← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

من صنف العرض الذى كان باع ويكون أجود منه أو أكثر حل أجل الدين فى ذلك أو لم يحل (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أن بيع الدين غير المسلم فيه بعين أو بدين ينشئه الآن لغير من هو عليه باطل فى الأظهر بأن يشترى عبد زيد بمائة له على عمرو لأنه لا يقدر على تسليمه، وهذا ما فى المحرر والشرحين والمجموع هنا وجزم به الرافعى فى الكتابة. والقول الثانى الذى يقابل الأظهر يصح سواء اتفقا فى علة الربا أو لا وصححه فى زوائد الروضة ونقل أن النووى أفتى به وهو الموافق لكلام الرافعى فى آخر الخلع، واختاره السبكى، وحكى عن النص وهو المعتمد وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى لاستقراره كبيعه ممن هو عليه وهو الاستبدال السابق. ومحل ما ذكر من صحة بيع الدين لغير من هو عليه ان كان الدين حالا مستقرا والمدين مقرا مليا أو عليه بينة لا كلفة عليه فى اقامتها والا لم يصح، لتحقق العجز حينئذ ويشترط قبض العوضين فى المجلس وان لم يكونا ربويين كما صرح به فى أصل الروضة كالبغوى وهو المعتمد. وان قال فى المطلب مقتضى كلام الأكثرين يخالفه. والقول بحمل الأول على الربوى والثانى على غيره صحيح لعدم تأتيه مع تمثيلهما بأن يشترى عبد زيد بمائة له على عمرو. ولو كان لزيد وعمرو دينان على شخص فباع زيد عمرا دينه بدينه أو كان له على آخر دين فاستبدل عنه دينا آخر بطل قطعا سواء اتحد الجنس أو اختلف وحكى الاجماع على ذلك والنهى عن ذلك صححه جمع وضعفه آخرون، قال الشبراملسى رحمه الله تعالى وهو واضح حيث لم توجد شروط الحوالة والا كأن قال جعلت مالى على زيد من الدين لك فى مقابلة دينك واتحد الدينان جنسا وقدرا وحلولا وأجلا وصحة وكسرا فينبغى الصحة لأنها حوالة (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه يصح بيع دين مستقر - من ثمن مبيع وقرض ومهر بعد دخوله وأجرة استوفى نفعها ان كانت الاجارة على عمل كخياطة ثوب أو فرغت مدتها ان كانت على مدة كاجارة دار شهرا وأرش جناية وقيمة متلف ونحو ذلك كجعل بعد عمل لمن الدين فى ذمته لخبر ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: كنا نبيع الابل بالبقيع بالدنانير ونأخذ عنها الدراهم وبالدراهم ونأخذ عنها الدنانير فسألنا رسول الله ﷺ فقال لا بأس

стр. 4447

ان أخذتها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شئ. رواه أبو داود وابن ماجة فدل على جواز بيع ما فى الذمة من أحد النقديين بالآخر، وغيره يقاس عليه. ويجوز رهن الدين المستقر عند من هو فى ذمته بحق لمن هو فى ذمته، هذا أحد روايتين وذكرها فى الانتصار. قال فى الانصاف: الأولى الجواز وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، حيث قالوا: يجوز رهن ما يصح بيعه. قلت بل يكاد صريح كلامهم أن يكون بخلافه حيث قالوا الرهن توثقة دين بعين. بل صرح المجد فى شرحه بعدم صحته. ويستثنى من الدين أرش مال السلم بعد فسخ السلم وقبل قبض رأس ماله فلا يصح بيعه ولو لمن هو عليه ولا رهنه عنده، لكن ان كان الدين من ثمن مكيل أو موزون باعه بالنسيئة أو بثمن لم يقبض فانه لا يصح ان يأخذ عوضه ما يشارك البيع فى علة ربا فضل أو نسئية فلا يعتاض عن ثمن مكيل مكيلا ولا عن ثمن موزون موزونا حسما لمادة ربا النسيئة. ويشترط لصحة بيع الدين الثابت فى الذمة لمن هو عليه أن يقبض عوضه فى المجلس ان باعه بما لا يباع به نسيئة كأن باع الذهب بالفضة أو عكسه أو باعه لموصوف فى الذمة فيعتبر قبضه قبل التفرق لئلا يصير بيع دين بدين وهو منهى عنه، والا بأن باعه بمعين يباع به نسيئة كما لو كان الدين ذهبا وباعه ببر معين فلا يشترط قبضه فى المجلس. ولا يصح بيع الدين لغير من هو فى ذمته مطلقا، لأنه غير قادر على تسليمه أشبه بيع الآبق ولا يصح بيع دين الكتابة ولو لمن هو فى ذمته لأنه غير مستقر، ولا بيع غير دين الكتابة حال كونه غير مستقر كصداق قبل دخول وجعل قبل عمل، ولا يصح بيع الدين من الغريم الذى هو عليه بمثله بأن كان له عليه دين فباعه له بدينار لأنه نفس حقه الواجب له. ولو قال المسلم اليه للمسلم فى دين السلم صالحنى من أجله على مثل الثمن المعقود عليه صح ذلك وكان اقالة بلفظ الصلح لأنها تصح بكل ما أدى معناها (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه لا يحل بيع دين يكون لانسان على غيره لا بنقد ولا بدين لا بعين ولا بعرض سواء كان هذا الدين ببينة أو مقرا به، أو لم يكن كل ذلك باطل لأنه بيع مجهول ومالا

стр. 4448

يدرى عينه وهذا هو أكل مال بالباطل (١). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الازهار أنه يصح بيع ما فى الذمة ممن هو عليه - ويشترط قبض الثمن قبل افتراقهما لئلا يكون من بيع الكالئ بالكالئ - ما لم يكن الذى فى الذمة من سلم - فلا يصح بيع رأس مال السلم ممن هو عليه ولا المسلم فيه لعدم الاستقرار - أو صرف نحو أن يصرف رجل الى آخر دينارا بعشرة دراهم فلما سلم الدينار وقبضه الآخر قال لصاحبه خذ هذا الثوب عن العشرة الدراهم قبل قبضها فانه لا يصح لأنه يشترط فى الصرف القبض (٢). مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف أن الثمن اذا كان معينا يجوز بيعه قبل قبضه ما لم يكن صرفا وان كان فى الذمة أيضا يجوز، لأن الأصل جواز التصرف والمنع يحتاج الى دليل. وروى سعيد بن جبير عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهم أنه قال كنت أبيع الابل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطى هذه من هذه فقال رسول الله ﷺ لا بأس أن تأخذها ما لم تفترقا وبينكما شئ (٣). واذا كان لرجل على غيره قفيز طعام من جهة السلم والذى عليه الطعام من جهة السلم له على غيره طعام من جهة القرض فجاء المسلم اليه بالطعام فأحاله على من له عليه من جهة القرض كان جائزا وكذلك ان كان الطعام الذى له قرضا والذى عليه سلما كان جائزا لأن الأصل جواز ذلك والمنع يحتاج الى دليل، وأيضا فان هذه حوالة ليست بيعا فلا وجه للمنع منه (٤). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أنه يجوز بيع الدين بكل ما جاز به البيع الحاضر والعاجل ان لم يكن من جنس ما بيع به. ففى الديوان وجامع الشيخ أحمد ابن محمد بن بكر رحمهم الله تعالى يجوز بيع الدين فى جميع ما ظهر فيه الخلاف من الجنسين مما يجوز بيعه

стр. 4449

كائنا ما كان وان كان من جنسه فهو ربا ولو استويا. وقيل لا يكون ربا الا أن كان بزيادة. ويجوز بالحوالة بعد الحلول سواء كان دراهم أو دنانير أو طعاما أو غير ذلك، فان باب الحوالة مستثنى من النهى عن بيع ما لم تقبض وبيع الطعام قبل أن يستوفى ولو كانت بيعا كذا نفهم. واستظهر أبو ستة أن الحوالة تجوز فى الدراهم والدنانير لا فى العروض لئلا يلزم بيع ما لم تقبض أو بيع الطعام قبل أن يستوفى. ولئن سلمنا عدم استثناء الحوالة لنقولن ان الذى فى الذمة على ما ذكر الشيخ عن بعض وأقره وهو أبو ستة يفرض ثمنا فهو كالدراهم والدنانير فلا يكون التحويل به بيعا له مع أن التحقيق أنها مستثناة من ذلك النهى كما استثنيت من بيع الدين بالدين فأجيزت ولو كان فيها بيع الدين بالدين اذا كان ما فى ذمة المحال عليه دينا، وان الذى فى الذمة فى بيع الدين اذا كان بعروض فى الذمة مثمن كما أنه مثمن فى السلم والقرض ومراده بالحلول حلول ما فى ذمة المحال عليه وما فى ذمة المحيل لأنه ان لم يحلا أو حل أحدهما انفسخ الدين بطلبه قبل الحلول، وسواء فى حلول ما فى ذمة المحال عليه كونه حالا بعد أجل أو حالا من حين العقد، وقال الشيخ ان لم يحلا لم يجز لئلا يكون من بيع الدين بالدين ويبحث فيه بأنه لو كانت العلة هذه لمنعت الحوالة بعد الحلول لأن ذلك دين بعد الحلول أيضا ما لم يقبض وكأنه يرى ان الدين فى حديث النهى عن بيع الدين بالدين ما فى الذمة مؤجلا لم يحل أجله. والذى أراه أنه ما فى الذمة بلا أجل أو بأجل حل أو لم يحل (١). ثالثا: حكم اضافة عقد البيع الى مجهول مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن من شروط صحة البيع أن يكون المبيع معلوما وثمنه معلوما علما يمنع من المنازعة، فان كان أحدهما مجهولا جهالة مفضية الى المنازعة فسد البيع وان كان مجهولا جهالة لا تفضى الى المنازعة لا يفسد، لأن الجهالة اذا كانت مفضية الى المنازعة كانت مانعة من التسليم والتسلم فلا يحصل مقصود البيع واذا لم تكن مفضية الى المنازعة لا تمنع من ذلك فيحصل المقصود. فاذا قال بعتك شاة من هذا القطيع أو ثوبا من هذا العدل فالبيع فاسد،

стр. 4450

لأن الشاة من القطيع والثوب من العدل مجهول جهالة مفضية الى المنازعة لتفاحش التفاوت بين شاة وشاة وثوب وثوب فيوجب فساد البيع، فان عين البائع شاة أو ثوبا وسلمه اليه ورضى به جاز ويكون ذلك ابتداء بيع بالمراضاة ولأن البياعات للتوسل الى استيفاء النفوس الى انقضاء آجالها والتنازع يفضى الى التنافى فيتناقض، ولأن الرضا شرط البيع والرضا لا يتعلق الا بالمعلوم (١). وكذا اذا قال بعتك أحد هذه الأثواب الأربعة بكذا وذكر خيار التعيين أو سكت عنه أو قال بعتك أحد هذين الثوبين أو أحد هذه الأثواب الثلاثة بكذا وسكت عن الخيار فالبيع فاسد لأن المبيع مجهول، ولو ذكر الخيار بأن قال على أنك بالخيار تأخذ أيهما شئت بثمن كذا وترد الباقى فالقياس أن يفسد البيع. وفى الاستحسان لا يفسد. أما القياس فلأن المبيع مجهول لأنه باع أحدهما غير عين وهو غير معلوم فكان المبيع مجهولا فيمنع صحة البيع كما لو باع أحد الأثواب الأربعة وذكر الخيار. وأما الاستحسان فالاستدلال بخيار الشرط والجامع بينهما مساس الحاجة الى دفع الغبن وكل واحد من الخيارين طريق الى دفع الغبن وورود الشرع هناك يكون ورودا ههنا والحاجة تندفع بالتحرى فى ثلاثة لاقتصار الأشياء على الجيد والوسط والردئ فيبقى الحكم فى الزيادة مردودا الى أصل القياس، ولأن الناس تعاملوا هذا البيع لحاجتهم الى ذلك، فان كل أحد لا يمكنه أن يدخل السوق فيشترى ما يحتاج اليه خصوصا الأكابر والنساء فيحتاج الى أن يأمر غيره ولا تندفع حاجته بشراء شئ واحد معين من ذلك الجنس لما عسى لا يوافق الآمر فيحتاج الى أن يشترى أحد اثنين من ذلك الجنس فيحملهما جميعا الى الآمر فيختار أيهما شاء بالثمن المذكور ويرد الباقى فجوزنا ذلك لتعامل الناس ولا تعامل فيما زاد على الثلاثة فبقى الحكم فيه على أصل القياس (٢). ولو باع عددا من جملة المعدودات المتفاوتة كالبطيخ والرمان بدرهم والجملة أكثر مما سمى فالبيع فاسد لجهالة المبيع جهالة مفضية الى المنازعة، فان عزل ذلك القدر من الجملة بعد ذلك أو تراضيا عليه فهو جائز، لأن ذلك بيع مبتدأ بطريق التعاطى. ولو قال: بعت هذا العبد بقيمته فالبيع فاسد، لأنه جعل ثمنه قيمته

