← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

ثانيا: حكم اضافة المضاربة الى وقت مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن رب المال اذا قال خذ هذا المال مضاربة الى سنة جازت المضاربة عندنا لأن المضاربة توكيل والتوكيل يحتمل التخصيص بوقت دون وقت. وذكر الطحاوى وقال لم يجز عند أصحابنا توقيت المضاربة وقياس قولهم فى الوكالة أنها لا تختص بالوقت، لأنهم قالوا: لو وكل رجلا ببيع عبده اليوم فباعه غدا جاز كالوكالة المطلقة. وما قاله ليس بسديد، لأنهم قالوا فى الوكيل اذا قيل له بعه اليوم ولا تبعه غدا جاز ذلك ولم يكن له أن يبيعه غدا وكذا اذا قيل له على أن تبيعه اليوم دون غد (١). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل نقلا عن المدونة أن مالكا رحمه الله تعالى قال: ان أخذ شخص من آخر قراضا الى أجل رد الى قراض مثله. قال الأبهرى انما قال ذلك لأن حكم القراض أن يكون الى غير أجل لأنه ليس بعقد لازم ولكل واحد تركه لو شاء فاذا شرط الأجل فكأنه قد منع نفسه من تركه وذلك غير جائز، فوجب رده الى قراض مثله لما ذكرنا من وجوب رد كل أصل فاسد الى حكم صحيح ذلك الأصل (٢). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أنه لا يشترط بيان مدة القراض اذ ليس للربح زمن معلوم - وبه فارق وجوب تعيينها فى المساقاة. ولو قال قارضتك ما شئت أو شئت جاز كما هو شأن العقد الجائز أو علقه على شرط كاذا جاء رأس الشهر فقد قارضتك أو علق تصرفه كقارضتك الآن ولا تتصرف الى انقضاء الشهر، أو دفع اليه مالا وقال اذا مت فتصرف فيه بالبيع والشراء قراضا على أن لك نصف الربح لم يصح، ولا يجوز له التصرف بعد موته، لأنه تعليق ولبطلان القراض بموته لو صح فلو ذكر له مدة على جهة تأقيته بها كسنة فسد مطلقا سواء أسكت أم منعه التصرف

стр. 4482

بعدها أم البيع أم الشراء اذ تلك المدة قد لا يروج فيها شئ، وان ذكرها لا على وجه التأقيت ومنعه التصرف بعدها كقارضتك على كذا ولا تتصرف بعد سنة فسد لأنه قد لا يجد فيها راغبا فى شراء ما عنده من العرض وان منعه الشراء بعدها دون البيع فلا يفسد فى الأصح لحصول الاسترباح بالبيع الذى فعله بعد المدة. ويؤخذ من تمثيل التنبيه بشهر أن تكون المدة يتأتى فيها الشراء لغرض الربح بخلاف نحو ساعة ولو كانت المدة مجهولة كمدة اقامة العسكر لم يصح فى أوجه الوجهين. وعلم مما قررناه أن ذكر المدة ابتداء تأقيت مضر أن منعه بعدها متراخيا عنها، بخلاف ما لو قال قارضتك سنة وذكر منع الشراء متصلا لضعف التأقيت حينئذ، وبهذا يجمع بين كلامى الشيخ فى شرحى المنهاج والروض (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه يصح تأقيت المضاربة بأن يقول رب المال ضاربتك على هذه الدراهم أو الدنانير سنة فاذا مضت السنة فلا تبع ولا تشتر، لأنه تصرف يتوقف بنوع من المتاع فجاز توقيته بالزمان كالوكالة. ولو قال رب المال ضارب بهذا المال شهرا ومتى مضى الأجل فمال المضاربة قرض صح ذلك فان مضى الأجل والمال ناض صار قرضا، وان مضى الأجل والمال متاع فعلى العامل تنضيضه، فاذا باعه ونضضه صار قرضا لأنه قد يكون لرب المال فيه غرض، نص عليه فى رواية مهنا (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه لا يجوز القراض الى أجل مسمى أصلا الا ما جاء به نص أو اجماع (٣). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أنه يجوز التوقيت فى عقد المضاربة نحو قول رب المال ضاربتك فى هذا المال سنة فبعدها يبيع ما معه من السلع ولا يشترى وانما يبيع حيث فيه ربح والا لم يلزمة البيع لأن عزله بانقضاء الوقت كعزله بموت المالك (٤).

стр. 4483

مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية: أنه لا يصح اشتراط اللزوم أو الأجل فى المضاربة بمعنى أنه لا يجب الوفاء بالشرط ولا تصير لازمة بذلك ولا فى الأجل، بل يجوز فسخها فيه عملا بالأصل ولكن اشتراط الأجل يثمر المنع من التصرف بعد الأجل الا بأذن جديد، لأن التصرف تابع للاذن ولا اذن بعده، وكذا لو أجل بعض التصرفات كالبيع أو الشراء خاصة ويفهم من التشريك بين اشتراط اللزوم واشتراط الأجل تساويهما فى الصحة وعدم لزوم الشرط. والمشهور أن اشتراط اللزوم مبطل لأنه مناف لمقتضى العقد فاذا فسد الشرط فسد العقد، بخلاف شرط الأجل فان مرجعه الى تقييد التصرف بوقت خاص وهو غير مناف (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه يجوز لكل من رب المال والعامل فى المضاربة اشتراط زمان معين لها يتجر فيه واذا مضى كف حتى يجئ كالصيف والربيع (٢). وقيل ان أعطاه القراض على أن يتجر به الى مدة معلومة لا يجوز وكذلك الجزار والخراز وغيرهم من جميع الصناع ان أعطاه مالا على أن يعمل به فى صنعته على هذا الحال. وقيل اذا شرط فيها أجل معلوم فليس لأحدهما الرجوع على صاحبه (٣). ثالثا: حكم اضافة المضاربة الى العروض مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن من شرائط المضاربة أن يكون رأس المال من الدراهم أو الدنانير عند عامة العلماء فلا تجوز المضاربة بالعروض لأن العروض تتعين عند الشراء بها والمعين غير مضمون حتى لو هلكت قبل التسليم لا شئ على المضارب فالربح عليها يكون ربح ما لم يضمن، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن وما لا يتعين يكون مضمونا عند الشراء به حتى لو هلكت العين قبل التسليم فعلى المشترى به ضمانه فكان الربح على ما فى الذمة فيكون ربح المضمون، ولأن المضاربة بالعروض تؤدى الى جهالة الربح وقت القسمة لأن قيمة العروض تعرف بالحزر والظن وتختلف باختلاف المقومين،

стр. 4484

والجهالة تفضى الى المنازعة، والمنازعة تفضى الى الفساد، وهذا لا يجوز، وقد قالوا: أنه لو دفع اليه عروضا فقال له بعها وأعمل بثمنها مضاربة فباعها بدراهم أو دنانير وتصرف فيها جاز، لأنه لم يضف المضاربة الى العروض وانما أضافها الى الثمن والثمن تصح به المضاربة فان باعها بمكيل أو موزون جاز البيع عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى بناء على أصله فى الوكيل بالبيع مطلقا أنه يبيع بالأثمان وغيرها الا أن المضاربة فاسدة لأنها صارت مضافة الى ما لا تصح المضاربة به وهو الحنطة والشعير وأما على أصلهما فالبيع لا يجوز لأن الوكيل بالبيع مطلقا لا يملك البيع بغير الأثمان، ولا تفسد المضاربة لأنها لم تصر مضافة الى ما لا يصلح به رأس مال المضاربة. وأما تبر الذهب والفضة فقد جعله فى هذا الكتاب بمنزلة العروض وجعله فى كتاب الصرف بمنزلة الدراهم والدنانير، والأمر فيه موكول الى التعامل فان كان الناس يتعاملون فهو بمنزلة الدراهم والدنانير فتجوز المضاربة به وان كانوا لا يتعاملون به فهو كالعروض فلا تجوز المضاربة به، وأما الزيوف والنبهرجة فتجوز المضاربة بها ذكره محمد رحمه الله تعالى لأنها تتعين بالعقد كالجياد (١). مذهب المالكية: جاء فى التاج والاكليل ان القراض جائز بالدنانير والدراهم وكذلك النقر والاتبار يعنى تبر الذهب والفضة فى البلد الذى يجرى ذلك فيه ولا يتعامل عندهم بالمسكوك (٢). وأما المغشوش من الذهب والفضة فحكى القاضى أبو محمد رحمه الله تعالى أنه لا يجوز القراض به مضروبا كان أو غير مضروب. وظاهر كلام ابن الحاجب رحمه الله تعالى أن الأصح أنه يجوز به مطلقا ومقابله لا يجوز به مطلقا وكذا فهمه فى التوضيح وقبله. وعزا مقابل الأصح لعبد الوهاب. وقيده الباجى رحمه الله تعالى ببلد لا يتعامل بالمغشوش مطلقا (٣). ولا يجوز أن يكون رأس مال القراض عرضا على أنه رأس المال ويرد مثله عند المفاصلة لاحتمال أن يغلى غلوا يستغرق

стр. 4485

رأس المال والربح فيؤدى الى بطلان عمل العامل، أو يرخص فيأخذ العامل بعض رأس المال، ولا يجوز على أن رأس المال قيمته الآن أو عند المفاصلة وكأنه والله أعلم للغرر، ولا على أن يبيعه ويكون ثمنه رأس المال. قال فى المدونة ويفسخ ذلك وان بيع ما لم يعلم بالثمن. وقيد اللخمى المنع بما اذا كان فى بيعه كلفة ولذلك أجرة لها خطب. قال وان كانت الأجرة لا خطب لها أو كان يعلم أنه يتكلف ذلك ولو لم يعطه اياه قراضا أو يقول كلف من يبيع ويأتيك بالثمن. ولم يلتفت خليل لتقييد اللخمى رحمه الله تعالى وجعله خلافا. وقال المازرى لو قال آخذ هذا العرض وأمضى به الى البلد الفلانى وأدفعه الى فلان يبيعه ويقبض ثمنه فخذه منه واعمل به قراضا بينى وبينك فان ذلك جائز بلا خلاف ولا يدخله القراض بالعروض لأن المدفوع اليه العروض لا يتولى البيع بنفسه (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أنه يشترط لصحة المضاربة كون المال دراهم أو دنانير باجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ولأنه عقد غرر لعدم انضباط العمل والوثوق بالربح جوز للحاجة فكان خاصا بما يروج غالبا وهو النقد المضروب لأنه ثمن الاشياء ولو أبطله السلطان جاز عقده عليه كما بحثه ابن الرفعة. وتنظير الأذرعى فيه بأنه قد يعز وجوده أو يخاف عزته عند المفاصلة يرد بأن الغالب مع ذلك تيسر الاستبدال به فلا يجوز على تبر - وهو ذهب أو فضة لم يضرب - سواء فى ذلك القراضة وغيرها. ولا يجوز على حلى وسبائك لاختلاف قيمتها ومغشوش وان راج وعلم قدر غشه وجاز التعامل به نعم ان استهلك غشه جاز العقد عليه كما جزم به الجرجانى. وقيل: ان راج واقتضى كلامهما فى الشركة تصحيحه واختاره السبكى وغيره. ولا يجوز على عروض مثلية أو متقومة (٢). فلا يصح أن يقارضه على

