ولا ينافى ذلك ما قالاه فى باب الوصية من أنه تجوز الوصية بالحمل كما يجوز اعتاقه.
ثم الشرط أن ينفصل لوقت يعلم وجوده عند الوصية، وان ينفصل حيا لأن حكم المشبه لا يعطى حكم المشبه به من غير وجه، وأن الوصية لما كانت تصح بالمجهول وبالمعدوم وبالنجس توسعوا فيها فلم يشرطوا فى الحمل نفخ الروح بخلاف العتق.
ولو قال مضغة هذه الأمة حرة ففى فتاوى القاضى انه اقرار بانعقاد الولد حرا وتصير الأم به أم ولد.
ولو قال لأمته الحامل ان ولدت ولدا فهو حر فولدت حيا عتق وان ولدت ميتا ثم حملت وولدت حيا لم يعتق.
ولو قال: ذلك لحائل فحملت ووضعت حيا عتق، ولو قال لها ان ولدت أولا ذكرا فهو حر وان ولدت أولا أنثى فأنت حرة فولدت ذكرا ثم أنثى عتق الذكر فقط.
ولو قال بالعكس عتقت الأم والذكر لأنه حال عتق الأم كان جنينا فتبعها وان ولدتهما معا أو ولدت ذكرين أو أنثيين معا فلا عتق (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن المالك لو قال لأمته أول ولد تلدينه فهو حر فولدت ولدين فأكثر خرجا معا عتق أحدهما بقرعة لأن صفة الأولية شاملة لكل واحد بانفراده والمعلق انما أراد عتق واحد فقط فميز بالقرعة (٢).
ويتبع الحمل أمه المعتقة بصفة ان كان موجودا حال عتقها بأن كانت حاملا به حين وجود الصفة، لأن العتق وجد فيها وهى حامل به فتبعها فى العتق كالمنجز عتقها، أو كان الحمل موجودا حال تعليق عتقها، لأنه كان حين التعليق كعضو من أعضائها فسرى التعليق اليه، فلو وضعته اذن قبل وجود الصفة، ثم وجدت عتقت هى وولدها، لأنه تابع فى الصفة فأشبه ما لو عتقت وهى حامل به.
ولا يتبعها حملها فى العتق ان حملته ووضعته بين التعليق ووجود الصفة فانه لا يعتق لأن الصفة لم تتعلق به حال التعليق ولا حال وجود الصفة كما لو كان الولد مولودا قبل التعليق لعتقها (٣).
стр. 4412
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لو قال ان ملكت عبد فلان فهو حر، أو قال ان اشتريته فهو حر، أو قال ان بعت عبدى فهو حر، أو قال شيئا من ذلك فى أمة لسواه أو أمة له ثم ملك العبد والأمة أو اشتراهما أو باعهما لم يعتقا بشئ من ذلك (١).
ولا يجوز عتق الجنين دون أمه اذا نفخ فيه الروح قبل أن تضعه أمه ولا هبته دونها، ويجوز عتقه قبل ان ينفخ فيه الروح وتكون أمه بذلك العتق حرة وان لم يرد عتقها، ولا تجوز هبته أصلا دونها فان أعتقها وهى حامل فان كان جنينها لم ينفخ فيه الروح (٢) فهو حر الا أن يستثنيه فان استثناه فهى حرة وهو غير حر، وان كان قد نفخ فيه الروح فان اتبعها اياه اذ اعتقها فهو حر وان لم يتبعها اياه أو استثناه فهى حرة وهو غير حر وذلك لقول الله : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»﴾. (٣) وروى من طريق شعبة عن عبد الله بن مسعود قال حدثنا رسول الله ﷺ (أن خلق أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله اليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله واجله ثم يكتب شقى أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح). فصح انه الى تمام المائة والعشرين ماء من ماء أمه ولحمة ومضغة من حشوتها كسائر ما فى جوفها فهو تبع لها لأنه بعضها وله استثناؤه فى كل حال لأنه يزايلها كما يزايلها اللبن واذ هو كذلك فاذا أعتق فقد أعتق بعضها فوجب بذلك عتق جميعها (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: ان السيد اذا قال أول من تلد أمتى حر كان اعتاقا لأول بطن تلده تلك الأمة ويصح العتق هنا قبل الملك لوجود سبب الملك فاشبه النذر بأولادها ولو ولدت اثنين فى أول بطن عتقا (٥)
ومن عتق أمة وهى حامل وجب أن يسرى العتق الى الحمل ويعتقان جميعا، للاجماع على أن الحرة لا تلد الا حرا، ولو استثنى الحمل الا فى صورة واحدة، وهو حيث
стр. 4413
يقف الحمل ثم يعتق الأم، بخلاف ما لو اعتق الحمل، فانه لا يسرى الى الأم بل يعتق وحده، للاجماع ولأنه يصح أفراده بالحكم كالنذر والوصية والاقرار به أوله (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أنه لو نذر السيد عتق أول ما تلده أمته فولدت ولدين فى بطن عتقا معا ان ولدتهما دفعة واحدة، لأن ما من صيغ العموم فيشملهما، ولو ولدتهما متعاقبين عتق الأول خاصة والشيخ لم يقيد بالدفعة تبعا للرواية هذا ان ولدته حيا، والاعتق الثانى لأن الميت لا يصلح للعتق (٢).
وكذا لو نذر عتق أول ما يملكه فملك جماعة دفعة واحدة بأن قبل شراءهم أو تملكهم فى عقد واحد أو ورثهم من واحد عتقوا أجمع.
ولو قال أول مملوك أملكه فملك جماعة أعتق احدهم بالقرعة لأن مملوكا نكرة واقعه فى الاثبات فلا يعم بل يصدق بواحد فلا يتناول غيره لاصالة البراءة.
وكذا لو قال أول مولود تلده.
وقيل يتخير فى تعيين من شاء لرواية الحسن الصيقل عنه ﵇ فى المسألة بعينها (٣).
وعتق الحامل لا يتناول الحمل كما لا يتناوله البيع وغيره للمغايرة، فلا يدخل أحدهما فى مفهوم الآخر سواء استثناه أم لا، وسواء علم به أم لا، الا على رواية السكونى عن أبى عبد الله ﵇ عن أبيه ﵇ فى رجل أعتق أمة وهى حبلى فاستثنى ما فى بطنها قال: الأمة حرة وما فى بطنها حر، لأن ما فى بطنها منها وعمل بمضمونها الشيخ وجماعة، وضعف سندها يمنع من العمل مع أنها ظاهرة فى التقية (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى الايضاح ان السيد ان أوصى بعتق فلانة فماتت قبل موت الميت أو استحقت قبل موته أو بعد موته فليس عليهم عتق غيرها، لأن الميت أمرهم ان يعتقوا ما لا يملك فى باب الاستحقاق وكذلك موتها قبل الميت ليس عليهم ضمان لأنهم لم يضيعوا (٥).
стр. 4414
وان أوصى أن يعتق عليه هذه الأمة فولدت قبل ان يعتقوها فولدها عبد وأحكامها أحكام الأمة ما لم يعتقوها (١).
والأمة اذا دبرها سيدها وهى حامل فهى مدبرة مع ما فى بطنها، لأنه تبع لأمه ولو وضعته قبل موته وما ولدته بعد ذلك فهو عبد الا ما كان فى بطنها عند وقوع العتق فهو حر مثلها (٢).
ثانيا - حكم اضافة العتق الى
معلوم أو مجهول
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع ان كون المضاف اليه العتق معلوما ليس بشرط لصحة الاضافة عند عامة العلماء، فيصح اضافة العتق الى المجهول بان يقول لعبديه احدكما حر، أو يقول هذا حر أو هذا أو يقول ذلك لأمتيه (٣). فاذا أضيف الاعتاق الى المجهول فالجهالة اما ان تكون أصلية، واما ان تكون طارئة.
فان كانت أصلية وذلك بأن تكون الصيغة من الابتداء مضافة الى أحد المذكورين غير عين فيجهل المضاف اليه لمزاحمة صاحبه اياه فى الاسم فصاحبه المزاحم لا يخلو اما ان يكون محتملا للاعتاق، أو لا يكون محتملا له، والمحتمل لا يخلو من ان يكون ممن ينفذ اعتاقه فيه أو ممن لا ينفذ.
فان كان محتملا للاعتاق وهو ممن ينفذ اعتاقه فيه نحو أن يقول لعبديه أحدكما حر أو يقول هذا حر أو هذا أو يقول سالم حر أو بريع لا ينوى أحدهما بعينه فالأحكام المتعلقة به نوعان، نوع يتعلق به فى حال حياة المولى، ونوع يتعلق به بعد وفاته.
أما الأول فللمولى أن يستخدمهما قبل الاختيار، وهذا يدل على أن العتق غير نازل فى أحدهما لأنه لا سبيل الى استخدام الحر من غير رضاه، وله أن يستعملهما ويستكسبهما وتكون الغلة والكسب للمولى، وهذا أيضا يدل على ما قلنا، ولو جنى عليهما قبل الاختيار فالجناية لا تخلو من أن تكون من المولى، أو أن تكون من الأجنبى، ولا تخلو من أن تكون على النفس، أو على ما دون النفس.
فان كانت الجناية من المولى فان كانت على ما دون النفس بأن قطع يد العبدين فلا شئ عليه، وهذا أيضا يدل على عدم نزول العتق حيث جعلهما فى حكم المملوكين قبل الاختيار وسواء قطعهما معا أو على التعاقب، لأن
стр. 4415
القطع لا يبطل الخيار ولا يكون ثابتا بخلاف القتل.
وان كانت الجناية من المولى على النفس بأن قتلهما فان قتلهما على التعاقب فالأول عبد والثانى حر، لأنه لما أقدم على قتل الأول فقد تعين الثانى للعتق فاذا قتله فقد قتل حرا فعليه الدية وتكون لورثته، لأن الدية تصير ميراثا للورثة ولا يكون للمولى من ذلك شئ لأنه قاتل والقاتل لا يرث، وان قتلهما معا بضربة واحدة فعليه نصف دية كل واحد منهما لورثته لأن المضمون على المولى أحدهما وهو الحر منهما وليس احدهما بأولى من الآخر فشاعت حرية واحدة فيهما، وهذا يؤيد القول بنزول العتق فى غير العين.
وان كانت الجناية من الأجنبى فان كانت فيما دون النفس بأن قطع انسان يد العبدين فعليه أرش العبدين وذلك نصف قيمة كل واحد منهما لكن يكون أرشهما للمولى سواء قطعهما معا أو على التعاقب، لأن القطع لا يبطل خيار المولى وهذا يوجب القول بعدم نزول العتق اذ لو نزل لكان الواجب أرش يد عبد وحر وهو نصف قيمة عبد ونصف دية حر.
وان كانت الجناية فى النفس فالقاتل لا يخلو من أن يكون واحدا، أو أن يكون اثنين.
فان كان واحدا فان قتلهما معا فعليه نصف قيمة كل واحد منهما ويكون للمولى وعليه نصف دية كل واحد منهما وتكون لورثتهما، وهذا دليل على أن العتق نازل فى غير العين اذ لو لم يكن كذلك لكان الواجب فى قتلهما معا قيمة عبدين، ومع ذلك لم يجب بل وجب دية حر وقيمة عبد، لأن احدهما حر، وقد قتل حرا وعبدا، والواجب بقتل الحر الدية وبقتل العبد القيمة، وانما انقسم، لأن كل واحد منهما تجب ديته فى حال، وقيمته فى حال، لاحتمال أنه حر وعبد فينقسم ذلك على اعتبار الأحوال كما هو أصل أصحابنا رحمهم الله تعالى.
وان قتلهما على التعاقب وجب على القاتل قيمة الأول للمولى ودية الثانى للورثة، لأن قتل الأول يوجب تعين الثانى للعتق فيتعين الأول للمولى وقد قتل حرا وعبدا خطأ.
وان كان القاتل اثنين فقتل كل واحد منهما رجلا فان وقع قتل كل واحد منهما معا فعلى كل واحد من القاتلين القيمة نصفها للورثة ونصفها للمولى وايجاب القيمتين يوجب قيمة ودية على قول من يقول أن العتق غير نازل
стр. 4416
ظاهرا، لأن كل واحد منهما قتل عبدا خطأ وهو يوجب القيمة.