стр. 4451

وهى تختلف باختلاف تقويم المقومين فكان الثمن مجهولا. وكذلك اذا اشترى من هذا اللحم ثلاثة أرطال بدرهم ولم يبين الموضع فالبيع فاسد. وكذلك اذا بين الموضع بأن قال زن لى من هذا الجنب رطلا بكذا أو من هذا الفخذ على قياس قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى فى السلم. وعلى قياس قولهما يجوز. وكذا روى عن محمد رحمه الله تعالى أنه يجوز. وكذا ذا باع بحكم المشترى أو بحكم فلان لأنه لا يدرى بماذا يحكم فلان فكان الثمن مجهولا. وكذا اذا قال بعتك هذا بقفيز حنطة أو بقفيزى شعير لأن الثمن مجهول. وقيل: هو البيعان فى بيع وقد روى أن رسول الله ﷺ نهى عن بيعين فى بيع وكذا اذا قال بعتك هذا العبد بألف درهم الى سنة أو بألف وخمسمائة الى سنتين لأن الثمن مجهول. وقيل هو الشرطان فى بيع وقد روى أن رسول الله ﷺ نهى عن شرطين فى بيع (١). ولو قال بعتك قفيزا من هذه الصبرة صح. وان كان قفيزا من صبرة مجهولا، لكن هذه جهالة لا تفضى الى المنازعة لأن الصبرة الواحدة متماثلة القفزان بخلاف الشاة من القطيع وثوب من الأربعة، لأن بين شاة وشاة تفاوتا فاحشا وكذا بين ثوب وثوب. ولو باع شيئا بعشرة دراهم أو بعشرة دنانير وفى البلد نقود مختلفة انصرف الى النقد الغالب لأن مطلق الاسم ينصرف الى المتعارف خصوصا اذا كان فيه صحة العقد، وان كان فى البلد نقود غالبة فالبيع فاسد لأن الثمن مجهول اذ البعض ليس بأولى من البعض. وعلى هذا يخرج أصل أبى حنيفة رحمه الله تعالى أن جملة الثمن اذا كانت مجهولة عند العقد فى بيع مضاف الى جملة فالبيع فاسد الا فى القدر الذى جهالته لا تفضى الى المنازعة (٢). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل أن من شرط صحة البيع أن يكون معلوم العوضين، فان جهل الثمن أو المثمون لم يصح البيع، وظاهر كلامه أنه متى حصل الجهل بأحد العوضين من المتبايعين

стр. 4452

أو من احدهما فسد البيع وصرح بذلك الشارح فى الكبير، وهو ظاهر التوضيح أيضا. وقال ابن رشد: لا يكون البيع فاسدا الا اذا جهلا معا قدر المبيع أو صفته أو جهل ذلك أحدهما وعلم الآخر بجهله وتبايعا على ذلك، وأما اذا علم ذلك احدهما وجهل الآخر ولم يعلم بجهله فليس ببيع فاسد وانما هو فى الحكم كبيع غش وخديعة يكون الجاهل منهما اذا علم مخيرا بين امضاء البيع أو رده ولم يذكر فى ذلك خلافا. وقال فى أول كتاب القسمة من المدونة. ومن باع من رجل ميراثه من دار فان عرفا مبلغه جاز وان لم يسمياه، وان جهله أحدهما أو كلاهما لم يجز، وان ورث رجلان دارين فباع كل واحد من صاحبه نصيبه فى احداهما بنصيب الآخر فى الأخرى فان عرف كل واحد نصيبه وما هو نصيب صاحبه جاز وان لم يسمياه، وان جهل أحدهما مبلغ حقه منهما لم يجز كما لا يجوز صلح الزوجة على مورث لها فى دار لا تعلم مبلغه (١). واختلف فيما اذا جهله أحدهما هل هو بيع فاسد أو حكمه حكم الصبرة اذا علم البائع كيلها دون المبتاع. قال ابن رشد: أرى حكمه حكم الصبرة وهذا على ما فى الأمهات اذا جهله أحدهما. قال الشيخ: ولا ينبغى أن يختلف فيه وان حكمه حكم الصبرة. وظاهر كلام المدونة أنه فاسد خصوصا على اختصار أبى سعيد فانه جمعه مع جهلهما معا ولا خلاف فى فساد البيع بذلك. وأشار المشذالى وغيره الى حكاية القولين فى ذلك (٢). ولا يجوز بيع عبدى رجلين بكذا بأن كان لكل منهما عبد أو لأحدهما عبد والآخر مشترك بينهما أو هما مشتركان بينهما على أجزاء متفاوتة مختلفة فى العبدين، ولا بيع رطل من شاة. قال فى المدونة ولا يجوز بيع لحم شاة حية أو مذبوحة أو لحم بعير كسر قبل الذبح والسلخ كل رطل بكذا من حاضر ولا مسافر ولا يجوز أن يبيعه من لحم شاته الحية رطلا ولا رطلين وليس كاستثناء البائع ذلك منها.

стр. 4453

قال ابن رشد رحمه الله تعالى وكذا شراء ذلك من شاة مذبوحة قبل سلخها لا يجوز لأنه لحم مغيب (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أن من شروط البيع العلم بالمعقود عليه عينا فى المعين وقدرا وصفة فيما فى الذمة للنهى عن بيع الغرر وهو ما احتمل أمرين أغلبهما أخوفهما. وقيل ما انطوت عنا عاقبته وقد يغتفر الجهل للضرورة أو المسامحة (٢)، فبيع اثنين عبديهما لثالث بثمن واحد من غير بيان ما لكل منه وبيع أحد الثوبين أو العبدين مثلا وان استوت قيمتهما باطل كما لو باع أحدهما للجهل بعين المبيع أو الثمن وقد تكون الاشارة والاضافة كافية عن التعيين كدارى ولم يكن له غيرها وكهذه الدار ولو غلط فى حدودها أما بتغييرها كجعل الشرقى غربيا وعكسه أو فى مقدار ما ينتهى اليه الحد الشرقى مثلا لتقصير الغالط من كل منهما فى تحرير ما حدد به قبل لأن الرؤية للمبيع شرط قبل العقد. ويصح بيع صاع من صبرة - وهى الكوم من الطعام - تعلم صيعانها للمتعاقدين كعشرة لانتفاء الغرر ومثل ذلك بيع صاع من جانب منها معين. وكذا ان جهلت صيعانها لهما أو لأحدهما يصح البيع فى الأصح لتساوى أجزائها فلا غرر وللمالك أن يعطى من أسفلها وان لم يكن مرئيا اذ رؤية ظاهر الصبرة كرؤية باطنها وينزل على صاع مبهم حتى لو لم يبق منها غيره تعين وان صب عليها مثلها أو أكثر لتعذر الاشاعة مع الجهل ويفارق بيع ذراع من نحو أرض مجهولة الذرعان وشاة من قطيع وبيع صاع منها بعد تفريق صيعانها ولو بالكيل بتفاوت أجزاء نحو الأرض غالبا وبأنها بعد التفريق صارت أعيانا متميزة لا دلالة لاحداها على الأخرى فصار كبيع أحد الثوبين. ومحل الصحة هنا حيث لم يريدا صاعا معينا منها أو لم يقل من باطنها أو الا منها وأحدهما يجهل كيلها للجهل بالمبيع بالكلية وحيث علم بأنها تفئ بالمبيع. أما اذا لم يعلم ذلك فلا يصح البيع للشك فى وجود ما وقع عليه صرح به الماوردى والفارقى وغيرهما، ونظر فيه لأن العبرة هنا بما فى نفس الأمر فقط فلا أثر للشك فى ذلك اذ لا تعبد هنا، ولو كانت الصبرة على موضع فيه ارتفاع وانخفاض، فان علم المشترى بذلك فهو كبيع الغائب، لأن الاختلاف يمنع الرؤية عن افادة

стр. 4454

التخمين، ولأنه يضعف فى حالة العلم، فان ظن الاستواء صح فى الأصح، وثبت له الخيار. قال البغوى رحمه الله تعالى وغيره ولو كان تحتها حفرة صح البيع وما فيها للبائع. لكن رده فى المطلب بأن الغزالى وغيره جزموا بالتسوية بينهما لكن الخيار فى هذه للبائع وفى تلك للمشترى وهذا هو المعتمد. ويكره بيع الصبرة المجهولة لأنه يوقع فى الندم لتراكم الصبرة بعضها على بعض غالبا الا المذروع، لأنه لا تراكم فيه اذ لا بد من رؤية جميعه لأجل صحة البيع فيقل الغرر، بخلاف الصبرة فانه يكفى رؤية اعلاها، ولو قال بعتك نصفها وصاعا من النصف الآخر صح، بخلاف ما لو قال الا صاعا منه لضعف الحزر، ولو قال بعتك كل صاع من نصفها بدرهم وكل صاع من نصفها الآخر بدرهمين صح، ولو باع بملء أو ملء هذا البيت حنطة أو بزنة أو زنة هذه الحصاة ذهبا أو بما باع به فلان فرسه وأحدهما يجهل قدر ذلك أو بألف دراهم ودنانير، لم يصح البيع للجهل بأصل المقدار فى غير الأخيرة وبمقدار كل من النوعين فيها، وانما حمل على التنصيف فى نحو والربح بيننا وهذا لزيد وعمرو، لأنه المتبادر منه ثم لا هنا، ولهذا لو علما قبل العقد مقدار البيت والحصاة وثمن الغرس كان صحيحا، نعم لو انتقل ثمن الغرس الى المشترى فقال له البائع العالم بأنه عنده بعتك بما باع به فلان فرسه اتجه صحته، وتنزيل الثمن عليه فيتعين ويمتنع ابداله كما افاده العلامة الأذرعى (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه يشترط لصحة البيع أن يكون المبيع معلوما للبائع والمشترى، لأن جهالة المبيع عذر فيكون منهيا عنه، فلا يصح، والعلم به يحصل برؤية تحصل بها، معرفة المبيع مقارنة تلك الرؤية للعقد بأن لا تتأخر عنه ومعنى مقارنة الرؤية أن تكون وقت العقد أو برؤية لبعضه ان دلت رؤية بعضه على بقيته كالثوب المنقوش (٢). فلا يصح بيع ما فى أصلاب الفحول ولا بيع عسب الفحل - وهو ضرابه - للنهى عنه من حديث ابن عمر رضى الله تعالى عنهما رواه البخارى، ولا يصح

стр. 4455

بيع حبل الحبلة - وهو انتاج النتاج - وهو أولى بعدم الصحة من بيع الحمل. ولا بيع اللبن فى الضرع ولا البيض فى الطير كالحمل، ولا يصح بيع المسك فى الغار وهو وعاؤه، ولا بيع النوى فى التمر للجهالة ولا الصوف على الظهر لحديث ابن عباس يرفعه نهى أن يباع صوف على ظهر أو لبن فى ضرع رواه الخلال وابن ماجة رحمهما الله تعالى، ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز أفراده بالبيع كأعضائه، ولا بيع ما قد تحمل هذه الشجرة أو ما قد تحمل هذه الشاة لأنه قد يحصل وقد لا يحصل مع أنه مجهول أيضا، ولا يصح بيع الملامسة والمنابذة بأن يبيعه شيئا ولا يشاهده فيقول أى ثوب لمسته أو نبذته فهو بكذا أو أى ثوب لمست أو نبذت فهو بكذا، لما روى أبو هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة ولا يصح بيع مستور فى الأرض يظهر ورقه فقط كلفت وفجل وجزر وقلقاس وبصل وثوم ونحوه قبل قلعه ومشاهدته للجهالة بما يراد منه ويصح بيع ورقه المنتفع به لعدم المنافى. ولا يصح بيع ثوب مطوى ولو تام النسج قال فى شرح المنتهى حيث لم ير منه ما يدل على بقيته ولا يصح بيع ثوب نسج بعضه على أن ينسج بقيته ولو منشورا للجهالة والتعليق (١)، ولا يصح بيع الحصاة (٢) لحديث أبى هريرة أن النبى ﷺ نهى عن بيع الحصاة رواه مسلم. ولا يصح بيع عبد غير معين ولا بيع عبد من عبدين أو من عبيد للجهالة ولا بيع شاة من قطيع ولا بيع شجرة فى بستان لما فى ذلك من الغرر والجهالة، ولا يصح بعتك هؤلاء العبيد الا واحدا غير معين، ولا بعتك هذا القطيع الا شاة غير معينة ولا هذا البستان الا شجرة مبهمة، لأن رسول الله ﷺ نهى عن الثنيا الا أن تعلم، ولأن ذلك غرر ويفضى الى التنازع ولو تساوت القيمة فى ذلك كله، وان استثنى معينا من ذلك يعرفانه جاز وصح البيع والاستثناء، لأن المبيع معلوم بالمشاهدة لكون المستثنى معلوما فانتفى المفسد. وان باعه قفيزا من هذه الصبرة صح البيع أن تساوت أجزاؤها وكانت الصبرة أكثر من قفيز لأنه بيع مقدر معلوم فى جملة فصح كبيع كل الصبرة أو بيع جزء مشاع منها كربعها أو ثلثها سواء علم المتعاقدان مبلغ الصبرة أو جهلاه فيصح البيع للعلم بالمبيع فى المسألة الأولى - وهى ما اذا باعه قفيزا من الصبرة - بالقدر وفى المسئلة الثانية وهو ما اذا باعه جزءا مشاعا منها بالأجزاء كالربع أو الثلث وكذا يصح

