ووجه من قال بعدم الحنث أن قوله من غزل امرأته بيان لجنس الثوب فهو نعت لجملة الثوب فكأنه قال ثوبا غزلته امرأته كله، لكن ان كان كله من غزلها الا قليلا حنث، لأن الحكم للأغلب الا أن كانت له نية.
وان حلف لا يلبس غزلها حنث وان بأقل من غزلها فى ثوب ان لبسه، لأن قوله لا يلبس غزلها معناه لا يلبس شيئا مغزولا لها فيشمل ما قل وما كثر.
وان حلف ليلبسن ثوبا من غزلها بر بثوب غزلته كله أو أكثر من نصفه.
ومن حلف عن ثوب كتان فلبس ثوب كتان وقطن ملحم لم يحنث وان حلف عن ثياب فلان فلبس منها واحدا لم يحنث حتى يلبس ثلاثة أن أرسل والظاهر عندى الحنث، لأن هذه الاضافة كأل التى للحقيقة (١).
وان حلف أن لا يأكل من مال أخيه شيئا فأكل نبقا من سدرة بينهما، أو حلف لا يأكل من مال زوجته فأكل من نخلة مشتركة بينهما قيل يحنث - واختاره أبو عبد الله وأبو معاوية وهو الصحيح عندى، لأن ما أكله لم يدخل ملكه لأن قسمته وحده بدون حضور شريكه لا تجزيه ولا تدخل شيئا فى ملكه فهو حانث ولا سيما ان لم ينو القسمة.
وقيل لا يحنث حتى يأكل أكثر من حصته حيث كان شريكا وأكثر من حصة غيره اذا كان غيره هو الشريك للمحلوف عن ماله.
وعلى القول الأول لو قسم المال وأكل من حصته غير المحلوف عنه لا يحنث (٢).
ثانيا: حكم اضافة اليمين الى وقت
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أن شرط انعقاد اليمين على أمر فى المستقبل أن يكون متصور الوجود حقيقة عند الحلف وبقاؤها أيضا متصور الوجود حقيقة بعد اليمين شرط بقاء اليمين، حتى لا ينعقد اليمين على ما هو مستحيل الوجود حقيقة ولا يبقى اذا صار بحال يستحيل وجوده، وهذا قول أبى حنيفة ومحمد وزفر رحمهم الله تعالى.
وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى هذا ليس بشرط لانعقاد اليمين ولا لبقائها وانما الشرط أن تكون اليمين على أمر فى المستقبل.
стр. 4377
وأما كونه متصور الوجود عادة فهل هو شرط انعقاد اليمين.
قال أصحابنا الثلاثة رحمهم الله تعالى ليس بشرط فينعقد على ما يستحيل وجوده عادة بعد أن كان لا يستحيل وجوده حقيقة.
وقال زفر رحمه الله تعالى: هو شرط لا تنعقد اليمين بدونه.
وبيان هذه الجملة: اذا قال والله لأشربن الماء الذى فى هذا الكوز فاذا لا ماء فيه لم تنعقد اليمين فى قول أبى حنيفة ومحمد وزفر رحمهم الله تعالى لعدم شرط الانعقاد وهو تصور شرب الماء الذى حلف عليه.
وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى تنعقد لوجود الشرط وهو الاضافة الى أمر فى المستقبل.
وان كان يعلم أنه لا ماء فيه تنعقد عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر لا تنعقد، وهو رواية عن أبى حنيفة أنه لا تنعقد علم أو لم يعلم.
وعلى هذا الخلاف اذا وقت وقال والله لأشربن الماء الذى فى هذا الكوز اليوم ولا ماء فى الكوز فانه لا تنعقد عند أبى حنيفة ومحمد وزفر.
وعند أبى يوسف تنعقد.
وعلى هذا الخلاف اذا قال والله لأقتلن فلانا، وفلان ميت وهو لا يعلم بموته فانه لا تنعقد عندهم خلافا لأبى يوسف رحمه الله تعالى.
وان كان عالما بموته تنعقد عندهم خلافا لزفر.
ولو قال والله لأمسن السماء أو لأصعدن السماء أو لأحولن هذا الحجر ذهبا تنعقد عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر لا تنعقد.
أما الكلام مع أبى يوسف رحمه الله تعالى فوجه قوله أن الحالف جعل شرط عدم حنثه القتل والشرب فى المطلق وفى الوقت عدم الشرب فى المدة وقد تأكد العدم فتأكد شرط الحنث فيحنث كما فى قوله والله لأمسن السماء أو لأحولن هذا الحجر ذهبا، وبدل لهما أن اليمين تنعقد للبر لأن البر هو موجب اليمين وهو المقصود الأصلى من اليمين أيضا لأن الحالف بالله تعالى يقصد بيمينه تحقيق البر والوفاء بما عهد وانجاز ما وعد ثم الكارة تجب لدفع الذنب الحاصل بتفويت البر وهو الحنث فاذا لم يكن البر متصور الوجود حقيقة لا يتصور الحنث فلم يكن فى انعقاد اليمين فائدة فلا تنعقد.
стр. 4378
والدليل على أن البر غير متصور الوجود من هذه اليمين حقيقة أنه اذا كان عنده أن فى الكوز ماء وأن الشخص حى فيمينه تقع على الماء الذى كان فيه وقت اليمين، وعلى ازالة حياة قائمة وقعت يمينه عليه، وفى مسئلة القتل زالت تلك الحياة على وجه لا يتصور عودها، بخلاف ما اذا كان عالما بذلك، لأنه اذا كان عالما به فانما انعقد يمينه على ماء آخر يخلقه الله تعالى وعلى حياة أخرى يحدثها الله تعالى الا أن ذلك على نقض العادة فكان العجز عن تحقيق البر ثابتا عادة فيحنث. بخلاف قوله والله لأمسن السماء ونحوه، لأن هناك البر متصور الوجود فى نفسه حقيقة بأن يقدره الله تعالى كما أقدر الملائكة وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام الا أنه عاجز عن ذلك عادة فلتصور وجوده حقيقة انعقدت وللعجز عن تحقيقه عادة حنث ووجبت الكفارة.
وأما الكلام مع زفر فى اليمين على مس السماء ونحوه فهو يقول المستحيل عادة يلحق بالمستحيل حقيقة وفى المستحيل حقيقة لا تنعقد كذا فى المستحيل عادة.
ويدل لنا أن اعتبار الحقيقة والعادة واجب ما أمكن، وفيما قلناه اعتبار الحقيقة والعادة جميعا، وفيما قاله اعتبار العادة واهدار الحقيقة، فكان ما قلناه أولى.
ولو قال والله لأمسن السماء اليوم يحنث فى آخر اليوم عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى.
وفى قياس قول أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه يحنث فى الحال.
وقد روى عن أبى يوسف ما يدل عليه فانه قال فى رجل حلف ليشربن ماء دجلة كله اليوم قال أبو حنيفة لا يحنث حتى يمضى.
وقال أبو يوسف يحنث الساعة، فان قال فى يمينه غدا لم يحنث حتى يمضى اليوم فى قول أبى حنيفة، لأن الانعقاد يتعلق بآخر اليوم عنده.
فأما أبو يوسف فقال يحنث فى أول جزء من أجزاء الغد، لأن شرط البر غير منتظر فكأنه قال لها أنت طالق فى غد، هذا اذا لم يكن المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة أو عادة وقت اليمين حتى انعقدت اليمين بلا خلاف ثم فات فالحلف لا يخلو أما أن يكون مطلقا عن الوقت وأما أن يكون مؤقتا بوقت.
وكل ذلك لا يخلو اما أن يكون فى الاثبات أو فى النفى.
стр. 4379
فان كان مؤقتا بوقت فالوقت نوعان مؤقت نصا ومؤقت دلالة.
أما المؤقت نصا فان كان فى الاثبات بأن قال والله لا آكلن هذا الرغيف اليوم أو لأشربن هذا الماء الذى فى هذا الكوز اليوم أو لأدخلن هذه الدار ونحو ذلك فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين والوقت قائما لا يحنث لأن البر فى الوقت مرجو فتبقى اليمين وان كان الحالف والمحلوف عليه قائمين ومضى الوقت يحنث فى قولهم جميعا، لأن اليمين كانت مؤقتة بوقت فاذا لم يفعل المحلوف عليه حتى مضى الوقت وقع اليأس عن فعله فى الوقت ففات البر عن الوقت فيحنث، وان هلك الحالف فى الوقت والمحلوف عليه قائم فمضى الوقت لا يحنث فى الاجماع، لأن الحنث فى اليمين المؤقتة بوقت يقع فى آخر أجزاء الوقت وهو ميت فى ذلك الوقت والميت لا يوصف بالحنث.
وان هلك المحلوف عليه والحالف قائم والوقت باق بطل اليمين فى قول أبى حنيفة ومحمد وزفر.
وعند أبى يوسف لا يبطل ويحنث.
واختلفت الرواية عنه فى وقت الحنث أنه يحنث للحال أو عند غروب الشمس، روى أنه يحنث عند غروب الشمس وروى عنه أنه يحنث للحال، قيل وهو الصحيح من مذهبه.
وان كان فى النفى فمضى الوقت والحالف والمحلوف عليه قائمان فقد بر فى يمينه لوجود شرط البر وكذلك ان هلك الحالف والمحلوف عليه فى الوقت، وان فعل المحلوف عليه فى الوقت حنث لوجود شرط الحنث وهو الفعل فى الوقت (١).
وأما المؤقت دلالة فهو المسمى يمين الفور وأول من اهتدى الى جوابها أبو حنيفة رحمه الله تعالى ثم كل من سمعه استحسنه وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وهو أن يكون اليمين مطلقا عن الوقت نصا ودلالة الحال تدل على تقييد الشرط بالفور بأن خرج جوابا لكلام أو بناء على أمر نحو أن يقول لآخر تعال تغد معى فقال والله لا أتغدى فلم يتغد معه ثم رجع منزله فتغدى لا يحنث استحسانا.
والقياس أن يحنث وهو قول زفر رحمه الله تعالى.
ووجه القياس أنه منع نفسه عن
стр. 4380
التغدى عاما فصرفه الى البعض دون البعض تخصيص للعموم.
ويدل لنا أن كلامه خرج جوابا للسؤال فينصرف الى ما وقع السؤال عنه والسؤال وقع عن الغداء المدعو اليه فينصرف الجواب اليه كأنه أعاد السؤال وقال والله لا أتغدى الغداء الذى دعوتنى اليه، وكذا اذا قامت امرأته لتخرج من الدار فقال لها ان خرجت فأنت طالق فقعدت ثم خرجت بعد ذلك لا يحنث استحسانا لأن دلالة الحال تدل على التقييد بتلك الخرجة كأنه قال ان خرجت هذه الخرجة فأنت طالق.
ولو قال لها ان خرجت من هذه الدار على الفور أو فى هذا اليوم فأنت طالق بطل اعتبار الفور، لأنه ذكر ما يدل على أنه ما أراد به الخرجة المقصود اليها، وانما أراد الخروج المطلق عن الدار فى اليوم حيث زاد على قدر الجواب.
وعلى هذا يخرج ما اذا قيل له أنك تغتسل الليلة فى هذه الدار من جنابة فقال: ان اغتسلت فعبدى حر ثم اغتسل لا عن جنابة، ثم قال عنيت به الاغتسال عن جنابة فانه يصدق لأنه أخرج الكلام مخرج الجواب ولم يأت بما يدل على اعراضه عن الجواب فيقيد بالكلام ويجعل كأنه أعادة ولو قال ان اغتسلت فيها الليلة عن جنابة فأنت حر، أو قال ان اغتسلت الليلة فى هذه الدار فعبدى حر، ثم قال عنيت الاغتسال من جنابة لم يصدق فى القضاء لأنه زاد على القدر المحتاج اليه من الجواب حيث أتى بكلام مفيد مستقل بنفسه فخرج عن حد الجواب وصار كلاما مبتدأ فلا يصدق فى القضاء لكن يصدق فيما بينه وبين الله تعالى، لأنه يحتمل أنه أراد به الجواب ومع هذا زاد على قدره، وهذا وان كان بخلاف الظاهر، لكن كلامه يحتمله فى الجملة.
وعلى هذا يخرج ما قاله ابن سماعة:
سمعت محمدا يقول فى رجل قال لآخر ان ضربتنى ولم أضربك وما أشبه ذلك فهذا على الفور، قال وقوله لم يكون على وجهين: على قبل، وعلى بعد، فان كانت على بعد فهى على الفور، ولو قال ان كلمتنى فلم أجبك فهذا على بعد وهو على الفور، وان قال ان ضربتنى ولم أضربك فهو عندنا على أن يضرب الحالف قبل أن يضرب المحلوف عليه، فان أراد به بعد ونوى ذلك فهو على الفور، وهكذا روى عن محمد رحمه الله تعالى.