وأما على قول من يقول بنزول العتق فانما لم تجب الدية لأن من تجب الدية عليه منهما مجهول اذ لا يعلم من الذى تجب عليه منهما فلا يمكن ايجاب الدية مع الشك، والقيمة متيقنة فتجب، بخلاف ما اذا كان القاتل واحدا، لأن هناك من عليه معلوم لا جهالة فيه، وانما الجهالة فيمن له، وأما انقسام القيمتين فلأن المستحق لأحد البدلين هو المولى والمستحق للبدل الآخر هو الوارث، وكل واحد منهما يستحق فى حال ولا يستحق فى حال فوجوب القيمتين حجة أحد القولين وانقسامهما حجة القول الآخر.
وان وقع قتل كل واحد منهما على التعاقب فعلى قاتل الأول القيمة للمولى، وعلى قاتل الثانى الدية للورثة، لأن أحدهما قتل عبدا والآخر قتل حرا، لأن قتل الأول أوجب تعين الثانى للحرية والأول للرق.
ولو كان المملوكان أمتين فولدت كل واحدة منهما ولدا أو ولدت أحداهما ولدا فاختار المولى عتق احداهما عتقت هى وعتق ولدها، سواء كان للأخرى ولد أو لم يكن.
أما على قول التخيير فظاهر، لأن العتق كان نازلا فى غير العين منهما، والبيان تعيين لمن وقع عليه فعتقت المعينة وعتق ولدها تبعا لها.
وأما على قول التعليق فلأن العتق ان لم ينزل فقد انعقد سبب النزول فى احداهما فيسرى الى ولدها كالاستيلاد والكتابة.
ولو ماتت الأمتان معا قبل الاختيار وقد ولدت كل واحدة منهما ولدا خير المولى فيختار عتق أى الولدين شاء، لأنهما لما ماتتا معا لم تتعين احداهما للحرية فحدث الولدان على وصف الأم فيخير المولى فيهما كما كان يخير فى الأم.
فان مات أحد الولدين قبل الآخر مع بقاء الأمتين لا يلتفت الى ذلك، ويخير المولى لأنه لم يتعلق بموته تعيين، اذ الحرية انما تتعين فيه بتعينها فى أمه وحكم التعيين فى الأم قائم (١).
هذا اذا أضيف الاعتاق الى مجهول جهالة أصلية.
أما اذا أضيف الى مجهول جهالة طارئة كأن يضيف صيغة الاعتاق الى أحدهما بعينه ثم ينساه فالكلام فيه فى موضعين: احدهما فى كيفية هذا التصرف، والثانى فى الأحكام المتعلقة به.
стр. 4417
أما الأول فلا خلاف فى أن احدهما حر قبل البيان، لأن الصيغة أضيفت الى معين، والمعين محل لنزول العتق فيه، فكان البيان فى هذا النوع اظهارا وتعيينا لمن نزل فيه العتق.
وأما الثانى فالأحكام المتعلقة به ضربان أيضا، ضرب يتعلق به فى حال حياة المولى، وضرب يتعلق به بعد موته.
أما الأول فنقول: اذا اعتق احدى جاريتيه بعينها ثم نسيها أو اعتق احدى جواريه العشرة بعينها ثم نسى المعتقة فانه يمنع من وطئهن واستخدامهن، لأن واحدة منهن حرة بيقين فكل واحدة يحتمل أن تكون هى الحرة ووط ء الحرة من غير نكاح حرام فلو قرب واحدة منهن ربما يقرب الحرة فيمنع من ذلك صيانة عن الحرام.
والأصل فى هذا الباب ما روينا عن وابصة بن معبد رضى الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ :
أنه قال الا أن لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ولا يجوز أن يطأ واحدة منهن بالتحرى (١).
ولو خاصم العبدان المولى الى القاضى وطلبا منه البيان أمره القاضى بالبيان ولو امتنع حبسه ليبين كذا ذكره الكرخى، لأن أحدهما حر بيقين والحرية حقه أوله فيها حق، ولكل صاحب حق أن يطلب حقه واذا امتنع من الايفاء يجبر عليه (٢).
وأما الثانى فهو أن المولى اذا مات قبل البيان يعتق من كل واحدة منهما نصفه مجانا بغير شئ ونصفه بالقيمة فتسعى كل واحدة منهما فى نصف قيمتها للورثة لما ذكرنا فى الجهالة الأصلية (٣).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإكليل نقلا عن ابن القاسم رحمه الله تعالى أن المالك لو قال رأس من رقيقى حر ولم ينو واحدا بعينه فهو مخير فى عتق من شاء منهم وكذلك اذا قال لعبديه أحدكما حر بخلاف الطلاق (٤).
стр. 4418
وقال أبو عمر رحمه الله تعالى لم يختلف قول الامام مالك فيمن أوصى بعتق عبيده فى مرضه ولا مال له غيرهم أنه يقرع بينهم فيعتق ثلثهم بالسهم ولم يختلف أكثرهم أن هذا حكم من اعتق عبيده فى مرضه ولا مال له غيرهم.
الا اشهب وأصبغ فانهما قالا انما القرعة فى الوصية.
قال سحنون رحمه الله تعالى وأما اذا سمى فقال: ميمون ومرزوق حران فانهما يتحاصان فى ضيق الثلث، وأن قال عبداى حران أو قال غلمانى أحرار أقرع بينهم وكذلك قال ابن المواز رحمه الله تعالى.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون رحمهم الله تعالى سواء سماهم أو لم يسم فانه يقرع بينهم.
وروى عن المدونة أنه لو قال: ثلث رقيقى أحرار أو نصفهم أو ثلثاهم عتق منهم من سمى بالقرعة ان حمله الثلث والا فما حمل الثلث مما سمى.
وأما اذا أوصى بعدد سماه من أكثر ففى المدونة ان قال فى مرضه عشرة من رقيقى أحرار وهم ستون عتق سدسهم خرج السهم على أكثر من عشرة أو أقل.
قال الامام مالك رحمه الله تعالى اذا دبر فى مرضه جماعة عبيده فى كلمة واحدة لم يبدأ أحدهم على صاحبه وعتق من كل واحد ثلثه اذا لم يكن له مال غيرهم ولا يفرق بينهم واذا أوصى بعتقهم أقرع بينهم فيعتق ثلثهم ويرق باقيهم، والكل عتق الا بعد الموت لا ينفذ (١).
قال اللخمى رحمه الله تعالى فان أعتق عبديه واحدا بعد واحد بدئ بالأول، لأنه ليس له أن يحدث ما ينقض عتق الأول.
قال الحطاب: واذا قال عبيدى أحرار فلان وفلان وسكت عن باقيهم فقيل: يعتق جميعهم.
وقيل يعتق من سمى فقط (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب أن المعتق ان كان له عبدان فأعتق أحدهما بعينه ثم أشكل أمر بأن يتذكر فان قال أعتقت هذا قبل قوله لأنه أعرف بما قال.
فان اتهمه الآخر حلف لجواز أن يكون كاذبا فان نكل حلف الآخر وعتق العبدان احدهما باقراره والآخر بالنكول واليمين،
стр. 4419
وان قال: هذا بل هذا عتقا جميعا، لأنه صار راجعا عن الأول مقرا بالثانى، فان مات قبل أن يبين رجع الى قول الوارث لأن له طريقا الى معرفته فان قال الوارث لا أعلم فالمنصوص أنه يقرع بينهما لأنه ليس احدهما بأولى من الآخر فرجع الى القرعة.
ومن أصحابنا من خرج فيه قولا آخر أنه يوقف الى أن ينكشف لأن القرعة تفضى الى أن يرق من أعتقه ويعتق من أرق فوجب أن يوقف الى أن يتبين والأول هو الصحيح، لأن البيان قد فات والوقوف يضر بالوارث فى رقيقه وبالحر فى حق نفسه.
وان أعتق عبدا من أعبد أخذ بتعيينه وله ان يعين من شاء، فان قال:
هو سالم، بل غانم، عتق سالم، ولم يعتق غانم، لأنه تخير لتعيين عتق، فاذا عينه فى واحد سقط خياره فى الثانى، فان مات قبل أن يعين ففيه وجهان.
أحدهما لا يقوم الوارث مقامه فى التعيين، كما لا يقوم مقامه فى تعيين الطلاق فى احدى المرأتين، فعلى هذا يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة عتق.
والوجه الثانى يقوم الوارث مقامه وهو الصحيح، لأنه خيار ثابت يتعلق بالمال فقام الوارث فيه مقامه كخيار الشفعة والرد بالعيب (١).
وجاء فى مغنى المحتاج أنه لو اعتق شخص ثلاثة من الأرقاء معا كأعتقتكم لا يملك غيرهم عند موته وقيمتهم سواء ولم تجز الورثة عتقهم عتق أحدهم بقرعة لأنها شرعت لقطع المنازعة فتعينت طريقا.
والأصل فيها ما رواه مسلم عن عمران بن الحصين رضى الله تعالى عنه بأن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعاهم رسول الله ﷺ فجزأهم اثلاثا ثم اقرع بينهم فأعتق اثنين ورق أربعة، والظاهر تساوى الأثلاث فى القيمة لأن عبيد الحجاز غالبا لا تختلف قيمتهم.
وكذا لو قال اعتقت ثلثكم أو قال ثلثكم حر فيعتق واحد منهم بقرعة.
وانما لم يعتق ثلث كل منهم فى هاتين، لأن عتق بعض الرقبة كاعتاق كله.
فلو قال أعتقت ثلث كل عبد منكم أقرع بينهم أيضا فى الأصح ويعتق واحد بقرعة كما مر.
стр. 4420
وقيل بعتق من كل ثلثه ولا أقراع لتصريحه بالتبعيض، وهذا هو القياس، لكن تشوف الشارع الى تكميل العتق يوجب اتباع الخبر فى ايقاع القرعة، هذا كله اذا لم يضفه الى الموت.
فان قال ثلث كل واحد منكم حر بعد موتى عتق من كل واحد ثلثه ولا يقرع على الصحيح، لأن العتق بعد الموت لا يسرى.
وفهم من أمثلة التصوير بما اذا عتق الأبعاض معا.
أما اذا رتبها فان الأسبق يقدم حتى لو كان له عبدان فقط فقال نصف غانم حر وثلث سالم حر عتق ثلثا غانم ولا قرعة (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن السيد ان قال: كل مملوك لى حر، أو قال:
كل مماليكى حر، أو قال كل رقيقى حر عتق مدبروه ومكاتبوه وأمهات أولاده وعبيد عبده التاجر وأشقاصه ولو لم ينوها، لأن لفظه عام فيهم فيعتقون كما لو عينهم، حتى ولو كان على عبده التاجر دين يستغرق عبيده.
ولو قال السيد عبدى أو أمتى حر ولم ينو معينا من عبيده ولا امائه عتق الكل من عبيده وامائه لأن لفظ عبدى أو أمتى مفرد مضاف فيعم العبيد أو الاماء (٢).
وان قال أحد عبيدى حر، أو قال احدى عبيدى حر، أو قال بعض عبيدى حر ولم ينوه أو عينه بلفظه أو نيته ثم أنسيه أعتق أحدهم بالقرعة، لأن مستحق العتق واحد غير معين فميز بالقرعة كما لو أعتق جميعهم فى مرضه ولم تجز الورثة.
وان قال: لأمتيه احداكما حرة ولم ينو واحدة بعينها عتقت احداهما بقرعة وحرم عليه وطؤهما بدون قرعة، لأن احداهما عتقت وهى مجهولة فوجب الكف عنهما الى القرعة فان وطئ السيد واحدة منهما لم تعتق الأخرى بذلك.
بل لا بد من القرعة كما لو أعتق واحدة منهما معينة ثم أنسيها فانه يخرجها بالقرعة لا بتعيينه لها.
стр. 4421
فان مات السيد فى جميع ما تقدم قبل القرعة أقرع الورثة لقيامهم مقامه فمن خرج بالقرعة فهو حر من حين العتق وكسبه له.
وأن مات أحد العبدين اللذين قال سيدهما أحدكما حر أقرع بين الميت وبين الحى كما لو لم يمت.
ولو اعتق معينا من عبيده أو امائه ثم نسيه فأقرع بينهم ثم علم بعد القرعة أن المعتق غير من خرجت له القرعة عتق وبطل عتق الأول لتبين خطأ القرعة، الا أن تكون القرعة بحكم حاكم فيعتقان، لأن فى ابطال عتق المخرج نقضا لحكم الحاكم بالقرعة ويأتى فى القضاء أن قرعة الحاكم نفسها حكم فلا يحتاج الحاكم مع القرعة الى الحكم بها كتزويج اليتيمة ونحوه.
واذا اعتق معينا ثم نسيه ثم تذكره قبل القرعة فانه يقبل تعيينه، لأنه غير متهم فيه فيعتق من عينه للعتق.
وان قال السيد أعتقت هذا لا بل هذا عتقا جميعا لأن اضرابه عن الأول لا يبطله (١).