стр. 4456

بيع رطل من دن زيت أو نحوه أو رطل من زبرة حديد ونحوه (١). ويشترط كذلك أن يكون الثمن معلوما للمتعاقدين حال العقد بما يعلم به المبيع مما تقدم من رؤية مقارنة أو متقدمة بزمن لا يتغير فيه الثمن ظاهر لجميعه أو بعضه الدال على بقيته أو شم أو ذوق أو مس أو وصف كاف لأن الثمن أحد العوضين فاشترط العلم به كالمبيع (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه ان بيع شئ من الغائبات بغير صفة ولم يكن مما عرفه البائع لا برؤية ولا بصفة من يصدق ممن رأى ما باعه ولا مما عرفه للمشترى برؤية أو بصفة من يصدق فالبيع فاسد مفسوخ أبدا لا خيار فى جوازه أصلا. ويجوز ابتياع المرء ما وصفه له البائع صدقه أو لم يصدقه ويجوز بيع المرء ما وصفه له المشترى صدقه أو لم يصدقه فان وجد المبيع بتلك الصفة فالبيع لازم وان وجد بخلافها فالبيع باطل ولابد. وذلك لصحة نهى النبى ﷺ عن بيع الغرر، وهذا عين الغرر، لأنه لا يدرى ما اشترى أو باع ولقول الله «إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» (٣) ولا يمكن أصلا وقوع التراضى على ما لا يدرى قدره ولا صفاته. وانما فرقنا بين صفة البائع للمشترى أو المشترى للبائع صدق أحدهما الآخر أو لم يصدقه فأجزنا البيع بذلك، وبين صفة غيرهما فلم يجزه الا ممن يصدقه الموصوف له، لأن صفة البائع للمشترى أو صفة المشترى للبائع عليها وقع البيع وبها تراضيا، فان وجد المبيع كذلك علمنا أن البيع وقع صحيحا على حق وعلى ما يصح به التراضى والا فلا أما اذا وصفه لهما غيرهما ممن لا يصدقه الموصوف له فان البيع ههنا لم يقع على صفة أصلا فوقع العقد على مجهول من أحدهما أو من كليهما وهذا حرام لا يحل، فان وصفه من صدقه الموصوف له فالتصديق يوجب العلم فيكون انما اشترى ما علم أو باع البائع ما علم فالعقد صحيح، والتراضى صحيح فان وجد المبيع كذلك علم أن البيع انعقد على صحة وان وجد بخلاف ذلك علم أن البيع لم ينعقد على صحة كما لو وجده قد استحال عما عرفه عليه ولا فرق (٤).

стр. 4457

فيجوز بيع المسك فى نافجته مع النافجة والنوى فى التمر مع التمر وما فى داخل البيض مع البيض، وكل ذى قشر مع قشره سواء كان عليه قشران أو واحد، والعسل مع الشمع فى شمعه والشاة المذبوحة فى جلدها مع جلدها، وهكذا كل ما خلقه الله تعالى كما هو مما يكون ما فى داخله بعضا له وكذلك الزيتون بما فيه من الزيت والاناث بما فى ضروعها من اللبن، والبر والعلس فى اكمامه مع الأكمام وفى سنبله مع السنبل، ولا يحل بيع شئ مغيب فى غيره مما غيبه الناس اذا كان مما لم يره أحد لا مع وعائه ولا دونه فان كان مما قد رؤى جاز بيعه على الصفة كالعسل والسمن فى ظرفه واللبن كذلك والبر فى وعائه وغير ذلك كله (١). وليس كذلك ما تولى المرء وضعه فى الشئ كالبذر يزرع والنوى يغرس فان هذا شئ أودعه المرء فى شئ آخر مباين له بل هذا ووضعه الدراهم والدنانير فى الكيس سواء (٢). ولا يحل بيع شئ من المغيبات المذكورة كلها دون ما عليها أصلا، فلا يحل بيع النوى أى نوى كان قبل اخراجه واظهاره دون ما عليه ولا بيع المسك دون النافجة قبل اخراجه من النافجة ولا لحم شاة مذبوحة دون جلدها قبل سلخها ولا بيع زيت دون الزيتون قبل عصره ولا بيع الجزر والبصل والكراث والفجل قبل قلعه لا مع الأرض ولا دونها لأن كل ذلك بيع غرر لا يدرى مقداره ولا صفته ولا رآه أحد فيصفه (٣). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار أن من شروط صحة البيع أن يكون الثمن والمبيع معلومين، لنهيه ﷺ عن بيع الغرر، فلو قال بعت هذا بدينار الا درهما صح، حيث صرف الدينار معلوم والا فلا. ولو قال بعتكما هذا بكذا فقبلا فنصفان. قال الامام يحيى فان قبل أحدهما صح نصفه بنصف الثمن. ولو قال بألف ذهبا وفضة لم يصح للجهالة (٤).

стр. 4458

مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام أن من شروط البيع أن يكون الثمن معلوم القدر والجنس والوصف، فلو باع بحكم أحدهما لم ينعقد. وأن يكون المبيع معلوما فلا يجوز بيع ما يكال أو يوزن أو يعد جزافا، ولو كان مشاهدا كالصبرة ولا بمكيال مجهول. ويجوز ابتياع جزء من معلوم بالنسبة مشاعا سواء كانت أجزاؤه متساوية أو متفاوتة. ولا يجوز ابتياع شئ مقدر منه اذا لم يكن متساوى الأجزاء كالذراع من الثوب أو الجريب من الأرض أو عبد من عبدين أو من عبيد أو شاة من قطيع. وكذا لو باع قطيعا واستثنى منه شاة أو شياها غير مشار الى عينها. ويجوز ذلك من متساوى الأجزاء كالقفيز من كر. وكذا يجوز لو كان من أصل مجهول كبيع مكوك من صبرة مجهولة القدر. ويجوز بيع الثوب والأرض مع المشاهدة وان لم يمسحا، ولو مسحا كان أحوط لتفاوت الغرض فى ذلك وتعذر ادراكه بالمشاهدة (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن من شروط المعقود عليه فى البيع أن يكون معلوما فان لم يعلماه بأن كان غائبا أو حضر ولكن تعذرت رؤيته أو لم تتعذر لكن لم يره لم يصح بيعه، وكذا لا يجوز ولو علمه أحدهما ووصفه للآخر، بل ان جهلاه وكل كل منهما من يعلمه وان علمه واحد وكل الآخر من يعلمه وجوز أن جئ بصفته ولو جاءت لهما بها امرأة أو أمة غير متولاة أو بائعه أو مشتريه وصدقه الآخر. وقيل لا يجوز بوصف صاحب الشئ، لأنه قد يقصد الزيادة فلا يوثق بوصفه. ويخير مشتريه بعد رؤيته أن وصف له فاشتراه على الوصف ولو خرج كما وصف عند بعض، لأن الخبر ليس كالعيان. وقيل ان خرج كما وصف له لزمه وكذا ان لم يعلمه البائع ووصف له على الخلف. وقال ابن محبوب للعالم منهما ما للجاهل له من التخيير اذا علمه احدهما فقط، ووصف للآخر أو بيع الى رؤية من جهله منهما واختاره بعض واستحسن القول

стр. 4459

بتخيير المشترى بعد رؤيته ولو خرج كما وصف له أن عرفه بائعه بنفسه لا بوصف، والا لم يجز، كذا قيل. وأقول علم البائع بوصف كاف فى حقه كعلم المشترى به لأن حكم المشترى والبائع واحد (١). الاضافة فى الاجارة أولا: حكم اضافة الاجارة الى غير معين مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أنه لو قال أجرتك هذه الدار شهرا بخمسة دراهم أو هذه الأخرى شهرا بعشرة دراهم أو كان هذا القول فى حانوتين أو عبدين أو مسافتين مختلفتين، بأن قال أجرتك هذه الدابة الى واسط بكذا أو الى مكة بكذا فذلك عند زفر رحمه الله تعالى لا يجوز قياسا، لأنه أضاف العقد الى أحد المذكورين، وهو مجهول، فلا يصح، ولهذا لم يصح اذا أضيف الى أحد الأشياء الأربعة. وأما عند أصحابنا الثلاثة فجائز استحسانا، لأنه خيره بين عقدين معلومين فى محلين متقومين ببدلين معلومين، كما لو قال ان رددت الآبق من موضع كذا فلك كذا وان رددته من موضع كذا فلك كذا، وكما لو قال ان خيطت هذا الثوب فبدرهم وان خيطت هذا الآخر فبدرهم وعملهما سواء. وأما قول زفر رحمه الله تعالى أن العقد أضيف الى أحد المذكورين من غير عين فنعم لكن فوض خيار التعيين الى المستأجر ومثل هذه الجهالة لا تفضى الى المنازعة كجهالة قفيز من الصبرة، ولهذا جاز البيع فالاجارة أولى لأنها أوسع من البيع الا ترى أنها تقبل من الخطر ما لا يقبله البيع، ولهذا جوزوا هذه الاجارة من غير شرط الخيار ولم يجوزوا البيع الا بشرط الخيار، وكذلك اذا دفع الى خياط ثوبا فقال له ان خطته فارسيا فلك درهم وان خطته روميا فلك درهمان أو قال لصباغ ان صبغت هذا الثوب بعصفر فلك درهم وان صبغته بزعفران فلك درهمان فذلك جائز لأنه خيره بين ايفاء منفعتين معلومتين فلا جهالة، ولأن الأجر على أصل أصحابنا رحمهم الله تعالى لا يجب الا بالعمل وحين يأخذ فى أحد العملين تعين ذلك الأجر، وهذا عند أصحابنا الثلاثة. فأما عند زفر فالاجارة فاسدة لأن المعقود عليه مجهول. وان قال أجرتك هذه الدار شهرا على أنك ان قعدت فيها حدادا فأجرها عشرة وان بعت فيها الخز فخمسة فالاجارة

стр. 4460

غير جائزة فى قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، بل هى فاسدة، لأن الأجر لا يجب بالسكنى وانما يجب بالتسليم وهو التخلية وحالة التخلية لا يدرى ما يسكن فكان البدل عنده مجهولا بخلاف الرومى والفارسى، لأن البدل هناك يجب بابتداء العمل، ولا بد من أن يبتدئ بأحد العملين وعند ذلك يتعين البدل ويصير معلوما عند وجوده. أما فى قول أبى حنيفة الآخر فجائزة، لأنه خير بين منفعتين معلومتين فيجوز كما فى خياطة الرومية والفارسية، وهذا لأن السكنى وعمل الحدادة مختلفان والعقد على واحد منهما صحيح على الانفراد فكذلك على الجمع وقولهما بأن الأجر ههنا يجب بالتسليم من غير عمل مسلم، لكن العمل يوجد ظاهرا وغالبا، لأن الانتفاع عند التمكين من الانتفاع هو العالب فلا يجب الاحتراز عنه على أن بالتخلية - وهو التمكن من الانتفاع يجب أقل الأجرين، لأن الزيادة تجب بزيادة الضرر ولم توجد زيادة الضرر وأقل الأجرين معلوم فلا يؤدى الى الجهالة وهذا جواب امام الهدى الشيخ أبا منصور الماتريدى رحمه الله تعالى. وعلى هذا الخلاف كل ما كان أجره يجب بالتسليم ولا يعلم الواجب به وقت التسليم فهو باطل عندهما. وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى العقد جائز، وأى التعيين استوفى وجب أجر ذلك كما سمى. وان أمسك الدار ولم يسكن فيها حتى مضت المدة فعليه أقل المسميين لما ذكرنا أن الزيادة انما تجب باستيفاء منفعة زائدة ولم يوجد ذلك فلا يجب بالتسليم - وهو التخلية - الا أقل الأجرين. وعلى هذا الخلاف اذا استأجر دابة الى الحيرة على أنه ان حمل عليها شعيرا فبنصف درهم وان حمل عليها حنطة فبدرهم فهو جائز على قول أبى حنيفة الآخر. وعلى قولهما لا يجوز (١). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل أنه لو آجر انسان آخر يخيط له ثوبا على أنه ان خاطه اليوم فبدرهم وان خاطه غدا فبنصف درهم، أو قال له أن خطته خياطة رومية فبدرهم وان خطته خياطة عربية فبنصف درهم لم يجز، وهو من وجه بيعتين فى بيعة فان خاطه فله أجر مثله زاد على التسمية أو نقص. قال غيره فى المسئلة الأولى الا أن يزيد على الدرهم أو ينقص عن نصف الدرهم فلا يزاد ولا ينقص.