стр. 4486

منفعة كسكنى دار وقوله بع هذا وقارضتك على ثمنه واشتر شبكة واصطد بها لا يصح نعم البيع صحيح وله أجرة مثله والعمل ان عمل والصيد للعامل فى الأخيرة وعليه أجرة مثل الشبكة (١). مذهب الحنابلة: جاء فى نيل المآرب ان من شروط صحة المصاربة أن يكون رأس المال من النقدين الذهب والفضة المضروبين، فلا تصح مضاربة بنقرة - وهى الفضة التى لم تضرب - ولا بمغشوشة غشا كثيرا ولا بفلوس ولو نافقة (٢). وجاء فى الروض المربع أنه يشترط فى المضاربة أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين لأنهما قيم الأموال وأثمان البياعات فلا تصح بعروض ولا فلوس ولو نافقة، وتصح بالنقدين ولو مغشوشين يسيرا كحبة فضة فى دينار لأنه لا يمكن التحرز منه (٣). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن القراض انما هو بالدنانير والدراهم ولا يجوز بغير ذلك الا بأن يعطيه العرض فيأمره ببيعه بثمن محدود وبأن يأخذ الثمن فيعمل به قراضا لأن هذا مجمع عليه وما عداه مختلف فيه ولا نص بايجابه ولا حكم لأحد فى ماله الا بما أباحه له النص (٤). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أن من شروط المضاربة أن يعقدا على نقد، وانما لم تصح المضاربة فى المثلى غير النقد والقيمى لأنها لو صحت فى ذلك لوجب رد مثله عند الرد وقد يكون غالبا فيستبد المالك بالربح وقد يكون رخيصا فيشاركه العامل فى رأس المال. وقال فى شرح الابانة تجوز المضاربة فى سبائك الذهب والفضة اذا كان يتعامل بها واختاره فى الانتصار. ويجوز أن يعقدا المضاربة ثم يعطيه فى المجلس عرضا يأمره ببيعه ويجعل ثمنه مالها، ولو تراخى عن ذلك ولم يفعله فى المجلس وذلك بأن يقول له ضاربتك فى مائة درهم مثلا ثم يعطيه عرضا كما ذكر (٥).

стр. 4487

مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف أنه لا يجوز القراض الا بالأثمان التى هى الدراهم والدنانير ولا يجوز القراض بالفلوس ولا بالورق المغشوش سواء كان الغش أقل أو أكثر أو سواء لأن القراض بالأثمان مجمع على جواز القراض به وليس على جواز ما سواه دليل (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنهم اختلفوا فى المضاربة بعروض وان كان العرض الذى ضورب به من تلك العروض عرضا مكيلا أو موزونا بقيمة العرض الذى ضورب به بتقويم العدول من تلك العروض. وقيل تعتبر القيمة يوم اشتراها بما يجوز به القراض كالدنانير والدراهم وغيرها وكذا ما يشبه الشراء اذا أخذها فى مقابلة ما يجوز به القراض، مثل أن تؤخذ فى دنانير الصداق أو الأرش أو القضاء أو غير ذلك أو فى دراهم ذلك أو فى دنانير تنو به من الارث أو دراهم تنو به من الارث أو نحو ذلك فلو دخل ملكه بلا شراء وبلا مقابلة وبدل مما تجوز به المقارضة أو بشراء بغير ما تجوز به المقارضة فلا تجوز به المقارضة. وقيل يعتبر فى قيمتها بوقت الاتفاق على المضاربة، فتجوز المضاربة بالعروض بقيمتها وقت الاتفاق عليها ولو دخلت ملكه فى غير مقابلة ما يجوز به القراض وبلا شراء. وجه القول الأول أنه ان زادت قيمتها عما اشتريت به أخذ رب المال أكثر مما اتفقا عليه وان نقصت أخذ المضارب بعض رأس المال وذلك لا يجوز. ووجه القول الثانى أن الشراء لم يقع باعتبار القراض فكيف يعتبر ما به الشراء، فلو اعتبر فيه باذن صاحبه والمقارض بأن قال له اشتر وأعطنى على القراض لا اعتبر ما به الشراء مع هذا القول أيضا. والأكثر على منع المضاربة فى العروض ولو بالقيمة. والقول بالجواز قول ابن عباد بالقيمة تفرع عليه القولان وعبد الرحمن بن أبى ليلى وفى أثر قومنا فيكون رأس المال ذات العروض أى مثله. وقيل ما بيع به. قيل لعله لم يثبت عندهما حديث لا قراض الا بعين أو هو مؤول بحذف النعت أى لا قراض كاملا.

стр. 4488

قال صاحب شرح النيل: أولى من ذلك أن يقول مراد الحديث لا قراض الا بعين بنفسها أو بما جعلت فيه فيجوز باعتبارها كما تزكى عروض التجر بالذهب والفضة (١). والصحيح قول غير ابن عباد أنه لا مضاربة الا بالعين نفسها وعليه العمل. وكذا قال أبو المورج أنه لا يكون القراض الا فى العين من الذهب والفضة ولا يصلح بالعروض، وأنه ليس القراض أن تدفع لصاحبك السلعة أو غيرها ثم تسمى ما قامت عليك به وتقول ما كان من ربح فهو بينى وبينك فليس هذا بقرض ولا يصلح القراض الا بالذهب والفضة. وعلى هذا فللعامل عناؤه والربح كله لصاحب المال ان كان. وفى الديوان: ولا يجوز للرجل أن يجعل داره فى يد رجل قراضا على أن ما استغل من كرائها بينهما وكذلك جميع ما يجوز كراؤه على هذا الحال، فان فعل ذلك فالكراء لصاحب الشئ وللمقارض عناؤه وقيل غير ذلك وان دفع له دابة على أن يعمل عليها قراضا فلا يجوز ذلك أيضا ويكون ما عمل عليها للمقارض ولصاحب الدابة عناء دابته ومن ضارب بعروض بتقويم أو بدونه أو بما لا يجوز كنقار الذهب والفضة عند الصانع بها فلا ربح له ولا خسارة عليه وله عناؤه، وقيل ان عقد على ذلك ثمن فله الربح وعليه الضمان ولرب المال رأس ماله ولا ربح له (٢). وفى الديوان: وقيل يجوز القراض بكل ما يكال أو يوزن من الحبوب وغيرها من الذهب والفضة ويكون رأس ماله ما دفع له من ذلك على القراض، ولا يجوز بما لا يكال ولا يوزن. وقيل يجوز به على ما اتفقا عليه من القيمة، وتكون تلك القيمة رأس المال ولا ينظر الى ارتفاع القيمة بعد ذلك أو نقصها وكذلك ان كانت فى يده سلائع فأعطاها على القراض لصاحبها على هذا الحال (٣). رابعا: حكم اضافة المضاربة الى ما فى الذمة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن من شروط المضاربة أن يكون رأس المال عينا لا دينا، فان كان دينا فالمضاربة فاسدة.

стр. 4489

وعلى هذا يخرج ما اذا كان لرب المال على رجل دين فقال له اعمل بدينى الذى فى ذمتك مضاربة بالنصف أن المضاربة فاسدة بلا خلاف فان اشترى هذا المضارب وباع فله ربحه وعليه وضيعته والدين فى ذمته بحال عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وعندهما ما اشترى وباع لرب المال ربحه وعليه وضيعته بناء على أن من وكل رجلا يشترى له بالدين الذى فى ذمته لم يصح عند أبى حنيفة حتى لو اشترى لا يبرأ عما فى ذمته عنده واذا لم يصح الأمر بالشراء بما فى الذمة لم تصح اضافة المضاربة الى ما فى الذمة، وعندهما يصح التوكيل ولكن لا تصح المضاربة، لأن الشراء يقع للموكل فتصير المضاربة بعد ذلك مضاربة بالعروض، لأنه يصير فى التقدير كأنه وكله بشراء العروض ثم دفعه اليه مضاربة فتصير مضاربة بالعروض فلا تصح. ولو قال لرجل اقبض مالى على فلان من الدين وأعمل به مضاربة جاز، لأن المضاربة هنا أضيفت الى المقبوض فكان رأس المال عينا لا دينا. ولو أضاف المضاربة الى عين هى أمانة فى يد المضارب من الدراهم والدنانير بأن قال للمودع أو المستبضع اعمل بما فى يدك مضاربة بالنصف جاز ذلك بلا خلاف وان اضافها الى مضمونه فى يده كالدراهم والدنانير المغصوبة فقال للغاصب: اعمل بما فى يدك مضاربة بالنصف لم يجز ذلك عند زفر رحمه الله تعالى لأن المضاربة تقتضى كون المال أمانة فى يد المضارب والمغصوب مضمون فى يده فلا يتحقق التصرف للمضاربة فلا يصح. وقال أبو يوسف والحسن بن زياد رحمهما الله تعالى يجوز ذلك لأن ما فى يده مضمون الى أن يأخذ فى العمل فاذا أخذ فى العمل وهو الشراء تصير أمانة فى يده فيتحقق معنى المضاربة فتصح (١). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل نقلا عن المدونة: أن مالكا رحمه الله تعالى قال: ان كان لك عند رجل دين فقلت اعمل به قراضا لم يجز، وكذلك ان أحضره فقال له خذه قراضا لم يجز الا أن يقبضه منه ثم يعيده اليه، قال ابن القاسم رحمه الله تعالى خوف أن يكون انما اعترى أن يؤخره بالدين ويزيده والوديعة مثله لأنى أخاف أن يكون أنفق الوديعة فصارت عليه دينا (٢).