وأن أعتق فى مرضه المخوف ستة أعبد أو ست اماء أو ستة منهما قيمتهم سواء وثلثه يحتملهم فى الظاهر ثم ظهر على معتقهم دين يستغرق الستة الذين أعتقهم وما معهم من ماله بيعوا فى دينه لتبين بطلان عتقهم بظهور الدين ويكون عتقهم وصية، والدين مقدم على الوصية لقول على رضى الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأن استغرق الدين بعضهم بيع منهم بقدره ما لم يلتزم الوارث بقضائه فيهما، فان لم يظهر عليه دين ولم يعلم له مال غيرهم اعتقنا ثلثهم، لأنه تبرع فى مرض الموت فأشبه الوصية، ثم ان ظهر للمعتق مال يخرجون من ثلثه عتق من أرق منهم، لأن تصرف المريض فى ثلثه نافذ، وقد بان أنهم ثلث ماله وخفاء ما ظهر من المال علينا لا يمنع كون المعتق موجودا من حينه، وكان حكم الستة حكم الأحرار، من حين أعتقهم لنفوذ عتقهم اذن وكسبهم لهم منذ عتقوا (٢). فان لم يظهر لمعتق الستة المتساوين فى القيمة مال غيرهم ولم يكن عليه دين جزأناهم ثلاثة أجزاء كل اثنين جزء، ثم أقرعنا بينهم بسهم حرية وسهمى رق، فمن خرج له سهم الحرية عتق ورق الباقون، لحديث عمران ابن حصين رضى الله تعالى عنه أن رجلا من الأنصار اعتق ستة مملوكين فى مرضه لا مال له غيرهم فجزأهم رسول الله
стр. 4422
صلّى الله عليه وسلّم فأعتق اثنين وأرق أربعة (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من قال أحد عبدى هذين حر فليس منهما حر وكلاهما عبد كما كان ولا يكلف عتق أحدهما، فانه لم يعتق هذا بعينه فليس حرا اذ لم يعتقه سيده، ولا اعتق هذا الآخر أيضا بعينه فليس أيضا حرا اذ لم يعتقه سيده فكلاهما لم يعتقه سيده فكلاهما عبد، وهذا فى غاية البيان ولا يجوز اخراج ملكه عن يده بالظن الكاذب (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أنه اذا التبس من وقع عليه العتق بعد تعيينه فى القصد عم العتق جميع الأشخاص الذين أوقعه على احدهم فيسعون بحسب التحويل، فان التبس بين اثنين مثلا سعى كل واحد منهما فى نصف قيمته يوم الاياس، لأن كل واحد منهما تلزمه القيمة فى حال وتسقط فى حال، وان كانوا ثلاثة سعى كل واحد منهم فى ثلثى قيمته لأنها لزمته فى حالتين وسقطت فى حال وكذلك ما كثروا تكون السعاية بحسب التحويل، وانما تلزمهم السعاية ان لم يفرط السيد (٣)، فأما لو فرط فى التعيين حتى حصل اللبس لم يلزمهم سعاية لأنه اذا ترك البيان مع التمكن كان جانيا، وقيل: الظاهر أنه لا فرق فرط أم لا.
واعلم أن التباس العتق بعد تعيينه فى القصد هو كحر التبس بعبد، فانه اذا التبس حر بعبد عتق العبد ووجبت السعاية على الحر وعلى العبد كل فى نصف قيمته لو كان عبدا، الا أن يقع اللبس فى العتق عن الكفارة نحو أن يعتق أحد عبيده معينا عن كفارته، ثم يلتبس عليه فانهم يعتقون جميعا ولا سعاية عليهم وتجزيه الكفارة سواء فرط أم لا.
وقيل يلزم السعاية وتجزى عن الكفارة لأن العتق قد حصل قبل اللبس.
ويصح تعليق تعيينه فى الذمة وذلك نحو أن يقول لعبيده أحدكم حر
стр. 4423
أو هذا أو هذا، أو أن يقول لامائه احداكن حرة ولا يقصد واحدا بعينه، فان هذا العتق يصح ويتعلق بالذمة وفاقا بين المؤيد بالله والهادى، اذ قد صح ثبوته فى الذمة ابتداء ونحو قول الله «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» (١) بخلاف الطلاق فلأنه لم يثبت فى الذمة لم يصح تعليق تعيينه فيها.
ويقع ذلك العتق حين التعيين على الأصح من القولين وهو قول القاضى زيد وأبى مضر وعلى خليل وغيرهم.
وقال الكنى: يقع العتق من يوم ايقاعه.
فعند أهل القول الأول أنه يجوز للسيد قبل التعيين وط ء من شاء منهن وبيع من شاء حتى يعين، لأن العتق انما يقع حين التعيين.
وعند الكنى أنه لا يجوز أن يطأ احداهن لالتباسهن بالحرة.
وللسيد قبل التعيين كسبهن عند أهل القول الأول.
وعند الكنى أن فيهن واحدة حرة كسبها لها.
ولا يحل له كسبهن حتى يعين المعتقة منهن فيكون كسبها لها، فاذا كان السيد قد استهلكه ضمنه لها أو لورثتها (٢). فان مات السيد قبل التعيين عم العتق الأشخاص الذين أوقعه على أحدهم إذ لا مخصص لبعضهم فاستحق كل منهم قسطا فسرى الى باقيه، وسعوا بحسب التحويل ان لم يفرط فى ترك التعيين فان فرط فلا سعاية.
وان مات احدهما أو عتق بأى وجه أو استولد السيد أو باع احدهما قبل التعيين تعين العتق المبهم فى الآخر.
فان وطئ احداهما ولم تعلق لم تتعين الحرية للاخرى، بل له أن يعين من شاء.
وقال المؤيد بالله والمنصور بالله تعين الحرية للاخرى (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أن فى اعتبار التعيين للمعتق نظرا منشؤه النظر الى عموم الأدلة الدالة على وقوعه بالصيغة الخاصة وأصالة عدم التعيين
стр. 4424
وعدم مانعية الابهام فى العتق شرعا من حيث وقع لمريض اعتق عبيدا يزيدون عن ثلث ماله ولم يجز الورثة والالتفات الى أن العتق أمر معين فلابد له من محل معين.
وصاحب اللمعة قد رجح فى شرح الارشاد الوقوع وتوقف هنا وله وجه ان لم يترجح اعتباره.
فان لم يعتبر التعيين فقال أحد عبيدى حر صح وعين من شاء.
وفى وجوب الانفاق عليهم قبله والمنع من استخدام أحدهم وبيعه وجهان.
أحدهما: ثبوت النفقة قبل العتق ولم يتحقق بالنسبة الى كل واحد فيستصحب واشتباه الحر منهم بالرق مع انحصارهم فيحرم استخدامهم وبيعهم.
وثانيهما: استلزام ذلك الانفاق على الحر بسبب الملك والمنع من استعمال المملوك.
والأقوى الأول.
واحتمل صاحب اللمعة استخراج المعتق بالقرعة، وقطع بها لو مات قبل التعيين.
ويشكل كل منهما بأن القرعة لاستخراج ما هو معين فى نفسه غير متعين ظاهرا لا لتحصيل التعيين فالأقوى الرجوع اليه فيه أو الى وارثه بعده.
ولو عدل المعين عن من عينه لم يقبل ولم ينعتق الثانى اذ لم يبق للعتق محل، بخلاف ما لو اعتق معينا واشتبه ثم عدل فانهما ينعتقان (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه ان قال مالك الرقيق اعتقت واحدا من عبدى يفتح الدال وتشديد الباء أو أعتقت واحدا أو اثنين فصاعدا من عبيدى عتقا معا وسعيا بقيمة أحدهما ان كان اثنان ذكران أو انثيان أو ذكر وأنثى واعتقوا معا وسعوا بقيمة ما عدا العدد الذى ذكره اذ كان ثلاثة فصاعدا ذكورا أو اناثا أو مختلطين فاذا استويا أو استووا فلا اشكال، وان تفاضلا أو تفاضلوا جمعت قيمتهما وسعيا بنصفها أو جمعت قيمتهم وسعوا بما ينوب منها ماعدا العد الذى ذكره.
وان قال اعتقت بعضا من عبيدى
стр. 4425
عتقوا كلهم وسعوا بما عدا قيمة واحد (١).
ثالثا: حكم اضافة العتق الى
بعض العبد أو الى عضو منه
مذهب الحنفية:
جاء فى تبيين الحقائق أن العتق يصح اذا أضافه المالك الى جملة العبد أو الى ما يعبر به عن جميع البدن كقوله: وجهك حر أو رأسك أو رقبتك أو عنقك أو قال لأمته فرجك حر نوى العتق به أو لم ينو، لأن هذه الألفاظ صريحة فى العتق لاختصاص استعمالها فيه أو لغلبته فلا يحتاج فيها الى النية.
قال الكمال ولو قال لعبده، فرجك حر ففيه خلاف قيل يعتق كالأمة وعن محمد رحمه الله تعالى لا يعتق لأنه لا يعبر به عنه، بخلاف الأمة.
ولو قال للأمة فرجك على حرام ينوى العتق لا تعتق، لأن حرمة الفرج من الرق يجتمعان.
وفى لسانك حر يعتق لأنه يقال هو لسان القول.
وفى الدم روايتان ولو قال لها فرجك حر عن الجماع عتقت.
وفى الدبر والاست الأصح أنه لا يعتق لأنه لا يعبر به عن البدن.
وفى العتق روايتان:
والأولى ثبوت العتق فى ذكرك حر، لأنه يقال فى العرف هو ذكر من الذكور، وفلان فحل ذكر وهو ذكرهم (٢).
وجاء فى بدائع الصنائع: أنه اختلف فى الاعتاق المضاف الى جزء العبد.
قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يتجزأ الاعتاق كيفما كان المعتق لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: من أعتق شقصا له من عبد عتق كله ليس لله فيه شريك، وهذا نص على عدم التجزى هذا الى أن العتق فى العرف اسم لقوة حكمية دافعة يد الاستيلاء، والرق اسم لضعف حكمى يصير به الآدمى محلا للتملك فيعتبر الحكمى بالحقيقى وثبوت القوة الحقيقية والضعف الحقيقى فى النصف شائعا مستحيل فكذا الحكمى، ولأن للعتق آثارا
стр. 4426
من المالكية والولاية والشهادة والارث ونحوها، وثبوت هذه الآثار لا يحتمل التجزى ولهذا لم يتجزأ فى حال الثبوت حتى لا يضرب الامام الرق فى انصاف السبايا ويمن عليهم بالأنصاف. كذا فى حالة البقاء. ثم ان اعتاق النصف قد تعدى الى النصف الباقى فى الأحكام حتى امتنع جواز التصرفات الناقلة للملك فيه من البيع والهبة والصدقة والوصية عند أصحابنا، وكذا يجب تخريجه الى عتق الكل بالضمان أو السعاية حتى يجبره القاضى على ذلك وهذا من آثار عدم التجزى، وكذا الاستيلاء لا يتجزأ حتى لو استولد جارية بينه وبين شريكه وادعاه تصير كلها أم ولد له بالضمان، ومعلوم ان الاستيلاد يوجب حق الحرية لا حقيقة الحرية فالحق اذا لم يتجزأ فالحقيقة أولى، وكذا لو عتق نصف أم ولده أو أم ولد بينه وبين شريكه عتق كلها واذا لم يكن الاعتاق متجزئا لم يكن المحل فى حق العتق متجزئا، واضافة التصرف الى بعض ما لا يتجزأ فى حقه يكون اضافة الى الكل كالطلاق والعفو عن القصاص.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى:
يتجزأ سواء كان المعتق موسرا أو معسرا لما روى عن عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عتهما عن رسول الله ﷺ أنه قال من أعتق نصيبا له من مملوك كلف عتق بقيته وان لم يكن عنده ما يعتقه فيه حاز ما صنع. وهذا نص على التجزى لأن تكليف عتق الباقى لا يتصور بعد ثبوت العتق فى كله.
وروى عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال من أعتق شركا له فى عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل وأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، والا عتق ما عتق.
والحديث يدل على تعلق عتق الباقى بالضمان اذا كان المعتق موسرا، وعلى عتق البعض ان كان معسرا، فيدل على التجزى فى حالة اليسار والاعسار (١) هذا الى أن الاعتاق ان كان تصرفا فى الملك والمالية بالازالة فالملك متجزى وكذا المالية بلا شك حتى تجرى فيه سهام الورثة ويكون مشتركا بين جماعة كثيرة من الغانمين وغيرهم، وان كان تصرفا فى الرق فالرق متجزئ أيضا لأن محله متجزئ وهو العبد، واذا كان محله متجزئا كان هو متجزئا ضرورة. ثم أن الاثنين اذا أعتقا عبدا مشتركا بينهما كان الولاء بينهما نصفين والولاء من أحكام العتق، فدل تجزؤه على تجزء العتق (٢).