وجملة هذا أن هذه اللفظة قد تدخل على الفعل الماضى وقد تدخل على المستقبل فما كان معانى كلام الناس عليه حمل عند الاطلاق عليه وان كانت مستعملة فى الوجهين على السواء يتميز أحدهما بالنية، فاذا قال ان ضربتنى ولم أضربك فقد حمله محمد
стр. 4381
على الماضى كأنه رأى معانى كلام الناس عليه عند الاطلاق فكأنه قال ان ضربتنى من غير مجازاة لما كان منى من الضرب فعبدى حر، ويحتمل الاستقبال أيضا، فاذا نواه حمل عليه، واذا قال ان كلمتنى ولم أجبك كان على المستقبل، لأن الجواب لا يتقدم الكلام فحمل على المستقبل ويكون على الفور لأنه يراد به الفور عادة (١).
مذهب المالكية:
جاء فى بلغة السالك أن اليمين غير المنعقدة اذا كانت غموسا - بأن حلف بالله على شئ مع شك منه فى المحلوف عليه أو مع ظن فيه غير قوى - لا كفارة فيها ان تعلقت بماض نحو قوله والله ما فعلت كذا أو لم يفعل زيد كذا أو لم يقع كذا مع شكه أو ظنه فى ذلك أو تعمده الكذب فان تعلقت بمستقبل ولم يحصل المحلوف عليه كفرت نحو والله لآتينك غدا أو لأقضينك حقك فى غد ونحو ذلك وهو جازم عند الحلف بعدم ذلك أو متردد فعلى كل حال يجب عليه الوفاء بذلك فان لم يوف بما حلف عليه لمانع أو غير مانع فالكفارة وان حرم عليه الحلف مع جزمه أو تردده فى ذلك، وأما لو كان جازما بالاتيان أو القضاء عند الحلف، ثم طرأ خلف الوعد فلا يقال له غموس، بل من اللغو، وكذا تكفر ان تعلقت بالحال نحو والله ان زيدا لمنطلق أو مريض أو معذور أى فى هذا الوقت وهو متردد فى ذلك أو جازم بعدم ذلك (٢).
واذا كانت اليمين غير المنعقدة لغوا - بأن حلف على شئ يعتقد حصوله أو عدم حصوله فظهر خلافه - فان تحلقت بغير مستقبل فلا كفارة فيها، بأن تعلقت بماض نحو والله ما زيد فعل كذا أو لقد فعل كذا معتقدا حصول ما حلف عليه فتبين خلافه، أو تعلقت بحال نحو أنه لمنطلق، فان تعلقت بمستقبل نحو والله لأفعلن كذا فى غد مع الجزم بفعله فلم يفعل كفرت (٣).
وجاء فى مواهب الجليل: نقلا عن التوضيح أن من حلف ليفعلن شيئا فتعذر فعله فأما أن يكون الفعل مؤقتا أو غير مؤقت.
قال ابن بشير فان كان الفعل غير مؤقت بأجل فان كان فرط حتى تعذر الفعل فلا خلاف أنه حانث فان بادر فلم
стр. 4382
يمكنه الفعل فكما لو كان مؤقتا، والمؤقت ينقسم تعذره الى ثلاثة أقسام اما أن يكون عقلا أو شرعا أو عادة فالعقلى كتعذر ذبح الحمام المحلوف بذبحها لموتها اذ الذبح فى الميت متعذر فلا خلاف منصوص أنه لا يحنث.
وخرج اللخمى رحمه الله تعالى قولا بالحنث من التعذر الشرعى.
وأما العادى فكما لو حلف ليذبحن الحمامات غدا فعطبت أو سرقت او استحقت فذكر خليل رحمه الله تعالى قولين.
ومذهب المدونة الحنث.
وأما الشرعى فكما لو حلف ليطأنها الليلة فوجدها حائضا أو حلف ليبيعن الأمة فوجدها حاملا وذكر خليل فيه قولين ومذهب المدونة الحنث.
ونص سحنون رحمه الله تعالى فى مسئلة البيوع على عدم الحنث.
ووقع لابن القاسم وابن دينار رحمهما الله تعالى فيمن حلف ليطأن امرأته الليلة فقام فوجدها حائضا ان فرط قدر ما يمكنه الوط ء حنث والا فلا، واختاره ابن حبيب وابن يونس رحمهما الله تعالى.
وانما فرق ابن القاسم بين الموت والسرقة والبيع لأن الفعل فى الميت لا يمكنه البتة بخلاف السرقة والبيع فان الفعل يمكنه اذا مكن من ذلك ومنع الشرع منه أو العادة لا يمنع بعض الحالفين من قصده فلا يعذر بفعل السارق ونحوه لأن من أصل ابن القاسم أن الحالف ليفعلن لا يعذر بالاكراه والغلبة الا أن ينوى ذلك.
قال ابن بشير رحمه الله تعالى وهذا الخلاف انما هو اذا أطلق اليمين، وأما لو خص وقال قدرت على الفعل أم لا فلا يختلف فى حنثه.
ولو قال ان أمكننى فلم أفعل فلا يختلف فى نفس حنثه (١).
وذكر فى الارشاد أن الفوت يكون بفوت الزمان كقوله لأدخلن اليوم فغربت الشمس ولم يدخل. هذا اذا كان الفعل مؤقتا أو غير مؤقت وبادر ولم يفرط، وأما ان كان غير مؤقت وفرط فانه حانث (٢).
ومن حلف أن لا يكلم فلانا فى الموسم حنث أن كلمه فى الحج الا أن يكون نوى سوقا من الأسواق، لأن الموسم قد تعرف فى الحج.
قال البرزلى وسئل السيورى عمن
стр. 4383
حلف لا دخل الدار ولا آكل الطعام فى هذا العيد فما قدر العيد، فأجاب العيد على قدر ما يعرفه الناس بينهم.
ومن حلف لا يعيد مع أهله فيخرج من بلده الى بلد آخر ولو قربت مسافته ولا يرجع الا فى اليوم الثانى ان كان عيد الفطر، وان كان عيد الأضحى فلا يجزئ الا بعد ثلاثة أيام.
ومن حلف بالطلاق أن لا يطأ أمرأته حتى الى العيد فلا يطؤها حتى العيد وبعد ما ينصرف الامام وان وطئها قبل ذلك حنث (١).
قال فى المدونة ومن حلف ليقضين فلانا حقه الى أجل فقضاه اياه ثم وجد فيه صاحب الحق درهما نحاسا أو رصاصا أو ناقصا نقصا بينا أو زائفا لا يجوز أو استحقت من يده فقام عليه بعد الأجل فهو حانث.
قال فى التوضيح لا أشكال فى الحنث اذا كان الدافع عالما بذلك حين القضاء، وأما ان لم يعلم ففى المدونة يحنث.
قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى وهو مشكل، لأن القصد أن لا يماطل وقد فعل (٢).
ومن حلف ليقضين فلانا حقه فى الأجل الفلانى فأعطاه رهنا لم يبر عند ابن القاسم رحمه الله تعالى وهو المشهور.
وقال أشهب رحمه الله تعالى يبر بذلك نقله ابن رشد رحمه الله تعالى ووجه قول ابن القاسم بأنه لا يرى البر الا بأكمل الوجوه (٣).
واذا حلف لك غريمك ليقضينك حقك رأس الشهر فوهبت له حقك أو وضعت منه صدقة أو صلة لم يبر، قال فى التوضيح لعدم حصول القضاء.
قال اللخمى هذا على مراعاة الألفاظ وأما على مراعاة المقاصد فلا يحنث، لأن القصد أن لا تكون نيته لددا.
وعلى الحنث فقيل يحنث بنفس قبول الهبة وان لم يحل الأجل - واليه ذهب اصبغ وابن حبيب رحمه الله تعالى.
وقيل لا يحنث حتى يحل الأجل ولم يقضه دينه، ولو قضاه اياه بعد القبول وقبل حلول الأجل لم يحنث وهو ظاهر قول مالك وأشهب (٤).
قال ابن القاسم رحمه الله تعالى ولو ان رجلا حلف ليقضين فلانا حقه
стр. 4384
غدا يوم الجمعة وهو يظن أنه يوم الجمعة فاذا هو يوم الخميس فان لم يقضه ذلك اليوم يوم الخميس حنث، لأن يمينه كانت على الخميس حين قال غدا فكانت يمينه على غد، ولا فرق فى ذلك بين أن يقدم غدا على الجمعة أو يؤخر، فان حلف ليقضين فلانا حقه غدا فقضاه اليوم فقد بر.
ولو حلف ليأكلن هذا الطعام غدا فأكله اليوم حنث اذ الطعام قد يخص به اليوم، والغريم انما القصد فيه القضاء.
قال أشهب، ان سئل فى أكله اليوم فقال دعونى اليوم فأنا والله آكله غدا فلا حنث عليه اذا أكله اليوم لأن قصده الأكل لا تعيين اليوم، وان كان على غير ذلك حنث (١).
قال مالك رحمه الله تعالى وأن حلف ليقضين فلانا حقه رأس الشهر أو عند رأس الشهر أو اذا استهل الشهر فله يوم وليلة من أول الشهر، وان قال الى استهلال الشهر أو الى رمضان فاذا انسلخ شعبان واستهل رمضان ولم يقضه حنث.
وروى ابن المواز عن ابن القاسم رحمهما الله تعالى ان كل ما ذكر فيه الى فهو حانث بغروب الشمس من آخر شهر هو فيه كقوله الى الهلال أو الى مجيئه أو الى رؤيته ونحوه، فان لم يذكر الى وذكر اللام أو عند أو اذا فله ليلة يهل الهلال، ويومها كقوله لرؤية الهلال، لدخوله، لاستهلاله أو عند رؤيته أو اذا استهل أو اذا دخل ونحوه (٢)، ولو حلف لا يكلمه لأيام لم يكلمه الأبد لقول الله «بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ» (٣) فلو قال الشهور ففى كونه سنة لقول الله «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً» (٤) أو الأبد قولان.
قال اللخمى رحمه الله تعالى ولو حلف لا كلمه شهورا أو أياما أو سنين فثلاثة من المسمى.
وفى العتبية والواضحة: يجزئه ثلاثة أيام، لقول رسول الله ﷺ لا يحل لامرئ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال.
واستحب سحنون رحمه الله تعالى الزيادة عليها.
وقيل: يلزمه الأبد وقيل بمضى مدة عادتهما الاجتماع فيما دونها.
стр. 4385
وقيل سنة.
وقيل ثمانية أشهر.
وقال مالك رحمه الله تعالى ومن قال والله لأقضينك حقك الى حين أو زمن أو دهر فذلك كله سنة.
قال اللخمى وكذلك عصرا أو زمانا سنة (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن اليمين تصح على ماض وعلى مستقبل، أما الماضى فنحو قولك والله ما فعلت كذا أو فعلته وذلك بالاجماع لقول الله «يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا» (٢) ثم ان كان عامدا فهى اليمين الغموس سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها فى الاثم أو فى النار وتتعلق بها الكفارة خلافا للأئمة الثلاثة لقول الله «وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ» (٣) وهو يعم الماضى والمستقبل وتعلق الاثم لا يمنع الكفارة.
وأما المستقبل فلقول رسول الله ﷺ «والله لأغزون قريشا» (٤).
ولو حلف ليأكلن هذا الطعام غدا فمات قبل الغد فلا شئ عليه لأنه لم يبلغ زمن البر والحنث، وان مات أو تلف الطعام أو بعضه فى الغد بعد تمكنه من أكله حنث، لأنه فوت البر على نفسه باختياره، وان تلف قبل التمكن ففى حنثه قولان كمكره، أظهرهما عدم الحنث، لأن فوت البر ليس باختياره، وأن أتلفه أو اتلف بعضه بأكل أو غيره قبل الغد عالما عامدا مختارا حنث، لأنه فوت البر باختياره، وقضية كلامه أنه يحنث فى الحال لتحقق الياس وهو وجه.
والأصح أنه لا يحنث حتى يأتى الغد، كما قطع به ابن كج.
وعلى هذا هل حنثه بمضى زمن امكان الأكل من الغد أو قبيل غروب الشمس؟ وجهان أصحهما الأول كما قاله البغوى والامام رحمهما الله تعالى.
وتظهر فائدة الخلاف فيما لو كان معسرا يكفر بالصوم فيجوز له أن ينوى صوم الغد عن كفارته على قضية كلام
стр. 4386
الامام النووى رحمه الله تعالى دون الأصح. وان تلف الطعام بنفسه أو أتلفه أجنبى قبل الغد فكمكره والأظهر فيه عدم الحنث.
ولو قال مخاطبا لشخص له عليه حق: والله لأقضين حقك عند رأس الهلال أو معه أو مع الاستهلال أو عنده أو عند رأس الشهر أو مع رأسه او اول الشهر فليقض الحق المحلوف عليه عند غروب الشمس آخر الشهر الذى قبله لوقوع هذا اللفظ على أول جزء من الليلة الأولى من الشهر ويعرف اما برؤية الهلال أو العدد لكن لفظة عند أو مع تقتضى المقارنة.