стр. 4490

وجاء فى مواهب الجليل ان ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى قال فى شرحه لا يجوز أن يكون رأس المال دينا على العامل ثم قال: فان وقع ذلك وأحضر الدين قبل التجربه وأشهد على وزنه وزال عنه ضمانه وقبضه منه كان الربح بينهما والخسارة على رب المال. فان عمل به قبل الاشهاد عليه. قال فى التوضيح ففى الموازية الربح للعامل والخسارة عليه. وقال أشهب رحمه الله تعالى الربح بينهما. واختلف فى التأويل عليه. فقال اللخمى رحمه الله تعالى وعلى قوله تكون الخسارة من صاحب المال. وقال التونسى لا يصدق وان ادعى الخسران الا ببينة. وحكى ابن يونس وابن رشد وغيرهما عن أشهب أنه قال هو مكروه فان نزل مضى وهو ظاهر ما نقله خليل، لأن قوله يستمر دينا، خلافا لأشهب يقتضى أنه عنده لا يستمر دينا بل يبقى قراضا. وحكى ابن عبد البر عن أشهب ان ما اشترى وباع فلرب المال وللعامل أجر مثله. وحكى ابن حارث عن محمد بن عبد الحكم رحمه الله تعالى ان الربح بينهما والخسارة على رب المال على أصل القراض وهذا مثل قول أشهب بالكراهة (١). وجاء فى التاج والاكليل ان ابن المواز قال من أعرته دنانير فلا تدفعها اليه قراضا حتى تقبضها ولو كان عرضا لم يجز ومن كان لك عنده دنانير رهنا فقارضته بها لم يجز حتى يردها وان كانت بيد أمين فلا ينبغى أن تعطيها للامين قراضا حتى تؤدى الحق الى ربه (٢). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أنه اذا قارض رب المال على ألف درهم مثلا فى ذمة رب المال ثم عينها فى المجلس جاز كما صححه فى الشرح الصغير واقتضاه كلام الروضة كأصلها خلافا لجمع كالصرف والسلم (٣). قال الشبراملسى فى حاشيته على نهاية المحتاج: مفهومه أنها اذا كانت

стр. 4491

فى ذمة غير المالك لا يجوز سواء عين فى المجلس وقبضه المالك أو لا، وفى كلام حج أنه اذا قارضه على دين فى ذمة العامل وعين وقبضه المالك صح أى فيرده العامل بلا تجديد عقد. وان قارضه على دين فى ذمة أجنبى لم يصح، وان عين فى المجلس وقبضه المالك فيحتاج الى تجديد عقد عليه بعد تعيينه وقبض المالك له. وفرق بين العامل وغيره بأن ما فى ذمة غير العامل معجوز عنه حال العقد بخلاف ما فى ذمة العامل فانه قادر على تحصيله فصح العقد عليه (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه لو قال رب وديعة لعامل اقبض وديعتى من زيد أو منك وضارب بها أو قال رب دين اقبض دينى من فلان وضارب به صح لأنه وكله فى قبض الدين أو الوديعة وعلق المضاربة على القبض وتعليقها صحيح، وكذا لو قال ضارب بعين مالى الذى غصبته منى صح ذلك، لأنه فى معنى الدفع وزال ضمان الغصب بمجرد عقد المضاربة وصار المال أمانة بيده لأذن ربه فى بقائه بيده ويصح قول رب وديعة ونحوها اذا قدم الحاج فضارب بوديعتى أو غيرها لأن تعليق المضاربة صحيح. وان قال رب دين ضارب بالدين الذى عليك لم تصح لعدم حضور المال ولأن المال الذى فى يد المدين له وانما يصير لغريمه بقبضه ولم يقبضه، ولو قال ضارب بدينى الذى على زيد فاقبضه لم تصح، لأنه عقد على ما لا يملكه ولا يملك ما فى يد مدين الا بقبضه ولم يوجد، بخلاف اقبض دينى وضارب به، ولو قال رب مال هذا المال قرض عليك شهرا أو نحوه ثم هو مضاربة لم يصح ذلك لأنه اذا صار قرضا ملكه المقترض فلم يصح عقد المضاربة عليه وهو فى ذمته لعدم ملك رب الدين له، وعلى ذلك فلو اشترى فى هذه الصور بالدين شيئا للمضاربة فهو للمشترى وربحه له وخسرانه عليه (٢). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أن من حق المال أن تكون المضاربة على حاضر فى مجلس

стр. 4492

عقدها أو ما فى حكمه نحو أن يعقدا المضاربة ثم يعطيه فى المجلس عرضا يأمره ببيعه ويجعل ثمنه مالها ولو تراخى عن ذلك ولم يفعله فى المجلس واذا كان العقد على حاضر فى المجلس فقيل يشترط أن يقبض فى المجلس، وظاهر الأزهار عدم اشتراط ذلك (١). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام أنه لو كان فى يد غاصب مال فقارضه عليه صح ولم يبطل الضمان فان اشترى به ودفع المال الى البائع برئ لأنه قضى دينه باذنه. ولو كان له دين لم يجز أن يجعله مضاربة الا بعد قبضه، وكذا لو أذن للعامل فى قبضه من الغريم، ما لم يجدد العقد (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه لا يتحول قرض أو دين ولا ما فى الذمة مطلقا مضاربة لعدم النقض فصار كبيع الدين بالدين فلو حولا القرض أو الدين أو ما فى الذمة مضاربة لكان الربح كله لمن هو فى ذمته وأما ما كان عند الانسان بنحو أمانة فقيل يجوز تصييره قراضا. وقيل لا يجوز حتى يقبضه صاحبه أو نائبه فيرده له على القراض. وبالأول قالوا فى الديوان ونصه ويجوز القراض لكل ما كان أصله أمانة من الدنانير والدراهم عند ذلك المقارض أو عند غيره من الناس اذا علم وزنها. ولا يجوز القراض بالدين ولا بكل ما كان مضمونا بيد أحد من الناس. ووجه امتناع تصيير ما بالذمة قرضا قبل قبضه مخافة أن يكون قد أعسر وهو يريد أن يؤخره عنه على أنه يزيده فيه فيكون من الربا. وفى التاج أن جعلا القرض أو الدين قراضا قبل قبضه فعمل به فذلك ربا ما لم يقبضه. وان قال دراهمك فى كيس فى البيت ثم جعلاها مضاربة لم تجز، فلو جاءه بها فى كفه وأراه اياها لم تجز حتى يبريه منها وكانت من مال قابضها ثم يدفعها اليه وان عمل قبل القبض فالربح له وليس لصاحبها الا عددها. ويمنع تجويز أمر آمر الانسان بقبض دين على أن يضارب به ذلك الانسان اذا قبضه بجزء معلوم من الربح، لأنه حين كلفه القبض لذلك الدين صارت له فى ذلك منفعة، وكل منفعة اشترطها رب المال

стр. 4493

على المضارب غير سهمه من الربح فانها تصير ما انعقد عليه القراض مجهولا فكأنه قارض على رأس مال مجهول، وذلك لأن المقارض قد استحق فى الحقيقة شيئا من ذلك المال الذى قبضه من الأجنبى، فى نظير سيره وقبضه (١). وفى التاج من قال اقبض لى مالى على فلان وضارب به فقبضه وعمل به جاز له وكان وكيلا فى قبضه مؤتمنا فيه. قال أبو سعيد هذا كالوديعة وفيها خلاف. فقيل لا تجوز بها المضاربة حتى يقبضها ربها أو يدفعها بسبيل المضاربة. وقيل تجوز لأنها غير مضمونة (٢). وان قال رجل لرجل اتجر بمالى الذى عليك فلا يجوز وأن اتجر بما يقابل ذلك الدين فكان فيه الربح فانه يعطيه ما اتفقا عليه ان شاء. وان تلف ذلك المال فهو من ماله والدين باق عليه. وكذلك ان قال له: اعط الدين الذى لى عليك على القراض لفلان فأعطاه فاتجر فربح فان المقارض يقسم الربح مع صاحب المال ويعطيه رأس ماله والمدين قد برئ من المديان (٣). الاضافة فى الكفالة أولا: حكم أضافة الكفالة الى وقت مذهب الحنفية: جاء فى البحر الرائق نقلا عن الخانية أنه لو كفل رجل بنفس رجل الى ثلاثة أيام ذكر فى الأصل أنه يصير كفيلا بعد الأيام الثلاثة، وجعله بمنزلة ما لو قال لامرأته أنت طالق الى ثلاثة أيام، فان الطلاق يقع بعد ثلاثة أيام، وكذا لو باع عبدا بألف الى ثلاثة أيام يصير مطالبا بالثمن بعد الأيام الثلاثة. وعن أبى يوسف يصير كفيلا فى الحال وقال فى الطلاق يقع الطلاق فى الحال أيضا. وقال الفقيه أبو جعفر يصير كفيلا فى الحال قال وذكر الأيام الثلاثة لتأخير المطالبة الى ثلاثة أيام لا لتأخير الكفالة ألا ترى أنه لو سلم المكفول به قبل الأيام الثلاثة يجبر المطالب على القبول كتعجيل الدين المؤجل.

стр. 4494

وما ذكر فى الأصل أراد به أن يكون كفيلا مطالبا بعد الثلاثة وغيره أخذ بظاهر الكتاب وقالوا لا يصير كفيلا للحال، فاذا مضت قبل تسليم النفس كان كفيلا أبدا الى أن يسلم فاذا قال أنا كفيل بنفس فلان من اليوم الى عشرة أيام صار كفيلا فى الحال، فاذا مضت العشرة خرج عنها. ولو قال أنا كفيل بنفسه الى عشرة أيام فاذا مضت العشرة فانى برئ قال ابن الفضل لا مطالبة عليه بها لا فيها ولا بعدها، وذكر فى الأصل كفلت بنفس فلان شهرا كان كفيلا أبدا كقوله أنت طالق شهرا. ولو قال على نفسه الى شهر فعن محمد أنه قال لا سبيل عليه حتى يمضى شهر ولو قال نفسه على الى شهر فاذا مضى شهر فأنا برئ منه قال هذا لم يضمن شيئا. وفى التتارخانية اذا كفل الى ثلاثة أيام كان كفيلا بعد الثلاثة ولا يطالب فى الحال فى ظاهر الرواية، وفى السراج وهو الأصح، وفى الصغرى وبه يفتى. وفى البزازية كفل بنفسه الى شهر على أنه برئ اذا مضى شهر. قال الفقيه أبو الليث الفتوى على أنه لا يصير كفيلا وفى الواقعات الفتوى على أنه يصير كفيلا كفل الى شهر طالبه بعد شهر، ويبطل ما قاله البعض أنه كفيل فى الحال مؤجلا الى شهر دل عليه ما ذكره عصام أنه لو قال أنت طالق الى شهر يقع بعد الأجل الا أن ينوى الوقوع فى الحال، دل على أنه لا يصير كفيلا فى الحال وبه يفتى بخلاف أمر امرأتى بيدها الى شهر حيث يصير الأمر بيدها فى الحال الى شهر، لأن الطلاق لا يحتمل التأقيت والأمر يحتمله وكذا الكفالة تحتمل التأقيت، ولا نعنى بقوله أنه كفيل بعد شهر أنه ليس بكفيل للحال ألا ترى أن الكفيل لو سلم للحال يجب على الطالب القبول ولو لم يصر كفيلا الا بعد الشهر لما أجبر فى الحال، لكن ذكر الشهر تأجيل للكفيل حتى لا يطالب للحال ويطالب بعد الأجل (١). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل: قال ابن يونس رحمه الله تعالى الحمالة بالمال الى أجل مجهول جائزة ويضرب له من الأجل بقدر ما يرى، قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: ومن قال لرجل ان لم يوفك فلان حقك فهو على ولم يضرب لذلك أجلا تلوم له