стр. 4427
مذهب المالكية:
جاء فى بلغة السالك ان العتق فى عتق بعض كالطلاق، فاذا قال نصفك أو ربعك حر عتق جميعه وكذا فى عتق عضو، ونحوه فاذا قال يدك حرة أو كلامك أو شعرك عتق الجميع، لكن التكميل فى العتق يحتاج الى حكم حاكم بخلاف الطلاق (١).
وجاء فى المدونة أنه لو كان عبد بين رجلين فعتق أحدهما حصته وهو موسر، فقال الذى لم يعتق أنا أعتق حصتى الى أجل ولا أضمن شريكى.
قال مالك رحمه الله تعالى ليس ذلك له انما له أن يبت عتقه أو يضمن شريكه، ولا يجوز للشريك أن يدبر حصته أو يكاتبه، وانما له أن يعجل له العتق أو يضمن شريكه (٢).
قال ابن القاسم رحمه الله تعالى ولو أن رجلا أعتق شقصا له فى عبد وهو موسر لم يجز له أن يضمن لصاحبه نصفه بأكثر من قيمته الى أجل.
ولو أن عبدا بين رجلين أذن أحدهما لصاحبه فى العتق فأعتق ضمن لشريكه الذى أذن له فى العتق اذا كان موسرا.
قال الامام مالك رحمه الله تعالى.
فان لم يكن المعتق موسرا بما بقى من ثمن العبد ولكنه موسر بنصف ما بقى من ثمنه.
قال مالك رحمه الله تعالى يعتق عليه من العبد ما حمل منه ماله ويرق ما سوى ذلك (٣).
وروى ابن وهب عن يونس عن ربيعة رحمه الله تعالى أنه لو أعتق الرجل نصف عبده عتق عليه كله وذلك أن رسول الله ﷺ قضى أنه من أعتق شركا له فى عبد أقيم عليه ثم أعتق كله عليه وذلك أنه لم يكن ليجتمع فى يد رجل عتاقة ورق كان ذلك من قبله حتى تتبع احدى الحرمتين صاحبتها والرق أحق أن يتبع العتاقة من العتاقة للرق.
قال ابن وهب رحمه الله تعالى:
وأخبرنى رجال من أهل العلم عن عمر ابن الخطاب وعبد الرحمن بن القاسم ونافع مولى ابن عمر رضى الله تعالى عنهم بذلك وأن عمر بن الخطاب قال ليس لله شريك (٤).
ولو أن جميع الابن ملك لرجل فاشترى الأب نصفه أو تصدق السيد بنصفه
стр. 4428
على والد العبد فقبل والد العبد الصدقة أو وهبه له فقبل الهبة والوالد حر موسر قوم ما بقى منه على أبيه ويعتق جميعه.
ولو اشترى رجل هو وأجنبى ابنه فى صفقة واحدة عتق على الأب نصيبه وضمن لشريكه نصيبه كما قال مالك رحمه الله تعالى (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه تصح اضافة الاعتاق الى جزء معين من الرقيق كيده، أو جزء شائع منه كربعه فيعتق كله سراية كنظيره فى الطلاق، وسواء فى ذلك الموسر وغيره، لما رواه الامام أحمد وأبو داود والنسائى أن رجلا أعتق شقصا من غلام فذكر ذلك للنبى ﷺ فأجاز عتقه وقال ليس لله شريك. هذا اذا كان باقيه له (٢)، فان كان باقيه لغيره نظر فان كان المعتق معسرا عند الاعتاق بقى الباقى من العبد لشريكه ولا يسرى، لمفهوم الحديث الآتى، وان لم يكن معسرا سرى العتق عليه الى نصيب شريكه.
والمراد بغير المعسر أن يكون موسرا بقيمة حصة شريكه فاضلا ذلك عن قوته وقوت من تلزمه نفقته فى يومه وليلته ودست ثوب يلبسه وسكنى يوم - أو سرى الى ما أيسر به من نصيب شريكه.
والأصل فى ذلك خبر الصحيحين: من أعتق شركا له فى عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل وأعطى شركاءه حصصهم وأعتق عليه العبد، والا فقد عتق عليه منه ما عتق.
يستثنى من ذلك ما لو كان نصيب الشريك مستولدا - بأن استولدها وهو معسر - فلا سراية فى الأصح، لأن السراية تتضمن النقل.
ويجرى الخلاف فيما لو استولدها أحدهما وهو معسر ثم استولدها الآخر ثم أعتقها أحدهما. ولو كانت حصة الذى لم يعتق موقوفة لم يسر العتق قولا واحدا قاله فى الكفاية.
وشمل اطلاقه ما لو كان العبد بين ثلاثة فأعتق اثنان منهم نصيبهما معا وأحدهما موسر والآخر معسر، فانه يقوم جميع نصيبه على الذى لم يعتق على هذا الموسر كما جزما به والمريض معسر الا فى ثلث ماله، فاذا أعتق نصيبه من عبد مشترك فى مرض موته فان خرج جميع العبد من ثلث ماله قوم عليه نصيب شريكه وعتق جميعه، وان لم يخرج الا نصيبه عتق بلا سراية (٣).
стр. 4429
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن من أعتق جزءا من رقيقه غير شعر وسن وظفر وريق ونحوه كدمع وعرق ولبن ومنى وبياض وسواد وسمع وبصر وشم ولمس وذوق، سواء كان ذلك الجزء الذى أعتقه معينا كيده ورجله ورأسه وأصبعه أو مشاعا كنصفه وعشر عشر ونحوه كجزء من ألف جزء منه عتق الرقيق كله، لقول رسول الله ﷺ : من أعتق شقصا له من مملوك فهو حر من ماله، قاله فى المغنى وغيره، ولأنه ازالة ملك عن بعض مملوك الآدمى فزال عن جميعه كالطلاق.
وأما اذا قال شعرك أو نحوه حر فانه لا يعتق منه شئ، لأن هذه الأشياء تزول ويخرج غيرها فهى فى قوة المنفصلة.
وان أعتق أحد الشريكين شركا له فى عبد أو أمة بأن أعتق حصته أو بعضها أو أعتق العبد المشترك كله أو أعتق الأمة المشتركة كلها والشريك الذى باشر العتق موسر بقيمة باقيه حين عتقه عتق العبد كله أو الأمة كلها وعلى الشريك المباشر للعتق قيمة باقيه لشريكه، لما روى ابن عمر رحمه الله تعالى أن النبى ﷺ قال: من أعتق شركا له فى عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه العبد قيمة عدل فأعطى شركاءه حصتهم وعتق عليه العبد، والا فقد عتق عليه ما عتق. متفق عليه (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من أعتق عضوا أى عضو كان من أمته أو من عبده، أو أعتق عشرهما أو جزءا مسمى كذلك عتق العبد كله والأمة كلها، وكذلك لو أعتق ظفرا أو شعرا أو غير ذلك، لما روينا من طريق أحمد بن شعيب باسناده عن ابن عمر، قال قال رسول الله ﷺ : «من أعتق شيئا من مملوكه فعليه عتقه كله ان كان له مال يبلغ ثمنه فان لم يكن له مال عتق منه نصيبه» (٢).
ومن ملك عبدا أو أمة بينه وبين غيره فأعتق نصيبه كله أو بعضه أو أعتقه كله عتق جميعه حين يلفظ بذلك فان كان له مال يفى بقيمة حصة من يشركه حين لفظ بعتق ما أعتق منه أداها الى من يشركه وان لم يكن له مال يفى بذلك كلف العبد أو الأمة أن يسعى فى قيمة حصة من لم يعتق على حسب طاقته لا شئ للشريك غير
стр. 4430
ذلك ولا له أن يعتق، والولاء للذى أعتق أولا (١).
ومن أعتق بعض عبده فقد عتق كله بلا استسعاء.
ولو أوصى بعتق بعض عبده أعتق ما أوصى به وأعتق باقيه واستسعى فى قيمة ما زاد على ما أوصى بعتقه.
فلو أوصى بعتق عبده فلم يحمله ثلثه أعتق منه ما حمل الثلث وأعتق باقيه واستسعى لورثته فيما زاد على الثلث ولا يعتق فى ثلثه، لأن ما لم يوص به الميت فهو للورثة، فالورثة شركاؤه فيما أعتق، ولا مال للميت فوجب أن يستسعى لهم (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أن من أعتق بعض عبده أو عضوا من أعضائه المتصلة به - ولو مجهولا كأحد أصابعه - سواء كان هذا العضو مما تحله الحياة أو مما لا تحله الحياة وجب أن يعتق جميعه. والعتق لا يصح أن يتبعض، ولذا اذا كان العبد مشتركا بينه وبين غيره عتق كله فيسرى عتق البعض الى البعض الثانى، لأن عتق البعض الآخر انما هو بالسراية لا بالمباشرة (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أن من خواص العتق السراية - وهى انعتاق باقى المملوك اذا أعتق بعضه بشرائط خاصة - فمن أعتق شقصا من عبده أو أمته وان قل الجزء سرى العتق فيه أجمع وعتق كله وان لم يملك سواه الا أن يكون المعتق مريضا ولم يبرأ من مرضه الذى أعتق فيه ولم يخرج المملوك من ثلث مال المعتق فلا يعتق حينئذ أجمع بل ما يسعه الثلث الا مع الاجازة من الوارث فيعتق أجمع ان أجازه والا فبحسب ما أجازه.
هذا هو المشهور بين الأصحاب وربما كان اجماعا.
ومستنده من الأخبار ضعيف ومن ثم ذهب السيد جمال الدين بن طاووس الى عدم السراية بعتق البعض مطلقا مع المرض وعدمه وكونه موسرا أو معسرا وذلك استضعافا للدليل المخرج عن حكم الأصل ولموافقته لمذهب العامة مع أنه قد روى حمزة بن حمران عن أحدهما
стр. 4431
عليهما السّلام قال سألته عن الرجل أعتق نصف جاريته ثم قذفها بالزنا، قال، فقال أرى أن عليه خمسين جلدة ويستغفر ربه.
وحملها الشيخ على أنه لا يملك نصفها الآخر مع اعساره ولو كان له فى المملوك الذى أعتق بعضه شريك قوم عليه نصفه وعتق أجمع مع يسار المعتق بأن يملك حال العتق زيادة عما يستثنى فى الدين من داره وخادمه ودابته وثيابه اللائقة بحاله كمية وكيفية وقوت يومه له ولعياله ما يسع قيمة نصيب الشريك فيدفع اليه ويعتق.
ولو كان مدينا يستغرق دينه ماله الذى يصرف فيه ففى كونه موسرا أو معسرا قولان أوجههما الأول لبقاء الملك معه.
واذا أعسر عنه أجمع سعى العبد فى باقى قيمته بجميع سعيه لا بنصيب الحرية خاصة (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن من أعتق جزءا من عبد وحضره الموت سعى بما فوق الثلث كمن أعتقه كله كما قال ابن محبوب (٢) وأن أعتق مملوكا مشتركا بلا اذن فقد عتق وخير شريكه وضمن له نصيبه وزعم بعض قومنا أنها لا تخرج حرة حتى يجتمع الشركاء على عتقها فقد روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: من أعتق شقصا له فى عبد فهو حر بجميعه فان كان له شريك دفع اليه قيمة نصيبه (٣).
رابعا: حكم اضافة الاعتقاق الى وقت
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن الاعتاق اذا كان مضافا الى وقت، فأما ان يضاف الى وقت واحد، واما أن يضاف الى وقتين.
فان اضافه الى وقت واحد، فاما أن يضيفه الى مطلق الوقت، واما أن يضيفه الى وقت موصوف بصفة.
وفى الوجوه كلها يشترط وجود الملك وقت الاضافة لأن اضافة الاعتاق الى وقت اثبات العتق فى ذلك الوقت لا محالة ولا ثبوت للعتق بدون الملك ولا يوجد الملك فى ذلك الوقت الا اذا كان موجودا وقت الاضافة، لأنه ان كان موجودا وقت الاضافة فالظاهر أنه يبقى الى الوقت
стр. 4432
المضاف اليه فيثبت العتق، واذا لم يكن موجودا كان الظاهر بقاءه على العدم فلا يثبت العتق فى الوقت المضاف اليه لا محالة فيكون خلاف تصرفه، والأصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذى أوقعه.