قال الرافعى: وذكر الامام والغزالى رحمهما الله تعالى أن هذا لا يكاد يقدر عليه فأما أن يتسامح فيه ويقنع بالممكن أو يقال التزم محالا فيحنث بكل حال وهذا لا ذاهب اليه، وظاهر كلامهم الأول كما يؤخذ من كلام النووى رحمه الله تعالى فان قدم قضاء الحق على غروب الشمس أو مضى بعد الغروب قدر امكان قضاء الحق حنث لتفويته البر باختياره، وكذا لو مضى زمن الشروع ولم يشرع مع الامكان، ولا يتوقف على مضى زمن القضاء كما صرح به الماوردى رحمه الله تعالى، فينبغى أن يعد المال ويترصد ذلك الوقت فيقضيه فيه.
وقد ذكر الشيخان رحمهما الله تعالى فيما لو قال لأقضين غدا ونوى أنه لا يؤخره عن الغد أنه لا يحنث بقضائه قبله فيجئ مثله هنا فيستثنى هذا من قول النووى رحمه الله تعالى.
وان شرع فى الكيل أو الوزن أو العد عند غروب الشمس أو فى مقدمة القضاء كحمل الكيل أو الميزان ولم يفرغ من توفية الحق الموزون أو المكيل مع تواصل الكيل أو الوزن أو نحوه كما يشير اليه كلام الماوردى، وابن الصباغ رحمهما الله تعالى الا بعد مدة لم يحنث، لأنه أخذ فى القضاء عند ميقاته فان حصلت فترات لا يعد الكيل أو نحوه فيها متواصلا حنث حيث لا عذر.
ولو حمل الحق اليه حين الغروب ومنزله بعيد لا يصل اليه حتى تمضى الليلة لم يحنث كما قاله الماوردى رحمه الله تعالى.
ولو شك فى الهلال فاخر القضاء عن الليلة الأولى وبان كونها من الشهر لم يحنث كالمكره وانحلت اليمين كما قاله ابن المقرى رحمه الله تعالى.
ولو رأى الهلال بالنهار بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة، فلو أخر القضاء الى الغروب لم يحنث كما قاله الصيدلانى رحمه الله تعالى (١).
стр. 4387
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن اليمين المنعقدة هى التى يمكن فيها البر والحنث بأن يقصد عقدها على مستقبل، فأما اليمين على الماضى فليست منعقدة، لأن شرط الانعقاد امكان البر والحنث، وذلك متعذر فى الماضى واليمين على الماضى نوعان: غموس ولغو.
أما الغموس فهى التى يحلف بها على الماضى كاذبا عالما (١).
وأما اللغو فهى سبق اليمين على لسانه من غير قصد كقوله لا والله وبلى والله فى عرض حديثه لحديث عطاء عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ قال:
اللغو فى اليمين كلام الرجل فى بيته لا والله وبلى والله رواه أبو داود وظاهر الحديث أن اللغو ولو كان قوله لا والله وبلى والله فى عرض حديثه على شئ يفعل فى الزمن المستقبل، لظاهر الخبر، ولا كفارة فيها لقوله تعالى «لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ.» (٢)
وان عقدها على زمن خاص ماض يظن صدق نفسه كأن حلف ما فعل كذا بظنه لم يفعله فبان بخلافه حنث فى طلاق وعتاق فقط، بخلاف الحلف بالله تعالى أو بنذر أو ظهار لأنه من لغو الأيمان.
وقال الشيخ وكذا عقد اليمين على زمن مستقبل ظانا صدقه فلم يكن صدقه كمن حلف على غيره يظن أنه يطيعه فلم يفعل أو ظن المحلوف عليه خلاف نية الحالف ونحو ذلك (٣).
ولو حلف ليقضين فلانا حقه غدا فقضاه حقه قبله لم يحنث اذا قصد أن لا يجاوز الغد، أو كان السبب يقتضى التعجيل قبل خروج الغد، لأن مقتضى اليمين تعجيل القضاء ولأن السبب يدل على النية فان عدمت النية وسبب اليمين لم يبرأ الا بقضائه حقه فى الغد، فان عجله قبله حنث كما لو أخره عنه، لأنه ترك فعل ما تناوله يمينه لفظا ولم يصرفها عنه نية ولا سبب كما لو حلف ليصومن شعبان فصام رجب وكذا لو حلف لآكلن شيئا غدا أو لأبيعنه غدا، أو لأشترينه غدا، أو لأضربنه غدا ونحوه. وان قصد بحلفه ليقضينه حقه غدا مطله فقضاه قبله حنث لأن اليمين انعقدت على ما نواه وقد خالفه (٤).
ولو حلف لا يكلم فلانا حينا فالحين يقدر بستة أشهر اذا أطلق ولم ينو الحالف شيئا، لأن
стр. 4388
الحين المطلق فى كلام الله تعالى أقله ستة فيحمل مطلق كلام الآدمى عليه.
قال عكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة رضى الله تعالى عنهم فى قوله تعالى:
«تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ» (١) أى كل ستة أشهر وأما قوله تعالى «فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ» (٢) الآية وقوله «فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ» (٣) فصرفه عن ذلك صارف، وكذا الزمان معرفا أى فهو ستة أشهر قدمه فى المبدع وغيره ولم يعلله، وان قال زمنا أو دهرا أو بعيدا أو مليا أو طويلا أو وقتا أو عمرا أو حقبا فاقل زمان، لأن ما زاد عليه مشكوك فى اردته من اللفظ والأصل عدمه، وان قال الأبد والدهر والعمر معرفا فكل واحد منهما على الزمان كله لأن الألف واللام فيهما للاستغراق، والحقب ثمانون سنة والشهور ثلاثة كالأشهر والأيام لأن أقل الجمع ثلاثة على المتعارف.
وان قال لا أكلمه ونحوه الى الحول فحول كامل من حين اليمين لا تتمته ان حلف فى أثناء حول، قال فى الفروع: أومأ اليه أحمد ذكره فى الانتصار.
وان حلف لا يتكلم ثلاثة أيام أو ثلاث ليال دخل فى ذلك الأيام التى بين الليالى والليالى التى بين الأيام، قال فى المبدع: وان عين أياما تبعتها الليالى (٤).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى: أن من حلف أن لا يفعل أمرا كذا أو أن يفعل امرا كذا فان وقت وقتا مثل غدا أو يوم كذا أو اليوم أو فى وقت يسميه، فان مضى ذلك الوقت ولم يفعل ما حلف أن يفعله فيه عامدا ذاكرا ليمينه، أو فعل ما حلف أن لا يفعله فيه عامدا ذاكرا ليمينه فعليه كفارة اليمين هذا ما لا خلاف فيه من أحد، وبه جاء القرآن الكريم والسنة.
فان لم يوقت وقتا فى قوله لأفعلن كذا فهو على البر أبدا حتى يموت، وكذلك لو وقت وقتا ولا فرق ولا حنث عليه (٥).
ومن حلف ليقضين غريمه حقه رأس الهلال فانه ان قضاه حقه أول ليلة من الشهر أو أول يوم منه ما لم تغرب الشمس لم يحنث، لأن هذا هو رأس الهلال فى اللغة، فان لم يقضه فى الليلة أو اليوم المذكورين وهو قادر على قضائه ذاكر حنث (٦)
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن من شروط
стр. 4389
انعقاد اليمين أن يكون على أمر مستقبل ممكن، فان حلف على أمر ماض أو على فعل ما لا يمكن فانكشف تعذره كانت لغوا وان لم يظن صدقها كانت غموسا.
وحيث علق اليمين (١) بمستقبل فان علقه برأس الشهر فهو اسم لأول ليلة منه، فلو حلف ليأتينه رأس الشهر لم يبر الا أن يأتيه من غروب شمس آخر يوم من الشهر الأول الى فجر تلك الليلة - وانما جعل الليل كله وقتا لعسر ضبط أوله، والا فالحقيقة أن ذلك لأول جزء من الليل - والشهر اسم لجميعه الى آخر جزء منه فلو حلف ليأتينه فى شهر رجب، فان أتاه قبل غروب شمس آخر يوم منه بر، والا حنث، والعشاء ممتد من وقت المغرب الى ثلث الليل، فلو حلف ليأتينه وقت العشاء، فأتاه تلك الليلة ما بين غروب الشفق الى ثلث الليل بر، والا حنث الا أن يجرى عرف أن وقت العشاء يطلق على الليل كله، فانه يبر اذا أتاه قبل طلوع الفجر بما يسع ركعة، والظهر ممتد من الزوال الى بقية تسع خمس ركعات، فلو حلف ليأتينه وقت الظهر فأتاه فى بقية من النهار تسع خمس ركعات قبل الغروب بر، والا حنث (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أن اليمين لا تنعقد على ماض سواء كانت على نفى أو اثبات، ولا يجب بها الكفارة صادقا كان أو كاذبا، عالما كان أو ناسيا لاجماع الفرقة وأخبارهم (٣).
واذا حلف على أمر مستقبل أن يفعل أو لا يفعل ثم خالفه عامدا كان عليه الكفارة بلا خلاف، وان خالفه ناسيا لم يجب عندنا الكفارة، لأن الأصل براءة الذمة وشغلها يحتاج الى دليل، وأيضا روى عن النبى ﷺ أنه قال:
«رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وهذا نسيان (٤).
واذا حلف ليأكلن هذا الطعام غدا فأكله اليوم حنث لأن اليمين وقعت على أن يقع الأكل فى غد وهذا ما أكل فى الغد، فيجب أن يحنث (٥). واذا حلف ليأكلنه غدا فهلك الطعام اليوم أو غدا، فان هلك بشئ من جهته لزمته الكفارة، وان هلك بشئ من غير جهته فى اليوم لم تلزمه وان كان فى الغد، فان كان بعد القدرة على أكله فلم يأكله حنث وان كان قبل ذلك لم يحنث (٦).
واذا حلف ليقضين حقه عند رأس الهلال أو عند استهلال الشهر فانه مما يلزمه أن يعطيه عند رؤية الهلال، لأن لفظة عند
стр. 4390
تفيد المقارنة فى اللغة فمن حملها على غير ذلك كان عليه الدلالة (١).
واذا حلف ليقضين حقه الى حين أو الى زمان أو الى دهر، فالذى رواه أصحابنا ان الحين ستة أشهر والزمان خمسة أشهر، ولم يرووا فى الدهر شيئا (٢).
واذا حلف ليقضينه حقه قريبا أو بعيدا فليس له حد، لأن تحديد ذلك يحتاج الى دليل وأيضا قوله قريب وبعيد بالاضافة فقد يكون قريبا بالاضافة الى ما هو أبعد منه، ويكون بعيدا بالأضافة الى ما هو أقرب منه، فاذن ليس ذلك بمحدد (٣).
واذا حلف الى حقب فلا حد له (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل ان اليمين الكاذبة اذا تعلقت بالماضى فعلا أو تركا فهى الغموس، واما الصادقة المتعلقة بالماضى فليست غموسا (٥).
ومن حلف على فعل أو ترك فى الشتاء فالشتاء وقت دخول الناس بيوتهم لا يعتبر حساب المنجمين ولا البرد فى غير وقته، ويعتبر فى القيظ قيظ العامة. وفى آخر القيظ آخر الرطب والربيع وقت النحل وربيع الثمار عامة الجذاذ واستتار عامة النحل، ولا يعتبر الشواذ، والصيف ثلاثة أشهر وآخر اليوم أو الشهر أو السنة ما قبل حلول صلاة المغرب.
وقيل آخر اليوم آخر العشاء وآخر الشهر بعد نصفه.
وقيل آخر ذلك كله ما قبل طلوع الفجر.
وان كان ذلك معلقا للعيد فالخلاف المذكور وقيل انصراف الامام من العيد وهو توسعة.
ومن حلف لا يدخل السوق الا بالنهار فدخله فيه وبات فلا عليه، والدهر بأل الأبد، وبدون أل سنة، والحين ستة أشهر وقيل سنة، وقيل زمان ولو قال، والضحى وقت ارتفاع الشمس ما لم يكن الزوال، والشروق وقت طلوعها، والزمان يوم وليلة، وقيل سنة، وقيل أربع.
وان قال أياما فثلاثة وقيل عشرة واذا كانت له نية فى ذلك كله فعلى نيته.
ولو حلف ان يفعل كذا فى رمضان أو غير من الأوقات أو ليوفين غريمه دينه يوم كذا
стр. 4391
فمات قبل دخول الشهر أو اليوم أو الوقت الذى وقته حنث، ولا يلزمهم أن يخرجوا عنه كفارة الحنث الا أن يوصى بها حين احتضر، وقيل لا وهو المختار، لأنه ما حلف الا أنه يفعله وهو حى لأن الفعل لا يكون بعد موته فكأنه قد صرح بشرط الحياة الى ذلك الوقت (١).