стр. 4495

السلطان بقدر ما يرى ثم لزمه المال الا أن يكون الغريم حاضرا مليا. وان قال ان لم يوفك فلان حقك حتى يموت فهو على فلا شئ على الوكيل حتى يموت الغريم يريد يموت عديما. وفى المدونة ولا بأس أن يتكفل بمال الى الغريم الى خروج العطاء وان كان مجهولا ان كان فى قرض أو فى تأخير بثمن بيع صحت عقدته وان كان فى أصل بيع لم يجز اذا كان العطاء مجهولا (١). وجاء فى التاج والاكليل نقلا عن المدونة: قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: من ادعى على رجل حقا فأنكره فقال له رجل أنا كفيل به الى غد فان لم آتك به غدا فأنا ضامن للمال الذى عليك وسمى عدده فان لم يأت به غدا فلا يلزم الحميل شئ حتى يثبت الحق ببينة فيكون حميلا بذلك وسواء أقر المدعى عليه الآن بهذا المال أو أنكر اذا كان اليوم معدما (٢). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أن الأصح أنه لا يجوز توقيت الكفالة كأنا كفيل بزيد الى شهر وبعده أنا برئ، والقول الثانى المقابل للأصح يجوز لأنه قد يكون له غرض فى تسليمه فى هذه المدة بخلاف المال فان المقصود منه الأداء فلهذا امتنع تأقيت الضمان قطعا كما يشعر به كلامه حيث أفردها ولا يجوز شرط الخيار للضامن أو الكفيل أو أجنبى لمنافاته مقصودها من غير حاجة اليه لأن الملتزم فيها على يقين من الغرر. ولو أقر بضمان أو كفالة بشرط خيار مفسد أو قال الضامن أو الكفيل لا حق على من ضمنت أو كفلت به أو قال الكفيل برئ المكفول صدق المستحق بيمينه ولو نجز الكفالة وشرط تأخير الاحضار شهرا كضمنت احضاره وأحضره بعد شهر جاز لأنه التزام بعمل فى الذمة فكان كعمل الاجارة يجوز حالا ومؤجلا ومن عبر بجواز تأجيل الكفالة أراد هذه الصورة وخرج بشهر مثلا نحو الحصاد فلا يصح التأجيل اليه ما لم يريدا وقته ويكون معلوما لهما، فلو أراده أحدهما دون الآخر أو أطلقا كان باطلا (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى منتهى الارادات أن الكفالة لا تصح

стр. 4496

الى أجل مجهول، لأن المكفول له ليس له وقت يستحق المطالبة فيه، فلو قال اذا قدم الحاج فأنا كفيل بزيد شهرا صح لجمعه تعليقا وتوقيتا، وكلاهما صحيح ويبرأ من كفل شهرا أو نحوه ان لم يطالبه مكفول له باحضاره فى الشهر ونحوه لأنه بمضيه لا يكون كفيلا وأما توقيت الضمان فالظاهر أنه لا يصح (١). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أن الكفالة تصح معلقة نحو ان يقول اذا جاء غد فقد كفلت لك بكذا فلا يصير كفيلا الا بعد مجئ الغد ولا يصح الرجوع قبل الغد لأن الشروط لا يصح الرجوع فيها بعد ثبوت الحق. وتصح مؤقتة فى كفيل الوجه وأما كفيل المال فلا يبرأ الا بتسليمه وفى الزهور لا فرق بين الكفالة بالوجه والمال. والكفالة المؤقتة نحو أن يقول ضمنت لك شهرا فيبرئ بتسليمه له مرة فى ذلك الشهر ولا يبرأ الا بخروج الوقت، ومتى خرج الشهر بطلت الكفالة (٢). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية ان الكفالة تصح حالة ومؤجلة، أما الثانى فموضع وفاق، وأما الأول فأصح القولين لأن الحضور حق شرعى لا ينافيه الحلول. وقيل لا تصح الا مؤجلة الى أجل معلوم لا يحتمل الزيادة والنقصان كغيره من الآجال المشترطة، ويبرأ الكفيل بتسليمه تسليما تاما بأن لا يكون هناك مانع مع تسلمه كمتغلب أو حبس ظالم وكونه فى مكان لا يتمكن من وضع يده عليه لقوة المكفول وضعف المكفول له وفى المكان المعين ان بيناه فى العقد وبلد العقد مع الاطلاق وعند الأجل أى بعده ان كانت مؤجلة أو فى الحلول متى شاء ان كانت حالة ونحو ذلك فاذا سلمه كذلك برئ فان امتنع سلمه الى الحاكم وبرئ أيضا (٣). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه يزول الحميل من الحمالة ان جعلها مؤجلة الى وقت معين عند حصول الوقت المعين مثل أن يقول ان بينت مقدار الحق الى وقت كذا أو فرضته أو جئت ببيان على أن لك عليه كذا فأنا حميل لك عنه فان ثبت ذلك قبل الوقت أعطاه والا فلا، ومثل أن يقول ان جئتنى قبل وقت كذا للقبض أعطيتك عنه فان لم يجئ الا بعد الوقت فلا ضمان عليه، ومثل أن يقول ان ذهب المحمول

стр. 4497

عنه قبل وقت كذا فأنا أعطيك عنه والا فلا، فان لم يذهب حتى كان الوقت فلا ضمان عليه، وأصل الحمالة أن تكون على الحلول بلا أجل وأن تكون بلا شرط وأن كانت بأجل أو شرط أولهما جازت (١). ولزمت الحميل ان قال للمحمول له ان لم يعطك فلان مالك الى أجل كذا فأنا حميل لك به أو أن جاء وقت كذا ولم يعطك فأنا حميل لك به ولم يعطه عند الأجل ولم يعطه قبله فان مضى الأجل ولم يعطه فله أن يستمسك بالحميل ليعطيه ولو قال له المحمول عنه أعطيك الآن أو اتبعنى الى موضع كذا أو انتظرنى أعطك، الا أن أحضر له فى حينه (٢) وفى اجازتها الى مجهول كحصد ونزول مطر مطلقا أو فى هذا البلد أو فى موضع كذا قولان، وكذا قوله الى قدوم مسافر - مطلق أو مقيد - ومجئ خريف أو صيف أو شتاء أو ربيع، لأن الحمالة الى خريف أو صيف أو شتاء أو ربيع صادق بوجهين. أحدهما الفصول بحساب العجم والآخر الخريف بمعنى ربيع الثمار وصيف القيظ وشتاء البرد وربيع الأزهار وهو أول الزمان وكلاهما فيه جهل فى كل ذلك قولان فى الحكم أحدهما ثبوت الحمالة، لأنها عهد معقود بين الناس كعقد البيع والعقد يجب الوفاء به سواء كان فيه الجهل أو العلم اذا لم يكن معصية ولأنها كتبرع ولا يجب أن يكون ما هو كذلك معلوما ألا ترى أنه يجوز الهبة التوليجية وهبة المنافع الى معلوم ومجهول، ولأن ذلك شئ ألزمه نفسه فالتزمناه، وقد قال جابر بن زيد من ألزم شيئا لنفسه ألزمناه له ولقول رسول الله ﷺ المؤمنون على شروطهم الا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا وهذا كالشرط بل أقوى. والقول الثانى المنع لأن نصب الحكومة فى ذلك ينافيه كونه مجهول الأجل ان أريد نصبها فيه قبل الوقت لعارض داع ولأنه لو نصب بعد الوقت فيه فكان معلوما لكن علمه عارض لم يكن العقد عليه فلا يؤثر العلم فيه بعد أن كان مجهولا الا بتجديد كمن اشترى مجهولا أو الى مجهول ثم علم لا يلزمه بعلمه (٣). ثانيا: حكم اضافة الكفالة الى مضمون على الأصيل مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن المكفول به أن كان مضمونا على الأصيل فهو اما أن يكون عينا، أو دينا، أو نفسا، أو فعلا ليس بدين ولا عين ولا نفس.

стр. 4498

فان كان عينا فلا يخلو من أن يكون عينا هى أمانة، أو عينا هى مضمونة. أما العين التى هى أمانة فلا تصح الكفالة بها سواء كانت أمانة غير واجبة التسليم كالودائع ومال الشركات والمضاربات أو كانت أمانة واجبة التسليم كالعارية والمستأجر فى يد الأجير، لأنه أضاف الكفالة الى عينها وعينها ليست بمضمونة ولو كفل بتسليم المستعار والمستأجر عن المستعير والمستأجر جاز، لأنهما مضمونا التسليم عليهما فالكفالة أضيفت الى مضمون على الأصيل وهو فعل التسليم فصحت. وأما العين المضمونة فنوعان مضمون بنفسه كالمغصوب والمقبوض بالبيع الفاسد والمقبوض على سوم الشراء ومضمون بغيره كالمبيع قبل القبض والرهن فتصح الكفالة بالنوع الأول لأنه كفالة بمضمون بنفسه ألا ترى أنه يجب رد عينه حال قيامه ورد مثله أو قيمته حال هلاكه فيصير مضمونا على الكفيل على هذا الوجه أيضا، ولا تصح بالنوع الثانى، لأن المبيع قبل القبض مضمون الثمن لا بنفسه ألا ترى أنه اذا هلك فى يد البائع لا يجب عليه شئ ولكن يسقط الثمن عن المشترى وكذا الرهن غير مضمون بنفسه بل بالدين ألا يرى أنه اذا هلك لا يجب على المرتهن شئ ولكن يسقط الدين عن الراهن بقدره (١). وأما الدين فتصح الكفالة به بلا خلاف، لأنه مضمون على الأصيل مقدور الاستيفاء من الكفيل (٢). وأما الفعل فهو فعل التسليم فى الجملة فتجوز الكفالة بتسليم المبيع والرهن، لأن المبيع مضمون التسليم على البائع والرهن مضمون التسليم على المرتهن فى الجملة بعد قضاء الدين فكان المكفول به مضمونا على الأصيل وهو فعل التسليم فصحت الكفالة به، لكنه اذا هلك لا شئ على الكفيل لأنه لم يبق مضمونا على الأصيل فلا يبقى على الكفيل ولو استأجر دابة للحمل فكفل رجل بالحمل، فان كانت الدابة بعينها لم تجز الكفالة بالحمل، وان كانت بغير عينها جازت، لأن فى الوجه الأول الواجب على الآجر فعل تسليم الدابة دون الحمل، فلم تكن الكفالة بالحمل كفالة بمضمون على الأصيل فلم تجز وفى الوجه الثانى الواجب عليه فعل الحمل دون تسليم الدابة فكانت الكفالة بالحمل كفالة بفعل هو مضمون على الأصيل فجازت. وعلى هذا اذا كفل بنفس من عليه الحق جاز عند أصحابنا، لأن الكفالة بالنفس كفالة بالفعل وهو تسليم النفس وفعل التسليم مضمون على الأصيل فقد كفل بمضمون على الأصيل فجاز، وكذا اذا كفل برأسه أو بوجهه أو برقبته أو بروحه أو بنصفه.