стр. 4461

واذا استأجره على خياطة ثوب بدرهم ثم قال له عجله لى اليوم وأزيدك نصف درهم فان كان على يقين من أنه يمكنه تعجيله فذلك جائز، وان كان لا يدرى اذا أجهد نفسه هل يتم أم لا فكرهه مالك رحمه الله تعالى. ومثله استئجار رسول على تبليغ كتاب الى بلد بكذا ثم زيادته على أن يسرع فى السير فيبلغه فى يوم كذا يفصل فيه هذا الذى ارتضاه ابن رشد رحمه الله تعالى فى رسم سلف من سماع ابن القاسم رحمه الله تعالى من الاجارة (١). وجاء فى التاج والاكليل: نقلا عن المدونة أنه ان دفع انسان الى آخر دابة أو ابلا أو دارا أو سفينة أو حماما على أن يكرى ذلك وله نصف الكراء لم يجز، فان نزل كان له جميع الكراء وللأجير أجر مثله. ولو أعطاه الدابة أو السفينة أو الابل ليعمل عليها فما أصاب فهو بينهما لم يجز ذلك، فان عمل عليها فالكسب هاهنا للعامل وعليه كراء المثل (٢). ونقل عن المدونة أنه لا بأس بكراء نصف دار أو سدسها أو جزء شائع قل أو كثر منها، وتجوز اجارة نصف دابة أو نصف عبد يكون للمستأجر يوما وللذى له النصف الآخر يوما (٣). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أنه يشترط لصحة الاجارة كون الأجرة معلومة جنسا وقدرا وصفة ان كانت فى الذمة والا كفت مشاهدتها فى اجارة العين والذمة، فلا تصح اجارة لدار بالعمارة لها حيث كانت العمارة مجهولة ولا اجارة لدابة بصرف أو بفعل العلف لها. وان كان عينا، كأجرتكها بدينار على أن تصرفه فى عمارتها أو علفها للجهل بالصرف فتصير الأجرة مجهولة، فان صرف وقصد الرجوع به رجع والا فلا. والأوجه أن التعليل بالجهل جرى على الغالب فلو كان عالما بالصرف فالحكم كذلك كبيع زرع بشرط أن يحصده البائع. والحاصل أنه حيث كان هناك شرط بطلت مطلقا والا كآجرتكها بعمارتها فان عينت صحت والا فلا. أما اذا أذن له فى صرفها بعد العقد بلا شرط فيه وتبرع المستأجر به فيجوز، واغتفر هنا اتحاد القابض والمقبض

стр. 4462

للحاجة على أنه فى الحقيقة لا اتحاد تنزيلا للقابض من المستأجر وان لم يكن معينا منزلة الوكيل عن المؤجر وكالة ضمنية (١). وكذلك لا يصح الايجار ليسلخ شاة مذبوحة بالجلد، ويطحن برا ببعض الدقيق أو النخالة التى تخرج منه للجهل بثخانة الجلد ورقته ونعومة الدقيق وخشونته لانتفاء القدرة عليهما حالا ولنهيه ﷺ عن قفيز الطحان، وفسر بأن يجعل أجرة الطحن لحب معلوم قفيزا مطحونا. قال السبكى رحمه الله تعالى: ومنه ما يقع فى هذه الأزمان من جعل أجرة الجابى العشر مما يستخرجه (٢) ويشترط لصحة الاجارة كذلك كون المعقود عليه معلوما بالعين فى اجارة العين ومعلوما بالصفة فى اجارة الذمة وكون المنفعة معلومة (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه يشترط لصحة الاجارة معرفة الأجرة، لأنه عوض فى عقد معاوضة فوجب أن يكون معلوما كالثمن، وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: «من استأجر أجيرا فليعلمه أجره» ويصح أن تكون فى الذمة وأن تكون معينة ولو جعل الأجرة صبرة دراهم أو صبرة غير دراهم صحت الاجارة كبيع. وتجوز اجارة الأرض بجنس ما يخرج منها بأن أجرها لمن يزرعها برا بقفيز بر ان لم يقل مما يخرج منها، والا لم يصح ويصح استئجار أجير وظئر بطعامهما وكسوتهما وان لم يصف الطعام والكسوة أو بأجرة معلومة وطعامهما وكسوتهما، أما المرضعة فلقول الله ﵎: «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (٤) فأوجب لهن النفقة والكسوة على الرضاع وأما الأجير فلما روى عن أبى بكر وعمر وأبى موسى رضى الله تعالى عنهم أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم ولم يظهر له نكير فكان كالاجماع (٥). ولا يصح استئجار دابة بعلفها أو بأجر معين وعلفها، لأنه مجهول ولا عرف له يرجع اليه الا أن يشترط العلف موصوفا كشعير ونحوه وقدره بمعلوم فيجوز.

стр. 4463

وعنه يصح مطلقا اختاره الشيخ (١). ولا بأس فى أن يستأجر من يحصد الزرع بجزء مشاع منه وأن يستأجر من يجز ثمر النخل بسدس ما يخرج منه أو بربعه ونحوه. ولا يجوز نقض الزيتون ونحوه ببعض ما يسقط منه أى بآصع معلومة منه للجهالة لأنه لا يدرى الباقى بعدها (٢). وان قال صاحب ثوب لخياط: ان خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم أو ان خطته روميا فلك درهم وان خطته غدا أو فارسيا فلك نصف درهم لم يصح. وكذا ان قال رب أرض ان زرعتها برا فبخمسة وان زرعت ذرة فبعشرة أو قال رب حانوت ان فتحت خياطا فبخمسة وان فتحت حدادا فبعشرة ونحو ذلك مما لم يقع منه جزم لم يصح العقد، لأنه عقد واحد اختلف فيه العوض بالتقديم والتأخير أو نحوهما فلم يصح (٣). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه لا تجوز الاجارة على حفر بئر البتة سواء كانت الأرض معروفة أو لم تكن، لأنه قد يخرج فيها الصفاة الصلدة والأرض المنحلة الرخوة والصليبة، وهذا عمل مجهول، وقد يبعد الماء فى موضع ويقرب فيما هو الى جانبه وانما يجوز ذلك فى استئجار مياومة ثم يستعمله فيها فى حفر البئر لأنه عمل محدود معلوم يتولى منه حسب ما يقدر عليه (٤). ولا تجوز الاجارة الا بمضمون مسمى محدود فى الذمة أو بعين معينة متميزة معروفة الحد والمقدار، وهو قول عثمان رضى الله تعالى عنه. وأما ما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه قال كنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطنى وعقبة رجلى فقد يكون هذا تكارما من غير عقد لازم. وأما العقود المقضى بها فلا تكون الا بمعلوم والطعام يختلف فمنه اللين ومنه الخشن ومنه المتوسط. ويختلف الأدم وتختلف الناس فى الأكل اختلافا متفاوتا فهو مجهول لا يجوز (٥). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أنه يشترط تعيين العين المؤجرة كالمبيع، فلو قال أجرت

стр. 4464

منك أحد دوابى لم تصح الا بخيار لأحدهما لا لهما لأنه يؤدى الى التشاجر (١). ويشترط تعيين منفعة العين المؤجرة ان اختلفت منافعه واختلف ضررها فبعضها اشد مضرة من بعض نحو أن يستأجر دارا تصلح للسكنى فيها وتصلح للحدادة أو عبدا يعمل أعمالا مختلفة بعضها أشق من بعض فانه لا بد من تعيين المنفعة التى استؤجر لها وكذلك الأرض اذا كانت تصلح لأجناس مختلفة بعضها أضر من بعض فلابد من تعيين ما يزرع فيها أو يقول ازرع ما شئت، فأما لو كانت لا تصح الا لنوع واحد أو لأنواع مستوية فى المضرة لم يجب التعيين وعند المؤيد بالله لا يجب التعيين ولو صلحت لأنواع لكن يزرع ما تعتاده هذه الأرض. ويجوز فعل الأقل ضررا وان عين غيره فمن استأجر عينا لمنفعة معينة فله أن يستعملها فى غير تلك المنفعة اذا كانت المضرة مثل مضرة ما عين أو دونها. فان شرط عليه أن لا يستوفى الا تلك المنفعة لا مثلها ولا دونها فالأقرب الى المذهب أن الاجارة تفسد لأنه خلاف موجب العقد. ومن استأجر بهيمة للحرث فلابد من أن تكون الأرض مشاهدة لاختلافها بالصلابة ولا تنضبط بالوصف وان انضبطت كفى ويصح الاستئجار للحرث وان لم يعين ما يحرث به كالحمل وان لم يعين الحامل اذ صار العمل للأجير معلوما (٢). مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف أن اجارة المشاع جائزة لأن الأصل جواز ذلك والمنع يحتاج الى دليل (٣). واذا سلم الى الخياط ثوبا بعينه ليخيطه له، وقال ان خطت اليوم فلك درهم وان خطته غدا فلك نصف درهم صح العقد فيهما، فان خاطه فى اليوم الأول كان له الدرهم وان خاطه فى الغد كان له نصف درهم، لأن الأصل جواز ذلك والمنع يحتاج الى دليل، ولقول رسول الله ﷺ المؤمنون عند شروطهم (٤). واذا استأجره لخياطة ثوب وقال ان خطته روميا وهو الذى يكون بدرزين فلك درهم وان خطته فارسيا - وهو

стр. 4465

الذى يكون بدرز واحد - فلك نصف درهم صح العقد لما تقدم (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن من شرط جواز الاجارة الجائزة تعيين ثمن، ولا يشترط مخالفتها للمنتفع به خلافا لبعض. ومن استأجر أجيرا بما يشبعه من الطعام ثم لم يوف له به فليس له أن يأخذ من طعامه قدر ما يشبعه الا باذنه قاله ابن محبوب رحمه الله تعالى وعن أبى المؤثر رفع الى الحديث: لا يستعمل الأجير حتى تقطع له أجره. فهذا نص فى وجوب التعيين ويجوز قضاء غير الأجرة فيها مثل أن يستأجره بدرهم فيأخذ فيه حبا أو غيره وقيل يجوز أخذ غير الدراهم والدنانير فيها لا العكس ولا شئ فى شئ (٢). ومن شرطها كذلك تعيين قدر منفعة ما لم ينه عنه تحريما مما لم ينه عنه نهى تحريم، فان كانت بلا تعيين بطل العقد، فان كان العمل فله أجر مثله (٣). ثانيا: حكم اضافة الاجارة الى وقت مذهب الحنفية: جاء فى تبيين الحقائق أنه تصح الاجارة وفسخها مضافا الى الزمان المستقبل، لأن الاجارة تتضمن تمليك المنافع والمنافع لا يتصور وجودها فى الحال فتكون مضافة ضرورة، ولهذا قلنا تنعقد ساعة فساعة على حسب وجود المنفعة وحدوثها وهذا هو معنى الاضافة (٤). قال الشلبى فى حاشيته: وليس ما ذكر هو المراد باضافتها وانما المراد اضافة العقد الى الزمان المستقبل كأن يقول أجرتك هذه الدار غدا شهرا بكذا أو يقول وهو فى يوم السبت مثلا آجرتك هذه الأرض يوم الجمعة سنة بعشرة أو قال وهو فى رجب أو فى ربيع الأول آجرتك دابتى هذه رأس شعبان شهرا بكذا ونحو ذلك. وقد اختلف المشايخ فى هذه الاجارة. فاختار الشيخ ظهير الدين أن الاجارة المضافة لا تجوز. وقال صاحب المحيط اضافة الاجارة الى وقت فى المستقبل جائزة.