الاضافة فى النذر
أولا: حكم اضافة النذر الى
ما ليس فى ملك الناذر
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن من شروط المنذور به اذا كان مالا أن يكون مملوكا للناذر وقت النذر أو أن يكون مضافا الى الملك أو سبب الملك، حتى لو نذر بهدى ما لا يملكه أو بصدقة ما لا يملكه للحال لا يصح لقول رسول الله ﷺ : لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم الا اذا اضاف الى الملك أو الى سبب الملك بأن قال كل مال أملكه فيما استقبل فهو هدى، أو قال فهو صدقة أو قال: كل ما اشتريته أو ما أرثه فيصح عند أصحابنا رحمهم الله تعالى لقول الله «وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ»﴾. الى قوله تعالى «فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ»﴾. (٢) ودلت الآية الشريفة على صحة النذر المضاف لأن الناذر بنذره عاهد الله تعالى الوفاء بنذره وقد لزمه الوفاء بما عهد، والمؤاخذة على ترك الوفاء به، ولا يكون ذلك الا فى النذر الصحيح (٣).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه: ان النذر المالى لا يلزم اذا نذر مال غيره من عبده أو داره أو غيرهما ان لم يرد بنذره اياه ان ملكه، كان يقول لله على عتق عبد فلان أو التصدق بمال فلان أو داره على الفقراء فان أراد ذلك ان ملكه لزمه حين يملكه لأنه تعليق (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه يشترط فى انعقاد نذر القربة المالية - كالصدقة والأضحية الالتزام لها فى الذمة، أو الاضافة الى معين يملكه كأن يقول لله على
стр. 4392
أن أتصدق بدينار أو بهذا الدينار بخلاف ما لو أضاف الى معين يملكه غيره، كأن يقول لله على أن أعتق عبد فلان لما رواه مسلم أن رسول الله ﷺ قال:
لا نذر فى معصية الله ولا فيما لا يملكه ابن آدم.
وان قال ان ملكت عبدا أو شفى الله مريضى وملكت عبدا فلله على ان اعتقه، أو ان شفى الله مريضى فلله على أن أعتق عبدا أو ان ملكته أو فلله على أن أشترى عبدا وأعتقه انعقد نذره، لأنه التزم قربة فى مقابلة نعمة (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: قال الشيخ تقى الدين يصح اتفاقا تعليق النذر بالملك نحو قوله ان رزقنى الله مالا فلله على ان اتصدق به أو بشئ منه، وقد دل على ذلك قول الله (٢) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ﴾. الآية (٣).
ولو قال ان ملكت عبد زيد فلله على ان أعتقه بقصد القربة الزم بعتقه اذا ملكه (٤).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ان من نذر عتق عبد فلان ان ملكه أو اوجب على نفسه عتق عبده ان باعه فان من أخرج ذلك مخرج اليمين فهو باطل لا يلزم فان أخرج ذلك مخرج النذر لم يلزمه أيضا شئ، لأنه اذا قال:
عبدى حر ان بعته، أو قال: ثوبى هذا صدقة ان بعته فباعه فقد سقط ملكه عنه، واذا سقط ملكه عنه فمن الباطل أن ينفذ عتقه فى عبد لا يملكه هو، وانما يملكه غيره وصدقته كذلك.
ومن قال ان ابتعت عبد فلان فهو حر، أو ان ابتعت دار فلان فهى صدقة ثم ابتاع كل ذلك لم يلزمه عتق ولا صدقة، لما روينا من طريق مسلم أن النبى ﷺ قال «لا وفاء لنذر فى معصية ولا فيما لا يملكه العبد (٥).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أنه يشترط فى المال المنذور به أن يكون مملوكا للناذر فى الحال وذلك واضح أو يكون سببه مملوكا له وذلك نحو أن ينذر بما تلده دابته أو أمته أو تغله أرضه، أو يستملكه فى المال، لأن النذر يتعلق على الذمة فاذا أضافه الى ملكه صح لكن هذا القيد الثالث لا يكفى الا بشروط ثلاثة.
стр. 4393
وهى أن يقيده بشرط، فلو أطلق فقال نذرت بالدار الفلانية وهو لا يملكها لم ينعقد.
والثانى: أن يضيف الى ملكه نحو أن يقول ما ورثته من فلان أو ملكته من جهته أو نحو ذلك، فلو لم يضف الى نفسه، بل قال الدار الفلانية أو نحو ذلك لم ينعقد.
والشرط الثالث: أن يحنث بعد ملك هذا الشئ نحو أن يقول ان دخلت هذه الدار فما أرثه من فلان صدقة فحنث بعد أن ورث فلانا فانه ينعقد النذر ويلزمه الثلث، وان حنث قبل أن يرثه لم يلزمه شئ.
ومتى تعلق النذر بالعين المملوكة اعتبر بقاؤها، ولو نقدا، واستمرار الملك الى الحنث نحو أن يقول أن شفى الله مريضى فدابتى هذه صدقة أو نحو ذلك فاذا تلفت أو أخرجها عن ملكه قبل أن يحصل الشرط بطل النذر بها، ولو عادت الى ملكه ثم شفى مريضه لم يلزمه شئ وفى قول للمؤيد بالله: اذا عادت الى ملكه ثم حنث لزمه الوفاء بالنذر (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أن الناذر لو قال أول مملوك أملكه فهو حر فملك جماعة أعتق أحدهم بالقرعة لأن مملوكا نكرة واقعة فى الاثبات فلا يعم بل يصدق بواحد، فلا يتناول غيره لاصالة البراءة، وكذا لو قال أول مولود تلده فهو حر (٢).
ولو قال أول ما تلده فهو حر فولدت توأمين - أى ولدين فى بطن «عتقا معا ان ولدتهما دفعة واحدة». وكذا لو نذر عتق أول ما يملكه فملك جماعة دفعة واحدة بأن قبل شراءهم أو تملكهم فى عقد واحد أو ورثهم من واحد فانهم يعتقون جميعا. لأن ما من صيغ العموم فيشمل التوأمين كما يشمل الجماعة. ولو ولدت التوأمين متعاقبين عتق الأول منهما خاصة، والشيخ لم يقيد بالدفعة، تبعا للرواية وتبعه جماعة منهم صاحب اللمعة الدمشقية هنا وحملت على أرادة أول حمل هذا ان ولدته حيا، والا عتق الثانى، لأن الميت لا يصلح للعتق ونذره صحيحا يدل على حياته التزاما.
وقيل يبطل لفوات متعلقه ولو ولدته حرا أو مستحقا للعتق لعارض فوجهان (٣) فلا فرق حينئذ بين نذر ما تلده ونذر ما يملكه فيهما نظرا الى مدلول الصيغة فى العموم وعدمه، ومن خص احداهما باحدى العبارتين والأخرى بالأخرى فقد مثل هذا غاية ما بينهما من الفرق.
стр. 4394
وفيه بحث لأن (ما) هنا تحتمل المصدرية والنكرة المثبتة تحتمل الجنسية فيلحق الأول بالثانى والثانى بالأول، ولا شبهة فيه عند قصده، وانما الشك مع اطلاقه، لأنه حينئذ مشترك فلا يخص بأحد معانيه بدون القرينة الا أن يدعى وجودها فيما ادعوه من الأفراد، وغير بعيد ظهور الفرد المدعى وان احتمل خلافه وهو مرجح مع أن فى دلالة الجنسية على تقدير ارادتها أو دلالتها على العموم نظرا الى أنه صالح للقليل والكثير ثم على تقدير التعدد والحمل على الواحد يستخرج المعتق بالقرعة كما ذكر، لصحيحة الحلبى فى رجل قال أول مملوك أملكه فهو حر فورث سبعة جميعا، أنه يقرع بينهم ويعتق الذى خرج اسمه، والآخر من العبارتين - وهو أول مولود - محمول على المذكور، لأنه بمعناه.
وقد يشكل ذلك فى غير مورد النص بأن القرعة لاخراج ما هو معلوم فى نفس الأمر مشتبه ظاهرا وهنا الاشتباه واقع مطلقا فلا تتوجه القرعة فى غير موضع النص الا أن يمنع تخصيصها بما ذكر نظرا الى عموم قولهم ﵈ «انها لكل أمر مشتبه» لكن خصوصية هذه العبارة لم تصل الينا مستندة على وجه يعتمد وان كانت مشهورة.
وقيل يتخير فى تعيين من شاء لرواية الحسن الصيقل عنه ﵇ فى المسألة بعينها لكن الرواية ضعيفة، ولولا ذلك لكان القول بالتخيير وحمل القرعة على الاستحباب طريق الجمع بين الاخبار.
وصاحب اللمعة فى الشرح اختار التخيير جمعا مع اعتراف بضعف الرواية.
وربما قيل ببطلان النذر، لافادة الصيغة وحدة المعتق ولم توجد.
وربما احتمل عتق الجميع لوجود الأولية فى كل واحد كما لو قال من سبق فله كذا فسبق جماعة والفرق واضح (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن الناذر اذا نذر وقال لله على أن رزقنى الله مالا أن أحج العام أو فى عام كذا أو أن أحج لزمه ذلك الذى ألزم نفسه مما يطيقه أن أعطى ما سأل (٢).
ثانيا - حكم اضافة النذر الى وقت
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن النذر ان كان مضافا الى وقت بأن قال: لله على أن أصوم
стр. 4395
رجب أو أن أصلى ركعتين يوم كذا، أو أن أتصدق بدرهم فى يوم كذا، فوقت الوجوب فى الصدقة هو وقت وجود النذور فى قولهم جميعا حتى يجوز تقديمها على الوقت بلا خلاف بين أصحابنا، واختلف فى الصوم والصلاة.
قال محمد رحمه الله تعالى: وقت الوجوب هو وقت مجئ الوقت حتى لا يجوز تقديمه على الوقت، وذلك لأن النذر ايجاب ما شرع فى الوقت نفلا، ألا ترى أن النذر بما ليس بمشروع نفلا وفى وقت لا يتصور كصوم الليل وغيره لا يصح، والناذر أوجب على نفسه الصوم فى وقت مخصوص فلا يجب عليه قبل مجئ ذلك الوقت بخلاف الصدقة لأنها عبادة مالية لا تعلق لها بالوقت بل بالمال فكان ذكر الوقت فيه لغوا بخلاف العبادة البدنية.
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: وقت الوجوب فيهما وقت وجود النذر، حتى يجوز تقديمه على الوقت، لأن الوجوب ثابت قبل الوقت المضاف اليه النذر فكان الأداء قبل الوقت المذكور أداء بعد الوجوب فيجوز والدليل على تحقيق الوجوب قبل الوقت المعين وجهان.
أحدهما أن العبادات واجبة على الدوام بشرط الامكان وانتفاء الحرج بالنصوص والمعقول، أما النصوص فقول الله :
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ» (١) وقوله تعالى: «وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)﴾ (٢) ونحو ذلك، وأما المعقول فهو أن العبادة ليست الا خدمة المولى وخدمة المولى على العبد مستحقة والتبرع من العبد على المولى محال والعبودية دائمة فكان وجوب العبادة عليه دائما ولأن العبادات وجبت شكرا للنعمة والنعمة دائمة فيجب أن يكون شكرها دائما حسب دوام النعمة الا أن الشرع رخص للعبد تركها فى بعض الأوقات فاذا نذر فقد اختار العزيمة وترك الرخصة فيعود حكم العزيمة كالمسافر اذا اختار صوم رمضان فصام سقط عنه الغرض لأن الواجب عليه هو الصوم الا أنه رخص له تركه لعذر السفر، فاذا صام فقد اختار العزيمة وترك الرخصة فعاد حكم العزيمة لهذا المعنى كان المشروع فى نفل العبادة اللزوم فى الحقيقة بما ذكرنا من الدلائل بالمشروع الا أنه لما شرع فقد اختار العزيمة وترك الرخص فعاد حكم العزيمة كذا فى النذر.