стр. 4499

والأصل فيه أنه اذا أضاف الكفالة الى جزء جامع كالرأس والوجه والرقبة ونحوها جازت، لأن هذه الأجزاء يعبر بها عن جملة البدن فكان ذكرها ذكرا للبدن كما فى باب الطلاق والعتاق، وكذا اذا أضاف الى جزء شائع كالنصف والثلث ونحوهما جازت لأن حكم الكفالة بالنفس وجوب تسليم النفس بثبوت ولاية المطالبة والنفس فى حق وجوب التسليم لا تتجزأ، وذكر بعض ما لا يتجزأ شرعا، ذكر لكله كما فى الطلاق والعتاق، واذا أضافها الى اليد أو الرجل أو نحوهما من الأجزاء المعينة لا تجوز، لأن هذه الأعضاء لا يعبر بها عن جميع البدن وهى فى حكم الكفالة متجزئة فلا يكون ذكرها ذكرا لجميع البدن كما فى الطلاق والعتاق. ولو قال فى الكفالة بالنفس هو على جاز، لأن هذا صريح فى التزام تسليم النفس، وكذا اذا قال أنا ضامن لوجهه، لأن الوجه جزء جامع ولو قال أنا ضامن لمعرفته لا تصح لأن المعرفة لا تحتمل أن تكون مضمونة على الأصيل، ولو قال للمطالب أنا ضامن لك لم يصح لأن المضمون غير معلوم أصلا، هذا مذهب أصحابنا فى حكم الكفالة بالنفس والعين والفعل وذلك لقول الله : «وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ» (١) حيث أخبر جل شأنه عن الكفالة بالعين عن الأمم السالفة ولم يغير ولأن هذا حكم لم يعرف له مخالف من عصر الصحابة والتابعين الى زمن الشافعى رحمه الله تعالى فكان الانكار خروجا عن الاجماع، فكان باطلا، ولأن هذه الكفالة - كما ذكرنا - أضيفت الى مضمون على الأصيل مقدور الاستيفاء من الكفيل فتصح (٢). مذهب المالكية: جاء فى التاج والاكليل أن ابن يونس رحمه الله تعالى قال: القضاء أن كل ما يلزم الذمة فالكفالة به جائزة، وأما الحدود والأدب والتعازير فلا تجوز الكفالة فيه وقاله مالك رحمه الله تعالى، قال بكير ولا تجوز فى دم أو زنا أو سرقة أو شرب خمر ولا فى شئ من الحدود قال ابن يونس لأن فائدة الحمالة أن يحل الضامن محل المضمون فى تعذر أخذ الحق منه وهذا المعنى يتعذر فى الحدود ولأن استيفاءها من الضامن لا يجوز. وانظر قد وقع لأصبغ فى الفاسق المتعسف على الناسى يؤخذ فيتحمل رجل عنه بكل ما يجترم أن ذلك لازم الا فى القتل خاصة. قال ابن شاس رحمه الله تعالى من شروط المضمون أن يكون حقا ثابتا مستقرا أو مآله الى ذلك فلا تصح الحمالة بالكتابة اذ ليست بدين ثابت مستقر ولا تؤول الى ذلك لأن العبد ان عجز رق وانفسخت الكتابة.

стр. 4500

قال ابن شاس لا يصح ضمان الجعل فى الجعالة الا بعد العمل وتبعه ابن الحاجب. قال ابن عرفه رحمه الله تعالى ولا أعرف هذا لغيرهما، وفيه نظر. ومقتضى المذهب الجواز لقولها مع غيرها بصحة ضمان ما هو محتمل الثبوت استقبالا قيل ثمانية لا يجوز التحمل بها، الكتابة والصرف والقصاص والحدود والتعزير ومبيع بعينه وعمل أجير يعمل بنفسه وحمولة دابة بعينها واحدى عشرة مسئلة يجوز الحمل فيها، الحمالة والهبة والوصية والبراءة من المجهول والصلح والخلع والصداق والقراض والمساقاة والمغارسة والصدقة (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج: أنه يشترط فى المضمون أن يكون دينا ثابتا حال الضمان لأنه وثيقة فلا تتقدم ثبوت الحق كالشهادة فلا يكفى جريان سبب وجوبه كنفقة الغد للزوجة ويكفى فى ثبوته اعتراف الضامن به وان لم يثبت على المضمون شئ كما صرح به الرافعى بل الضمان متضمن لاعترافه بتوفر شرائطه كقبول الحوالة ذكر الغزالى أن يكون قابلا للتبرع به فخرج نحو قود وحق شفعة لفساده اذ يرد على طروه حق المقسوم لها للمظلومة يصح تبرعها به ولا يصح ضمانه لها وعلى عكسه دين الله تعالى كزكاة ودين مريض معسر أو ميت فانه يصح ضمانه ولا يصح التبرع به. وصحح القديم ضمان ما سيجب وان لم يجر سبب وجوبه كثمن ما سيبيعه اذ الحاجة قد تمس له ولا يجوز ضمان نفقة للقريب مستقبلة قطعا اذ سبيلها البر والصلة لا الديون. ولو قال أقرض هذا مائة وأنا ضامنها ففعل ضمنها على القديم أيضا. والمذهب صحة ضمان الدرك بفتح الراء وسكونها وهو التبعة أى المطالبة - ويسمى ضمان العهدة وان لم يكن ثابتا لمسيس الحاجة اليه فى نحو غريب لو خرج مبيعه أو ثمنه مستحقا لم يظفر به على أنه ليس من ضمان ما لم يجب مطلقا لأن المقابل لو خرج عما شرط تبين وجوب رد المضمون بعد قبض ما يضمن من الثمن فى التصوير الآتى والمبيع فيما يذكر بعد لأنه انما يدخل فى ضمان البائع حينئذ وقبل القبض وكذا معه كما هو ظاهر كلامهم لم يتحقق ذلك فخرج ما لو باع الحاكم عقار غائب للمدعى بدينه فلا يصح أن يضمن له دركه لعدم القبض ونحوه.

стр. 4501

وأفتى ابن الصلاح بأنه لو أجر المدين وقفا عليه بدينه وضمن ضامن دركه فبان بطلان الاجارة لم يلزم الضامن شئ من من الأجرة لبقاء الدين الذى هو أجرة بحاله فلم يفوت عليه شيئا (١). ويشترط كونه لازما ولو غير مستقر كمهر قبل دخول أو موت وثمن مبيع قبل قبض ودين سلم لا كنجوم كتابة اذ للمكاتب اسقاطها متى شاء فلا معنى للتوثق بها، ومثل ذلك جعل الجعالة قبل الفراغ والمراد باللازم ما لا يتسلط على فسخه من غير سبب ولو باعتبار وضعه، ومن ثم يصح ضمان الثمن للبائع فى مدة الخيار للمشترى وحده فى الأصح لأنه آيل للزوم فاحتيج فيه للتوثق. والقول الثانى المقابل للأصح ينظر الى أنه غير لازم الآن. وعلم من ذلك صحة ما أشار اليه الامام وهو أن تصحيح الضمان مفرع على أن الخيار لا يمنع نقل الملك فى الثمن للبائع أما اذا منعه فهو ضمان ما لم يجب، فلو كان الخيار لهما أو للبائع وحده لم يصح الضمان. وضمان الجعل كالرهن به فيصح بعد الفراغ للزومه لا قبله لجوازه مع كونه غير آيل للزوم بنفسه بل بالعمل وبه فارق الثمن فى زمن الخيار (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع: أنه لا يعتبر فى الضمان كون الحق واجبا اذا كان مآل الحق الى الوجوب فيصح ضمان ما لم يجب اذا آل الى الوجوب لقول الله : «وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ» (٣) فدلت الآية على ضمان حمل البعير مع أنه لم يكن وجب، لا يقال الضمان ضم ذمة الى ذمة فاذا لم يكن على المضمون عنه شئ فلا ضم، لأنه قد ضم ذمته الى ذمة المضمون عنه فى أنه يلزمه ما يلزمه ويثبت فى ذمته ما يثبت فلو قال ضمنت لك ما على فلان صح أو قال ما على فلان على أو عندى ونحوه كضمنت لك ما يقضى به عليه أو قال ضمنت لك ما تداينه به صح وهو من أمثلة ما يؤول الى الوجوب أو قال ضمنت لك ما يقر لك به فلان صح أو ما تقوم لك به البينة عليه أو ما يخرجه الحساب بينكما ونحوه كضمنت لك ما يقضى به عليه صح ذلك ومن ضمان ما يجب ضمان السوق وهو: أن يضمن ما يلزم التاجر من دين وما يقبضه من عين مضمونة له (٤)،

стр. 4502

واختار الشيخ صحة ضمان حارس ونحوه وتجار حرب ما يذهب من البلد أو التجر وان غايته ضمان ما لم يجب وضمان المجهول كضمان السوق وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون وهو جائز عند أكثر العلماء، ولا تصح الكفالة بدين السلم. وان قال انسان ما أعطيته فلانا فهو على ولا قرينة تدل على ارادة من أعطاه فى الماضى أو ما يعطيه فى المستقبل فهو لما وجب فى الماضى حملا للفظ على حقيقته اذ هى المتبادرة منه وللضامن ما لم يجب ابطال الضمان فيها يؤول للوجوب قبل وجوبه لعدم اشتغال ذمته (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه لا يجوز ضمان ما لم يجب بعد كمن قال لآخر: أنا أضمن لك ما تستقرضه من فلان أو قال له: اقترض من فلان دينارا وأنا أضمنه عنك أو قال له اقرض فلانا دينارا وأنا أضمنه لك، لأنه شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل، ولأن الضمان عقد واجب ولا يجوز الواجب فى غير واجب وهو التزام ما يلزم بعد وهذا محال وكل عقد لم يلزم حين التزامه فلا يجوز أن يلزم فى ثان وفى حين لم يلتزم فيه وقد لا يقرضه ما قال له وقد يموت القائل لذلك قبل أن يقرضه ما أمره باقراضه فصح بكل هذا أنه لا يلزم ذلك القول. فان قال له: أقرضنى كذا وكذا وأدفعه الى فلان أو زن عنى لفلان كذا وكذا أو أنفق عنى فى أمر كذا فما أنفقت فهو على أو ابتع لى أمر كذا فهذا جائز لازم، لأنها وكالة وكله بما أمره به (٢). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أن صحيح الكفالة أن تضمن بما قد ثبت فى ذمة معلومة نحو أن يقول أنا ضامن لك بالدين الذى قد ثبت فى ذمة زيد، ويدخل فى هذا القيد الضمانة بالوجه، لأنه قد ثبت فى ذمة المضمون عنه وجوب الحضور ووجوبه بمثابة الحق الثابت للمضمون له، وكذا الكفالة بالعين المضمونة، لأنها اذا كانت مضمونة فوجوب تحصيلها حق ثابت للمضمون له فى ذمة الضامن لها. واذا ثبت الحق فى ذمة معلومة وضمن به ضامن فانه لا يكون له رجوع عن الضمانة أو لم يكن قد ثبت فى ذمة معلومة لكن سيثبت فيها، وسواء كان ثبوته فى المستقبل بمعاملة أم بدعوى.