стр. 4466

وقال فى الفصول المختار أنها جائزة. وكذا قال صدر الاسلام قال فى الذخيرة: فلو أراد نقضها قبل مجئ الوقت فعن محمد رحمه الله تعالى فيه روايتان: فى رواية لا يصح النقض. وفى رواية يصح، ووجه هذه الرواية أنه لم يثبت للمستأجر حق فى هذا العقد لأنه غير منعقد أصلا، ولهذا لا يملك الأجرة بالتعجيل فى هذه الاجارة. ووجه الرواية الأولى أن العقد انعقد فيما بين المتعاقدين وان لم ينعقد فى حق الحكم فالآجر بالنقض يريد ابطال العقد المنعقد حقا للمستأجر فلا يقدر على ذلك، وعلى هذه الرواية يملك الأجرة بالتعجيل فى هذه الاجارة. واذا باع المؤجر العين المؤجرة فى الاجارة المضافة قبل مجئ ذلك الوقت ذكر شمس الأئمة الحلوانى رحمه الله تعالى فى رهن الجامع أن فيه روايتين. فى رواية لا ينفذ البيع ولا تبطل الاجارة المضافة. وفى رواية ينفذ البيع وتبطل الاجارة المضافة وبه أفتى شيخ الاسلام. وفى فتاوى قاضيخان والفتوى على أنه ينفذ البيع وتبطل الاجارة المضافة، وهو اختيار شمس الأئمة الحلوانى (١). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل أن المنفعة - التى هى أحد أركان الاجارة - اذا كانت صنعة يجوز أن تقيد بالزمن كخياطة يوم مثلا أو بمحل تلك الصنعة كخياطة ثوب مثلا، فان جمع بين التقييد بالمحل والزمن فقال فى البيان فان كان الأمر فى ذلك مشكلا، فلا اختلاف فى أن ذلك لا يجوز وان كان الاشكال فى أن العمل يمكن تمامه قبل انقضاء الأجل فقد قيل ان ذلك جائز. والمشهور أن ذلك لا يجوز، وكذا قال اللخمى رحمه الله تعالى، الا أنه اختار القول بامضاء هذه العقدة نقله عنه ابن عرفة. وقال ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى الذى قاله من يرتضى من الشيوخ أن الزمن الذى قيدت به الاجارة ان كان أوسع من العمل بكثير فلا يختلف فى الجواز وان كان أضيق بكثير فلا يختلف فى المنع وان كان الزمن مساويا لمقدار العمل ففيه قولان اختلف الشيوخ فى تعيين المشهور منها، فالضيق لا يجوز

стр. 4467

والمساوى لا يجوز أيضا عند ابن رشد رحمه الله تعالى باتفاق. وعند ابن عبد السّلام على أحد المشهورين. فجزم الدردير رحمه الله تعالى بالفساد فيه لقوة القول بالفساد لحكاية ابن رشد الاتفاق. والواسع يجوز عند ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى باتفاق. ويمنع عند ابن رشد على المشهور. فعلى القول بأن ذلك لا يجوز يكون للأجير ان فاتت الاجارة بالعمل أجرة مثله بالغة ما بلغت على تعجيلها أو تأخيرها. فأما على القول بأن ذلك جائز فان فرغ منه فى اليوم الذى سمى كانت له الاجارة المسماة وان لم يفرغ منه الا بعد ذلك كانت له اجارته على غير التعجيل، لأن المستأجر انما رضى به من الأجرة على التعجيل فاذا أعطاه ذلك لم ينبغ أن يأخذ ماله باطلا (١). وجاء فى التاج والاكليل أن من استأجر بيتا شهرا بعشرة على أنه ان سكن منه يوما واحدا فالكراء له لازم جاز ذلك اذا كان له أن يسكن بقية الشهر أو يكريه اذا خرج والا لم يجز. قال ابن يونس رحمه الله تعالى قال بعض فقهائنا القرويين ظاهر هذا العقد أنه جائز وأنه بالخيار ما لم يسكن فاذا سكن انعقد الكراء فى شهر فان أراد أن سكنت فالكراء لى لازم فليس لى أن أكرى من غيرى كان هذا من بيع الشروط التى يبيع منه على أن لا يبيع ولا يهب فهذا ان أسقطوا الشرط على أحد القولين تم الكراء. واما أن شرط فان خرجت عاد المسكن الى المكرى وعليه جملة الكراء فهذا فاسد لابد من فسخه لأنه غرر. وروى عن المدونة أن ابن القاسم رحمه الله تعالى قال: من اكترى دارا سنة أو سنتين ولم يسم متى يسكن جاز ويسكن أو يسكن غيره متى شاء ما لم يأت من ذلك ضرر بين على الدار - يريد ضررا فى السكنى. قال مالك رحمه الله تعالى فى المختصر الكبير: وان أغلقها المكترى وخرج فذلك له ليس لصاحب الدار أن يقول يخربها على. قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: والسنة محسوبة من يوم التعاقد كما لو قال هذه السنة بعينها.

стр. 4468

ومن قال لرجل اكترى منك دارك أو حانوتك أو أرضك أو غلامك أو دابتك فى كل شهر أو فى كل سنة بكذا أو كل سنة بكذا أو قال فى الشهر أو فى السنة أو الشهر أو السنة فلا يقع الكراء على تعيين وليس بعقد لازم ولرب الدار أن يخرجه متى شاء وللمكترى أن يخرج متى شاء ويلزمه فيما سكن حصته من الكراء. قال ابن يونس رحمه الله تعالى وكأنه فى ذلك كله قال له أكريك من حساب الشهر أو من حساب السنة بكذا هذا هو موضوع هذه الألفاظ الا أن ينقده فى ذلك كراء شهر أو سنة فيلزمه تمام ذلك. قال عياض رحمه الله تعالى: كراء الدور مشاهرة ومساناة لا خلاف فيه اذا نص على تعيين السنة أو الشهر أو جاء بما يقوم مقام التعيين أنه لازم لهما وذلك فى خمس صور، اذا قال شهر كذا وهذا الشهر أو سمى العدد فيما زاد على الواحد فقال شهرين أو ثلاثة أو ذكر الأجل فقال أكريك الى شهر كذا أو أنقد كراء كذا شهرا أو أكثر فان هذا كله لازم لهما المدة التى ذكراها لا خيار لواحد منهما. قال ابن حبيب رحمه الله تعالى وكذا لو قال ستة أشهر أو هذه السنة أو الى سنة كذا فهذا كله وجيبة لازمة الا أن يشترط الخروج لمن شاء فيلزمهما ذلك ولا يجوز فيه حينئذ النقد ويجوز فى الأول النقد والتأخير ولم يختلف فى هذا مالك وأصحابه (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج: أنه يجوز تأجيل المنفعة فى اجارة الذمة الى أجل معلوم لقبول الدين التأجيل كما لو أسلم فى شئ الى أجل معلوم، فان أطلق كان حالا كالزمت ذمتك الحمل بكذا الى مكة أول شهر كذا ومراده بأول الشهر هنا مستهله لأن التأجيل به باطل على ما نقلاه عن الأصحاب. والمعتمد ما نقلاه عن الامام البغوى أنه يصح ويحمل على الجزء الأول. وعليه فكلامه هنا على اطلاقه. ولا تجوز اجارة عين لمنفعة مستقبلة كاجارة هذه الدار السنة المستقبلة أو سنة أولها من غد، وكذا ان قال أولها من أمس وكاجارة أرض مزروعة لا يمكن تفريغها الا بعد مدة لمثلها أجرة وذلك كما لو باعه عينا على أن يسلمها له بعد ساعة بخلاف اجارة الذمة كما مر. ولو قال وقد عقد آخر النهار أولها يوم تاريخه لم يضر كما هو ظاهر، لأن القرينة ظاهرة فى أن المراد باليوم

стр. 4469

الوقت أو فى التعبير باليوم عن بعضه وكل منهما سائغ شائع. ولو قالا بقسطين متساويين فى السنة فان أراد النصف فى أول أو آخر نصفها الأول والنصف فى أول أو آخر نصفها الثانى صح كما هو واضح أيضا، لاستغراقهما السنة حينئذ مع احتمال اللفظ له. وان اختلفا بطل للجهل به اذ يصدق تساويهما بثلاثة أشهر وثلاثة أشهر مثلا من السنة وذلك مجهول. ويستثنى من المنع فى المستقبلة صور كما أجره ليلا لما يعمل نهارا وأطلق (١) ويجوز عقد الاجارة على العين مدة تبقى فيها تلك العين بصفاتها المقصودة كما هو ظاهر غالبا لامكان استيفاء المعقود عليه حينئذ كسنة فى نحو الثوب وعشر سنين فى الدابة وثلاثين سنة فى العبد على ما يليق بكل منها وكمائة سنة أو أكثر فى الأرض طلقا كانت أو وقفا لم يشترط واقفه لايجاره مدة قال البغوى والمتولى كالقاضى الا أن الحكام اصطلحوا على منع اجارة الوقف أكثر من ثلاث سنين لئلا يندرس الوقف (٢). واذا أجر شيئا أكثر من سنة لم يجب تقدير حصته كل سنة كما لو استأجر سنة لا يجب تقدير حصة كل شهر وتوزع الأجرة على قيمة منافع السنين. ولو آجره شهرا مثلا وأطلق فابتداؤه من وقته لأنه المفهوم المتعارف كما فى الروضة، وظاهره الصحة ولو لم يقل من الآن لكن نقل ابن الرفعة رحمه الله تعالى عن جزم العراقيين خلافه (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أن اجارة العين قد تكون على مدة كاجارة الدار شهرا أو اجارة الأرض عاما واجارة الآدمى للخدمة أو للرعى أو للنسخ أو الخياطة ونحوها مدة معينة (٤). فإن قدر المدة بسنة مطلقة حمل على السنة الهلالية لأنها المعهودة فان وصفها به كان تأكيدا. وان قال سنة عددية أو قال سنة بالأيام فهى ثلاثمائة وستون يوما لأن الشهر العددى ثلاثون يوما والسنة اثنا عشر شهرا. وان قال سنة رومية أو شمسية أو فارسية أو قبطية وهما يعلمانها جاز ذلك

стр. 4470

وهى ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم. وان جهل المتعاقدان ما ذكر من السنين غير العربية أو جهله أحدهما لم يصح العقد للجهل بمدة الاجارة. ولا يشترط أن تلى مدة الاجارة العقد فلو أجره سنة خمس فى سنة أربع صح العقد لأنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها يلباز العقد عليها مفردة كالتى تلى العقد سواء كانت العين المؤجرة مشغولة وقت العقد باجارة أو رهن أو غيرهما اذا أمكن التسليم عند وجوبه كالسلم لا يشترط وجود القدرة عليه حال العقد (١). ولو أجره الى ما يقع اسمه على شيئين كالعيد عيد الفطر والأضحى، وجمادى أولى وثانية، وربيع أول وثان لم يصح العقد للجهالة فلابد من تعيين العيد فطر أو أضحى من هذه السنة أو من سنة كذا وكذا جمادى لا بد من تعيينه الأولى أو الثانية من هذه السنة أو سنة كذا وكذا نحو كربيع لا بد من تعيينه وتعيين سنته. وان علق الاجارة بشهر مفرد كرجب فلابد من أن يبين من أى سنة وان علقها بيوم فلابد من أن يبينه من أى اسبوع دفعا للابهام واذا أجره فى اثناء شهر مدة لا تلى العقد فلابد من ذكر ابتدائها كانتهائها ليحصل العلم بها وان كانت المدة تلى العقد لم يحتج الى ذكر الابتداء ويكون ابتداؤها من حين العقد وكذا ان أطلق فقال آجرتك شهرا أو سنة أو نحوهما كأسبوع فيصح ويكون ابتداؤها من حين العقد لقصة شعيب وكمدة السلم، اختاره فى المغنى ونصره فى الشرح. والمذهب لا يصح نص عليه لأنه مطلق فافتقر الى التعيين (٢) وفى اجارة المنفعة لا يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل كقوله استأجرتك لتخيط لى هذا الثوب فى يوم لأن الجمع بينهما يزيد الاجارة غررا لا حاجة اليه لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء اليوم فان استعمل فى بقيته فقد زاد على ما وقع عليه العقد وان لم يعمل كان تاركا للعمل فى بعضه فهذا غرر أمكن التحرز منه ولم يوجد مثله فى محل الوفاق فلم يجز العقد معه (٣). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه يجوز استئجار العبيد والدور والدواب وغير ذلك الى مدة قصيرة أو طويلة اذا كانت مما يمكن بقاء المؤاجر

