فأنت على كظهر أمى، حتى لو تزوجها صار مظاهرا عندنا، لوجود الاضافة الى سبب الملك.
ولو قال لأجنبية أن دخلت الدار فأنت على كظهر أمى لا يقع الظهار، حتى لو تزوجها فدخلت الدار لا يصير مظاهرا بالاجماع لعدم الملك والاضافة الى سبب الملك.
ومن شروط الظهار أن يكون مضافا الى بدن الزوجة أو الى عضو منها جامع أو شائع، فاذا قال لها: رأسك
стр. 4351
على كظهر أمى أو وجهك أو رقبتك أو فرجك صار مظاهرا، لأن هذه الاعضاء يعبر بها عن جميع البدن فكانت الاضافة اليها اضافة الى جميع البدن، وكذا اذا قال لها ثلثك على كظهر أمى أو ربعك أو نصفك ونحو ذلك من الأجزاء الشائعة.
ولو قال يدك أو رجلك أو أصبعك على كظهر أمى لا يصير مظاهرا عندنا.
واختلف مشايخنا رحمهم الله تعالى فى الظهر والبطن (١).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإكليل نقلا عن ابن شاس أنه لو قال الرجل لامرأته أنت على كظهر أمى بعد خمسة أشهر لنجز عليها الظهار كالطلاق.
وقيل يتأجل (٢).
واذا وقت الظهار بوقت تأبد ولم يختص بذلك الوقت كما لو قال لزوجته أنت على كظهر أمى اليوم أو هذا الشهر فانه مظاهر ولو مضى اليوم أو الشهر.
وليس منه قول المحرم لزوجته أنت على كظهر أمى ما دمت محرما لأنها عليه الآن كظهر أمه فهو بمنزلة من قال للمظاهر منها أنت على كظهر أمى وان قال أنت على كظهر أمى ولم يقيد بقوله ما دمت محرما لزمه الظهار، لأن يمينه مع الاطلاق تتضمن جميع الأزمنة، ومثل المحرم فيما يظهر المعتكف والصائم الذى يعلم من نفسه السلامة (٣).
وجاء فى بلغة السالك أنه لو قال يدك أو رأسك أو شعرك كأمى أو مثل يد أمى أو رأسها أو شعرها كان كناية عن الظهار، فان نوى الظهار أو لا نية له فظهار لا طلاق، وان نوى بذلك الطلاق فالبتات يلزمه فى المدخول بها وغيرها ان لم ينو فى غير المدخول بها أقل من الثلاث فان نوى الأقل لزمه فيها ما نواه بخلاف المدخولة بها فانه يلزمه فيها البتات ولا يقبل منه نية الأقل (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن الظهار المؤقت كأنت على كظهر أمى شهرا يصح ظهارا مؤقتا فى الأظهر عملا بالتأقيت، لأنه منكر من القول وزور فصح كالظهار المعلق وفى قول يصح ظهارا
стр. 4352
مؤبدا ويلغو تأقيته تغليبا لشبهه بالطلاق، وفى قول المؤقت لغو، لأنه لم يؤبد التحريم فأشبه ما اذا شبهها بامرأة لا تحرم على التأبيد، فعلى الأول - وهو صحته مؤقتا يكون الأصح أن عوده فيه لا يحصل بامساك لزوجة ظاهر منها مؤقتا بل يحصل بوط ء فى المدة، لأن الحل منتظر بعد المدة، فالامساك يحتمل أن يكون لانتظار الحل أو للوط ء فى المدة والأصل براءته من الكفارة فاذا وطئ فقد تحقق الامساك لأجل الوط ء والثانى المقابل للأصح أن العود فيه كالعود فى الظهار المطلق الحاقا لأحد نوعى الظهار بالآخر (١).
ولو كان الظهار المؤقت مؤقتا بأكثر من أربعة أشهر صار مظاهرا موليا لامتناعه من الوط ء فوق أربعة أشهر، واذا وطئ فى المدة لم يلزمه كفارة يمين الايلاء كما صححه فى الروضة كأصلها اذ لا يمين.
وقيل تلزمه مع كفارة الظهار كما جزم به صاحبا التعليقة والأنوار ولعل وجهه أن ذلك منزل منزلة اليمين كما فى قوله والله لا أطؤك خمسة أشهر.
ولو قيد الظهار بمكان قال البلقينى فالقياس أنه كالظهار المؤقت بزمان، ولم أر من تعرض له، واذا قلنا يتقيد بذلك المكان لم يكن عائدا فى ذلك الظهار الا بالوط ء فى ذلك المكان، ومتى وطئها فيه حرم وطؤها مطلقا حتى يكفر (٢).
وقوله لها جسمك أو بدنك أو جملتك أو نفسك أو ذاتك كبدن أمى أو جسمها أو جملتها او ذاتها صريح لتضمنه الظهر.
والأظهر الجديد أن قوله لها انت على كيدها أو بطنها أو صدرها ونحو ذلك من الاعضاء التى لا تذكر فى معرض الكرامة والاعزاز مما سوى الظهر ظهار، لأنه عضو يحرم التلذذ به فكان كالظهر.
والثانى المقابل للأظهر أنه ليس بظهار لأنه ليس على صورة الظهار المعهودة فى الجاهلية، وكذا قوله أنت على كعينها أو رأسها أو نحو ذلك مما يحتمل الكرامة كقوله أنت كأمى أو روحها أو وجهها ظهار أن قصد ظهارا وان قصد كرامة فلا يكون ظهارا، لأن هذه الألفاظ تستعمل فى الكرامة والاعزاز وقوله لها رأسك أو ظهرك أو يدك أو رجلك أو بدنك أو جلدك أو شعرك أو نحو ذلك على كظهر أمى ظهار فى الأظهر، أما الأعضاء الباطنة كالكبد والقلب فالأوجه كما اعتمده بعض
стр. 4353
المتأخرين - أنها مثل الأعضاء الظاهرة (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن الظهار يصح مؤقتا نحو أنت على كظهر أمى شهرا أو شهر رمضان، فاذا مضى الوقت زال الظهار وحلت بلا كفارة ولا يكون عائدا الا بالوط ء فى المدة لأن التحريم صادف ذلك الزمان دون غيره فوجب أن ينقضى بانقضائه (٢).
واذا قال لها: أنت على كبطن أمى أو كيد أمى أو كرأس أمى أو أنت على كيد اختى أو كوجه حماتى ونحو ذلك أو ظهرك كظهر أمى أو بطنها أو يدك أو رأسك أو جلدك أو فرجك على كظهر أمى أو كيد أختى أو عمتى أو خالتى من نسب أو رضاع كان مظاهرا.
اما ان قال أنت أو يدك ونحو ذلك على كشعر أمى أو كسنها أو كظفرها فليس بظهار، لأنها ليست من الأعضاء الثابتة، وكذا لو شبه شيئا من ذلك من امرأته بأمه أو بعضو من أعضائها بأن قال شعر امرأتى أو سنها أو ظفرها على كأمى أو كظهرها أو قال بروح أمى أو عرقها أو ريقها أو دمعها أو دمها فليس بظهار (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من ظاهر من أجنبية ثم كرره ثم تزوجها فليس عليه ظهار ولا كفارة، ولقول الله «الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ» فقد جعل الكفارة على من ظاهر من أمرأته ثم عاد لما قال، ولم يجعل الله تعالى ذلك على من ظاهر من غير امرأته (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن الظهار يتوقت نحو أن يقول لامرأته أنت على كظهر أمى شهرا أو نحو ذلك فانه يصير مظاهرا، ويرتفع حكمه بانقضاء الوقت أو بالكفارة قبله.
واذا كان مظاهرا لها فى الليل دون النهار أو العكس فقيل لها مطالبته وهو الظاهر.
وقيل ليس لها ذلك (٥).
стр. 4354
وينعقد الظهار الصريح بأن يشبهها بجزء من أمه مشاع نحو أن يقول أنت على كنصف أمى أو كربعها أو نحو ذلك أو يشبهها بعضو متصل كأن يقول أنت على كفخذ أمى أو يدها أو نحو ذلك، بخلاف العضو المنفصل كالدم والريق ونحوهما.
فلو قال أنت على كدم أمى أو كريقها أو نحو ذلك لم يكن ظهارا وعلى الجملة فما لا يصح ايقاع الطلاق عليه من أجزائها لا يصح ايقاع الظهار عليه، ولو شبهها بجزء من أمه لا تحله الحياة شعرا ونحوه كالظفر والسن فانه ينعقد به الظهار كما ينعقد بما تحله الحياة (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أن الرجل اذا تظاهر من زوجته مدة مثل أن يقول أنت على كظهر أمى يوما أو شهرا أو سنة لم يكن ذلك ظهارا، لأن الأصل براءة الذمة وشغلها يحتاج الى دليل والأصل اباحة الوط ء والمنع يحتاج الى دليل (٢).
واذا قال أنت على كيد أمى أو رجلها ونوى وقصد به الظهار كان مظاهرا، لاجماع الفرقة واخبارهم، ولأنه اذا قال ما قلناه وفعل ما يجب على المظاهر كان أحوط فى استباحة الوط ء واذا لم يفعل كان مفرطا (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن الرجل ان قصد الى عضو من امرأته أو بطنها أو شعرها، فقال: هو على كظهر أمى أو أنت على كهذا العضو من أمى ولو بائنا أو الى عضو منه فقال: أنت على هذا العضو كظهر أمى، أو قال عضوك هذا على عضوى هذا كهذا العضو من أمى فظهار، بخلاف ما لو قصد الى عضو بائن من امرأته فقال عضوك هذا على كظهر أمى وان الزقه بجسدها فالتصق ففى كونه ظهارا قولان (٤).