والثانى أنه وجه سبب الوجوب للحال وهو النذر وأنما لأجل ترفيه يترفه به فى التأخير، فاذا عجل فقد أحسن فى اسقاط الأجل فيجوز كما فى الاقامة فى حق المسافر لصوم رمضان، وهذا لأن الصيغة صيغة ايجاب - أعنى قوله لله على أن أصوم - والأصل فى كل لفظ موجود فى زمان اعتباره فيه فيما يقتضيه فى وضع
стр. 4396
اللغة ولا يجوز أبطاله ولا تغييره الى غير ما وضع له الا بدليل قاطع أو ضرورة داعية، ومعلوم أنه لا ضرورة الى ابطال هذه الصيغة ولا الى تغييرها ولا دليل سوى ذكر الوقت وأنه محتمل، وقد يذكر للوجوب فيه كما فى باب الصلاة، وقد يذكر لصحة الأداء كما فى الحج والأضحية، وقد يذكر للترفيه والتوسعة كما فى وقت الاقامة للمسافر والحول فى باب الزكاة فكان ذكر الوقت فى نفسه محتملا، فلا يجوز ابطال صيغة الايجاب الموجودة للحال مع الاحتمال، فبقيت الصيغة موجبة، وذكر الوقت للترفيه والتوسعة كيلا يؤدى الى ابطال الثابت بيقين الى أمر محتمل وبه تبين أن هذا ليس بايجاب صوم رجب عينا به هو ايجاب صوم مقدر بالشهر أى شهر كان فكان ذكر رجب لتقرير الواجب لا للتعيين فأى شهر اتصل الأداء به تعين ذلك الشهر للوجوب فيه وان لم يتصل به الأداء الى رجب تعين رجب لوجوب الأداء فيه فكان تعيين كل شهر قبل رجب باتصال الأداء بشهر قبله كما فى باب الصلاة انها تجب فى جزء من الوقت غير عين وانما يتعين الوجوب بالشروع ان شرع فيها وان لم يشرع الى آخر الوقت تعين آخر الوقت للوجوب وهو الصحيح من الأقاويل على ما عرف فى أصول الفقه (١)، وكما فى النذر المطلق عن الوقت وسائر الواجبات المطلقة عن الوقت من قضاء رمضان والكفارة وغيرهما أنها تجب فى مطلق الوقت فى غير عين وانما يتعين الوجوب اما باتصال الأداء به واما بآخر العمر اذا صار الى حال لو لم يؤد لفات بالموت.
ثم النذر المضاف الى وقت لا يخلو من أن يضاف الى وقت مبهم أو أن يضاف الى وقت معين.
فان أضيف الى وقت مبهم بأن قال:
لله على أن أصوم شهرا ولا نية له فحكمه هو حكم الأمر المطلق عن الوقت، واختلف أهل الأصول فى ذلك هل حكمه وجوب الفعل على الفور أم على التراخى؟
حكى الكرخى رحمه الله تعالى عن أصحابنا أنه على الفور.
وروى ابن شجاع البلخى عن أصحابنا أنه يجب وجوبا موسعا، فظهر الاختلاف بين أصحابنا فى الحج.
فعند أبى يوسف رحمه الله تعالى يجب على الفور.
وعند محمد رحمه الله تعالى على التراخى.
стр. 4397
وروى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى مثل قول أبى يوسف.
وقال عامة مشايخنا بما وراء النهر أنه على التراخى، وتفسير الواجب على التراخى عندهم أنه يجب فى جزء من عمره غير معين واليه خيار التعيين، ففى أى وقت شرع فيه تعين ذلك الوقت للوجوب وان لم يشرع يتضيق الوجوب فى آخر عمره اذا بقى من آخر عمره قدر ما يمكنه الأداء فيه بغالب ظنه، حتى لو مات قبل الأداء يأثم بتركه وهو الصحيح، لأن الأمر بالفعل مطلق عن الوقت فلا يجوز تقييده الا بدليل، فكذلك النذر، لأن النصوص المقتضية لوجوب الوفاء بالنذر مطلقة عن الوقت، فلا يجوز تقييدها الا بدليل، وكذا سبب الوجوب وهو النذر وجد مطلقا عن الوقت والحكم يثبت على وفق السبب فيجب عليه أن يصوم شهرا من عمره غير عين، وخيار التعيين اليه الى أن يغلب على ظنه الفوت لو لم يصم فيضيق الوقت حينئذ.
وكذا حكم الاعتكاف المضاف الى وقت مبهم بأن قال: لله على أن أعتكف شهرا ولا نية له، وهذا بخلاف اليمين بالكلام بأن قال والله لا أكلم فلانا شهرا فانه يتعين الشهر الذى يلى اليمين.
وكذا الاجارة بأن أجر داره أو عبده شهرا فانه يتعين الشهر الذى يلى العقد، لأنه أضاف النذر الى شهر منكر، والصرف الى الشهر الذى يلى النذر يعين المنكر ولا يجوز تعيين المنكر الا بدليل هو الأصل، وقد قام دليل التعيين فى باب اليمين والاجارة لأن غرض الحالف منع نفسه عن الكلام، والانسان انما يمنع نفسه عن الكلام مع غيره لاهانته والاستخفاف به لداع يدعوه الى ذلك الحال، والاجارة تنعقد للحاجة الى الانتفاع بالمستأجر والحاجة قائمة عقيب العقد فيتعين الزمان المتعقب للعقد لثبوت حكم الاجارة ويجوز تعيين المبهم عند قيام الدليل المعين.
ولو نوى شهرا معينا صحت نيته، لأنه نوى ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد عليه، ثم فى النذر المضاف الى وقت مبهم اذا عين شهرا للصوم فهو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق، بخلاف الاعتكاف فانه اذا عين شهرا للاعتكاف فلابد من أن يعتكف متتابعا فى النهار والليالى جميعا، لأن الايجاب فى النوعين حصل مطلقا عن صفة التتابع الا أن فى ذات الاعتكاف ما يوجب التتابع، وهو كونه لبثا على الدوام، فكان مبناه على الاتصال والليالى والنهر قابلة لذلك فلابد من التتابع ومبنى الصوم ليس على التتابع بل على التفريق لما بين كل يومين ما لا يصلح له وهو الليل فبقى له الخيار.
وان أضيف الى وقت معين بأن قال
стр. 4398
لله على أن أصوم غدا فانه يجب عليه صوم الغد، وجوبا مضيقا ليس له رخصة التأخير من غير عذر، وكذا اذا قال لله على صوم رجب فلم يصم فيما سبق من الشهور على رجب، حتى هجم رجب فانه لا يجوز له التأخير من غير عذر، لأنه اذا لم يصم قبله حتى جاء رجب تعين رجب لوجوب الصوم فيه على التضييق فلا يباح له التأخير، ولو صام رجب وأفطر منه يوما فانه لا يلزمه الاستقبال، ولكنه يقضى ذلك اليوم من شهر آخر، بخلاف ما اذا قال لله على أن أصوم شهرا متتابعا أو قال أصوم شهرا ونوى التتابع فأفطر يوما فانه يستقبل، لأن هناك أوجب على نفسه صوما موصوفا بصفة التتابع وصح الايجاب لأن صفة التتابع زيادة قربة لما يلحقه بمراعاتها من زيادة مشقة وهى صفة معتبرة شرعا ورد الشرع بها فى كفارة القتل والظهار والافطار واليمين عندنا، فيصح التزامه بالنذر، فيلزمه كما التزم، فاذا ترك فلم يأت بالملتزم فيستقبل كما فى صوم كفارة الظهار والقتل، فأما ههنا فما أوجب على نفسه صوما متتابعا انما وجب عليه التتابع لضرورة تجاور الأيام لأن أيام الشهر متجاورة فكانت متتابعة فلا يلزمه الا قضاء ما أفطر كما لو أفطر يوما من رمضان فانه لا يلزمه الا قضاؤه وان كان صوم شهر رمضان متتابعا لما قلنا كذا هذا ولأنا لو الزمناه الاستقبال لوقع أكثر الصوم فى غير ما أضيف اليه النذر، ولو اتم وقضى يوما لكان مؤديا أكثر الصوم فى الوقت المعين فكان هذا أولى، ولو أفطر رجب كله قضى فى شهر آخر، لأنه فوت الواجب عن وقته فصار دينا عليه، والدين مقضى على لسان رسول الله ﷺ ولهذا وجب قضاء رمضان اذا فات عن وقته ولأن الوجوب عند النذر بايجاب الله عز شأنه، فيعتبر بالايجاب المبتدأ، وما أوجبه الله تعالى عز شأنه على عباده ابتداء لا يسقط عنه الا بالأداء أو القضاء كذا هذا (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل نقلا عن الرجراجى أن من نذر احراما بحج أو عمرة أن فعل كذا، لا يخلو من أن يقيد يمينه بوقت أولا يقيدها، فان قيدها بوقت غير معين وكانت يمينه بحج مثل أن يقول، يوم يفعل كذا فهو محرم فقد قال فى الكتاب أنه يكون محرما يوم فعله، وكذلك العمرة، وهل يكون محرما بنفس الفعل أو لابد من احرام يحرم به فيصير باحرامه محرما؟ فانه يتخرج على قولين:
أحدهما أنه لا يكون محرما بنفس
стр. 4399
الفعل حتى يبتدئ الاحرام - وهو ظاهر ما فى الكتاب -.
والثانى: أنه يكون محرما بنفس الفعل، وهو ظاهر قول سحنون فان تمكن له الخروج خرج فى الحال، والا بقى على احرامه حتى يصيب الطريق والحج والعمرة فى ذلك سواء.
فان لم يقيد يمينه بوقت مثل أن يقول ان فعل كذا وكذا فهو محرم، أو أنا محرم بحج أو عمرة فأما الحج فلا يخلو من أن يحنث قبل أشهر الحج أو فى أشهره فان حنث قبلها فأما فى قوله أنا أحرم فلا خلاف أعلمه فى المذهب أنه لا يكون محرما بنفس الحنث، وانما يكون محرما اذا دخلت عليه أشهر الحج، لأن أشهر الحج وقت الاحرام وقبلها لا يجوز، فاذا حنث قبل أشهر الحج أخر حتى تدخل الا أن تكون له نية فيكون محرما يوم حنث كما قال فى الكتاب غير أنه ينظر فان كان اذا أخر الخروج الى أشهر الحج لم يصل ولم يدرك الحج فينبغى له أن يخرج بغير احرام، فاذا دخلت أشهر الحج فى طريقه أحرم، فان حنث فى أشهر الحج فان الاحرام لم يلزمه ويكلف الخروج ليوفى بعهدة اليمين.
وأما قوله فأنا محرم فهل هو مثل قوله فأنا احرم والمذهب على ثلاثة أقوال.
أحدها: أن قوله فأنا محرم كقوله فأنا أحرم فلا يكون محرما بنفس الحنث وهو قول ابن القاسم رحمه الله تعالى.
والثانى: أنه يكون محرما بنفس الحنث فى أنا محرم وفى أنا أحرم وهو قول سحنون رحمه الله تعالى.
والثالث: الفرق بينهما.
واما العمرة يحنث الحالف بها فلا يخلو من أن يكون يمكنه الخروج أولا، فان امكنه الخروج ووجد الأصحاب فلا خلاف أعلمه فى المذهب أنه يؤمر بالخروج ولا يجوز له التأخير الا متأولا، فان لم يمكنه فقيل يلزمه الاحرام مع الانتظار وهو قول سحنون.
وقال مالك رحمه الله تعالى لا يلزمه الاحرام الا مع المشى وفى كلامه تعارض لأنه حكى أولا أنه لا يلزمه الاحرام فى أنا أحرم بنفس الحنث بلا خلاف ثم ذكر أنه يلزمه الحنث فى قول سحنون، وما ذكره أولا هو الصواب (١) هذا اذا قيد بوقت.
اما اذا لم يقيد فلو نذر الاحرام بعمرة مطلقا أى غير مقيد ذلك بزمن
стр. 4400
معين، لا بلفظ ولا بنية فيجب عليه أن يعجل الاحرام بها يوم حنثه، ولو نذر الاحرام بالحج مطلقا غير مقيد احرام بلفظ ولا بنية ثم حنث فانه لا يجب عليه أن يحرم حتى تدخل أشهر الحج ان كان يصل فيها الى مكة، وان لم يكن يصل فيجب عليه أن يحرم ويخرج من الوقت الذى يمكنه فيه أن يصل كما قاله أبو محمد، واختاره ابن يونس خلافا للقابسى فى قوله يدخل بغير احرام فاذا دخلت أشهر الحج أحرم (١).
وذكر ابن الحاجب فى كونه على الفور قولين، ثم ذكر مذهب المدونة فقال فى التوضيح وان لم يعين شيئا لا بلفظ ولا بنية.
فالقول بالفور لعبد الوهاب رحمه الله تعالى وعلله بأن النذور المطلقة محلها على الفور.
قال ابن عبد السّلام ﵀ والقول الآخر ظاهر الروايات.
وتأول الباجى قول عبد الوهاب على الاستحباب، قال ابن عبد السّلام:
وهو الصحيح (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى (٣) المحتاج أنه لو نذر المسلم صوم أيام معدودة معينة ندب تعجيلها مسارعة الى براءة الذمة فان قيد نذر صوم الأيام بتفريق أو موالاة وجب ذلك عملا بالتزامه أما الموالاة فقطعا، وأما التفريق فعلى الأصح، لأنه يراعى فى صيام التمتع وان لم يقيد بتفريق ولا موالاة جاز التفريق والموالاة عملا بمقتضى الاطلاق لكن الموالاة أفضل خروجا من خلاف أبى حنيفة رحمه الله تعالى ولو نذر صوم سنة معينة كسنة كذا، أو سنة من الغد، أو سنة من أول شهر كذا صامها عن نذره وأفطر منها يومى الفطر والأضحى وثلاثة أيام التشريق وجوبا لأنه غير قابل للصوم، وصام شهر رمضان منها عن رمضان، لأنه لا يقبل غيره ولا قضاء عليه للنذر، لأن هذه الأيام لو نذر صومها لم ينعقد نذره، فاذا أطلق فأولى أن لا تدخل فى نذره.