стр. 4471

والمستأجر والشئ المستأجر اليها فان كان لا يمكن البتة بقاء أحدهم اليها لم يجز ذلك العقد وكان مفسوخا أبدا لأن بيان المدة واجب فيما استؤجر لا لعمل معين فاذ هو كذلك فلا فرق بين مدة ما وبين ما هو أقل منها أو أكثر منها (١). ولا يجوز استئجار دار ولا عبد ولا دابة ولا شئ أصلا ليوم غير معين ولا لشهر غير معين ولا لعام غير معين لأن الكراء لم يصح على شئ لم يعرف فيه المستأجر حقه فهو أكل مال بالباطل وعقد فاسد (٢). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أن عقد الاجارة فى الأعيان لا يصح على وقت مستقبل سواء كانت العين مؤجرة أم لا، وقال المؤيد بالله والناصر: بل يصح على وقت مستقبل سواء كانت العين مؤجرة أم لا. وقال فى الفنون وذكره فى شرح الابانة أنها ان كانت مؤجرة لم تجز والاجاز. الا فى الأعمال فانه يصح عقدها على وقت مستقبل سواء كان فيه ادخال عقد على عقد أم لا نحو أن يستأجره على أن يخيط هذا الثوب ثم يستأجره على خياطة ثوب آخر بعد ذلك الثوب، وكذا اذا استأجر الحاج ليحج هذا العام ثم استأجره غيره أو هو ليحج العام المستقبل فان ذلك كله جائز غالبا (٣). مذهب الإمامية: جاء فى العروة الوثقى ان ما كان معلوميته بتقدير المدة فلابد فيه من تعيينها شهرا أو سنة أو نحو ذلك ولو قال آجرتك الى شهر أو شهرين بطل. ولو قال آجرتك كل شهر بدرهم مثلا ففى صحته مطلقا أو بطلانه مطلقا أو صحته فى شهر وبطلانه فى الزيادة فان سكن فأجرة المثل بالنسبة الى الزيادة أو الفرق بين التعبير المذكور وبين أن يقول آجرتك شهرا بدرهم فان زدت فبحسابه بالبطلان فى الأول والصحة فى شهر فى الثانى أقوال. أقواها الثانى، وذلك لعدم تعيين المدة الموجب لجهالة الأجرة جهالة المنفعة أيضا من غير فرق بين أن يعين المبدأ أو لا بل على فرض عدم تعيين المبدأ يلزم جهالة أخرى الا أن يقال أنه حينئذ ينصرف الى المتصل بالعقد. هذا اذا كان بعنوان الاجارة. وأما اذا كان بعنوان الجعالة فلا مانع منه لأنه يغتفر فيها مثل هذه الجهالة.

стр. 4472

وكذا اذا كان بعنوان الاباحة بالعوض (١). واذا قال ان عملت العمل الفلانى فى هذا اليوم فلك درهمان وان عملته فى الغد فلك درهم فان كان بعنوان الاجارة بطل لما مر من الجهالة. وان كان بعنوان الجعالة كما هو ظاهر العبارة صح (٢). واذا استأجره أو دابته ليحمله أو يحمل متاعه الى مكان معين فى وقت معين بأجرة معينة كأن استأجر منه دابة لايصاله الى كربلاء قبل ليلة النصف من شعبان ولم يوصله فان كان ذلك لعدم سعة الوقت وعدم امكان الايصال فالاجارة باطلة، وان كان الزمان واسعا ومع هذا قصر ولم يوصله فان كان ذلك على وجه العنوانية والتقييد لم يستحق شيئا من الأجرة لعدم العمل بمقتضى الاجارة أصلا. وان كان ذلك على وجه الشرطية بأن يكون متعلق الاجارة الايصال الى كربلاء ولكن اشترط عليه الايصال فى ذلك الوقت فالاجارة صحيحة والأجرة المعينة لازمة لكن له خيار الفسخ من جهة تخلف الشرط ومعه يرجع الى أجرة المثل. وان قال: وان لم توصلنى فى وقت كذا فالأجرة كذا أقل مما عين أو لا. فهذا أيضا قسمان: قد يكون ذلك بحيث يكون كلتا الصورتين من الايصال فى ذلك الوقت وعدم الايصال فيه موردا للاجارة فيرجع الى قوله: آجرتك بأجرة كذا ان أوصلتك فى الوقت الفلانى وبأجرة كذا ان لم أوصلك فى ذلك الوقت وهذا باطل للجهالة نظير ما ذكر فى المسألة السابقة من البطلان ان قال ان عملت فى هذا اليوم فلك درهمان الى آخره. وقد يكون مورد الاجارة هو الايصال فى ذلك الوقت ويشترط عليه أن ينقص من الأجرة كذا على فرض عدم الايصال، والظاهر الصحة فى هذه الصورة (٣). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه يجوز فى الاجارة أجل محدود سواء أطلق أو قيد والاطلاق كرعى غنم معينة بعدد فقط أو مع جنس سنة غير معينة، ويكون الاطلاق كبيع ترتب به الثمن أو المثمن بذمة عاجلا لا آجلا فمتى طلبه بالعمل أدرك عليه الدخول فيه والاتمام كما أن من طلب ما بذمة غيره عاجلا يدركه متى طلبه سواء نقد الأجرة أو كانت فى ذمة عاجلا أو آجلا بناء على أن عقد الاجارة لازم كالبيع وسائر العقود، واذا ابتدأ بلا اذن منه صح ابتداؤه (٤).

стр. 4473

اما ان حدد الوقت فيكون التحديد أول العقد أو وسطه أو آخره، مثل أن يقول: تدخل فى العمل الآن، أو يقول هذا الشهر أو هذه السنة أو نحو ذلك فيدخل من حينه، فان وافق البدء فذاك والا حسب الشهر أو السنة بالأيام وهكذا، وان لم يدخل فى حينه فالعقد صحيح ثابت ويجبر ما فات بالعمل أو بنقص من الأجرة (١). أو يحدد الأجل بتراخ عن العقد كرعاية هذا الشهر أو هذا الاسبوع أو هذه السنة أو نحو ذلك أو شهر كذا أو أسبوع كذا أو سنة كذا أو نحو ذلك مثل أن يشير الى جمادى الأولى وهو فى غيرها أو يقول الشهر الثانى أو يقول الشهر الثالث وما أشبه ذلك. وأما ان قال هذا الشهر أو نحوه وهو فيه أو معه قبل مضى بعض الوقت المعتاد للعمل فهو الحاضر لا غيره فليس متراخيا فهو تعقيب بحسبه مثل أن يقول فى الليلة الأولى من الشهر أو من العام والعمل انما هو فى النهار. وان ضربا الأجل مجهولا كقولهما الى حرث أو حصد أو جذاذ لم يجز (٢). الاضافة فى المضاربة أولا - حكم اضافة ربح المضاربة الى المضارب مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع: أن رب المال اما أن يطلق الربح فى عقد المضاربة ولا يضيفه الى المضارب بأن يقول: على أن ما رزق الله تعالى من الربح فهو بيننا نصفان أو يقول: ما أطعم الله تعالى من ربح فهو بيننا نصفان واما أن يضيفه الى المضارب بأن يقول: على أن ما رزقك الله تعالى من الربح أو ما أطعمك الله تعالى من ربح أو على أن ما ربحت من شئ أو ما أصبت من ربح فان أطلق الربح ولم يضفه الى المضارب ثم دفع المضارب الأول المال الى غيره مضاربة بالثلث فربح الثانى فثلث جميع الربح للثانى، لأن شرط الأول للثانى قد صح، لأنه يملك نصف الربح، فكان ثلث جميع الربح بعض ما يستحقه الأول فجاز شرطه للثانى فكان ثلث جميع الربح للثانى ونصفه لرب المال، لأن الأول لا يملك من نصيب رب المال شيئا فانصرف شرطه الى نصيبه لا الى نصيب رب المال فبقى نصيب رب المال على حاله وهو النصف وسدس الربح للمضارب الأول، لأنه لم يجعله للثانى فبقى له بالعقد الأول ويطيب له ذلك لأن عمل المضارب الثانى وقع له فكأنه عمل بنفسه كمن استأجر انسانا على خياطة ثوب بدرهم فاستأجر الأجير من خاطه بنصف درهم طاب له الفضل، لأن عمل أجيره وقع له فكأنه عمل بنفسه كذا هذا.

стр. 4474

ولو دفع الى الثانى مضاربة بالنصف فنصف الربح للثانى ونصفه لرب المال ولا شئ للمضارب الأول، لأنه جعل جميع ما يستحقه وهو نصف الربح للثانى، وصح جعله، لأنه مالك للنصف والنصف لرب المال بالعقد الأول وصار كمن استأجر رجلا على خياطة ثوب بدرهم فاستأجر الأجير من خاطه بدرهم، ولو دفعه اليه مضاربة بالثلثين فنصف الربح، لرب المال ونصفه للمضارب الثانى ويرجع الثانى على الأول بمثل سدس الربح الذى شرطه له لأن شرط الزيادة لم ينفذ فى حق رب المال لما لم يرض لنفسه بأقل من نصف الربح فقد صح فيما بين الأول والثانى، لأن الأول غر الثانى باسميته الزيادة والغرور فى العقود من اسباب وجوب الضمان وهو فى الحقيقة ضمان الكفالة وهو أن الأول صار ملتزما سلامة هذا القدر للثانى ولم يسلم له فيغرم للثانى مثل سدس الربح ولا يصير بذلك مخالفا، لأن شرطه لم ينفذ فى حق رب المال فالتحق بالعدم فى حقه فلا يضمن. ولو أضاف الربح الى المضارب فدفعه الأول مضاربة الى غيره بالثلث أو بالنصف أو بالثلثين فجميع ما شرطه للثانى من الربح يسلم له، وما شرط للمضارب الأول من الربح يكون بينه وبين رب المال نصفين. والفرق بين هذا وذاك أن هنا شرط رب المال لنفسه نصف ما رزق الله تعالى للمضارب أو نصف ما ربح المضارب فاذا دفع الى الثانى مضاربة بالثلث كان الذى رزق الله المضارب الأول الثلثين فكان الثلث للثانى والثلثان بين رب المال وبين المضارب الأول نصفين لكل واحد منهما الثلث. واذا دفع مضاربة بالنصف كان ما رزقه الله تعالى للمضارب الأول النصف فكان النصف للمضارب الثانى والنصف بينهما نصفين. واذا دفعه مضاربة بالثلثين كان الذى رزقه الله تعالى للمضارب الأول الثلث وكان الثلثان للمضارب الثانى والثلث بين رب المال والمضارب الأول لكل واحد منهما السدس. أما فى الحالة الأولى فقد شرط رب المال لنفسه نصف جميع ما رزق الله تعالى ونصف جميع الربح وذلك ينصرف الى جميع الربح (١). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل نقلا عن المدونة ان ابن القاسم قال تجوز المقارضة عند مالك على النصف والخمس أو أكثر من ذلك أو أقل. قال المواق: فان أعطيته مالا قراضا على أن الربح للعامل فان ذلك جائز. وقد قال مالك فيمن أعطى لرجل مالا يعمل به على أن الربح للعامل ولا ضمان عليه انه لا بأس به، وكذلك ان أعطاه نخلا مساقاة على أن جميع الثمرة للعامل فلا بأس به.

стр. 4475

قال ابن القاسم: وان أعطيته قراضا على النصف ثم تراضيتما بعد العمل على أن تجعلاه على أن الثلثين له أو لك جاز. قال ابن حبيب ان كان المال حين تراضيا عينا لا زيادة فيه ولا نقص حركه أو لم يحركه فلا بأس به وان كان فيه زيادة أو نقص أو كان فى سلع لم يجز. قال ابن يونس وقول ابن القاسم أولى لأن المال ان كان عينا فكأنهما الآن ابتدآ العقد، لأن القراض لا يلزم بالعقد ولمن شاء حله ما لم يشغله فى سلع أو يظعن به لسفر، وان كان المال فى سلع فهى هبة تطوع بها أحدهما لصاحبه وهبة المجهول جائزة. وقال الباجى: يجوز اشتراط كل الربح لأحدهما فى مشهور مذهب مالك أو اشتراطه لغيرهما فاذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمساكين جاز قاله ابن القاسم. ثم قال: ولا أحب لهما أن يرجعا فيه ولا يقضى بذلك عليهما. قال ابن المواز: وان قال رب المال للعامل حين دفع اليه المال خذه قراضا والربح لك جاز وكان الربح للعامل ولا يضمن المال أو خسره أن تلف والقول فيه قول العامل وان لم يكن قراضا وانما قال خذه واعمل به والربح لك جاز أيضا وهو ضامن لما خسر (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أنه يشترط اختصاص رب المال والعامل بالربح واشتراكهما فيه فيمتنع شرط بعضه لثالث ما لم يشرط عليه العمل معه فيكون قراضا بين اثنين، نعم شرطه لقن أحدهما كشرطه لسيده، وذلك ليأخذ المالك بملكه والعامل بعمله فلو شرط اختصاص أحدهما به لم يصح. فلو قال قارضتك على أن كل الربح لك فقراض فاسد لمخالفته مقتضى العقد وله أجرة المثل لأنه عمل طامعا وسواء فى ذلك أكان عالما بالفساد أم لا، لأنه حينئذ طامع فيما أوجبه له الشرع من الأجرة خلافا لبعض المتأخرين. وقيل: قراض صحيح نظرا للمعنى. وان قال المالك: كله لى فقراض فاسد لما مر ولا أجرة له وان ظن وجوبها وقيل هو ابضاع أى توكيل بلا جعل. ويجرى الخلاف فيما لو قال أبضعتك على أن نصف الربح لك أو كله لك هل يكون قراضا فاسدا أو ابضاعا.