حكم اضافة تحريم الحلال الى شئ
خاص أو شئ عام
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن الشخص اذا أضاف التحريم الى شئ خاص فاما
стр. 4355
أن يكون ذلك الشئ امرأته واما أن يكون غير ذلك نحو الطعام أو الشراب أو اللباس، فان أضاف التحريم الى امرأته بأن قال: أنت على حرام أو قد حرمتك على أو أنا عليك حرام أو قد حرمت نفسى عليك أو أنت محرمة على، فان أراد به طلاقا فهو طلاق، لأنه يحتمل الطلاق وغيره، فاذا نوى به الطلاق أنصرف اليه، وان نوى ثلاثا يكون ثلاثا، وان نوى واحدة يكون واحدة بائنة، وان نوى اثنتين يكون واحدة بائنة عندنا، خلافا لزفر رحمه الله تعالى، لأنه من جملة كنايات الطلاق.
وان لم ينو الطلاق ونوى التحريم أو لم يكن له نية فهو يمين عندنا ويصير موليا، حتى لو تركها أربعة أشهر بانت بتطليقة، لأن الأصل فى تحريم الحلال أن يكون يمينا لما تبين
وان قال أردت به الكذب يصدق فيما بينه وبين الله تعالى ولا يكون شيئا ولا يصدق فى نفى اليمين فى القضاء.
وقد اختلف السلف رضى الله تعالى عنهم فى هذا المسئلة.
وروى عن أبى بكر وعمر وعبد الله ابن مسعود وعبد الله بن عباس وعائشة رضى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: الحرام يمين، حتى روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: اذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها، أما كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة.
وروى عن عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه قال ان نوى طلاقا فطلاق وان لم ينو طلاقا فيمين يكفرها.
وعن زيد بن ثابت رضى الله تعالى عنه أنه قال فيه كفارة يمين.
ومنهم من جعله طلاقا ثلاثا وهو قول على رضى الله تعالى عنه.
ومنهم من جعله طلاقا رجعيا وعن مسروق أنه قال ليس ذلك بشئ، ما أبالى حرمتها أو قصعة من ثريد.
ويدل لنا الكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب فقول الله :
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ» (١) قيل نزلت هذه الآية فى تحريم جاريته مارية القبطية لما قال ﷺ هى على حرام، وسمى الله تعالى ذلك يمينا بقوله «قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ،﴾ أى وسع الله عليكم أو أباح لكم أن تحلوا من أيمانكم بالكفارة، وفى بعض القراءات «قد فرض الله لكم كفارة أيمانكم» والخطاب عام يتناول
стр. 4356
رسول الله ﷺ وأمته.
وأما السنة فما روى ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنهم أن النبى ﷺ جعل الحرام يمينا وأما الاجماع فما روى عن جماعة من الصحابة رضى الله تعالى عنهم أن النبى ﷺ جعل الحرام يمينا وبعضهم نص على وجوب كفارة اليمين فيه وكفارة اليمين ولا يمين لا تتصور، فدل على أنه يمين.
وقول من جعله طلاقا ثلاثا محمول على ما اذا نوى الثلاث لأن الحرمة نوعان غليظة وخفيفة فكانت نية الثلاث تعيين بعض ما يحتمله اللفظ فيصح.
واذا نوى واحدة كانت واحدة بائنة، لأن اللفظ ينبئ عن الحرمة والطلاق الرجعى لا يوجب الحرمة للحال واثبات حكم اللفظ على الوجه الذى ينبئ عنه اللفظ أولى، ولأن المخالف يوجب فيه كفارة يمين، وكفارة اليمين تستدعى وجود اليمين فدل أن هذا اللفظ يمين فى الشرع، فاذا نوى به الكذب لا يصدق فى ابطال اليمين فى القضاء لعدوله عن الظاهر.
وأما ما يقال من أن تحريم الحلال تغيير الشرع فالجواب عنه من وجهين.
أحدهما: أن هذا ليس بتحريم الحلال من الحالف حقيقة بل من الله ، لأن التحريم اثبات الحرمة كالتحليل اثبات الحل والعبد لا يملك ذلك بل الحرمة والحل وسائر الحكومات الشرعية ثبتت باثبات الله تعالى لا صنع للعبد فيها أصلا انما من العبد مباشرة سبب الثبوت، هذا هو المذهب عند أهل السنة والجماعة، فلم يكن هذا من الزوج تحريم ما أحله الله تعالى بل مباشرة سبب ثبوت الحرمة أو منع النفس عن الانتفاع بالحلال، لأن التحريم فى اللغة عبارة عن المنع، وقد يمنع المرء من تناول الحلال لغرض له فى ذلك ويسمى ذلك تحريما قال الله تعالى «وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ» (١) والمراد منه امتناع سيدنا موسى ﵊ عن الارتضاع من غير ثدى أمه، لا التحريم الشرعى، وعلى أحد هذين الوجهين يحمل التحريم المضاف إلى رسول الله ﷺ .
والثانى: ان كان هذا تحريم الحلال، لكن لم قلت ان كل تحريم حلال من العبد تغيير للشرع بل ذلك نوعان تحريم ما أحله الله تعالى مطلقا وذلك تغيير، بل اعتقاده كفر وتحريم ما أحله الله مؤقتا الى غاية لا يكون تغييرا بل يكون بيان نهاية الحلال، ألا ترى أن الطلاق مشروع وان كان تحريم الحلال، لكن لما كان الحل مؤقتا الى غاية وجود الطلاق لم يكن
стр. 4357
التطليق من الزوج تغييرا للشرع بل كان بيان انتهاء الحل، وعلى هذا سائر الأحكام التى تحتمل الارتفاع والسقوط، وعلى هذا سبيل النسخ فيما يحتمل التناسخ، فكذا قوله لامرأته أنت على حرام.
وان نوى بقوله أنت على حرام الظهار لا يكون ظهارا عند محمد رحمه الله تعالى، لأن الظهار تشبيه الحلال بالحرام والتشبيه لا بد له من حرف التشبيه ولم يوجد فلا يكون ظهارا.
ويكون ظهارا عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى لأنه وصفها بكونها محرمة، والمرأة تارة تكون محرمة بالطلاق وتارة تكون محرمة بالظهار، فأى ذلك نوى فقد نوى ما يحتمله كلامه فيصدق (١) فيه.
هذا اذا أضاف التحريم الى المرأة.
أما اذا أضافه الى الطعام أو الشراب أو اللباس، بأن قال: هذا الطعام على حرام أو هذا الشراب أو هذا اللباس فهو يمين عندنا، وعليه الكفارة اذا فعل، لقول الله «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ» قيل نزلت الآية فى تحريم العسل، وقد سماه الله تعالى يمينا بقوله «قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ» فدل أن تحريم غير الزوجة والجارية يمين موجب للكفارة، لأن تحلة اليمين هى الكفارة.
وأما ما روى من أنها نزلت فى تحريم جاريته مارية فانه لا يمتنع أن تكون الآية الكريمة نزلت فيهما لعدم التنافى، ولأنه لو أضاف التحريم الى الزوجة والجارية لكان يمينا فكذا اذا أضيف الى غيرهما كان يمينا كلفظ القسم اذا أضيف الى الزوجة والجارية كان يمينا، واذا أضيف الى غيرهما كان يمينا أيضا كذا هذا، فان فعل كان يمينا مما حرمه قليلا أو كثيرا حنث وانحلت اليمين، لأن التحريم المضاف الى المعين يوجب تحريم كل جزء من أجزاء المعين كتحريم الخمر والخنزير والميتة والدم، فاذا تناول شيئا منه فقد فعل المحلوف عليه فيحنث وتنحل اليمين، بخلاف ما اذا حلف لا يأكل هذا الطعام فأكل بعضه أنه لا يحنث لأن الحنث هناك معلق بالشرط وهو أكل كل الطعام والمعلق بشرط لا ينزل عند وجود بعض الشرط.
ولو قال نسائى على حرام ولم ينو الطلاق فقرب أحداهن كفر وسقطت اليمين فيهن جميعا، لأنه أضاف التحريم الى جمع فيوجب تحريم كل فرد من
стр. 4358
أفراد الجمع فصار كل فرد من أفراد الجمع محرما على الانفراد فاذا قرب واحدة منهن فقد فعل ما حرمه على نفسه فيحنث وتلزمه الكفارة وتنحل اليمين، وان لم يقرب واحدة منهن حتى مضت أربعة أشهر بن جميعا، لأن حكم الايلاء لا يثبت فى حق كل واحدة منهن على انفرادها، والايلاء يوجب البينونة بمضى المدة من غير فئ، هذا اذا أضاف التحريم الى نوع خاص (١).
أما اذا اضافه الى الأنواع: كلها بأن قال: كل حلال على حرام، فان لم تكن له نية فهو على الطعام والشراب خاصة استحسانا.
والقياس أن يحنث عقيب كلامه وهو قول زفر رحمه الله تعالى.
ووجه القياس أن اللفظ خرج مخرج العموم فيتناول كل حلال، وكما فرغ عن يمينه لا يخلو عن نوع حلال يوجد منه فيحنث.
ووجه الاستحسان أن هذا عام لا يمكن العمل بعمومه، لأنه لا يمكن حمله على كل مباح من فتح عينه وغض بصره وتنفسه وغيرها من حركاته وسكناته المباحة، لأنه لا يمكنه الامتناع عنه، والعاقل لا يقصد بيمينه منع نفسه عما لا يمكنه الامتناع عنه فلم يمكن العمل بعموم هذا اللفظ فيحمل على الخصوص وهو الطعام والشراب باعتبار العرف والعادة، لأن هذا اللفظ مستعمل فيهما فى العرف ونظيره قول الله «لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ» (٢) أنه لما لم يمكن العمل بعمومه لثبوت المساواة بين المسلم والكافر فى أشياء كثيرة حمل على الخصوص وهو نفى المساواة بينهما فى العمل فى الدنيا أو فى الجزاء فى الآخرة كذا هذا، فان نوى مع ذلك اللباس أو امرأته فالتحريم واقع على جميع ذلك، وأى شئ من ذلك فعل وحده لزمته الكفارة، لأن اللفظ صالح لتناول كل المباحات وانما حملناه على الطعام والشراب بدليل العرف، فاذا نوى شيئا زائدا على المتعارف فقد نوى ما يحتمله لفظه وفيه تشديد على نفسه فيقبل قوله.