стр. 4503

فالأول نحو ما بعت من فلان أو ما أقرضته فأنا ضامن بذلك. والثانى نحو ما ثبت لك على فلان بدعواك فأنا ضامن لك به فان الضمانة تصح وتلزم اذا ثبت بالبينة لا بالنكول والاقرار ورد اليمين. وعند الناصر لا تصح الضمانة بما سيثبت، وحكاه فى شرح الابانة عن القاسمية واختاره فى الانتصار واذا ضمن بما سيثبت فى الذمة كان له الرجوع قبل ثبوته نحو أن يقول ما بعت من فلان فانا به ضامن فله أن يرجع عن الضمانة قبل البيع لا بعده وكذا فى سائر الصور الا قوله ما يثبت لك بدعواك على فلان فانه ليس له الرجوع عن الضمانة قبل قيام البينة لأن الحق ثابت من قبل الضمانة (١). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام أن الحق المضمون هو كل مال ثابت فى الذمة سواء كان مستقرا كالبيع بعد القبض وانقضاء الخيار أو معرضا للبطلان كالثمن فى مدة الخيار بعد قبض الثمن ولو كان له لم يصح ضمانه عن البائع وكذا ما ليس بلازم لكن يؤول الى اللزوم كمال الجعالة قبل فعل ما شرط وكمال السبق والرماية على تردد، وأما مال الكتابة فقيل لا يصح ضمانه لأنه ليس بلازم ولا يؤول الى اللزوم. ولو قيل بالجواز كان حسنا لتحققه فى ذمة العبد كما لو ضمن عنه مالا غير مال الكتابة ويصح ضمان النفقة الماضية والحاضرة للزوجة لاستقرارها فى ذمة الزوج دون المستقبلة وفى ضمان الأعيان المضمونة كالغصب والمقبوضة بالبيع الفاسد تردد. والأشبه الجواز ولو ضمن ما هو أمانة كالمضاربة والوديعة لم يصح لأنها ليست مضمونة فى الأصل (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن الحمالة تجوز فى الديون مطلقا عاجلة أو آجلة من قبل بيع أو غيره كأرش ودية وصداق وكل ما ثبت فى الذمة بحكم الشرع (٣). وتجوز فيما لو قال للمحمول له: كل ما أقر لك به فلان أو كل ما كان لك فى جانبه أو كل ما لزمه لك أو يلزمه لك فى هذا اليوم أو الجمعة أو الشهر أو السنة ونحو ذلك من المدد القصيرة أو الطويلة أو ما أثبته عليه أو ما أعطاك القاضى أو غيره وألزمك فى شأنه أو ما بعت له به أو ما أقرضت له أو ما أسلمت له فيه أو أنقدت أو ما تبيع له أو تقرض له بعد، أو فيما قال للمحمول له فى شأنه

стр. 4504

بع للمحمول عنه أو نحو ذلك مثل أن يقول أقرض له أو أسلم له أو انقد له فأنا حميله (١). ولا تجوز الحمالة للمغصوب منه أو المسروق منه على الغاصب أو السارق فى معين من المغصوبات والمسروقات لأن المعين لا تقبله الذمة ولأن الغصب والسرقة معصية فالحمالة عن الغاصب والسارق رفق بهما فى معصيتهما وتسهيل لأمر الغصب والسرقة الا أن تابا فيبقى أيضا أن المعين لا تقبله الذمة ولأن المغصوب موجود فلا يصح ضمان مثله أو قيمته اذا ضمن فلو تحمل للمغصوب أو المسروق منه بالقيمة أو المثل لجاز ولزم فى الحكم وبينه وبين الله سواء قدراهما أو أحدهما على الغاصب أو السارق أم لم يقدرا وكذا فى سائر التعديات قيل لا يشترط فى ضمان التعدية رضى المحمول عنه لأن لصاحب الحق أن يأخذ من ماله قهرا حيث لا يجعل الى نفسه سبيلا وقيل يشترط والا جبر على الأداء أو يأخذ صاحب الحق من ماله وهو الصحيح لأن الضمان عقد مع المضمون عنه فلا يصح بدون رضاه فكيف يعطى عنه ويدرك عليه بلا رضى منه. ولا تجوز فى مضمون من الأمانات بأن يضمنهن على معنى أن يعطيه اياهن أو بمثلهن أو قيمتهن ان تلفن وما ضمن وهو ما كان من الأمانات فى ضمان المؤتمن بأن فعل فيها فعلا تصير به فى ضمانه مثل أن يبيعها ثم يردها بعينها أو يهبها ثم يردها أو ينقلها من مكانها لا لمصلحتها أو أخذها على نية الأكل وأقر بنيته أو أقرضها أو أخرجها ثم رجعت اليه بنفسها، لأن المعين لا يدخل الذمة ولا يصح المثل أو القيمة اذا رجع الى ذلك، لأن المضمون باق فلو تلفت وحمل عنه أحد بمثلها أو قيمتها لجاز (٢). ولا تصح فى نفس أو جرح أو حد من حيث القصاص، لأنه لا يقوم أحد عن أحد فيما مرجعه البدن، لأن القصاص شرع زجرا وبه تبقى الحياة وصونا للأعراض والانساب والأموال كحد القذف والرجم والجلد وقطع السارق وعقوبة على الذنب فلا يوقع بمن ليس الذنب منه (٣). الاضافة فى الهبة أولا - حكم اضافة الهبة الى وقت مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن من شرائط الهبة أن لا تكون مضافة الى وقت بأن يقول وهبت هذا الشئ منك غدا أو رأس شهر كذا، لأن الهبة تمليك العين للحال وهو لا يحتمل الاضافة الى الوقت

стр. 4505

كالبيع (١)، فاذا اقترن ايجاب الهبة بالوقت بأن قال أعمرتك هذه الدار، أو صرح فقال: جعلت هذه الدار لك عمرى، أو قال: جعلتها لك عمرك، أو قال: هى لك عمرك، أو حياتك فاذا مت أنت فهى رد على، أو قال: جعلتها لك عمرى أو حياتى فاذا مت أنا فهى رد على ورثتى فهذا كله هبة وهى للعمر له فى حياته ولورثته بعد وفاته، والتوقيت باطل، والأصل فيه ما روى عن رسول الله صلى عليه وسلم: أنه قال: أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها فان من أعمر شيئا فانه لمن أعمره، وروى جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فانها للذى يعطاها لا يرجع الى الذى أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. وعن جابر قال قال رسول الله ﷺ من اعمر عمرى حياته فهى له ولعقبه يرثها من يرثه من بعده فدلت هذه النصوص على جواز الهبة وبطلان التوقيت، لأن قوله جعلت لك هذه الدار أو هى لك تمليك العين للحال مطلقا ثم قوله عمرى توقيت التمليك وهو تغيير لمقتضى العقد. وكذا تمليك الأعيان لا يحتمل التوقيت نصا كالبيع فكان التوقيت تصرفا مخالفا لمقتضى االعقد والشرع فبطل وبقى العقد صحيحا (٢). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل نقلا عن المدونة أن من قال قد أعمرتك هذه الدار حياتك أو قال هذه الدابة أو هذا العبد جاز ذلك وترجع بعد موته الى الذى أعمرها أو الى ورثته. ومن قال دارى هذه لك صدقة سكنى فانما له السكنى دون رقبتها، وان قال له قد أسكنتك هذه الدار وعقبك من بعدك، أو قال هذه الدار لك ولعقبك سكنى فانها ترجع اليه ملكا بعد انقراضهم فان مات فالى أولى الناس به يوم مات أو الى ورثتهم، لأنهم هم ورثته، واذا قال أعمرتك ولم يقل حياتك أو حياتى ولم يضرب لها أجلا فهى عمرى، وكذلك أسكنتك (٣). والعمرى ثلاثة مقيدة بأجل أو حياة المعمر ومطلقة ومعقبة. فان كانت مقيدة بأجل فقال أعمرتك هذه الدار سنة أو عشرا أو حياتى أو حياتك كانت على ما أعطى. وان أطلق ولم يقيد كان محمله على عمر المعطى حتى يقول عمرى أو حياتى.

стр. 4506

وان عقبها فقال أعمرتكها أنت وعقبك لم ترجع اليه الا أن ينقرض العقب. وقال اللخمى وان قال أذنت لك ان تسكن دارى أو تزرع أرضى أو تركب دابتى أو تلبس ثوبى كان عارية وتجرى على حكم العارية اذا ضرب لها اجلا أو لم يضرب (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج ان الهبة لا تكون مؤقته الا فى مسائل العمرى والرقبى، وذلك بان يقول أعمرتك هذه الدار أو هذا الحيوان مثلا أى جعلتها لك عمرك فاذا مت فهى لورثتك أو لعقبك، فالصيغة المذكورة هبة طول فيها العبارة فيعتبر فيها القبول وتلزم بالقبض وتكون لورثته ولا تختص بعقبه بل تشمل جميع الورثة كالأعمام والأخوة الغاء لظاهر لفظه عملا بالخبر الآتى ولا تعود للواهب بحال لخبر مسلم «أيما رجل أعمر عمرى فانها للذى أعطيها لا ترجع الى الذى أعطاها». وظاهر عبارة المصنف كغيره عدم الفرق فى هذه الألفاظ بين العالم بمعناها والجاهل به. واستشكله الاذرعى قال وفى الروضة فى الكتابة عن المروزى ان قريب الاسلام وجاهل الاحكام لا يصح تدبيره بلفظه حتى ينضم اليه نية أو زيادة لفظ والاقرب أخذا من قولهم فى الطلاق: لابد من قصد اللفظ لمعناه أنه لا بد من معرفة اللفظ ولم يوجد حتى يقصده، نعم من أتى بلفظ صريح وادعى جهله بمعناه لم يصدق الا أن دلت قرينة حاله على ذلك لعدم مخالطته لمن يعرف كما صرح به الأذرعى. ولو اقتصر على أعمرتك كذا ولم يتعرض لما بعد موته فكذا هو هبة فى الجديد لخبر الشيخين «العمرى ميراث لأهلها» وجعلها له مدة حياته لا ينافى انتقالها لورثته فان الاملاك كلها مقدرة بحياة المالك وكأنهم انما لم يأخذوا بقول جابر رضى الله تعالى عنه: «انما العمرى التى أجاز رسول الله ﷺ أن يقول هى لك ولعقبك، فاذا قال هى لك ما عشت فانها ترجع الى صاحبها، لأنه قال بحسب اجتهاده والقديم بطلانه كما لو قال أعمرتك سنة، ولو قال اعمرتك هذه أو جعلتها لك عمرك. وألحق به السبكى وهبتك هذه عمرك - فاذا مت عادت الى أو الى ورثتى ان كنت مت فكذا هو هبة فى الأصح الغاء للشرط الفاسد وان ظن لزومه لاطلاق الأخبار الصحيحة ولهذا عدلوا به عن قياس سائر الشروط الفاسدة اذ ليس لنا موضع يصح فيه العقد مع وجود الشرط المنافى لمقتضاه الا هذا. والقول الثانى المقابل للاصح: يبطل العقد لفساد الشرط، هذا اذا قال عمرك