أما الاضافة الى وقت مطلق فنحو أن يقول لعبده أنت حر غدا أو رأس شهر كذا فيعتق اذا جاء غد أو رأس الشهر لأنه جعل الغد أو رأس الشهر ظرفا للعتق فلابد من وقوع العتق عنده ليكون ظرفا له وليس هذا تعليقا بشرط لانعدام أدوات التعليق وهى كلمات الشرط - ولهذا لو حلف لا يحلف فقال هذه المقالة لا يحنث، بخلاف ما اذا قال أنت حر اذا جاء غد، لأن ذلك تعليق بشرط لوجود كلمة التعليق (١).
وأما الاضافة الى وقت موصوف فنحو أن يقول لعبده أنت حر قبل دخولك الدار بشهر أو قبل قدوم فلان بشهر، أو قبل موت فلان بشهر، ولا شك أنه لا يعتق قبل وجود الوقت الموصوف حتى لو وجد شئ من هذه الحوادث قبل تمام الشهر لا يعتق، لأنه أضاف العتق الى الوقت الموصوف فلا يثبت قبله ويشترط تمام الشهر وقت التكلم، وان كان العبد فى ملكه قبل ذلك بشهور بل بسنين، لأن اضافة العتق الى وقت ايجاب العتق فيه غير ايجاب العتق فى الزمان الماضى وايجاب العتق فى الزمان الماضى لا يتصور، فلا يحمل كلام العاقل عليه، ولا شك أن العتق ثبت عند وجود هذه الحوادث لتمام الشهر.
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإكليل نقلا عن المدونة أن مالكا قال: من أعتق الى أجل آت لابد منه فله أن ينتفع بمن أعتق بالخدمة الى ذلك الأجل، لكن يمنع من الوط ء والبيع (٢).
وجاء فى الشرح الصغير أن من أعتق الى أجل يبلغه عمره ظاهرا فلا ينجز عليه العتق حتى يأتى الأجل (٣).
قال ابن عرفة: فان قال: أنت حر فى هذا اليوم عتق للأبد.
وعن المدونة أنه ان قال له أنت حر اليوم من هذا العمل وقال أردت عتقه من العمل لا الحرية صدق فى ذلك مع يمينه (٤).
стр. 4433
واذا قال له أنت حر قبل موتى بسنة فانه ينظر فان كان السيد مليئا ترك له عبده يستخدمه فاذا مات السيد نظر أيضا ثانيا فان كان الأجل حل والسيد صحيح عتق من رأس المال، وأعطى أيضا من رأس مال سيده قيمة خدمته سنة، وان كان الأجل حل فى مرض موت السيد عتق من ثلثه ولا رجوع له بخدمته، وان كان السيد يوم قال أنت حر قبل موتى بسنة عديما فان العبد يخارج ويوقف خراجه، فاذا مضت سنة وشهر بعدها أوقف خراج هذا الشهر، ويعطى السيد خراج أول شهر من السنة الماضية كلما مضى شهر من هذه أعطى خراج شهر من تلك (١).
قال اللخمى وان قال: أنت حر بعد موتى وموت فلان كان حرا من الثلث، فان مات السيد آخرهما ولم يحمله الثلث عتق منه ما حمل الثلث ورق الباقى، وان مات السيد أولا خير الورثة وتكون لهم الخدمة حتى يموت فلان أو يعتق منه ما حمل الثلث ويرق الباقى.
ونقل عن المدونة أن مالكا قال: اذا قال لعبده أنت حر بعد موتى أو موت فلان فهو - من الثلث.
قال ابن القاسم: وكأنه قال ان مات فلان فأنت حر بعد موته وان مت فأنت حر بعد موتى، وقاله أشهب.
قال ابن يونس: يريد ولا رجوع له فيه لذكر الأجنبى فى ذلك وهى كمسئلة الرقبى.
وان قال أنت حر بعد موت فلان بشهر فمعتق الى أجل من رأس المال ولا يلحقه دين، وان مات السيد قبل موت فلان خدم العبد ورثة السيد الى موت فلان أو الى بعد موته بشهر ان قال ذلك وخرج من رأس المال (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أن التدبير يجوز مقيدا كان مت فى هذا الشهر أو فى هذا المرض فأنت حر، فان وجدت الصفة المذكورة ومات عتق والا فلا، ولا بد لصحة ذلك من أن يكون ما قيد به ممكن الوجود، فلو قال ان مت بعد ألف سنة فأنت حر لم يكن تدبيرا كما قاله فى البحر ونقله الزركشى رحمه الله تعالى وأقره وهو ظاهر (٣).
ولو قال اذا مت ومضى شهر بعد موتى فأنت حر فهو تعليق عتق بصفة فللوارث
стр. 4434
استخدامه وكسبه فى الشهر لا بيعه ونحو ذلك من كل مزيل للملك (١).
وجاء فى المهذب أن السيد ان قال لأمته أنت حرة بعد موتى بسنة فمات السيد وكانت هى تخرج من الثلث فللوارث أن يتصرف فى كسبها ومنفعتها ولا يتصرف فى رقبتها، لأنها موقوفة على العتق فان أتت بولد بعد موت السيد فقد قال الشافعى رحمه الله تعالى يتبعها الولد قولا واحدا.
فمن أصحابنا رحمهم الله تعالى من قال فيه قولان كالولد الذى تأتى به قبل الموت.
والذى قاله الشافعى رحمه الله تعالى أحد قولين.
ومنهم من قال يتبعها الولد قولا واحدا لأنها أتت به وقد استقر عتقها بالموت فيتبعها الولد كأم الولد، بخلاف ما قبل الموت فان عتقها غير مستقر لأنه يلحقه الفسخ (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه اذا قال السيد لعبده أنت حر بعد موتى بشهر صح كما لو وصى باعتاقه وكما لو وصى أن تباع سلعته ويتصدق بثمنها، وما كسب العبد بعد الموت وقبل وجود الشرط فهو للورثة ككسب أم الولد فى حياة سيدها وليس للورثة التصرف فى العبد الذى قال له سيده أنت حر بعد موتى بشهر بعد الموت وقبل وجود الشرط ببيع ونحوه كالموصى بعتقه قبله والموصى به لمعين قبل قبوله.
وان قال السيد لعبده اخدم زيدا سنة بعد موتى ثم أنت حر صح ذلك، فاذا فعل ذلك وخرج من الثلث فى هذه المسئلة والتى قبلها عتق، فلو ابرأه زيد من الخدمة بعد موت السيد عتق فى حال ابراء زيد له على الصحيح من المذهب.
وقيل: لا يعتق الا بعد سنة، قاله فى الانصاف.
ووجه الأول أن الخدمة المستحقة عليه وهبت له فبرئ منها (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من أعتق الى أجل مسمى قريب أو بعيد مثل أن يقول أنت حر غدا أو الى سنة أو الى بعد موتى
стр. 4435
أو اذا جاء أبى أو اذا أفاق فلان أو اذا نزل المطر أو نحو هذا فهو كما قال، وله بيعه ما لم يأت ذلك الأجل فان باعه ثم رجع الى ملكه فقد بطل ذلك العقد ولا عتق له بمجئ ذلك الأجل ولا رجوع له فى عقده ذلك أصلا الا باخراجه عن ملكه لأن هذا العتق اما وصية واما نذر وكلاهما عقد صحيح قد جاء النص بالوفاء بهما، فلو علق العتق بمعصية أو بغير طاعة ولا معصية لم يجز العتق، لأنه عقد فاسد محرم منهى عنه (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أن العتق يتقيد بالوقت فمتى حصل الوقت وقع العتق كان يقول أنت حر فى يوم كذا أو فى آخر يوم كذا، والعتق المعلق بوقت لا يقارن حصوله حصول الوقت وانما يقع العتق بعده متأخرا وقوعه عن وقوعه عند الهدوية، وعند المؤيد بالله أنه يقع حاله ولا يتأخر عن حصول الوقت (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أن السيد اذا قال لعبده اذا مت فأنت حر أو محرر أو عتيق أو معتق كان صريحا غير أنه لا بد فيه من النية كما نقوله فى صريح الطلاق والعتاق فان عرى عن النية لم يكن له حكم لاجماع الفرقة على ذلك (٣).
واذا دبر عبدا ثم أراد بيعه والتصرف فيه كان له ذلك سواء كان التدبير مطلقا بأن يقول اذا مت فأنت حر أو مقيدا بأن يقول ان مت فى يومى هذا فأنت حر أو فى شهرى هذا أو سنتى هذه اذا نقض تدبيره فان لم ينقض تدبيره لم يجز بيع رقبته وانما يجوز له بيع خدمته مدة حياته، لاجماع الفرقة، ولأن ذلك بمنزلة الوصية فاذا ثبت ذلك كان له الرجوع فى وصيته وبيع ما أوصى به لغيره.
وروى جابر رضى الله تعالى عنه أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فسمع النبى ﷺ فدعاه فباعه (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه يجوز التدبير وهو عتق بصفة علق لموت سيد أو عبد أو لوقوع شئ معين أو عدم وقوعه مثل اقلاع المطر أو زوال الجدب.
стр. 4436
والأكثر على أن تعليقه فى الصحة للموت من الكل وهو قول أبى عبيدة رحمه الله تعالى لايقاع تعليقه فى حال أفعاله فيه من الكل.
أما على قول من قال العتق بعد الموت من الكل فظاهر.
وأما على أنه من الثلث فانما لم يكن التدبير كذلك كالعتق وسائر الوصايا، لأن المدبر فيه شائبة حرية فالتدبير فيه بعض التحرير فى الحياة كأنه لم تتمحض عبوديته، والسيد ليس له أن يرجع فيه كما يرجع فى الوصايا، ولا يباع على المشهور ولا يتصرف فيه ما يتصرف به فى العبد الا أنه يستخدم.
وان علق فى صحته تدبير العبد الى شئ فلم يقع الا بعد موته فهل من الثلث، قولان: والتدبير فى المرض الذى ترجع فيه الأفعال الى الثلث أو فى الأحوال التى ترجع فيها الى الثلث يكون من الثلث لأنه موصى بأن يكون حرا بعد موته ايصاء حين تكون الأفعال من الثلث.
وقيل من الكل مطلقا وهو قول جابر ابن زيد وابن مسعود رضى الله تعالى عنهما وكانا يريان العتق مطلقا من الكل.
وقيل من الثلث مطلقا علق فى الصحة السالمة أو فى حال كون الأفعال من الثلث كسائر الوصايا فانها من الثلث سواء أوصى بها فى حال الصحة والسلامة أو فى حال كون الأفعال من الثلث فان وقت نفوذ التدبير والوصية بعد الموت فانما يتحقق ذلك بالموت.
ومنع بيعه وتبديله والاجارة به واصداقه واعطاؤه فى أرش ورهنه وكل اخراج من ملك وهبته هبة ثواب أو غيره.
وقيل يباع ويوهب ويخرج من الملك بوجه ما من وجوه الاخراج منه اذا كان يخرج الى ملك من يدخل ملكه ليعتقه أى على شرط أن يعتقه (١).
والصحيح أنه لا يجوز بيع المدبر ولا اخراجه بوجه مطلقا سواء كان التدبير الى وقت مجهول أو الى وقت معلوم، أما المدبر الى وقت مجهول فلأن فيه غررا اذ لا يدرى متى يكون وقد نهى عن بيع الغرر، وما يلتحق به مثله، وأما المدبر الى وقت مخصوص معلوم المقدار فلا يجوز أيضا، لأن البيع انما هو على الاستمرار فان أريد ذلك فليكتفوا عنه بأن يؤاجر له قوته تلك المدة المعلومة المقدار.
وعلى هذا يحمل قول أبى المورج بجواز بيع خدمة المدبر اذ لا يصح أن يجيزها مع جهل المدة مع علمه بالنهى عن الغرر وعن بيع الغرر.
стр. 4437
وان شاء باع من المدبر خدمته مثل أن يقول أعطنى لكل شهر كذا ولك كل ما خدمت أو نحو ذلك فانه لا ربا بين السيد والعبد (١).
وقيل يجوز بيع المدبر لا المدبرة.
وقيل يجوز بيع المدبر اذا احتاج صاحبه اليه.
وفى التاج قال أبو عبد الله لا يباع وأرخص ما سمعنا أن من دبر عبده ثم تلف ماله وعليه دين فله أن يبيعه فى مرضه فى بلده ويكون البيع فى خدمته حتى يبلغ التدبير ويشهد على ذلك.