فاذا نوى شيئا بعينه دون غيره بأن نوى الطعام خاصة أو الشراب خاصة أو اللباس خاصة أو امرأته خاصة فهو على ما نوى فيما بينه وبين الله تعالى وفى القضاء، لما ذكرنا أن هذا اللفظ متروك العمل بظاهر عمومه، ومثله يحمل على الخصوص، فاذا قال أردت واحدا بعينه دون غيره فقد ترك ظاهر لفظ هو متروك الظاهر فلم يوجد منه العدول فيصدق.
стр. 4359
وان قال كل حل على حرام ونوى امرأته كان عليها وعلى الطعام والشراب، لأن الطعام والشراب دخلا تحت ظاهر هذا اللفظ ولم ينفهما بنيته فبقيا داخلين تحت اللفظ، بخلاف الفصل الأول، لأنه هناك نوى امرأته خاصة ونفى الطعام والشراب بنيته فلم يدخلا وههنا لم ينف الطعام والشراب بنيته وقد دخلا تحت اللفظ فبقيا كذلك ما لم ينفيا بالنية وان نوى فى امرأته الطلاق لزمه الطلاق فيها فان أكل أو شرب لم تلزمه الكفارة، لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله على الطلاق واليمين، لاختلاف معنييهما واللفظ الواحد لا يشتمل على معنيين مختلفين، فاذا أراد به فى الزوجة الطلاق الذى هو أشد الأمرين وأغلظهما لا يبقى الآخر مرادا.
وكذا روى عن أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى فى رجل قال لامرأتين له أنتما على حرام يعنى فى احداهما الطلاق وفى الأخرى الايلاء فهما طالقان جميعا لما ذكرنا أن هذا اللفظ الواحد لا يحتمل معنيين مختلفين، فاذا أرادهما بلفظ واحد يحمل على أغلظهما ويقع الطلاق عليهما.
ولو قال هذه على حرام ينوى الطلاق، وهذه على حرام ينوى الايلاء كان كما نوى لأنهما لفظان فيجوز أن يراد بأحدهما حلاف ما يراد بالآخر.
وعن أبى يوسف رحمه الله تعالى فيمن قال لامرأتيه: أنتما على حرام ينوى فى احداهما ثلاثا وفى الأخرى واحدة أنهما جميعا طالقان ثلاثا، لأن حكم الواحدة البائنة خلاف حكم الثلاث لأن الثلاث يوجب الحرمة الغليظة واللفظ الواحد لا يتناول معنيين مختلفين فى حالة واحدة، فاذا نواهما يحمل على أغلظهما وأشدهما.
وقال ابن سماعة فى نوادره: سمعت أبا يوسف يقول فى رجل قال ما أحل الله على حرام من مال وأهل ونوى الطلاق فى أهله قال ولا نية له فى الطعام، فان أكل لم يحنث لما قلنا.
قال: وكذلك لو قال هذا الطعام على حرام وهذه ينوى الطلاق لأن اللفظة واحدة وقد تناولت الطلاق فلا تتناول تحريم الطعام.
وقالوا فيمن قال لامرأته أنت على كالدم أو الميتة أو لحم الخنزير أو كالخمر أنه يسئل عن نيته فان نوى كذبا فهو كذب لأن هذا اللفظ ليس صريحا فى التحريم ليجعل يمينا فيصدق أنه أراد به الكذب، بخلاف قوله أنت على حرام فانه صريح فى التحريم فكان يمينا، وان نوى التحريم فهو ايلاء لأنه شبهها بما هو محرم، فكأنه قال أنت حرام، وان نوى الطلاق فالقول فيه كالقول فيمن قال لامرأته أنت على حرام ينوى الطلاق.
وروى ابن سماعة عن محمد فيمن قال لامرأته ان فعلت كذا فأنت أمى يريد التحريم قال: هو باطل لأنه لم يجعلها مثل أمه
стр. 4360
ليكون تحريما وانما جعلها أمه فيكون كذبا.
قال محمد رحمه الله تعالى: ولو ثبت التحريم بهذا لثبت اذا قال أنت حواء، وهذا لا يصح.
وقال ابن سماعة عن محمد فيمن قال لامرأته: أنت معى حرام فهو مثل قوله أنت على حرام، لأن هذه الحروف يقام بعضها مقام بعض (١).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه أنه لا يعتبر تحريم الحلال فى كل شئ أحله الله غير الزوجة والأمة من طعام وشراب ولباس وأم ولد وعبد وغير ذلك، فاذا قال ان فعلت كذا فالحلال على حرام أو فالشئ الفلانى على حرام وفعله كان ذلك لغوا ولا يحرم عليه شئ من ذلك، لأن ما أباحه الله تعالى للعبد ولم يجعل له فيه تصرفا فتحريمه لغو بخلاف ما جعل له فيه التصرف كالزوجة والأمة فلا يكون تحريمها لغوا، بل يحرمان ويكون طلاقا ثلاثا فى المدخول بها وغيرها، الا أن ينوى أقل، وتعتق الأمة عليه.
والصواب حذف الأمة، اذ التحقيق أنها لا تحرم عليه ولا تعتق، اللهم الا أن ينوى به العتق.
ومحل كون تحريم الزوجة لا يكون لغوا ما لم يحاشها، فان حاشاها بأن أخرجها قبل تمام يمينه لم تحرم فاذا قال:
الحلال على حرام ان فعلت كذا وفعله، فان أخرج الزوجة بالنية قبل تمام يمينه لا يلزمه شئ لا فيها ولا فى غيرها، وان لم يخرجها لزمه طلاقها ثلاثا الا أن ينوى أقل، وقيل يلزمه واحدة بائنة حيث لا نية له، والا لزمه ما نواه وأما الأمة فلا يلزمه فيها شئ اذا لم يكن له نية فان نوى عتقها لزمه، وهذا اذا جمع بأن قال الحلال على حرام فان افرد بأن قال الشئ الفلانى على حرام ان فعلت كذا وفعله، فان كان غير الزوجة والأمة لم يلزمه شئ وان كانت الزوجة طلقت ثلاثا ان لم ينو أقل، وقيل، طلقة بائنة وان كانت الأمة فلا شئ عليه الا أن ينوى عتقها (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب أن الرجل اذا قال لامرأته أنت على حرام ونوى به الطلاق فهو طلاق، لأنه يحتمل التحريم بالطلاق، وان نوى به الظهار فهو ظهار، لأنه يحتمل التحريم بالظهار ولا يكون ظهارا ولا طلاقا من غير نية، لأنه ليس بصريح فى واحد منهما، وان نوى تحريم عينها لم تحرم، لما روى سعيد
стр. 4361
ابن جبير رضى الله تعالى عنه قال: جاء رجل الى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فقال انى جعلت امرأتى على حراما قال كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا قول الله : «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ» (١) الى آخر الآية. ويجب عليه بذلك كفارة يمين لأن النبى ﷺ حرم مارية القبطية أم ابراهيم ابن رسول الله ﷺ فأنزل الله :
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ» الى آخر الآية. فوجبت الكفارة فى الأمة بالآية وقسنا الحرة عليها، لأنها فى معناها فى تحليل البضع وتحريمه.
وان قال أنت على حرام ولم ينو شيئا ففيه قولان.
أحدهما: يجب عليه الكفارة فعلى هذا يكون هذا اللفظ صريحا فى ايجاب الكفارة، لأن كل كفارة وجبت بالكناية مع النية كان لوجوبها صريح ككفارة الظهار.
الثانى: لا يجب عليه الكفارة، فعلى هذا لا يكون هذا اللفظ صريحا فى شئ لأن ما كان كناية فى جنس لا يكون صريحا فى ذلك الجنس ككنايات الطلاق.
وان قال لأمته أنت على حرام فان نوى به العتق كان عتقا، لأنه يحتمل أنه أراد تحريمها بالعتق وان نوى الظهار لم يكن ظهارا لأن الظهار لا يحل من الأمة، وان نوى تحريم عينها لم تحرم ووجب عليه كفارة يمين لما ذكرناه وان لم يكن له نية ففيه طريقان.
من أصحابنا من قال يجب عليه الكفارة قولا واحدا لعموم الآية.
ومنهم من قال فيه قولان كالقولين فى الزوجة لما ذكرناه.
وان كان له نسوة أو اماء فقال أنتن على حرام ففى الكفارة قولان.
أحدهما: يجب لكل واحدة كفارة.
والثانى: يجب كفارة واحدة كالقولين فيمن ظاهر من نسوة.
وان قال لامرأته أنت على كالميتة والدم فان نوى به الطلاق فهو طلاق، وان نوى به الظهار فهو ظهار وان نوى به تحريمها لم تحرم وعليه كفارة يمين لما ذكرناه فى لفظ التحريم وان لم ينو شيئا، فان قلنا ان لفظ التحريم صريح فى ايجاب الكفارة لزمته الكفارة، لأن ذلك كناية عنه، وان قلنا انه كناية لم يلزمه شئ، لأن الكناية لا يكون لها كناية (٢).