стр. 4507

فان قال عمرى أو عمر زيد فيبطل لأنه تأقيت اذ قد يموت هذا أو الأجنبى أو لا. ولو قال أرقبتك (١) هذه أو جعلتها لك رقبى واقتصر على ذلك أو ضم اليه ما بعد أى التفسيرية فى قوله: اى ان مت قبلى عادت الى وان مت قبلك استقرت لك فالمذهب طرد القولين القديم والجديد. فعلى الجديد الاصح يصح ويلغو الشرط الفاسد فيشترط قبولها والقبض وذلك لخبر ابى داود والنسائى «لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أرقب شيئا أو أعمره فهو لورثته» أى لا ترقبوا ولا تعمروا طمعا فى أن يعود اليكم فان سبيله الميراث، ومقابل المذهب القطع بالبطلان (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع: أنه لا يصح توقيت الهبة كان يقول وهبتك هذا سنة أو شهرا فلا تصح، لأنها تمليك عين فلا توقت كالبيع الا العمرى والرقبى فيصحان، وهما نوعان من أنواع الهبة يفتقران الى ما تفتقر اليه سائر الهبات من الايجاب والقبول والقبض ويصح توقيتهما كقوله أعمرتك هذه الدار أو اعمرتك هذه الفرس أو اعمرتك هذه الجارية أو ارقبتكها أو جعلت الدار أو الغرس أو الجارية لك عمرك أو جعلتها لك عمرى أو جعلتها لك رقبى أو جعلتها لك ما بقيت أو أعطيتكما عمرك ويقبلها الموهوب له فتصح الهبة فى جميع ما تقدم، وتكون العين الموهوبة للمعمر بفتح الميم، وللمرقب بفتح القاف ولورثته من بعده ان كانوا كتصريحه بأن يقول هى لك ولعقبك من بعدك فان لم يكن للموهوب له ورثة فلبيت المال كسائر الأموال المخلفة لقول رسول الله ﷺ «أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فانه من أعمر عمرى فهى للذى أعمرها حيا وميتا ولعقبه» أخرجه مسلم، وفى المتفق عليه عن جابر قضى النبى ﷺ بالعمرى لمن وهبت له واللفظ للبخارى. وقوله ﷺ لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر عمرى فهى للذى أعمرها حيا وميتا وعقبه انما ورد على سبيل الاعلام لهم بنفوذها بدليل السياق ويؤيده الحديث الأول، ولو أريد به حقيقة النهى لم يمنع الصحة لأن الضرر فيها على فاعلها وما كان كذلك النهى عنه لا يقتضى فساده كالطلاق فى الحيض وان أضاف الهبة الى عمر غيره بأن قال وهبتك الدار ونحوها عمر زيد لم تصح الهبة لأنها مؤقتة وليست من العمرى ولا الرقبى (٣)،

стр. 4508

ولا ترجع العين الى المعمر - بكسر الميم ولا الى المرقب - بكسر القاف - لقوله ﷺ «لا ترقبوا ولا تعمروا فمن أرقب شيئا أو أعمره فهو لورثته» فهذا وغيره من الأحاديث نصوص تدل على ملك المعمر والمرقب مع بطلان شرط العود لأنه اذا ملك العين لم تنتقل عنه بالشرط، ولأنه شرط ينافى مقتضى العقد فصح وبطل الشرط (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن العمرى والرقبى هبة صحيحة تامة يملكها المعمر والمرقب كسائر ماله يبيعها ان شاء وتورث عنه ولا ترجع الى المعمر ولا الى ورثته سواء اشترط أن ترجع اليه أو لم يشترط وشرطه لذلك ليس بشئ. والعمرى هى أن يقول هذه الدار أو هذه الأرض أو هذا الشئ عمرى لك أو قد أعمرتك اياها أو هى لك عمرك أو قال حياتك أو قال رقبى لك أو قد أرقبتكها كل ذلك سواء (٢). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أن العمرى والرقبى داخلتان فى العارية والهبة فما دل عليهما دل عليهما، ويدل عليهما خصوصا قول رسول الله ﷺ : «لا تعمروا ولا ترقبوا، فمن أعمر أو أرقب كانت له ولعقبه بعده» ولا خلاف فى جواز العمرى بين جمهور الفقهاء وعن بعض المتقدمين أنها لا تجوز. وأما الرقبى فجائزة عندنا. واعلم أن العمرى والرقبى تقعان على وجهين. الأول: ايقاعها مؤبدة ومطلقة وهما فى هذا الوجه هبة تتبعها أحكامها اذا صدرت ممن يعرف وضعها وقيل لا يشترط أن يكون الناطق عالما أن ذلك موضوع لذلك، لأن ذلك صريح، فاذا قال الرجل للرجل أعمرتك دارى هذه أو ضيعتى أو جاريتى أو نخلتى أو دابتى أو أرقبتك ذلك أبدا أو مطلقا من غير تأبيد ولا تقييد كان ذلك هبة تتبعها أحكام الهبة فتفتقر الى القبول فى المجلس ويجوز الرجوع فيها. والوجه الثانى ايقاعها مقيدة نحو أن يقول أعمرتك جاريتى مدة عمرك أو عمرى أو سنة أو سنتين أو نحو ذلك فهذه عارية تتبعها أحكام العارية، فعلى هذا لا يجوز للمعمر أن يطأها

стр. 4509

فان أنكحها المالك فالمهر له لا للمعمر (١). مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف أن العمرى عندنا جائزة، ومعناها اذا قال الرجل لغيره أعمرتك هذه الدار مدة حياتك أو مدة حياتى أو أسكنتك أو جعلت لك هذه الدار فى حياتك فان هذه الألفاظ اذا أتى بواحدة منها وأقبضه فقد لزم العمرى لاجماع الفرقة وأخبارهم فقد روى أبو هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: «العمرى جائزة» وروى جابر أن النبى ﷺ قال «من أعمر عمرى فهى له ولعقبه يرثها من يرثه من عقبه» (٢)، فاذا قال أعمرتك ولعقبك فان هذه عمرى صحيحة ويملك المعمر له المنفعة دون الرقبة، فان قال أعمرتك فاذا مات هو عاد اليه، وان قال ولعقبك فاذا مات عقبه عاد اليه لاجماع الفرقة وأخبارهم (٣). واذا قال أعمرتك وأطلق لم تصح العمرى وكان باطلا، لأن هذه اللفظة مجملة يجوز أن يراد بها تمليك الرقبة، ويجوز أن يراد بها مدة حياته، واذا احتملت ولم يعلم المراد وجب بطلانها، لأن الأصل بقاء الملك (٤). واذا قال أعمرتك على أنك ان مت أنت رجع الى كان هذا صحيحا عندنا فاذا مات عاد اليه لاجماع الفرقة وأخبارهم. ولما روى عن جابر رضى الله تعالى عنه أنه قال: انما العمرى التى أجازها رسول الله ﷺ أن يقول هى لك ولعقبك، فأما اذا قال هى لك ما عشت فانها ترجع اليه ففسر جابر ما قال النبى ﷺ وتفسير الراوى للخبر أولى من تفسير غيره لأنه أعرف بمراد النبى ﷺ (٥). والرقبى جائزة وهى والعمرى سواء وانما تخالفها فى اللفظ فانه يقول أرقبتك هذه الدار مدة حياتك أو مدة حياتى لاجماع الفرقة وأخبارهم (٦).

стр. 4510

مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن أكثر أصحابنا وأكثر قومنا على أن من عمر - بالبناء للمفعول - شيئا فهو له مدة حياته وله بيعها ولوارثه من بعده، لما روى عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس من عمر شيئا فهو له ولورثته من بعده، وعن رسول الله ﷺ أيما رجل عمر عمرى له ولعقبه فانها للذى يعطاها أبدا. ومن يقول برجوعها للواهب حمل الحديث على ظاهره من التقييد بقول الواهب ولعقبك وحمل عليه اطلاق أحاديث اثباتها للأبد. فالجمهور كما علمت أن العمرى اذا وقعت كانت ملكا للآخذ ولا ترجع الى الأول الا أن صرح باشتراط ذلك. وزعمت جماعة أنها لا تصح. والجمهور على أنه يتوجه التمليك الى ذات الشئ كسائر الهبات. والأقل لا يجيز ذلك ولا يراه لوارثه الا أن قال هى لك ولعقبك أى من يخلفه من الأولاد. ولا يبيعها هو ولا أولاده من بعده على قول الجمهور مطلقا، وعلى هذا القول أيضا بل هى حبس، فان انقطعوا ففى بيت المال على أن العمرى تجرى مجرى الحبس وان لم يكن بيت المال فالفقراء (١). وان قال أوصيت لك بسكنى هذه الدار حتى أموت أو قال له أسكنها حتى أموت سكنها ذلك الموهوب له حتى يموت الواهب فترجع الى ورثة الواهب، وكذا ان قال له اسكنها حتى تموت بلا ذكر أوصيت لك فاذا مات الموهوب له رجعت للواهب أو لوارث الواهب، لأن المؤمنين على شروطهم. وقيل: هى لوارث الموهوب له من بعده لدخولها ملك الوارث بمجرد موت الموهوب له ولا يجد الواهب نزعها قبل موت الموهوب له. وان قال له اسكن هذه الدار حتى أموت ومات ذلك الذى هو مأذون له قبل موت صاحبها لم يجد وارثه سكنها حتى يموت صاحبها (٢). ثانيا: حكم اضافة الهبة الى المشاع مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن من شرائط

стр. 4511

الهبة أن يكون الموهوب محوزا، فلا تجوز هبة المشاع فيما يقسم وتجوز فيما لا يقسم كالعبد والحمام والدن ونحوها عندنا لاجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم فانه روى أن سيدنا أبا بكر رضى الله تعالى عنه قال فى مرض موته لسيدتنا عائشة رضى الله تعالى عنها ان أحب الناس الى غنى أنت وأعزهم على فقرا أنت، وانى كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالى بالعالية وانك لم تكونى قبضتيه ولا جزيتيه وانما هو اليوم مال الوارث، اعتبر سيدنا أبو بكر رضى الله تعالى عنه القبض والقيمة فى الهبة لثبوت الملك، لأن الحيازة فى اللغة جمع الشئ المفرق فى حيز وهذا معنى القسمة، لأن الانصباء الشائعة قبل القسمة كانت متفرقة والقسمة تجمع كل نصيب فى حيز، وروى عن سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه قال ما بال أحدكم ينحل ولده نحلا لا يحوزها ولا يقسمها ويقول ان مت فهو له وان مات رجعت الى، وايم الله لا ينحل أحدكم ولده نحلا لا يحوزها ولا يقسمها فيموت الا جعلتها ميراثا لورثته. والمراد من الحيازة القبض هنا لأنه ذكرها بمقابلة القسمة حتى لا يؤدى الى التكرار، أخرج الهبة من أن تكون موجبة للملك بدون القبض والقسمة. وروى عن سيدنا على رضى الله تعالى عنه أنه قال من وهب ثلث كذا أو ربع كذا لا يحوز ما لم يقاسم، وكل ذلك بمحضر من أصحاب رسول الله ﷺ ولم ينقل أنه أنكر عليهم منكر فيكون اجماعا، ولأن القبض شرط جواز هذا العقد والشيوع يمنع من القبض، لأن معنى القبض هو التمكن من التصرف فى المقبوض، والتصرف فى النصف الشائع وحده لا يتصور، فان سكنى نصف الدار شائعا ولبس نصف الثوب شائعا محال ولا يتمكن من التصرف فيه بالتصرف فى الكل، لأن العقد لم يتناول الكل. وهكذا نقول فى المشاع الذى لا يقسم ان معنى القبض هناك لم يوجد الا أن هناك ضرورة لأنه يحتاج الى هبة بعضه ولا حكم للهبة بدون القبض والشياع مانع من القبض الممكن للتصرف ولا سبيل الى ازالة المانع بالقسمة لعدم احتمال القسمة فمست الضرورة الى الجواز واقامة صورة التخلية مقام القبض الممكن من التصرف ولا ضرورة هنا لأن المحل محتمل للقسمة فيمكن ازالة المانع من القبض الممكن بالقسمة (١). ولو قسم ما وهب وأفرزه ثم سلمه الى الموهوب له جاز لأن هبة المشاع عندنا منعقد موقوف نفاذه على القسمة والقبض بعد القسمة هو الصحيح اذ الشيوع لا يمنع ركن العقد ولا حكمه