وان أفطرت امرأة فى سنة نذرت صيامها بحيض ونفاس وجب القضاء لأيامها فى الأظهر، لأن الزمان قابل للصوم وانما أفطرت لمعنى فيها فتقضى كصوم رمضان وهذا ما رجحه البغوى وصاحب التنبيه رحمهم الله تعالى.
стр. 4401
ويؤخذ من شرح الرافعى رحمه الله تعالى أن الأظهر أنه لا يجب قضاء زمن أيامها وبه قطع الجمهور (١).
ولو نذر صوم سنة هلالية غير معينة وشرط فيها التتابع وجب وفاء بما التزم، ولا يقطع التتابع فيها صوم رمضان عن فرض، وأفطر العيد والتشويق لاستثناء ذلك شرعا ويقضى المذكورات من رمضان والعيدين والتشريق لأنه التزم صوم سنة ولم يصمها تباعا ولا متصلة بآخر السنة عملا بشرط التتابع.
وقيل لا يقضى كالسنة المعينة.
ومحل الخلاف اذا أطلق اللفظ.
فان نوى الأيام التى تقبل الصوم من سنة متتابعة لم يلزمه القضاء قطعا.
وان نوى عددا يبلغ سنة كأن قال ثلاثمائة وستين يوما لزمه القضاء قطعا، واذا أطلق الناذر السنة حملت على الهلالية لأنها السنة شرعا (٢).
ولو نذر يوما بعينه لم يصم عنه يوما قبله فان فعل لم يصح كالواجب بأصل الشرع ولا يجوز تأخير عنه بغير عذر، فان أخره وفعله صح وكان قضاء.
ولو نذر يوما عينه من أسبوع ثم نسيه صام آخر الاسبوع وهو الجمعة فان لم يكن اليوم الذى عينه الجمعة وقع صوم يوم الجمعة قضاء عنه، وان كان هو فقد وفى بما التزمه (٣).
ولو نذر صوم بعض يوم لم ينعقد نذره، لأنه ليس بقربة.
وقيل ينعقد ويلزمه يوم، لأن صوم بعض اليوم ليس معهودا شرعا فلزمه يوم كامل.
ولو نذر الحج فى عامه، وهو متعذر لضيق الوقت كأن كان على مائة فرسخ ولم يبق الا يوم واحد لم ينعقد نذره لأنه لا يمكنه الاتيان بما التزمه.
ولو نذر أن يصوم يوم قدوم زيد فالأظهر انعقاده لامكان الوفاء به.
والثانى: لا، لتعذر الوفاء به.
وأجاب صاحب القول الأول بأنه يعلم قدومه غدا فينوى صومه ليلا،
стр. 4402
فان قدم زيد ليلا أو يوم عيد أو تشريق أو فى رمضان فلا شئ عليه، لأنه قيد باليوم ولم يوجد القدوم فى محل يقبل الصوم، ولو أراد باليوم الوقت أو لم يرده فقدم زيد ليلا استحب للناذر أن يصوم صبيحة ذلك اليوم لأجل خلاف من أوجبه كما قاله الماوردى رحمه الله تعالى أو يوما آخر شكرا لله تعالى كما قاله الرافعى رحمه الله تعالى، ولو قدم زيد نهارا والناذر مفطر أو صائم قضاء أو نذرا وجب فى الأحوال المذكورة يوم آخر قضاء عن هذا المنذور وهو صوم يوم قدوم زيد كما لو نذر صوم يوم ففاته، ويسن قضاء الصوم الواجب الذى هو فيه أيضا لأنه بان أنه صام يوما مستحق الصوم لكونه يوم قدوم زيد.
وللخروج من الخلاف قال الرافعى فى التهذيب: وفى هذا دليل على أنه اذا نذر صوم يوم بعينه ثم صامه عن نذر آخر أو قضاء ينعقد أى مع الاثم ويقضى نذر هذا اليوم (١).
ولو قدم زيد والناذر صائم نفلا وكان قدوم زيد قبل الزوال فكذلك يجب صوم يوم آخر عن نذره فى الأصح، لأنه لم يأت بالواجب عليه بالنذر، والنفل لا يقوم مقام الفرض وهذا بناء على الأصح فى لزوم الصوم من أول النهار.
وقيل لا، بل يجب تتميمه بقصد كونه عن النذر ويكفيه عن نذره بناء على أن لزوم الصوم من وقت قدومه ويكون أوله تطوعا وآخره فرضا كمن دخل فى صوم تطوع ثم نذر اتمامه.
ولو قال أن قدم زيد فلله على صوم اليوم التالى ليوم قدومه وان قدم عمرو فلله على صوم أول خميس بعد قدومه فقدم زيد وعمرو فى الأربعاء وجب صوم الخميس عن أول النذرين لسبقه ويقضى الآخر لتعذر الاتيان به فى وقته فلو صام الخميس عن النذر الثانى اثم وصح فى الأصح، لأنه يصح صوم يوم النذر عن غيره كما مر ذكره ويقضى يوما آخر عن النذر الآخر (٢).
ولو نذر الحج عامه وأمكنه فعله فيه بأن كان على مسافة يمكنه منها الحج فى ذلك العام لزمه فيه تفريعا على الصحيح فى تعيين الزمان فى العبادات، فلا يجوز تقديمها عليه كالصوم ولا تأخيرها عنه فان أخره وجب عليه القضاء فى العام الثانى كما قاله الماوردى رحمه الله تعالى أما اذا
стр. 4403
لم يقيده بعامه فانه يلزمه الحج فى أى عام شاء، فان منعه من الحج مرض وجب عليه القضاء كما لو نذر صوم سنة معينة فأفطر فيها بعذر المرض فانه يقضى، والنسيان وخطأ الطريق والضلال فيه كالمرض (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: ان المسلم اذا نذر صوم سنة معينة لم يدخل فى نذره رمضان ويوما العيدين وأيام التشريق، لأن ذلك لا يقبل الصوم عن النذر فلم يدخل فى نذره كالليل.
وان قال لله عليه أن يصوم سنة وأطلق ولم يعينها لزمه التتابع كما فى نذر صوم شهر مطلق.
ومن نذر صوم سنة مطلقة يصوم اثنى عشر شهرا سوى رمضان وأيام النهى - أى يومى العيدين وأيام التشريق - ولو شرط التتابع، لأنه عين بنذره سنة فانصرف الى سنة كاملة وهى اثنا عشر شهرا كاملة فلزمه قضاء رمضان وأيام النهى لذلك.
وان قال لله عليه أن يصوم سنة من الآن أو من وقت كذا فكمعينة لأن تعيين أولها تعيين لها اذ السنة اثنا عشر شهرا فاذا عين أولها تعين أن يكون آخرها انقضاء الثانى عشر.
وان نذر صوم الدهر لزمه كبقية النذر وان أفطر كفر فقط بلا قضاء بغير صوم، لأن الزمن مستغرق بالصوم المنذور ويكفر لترك المنذور.
ولا يدخل رمضان ويوم نهى فى نذر صوم الدهر كالليل ويقضى فطره من رمضان لعذر أو لغير عذر، لأنه واجب بأصل الشرع فيقدم على ما اوجبه على نفسه كتقديم حجة الاسلام على الحجة المنذورة ويكفر بفطره لرمضان لغير عذر، لأنه سببه قاله فى شرح المنتهى، ويصام لظهار ونحوه ككفارة القتل والوط ء فى نهار رمضان من اليوم المنذور صومه ويكفر مع صوم ظهار ونحوه فقط لأنه سببه، بخلاف صوم رمضان وقضائه.
وان نذر صوم يوم الخميس فوافق يوم عيد أو حيض أو أيام التشريق أفطر لأن الشارع حرم صومه وقضى، لأنه فاته ما نذر صومه وكفر لعدم الوفاء بنذره، وكما لو فاته لمرض.
وان نذر أن يصوم يوما معينا أبدا ثم جهل فقال الشيخ يصوم يوما من الأيام مطلقا.
стр. 4404
وقياس المذهب - وعليه كفارة لفوات التعيين.
وفيه شك لأنا لم نتحقق أن ما صامه خلاف ما عينه، ولا نوجب الكفارة بالشك (١).
وان نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم ليلا فلا شئ عليه لأنه لم يتحقق شرط فلم يجب نذره ولا يلزمه أن يصوم صبيحته ويستحب صوم يوم صبيحته.
ذكره فى المنتخب، وان قدم زيد نهارا والناذر مفطر، أو قدم يوم عيد أو حيض أو نفاس قضى وكفر، لأنه أفطر ما نذر صومه أشبه ما لو نذر صوم يوم الخميس فلم يصمه وعلم منه انعقاد نذره، لأنه زمن يصح فيه صوم التطوع فانعقد نذره لصومه كما لو أصبح صائما تطوعا ونذر اتمامه، وان قدم زيد والناذر صائم وكان قد بيت النية بخبر سمعه صح صومه وأجزأه وفاء بنذره، وان نوى الناذر الصوم حين قدم زيد لم يجزئه الصوم لعدم تبييت النية ويقضى ويكفر لفوات المحل، وان وافق قدوم زيد يوما من رمضان فعليه القضاء، لأنه لم يصمه عن نذره والكفارة لتأخير النذر عن ذمته، وان وافق قدوم زيد والناذر صائم عن نذر معين أتمه ولا يلزمه قضاؤه ولا يستحب كما فى الفروع والمنتهى ويقضى نذر القدوم كما لو قدم زيد فى صوم فى قضاء رمضان أو كفارة أو نذر مطلق، ومثل ذلك فى الحكم لو نذر صوم شهر من يوم يقدم فلان فقدم أول رمضان فعليه قضاء النذر والكفارة (٢).
وان نذر صو شهر معين كالمحرم فلم يصمه قضى، لأنه صوم واجب معين كقضاء رمضان متتابعا، لأن القضاء كالأداء وقد وجب متتابعا فكذلك قضاؤه وكفر سواء تركه لعذر أو غير عذر لتأخير النذر عن وقته، وان افطر من الشهر المعين لغير عذر استأنف، لأنه صوم يجب متتابعا بالنذر كما لو اشترط التتابع فيستأنف شهرا من يوم فطر وكفر لتأخير النذر، وان أفطر منه لعذر يبنى على ما صامه ويقضى ما افطره متتابعا متصلا بتمامه، لأن باقى الشهر منذور فلا يجوز ترك صومه، ويكفر لفوات زمن النذر.
والفرق بين رمضان والنذر ان تتابع رمضان بالشرع وتتابع النذر أوجبه على نفسه على صفة ثم فرقها، وان صام قبل الشهر المعين لم يجزئه الصوم كالصلاة قبل وقتها المعين، وكذلك ان نذر الحج فى عام فحج قبله لم يجزئه، فان كان نذره بصدقة مال جاز اخراجها قبل الوقت الذى عينه كالزكاة وكفارة اليمين بعده وقبل الحنث لوجود سببه.
стр. 4405
ولو جن الناذر الشهر المعين كله للصوم أو الاعتكاف لم يقضه لخروجه عن أهلية التكليف، ولم يكفر لذلك (١).
وان قال لله على الحج فى عامى هذا فلم يحج لعذر أو غيره فعليه القضاء لأنه لا يفعل ما نذره والكفارة لتأخيره عن محله.
وان نذر صوم شهر مطلق لزمه التتابع لأن اطلاق الشهر يقتضى التتابع وكما لو نواه وهو مخير ان شاء صام شهرا هلاليا من أوله ولو ناقصا وان شاء ابتدأ من اثناء الشهر ويلزمه شهر بالعدد ثلاثون يوما، لأن الشهر يطلق على ما بين الهلالين تاما كان أو ناقصا وعلى ثلاثين يوما فأيهما فعله خرج به من العهدة، فان قطع الصوم بلا عذر استأنفه، لأنه لو جاز له البناء بطل التتابع لتحلل الفطر فيه، وان افطر مع عذر يخير بين الاستئناف بلا كفارة، لأنه فعل المنذور على صفته وبين البناء ويتم ثلاثين يوما ويكفر لأنه لم يأت بالمنذور على وجهه أشبه ما لو حلف عليه.