стр. 4362
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن الانسان ان حرم أمته أو حرم شيئا من الحلال غير زوجته كقوله ما أحل الله على حرام ولا زوجة له، أو كقوله هذا الطعام على حرام أو طعامى على كالميتة والدم ونحوه كلحم الخنزير، أو علق التحريم بشرط مثل أن أكلت هذا الطعام فهو على حرام أو قال حرام على أن فعلت كذا ونحوه لم يحرم، لأن الله سماه يمينا بقوله تعالى:
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ» (١) واليمين على الشئ لا تحرمه، ولأنه لو كان محرما لتقدمت الكفارة عليه كالظهار، ولم يأمر النبى ﷺ بفعله وسماه خيرا، وعليه كفارة يمين ان فعله لقول الله : «قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ».
وعن ابن عباس وابن عمر رضى الله تعالى عنهم أن النبى ﷺ جعل تحريم الحلال (٢) يمينا.
ولو قال لزوجته أنت حرام ان شاء الله لم يكن ظهارا وكذا لو قدم الاستثناء كقوله والله لا أفعل كذا ان شاء الله بجامع أنها يمين مكفرة، وقوله أنت على حرام ظهار، ولو نوى طلاقا فقط أو مع ظهار أو نوى يمينا، لأنه تحريم أوقعه فى الزوجة فكان ظهارا كتشبيهها بظهر أمه، وحكاه ابراهيم الحربى عن عثمان وابن عباس وغيرهما.
وان قال أنت على حرام لمحرمة عليه بحيض أو نحوه كنفاس أو احرام ونوى الظهار فظهار لأن اللفظ يصلح له وان نوى أنها محرمة عليه للحيض ونحوه أو أطلق فلم ينو شيئا فليس بظهار، لأنه صادق فى تحريمها عليه للحيض ونحوه وان قال الحل على حرام أو ما أحل الله لى حرام أو ما انقلب اليه حرام فمظاهر لتناول ذلك التحريم الزوجة.
وان صرح بتحريم المرأة أو نواها كقوله ما أحل الله على حرام من أهل ومال فهو آكد وتجزيه كفارة الظهار لتحريم المرأة والمال، لأنه يمين واحدة فلا يوجب كفارتين، واختار ابن عقيل رحمه الله تعالى أنه يلزمه كفارتان للظهار ولتحريم المال، لأنه لو انفرد أوجب كذلك فكذا اذا اجتمعا، وقوله أنت على كظهر أمى حرام أو أنت على حرام كظهر أمى حرام ظهار، لأنه صريح فيه (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من قال لامرأته أنت على حرام أو زاد على ذلك فقال: كالميتة
стр. 4363
والدم ولحم الخنزير أو ما قال من ذلك فهو كله باطل وكذب ولا تكون بذلك عليه حراما وهى امرأته كما كانت، سواء نوى بذلك طلاقا أو لم ينو.
أما ما قيل من ان هذا يوجب الطلاق أو اليمين أو الظهار أو الايلاء - على اختلاف تلك الأقوال - فكل ذلك أقوال لم تأت فى نص قرآن ولا فى سنة، ولا حجة فى سوى القرآن والسنة.
بل وجدنا الله يقول:
«يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ» (١) فأنكر الله تحريم ما أحله له، والزوجة مما احل الله فتحريمها منكر، والمنكر مردود لا حكم له الا بالتوبة والاستغفار، وقد قال الله :
«وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ» (٢) فمن قال لامرأته الحلال له بحكم الله هى حرام فقد كذب وافترى ولا تكون عليه حراما بقوله لكن بالوجه الذى حرمها الله تعالى به. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال «من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» فتحريم الحلال احداث حدث ليس فى أمر الله فوجب ان يرد.
ولا فرق بين قول القائل امرأتى على حرام وبين قوله امرأة زيد لى حلال.
ولا فرق بين من حرم على نفسه لحم الكبش وبين من احل لحم الخنزير، فصح ان التحريم باطل ولا حكم للباطل الا ابطاله والتوبة منه. وكذلك قوله لها أنت على كالميتة والدم ولحم الخنزير وكل ذلك كذب، بل هى حلال كالماء، ولا تكون حراما بهذا القول (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أن الزوج اذا قال لزوجته أنت منى حرام أنت على كالخمر أو كالميتة أو كالأجنبية كان كناية طلاق، فان قال هى على حرام كحرام مكة على اليهود، فان قصد به الطلاق كان طلاقا والا فيمين تلزمه كفارة يمين متى حنث، وكذا اذا قال لزوجته أنا منك حرام كان كناية طلاق، فان نوى الطلاق كان طلاقا، وان لم ينو فكناية ظهار ان نواه وان لم ينو فيلزمه كفارة يمين.
واذا قال على الحرام، قال ﵇: الأقرب أن ذلك كناية طلاق وكناية يمين فأيهما أراد وقع وان لم يرد شيئا لم يقع.
والمختار أنه ليس بيمين.
стр. 4364
قال القاسم ولو أن رجلا قال لامرأته ما أحل الله للمسلمين فهو عليه حرام، دخل فيه الطلاق ان نواه (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أن الرجل اذا قال لزوجته الحرة أو الأمة أو أمته أنت على حرام لم يتعلق به حكم لا طلاق ولا عتاق ولا ظهار سواء نوى أو لم ينو، ولا يمين ولا كفارة، لاجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا فان الأصل بقاء العقد وبراءة الذمة، فمن أوقع الطلاق أو الزم به الكفارة أو الطهارة كان عليه الدلالة (٢).
واذا قال كل ما أملك على حرام لم يتعلق به حكم سواء كان له زوجات واماء وأموال أو لم يكن له شئ من ذلك نوى أو لم ينو لما ذكرناه فى المسألة السابقة (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن الزوج اذا قال لزوجته هى عليه حرام أو شبهها بمثل الميتة من محرم شرعا كخمر وخنزير فان لم يمسها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه، لأنه حرمها أو جعلها كالميتة من حينه بلا تعليق وان مس فيمين يكفر مرسله متى شاء ولو بعد الأربعة (٤).
وان قال هى عليه حرام ونوى به طلاقا فقيل: لزمه بقدر ما نوى من طلاق واحد أو تطليقتين أو ثلاث.
وقيل: لزمه تكفير بمرسلة أو بمغلظة.
وقيل: لزمه طلاق وتكفير كلاهما.
وأصح هذه الأقوال الأول (٥).
ومن حرم حلالا وان زوجة أو سرية فى شأن شئ ثم عاد الى الشئ لزمته كفارة يمين مرسلة وهذا قول.
وقيل مغلظة ولا تحرم عليه زوجته.
وقيل قوله ذلك تطليقة يملك رجعها.
وقيل لا يملكه بل يتزوجها.
وقيل ثلاث وقيل ظهار.
وقيل يمين ان مس وجبت عليه الكفارة وان لم يمس حتى مضت أربعة أشهر خرجت بالايلاء وعليه اعتماد أصحابنا (٦).
стр. 4365
الاضافة فى اليمين
أولا: حكم الحلف على
ما يضاف الى غير الحالف
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن الحلف على ما يضاف الى غير الحالف بملك أو غيره لا يخلو فيه الحالف من أحد أمرين، اما ان يقتصر على الاضافة، واما أن يجمع بين الاضافة والاشارة.
والاضافة لا تخلو اما أن تكون اضافة ملك أو اضافة نسبة من غير ملك.
فان اقتصر فى يمينه على الاضافة والاضافة اضافة ملك فيمينه على ما فى ملك فلان يوم فعل ما حلف عليه حتى يحنث سواء كان الذى أضافه الى ملك فلان فى ملكه يوم حلف أو لم يكن، بأن حلف لا يأكل طعام فلان، أو لا يشرب شراب فلان، أو لا يدخل دار فلان، أو لا يركب دابة فلان، أو لا يلبس ثوب فلان، أو لا يكلم عبد فلان، ولم يكن شئ منها فى ملكه، ثم استحدث الملك فيها، هذا جواب ظاهر الرواية فى الأصل والزيادات، وهو احدى الروايتين عن أبى يوسف رحمه الله تعالى.
وروى عنه رواية أخرى: أن الاضافة اذا كانت فيما يستحدث المالك فيه حالا فحالا فى العادة فان اليمين تقع على ما فى ملكه يوم فعل كالطعام والشراب والدهن.
وان كانت الاضافة فيما يستدام فيه الملك ولا يستحدث ساعة فساعة عادة فاليمين على ما كان فى ملكه يوم حلف كالدار والعبد والثوب.
وذكر ابن سماعة فى نوادره عن محمد أن ذلك كله ما فى ملكه يوم حلف.
ولا خلاف فى أنه اذا حلف لا يكلم زوج فلانة أو امرأة فلان أو صديق أو ابن فلان أو أخ فلان ولا نية له ان ذلك على ما كان يوم حلف ولا تقع على ما يحدث من الزوجية والصداقة والولد، ففرق فى ظاهر الرواية بين الاضافتين وسوى بينهما فى النوادر.
وجه رواية النوادر أن الاضافة تقتضى الوجود حقيقة اذ الموجود يضاف لا المعدوم، فلا تقع يمينه الا على الموجود يوم الحلف ولهذا وقعت على الموجود فى احدى الاضافتين وهى اضافة النسبة كذا فى الأخرى.
ووجه ظاهر الرواية - وهو الفرق بين الاضافتين ان فى اضافة الملك عقد يمينه على مذكور مضاف الى فلان بالملك مطلقا عن الجهة وهى أن يكون مضافا اليه بملك كان وقت الحلف أو بملك استحدث فلا يجوز تقييد المطلق الا بدليل، وقد وجدت الاضافة عند الفعل فيحنث، وفى اضافة النسبة قام دليل التقييد وهى أن أعيانهم
стр. 4366
مقصودة باليمين لأجلهم عرفا وعادة لما تبين فانعقدت على الموجود وصار كما لو ذكرهم بأساميهم أو أشار اليهم، فأما الملك فلا يقصد باليمين لذاته بل للمالك فيزول بزوال ملكه.