وحكم الحمل الذى فى المدبرة حين دبرها حكم المدبرة فهو مدبر فى بطنها وبعد خروجه منها سواء دبرها الى موته هو أو موت غيره واعتبر يوم ولادته فهو ان ولد قبل المدة عبد مدبر مثلها وان ولد بعد المدة فهو حر مثلها لأنه كجزء منها فلو دبرها واستثنى الولد الذى فى بطنها فى حينه لم يكن الولد مدبرا عندى.
والولد الذى يحدث فى بطنها بعد التدبير عبد غير مدبر ان ولد قبل وقوع العتق، وان كان فى بطنها حال وقوعه فهو حر مثلها ولو لم يكن فى البطن حين عقد التدبير واثبته لها الا أن استثناه عند العقد مثل أن يقول هى مدبرة الى موتى الا ما يكون فى بطنها حين أموت (٢). وتحرر عند تمام تكلمه بالتدبير ان دبرها قبل موته أو موتها أو موت غيرهما بلا مدة لأن القبلية تصدق بما قبل الموت كله فلا وجه لبقائها أمة بعد الكلام ولو لحظة، وكذا تحرر عند تمام الكلام ان دبرها بعد موته أو موتها أو موت غيرهما، بلا مدة، بأن قال هى مدبرة بعد موتى أو نحو ذلك لأن البعدية لا غاية لها ولا حد لها فبعد الموت باتصال يصلح أنه بعدية وبانفصال بقليل أو كثير يصلح أنه بعدية فلا مدة مخصوصة بعد موته تخص بالبعدية تكون غاية للتدبير فاذا لم تكن فلا وجه لانتظار ما لا يوصل اليه بالتعيين فحررت فى حينه، وان جعل حدا لما بعد موتها وعلق تدبيرها اليه ففى حينه أيضا لأنه لا يصح تدبير ميت وكذا أن دبرها الى عقب موتها، فمن أراد التدبير قال مثلا: اذا مت فهى حرة، والذى عندى أنه اذا قال مدبرة بعد موتى أو بعد موتها أو موت غيرهما خرجت حرة عقب الموت باتصال، لأنه لما صدقت البعدية على جزء من اجزاء الزمان المتأخر عن الموت لم يجز أن يحكم الا بالجزء الأول المتصل بالموت اذ لا وجه لتركه الى غيره فانه تحكم، وان دبرها الى موتها جاز فيحمل على لحظة قبل موتها بل على احتضارها فتموت وهى حرة (٣).
стр. 4438
وجاز التدبير لأجل معين فى نفسه سواء علمت مدته أو لا تعلم الا اذا وقع ويحرر عند اتيان ريح أو مطر أو نحو ذلك ان علق اليه وان لم يعلم به. وكذا كل مجهول وقته كبلوغ الطفل وختنه، وكذا كل معلوم كتمام الشهر أو السنة أو الأسبوع أو هذا اليوم أو يوم كذا أو حضور صلاة الظهر أو نحوها، وحرر فى حينه ان علق لوقت ماض أو فعل ماض أو فعل أو وقت حاضر. وان علق لتمام ما حضر فحتى يتم، وحرر عند حصول أول جزء صيف أو خريف أو شتاء أو ربيع أو حرث أو حصد أو جذاذ أو قدوم مسافر ان علق اليه (١).
الاضافة فى البيع
اولا - حكم اضافة الفضولى عقد الشراء
الى نفسه أو الى غيره:
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن الفضولى اذا اشترى شيئا فاما ان يضيف العقد الى نفسه واما أن يضيفه الى الذى اشترى له.
فان اضافه الى نفسه كان المشترى له سواء وجدت الاجازة من الذى اشترى له أو لم توجد، لأن الشراء اذا وجد نفاذا على العاقد نفذ عليه ولا يتوقف، لأن الأصل أن يكون تصرف الانسان لنفسه لا لغيره قال الله «لَها ما كَسَبَتْ.» (٢) وقال عز من قائل: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى» (٣) وشراء الفضولى كسبه حقيقة فالأصل أن يكون له الا اذا جعله لغيره أو لم يجد نفاذا عليه لعدم الأهلية فيتوقف على اجازة الذى اشترى له بأن كان الفضولى صبيا محجورا أو عبدا محجورا فاشترى لغيره فانه يتوقف على اجازة ذلك الغير، لأن الشراء لم يجد نفاذا عليه فيتوقف على اجازة الذى اشترى له ضرورة، فان أجاز نفذ وكانت العهدة عليه لا عليها لأنهما ليسا من أهل لزوم العهدة وان أضاف العقد الى الذى اشترى له بان قال الفضولى للبائع: بع عبدك هذا من فلان بكذا فقال بعت، وقبل الفضولى البيع فيه لأجل فلان، أو قال البائع بعت هذا العبد من فلان بكذا وقبل المشترى الشراء منه لأجل فلان فانه يتوقف على اجازة المشترى له، لأن تصرف الانسان وان كان له على اعتبار الأصل، الا أن له ان يجعله لغيره بحق الوكالة وغير ذلك، وههنا جعله لغيره فينعقد موقوفا على اجازته.
ولو قال الفضولى للبائع اشتريت منك هذا العبد بكذا لأجل فلان فقال بعت، أو قال البائع للفضولى بعت منك هذا العبد بكذا لفلان فقال اشتريت لا يتوقف وينفذ الشراء عليه لأنه لم توجد الاضافة الى فلان فى الايجاب والقبول، وانما وجدت فى احدهما وأحدهما شطر العقد فلا يتوقف،
стр. 4439
لما ذكرنا أن الأصل أن لا يتوقف وانما توقف لضرورة الاضافة من الجانبين فاذا لم يوجد يجب العمل بالأصل، وهذا بخلاف الوكيل بالشراء فانه اذا اشترى شيئا يقع شراؤه للموكل، وان أضاف العقد الى نفسه لا الى الموكل، لأنه لما أمره بالشراء فقد أنابه مناب نفسه فكان تصرف الوكيل كتصرفه بنفسه، ولو اشترى بنفسه كان المشترى له كذا هذا.
ولو اشترى الفضولى شيئا لغيره ولم يضف المشترى الى غيره حتى لو كان الشراء له فظن المشترى والمشترى له أن المشترى يكون للمشترى له فسلم اليه بعد القبض بالثمن الذى اشتراه به وقبل المشترى له صح ذلك ويجعل ذلك تولية كأنه ولاه منه بما اشترى ولو علم المشترى بعد ذلك أن الشراء نفذ عليه والمشترى له فأراد أن يسترد من صاحبه بغير رضاه لم يكن له ذلك، لأن التولية منه قد صحت فلا يملك الرجوع، كمن اشترى منقولا فطلب جاره الشفعة وظن المشترى أن له شفعة فسلم اليه ثم أراد احدهما أن ينقض ذلك من غير رضا الآخر لم يكن له ذلك، لأنه لما سلم اليه صار ذلك بيعا بينهما.
ولو اختلفا فقال المشترى، له: كنت أمرتك بالشراء وقال المشترى: اشتريته لك بغير أمرك، فالقول قول المشترى له لأن المشترى لما قال اشتريته لك كان ذلك اقرارا منه بأنه اشتراه بأمره، لأن الشراء له لا يكون الا بامره عادة فكان القول قوله، ثم ان اخذه بقضاء القاضى لا يحل له ذلك الا اذا كان صادقا فى كلامه فيما بينه وبين الله جل شأنه، وان أخذه بغير قضاء طاب له لأنه أخذه برضاه فصار ذلك بيعا منهما بتراضيهما (١).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإكليل نقلا عن المدونة أنه لو باع الأمة رجل أو باعت هى نفسها فأجاز ذلك السيد جاز ولا كلام للمبتاع.
وقال الامام مالك رحمه الله تعالى: يجوز بيع ملك الغير ويوقف على اجازة ربه.
وفى رسم المكاتب من سماع عيسى: من قال اشتر منى عبد فلان بستين دينارا فانه اعطيته فيه عطاء أرجو ان يمضيه لى فقال له صاحبه قد اشتريته منك بالستين ثم رجع البائع الى سيد العبد فاشتراه منه بخمسين فقال أكره هذا وان وقع أمضيته.
قال ابن رشد رحمه الله تعالى: أجاز هذا اذا وقع لأن معناه أخذته منك بستين ان أمضاه لك صاحبه، ولو اشتراه منه ناجزا على أن يتحصله من بائعه بما قدر لكان بيعا فاسدا (٢).
وجاء فى مواهب الجليل قال فى المتيطية:
من باع سلعة لغيره بغير اذنه فان البيع
стр. 4440
ينعقد ولا يكون للمبتاع أن ينحل عنه اذا أجاز ذلك ربها، وكذلك اذا اشترى له سلعة بغير اذنه فلا يكون للمبتاع حل الصفقة اذا أخذها المبتاع لنفسه. فان لم يجز الشراء لزمت السلعة المشترى الفضولى ولا رجوع لرب المال على البائع بما دفعه له المشترى الا أن يكون المشترى أشهد عند الشراء أنه انما اشترى لفلان بماله وان البائع يعلم ذلك أو صدق المشترى فيه أو تقوم بينة أن الشئ الذى اشترى به ملك المشترى فان أخذ المشترى له ماله ولم يجز الشراء انتقض البيع فيما اذا صدق البائع ولم ينتقض فى قيام البينة أن المال له بل يرجع على المشترى بمثل الثمن ويلزمه البيع هذا قول ابن القاسم وأصبغ رحمهما الله تعالى.
قال ابن الماجشون رحمه الله تعالى:
القول قول المشترى له فيحلف أنه ما أمر المشترى ويأخذ ما له ان شاء من المشترى وان شاء من البائع فان أخذه من البائع كان له أن يرجع على المشترى ويلزمه الشراء وان أخذه من المشترى لم يكن رجوع على البائع قاله فى نوازل اصبغ من جامع البيوع.
قال ابن رشد رحمه الله تعالى فى شرح هذه المسألة: من اشترى من رجل شيئا فأراد ان يكتب فى كتاب شرائه هذا ما اشترى فلان لفلان بماله وأمره لم يلزم البائع أن يشهد له بذلك، لأن ذلك وان كان لا يقتضى تصديق البائع فى الشراء لفلان ولا فى أن المال له ولا يوجب للمشترى الرجوع على البائع، وان جاء فأنكر الأمر بالشراء على مذهب ابن القاسم وأصبغ رحمهما الله تعالى ما لم يصرح بعلم البائع أن المال لفلان أو بتصديقه المشترى على ذلك فمن حجة البائع ان يقول اخشى أن يأتى المشترى له فيدعى انى علمت بذلك أو صدقت عليه فيلزمنى اليمين أو يحكم له بالرجوع على مذهب ابن الماجشون (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج ان من شروط المبيع الملك فى المعقود عليه التام لمن له العقد الواقع من عاقد أو موكله أو موليه فبيع الفضولى وشراؤه وسائر عقوده فى عين لغيره أو فى ذمة غيره - كقوله اشتريت له كذا بألف فى ذمته والفضولى من ليس بوكيل ولا ولى للمالك - باطل لخبر «لا بيع الا فيما تملك» رواه أبو داود والترمذى. أما لو اشترى بعين ماله لغيره. أو فى ذمته أو قال فى الذمة أو أطلق لغيره بلا اذن فان العقد يقع له وتلغو التسمية، فان فعل ذلك باذنه صح للغير ويكون المدفوع قرضا.
وفى القديم - وحكى عن الجديد أيضا - عقده موقوف على رضا المالك بمعنى أنه ان أجاز مالكه أو وليه العقد نفذ والا فلا، بأن رد صريحا أو سكت.
واستدل له بظاهر خبر عروة - وهو أن رسول الله ﷺ وكله فى
стр. 4441
شراء شاة فاشترى شاتين ثم باع واحدة منهما.
وأجيب عنه بأنه محمول على أن عروة كان وكيلا مطلقا لرسول الله ﷺ بدليل أنه باع الشاة وسلمها.
وعلى القول بصحة تصرف الفضولى مع الوقف على الاجازة قيل أن الموقوف على الاجازة هو الصحة لا أنها ناجزة والموقوف الملك كما نقله النووى عن الأكثرين وحكاه عنه كل من العلائى والزركشى رحمهما الله تعالى فى قواعده.
وان نقل الرافعى رحمه الله تعالى عن الامام أن الصحة ناجزة والمتوقف على الاجازة هو الملك.
وأفاد الوالد رحمه الله تعالى أن الشيخين صرحا فى باب العدد بأن الموقوف الصحة،
وعند القائل بالجواز يمتنع التسليم بدون اذن المالك.
والمعتبر اجازة من يملك التصرف عند العقد فلو باع مال الطفل فبلغ وأجاز لم ينفذ.