وان نذر صيام أيام معدودة ولو ثلاثين يوما لم يلزمه تتابع لأن الأيام لا دلالة لها على التتابع بدليل قوله تعالى: «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ» (٢) الا بشرط بأن يقول متتابعة أو نية فيلزمه الوفاء بنذره وان شرط تفريقها لزمه فى الأقيس ذكره فى المبدع (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من نذر لله صوم يوم يقدم فيه فلان أو يوم يبرأ أو ينطلق فكان ذلك ليلا أو نهارا لم يلزمه فى ذلك اليوم شئ، لأنه ان كان ليلا فلم يكن ما نذر فيه وان كان نهارا فقد مضى وقت الدخول فى الصوم الا أن يقول: لله على صوم اليوم الذى أنطلق فيه أو يكون كذا فى الأبد أو مدة يسميها فيلزمه صيام ذلك اليوم فى المستأنف (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن الناذر اذا عين للصلاة والصوم والحج زمانا نحو أن يوجب على نفسه صلاة فى يوم كذا أو صوم يوم كذا أو حج سنة كذا فانه يتعين فاذا أخره أثم بالتأخير عن ذلك الوقت وأجزأه قضاؤه ولا كفارة وان قدمه على ذلك الوقت لم يجزه التقديم - قياسا على تقديم الصلاة قبل دخول وقتها - الا فى
стр. 4406
الصدقة - قياسا على تقديم الزكاة قبل الحول - فانه اذا قال لله على أن أتصدق يوم كذا بكذا ونحوها فيجزيه التقديم.
قال فى الكواكب لعله حيث يقول تصدقت بهذه على الفقراء ويصرف فى يوم كذا فى زمان كذا، فأما اذا قال تصدقت بهذه على الفقراء يوم كذا فلا يصح حتى يأتى ذلك اليوم، ثم يكون على الخلاف هل يتعين عليه فيه الاخراج أم لا، وقرره فى الشرح.
وظاهر المذهب خلافه، لأن قد جعلوا ذلك قياسا على جواز تعجيل الزكاة قبل تمام الحول.
والفرق بين الصدقة ونحوها والصلاة ونحوها أن الصلاة اذا عين لها وقتا أشبهت الفريضة المؤقتة فلا يصح تعجيلها كما فى الفروض الخمسة.
وكذلك الصوم والحج بخلاف الصدقة فقد يصح تعجيلها قبل وجوبها، فكذلك المنذور به (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أنه اذا نذرت المرأة ان تصوم أياما بعينها فحاضت فيها أفطرت وكان عليها القضاء سواء شرطت فيه التتابع أم لم تشرط ولم يقطع ذلك تتابعها لاجماع الفرقة واخبارهم (٢).
واذا نذر الرجل أو المرأة صيام أيام بعينها ثم مرض فيها فأفطر قضى ما أفطره ولا يجب عليه الاستئناف سواء شرط فيها التتابع أو لم يشرط لاجماع الفرقة وأخبارهم (٣).
واذا نذر أن يصوم أياما بعينها متتابعا فأفطرها فى سفر انقطع التتابع وعليه الاستئناف، لأن الذمة مرتهنة بصيام هذه الأيام وليس ههنا دليل على أن ذمته تبرأ اذا أفطر فى السفر ثم قضى هنا سقط (٤).
واذا نذر ان يصوم يوم الفطر لم ينعقد نذره لاجماع الفرقة ولأن الأصل براءة الذمة، ولقول رسول الله ﷺ : «لا نذر فى معصية لأن الصوم فى هذا اليوم معصية بلا خلاف (٥).
واذا قال لله على أن أصوم اليوم الذى يقدم فيه فلان فقدم ليلا لا يلزمه الصوم
стр. 4407
أصلا لأنه ما وجد شرطه بلا خلاف وان قدم فى بعض النهار فلا نص لأصحابنا فيه.
والذى يقتضى المذهب أنه لا ينعقد نذره ولا يلزمه صومه ولا صوم يوم بدله، لأن الأصل براءة الذمة وايجاب صوم يوم بدل هذا يحتاج الى دليل.
ويدل على أن نذره لا ينعقد أنه نذر صوما لا يمكنه الوفاء به فان بعض يوم لا يكون صوما، وجرى ذلك مجرى أن يقول يوم يقدم أصوم أمسه فانه لا يكون نذرا صحيحا لاستحالته.
واذا قال لله على أن أصوم كل خميس فوافق ذلك شهر رمضان فصامه أجزأه عن رمضان ولم يقع عن النذر سواء نوى به صوم شهر رمضان أو صوم النذر، ولم يقع عن النذر بحال، لأنه زمان لا يمكن ان يقع فيه صوم غير رمضان فلا يحتاج الى نية التعيين وايجاب صوم يوم بدله يحتاج الى دليل (١).
واذا نذر أن يصوم يوما بعينه فأفطر من غير عذر وجب عليه قضاؤه وعليه ما على من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا من الكفارة، وخالف جميع الفقهاء فى ذلك، لاجماع الفرقة وأخبارهم (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: ان الناذر ان قال فى نذره يوم يقدم فلان لله على أن أفعل كذا فقدم ليلا لزمه نذره وأمضاه ليلا ان أطلق نواه ولم يرد خصوص النهار بل ذهل أو أراد مطلق الزمان وعمم فى نواه، وان قيده بوقت معين وهو النهار لم يلزمه على المختار.
وقيل عليه تكفير نذره.
وقيل ان قال اذا قدم فلان فلله على صوم ذلك اليوم فقدم نهارا لم يلزمه لعدم تبييت النية ولا سيما ان فعل مفطرا.
ثم قيل: عليه بدله - وهو المختار - لأنه لما استحال شرعا على التحقيق انشاء الصوم من النهار كان كحالف على محال يحنث وتلزمه الكفارة فبدله عوض عما استحال وتكفير له وتدارك الى فعل ما يشبه نذره لأنه ان قدم ليلا فلا صوم بليل، وان قدم نهارا فلا انشاء صوم من نهار الا فى رمضان ان بان فى اليوم فلم يستحسنوا الغاء عقده بالكلية فألزموه البدل.
وقيل: لا بدل عليه، لأنه لا يمكنه صوم بليل ولا انشاؤه بنهار وصوم بعض النهار لا يكون قربة الا من قادم من سفر مفطر، ومن طاهرة من حيض أو نفاس، ومن مفيق من جنون أو بالغ أو مسلم من شرك وناقض يومه بلا عمد أو بعمد
стр. 4408
وتاب وصام بقيته ونحو ذلك، واذا ظن أنه يقدم نهارا أو شك وقد نذر أو أراد نذر صوم يوم قدومه فله ان يبيت الصوم ويشرط أنه اذا وقفت الشمس أو كادت أو قبل ذلك ولم يجئ مسافره أفطر ان شاء، وان جاء قبل ما ذكر أدام صيامه وأجزأه لنذره، وان لم يجئ الا بعد الزوال وقد دام على افطاره لم يجزه الا ان نوى أنه يصبح صائما وأنه ان جاء فى نهاره فذلك صوم نذره ولا يلزمه ان قدم ليلا، خلافا لبعض فى أنه يصوم يوم الليل.
وان نوى أن يصوم نهار ليلته التى يقدم فيها لزمه صوم ذلك النهار ان قدم ليلا.
وذكر بعضهم ان من نذرت أنه اذا كان كذا وكذا فاليوم الذى يكون فيه أصومه أبدا فكان يوم السبت صامته أبدا، فان أفطرت سبتا لمرض أو عيد أعادت يوما بدله وان كان ما نذرت اليه فى يوم العيد صامت ذلك اليوم أبدا فى غير العيد وأبدلت ما وافق عيدا.
ومن نذر صيام يوم أبدا ابدل يوما مكانه اذا أفطر فيه لعذر وان لم يكن لعذر أبدل يوما وكفر نذره (١).
ومن نذر صوم الجمعات أبدل جمعات رمضان.
وقيل لا.
ومن قال: على أن أصوم شهرا لله لم يجزه رمضان.
وقيل يجزئه ولو قال تطوعا الا أن نوى شيئا.
وقيل لا شئ على ناذر صوم الدهر.
وعلى اللزوم فان ترك أياما أوصى بأجرة صائمها. ومن نذر صوم شهر معين بدأه من الهلال، وان لم يعين وبدأ بالأيام صام ثلاثين (٢).
ومن نذر صوم أكثر الأيام صام عشرة، أو صوم الأيام صام سبعة وقيل عشرة.
وان نذر صوم غد فوافق عيدا أفطره فقيل يبدله وقيل لا يبدله (٣).
ومن نذر أن يصلى ليلة أو ليالى صلى ما قدر ثم صلى ما قدر حتى يتم قدرهن.
وان نذر ان يصلى يوما أو اياما فكذلك (٤).
стр. 4409
الاضافة فى العتق
اولا - حكم اضافة العتق الى
موجود أو غير موجود:
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أنه يشترط فى صحة العتق ان يكون مضافا الى موجود بيقين فان لم يكن لم تصح الاضافة، وذلك بأن يقول لجارية مملوكة له: حمل هذه الجارية حر، أو ما فى بطن هذه الجارية حر، فان ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت التكلم عتق، وان ولدت لستة أشهر فصاعدا لم يعتق، لأنها اذا ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت اليمين تيقنا بوجوده فى ذلك الوقت لأن المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر، فان ولدت واحدا لأقل منها بيوم ثم ولدت آخر لأكثر منها بيوم عتقا جميعا لأن الأول عتق لكونه فى البطن يوم الكلام، فاذا عتق الأول عتق الثانى، لأنهما توأمان، وأما اذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا من وقت التكلم فلا نستيقن بوجوده وقت التكلم، لاحتمال حدوثه بعد ذلك فوقع الشك فى ثبوت الحرية، فلا تثبت مع الشك (١).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإكليل نقلا عن ابن الحاجب رحمه الله تعالى: أنه لو قال انسان ان فعلت كذا فكل مملوك لى حر عتق من فى ملكه والمدبر وأم الولد وأولاد عبيده من امائهم وان ولدوا بعد يمينه.
قال ابن المواز رحمه الله تعالى:
انما يعتق عليه ما ولد لعبيده بعد يمينه لأفعلن، وأما فى يمينه لا فعلت فلا، والى هذا رجع ابن القاسم رحمه الله تعالى.
قال ابن يونس: لأنه فى يمينه لأفعلن على حنث حتى يبر، فاذا فاته البر ولزمه العتق وجب أن يعتق عليه كل ما ولد له من امائه بعد اليمين، لأن الأمهات مرتهنات باليمين لا يستطيع بيعهن ولا وطأهن، وسواء كن حوامل يوم اليمين أو حملن بعد اليمين، وأما فى يمينه لا فعلت فهو على بر، فان كان اماؤه حوامل يوم اليمين دخل الولد فى اليمين.
وأما ما حمل به بعد اليمين فقيل يدخل.
وقيل لا يدخل وهو أصوب.
ولو قال ان فعلت كذا فكل مملوك أملكه حر فانه لا يعتق عليه من سيملكه بعد اليمين.
стр. 4410
وقال ابن الحاجب لو قال ان فعلت كذا فكل مملوك لى حر عتق من فى ملكه وأولاد عبيده من امائهم بخلاف عبيد عبيده. وان قال فكل مملوك أملكه فكذلك بخلاف ما اذا قال كل مملوك أملكه أبدا فانه لا يعتق عليه من فى ملكه.
وجاء فى المدونة قال مالك رحمه الله تعالى ومن قال كل مملوك أملكه حر ان تزوجت فلانة ولا رقيق له فأفاد رقيقا ثم تزوجها فلا شئ عليه فيما أفاد بعد يمينه قبل أن يتزوجها ولا بعد تزويجها.
ومن قال ان دخلت هذه الدار أبدا فكل مملوك أملكه حر فدخلها لم يلزمه العتق الا فيما ملك يوم حلف وان لم يكن له يومئذ مملوك فلا شئ عليه فيما يملك قبل الحنث وبعده.
قال أشهب ولو قال ان دخلت الدار فكل مملوك أملكه أبدا حر فدخلها لم يلزمه العتق فيما عنده من عبد لأنه انما أراد ما يملك فى المستقبل كما لو قال كل مملوك أملكه أبدا حر وكل امرأة أتزوجها أبدا طالق فلا شئ عليه.
قال ابن يونس رحمه الله تعالى وهذا خلاف ما تقدم من رواية ابن القاسم لأن ابن القاسم انما أوقع ملك الأبد على الدخول وأشهب أوقعه على الملك.
وأما من قال كل عبد أشتريه حر، وكل امرأة أنكحها أو أتزوجها طالق فلا شئ عليه وان لم يقل ههنا أبدا، قال ابن يونس لأن هذه الألفاظ لا تكون لما مضى (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه لو قال المالك لأمته الحامل بمملوك له اعتقتك وأطلق أو أعتقتك دون حملك عتقت وتبعها فى العتق حملها ولو انفصل بعضه حتى يأتى يومان لأنه كالجزء منها وعتقه بالتبعية لا بالسراية، لأن السراية فى الأشقاص لا فى الأشخاص، ولقوة العتق لم يبطل فى الأخيرة بخلاف البيع فيها ولو اعتق الحمل المملوك له عتق دونها، حكى ابن المنذر رحمه الله تعالى فيه الاجماع.