وأبو يوسف على ما روى عنه ادعى تقييد المطلق بالعرف وقال: استحداث الملك فى الدار ونحوها غير متعارف بل هو فى حكم الندرة حتى يقال الدار هى أول ما يشترى وآخر ما يباع وتقييد المطلق بالعرف جائز فتقييد اليمين فيها بالموجود وقت الحلف للعرف بخلاف الطعام والشراب ونحوهما، لأن استحداث الملك فيها معتاد فلم يوجد دليل التقييد.
والجواب أن دعوى العرف على الوجه المذكور ممنوعه بل العرف مشترك فلا يجوز تقييد المطلق بعادة مشتركة.
ولو حلف لا يدخل دار فلان فالصحيح أنه على هذا الاختلاف، لأن كل اضافة تقدر فيها اللام فكان الفصلان من الطعام والعبد ونحوهما على الاختلاف ثم فى اضافة الملك اذا كان المحلوف عليه فى ملك الحالف وقت الحلف فخرج عن ملكه. ثم فعل لا يحنث بالاجماع.
وأما فى اضافة النسبة من الزوجة والصديق ونحوهما اذا طلق زوجته فبانت منه أو عادى صديقه ثم كلمه فقد ذكر فى الجامع الصغير أنه لا يحنث.
وذكر فى الزيادات أنه يحنث.
وقيل ما ذكر فى الجامع قول أبى حنيفة وأبى يوسف، وما ذكر فى الزيادات قول محمد المذكور فى النوادر.
ووجه المذكور فى الزيادات أن يمينه وقعت على الموجود وقت الحلف فحصل تعريف الموجود بالاضافة فيتعلق الحكم بالعرف لا بالاضافة.
ووجه ما ذكر فى الجامع الصغير أن الانسان قد يمنع نفسه عن تكليم امرأة لمعنى فيها وقد يمنع من تكليمها لمعنى فى زوجها فلا يسقط اعتبار الاضافة مع الاحتمال (١).
وان جمع بين الملك والاشارة بأن قال: لا أكلم عبد فلان هذا أو لا أدخل دار فلان هذه أو لا أركب دابة فلان هذه أو لا ألبس ثوب فلان هذا فباع فلان عبده أو داره أو دابته أو ثوبه فكلم أو دخل أو ركب أو لبس لم يحنث فى قول بى أبى حنيفة رحمه الله تعالى، الا أن يعنى غير ذلك الشئ خاصة.
وعند محمد رحمه الله تعالى يحنث الا أن يعنى، ما دامت ملكا لفلان.
стр. 4367
فهما يعتبران الاشارة والاضافة جميعا وقت الفعل للحنث فما لم يوجدا لا يحنث.
ومحمد يعتبر الاشارة دون الاضافة.
وأما فى اضافة النسبة فلا يشترط قيام الاضافة وقت الفعل للحنث بالاجماع حتى لو حلف لا يكلم زوجة فلان هذا أو صديق فلان هذا فبانت زوجته منه أو عادى صديقه فكلم يحنث.
وجه قول محمد فى مسئلة الخلاف أن الاضافة والاشارة كل واحد منهما للتعريف، والاشارة أبلغ فى التعريف لأنها تخصص العين وتقطع الشركة فتلغو الاضافة كما فى اضافة النسبة وكما لو حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما شاخ فانه يحنث لما قلنا كذا هذا.
ويدل لهما أن الحالف لما جمع بين الاضافة والاشارة لزم اعتبارهما ما أمكن، لأن تصرف العاقل واجب الاعتبار ما أمكن، وأمكن اعتبار الاضافة ههنا مع وجود الاشارة، لأنه باليمين منع نفسه عن مباشرته المحلوف.
والظاهر أن العاقل لا يمنع نفسه عن شئ منعا مؤكدا باليمين الا لداع يدعوه اليه وهذه الأعيان لا تقصد بالمنع لذاتها بل لمعنى فى المالك أما الدار ونحوها فلا شك فيه وكذا العبد لأنه لا يقصد بالمنع لخسته وانما يقصد به مولاه وقد زال بزوال الملك عن المالك، وصار كأنه قال مهما دامت لفلان ملكا بخلاف المرأة والصديق، لأنهما يقصدان بالمنع لأنفسهما فتتعلق اليمين بذاتيهما والذات لا تتبدل بالبينونة والمعاداة فيحنث، كما اذا حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعد ما صار شيخا.
ولو حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباع الطيلسان فكلمه حنث، لأن الطيلسان مما لا يقصد بالمنع، وانما يقصد ذات صاحبه وهى باقية.
وذكر محمد فى الزيادات أنه اذا حلف لا يركب دواب فلان أو لا يلبس ثيابه أو لا يكلم غلمانه فان ذلك على ثلاثة، لأن أقل الجمع الصحيح ثلاثة، وكذلك لو قال لا آكل أطعمة فلان أو لا أشرب أشربة فلان فان ذلك على ثلاثة أطعمة وثلاثة أشربة لما قلنا.
ويعتبر قيام الملك فيها وقت الفعل لا وقت الحلف فى ظاهر الروايات على ما بينا.
فان قال أردت جميع ما فى ملكه من الأطعمة لم يصدق فى القضاء لأنه
стр. 4368
خلاف ظاهر كلامه، كذا ذكر القدورى رحمه الله تعالى.
وذكر فى الزيادات أنه يدين فى القضاء، لأنه نوى حقيقة ما تلفظ به، فيصدق فى القضاء، كما اذا حلف لا يتزوج النساء أو لا يشرب الماء أو لا يكلم الناس ونحو ذلك ونوى الجميع ولو كانت اليمين على اخوة فلان أو بنى فلان أو نساء فلان لا يحنث ما لم يكلم الكل منهم عملا بحقيقة اللفظ ويتناول الموجودين وقت الحلف، لأن هذه اضافة نسبة.
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى:
ان كان ذلك مما يحصى فاليمين على جميع ما فى ملكه، لأنه صار معرفا بالاضافة ويمكن استيعابه فكان كالمعرف بالألف واللام، وان كان لا يحصى الا بكتاب حنث بالواحد منه لأنه تعذر استغراق الجنس فيصرف الى أدنى الجنس كقوله لا أتزوج النساء (١).
قال أسد: ولو حلف رجل لا يتزوج بنت فلان فولدت له بنت ثم تزوجها أو قال والله لا أشرب من لبن بقرة فلان ولا بقرة له ثم اشترى بقرة فشرب الحالف من لبنها، أو قال لا آكل من ثمرة شجرة فلان ثم اشترى شجرة فأكل من ثمرها فلا يحنث فى شئ من هذا.
فان قال والله لا أتزوج بنتا من بنات فلان أو بنتا لفلان فولدت له بنت ثم تزوجها فانه يحنث وتلزمه يمين فى قول أبى حنيفة.
وأما أنا فأقول لا يحنث، لأنه حلف يوم حلف على ما لم يخلق حال حلف.
ويدل لأبى حنيفة أن قول الحالف لا أتزوج بنت فلان يقتضى بنتا موجودة فى الحال فلم تعقد اليمين على الاضافة، واذا قال بنتا لفلان فقد عقد اليمين على الاضافة فيعتبر وجودها يوم الحلف.
وأما أسد فاعتبر وجود المحلوف عليه وقت اليمين فما كان معدوما لا تصح الاضافة فيه فلا يحنث.
وعلى ذلك لو حلف لا يتزوج امرأة من أهل هذه الدار وليس للدار أهل ثم سكنها قوم فتزوج منهم فانه يحنث فى قول أبى حنيفة.
ولا يحنث فى قول أسد (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية
стр. 4369
الدسوقى عليه أن من حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة عبده حنث الا أن يكون له نية لأن ما فى يد العبد لسيده ألا ترى أنه لو اشترى من يعتق على سيده لعتق عليه، وهذا التعليل يقتضى عدم الحنث بركوب دابة مكاتبه، وهو ما ارتضاه البدر القرافى رحمه الله تعالى.
واختار غيره الحنث بركوبها نظرا للحوق المنة بها كلحوقها بدابة سيده الذى هو المحلوف عليه. ولأجل هذا التعليل لا يحنث بدابة ولده ولو كان للأب استرجاعها بأن كان قد وهبها له، لأن مال الولد ليس مالا لأبيه، لكن القول بعدم الحنث فى دابة الولد ولو كان لوالده اعتصارها ذكر فى المدونة أنه قول أشهب رحمه الله تعالى.
وهذا يدل على ضعفه كما قال الشيخ سالم رحمه الله تعالى.
وان المذهب أنه يحنث بدابة الولد ان كانت موهوبة له من والده وله اعتصارها لتحقق المنة فيها لا ما لا اعتصار له (١).
وحنث ان لم تكن له نية بفرع نشأ بعد اليمين فى حلفه على ترك أصله كو الله لا آكل شيئا من هذا الطلع مثلا فيحنث ببسره ورطبه وعجوته وثمره.
وأما لو قال من طلع هذه النخلة أو من لبن هذه الشاة فيحنث بكل فرع تقدم لتلك النخلة أو الشاة أو تأخر عنها بكل ما نشأ عنهما، لأنه لم يخص اللبن أو الطلع الحاضر بالاشارة بل أطلق فيهما وجعل الاشارة للنخلة والشاة، وليس المراد أنه يحنث بكل فرع للطلع وكل فرع للبن وان لم يكن ناشئا عن تلك النخلة أو تلك الشاة (٢).
وحنث ان حلف لا أدخل عليه بيته فدخل عليه فى دار جار المحلوف عليه، لأن للجار على جاره من الحقوق ما ليس لغيره فأشبهت داره داره أو لأن الجار لا يستغنى عن جاره غالبا فكأنه المحلوف عليه عرفا.