стр. 4476

ولو قال خذه وتصرف فيه والربح كله لك فقرض صحيح أو كله لى فابضاع وفارقت هذه ما مر قبلها بأن اللفظ فيها صريح فى عقد آخر. ولو اقتصر على قوله أبضعتك فهو بمثابة تصرف والربح كله لى فيكون ابضاعا كما اقتضاه كلامهم. قال فى المطلب وكلام الفورانى وغيره يدل عليه. ولو دفع اليه دراهم وقال اتجر فيها لنفسك كان هبة لا قرضا فى أصح الوجهين ويكون الربح مناصفة بينهما. ويشترط كذلك أن يكون الربح معلوما بالجزئية كنصف أو ثلث، فلو قال قارضتك على أن لك أو لى فيه شركة أو نصيبا أو جزءا أو شيئا من الربح أو على أن يخصنى دابة تشترى من رأس المال أو تخصنى بركوبها أو بربح أحد الألفين مثلا ولو مخلوطين أو على أنك ان ربحت ألفا فلك نصفه أو الفين فلك ربعه فسد القراض فى جميعها للجهل بقدر الربح فى الأربعة الأول وتعيينها فى الأخيرة، ولأن الدابة فى صورتها الثانية قد تنقص بالاستعمال ويتعذر عليه التصرف فيها ولأنه خصص العامل فى التى تليها وفى صورتها الأولى بربح بعض المال. ولو قال: قارضتك على أن الربح بيننا فالأصح الصحة ويكون نصفين كما لو قال هذا بينى وبين فلان لأن المتبادر منه حينئذ المناصفة. والقول الثانى المقابل للاصح: لا يصح لاحتمال اللفظ غير المناصفة فلا يكون الجزء معلوما كما لو قال بعتك بألف دراهم ودنانير. ولو قال قارضتك على ان الربح بيننا أثلاثا لم يصح كما فى الأنوار للجهل بمن له الثلث ومن له الثلثان. ولو قال قارضتك كقراض فلان صح ان علما قدر المشروط والا فلا. ولو قال قارضتك ولك ربع سدس العشر صح وان لم يعلم قدرها عند العقد لسهولة معرفته كما لو باعه مرابحة وجهلا حسابه حال العقد. ولو قال لى النصف مثلا وسكت عما للعامل فسد فى الأصح لانصراف الربح للمالك أصالة لأنه نماء ماله دون العامل فصار كله مختصا بالمالك. والقول الثانى المقابل للاصح يصح ويكون النصف الآخر للعامل. وان قال لك النصف وسكت عن جانبه صح على الصحيح لانصراف ما لم يشرط للمالك بحكم الأصل المذكور واسناد كل ما ذكر للمالك مثال، فلو صدر من العامل

стр. 4477

شرط مشتمل على شئ مما ذكر فكذلك كما لا يخفى والثانى لا يصح كالتى قبلها (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أن من شرط صحة المضاربة تقدير نصيب العامل من الربح، لأنه لا يستحقه الا بالشرط، فان قال رب المال خذ هذا المال مضاربة ولم يذكر سهم العامل لم تصح. ولو قال خذ هذا المال مضاربة ولك جزء أو حظ أو نصيب من الربح فالمضاربة فاسدة لجهالة نصيب العامل والربح كله لرب المال لأنه نماء ماله والوضعية على رب المال وحده لأن العامل أمين وللعامل أجر المثل وان لم يحصل ربح لأنه عمل بعوض لم يسلم له، فان قال رب المال خذه فاتجر به والربح كله لى فهو ابضاع أى يصير جميع الربح لرب المال لا حق للعامل فيه فيصير وكيلا متبرعا، لأنه قرن به حكم الابضاع، فلو قال مع ذلك: وعليك ضمانه لم يضمن لأن العقد يقتضى كونه أمانه غير مضمون ما لم يتعد أو يفرط فلا يزول ذلك بشرطه. وان قال خذه فاتجر به والربح كله لك فالمال المدفوع قرض لا قراض لأن اللفظ يصلح له وقد قرن به حكم فانصرف اليه كالتمليك والربح كله للعامل لا حق لرب المال فيه وانما يرجع بمثل ما دفعه، فان زاد رب المال مع قوله والربح كله لك ولا ضمان عليك فهو قرض شرط فيه نفى الضمان فلا ينتفى لأنه شرط فاسد لمنافاته مقتضى العقد. وان قال رب المال اتجر به والربح بيننا فالربح بينهما نصفين، لأنه أضافه اليهما اضافة واحدة ولم يترجح فيها احدهما على الآخر فاقتضى التسوية كهذه الدار بينى وبينك. وان قال رب المال خذ هذا المال مضاربة والربح كله لك أو قال خذه مضاربة والربح كله لى فسدت المضاربة فى الحالتين لأنها تقتضى أن يكون الربح بينهما، فاذا شرط اختصاص احدهما بالربح فقد شرط ما ينافى مقتضى العقد ففسد كما لو شرط الربح فى شركه العنان لأحدهما. ويفارق ما اذا لم يقل مضاربة لأن اللفظ يصلح لما ثبت حكمه من الابضاع والقرض وينفذ تصرف العامل، لأن الاذن باق، وللعامل أجرة المثل فى الأولى - وهى قوله خذه مضاربة والربح كله لك - لأنه عمل على عوض لم يسلم له ولا شئ للعامل فى الثانية وهى قوله خذه مضاربة والربح كله لى لأنه تبرع بعمله. وان قال خذه مضاربة ولك ثلث الربح

стр. 4478

صح والمسكوت عنه حينئذ لرب المال، وكذا لو قال خذه مضاربة ولى ثلث الربح ولم يذكر نصيب الآخر صح القراض والباقى من الربح للآخر المسكوت عنه لأن الربح لهما فاذا قدر نصيب أحدهما منه فالباقى للآخر بمفهوم اللفظ. وان قال رب المال خذه مضاربة لى النصف ولك الثلث وسكت عن السدس الباقى صح وكان الباقى لرب المال، لأنه يستحق الربح بماله لكونه نماءه وفرعه والعامل يأخذ بالشرط فما شرط له استحقه وما بقى فلرب المال بحكم الأصل. وان قال رب المال خذه مضاربة على على الثلث أو قال خذه مضاربة بالثلث. أو على الثلثين أو بالثلثين ونحوه صح ذلك وكان تقدير النصيب للعامل، لأن حصته انما تتقدر بالشرط بخلاف رب المال فانه يستحق الربح بماله (١). مذهب الظاهرية جاء فى المحلى أنه لا يجوز أن يشترط فى القراض جزء من الربح لفلان، لأنه شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل (٢). ولا يجوز القراض الا بأن يسميا السهم الذى يتقارضان عليه من الربح كسدس أو ربع أو ثلث أو نصف أو نحو ذلك ويبينا ما لكل واحد منهما من الربح، لأنه ان لم يكن هكذا لم يكن قراضا ولا عرفا ما يعمل العامل عليه فهو باطل (٣). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أنه يشترط فى المضاربة أن يبين المتعاقدان تفصيل كيفية الربح بينهما كنصفين أو مثل ما شرط فلان لعامله ولو جهلا فى الحال، ولا يكفى أن يقول والربح بيننا، واختار فى الانتصار أنه يكفى وتصح. فان قال على أن يكون الربح كله لى صح وكان العامل متبرعا، وان قال على أن يكون الربح كله لك فقال فى الكافى يكون قرضا. وقال فى الانتصار يفسد وهو المختار، لأنه رفع موجبه. ولفظ السحولى: وتكون وديعة تصرف ويستحق أجرة المثل ان شرطها أو اعتادها وذلك لأنه قد رضى بالتبرع. قال ﵇: والمختار أنها تفسد ويستحق العامل أجرة المثل، لأن المضاربة تقتضى العوض على العمل (٤).

стр. 4479

مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف أن رب المال اذا أعطى العامل ألفين وقال: ما رزق الله تعالى من الربح كان لى ربح ألف ولك ربح ألف كان جائزا، لأنه لا مانع من ذلك، والأصل فى جوازه قول رسول الله ﷺ المؤمنون عند شروطهم، وأيضا لا فرق بين أن يقول ربح الألفين بيننا وبين أن يقول ربح ألف لى وربح ألف لك لأنهما غير متميزين، ومن حمل ذلك على المتميزين كان قايسا وذلك لا يجوز عندنا (١). واذا قال خذ هذا المال قراضا على أن يكون الربح كله لى كان ذلك قراضا فاسدا ولا يكون بضاعة لأن لفظ القراض يقتضى ان يكون الربح بينهما، فاذا شرط الربح لنفسه كان فاسدا كما لو شرط الربح للعامل (٢). واذا قال خذ ألفا قراضا على أن لك نصف ربحها صح بلا خلاف، وان قال على أن لك ربح نصفها كان باطلا لأن ما قلناه مجمع على جوازه ولا دليل على جواز ما عداه (٣). وجاء فى شرائع الاسلام أنه يصح فى الحالتين لو قال خذ هذا المال فاتجر به والربح لى كان بضاعة ولو قال الربح لك كان قرضا. ولو شرط أحدهما شيئا معينا والباقى بينهما فسد لعدم الوثوق بحصول الزيادة فلا تتحقق الشركة، ولو قال خذه على النصف صح وكذا لو قال على أن الربح بيننا ويقضى الربح بينهما نصفين، فلو قال: على أن لك النصف صح، ولو قال على أن لى النصف واقتصر لم يصح لأنه لم يتعين للعامل حصة، ولو شرط لغلامه حصة معهما صح سواء عمل الغلام أو لم يعمل. ولو شرط لأجنبى فان كان عاملا صح، وان لم يكن عاملا فسد (٤). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن الأصل فى المضاربة أن يقول رب المال للعامل لك نصف الربح أو لك ثلثه أو يذكر أقل من ذلك أو أكثر، وجوز الى ذلك ان يقول رب المال للعامل: على ربح نصف رأس المال أو ثلثه أو غير ذلك أو على ربح مائة من المال، لا بتعيين، لأن قوله ربح نصف المال بمنزلة قوله نصف الربح لأن ربح نصف المال هو نصف ربح المال كله ولأن قوله ربح مائة بمنزلة قوله نصف الربح ان كان المال مائتين وبمنزلة قوله ثلث الربح ان كان المال ثلاثمائة وهكذا، أما اذا عين المائة أو نصف المال

стр. 4480

وما أشبههما فان العقد يكون منفسخا لأنه قد لا يكون فى ذلك الجزء المعين ربح ولا يتجر فان فعل فله عناؤه والربح كله لصاحب المال الا ان منعه من العمل فالربح كله لصاحب المال ولا عناء للعامل (١). ولو شرط العامل الربح كله لنفسه أو لابنه الطفل كان الربح له أو لمن شرطه له وأصبح رأس المال دينا عليه مضمونا بعد أن تلفظوا فيه بلفظ المضاربة أو لفظ القراض، وهذا على قول من قال بتحول المضاربة قرضا. أما من قال لا يتحول أحدهما الى الآخر فان ذلك يكون قراضا كما لفظا به. ويكون الربح أنصافا بينهما عند بعض. ويكون الربح لصاحب المال والعناء للمقارض على قول آخر. ولا ضمان على هذين القولين. وان شرطه رب المال لنفسه فالمال بضاعة فربحه لصاحبه ولا عناء للمضارب ولا ضمان عليه ولا مضاربة هناك، وفى الديوان: ان للعامل عناءه لأنه ذكر لفظ القراض (٢). وجاز اشتراط ثلث الربح للمضارب وثلث لرب المال وآخر لغيرهما هبة وتبرعا سواء اشترط ذلك العامل فأجازه رب المال أو اشترطه رب المال فأجازه العامل أو اشترطاه معا أو ذكره لهما غيرهما فأجازاه هذا اذا قبل الهبة الموهوب له ويتصور القبول بعد الحصول والدفع. وان لم يقبلها رجع العامل الى عنائه والربح لصاحب المال، لأنه اتفاق بينهما على ذلك الثلث الذى جعلاه لغيرهما فلم يقبله أو على الكل ان جعلا له الكل ولم يقبله وقيل ان جعلا له ثلثا أو أقل أو أكثر فلم يقبله فلهما ما جعلا لأنفسهما كما جعلاه وما لم يقبله فهو لصاحب المال وللمقارض عليه عناؤه على ما لم يقبله. وفى الديوان وغيره وان اتفقا على أن يكون الربح كله للمقارض الى مدة معلومة ويكون بينهما بعد ذلك فجائز أو أن يكون بينهما الى مدة معلومة ثم يكون بعدها للمقارض فجائز وكذلك ان جعل له ربح جنس معلوم من المال مثل الرقيق أو غير ذلك من جميع ما يتجر به فجائز أيضا وكذلك ان اتفقا على تسمية معلومة فى هذه السنة أو فى السنة الثانية أو الثالثة على تسمية معلومة أقل من الأولى أو أكثر منها فجائز (٣).