وقيل تعتق بعتقه كعكسه.
ورد بأن العتق انما وقع بعتق الأم تبعا لها، ولا يقع العتق عليها بعتقه، لأن الأصل لا يتبع الفرع، وان أعتقهما عتقا بخلاف البيع فى المسئلتين.
ومحل صحة اعتاقه وحده اذا نفخ فيه الروح، فان لم ينفخ فيه الروح كمضغة كأن قال أعتقت مضغتك فهو لغو كما حكياه قبيل التدبير عن فتاوى القاضى وأقراه.
стр. 4411
ولا ينافى ذلك ما قالاه فى باب الوصية من أنه تجوز الوصية بالحمل كما يجوز اعتاقه.
ثم الشرط أن ينفصل لوقت يعلم وجوده عند الوصية، وان ينفصل حيا لأن حكم المشبه لا يعطى حكم المشبه به من غير وجه، وأن الوصية لما كانت تصح بالمجهول وبالمعدوم وبالنجس توسعوا فيها فلم يشرطوا فى الحمل نفخ الروح بخلاف العتق.
ولو قال مضغة هذه الأمة حرة ففى فتاوى القاضى انه اقرار بانعقاد الولد حرا وتصير الأم به أم ولد.
ولو قال لأمته الحامل ان ولدت ولدا فهو حر فولدت حيا عتق وان ولدت ميتا ثم حملت وولدت حيا لم يعتق.
ولو قال: ذلك لحائل فحملت ووضعت حيا عتق، ولو قال لها ان ولدت أولا ذكرا فهو حر وان ولدت أولا أنثى فأنت حرة فولدت ذكرا ثم أنثى عتق الذكر فقط.
ولو قال بالعكس عتقت الأم والذكر لأنه حال عتق الأم كان جنينا فتبعها وان ولدتهما معا أو ولدت ذكرين أو أنثيين معا فلا عتق (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن المالك لو قال لأمته أول ولد تلدينه فهو حر فولدت ولدين فأكثر خرجا معا عتق أحدهما بقرعة لأن صفة الأولية شاملة لكل واحد بانفراده والمعلق انما أراد عتق واحد فقط فميز بالقرعة (٢).
ويتبع الحمل أمه المعتقة بصفة ان كان موجودا حال عتقها بأن كانت حاملا به حين وجود الصفة، لأن العتق وجد فيها وهى حامل به فتبعها فى العتق كالمنجز عتقها، أو كان الحمل موجودا حال تعليق عتقها، لأنه كان حين التعليق كعضو من أعضائها فسرى التعليق اليه، فلو وضعته اذن قبل وجود الصفة، ثم وجدت عتقت هى وولدها، لأنه تابع فى الصفة فأشبه ما لو عتقت وهى حامل به.
ولا يتبعها حملها فى العتق ان حملته ووضعته بين التعليق ووجود الصفة فانه لا يعتق لأن الصفة لم تتعلق به حال التعليق ولا حال وجود الصفة كما لو كان الولد مولودا قبل التعليق لعتقها (٣).
стр. 4412
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لو قال ان ملكت عبد فلان فهو حر، أو قال ان اشتريته فهو حر، أو قال ان بعت عبدى فهو حر، أو قال شيئا من ذلك فى أمة لسواه أو أمة له ثم ملك العبد والأمة أو اشتراهما أو باعهما لم يعتقا بشئ من ذلك (١).
ولا يجوز عتق الجنين دون أمه اذا نفخ فيه الروح قبل أن تضعه أمه ولا هبته دونها، ويجوز عتقه قبل ان ينفخ فيه الروح وتكون أمه بذلك العتق حرة وان لم يرد عتقها، ولا تجوز هبته أصلا دونها فان أعتقها وهى حامل فان كان جنينها لم ينفخ فيه الروح (٢) فهو حر الا أن يستثنيه فان استثناه فهى حرة وهو غير حر، وان كان قد نفخ فيه الروح فان اتبعها اياه اذ اعتقها فهو حر وان لم يتبعها اياه أو استثناه فهى حرة وهو غير حر وذلك لقول الله : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»﴾. (٣) وروى من طريق شعبة عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله ﷺ (أن خلق أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله اليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله واجله ثم يكتب شقى أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح). فصح انه الى تمام المائة والعشرين ماء من ماء أمه ولحمة ومضغة من حشوتها كسائر ما فى جوفها فهو تبع لها لأنه بعضها وله استثناؤه فى كل حال لأنه يزايلها كما يزايلها اللبن واذ هو كذلك فاذا أعتق فقد أعتق بعضها فوجب بذلك عتق جميعها (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: ان السيد اذا قال أول من تلد أمتى حر كان اعتاقا لأول بطن تلده تلك الأمة ويصح العتق هنا قبل الملك لوجود سبب الملك فاشبه النذر بأولادها ولو ولدت اثنين فى أول بطن عتقا (٥)
ومن عتق أمة وهى حامل وجب أن يسرى العتق الى الحمل ويعتقان جميعا، للاجماع على أن الحرة لا تلد الا حرا، ولو استثنى الحمل الا فى صورة واحدة، وهو حيث
стр. 4413
يقف الحمل ثم يعتق الأم، بخلاف ما لو اعتق الحمل، فانه لا يسرى الى الأم بل يعتق وحده، للاجماع ولأنه يصح أفراده بالحكم كالنذر والوصية والاقرار به أوله (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أنه لو نذر السيد عتق أول ما تلده أمته فولدت ولدين فى بطن عتقا معا ان ولدتهما دفعة واحدة، لأن ما من صيغ العموم فيشملهما، ولو ولدتهما متعاقبين عتق الأول خاصة والشيخ لم يقيد بالدفعة تبعا للرواية هذا ان ولدته حيا، والاعتق الثانى لأن الميت لا يصلح للعتق (٢).
وكذا لو نذر عتق أول ما يملكه فملك جماعة دفعة واحدة بأن قبل شراءهم أو تملكهم فى عقد واحد أو ورثهم من واحد عتقوا أجمع.
ولو قال أول مملوك أملكه فملك جماعة أعتق احدهم بالقرعة لأن مملوكا نكرة واقعه فى الاثبات فلا يعم بل يصدق بواحد فلا يتناول غيره لاصالة البراءة.
وكذا لو قال أول مولود تلده.
وقيل يتخير فى تعيين من شاء لرواية الحسن الصيقل عنه ﵇ فى المسألة بعينها (٣).
وعتق الحامل لا يتناول الحمل كما لا يتناوله البيع وغيره للمغايرة، فلا يدخل أحدهما فى مفهوم الآخر سواء استثناه أم لا، وسواء علم به أم لا، الا على رواية السكونى عن أبى عبد الله ﵇ عن أبيه ﵇ فى رجل أعتق أمة وهى حبلى فاستثنى ما فى بطنها قال: الأمة حرة وما فى بطنها حر، لأن ما فى بطنها منها وعمل بمضمونها الشيخ وجماعة، وضعف سندها يمنع من العمل مع أنها ظاهرة فى التقية (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى الايضاح ان السيد ان أوصى بعتق فلانة فماتت قبل موت الميت أو استحقت قبل موته أو بعد موته فليس عليهم عتق غيرها، لأن الميت أمرهم ان يعتقوا ما لا يملك فى باب الاستحقاق وكذلك موتها قبل الميت ليس عليهم ضمان لأنهم لم يضيعوا (٥).
стр. 4414
وان أوصى أن يعتق عليه هذه الأمة فولدت قبل ان يعتقوها فولدها عبد وأحكامها أحكام الأمة ما لم يعتقوها (١).
والأمة اذا دبرها سيدها وهى حامل فهى مدبرة مع ما فى بطنها، لأنه تبع لأمه ولو وضعته قبل موته وما ولدته بعد ذلك فهو عبد الا ما كان فى بطنها عند وقوع العتق فهو حر مثلها (٢).
ثانيا - حكم اضافة العتق الى
معلوم أو مجهول
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع ان كون المضاف اليه العتق معلوما ليس بشرط لصحة الاضافة عند عامة العلماء، فيصح اضافة العتق الى المجهول بان يقول لعبديه احدكما حر، أو يقول هذا حر أو هذا أو يقول ذلك لأمتيه (٣). فاذا أضيف الاعتاق الى المجهول فالجهالة اما ان تكون أصلية، واما ان تكون طارئة.
فان كانت أصلية وذلك بأن تكون الصيغة من الابتداء مضافة الى أحد المذكورين غير عين فيجهل المضاف اليه لمزاحمة صاحبه اياه فى الاسم فصاحبه المزاحم لا يخلو اما ان يكون محتملا للاعتاق، أو لا يكون محتملا له، والمحتمل لا يخلو من ان يكون ممن ينفذ اعتاقه فيه أو ممن لا ينفذ.
فان كان محتملا للاعتاق وهو ممن ينفذ اعتاقه فيه نحو أن يقول لعبديه أحدكما حر أو يقول هذا حر أو هذا أو يقول سالم حر أو بريع لا ينوى أحدهما بعينه فالأحكام المتعلقة به نوعان، نوع يتعلق به فى حال حياة المولى، ونوع يتعلق به بعد وفاته.
أما الأول فللمولى أن يستخدمهما قبل الاختيار، وهذا يدل على أن العتق غير نازل فى أحدهما لأنه لا سبيل الى استخدام الحر من غير رضاه، وله أن يستعملهما ويستكسبهما وتكون الغلة والكسب للمولى، وهذا أيضا يدل على ما قلنا، ولو جنى عليهما قبل الاختيار فالجناية لا تخلو من أن تكون من المولى، أو أن تكون من الأجنبى، ولا تخلو من أن تكون على النفس، أو على ما دون النفس.
فان كانت الجناية من المولى فان كانت على ما دون النفس بأن قطع يد العبدين فلا شئ عليه، وهذا أيضا يدل على عدم نزول العتق حيث جعلهما فى حكم المملوكين قبل الاختيار وسواء قطعهما معا أو على التعاقب، لأن
стр. 4415
القطع لا يبطل الخيار ولا يكون ثابتا بخلاف القتل.
وان كانت الجناية من المولى على النفس بأن قتلهما فان قتلهما على التعاقب فالأول عبد والثانى حر، لأنه لما أقدم على قتل الأول فقد تعين الثانى للعتق فاذا قتله فقد قتل حرا فعليه الدية وتكون لورثته، لأن الدية تصير ميراثا للورثة ولا يكون للمولى من ذلك شئ لأنه قاتل والقاتل لا يرث، وان قتلهما معا بضربة واحدة فعليه نصف دية كل واحد منهما لورثته لأن المضمون على المولى أحدهما وهو الحر منهما وليس احدهما بأولى من الآخر فشاعت حرية واحدة فيهما، وهذا يؤيد القول بنزول العتق فى غير العين.
وان كانت الجناية من الأجنبى فان كانت فيما دون النفس بأن قطع انسان يد العبدين فعليه أرش العبدين وذلك نصف قيمة كل واحد منهما لكن يكون أرشهما للمولى سواء قطعهما معا أو على التعاقب، لأن القطع لا يبطل خيار المولى وهذا يوجب القول بعدم نزول العتق اذ لو نزل لكان الواجب أرش يد عبد وحر وهو نصف قيمة عبد ونصف دية حر.
وان كانت الجناية فى النفس فالقاتل لا يخلو من أن يكون واحدا، أو أن يكون اثنين.
فان كان واحدا فان قتلهما معا فعليه نصف قيمة كل واحد منهما ويكون للمولى وعليه نصف دية كل واحد منهما وتكون لورثتهما، وهذا دليل على أن العتق نازل فى غير العين اذ لو لم يكن كذلك لكان الواجب فى قتلهما معا قيمة عبدين، ومع ذلك لم يجب بل وجب دية حر وقيمة عبد، لأن احدهما حر، وقد قتل حرا وعبدا، والواجب بقتل الحر الدية وبقتل العبد القيمة، وانما انقسم، لأن كل واحد منهما تجب ديته فى حال، وقيمته فى حال، لاحتمال أنه حر وعبد فينقسم ذلك على اعتبار الأحوال كما هو أصل أصحابنا رحمهم الله تعالى.
وان قتلهما على التعاقب وجب على القاتل قيمة الأول للمولى ودية الثانى للورثة، لأن قتل الأول يوجب تعين الثانى للعتق فيتعين الأول للمولى وقد قتل حرا وعبدا خطأ.
وان كان القاتل اثنين فقتل كل واحد منهما رجلا فان وقع قتل كل واحد منهما معا فعلى كل واحد من القاتلين القيمة نصفها للورثة ونصفها للمولى وايجاب القيمتين يوجب قيمة ودية على قول من يقول أن العتق غير نازل