والظاهر فى هذا الفرع عدم الحنث بدخوله عليه فى بيت جاره، لأن العرف الآن أنه لا يقال لبيت جارك أنه بيتك، وانما يقال بيتك لما تملك ذاته أو منفعته والايمان مبناها العرف (٣).
وحنث بأكل من تركة المحلوف عليه قبل قسمها فى حلفه لا أكلت طعام
стр. 4370
فلان ان أوصى الميت بشئ معلوم غير معين يحتاج فيه لبيع مال الميت، أو كان المحلوف عليه مدينا ولو غير محيط (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه لو حلف انسان لا يدخل دار زيد حنث بدخول أى دار يسكنها بملك سواء كان مالكا لها عند الحلف أم بعده، حتى لو قال لا أدخل دار العبد فلا يتعلق بمسكنه الآن بل بما يملكه بعد عتقه لوجود الصفة أو دارا تعرف به كدار العدل وان لم يسكنها، ولا يحنث بدخول ما يسكنها باعارة واجارة وغصب ووصية بمنفعتها ووقف عليه، لأن مطلق الاضافة الى من يملك تقتضى ثبوت الملك حقيقة، بدليل أنه لو قال هذه الدار لزيد كان اقرارا له بالملك، حتى لو قال أردت به ما يسكنها لم يقبل الا أن يريد بداره مسكنه فيحنث بالمعار وغيره وان لم يملكه ولم يعرف به لأنه مجاز اقترنت به النية قال الله «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» (٢) المراد بيوت الأزواج اللاتى يسكنها ويحنث بما يملكه زيد ولا يسكنه، لأنه دخل فى دار زيد حقيقة، هذا اذا كان يملك الجميع.
فان كان يملك بعض الدار فظاهر نص الأم أنه لا يحنث وان كثر نصيبه.
وأطبق عليه الأصحاب كما قاله الأذرعى رحمه الله تعالى، الا أن يريد بداره مسكنه فلا يحنث بما لا يسكنه عملا بقصده.
ومثل ما يملكه فى الحكم ما لا يملكه ولكن لا يعرف الا به، كما لو كان بالبلد دار أو سوق أو حمام مضاف الى رجل، كسوق أمير الجيوش وخان الخليلى بمصر وسوق يحيى ببغداد، وخان يعلى بقزوين وسوق السخى بدمشق ودار الأرقم بمكة، فيحنث بدخول هذه الأمكنة وان كان من تضاف اليه ميتا، لتعذر حمل الاضافة على الملك فتعين أن تكون للتعريف.
ولو حلف لا يدخل دار زيد مثلا أو لا يكلم عبده أو زوجته فباع الدار والعبد أو بعضهما بيعا يزول به الملك، أو زال ملكه عنهما أو عن بعضهما بغير البيع، أو طلق زوجته طلاقا بائنا أو رجعيا وانقضت عدتها فدخل الدار وكلم العبد أو الزوجة لم يحنث تغليبا للحقيقة، لأنه لم يدخل داره ولم يكلم عبده ولا زوجته لزوال الملك بالبيع ونحوه والزوجية بالطلاق، فان كان الطلاق رجعيا ولم تنقض العدة وكلم الزوجة حنث لأن الرجعية فى حكم الزوجات، ولو لم يزل الملك بالبيع لأجل خيار مجلس أو شرط لهما أو للبائع حنث ان
стр. 4371
قلنا الملك للبائع أو موقوف وفسخ البائع البيع فانه يتبين أن الملك للبائع فيتبين حنث الحالف الا أن يقول الحالف داره هذه أو زوجته هذه أو عبده هذا فيحنث تغليبا للاشارة، اللهم الا أن يريد الحالف بما ذكر ما دام ملكه عليه فلا يحنث بالاشارة اذا دخل الدار أو كلم العبد بعد زوال الملك أو الزوجية بعد الطلاق البائن عملا بارادته.
ومثل زوال ملكه عن العبد ما لو أعتق بعضه كما لو حلف لا يكلم عبدا فكلم مبعضا فانه لا يحنث.
وكذا لو حلف لا يكلم حرا أو لا يكلم حرا ولا عبدا كما لو حلف لا يأكل بسرة ولا رطبة فأكل منصفه فانه لا يحنث.
ولو اشترى زيد دارا أخرى بعد الدار الأولى لم يحنث الحالف بدخولها ان أراد الدار الأولى، وان أراد أى دار تكون فى ملكه حنث بالثانية وكذا ان أطلق كما ذكره البغوى وغيره، وان أراد أى دار جرى عليها ملكه حنث بهما.
ونقل الرافعى رحمه الله تعالى عن الحليمى أن الاضافة ان تعلقت بما يملك فالاعتبار بالمالك وان تعلقت بما لا يملك فالاعتبار بالمحلوف عليه كما لو قال لا أكلم عبد فلان حنث بالموجود فى ملكه وبالمتجدد اعتبارا بالمالك وان قال لا أكلم ولد فلان حنث بالموجود دون المتجدد.
والفرق أن اليمين تنزل على ما للمحلوف عليه قدرة على تحصيله ولا يشكل على ذلك ما قاله صاحب الكافى من أنه لو حلف لا يمس شعر فلان فحلقه فنبت شعر آخر فمسه حنث لأن هذا أصل الشعر المحلوف عليه فليس هو غيره (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه لو حلف شخص على مضاف معين بالاشارة ثم تبدلت الاضافة كما لو حلف لا كلمت زوجة زيد هذه ولا عبده هذا ولا دخلت داره هذه فطلق زيد الزوجة وباع العبد وباع الدار فكلم الزوجة والعبد ودخل الدار حنث الحالف، لأن التعيين يقدم على الاسم فاذا قدم التعيين على الاسم فلأن يقدم على الاضافة أولى (٢).
وان قال الحالف فى حلفه لا كلمت سعدا زوج هند أو سيد صبيح أو صديق عمر أو مالك هذه الدار أو صاحب الطيلسان، أو قال لا كلمت هندا امرأة سعد أو صبيحا عبده أو عمرا صديقه فطلق الزوجة وباع العبد والدار والطيلسان وعادى عمرا ثم كلمهم حنث
стр. 4372
لأنه متى اجتمع الاسم والاضافة غلب الاسم لجريانه مجرى التعيين فى تعريف المحل (١). واليمين المطلقة تنصرف الى الموضوع الشرعى ويتناول الصحيح منه، لأن الفاسد ممنوع منه بأصل الشرع فلا حاجة الى المنع من فعله باليمين فاذا حلف لا يبيع فباع بيعا فاسدا أو حلف لا يزوج غيره فزوجه زواجا فاسدا أو حلف ما بعت ولا صليت ونحوه وكان قد فعل ذلك فاسدا لم يحنث.
لأن اليمين لم تتناول الفاسد الا أن يضيف اليمين الى شئ لا تتصور فيه الصحة كحلفه لا يبيع الحر أو لا يبيع الخمر أو ما باع الحر أو ما باع الخمر فيحنث لتعذر حمل يمينه على عقد صحيح فتعين كون صورة ذلك محلا له (٢).
ولو حلف لا يدخل دار فلان أو لا يركب دابته أو لا يلبس ثوبه فدخل أو ركب أو لبس ما هو ملك له أو ما هو مؤجره أو مستأجره أو جعله لعبده حنث، لأن الاضافة للاختصاص وساكن الدار مختص بها فاضافتها اليه صحيحة وهى مستعملة فى العرف، وقد قال الله «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ» (٣) وقال تعالى «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» (٤) وما جعله السيد لعبده لم يخرج عن ملك السيد ولا يحنث من حلف لا يدخل دار فلان أو لا يلبس ثوبه أو لا يركب دابته فاستعاره فلان أو استعاره عبده أو غصبه من دار أو ثوب أو دابة، لأنه لا يملك منافعه بخلاف المستأجر ولو حلف لا يدخل مسكنه حنث الحالف بدخول مستأجر يسكنه ودخول مستعار يسكنه ودخول مغصوب يسكنه لأنه يسكنه ولا يحنث بدخول ملكه الذى لا يسكنه سواء كان مالكا لعينه أو منافعة ولم يسكنه لأنه ليس مسكنه، وان قال فى حلف لا يدخل ملكه لم يحنث بمستأجر له لأنه ليس ملكه أشبه المستعار له، ومن حلف لا يركب دابة عبد فلان فركب دابة جعلت برسمه حنث، لأنه مختص بها حينئذ كحلفه لا يركب رجل هذه الدابة أو لا يبيعه أو لا يهبه ونحوه (٥).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ان من حلف أن لا يدخل دار زيد فان كانت من الدور المباحة الدهاليز كدور الرؤساء لم يحنث بدخول الدهليز حتى يدخل منها ما يقع على من صار هنالك أنه داخل دار زيد، وان كانت من الدور التى لا تباح دهاليزها حنث بدخول الدهليز، وهكذا فى المساجد والحمامات وسائر المواضع لما ذكرنا من أنه انما يراعى ما يتخاطب
стр. 4373
به أهل تلك اللغة وقد قال الله «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا» (١) فهذا عموم ولا يجوز أن يقال أن محمدا ﷺ والأنبياء يدخلون جهنم (٢).
ومن حلف أن لا يدخل دار فلان وأن لا يدخل الحمام فمشى على سقوف كل ذلك أو دخل دهليز الحمام لم يحنث لأنه لم يدخل الدار ولا الحمام ولا يسمى دخول دهليز الحمام دخول حمام (٣).
ومن حلف بالله لا أكلت هذا الرغيف أو قال لا شربت ماء هذا الكوز فلا يحنث بأكل بعض الرغيف ولو لم يبق منه الا فتاته ولا بشرب بعض ما فى الكوز ولو لم يبق منه الا نقطة الا حتى يستوعب أكل جميع الرغيف وشرب جميع ما فى الكوز وكذلك لو حلف لآكلن هذا الرغيف اليوم فأكله كله الا فتاتة وغابت الشمس حنث، وهكذا فى الرمانة وفى كل شئ فى العالم لا يحنث ببعض ما حلف عليه (٤).