ومحل الخلاف ما لم يحضر المالك، فلو باع غيره بحضرته وهو ساكت لم يصح قطعا كما فى المجموع.
ولو باع مال مورثه أو غيره أو أعتق رقيقه أو زوج أمته ظانا حياته وعدم اذن الغير له فبان ميتا أو آذنا له صح البيع وغيره. مع الحرمة فى الأظهر اعتبارا فى العقود بما فى نفس الأمر لعدم احتياجها الى نية فانتفى التلاعب وبفرض التلاعب - لا يضر لصحة نحو بيع الهازل والوقف هنا وقف تبين لا وقف صحة.
وانما لم يصح تزويج الخنثى وان بان واضحا ولا نكاح المشتبه عليه بمحرمه، ولو بانت أجنبية لوجود الشك فى حل المعقود عليه وهو يحتاط له فى النكاح ما لا يحتاط لولاية العاقد وان اشتركا فى الركنية.
وعلم مما تقرر من صحة بيع مال مورثه الخ عدم الاختصاص بظن الملك وان الضابط فقد ان الشرط كظن عدم القدرة على التسليم فبان بخلافه. وهذا مرادهم وان لم يصرحوا به (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع ان الفضولى لو اشترى لغيره بعين ماله شيئا بغير اذنه لم يصح الشراء ولو اجيز بعد.
стр. 4442
وان اشترى لغيره شيئا فى ذمته بغير اذنه صح ان لم يسم المشترى من اشترى له فى العقد، بان قال اشتريت هذا ولم يقل لفلان فيصح العقد، سواء نقد المشترى الثمن من مال الغير الذى اشترى له أو نقده من مال نفسه أو لم ينقده بالكلية، لأنه متصرف فى ذمته وهى قابلة للتصرف والذى نقده انما هو عوض عما فى الذمة فان سماه فى العقد لم يصح ان لم يكن اذن. فان أجاز الشراء من اشترى له ولم يسم ملكه من حين العقد فمنافعه له، لأنه اشترى لأجله ونزل المشترى نفسه منزلة الوكيل وان لم يجزه من اشترى له لزم من اشتراه فيقع الشراء له، لأن الغير لم يأذن فيه فتعين كونه للمشترى كما لو لم ينو غيره (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يحل لأحد أن يبيع مال غيره بغير اذن صاحب المال له فى بيعه فان وقع فسخ أبدا، سواء كان صاحب المال حاضرا يرى ذلك أو غائبا ولا يكون سكوته رضى بالبيع طالت المدة أو قصرت ولو بعد مائة سنة أو أكثر، بل يأخذ ماله أبدا هو وورثته بعده، ولا يجوز لصاحب المال أن يمضى ذلك البيع أصلا الا أن يتراضى هو والمشترى على ابتداء عقد بيع فيه، وهو مضمون على من قبضه ضمان الغصب. وكذلك لا يلزم أحدا شراء غيره له الا ان يأمره بذلك، فان اشترى له دون أمره فالشراء للمشترى ولا يكون للذى اشتراه له سواء أراد كونه له أو لم يرد الا بابتداء عقد شراء مع الذى اشتراه، الا الغائب الذى يوقن بفساد شئ من ماله فسادا يتلف به قبل أن يشاور فانه يبيعه له الحاكم أو غيره ونحو ذلك ويشترى لأهله ما لا بدلهم منه ويجوز ذلك أو ما بيع عليه بحق واجب لينتصف غريم منه أو فى نفقة من تلزمه نفقته فهذا لازم له حاضرا كان أو غائبا رضى أم سخط، برهان ذلك قول الله : «وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها﴾. (٢) وقول رسول الله ﷺ : «أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام» فليس لأحد أن يحل ما حرم الله تعالى من ماله ولا من بشرته ولا من عرضه ولا من دمه الا بالوجه الذى أباحه به نص القرآن أو السنة (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: ان الاضافة لفظا أو نية من شروط نفاذ عقد الفضولى اذا كان مشتريا لأنه عقد موقوف، ولا ينفذ العقد
стр. 4443
الموقوف الا اذا وجدت فيه الاضافة من المشترى، أما البيع الموقوف فلا يحتاج الى اضافة ولا نية بل لو نواه لنفسه لغت النية، ومن ثم لو قصد البائع الفضولى فى بيع مال الغير أن لا يبيع عن الغير بل عن نفسه لنفسه وأجازه المالك انعقد البيع وكان الثمن للمالك.
وانما اعتبرت الاضافة فى الشراء ولم تعتبر فى البيع لأنه فى الشراء اثبات فاحتاج الى الاضافة فيه، اما البيع فكالاسقاط.
فاذا لم يضف المشترى لفظا أو نية لزمه المبيع لنفسه فلو لم يجز المشترى له شراء الفضولى رد المبيع لبائعه ان صادقه البائع أنه فضولى (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أنه يشترط فى البائع أنه يكون مالكا أو ممن له أن يبيع عن المالك كالأب والجد للأب والوكيل والوصى والحاكم وأمينه فلو باع شخص ملك غيره وقف على أجازة المالك أو وليه على الأظهر، ولا يكفى سكوته مع العلم ولا مع حضور العقد فان لم يجز كان له انتزاعه من المشترى.
ويرجع المشترى على البائع بما دفعه اليه وما اغترمه من نفقة أو عوض عن أجرة أو نماء اذا لم يكن عالما أنه لغير البائع أو ادعى البائع أن المالك اذن له، وأن لم يكن كذلك لم يرجع بما اغترم.
وقيل لا يرجع بالثمن مع العلم بالغصب.
وكذا لو باع ما يملك وما لا يملك مضى بيعه فيما يملك وكان فيما لا يملك موقوفا على الاجازة ويقسط الثمن بأن يقوما جميعا ثم يقوم أحدهما ويرجع على البائع بحصة من الثمن اذا لم يجز المالك.
ولو أراد المشترى رد الجميع كان له ذلك (٢).
مذهب الإباضية
جاء فى شرح النيل أنه ينعقد بيع فضولى وشراؤه وسائر العقود ان شرط رضا من عقد عليه، فلا تصرف لمعامله حتى يرد المعقود عليه فعل الفضولى فلابد من اجباره ليرد أو يرضى.
وقيل لا ينعقد ذلك فلمعامله التصرف ولا يلزم اجبار المعقود عليه، وان أجبر ورضى فللمعامل أن يجيز وأن يمنع وعليه بعضنا.
والحجة على قول بعضنا ما ورى أن النبى ﷺ دفع لعروة
стр. 4444
البارقى دينارا يشترى له ضحية فاشترى له شاتين فباع احداهما بدينار فجاء اليه ﷺ بشاة ودينار، فأجاز فعله مع أنه لم يأمره فى احدى الشاتين بشراء ولا بيع ولا بشراء شاتين ولا بالشراء بنصف دينار مثلا، بل أمره بشاة يكون ثمنها دينارا. وهذا الحديث دليل على انعقاد البيع أن رضى المعقود عليه ولو لم يشترط الفضولى رضاه، فكيف ان شرطه (١).
ثانيا - حكم اضافة البيع
والشراء الى الدين
مذهب الحنفية
جاء فى بدائع الصنائع أن بيع الديون من غير من عليه والشراء بها من غير من عليه ينظر فيها فان أضاف البيع والشراء الى الدين لم يجز بأن يقول لغيره بعت منك الدين الذى فى ذمة فلان بكذا أو يقول اشتريت منك هذا الشئ بالدين الذى فى ذمة فلان لأن ما فى ذمة فلان غير مقدور التسليم فى حقه، والقدرة على التسليم شرط انعقاد العقد بخلاف البيع والشراء بالدين ممن عليه الدين لأن ما فى ذمته مسلم له وان لم يضف العقد الى الدين الذى عليه جاز.
ولو اشترى شيئا بثمن دين ولم يضف العقد الى الدين حتى جاز ثم احال البائع على غريمه بدينه الذى له عليه جازت الحوالة سواء كان الدين الذى أحيل به دينا يجوز بيعه قبل القبض أو لا يجوز كالسلم ونحوه.
وذكر الطحاوى رحمه الله تعالى أنه لا تجوز الحوالة بدين لا يجوز بيعه قبل القبض.
وهذا غير سديد، لأن هذا توكيل بقبض الدين فان المحال له يصير بمنزلة الوكيل للمحيل يقبض دينه من المحتال والتوكيل بقبض الدين جائز أى دين كان، ويكون قبض وكيله كقبض موكله.
ولو باع هذا الدين ممن عليه الدين جاز بأن اشترى منه شيئا بعينه بدينه الذى له فى ذمته، لأنه باع ما هو مقدور التسليم عند الشراء لأن ذمته فى يده، بخلاف الأول.
وكذا اذا صالح معه من دينه على شئ بعينه جاز الصلح (٢).
مذهب المالكية:
قال صاحب التاج والاكليل: كان سيدى ابن سراج رحمه الله تعالى يقرر لنا شروط بيع الدين ممن هو عليه وهى ان لا يكون الدين طعاما من بيع دار، وان يتعجل العوض، وأن يكون المقبوض مما يصح بتسليم رأس المال فيه، وان يجوز بيعه بالدين الذى فى الذمة يدا بيد.
стр. 4445
قال البرزلى رحمه الله تعالى: ان كان الدين عروضا فهل يشترط أن يبقى للأجل مثل أجل السلم، أخذ من المدونة الوجهان.
وانظر اذا اسلم له دينارا على رطل حرير لعشرين يوما ثم بعد عشرة أيام باع منه رطل الحرير بربع كتان قبضه فقد صار الدينار سلما فى هذا الكتان الذى قبض، وصار الكتان بنفسه سلما على رطل حرير يقبضه من نفسه، وكلا الوجهين خال عن أجل السلم.
قال ابن بشير رحمه الله تعالى: فى مراعاة أن يمر بين عقد السلم والاقتضاء مقدار أجل السلم طريقان للاشياخ رحمهم الله تعالى.
وكذا يختلف فى مراعاة بقاء أجله من وقت الاقتضاء لحلول أجل السلم اذا اعتاض على الاقتضاء.
قال الباجى رحمه الله تعالى: ويجوز بيع الدين من الذى هو عليه إذا كان ما يأخذ فيه يجوز أن يسلم فيه رأس المال ويجوز أن يسلم فى المسلم فيه، ولا يجوز على غير هذا.
قال أيضا فى باب آخر من أسلم عينا فى حيوان أو فى شئ غير الطعام ثم باعه من بائعه قبل التفرق وقبل حلول الأجل: لا يجوز أن يبيعه منه الا بما يجوز أن يسلم فى المسلم فيه ويجوز أن يسلم فيه رأس المال فيتحرز من الأمرين وأما بعد الأجل فانما يراعى فيه معنى واحد وهو أن يجوز تسليم رأس المال فيما أخذ، لأن ما فى الذمة حينئذ بمنزلة النقد لا يفسد فيه الا ما يفسد مع النقد، فان باعه من أجنبى لم يراع رأس المال فيجوز أن يسلم دنانير ويبيع المسلم فيه من أجنبى بورق أو غيره، لأنه لا يراعى من البيع من زيد ما ابتيع من عمرو، وأما المسلم فيه فيراعى لأن ما يأخذه من الثمن عوض ما يبيعه. وكذا لا يراعى هذا الشرط فى دين القرض وان باعه ممن هو عليه الا أن كان ذلك قبل حلوله (١).
وجاء فى المدونة أنه لو كان لرجل على آخر دراهم دينا من قرض أو من بيع الى أجل لم يجز له أن يأخذ بها منه دنانير نقدا، وهو من بيع الدراهم الى أجل بدنانير نقدا ولو كانت الدراهم حالة لم يكن فى ذلك من بأس فان صارفه قبل محل الأجل على دينارين وشرط عليه أن يدفعهما اليه مع محل أجل الدراهم لم يجز كذلك فى قول مالك رحمه الله تعالى وكذلك لو كان فى مكان هذه الدنانير عرض من العروض بعينه أو موصوفا أو مضمونا الى ذلك الأجل لم يحل لأنه دين بدين، ولو كان العرض نقدا ما كان به بأس فى البيع والسلف الا أن يكون العرض الذى يعطيه
стр. 4446
من صنف العرض الذى كان باع ويكون أجود منه أو أكثر حل أجل الدين فى ذلك أو لم يحل (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أن بيع الدين غير المسلم فيه بعين أو بدين ينشئه الآن لغير من هو عليه باطل فى الأظهر بأن يشترى عبد زيد بمائة له على عمرو لأنه لا يقدر على تسليمه، وهذا ما فى المحرر والشرحين والمجموع هنا وجزم به الرافعى فى الكتابة.