стр. 4481

ثانيا: حكم اضافة المضاربة الى وقت مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن رب المال اذا قال خذ هذا المال مضاربة الى سنة جازت المضاربة عندنا لأن المضاربة توكيل والتوكيل يحتمل التخصيص بوقت دون وقت. وذكر الطحاوى وقال لم يجز عند أصحابنا توقيت المضاربة وقياس قولهم فى الوكالة أنها لا تختص بالوقت، لأنهم قالوا: لو وكل رجلا ببيع عبده اليوم فباعه غدا جاز كالوكالة المطلقة. وما قاله ليس بسديد، لأنهم قالوا فى الوكيل اذا قيل له بعه اليوم ولا تبعه غدا جاز ذلك ولم يكن له أن يبيعه غدا وكذا اذا قيل له على أن تبيعه اليوم دون غد (١). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل نقلا عن المدونة أن مالكا رحمه الله تعالى قال: ان أخذ شخص من آخر قراضا الى أجل رد الى قراض مثله. قال الأبهرى انما قال ذلك لأن حكم القراض أن يكون الى غير أجل لأنه ليس بعقد لازم ولكل واحد تركه لو شاء فاذا شرط الأجل فكأنه قد منع نفسه من تركه وذلك غير جائز، فوجب رده الى قراض مثله لما ذكرنا من وجوب رد كل أصل فاسد الى حكم صحيح ذلك الأصل (٢). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أنه لا يشترط بيان مدة القراض اذ ليس للربح زمن معلوم - وبه فارق وجوب تعيينها فى المساقاة. ولو قال قارضتك ما شئت أو شئت جاز كما هو شأن العقد الجائز أو علقه على شرط كاذا جاء رأس الشهر فقد قارضتك أو علق تصرفه كقارضتك الآن ولا تتصرف الى انقضاء الشهر، أو دفع اليه مالا وقال اذا مت فتصرف فيه بالبيع والشراء قراضا على أن لك نصف الربح لم يصح، ولا يجوز له التصرف بعد موته، لأنه تعليق ولبطلان القراض بموته لو صح فلو ذكر له مدة على جهة تأقيته بها كسنة فسد مطلقا سواء أسكت أم منعه التصرف

стр. 4482

بعدها أم البيع أم الشراء اذ تلك المدة قد لا يروج فيها شئ، وان ذكرها لا على وجه التأقيت ومنعه التصرف بعدها كقارضتك على كذا ولا تتصرف بعد سنة فسد لأنه قد لا يجد فيها راغبا فى شراء ما عنده من العرض وان منعه الشراء بعدها دون البيع فلا يفسد فى الأصح لحصول الاسترباح بالبيع الذى فعله بعد المدة. ويؤخذ من تمثيل التنبيه بشهر أن تكون المدة يتأتى فيها الشراء لغرض الربح بخلاف نحو ساعة ولو كانت المدة مجهولة كمدة اقامة العسكر لم يصح فى أوجه الوجهين. وعلم مما قررناه أن ذكر المدة ابتداء تأقيت مضر أن منعه بعدها متراخيا عنها، بخلاف ما لو قال قارضتك سنة وذكر منع الشراء متصلا لضعف التأقيت حينئذ، وبهذا يجمع بين كلامى الشيخ فى شرحى المنهاج والروض (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه يصح تأقيت المضاربة بأن يقول رب المال ضاربتك على هذه الدراهم أو الدنانير سنة فاذا مضت السنة فلا تبع ولا تشتر، لأنه تصرف يتوقف بنوع من المتاع فجاز توقيته بالزمان كالوكالة. ولو قال رب المال ضارب بهذا المال شهرا ومتى مضى الأجل فمال المضاربة قرض صح ذلك فان مضى الأجل والمال ناض صار قرضا، وان مضى الأجل والمال متاع فعلى العامل تنضيضه، فاذا باعه ونضضه صار قرضا لأنه قد يكون لرب المال فيه غرض، نص عليه فى رواية مهنا (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه لا يجوز القراض الى أجل مسمى أصلا الا ما جاء به نص أو اجماع (٣). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أنه يجوز التوقيت فى عقد المضاربة نحو قول رب المال ضاربتك فى هذا المال سنة فبعدها يبيع ما معه من السلع ولا يشترى وانما يبيع حيث فيه ربح والا لم يلزمة البيع لأن عزله بانقضاء الوقت كعزله بموت المالك (٤).

стр. 4483

مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية: أنه لا يصح اشتراط اللزوم أو الأجل فى المضاربة بمعنى أنه لا يجب الوفاء بالشرط ولا تصير لازمة بذلك ولا فى الأجل، بل يجوز فسخها فيه عملا بالأصل ولكن اشتراط الأجل يثمر المنع من التصرف بعد الأجل الا بأذن جديد، لأن التصرف تابع للاذن ولا اذن بعده، وكذا لو أجل بعض التصرفات كالبيع أو الشراء خاصة ويفهم من التشريك بين اشتراط اللزوم واشتراط الأجل تساويهما فى الصحة وعدم لزوم الشرط. والمشهور أن اشتراط اللزوم مبطل لأنه مناف لمقتضى العقد فاذا فسد الشرط فسد العقد، بخلاف شرط الأجل فان مرجعه الى تقييد التصرف بوقت خاص وهو غير مناف (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه يجوز لكل من رب المال والعامل فى المضاربة اشتراط زمان معين لها يتجر فيه واذا مضى كف حتى يجئ كالصيف والربيع (٢). وقيل ان أعطاه القراض على أن يتجر به الى مدة معلومة لا يجوز وكذلك الجزار والخراز وغيرهم من جميع الصناع ان أعطاه مالا على أن يعمل به فى صنعته على هذا الحال. وقيل اذا شرط فيها أجل معلوم فليس لأحدهما الرجوع على صاحبه (٣). ثالثا: حكم اضافة المضاربة الى العروض مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن من شرائط المضاربة أن يكون رأس المال من الدراهم أو الدنانير عند عامة العلماء فلا تجوز المضاربة بالعروض لأن العروض تتعين عند الشراء بها والمعين غير مضمون حتى لو هلكت قبل التسليم لا شئ على المضارب فالربح عليها يكون ربح ما لم يضمن، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن وما لا يتعين يكون مضمونا عند الشراء به حتى لو هلكت العين قبل التسليم فعلى المشترى به ضمانه فكان الربح على ما فى الذمة فيكون ربح المضمون، ولأن المضاربة بالعروض تؤدى الى جهالة الربح وقت القسمة لأن قيمة العروض تعرف بالحزر والظن وتختلف باختلاف المقومين،

стр. 4484

والجهالة تفضى الى المنازعة، والمنازعة تفضى الى الفساد، وهذا لا يجوز، وقد قالوا: أنه لو دفع اليه عروضا فقال له بعها وأعمل بثمنها مضاربة فباعها بدراهم أو دنانير وتصرف فيها جاز، لأنه لم يضف المضاربة الى العروض وانما أضافها الى الثمن والثمن تصح به المضاربة فان باعها بمكيل أو موزون جاز البيع عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى بناء على أصله فى الوكيل بالبيع مطلقا أنه يبيع بالأثمان وغيرها الا أن المضاربة فاسدة لأنها صارت مضافة الى ما لا تصح المضاربة به وهو الحنطة والشعير وأما على أصلهما فالبيع لا يجوز لأن الوكيل بالبيع مطلقا لا يملك البيع بغير الأثمان، ولا تفسد المضاربة لأنها لم تصر مضافة الى ما لا يصلح به رأس مال المضاربة. وأما تبر الذهب والفضة فقد جعله فى هذا الكتاب بمنزلة العروض وجعله فى كتاب الصرف بمنزلة الدراهم والدنانير، والأمر فيه موكول الى التعامل فان كان الناس يتعاملون فهو بمنزلة الدراهم والدنانير فتجوز المضاربة به وان كانوا لا يتعاملون به فهو كالعروض فلا تجوز المضاربة به، وأما الزيوف والنبهرجة فتجوز المضاربة بها ذكره محمد رحمه الله تعالى لأنها تتعين بالعقد كالجياد (١). مذهب المالكية: جاء فى التاج والاكليل ان القراض جائز بالدنانير والدراهم وكذلك النقر والاتبار يعنى تبر الذهب والفضة فى البلد الذى يجرى ذلك فيه ولا يتعامل عندهم بالمسكوك (٢). وأما المغشوش من الذهب والفضة فحكى القاضى أبو محمد رحمه الله تعالى أنه لا يجوز القراض به مضروبا كان أو غير مضروب. وظاهر كلام ابن الحاجب رحمه الله تعالى أن الأصح أنه يجوز به مطلقا ومقابله لا يجوز به مطلقا وكذا فهمه فى التوضيح وقبله. وعزا مقابل الأصح لعبد الوهاب. وقيده الباجى رحمه الله تعالى ببلد لا يتعامل بالمغشوش مطلقا (٣). ولا يجوز أن يكون رأس مال القراض عرضا على أنه رأس المال ويرد مثله عند المفاصلة لاحتمال أن يغلى غلوا يستغرق

стр. 4485

رأس المال والربح فيؤدى الى بطلان عمل العامل، أو يرخص فيأخذ العامل بعض رأس المال، ولا يجوز على أن رأس المال قيمته الآن أو عند المفاصلة وكأنه والله أعلم للغرر، ولا على أن يبيعه ويكون ثمنه رأس المال. قال فى المدونة ويفسخ ذلك وان بيع ما لم يعلم بالثمن. وقيد اللخمى المنع بما اذا كان فى بيعه كلفة ولذلك أجرة لها خطب. قال وان كانت الأجرة لا خطب لها أو كان يعلم أنه يتكلف ذلك ولو لم يعطه اياه قراضا أو يقول كلف من يبيع ويأتيك بالثمن. ولم يلتفت خليل لتقييد اللخمى رحمه الله تعالى وجعله خلافا. وقال المازرى لو قال آخذ هذا العرض وأمضى به الى البلد الفلانى وأدفعه الى فلان يبيعه ويقبض ثمنه فخذه منه واعمل به قراضا بينى وبينك فان ذلك جائز بلا خلاف ولا يدخله القراض بالعروض لأن المدفوع اليه العروض لا يتولى البيع بنفسه (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أنه يشترط لصحة المضاربة كون المال دراهم أو دنانير باجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ولأنه عقد غرر لعدم انضباط العمل والوثوق بالربح جوز للحاجة فكان خاصا بما يروج غالبا وهو النقد المضروب لأنه ثمن الاشياء ولو أبطله السلطان جاز عقده عليه كما بحثه ابن الرفعة. وتنظير الأذرعى فيه بأنه قد يعز وجوده أو يخاف عزته عند المفاصلة يرد بأن الغالب مع ذلك تيسر الاستبدال به فلا يجوز على تبر - وهو ذهب أو فضة لم يضرب - سواء فى ذلك القراضة وغيرها. ولا يجوز على حلى وسبائك لاختلاف قيمتها ومغشوش وان راج وعلم قدر غشه وجاز التعامل به نعم ان استهلك غشه جاز العقد عليه كما جزم به الجرجانى. وقيل: ان راج واقتضى كلامهما فى الشركة تصحيحه واختاره السبكى وغيره. ولا يجوز على عروض مثلية أو متقومة (٢). فلا يصح أن يقارضه على
следующие страницы →