ولو حلف أن لا يأكل من هذا الرغيف أو أن لا يشرب من ماء هذا الكوز حنث بأكل شئ منه وشرب شئ منه لأنه خلاف ما حلف عليه (٥) ولو حلف أن لا يشرب ماء النهر، فان كانت له نية فى شرب شئ منه حنث بأى شئ شرب منه لأنه بهذا يخبر عن شرب بعض مائه فان لم يكن له نية فلا حنث لأن رسول الله ﷺ يقول: انما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى (٦).
ومن حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه زيد فأكل طعاما اشتراه زيد وآخر معه لم يحنث وكذا لو حلف أن لا يدخل دار زيد فدخل دارا يسكنها زيد وبكر.
وكذلك دار بين زيد وغيره لم يحنث الا أن ينوى دارا يسكنها زيد فيحنث لأن المنظور اليه فى الأيمان ما تعارفه أهل تلك اللغة فى كلامهم الذى به حلف وعليه حلف فقط، ولا يطلق على طعام اشتراه زيد وخالد أنه اشتراه زيد، ولا على دار مشتركة أنها لأحد من هى له (٧).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن الحالف لو حلف لا أكلم هذا الشاب أو هذا المعمم أو زوج فلانة فكلمه وقد شاخ
стр. 4374
أو نزع العمامة أو طلق فانه يحنث، بخلاف ما اذا قال لا أكلم شبابا أو معتما أو زوجا لفلانة، وهكذا لو حلف لا لبس هذا الثوب فاتخذ منه سراويل فلبسه أو تعمم بقطعة منه فانه يحنث (١).
ولو حلف لا يشرب من حليب بقرة معينة قيل حنث بسمنها، وقال مولانا ﵇، وفيه نظر لأن الحليب غير مشار اليه والاشارة الى البقرة ليست باشارة اليه فلا وجه لحنثه بالسمن (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أن الحالف لو حلف لا يأكل من طعام اشتراه زيد فاشترى زيد طعاما وحده واشترى عمرو طعاما وحده وخلطاهما معا فأكل الحالف منه فان أكل النصف فما دونه لم يحنث، وان زاد على النصف حنث، لأنه لا يقطع على أنه أكل من طعام انفرد زيد بشرائه حتى يزيد على النصف (٣).
واذا حلف لا يأكل من طعام اشتراه، زيد فاشترى زيد وعمرو طعاما صفقة واحدة فأكل منه لم يحنث، لأن قوله طعام اشتراه زيد كناية راجعة الى طعام انفرد زيد بشرائه وليس فيه جزء ولا ذرة يشار اليه أن زيدا انفرد بشرائه، بدليل أنه لو أشار الى حبة منه فقال: هذه اشتراها زيد؟، قالوا: لا وانما اشتراها زيد وعمرو، فهو كما لو حلف لا لبست ثوب زيد فلبس ثوبا لزيد وعمرو، أو قال لا دخلت دار زيد فدخل دار زيد وعمرو لم يحنث، ويفارق الرغيفين، لأن كل واحد يشار اليه أنه لزيد والآخر لعمرو ولهذا حنث، وهذا قوى (٤).
واذا حلف لا دخلت دار زيد هذه أو لا كلمت عبد زيد هذا أو لا كلمت زوجة زيد لم يتعلق اليمين بغير ما علق اليمين به، فان دخلها وملكها لزيد حنث بلا خلاف، وان زال ملكه عنها فدخلها بعد ذلك لم يحنث، لأن الأصل براءة الذمة وشغلها يحتاج الى دلالة، وأيضا فاذا دخل هذه الدار بعد خروجها عن ملك زيد لا يقال دخل دار زيد فوجب أن لا يحنث لأن اليمين متعلقة بالاسم فاذا زال الاسم وجب أن يزول الحنث (٥).
стр. 4375
واذا حلف لا يدخل دار زيد فان دخلها وهى ملك لزيد حنث بلا خلاف وان كان ساكنها بأجرة لم يحنث، لأن حقيقة هذه الاضافة تفيد الملك وانما تستعمل فى السكنى مجازا وظواهر الأسماء يجب حملها على الحقيقة.
والدليل على أن حقيقة ذلك ما قلناه أنه لو قال هذه الدار لزيد كان ذلك اعترافا بالملك، فلو قال أردت أن سكنها بأجرة لم يقبل منه، وانما يجوز أن يقول هذه دار زيد ثم ينفى فيقول لا ليست لزيد وانما يسكنها بأجرة ولا يجوز ذلك فى الملك فاذا انتفى الملك عنها وجب أن ينتفى الحنث (١).
واذا حلف لا لبس ثوبا من عمل يد فلان فوهب له فلان ثوبا، فان لبسه حنث بلا خلاف، وان استبدل به فباعه أو بادل به فلبسه لم يحنث، وكذلك لو حلف لا لبس من غزل امرأته، فان لبس منه حنث وان باعه واشترى بثمنه ثوبا أو اشترى به ثوبا فلبسه لم يحنث لأنه ثبت عندنا أن الحكم اذا علق باسم لا يلتفت الى سببه فان كان عاما حمل على عمومه وان كان خاصا كذلك ولا يلتفت الى سببه خاصا كان أو عاما (٢) واذا قال الخليفة أو الملك والله لا ضربت عبدى ثم أمر عبده فضربه لم يحنث، لأن حقيقة هذه الاضافة أن يفعل الفعل بنفسه وانما ينسب ما يفعله غيره بأمره اليه على ضرب من المجاز، ألا ترى أنه يحسن أن يقال ما ضربه وانما ضربه غلامه أو من أمره ولو كان حقيقة لما جاز ذلك (٣).
واذا حلف لا يركب دابة العبد وللعبد دابة قد جعلها له سيده فى رسمه فركبها لم يحنث، لأن العبد لا يملك شيئا أصلا وهذه الاضافة تقتضى الملك، واذا انتفى عنه الملك فما ركب دابته، فلا يحنث وانما تضاف اليه مجازا (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن من حلف لا يلبس ثوبا من غزل امرأته لم يحنث - عند أبى عبد الله - ان لبس ما فيه غزلها حتى يلبس ثوبا من غزلها.
وعند غير أبى عبد الله يحنث.
وقيل ان كان غزلها فيه قدر ثوب.
стр. 4376
ووجه من قال بعدم الحنث أن قوله من غزل امرأته بيان لجنس الثوب فهو نعت لجملة الثوب فكأنه قال ثوبا غزلته امرأته كله، لكن ان كان كله من غزلها الا قليلا حنث، لأن الحكم للأغلب الا أن كانت له نية.
وان حلف لا يلبس غزلها حنث وان بأقل من غزلها فى ثوب ان لبسه، لأن قوله لا يلبس غزلها معناه لا يلبس شيئا مغزولا لها فيشمل ما قل وما كثر.
وان حلف ليلبسن ثوبا من غزلها بر بثوب غزلته كله أو أكثر من نصفه.
ومن حلف عن ثوب كتان فلبس ثوب كتان وقطن ملحم لم يحنث وان حلف عن ثياب فلان فلبس منها واحدا لم يحنث حتى يلبس ثلاثة أن أرسل والظاهر عندى الحنث، لأن هذه الاضافة كأل التى للحقيقة (١).
وان حلف أن لا يأكل من مال أخيه شيئا فأكل نبقا من سدرة بينهما، أو حلف لا يأكل من مال زوجته فأكل من نخلة مشتركة بينهما قيل يحنث - واختاره أبو عبد الله وأبو معاوية وهو الصحيح عندى، لأن ما أكله لم يدخل ملكه لأن قسمته وحده بدون حضور شريكه لا تجزيه ولا تدخل شيئا فى ملكه فهو حانث ولا سيما ان لم ينو القسمة.
وقيل لا يحنث حتى يأكل أكثر من حصته حيث كان شريكا وأكثر من حصة غيره اذا كان غيره هو الشريك للمحلوف عن ماله.
وعلى القول الأول لو قسم المال وأكل من حصته غير المحلوف عنه لا يحنث (٢).
ثانيا: حكم اضافة اليمين الى وقت
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أن شرط انعقاد اليمين على أمر فى المستقبل أن يكون متصور الوجود حقيقة عند الحلف وبقاؤها أيضا متصور الوجود حقيقة بعد اليمين شرط بقاء اليمين، حتى لا ينعقد اليمين على ما هو مستحيل الوجود حقيقة ولا يبقى اذا صار بحال يستحيل وجوده، وهذا قول أبى حنيفة ومحمد وزفر رحمهم الله تعالى.
وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى هذا ليس بشرط لانعقاد اليمين ولا لبقائها وانما الشرط أن تكون اليمين على أمر فى المستقبل.
стр. 4377
وأما كونه متصور الوجود عادة فهل هو شرط انعقاد اليمين.
قال أصحابنا الثلاثة رحمهم الله تعالى ليس بشرط فينعقد على ما يستحيل وجوده عادة بعد أن كان لا يستحيل وجوده حقيقة.
وقال زفر رحمه الله تعالى: هو شرط لا تنعقد اليمين بدونه.
وبيان هذه الجملة: اذا قال والله لأشربن الماء الذى فى هذا الكوز فاذا لا ماء فيه لم تنعقد اليمين فى قول أبى حنيفة ومحمد وزفر رحمهم الله تعالى لعدم شرط الانعقاد وهو تصور شرب الماء الذى حلف عليه.
وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى تنعقد لوجود الشرط وهو الاضافة الى أمر فى المستقبل.
وان كان يعلم أنه لا ماء فيه تنعقد عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر لا تنعقد، وهو رواية عن أبى حنيفة أنه لا تنعقد علم أو لم يعلم.