والقول الثانى الذى يقابل الأظهر يصح سواء اتفقا فى علة الربا أو لا وصححه فى زوائد الروضة ونقل أن النووى أفتى به وهو الموافق لكلام الرافعى فى آخر الخلع، واختاره السبكى، وحكى عن النص وهو المعتمد وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى لاستقراره كبيعه ممن هو عليه وهو الاستبدال السابق.
ومحل ما ذكر من صحة بيع الدين لغير من هو عليه ان كان الدين حالا مستقرا والمدين مقرا مليا أو عليه بينة لا كلفة عليه فى اقامتها والا لم يصح، لتحقق العجز حينئذ ويشترط قبض العوضين فى المجلس وان لم يكونا ربويين كما صرح به فى أصل الروضة كالبغوى وهو المعتمد.
وان قال فى المطلب مقتضى كلام الأكثرين يخالفه.
والقول بحمل الأول على الربوى والثانى على غيره صحيح لعدم تأتيه مع تمثيلهما بأن يشترى عبد زيد بمائة له على عمرو.
ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص فباع زيد عمرا دينه بدينه أو كان له على آخر دين فاستبدل عنه دينا آخر بطل قطعا سواء اتحد الجنس أو اختلف وحكى الاجماع على ذلك والنهى عن ذلك صححه جمع وضعفه آخرون، قال الشبراملسى رحمه الله تعالى وهو واضح حيث لم توجد شروط الحوالة والا كأن قال جعلت مالى على زيد من الدين لك فى مقابلة دينك واتحد الدينان جنسا وقدرا وحلولا وأجلا وصحة وكسرا فينبغى الصحة لأنها حوالة (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه يصح بيع دين مستقر - من ثمن مبيع وقرض ومهر بعد دخوله وأجرة استوفى نفعها ان كانت الاجارة على عمل كخياطة ثوب أو فرغت مدتها ان كانت على مدة كاجارة دار شهرا وأرش جناية وقيمة متلف ونحو ذلك كجعل بعد عمل لمن الدين فى ذمته لخبر ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: كنا نبيع الابل بالبقيع بالدنانير ونأخذ عنها الدراهم وبالدراهم ونأخذ عنها الدنانير فسألنا رسول الله ﷺ فقال لا بأس
стр. 4447
ان أخذتها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شئ. رواه أبو داود وابن ماجة فدل على جواز بيع ما فى الذمة من أحد النقديين بالآخر، وغيره يقاس عليه.
ويجوز رهن الدين المستقر عند من هو فى ذمته بحق لمن هو فى ذمته، هذا أحد روايتين وذكرها فى الانتصار.
قال فى الانصاف: الأولى الجواز وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، حيث قالوا:
يجوز رهن ما يصح بيعه.
قلت بل يكاد صريح كلامهم أن يكون بخلافه حيث قالوا الرهن توثقة دين بعين.
بل صرح المجد فى شرحه بعدم صحته.
ويستثنى من الدين أرش مال السلم بعد فسخ السلم وقبل قبض رأس ماله فلا يصح بيعه ولو لمن هو عليه ولا رهنه عنده، لكن ان كان الدين من ثمن مكيل أو موزون باعه بالنسيئة أو بثمن لم يقبض فانه لا يصح ان يأخذ عوضه ما يشارك البيع فى علة ربا فضل أو نسئية فلا يعتاض عن ثمن مكيل مكيلا ولا عن ثمن موزون موزونا حسما لمادة ربا النسيئة.
ويشترط لصحة بيع الدين الثابت فى الذمة لمن هو عليه أن يقبض عوضه فى المجلس ان باعه بما لا يباع به نسيئة كأن باع الذهب بالفضة أو عكسه أو باعه لموصوف فى الذمة فيعتبر قبضه قبل التفرق لئلا يصير بيع دين بدين وهو منهى عنه، والا بأن باعه بمعين يباع به نسيئة كما لو كان الدين ذهبا وباعه ببر معين فلا يشترط قبضه فى المجلس. ولا يصح بيع الدين لغير من هو فى ذمته مطلقا، لأنه غير قادر على تسليمه أشبه بيع الآبق ولا يصح بيع دين الكتابة ولو لمن هو فى ذمته لأنه غير مستقر، ولا بيع غير دين الكتابة حال كونه غير مستقر كصداق قبل دخول وجعل قبل عمل، ولا يصح بيع الدين من الغريم الذى هو عليه بمثله بأن كان له عليه دين فباعه له بدينار لأنه نفس حقه الواجب له.
ولو قال المسلم اليه للمسلم فى دين السلم صالحنى من أجله على مثل الثمن المعقود عليه صح ذلك وكان اقالة بلفظ الصلح لأنها تصح بكل ما أدى معناها (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يحل بيع دين يكون لانسان على غيره لا بنقد ولا بدين لا بعين ولا بعرض سواء كان هذا الدين ببينة أو مقرا به، أو لم يكن كل ذلك باطل لأنه بيع مجهول ومالا
стр. 4448
يدرى عينه وهذا هو أكل مال بالباطل (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار أنه يصح بيع ما فى الذمة ممن هو عليه - ويشترط قبض الثمن قبل افتراقهما لئلا يكون من بيع الكالئ بالكالئ - ما لم يكن الذى فى الذمة من سلم - فلا يصح بيع رأس مال السلم ممن هو عليه ولا المسلم فيه لعدم الاستقرار - أو صرف نحو أن يصرف رجل الى آخر دينارا بعشرة دراهم فلما سلم الدينار وقبضه الآخر قال لصاحبه خذ هذا الثوب عن العشرة الدراهم قبل قبضها فانه لا يصح لأنه يشترط فى الصرف القبض (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أن الثمن اذا كان معينا يجوز بيعه قبل قبضه ما لم يكن صرفا وان كان فى الذمة أيضا يجوز، لأن الأصل جواز التصرف والمنع يحتاج الى دليل.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهم أنه قال كنت أبيع الابل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطى هذه من هذه فقال رسول الله ﷺ لا بأس أن تأخذها ما لم تفترقا وبينكما شئ (٣).
واذا كان لرجل على غيره قفيز طعام من جهة السلم والذى عليه الطعام من جهة السلم له على غيره طعام من جهة القرض فجاء المسلم اليه بالطعام فأحاله على من له عليه من جهة القرض كان جائزا وكذلك ان كان الطعام الذى له قرضا والذى عليه سلما كان جائزا لأن الأصل جواز ذلك والمنع يحتاج الى دليل، وأيضا فان هذه حوالة ليست بيعا فلا وجه للمنع منه (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه يجوز بيع الدين بكل ما جاز به البيع الحاضر والعاجل ان لم يكن من جنس ما بيع به.
ففى الديوان وجامع الشيخ أحمد ابن محمد بن بكر رحمهم الله تعالى يجوز بيع الدين فى جميع ما ظهر فيه الخلاف من الجنسين مما يجوز بيعه
стр. 4449
كائنا ما كان وان كان من جنسه فهو ربا ولو استويا.
وقيل لا يكون ربا الا أن كان بزيادة.
ويجوز بالحوالة بعد الحلول سواء كان دراهم أو دنانير أو طعاما أو غير ذلك، فان باب الحوالة مستثنى من النهى عن بيع ما لم تقبض وبيع الطعام قبل أن يستوفى ولو كانت بيعا كذا نفهم.
واستظهر أبو ستة أن الحوالة تجوز فى الدراهم والدنانير لا فى العروض لئلا يلزم بيع ما لم تقبض أو بيع الطعام قبل أن يستوفى.
ولئن سلمنا عدم استثناء الحوالة لنقولن ان الذى فى الذمة على ما ذكر الشيخ عن بعض وأقره وهو أبو ستة يفرض ثمنا فهو كالدراهم والدنانير فلا يكون التحويل به بيعا له مع أن التحقيق أنها مستثناة من ذلك النهى كما استثنيت من بيع الدين بالدين فأجيزت ولو كان فيها بيع الدين بالدين اذا كان ما فى ذمة المحال عليه دينا، وان الذى فى الذمة فى بيع الدين اذا كان بعروض فى الذمة مثمن كما أنه مثمن فى السلم والقرض ومراده بالحلول حلول ما فى ذمة المحال عليه وما فى ذمة المحيل لأنه ان لم يحلا أو حل أحدهما انفسخ الدين بطلبه قبل الحلول، وسواء فى حلول ما فى ذمة المحال عليه كونه حالا بعد أجل أو حالا من حين العقد، وقال الشيخ ان لم يحلا لم يجز لئلا يكون من بيع الدين بالدين ويبحث فيه بأنه لو كانت العلة هذه لمنعت الحوالة بعد الحلول لأن ذلك دين بعد الحلول أيضا ما لم يقبض وكأنه يرى ان الدين فى حديث النهى عن بيع الدين بالدين ما فى الذمة مؤجلا لم يحل أجله.
والذى أراه أنه ما فى الذمة بلا أجل أو بأجل حل أو لم يحل (١).
ثالثا: حكم اضافة عقد
البيع الى مجهول
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن من شروط صحة البيع أن يكون المبيع معلوما وثمنه معلوما علما يمنع من المنازعة، فان كان أحدهما مجهولا جهالة مفضية الى المنازعة فسد البيع وان كان مجهولا جهالة لا تفضى الى المنازعة لا يفسد، لأن الجهالة اذا كانت مفضية الى المنازعة كانت مانعة من التسليم والتسلم فلا يحصل مقصود البيع واذا لم تكن مفضية الى المنازعة لا تمنع من ذلك فيحصل المقصود.
فاذا قال بعتك شاة من هذا القطيع أو ثوبا من هذا العدل فالبيع فاسد،
стр. 4450
لأن الشاة من القطيع والثوب من العدل مجهول جهالة مفضية الى المنازعة لتفاحش التفاوت بين شاة وشاة وثوب وثوب فيوجب فساد البيع، فان عين البائع شاة أو ثوبا وسلمه اليه ورضى به جاز ويكون ذلك ابتداء بيع بالمراضاة ولأن البياعات للتوسل الى استيفاء النفوس الى انقضاء آجالها والتنازع يفضى الى التنافى فيتناقض، ولأن الرضا شرط البيع والرضا لا يتعلق الا بالمعلوم (١).
وكذا اذا قال بعتك أحد هذه الأثواب الأربعة بكذا وذكر خيار التعيين أو سكت عنه أو قال بعتك أحد هذين الثوبين أو أحد هذه الأثواب الثلاثة بكذا وسكت عن الخيار فالبيع فاسد لأن المبيع مجهول، ولو ذكر الخيار بأن قال على أنك بالخيار تأخذ أيهما شئت بثمن كذا وترد الباقى فالقياس أن يفسد البيع.
وفى الاستحسان لا يفسد.
أما القياس فلأن المبيع مجهول لأنه باع أحدهما غير عين وهو غير معلوم فكان المبيع مجهولا فيمنع صحة البيع كما لو باع أحد الأثواب الأربعة وذكر الخيار.
وأما الاستحسان فالاستدلال بخيار الشرط والجامع بينهما مساس الحاجة الى دفع الغبن وكل واحد من الخيارين طريق الى دفع الغبن وورود الشرع هناك يكون ورودا ههنا والحاجة تندفع بالتحرى فى ثلاثة لاقتصار الأشياء على الجيد والوسط والردئ فيبقى الحكم فى الزيادة مردودا الى أصل القياس، ولأن الناس تعاملوا هذا البيع لحاجتهم الى ذلك، فان كل أحد لا يمكنه أن يدخل السوق فيشترى ما يحتاج اليه خصوصا الأكابر والنساء فيحتاج الى أن يأمر غيره ولا تندفع حاجته بشراء شئ واحد معين من ذلك الجنس لما عسى لا يوافق الآمر فيحتاج الى أن يشترى أحد اثنين من ذلك الجنس فيحملهما جميعا الى الآمر فيختار أيهما شاء بالثمن المذكور ويرد الباقى فجوزنا ذلك لتعامل الناس ولا تعامل فيما زاد على الثلاثة فبقى الحكم فيه على أصل القياس (٢).
ولو باع عددا من جملة المعدودات المتفاوتة كالبطيخ والرمان بدرهم والجملة أكثر مما سمى فالبيع فاسد لجهالة المبيع جهالة مفضية الى المنازعة، فان عزل ذلك القدر من الجملة بعد ذلك أو تراضيا عليه فهو جائز، لأن ذلك بيع مبتدأ بطريق التعاطى.
ولو قال: بعت هذا العبد بقيمته فالبيع فاسد، لأنه جعل ثمنه قيمته