وعلى هذا الخلاف اذا وقت وقال والله لأشربن الماء الذى فى هذا الكوز اليوم ولا ماء فى الكوز فانه لا تنعقد عند أبى حنيفة ومحمد وزفر.
وعند أبى يوسف تنعقد.
وعلى هذا الخلاف اذا قال والله لأقتلن فلانا، وفلان ميت وهو لا يعلم بموته فانه لا تنعقد عندهم خلافا لأبى يوسف رحمه الله تعالى.
وان كان عالما بموته تنعقد عندهم خلافا لزفر.
ولو قال والله لأمسن السماء أو لأصعدن السماء أو لأحولن هذا الحجر ذهبا تنعقد عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر لا تنعقد.
أما الكلام مع أبى يوسف رحمه الله تعالى فوجه قوله أن الحالف جعل شرط عدم حنثه القتل والشرب فى المطلق وفى الوقت عدم الشرب فى المدة وقد تأكد العدم فتأكد شرط الحنث فيحنث كما فى قوله والله لأمسن السماء أو لأحولن هذا الحجر ذهبا، وبدل لهما أن اليمين تنعقد للبر لأن البر هو موجب اليمين وهو المقصود الأصلى من اليمين أيضا لأن الحالف بالله تعالى يقصد بيمينه تحقيق البر والوفاء بما عهد وانجاز ما وعد ثم الكارة تجب لدفع الذنب الحاصل بتفويت البر وهو الحنث فاذا لم يكن البر متصور الوجود حقيقة لا يتصور الحنث فلم يكن فى انعقاد اليمين فائدة فلا تنعقد.
стр. 4378
والدليل على أن البر غير متصور الوجود من هذه اليمين حقيقة أنه اذا كان عنده أن فى الكوز ماء وأن الشخص حى فيمينه تقع على الماء الذى كان فيه وقت اليمين، وعلى ازالة حياة قائمة وقعت يمينه عليه، وفى مسئلة القتل زالت تلك الحياة على وجه لا يتصور عودها، بخلاف ما اذا كان عالما بذلك، لأنه اذا كان عالما به فانما انعقد يمينه على ماء آخر يخلقه الله تعالى وعلى حياة أخرى يحدثها الله تعالى الا أن ذلك على نقض العادة فكان العجز عن تحقيق البر ثابتا عادة فيحنث. بخلاف قوله والله لأمسن السماء ونحوه، لأن هناك البر متصور الوجود فى نفسه حقيقة بأن يقدره الله تعالى كما أقدر الملائكة وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام الا أنه عاجز عن ذلك عادة فلتصور وجوده حقيقة انعقدت وللعجز عن تحقيقه عادة حنث ووجبت الكفارة.
وأما الكلام مع زفر فى اليمين على مس السماء ونحوه فهو يقول المستحيل عادة يلحق بالمستحيل حقيقة وفى المستحيل حقيقة لا تنعقد كذا فى المستحيل عادة.
ويدل لنا أن اعتبار الحقيقة والعادة واجب ما أمكن، وفيما قلناه اعتبار الحقيقة والعادة جميعا، وفيما قاله اعتبار العادة واهدار الحقيقة، فكان ما قلناه أولى.
ولو قال والله لأمسن السماء اليوم يحنث فى آخر اليوم عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى.
وفى قياس قول أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه يحنث فى الحال.
وقد روى عن أبى يوسف ما يدل عليه فانه قال فى رجل حلف ليشربن ماء دجلة كله اليوم قال أبو حنيفة لا يحنث حتى يمضى.
وقال أبو يوسف يحنث الساعة، فان قال فى يمينه غدا لم يحنث حتى يمضى اليوم فى قول أبى حنيفة، لأن الانعقاد يتعلق بآخر اليوم عنده.
فأما أبو يوسف فقال يحنث فى أول جزء من أجزاء الغد، لأن شرط البر غير منتظر فكأنه قال لها أنت طالق فى غد، هذا اذا لم يكن المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة أو عادة وقت اليمين حتى انعقدت اليمين بلا خلاف ثم فات فالحلف لا يخلو أما أن يكون مطلقا عن الوقت وأما أن يكون مؤقتا بوقت.
وكل ذلك لا يخلو اما أن يكون فى الاثبات أو فى النفى.
стр. 4379
فان كان مؤقتا بوقت فالوقت نوعان مؤقت نصا ومؤقت دلالة.
أما المؤقت نصا فان كان فى الاثبات بأن قال والله لا آكلن هذا الرغيف اليوم أو لأشربن هذا الماء الذى فى هذا الكوز اليوم أو لأدخلن هذه الدار ونحو ذلك فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين والوقت قائما لا يحنث لأن البر فى الوقت مرجو فتبقى اليمين وان كان الحالف والمحلوف عليه قائمين ومضى الوقت يحنث فى قولهم جميعا، لأن اليمين كانت مؤقتة بوقت فاذا لم يفعل المحلوف عليه حتى مضى الوقت وقع اليأس عن فعله فى الوقت ففات البر عن الوقت فيحنث، وان هلك الحالف فى الوقت والمحلوف عليه قائم فمضى الوقت لا يحنث فى الاجماع، لأن الحنث فى اليمين المؤقتة بوقت يقع فى آخر أجزاء الوقت وهو ميت فى ذلك الوقت والميت لا يوصف بالحنث.
وان هلك المحلوف عليه والحالف قائم والوقت باق بطل اليمين فى قول أبى حنيفة ومحمد وزفر.
وعند أبى يوسف لا يبطل ويحنث.
واختلفت الرواية عنه فى وقت الحنث أنه يحنث للحال أو عند غروب الشمس، روى أنه يحنث عند غروب الشمس وروى عنه أنه يحنث للحال، قيل وهو الصحيح من مذهبه.
وان كان فى النفى فمضى الوقت والحالف والمحلوف عليه قائمان فقد بر فى يمينه لوجود شرط البر وكذلك ان هلك الحالف والمحلوف عليه فى الوقت، وان فعل المحلوف عليه فى الوقت حنث لوجود شرط الحنث وهو الفعل فى الوقت (١).
وأما المؤقت دلالة فهو المسمى يمين الفور وأول من اهتدى الى جوابها أبو حنيفة رحمه الله تعالى ثم كل من سمعه استحسنه وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وهو أن يكون اليمين مطلقا عن الوقت نصا ودلالة الحال تدل على تقييد الشرط بالفور بأن خرج جوابا لكلام أو بناء على أمر نحو أن يقول لآخر تعال تغد معى فقال والله لا أتغدى فلم يتغد معه ثم رجع منزله فتغدى لا يحنث استحسانا.
والقياس أن يحنث وهو قول زفر رحمه الله تعالى.
ووجه القياس أنه منع نفسه عن
стр. 4380
التغدى عاما فصرفه الى البعض دون البعض تخصيص للعموم.
ويدل لنا أن كلامه خرج جوابا للسؤال فينصرف الى ما وقع السؤال عنه والسؤال وقع عن الغداء المدعو اليه فينصرف الجواب اليه كأنه أعاد السؤال وقال والله لا أتغدى الغداء الذى دعوتنى اليه، وكذا اذا قامت امرأته لتخرج من الدار فقال لها ان خرجت فأنت طالق فقعدت ثم خرجت بعد ذلك لا يحنث استحسانا لأن دلالة الحال تدل على التقييد بتلك الخرجة كأنه قال ان خرجت هذه الخرجة فأنت طالق.
ولو قال لها ان خرجت من هذه الدار على الفور أو فى هذا اليوم فأنت طالق بطل اعتبار الفور، لأنه ذكر ما يدل على أنه ما أراد به الخرجة المقصود اليها، وانما أراد الخروج المطلق عن الدار فى اليوم حيث زاد على قدر الجواب.
وعلى هذا يخرج ما اذا قيل له أنك تغتسل الليلة فى هذه الدار من جنابة فقال: ان اغتسلت فعبدى حر ثم اغتسل لا عن جنابة، ثم قال عنيت به الاغتسال عن جنابة فانه يصدق لأنه أخرج الكلام مخرج الجواب ولم يأت بما يدل على اعراضه عن الجواب فيقيد بالكلام ويجعل كأنه أعادة ولو قال ان اغتسلت فيها الليلة عن جنابة فأنت حر، أو قال ان اغتسلت الليلة فى هذه الدار فعبدى حر، ثم قال عنيت الاغتسال من جنابة لم يصدق فى القضاء لأنه زاد على القدر المحتاج اليه من الجواب حيث أتى بكلام مفيد مستقل بنفسه فخرج عن حد الجواب وصار كلاما مبتدأ فلا يصدق فى القضاء لكن يصدق فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه يحتمل أنه أراد به الجواب ومع هذا زاد على قدره، وهذا وان كان بخلاف الظاهر، لكن كلامه يحتمله فى الجملة.
وعلى هذا يخرج ما قاله ابن سماعة:
سمعت محمدا يقول فى رجل قال لآخر ان ضربتنى ولم أضربك وما أشبه ذلك فهذا على الفور، قال وقوله لم يكون على وجهين: على قبل، وعلى بعد، فان كانت على بعد فهى على الفور، ولو قال ان كلمتنى فلم أجبك فهذا على بعد وهو على الفور، وان قال ان ضربتنى ولم أضربك فهو عندنا على أن يضرب الحالف قبل أن يضرب المحلوف عليه، فان أراد به بعد ونوى ذلك فهو على الفور، وهكذا روى عن محمد رحمه الله تعالى.
وجملة هذا أن هذه اللفظة قد تدخل على الفعل الماضى وقد تدخل على المستقبل فما كان معانى كلام الناس عليه حمل عند الاطلاق عليه وان كانت مستعملة فى الوجهين على السواء يتميز أحدهما بالنية، فاذا قال ان ضربتنى ولم أضربك فقد حمله محمد