стр. 4512

وهو الملك ولا سائر الشرائط الا القبض الممكن من التصرف فاذا قسم وقبض فقد زال المانع من النفاذ فينفذ (١). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل نقلا عن ابن عرفة أن حوز الأب لصغار ولده ما يعرف بعينه صحيح، قال ابن رشد اتفاقا. قال الباجى وأما ما لا يتعين كالدنانير والدراهم فانها ان بقيت بيد الأب غير مختوم عليها لم يتصرف فيها لابنه الصغير، فقال ابن القاسم: انه ان مات الأب وهى على ذلك فالعطية باطلة وكذلك لو تصدق عليه بعشرة دنانير من دنانير معينة فقال مالك لا يجوز وان طبع عليها حتى يدفعها الى غيره ويخرجها عن ملكه وذلك أنها غير معروفة العين ولا متعينة بالاشارة اليها، ولا يصح أن تعرف بعينها اذا أفردت من غيرها، ولم يختلف أصحابنا فى ذلك اذا وهبه عشرة دنانير من دنانيره، وأما اذا ختم عليها أو أمسكها عنده. وقد روى عن مالك أنها تبطل، زاد ابن المواز وان ختم عليها الشهود والأب، وبه أخذ ابن القاسم والمصريون، ووجهه أنها ما لا يتعين بالعقد فلا يصح فيها حيازة مع بقائها بيد المعطى كالتى لم يختم عليها. وفى الموازية قال مالك من تصدق على ولده بمائتى دينار وحازها غيره ثم تسلفها ثم مات فذلك باطل بخلاف ما لو وهبه دينارا ثم قبضه أو وهبه عبدا ثم باعه وهو بيده هذا نافذ. قال المتيطى: شرط صدقة الأب على صغار بنيه بدار سكناه اخلاؤها من نفسه وأهله وثقله ومعاينتها البينة فارغة من ذلك ويكريها لهم. وقال فى المدونة من حبس على صغار ولده دارا أو وهبها لهم أو تصدق بها عليهم فحوزه لهم حوز الا أن يسكنها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها وان سكن من الدار الكبيرة ذات المساكن أقلها وأكرى لهم باقيها نفذ لهم ذلك فيما سكن وفيما لم يسكن ولو سكن الجل وأكرى لهم الأقل بطل الجميع. وقال فى النكت أحفظ عن بعض شيوخنا اذا سكن أبو الاصاغر شيئا أنه على ثلاثة أوجه. ان سكن أكثر من النصف بطل الجميع. ولو سكن أقل من النصف صح لهم ما سكن وما لم يسكن. واذا سكن القليل وأبقى الكثير خاليا لم يجز لهم ذلك حتى يكريها للأصاغر، لأن تركه لكرائه منع له فكأنه ابقاه لنفسه فذلك كانتقاله اياه لسكناه، قال عياض وهذا صحيح من النظر ظاهر من لفظ الكتاب.

стр. 4513

وفى سماع أصبغ: من تصدق على أبنه الصغير بنصف داره أو بنصف غنمه وترك بقية ذلك ملكا لنفسه شريكا له به جاز وهو حوز له. قال ابن سهل فى هذا السماع جواز هبة المشاع وان بقى للواهب سائر الموهوب منه. قال المتيطى: جرى العمل بجواز الصدقة بجزء مشاع مع المتصدق، قال ويكتب فى ذلك تصدق على ابنه المالك أمره وتولى الابن المذكور قبض الصدقة من أبيه ونزل فيها مع أبيه على الاشاعة منزلة أبيه، وعزا جواز هبة المشاع اذا عمر مع المتصدق الى مالك وابن القاسم. وقال ابن رشد اذا وهب الرجل جزءا من جميع ماله على الاشاعة لمحجوره جاز حاشا ما سكن من الدار أو لبس من الثياب الا الطعام وما لا يعرف بعينه حتى يخرجه من يده. قال ابن زرب ان كان ما لا يعرف بعينه تبعا لما جاز فالجميع نافذ، ولا يصح هذا عندى، لأنها أنواع ولا يجعل الأقل تبعا للأكثر الا فى النوع الواحد (١). مذهب الشافعية: جاء فى المهذب: أن ما جاز هبته جاز هبة جزء منه مشاع لما روى عن عمر ابن سلمة الضمرى رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة حتى أتى الروحاء فاذا حمار عقير فقيل يا رسول الله هذا حمار عقير فقال دعوه فانه سيطلبه صاحبه فجاء رجل من فهر فقال يا رسول الله انى أصبت هذا فشأنكم به فأمر النبى ﷺ أبا بكر بقسم لحمه بين الرفاق، ولأن القصد منه التمليك والمشاع كالمقسوم فى ذلك (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه تصح هبة المشاع من شريكه ومن غيره، منقولا كان كجزء من نحو فرس أو غيره كجزء من عقار ينقسم كالثوب أو لا ينقسم كالعبد، لما فى الصحيح أن وفد هوازن لما جاءوا يطلبون من رسول الله ﷺ أن يرد عليهم ما غنم منهم فقال رسول الله ﷺ ما كان لى ولبنى المطلب فهو لكم. وان وهب أرضا أو تصدق بأرض أو وقف أرضا أو وصى بأرض أو باعها يعنى فى كل

стр. 4514

ذلك بجزء منها احتاج أن يحدها كلها بأن يقول كذا سهما من كذا سهما، لقوله فى رواية صالح: وسأله عن رجل بينه وبين قوم بيت مشاع غير مقسوم فتصدق أحدهم على بعضهم بحصته مشاعا غير مقسوم هل يجوز ذلك؟ قال: اذا كان سهم من كذا وكذا سهما فهو جائز، فان قال ثلثها أو نحو ذلك صح. قال فى رواية أبى داود: وسئل عمن يهب لرجل ربع داره قال هو جائز. وأيضا قيل له وهبت منك نصيبى من الدار، قال ان كان يعلم كم نصيبه فهو جائز. ويعتبر لقبض المشاع ان كان منقولا اذن الشريك لأنه لا يمكن قبضه الا بقبض نصيب شريكه وهذا بالنسبة لجواز القبض لا لزوم الهبة فتلزم به وان لم يأذن شريكه (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن هبة جزء مسمى منسوب من الجميع كثلث أو ربع أو نحو ذلك من المشاع والصدقة به جائزة حسنة، للشريك ولغير الشريك. وللغنى والفقير فيما ينقسم وفيما لا ينقسم كالحيوان وغيره ولا فرق، لأن الله تعالى قد حض على الصدقة وفعل الخير والفضل وكانت الهبة فعل خير، وقد علم الله أن فى أموال المحضوضين على الهبة والصدقة مشاعا وغير مشاع فلو كان تعالى لم يبح لهم الصدقة والهبة فى المشاع لبينه لهم ولما كتمه عنهم (٢). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: أنه تصح هبة المشاع كبيعه لقول رسول الله ﷺ وقد اشترى سراويل «زن وأرجح» فوهب الرجحان، وهو مشاع وليس بزيادة فى الثمن اذ شرطها التبيين والا فهبة، وقد وهب رجل حمارا وحشيا للرسول ﷺ وقد كان عقره (٣). مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف أن هبة المشاع جائزة سواء كان ذلك مما يمكن قسمته أو لا يمكن لعموم الاخبار الواردة فى جواز الهبة، ولأن الأصل جوازه

стр. 4515

والمنع يحتاج الى دليل وروى أن النبى ﷺ اشترى سراويل بأربعة دراهم وقال للوازن زن وأرجح. قوله ﷺ «وأرجح» هبة وهو مشاع فدل على صحة هبة المشاع، وعن النبى ﷺ أنه قال يوم خيبر: مالى مما أفاء الله عليكم الا الخمس والخمس مردود فيكم فردوا الخيط والمخيط فان الغلول يكون على أهله عارا يوم القيامة ونارا وشنارا فقام رجل فى يده كبة من شعر فقال أخذت هذه لأصلح برذعة بعيرى فقال أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لك فقال أما اذا بلغت ما أرى فلا أرب لى فيها ونبذها، وكانت حصة النبى ﷺ فى الكبة مشاعا فدل هذا على جواز هبة المشاع (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أن الهبة لا تصح فى مال شركة ذى شياع جهلت فيه الأنصباء عند من يشترط القبول والقبض فى الهبة لعدم القبض حينئذ أما عند من لم يشترط القبول والقبض أو من اشترط القبول فقط فتصح (٢). وتصح لشريك فى مشترك مثل أن يشترك اثنان فى أصل أو عروض فيهب أحدهما سهمه للآخر ان لم يشترك ثالث معهما فصاعدا، والا لم تصح لبقاء شريك آخر أو شركاء لم تتميز سهامهم لشياعها ولو تميزت بالتسمية فلا قبض حينئذ (٣). وان وهب واهب ما يقسم كدار أو متاع مثل ثوب اذا كان قسمه لا يفسده لاثنين أو أكثر فقبضاه فى قول شرط القبض وهو بالتخلية أو بقبض بعض واجازة آخر منه جازت هبته وان لم يكن مقسوما حين وهبه لهما. ولا سيما لو وهبه بعد قسمه بالفصل أو بأن يقول من كذا الى كذا لفلان وذلك قول الربيع وقيل لا يجوز حتى يقسمه لهما وهو قول ابن عبد العزيز وفى الأثر وهو المختار واختار الشيخ جوازها قال ابن بركة من وهب ماله فى غير ما تمكن فيه القسمة لبعض شركائه جاز اتفاقا، وفى غيره قولان، والمختار الجواز (٤). ثالثا: حكم أضافة الهبة الى ما فى الذمة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن من شروط

стр. 4516

صحة الهبة أن يكون الموهوب مملوكا للواهب فلا تجوز هبة مال الغير بغير اذنه لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك وسواء كان المملوك عينا أو دينا فتجوز هبة الدين لمن عليه الدين قياسا واستحسانا. وأما هبة الدين لغير من عليه الدين فجائز أيضا اذا أذن له بالقبض وقبضه استحسانا. والقياس أن لا يجوز وان أذن له بالقبض. وجه القياس أن القبض شرط جواز الهبة وما فى الذمة لا يحتمل القبض بخلاف ما اذا وهب لمن عليه لأن الدين فى ذمته وذمته فى قبضه فكان الدين فى قبضه بواسطة قبض الذمة. ووجه الاستحسان أن ما فى الذمة مقدور التسليم والقبض ألا ترى أن المدين يجبر على تسليمه الا أن قبضه بقبض العين فاذا قبض العين قام قبضها مقام قبض عين ما فى الذمة الا أنه لا بد من الاذن بالقبض صريحا ولا يكتفى فيه بالقبض بحضرة الواهب بخلاف عين الهبة (١). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل نقلا عن المدونة أن من وهبك دينا له عليك فقولك قد قبلت قبض، واذا قبلت سقط، وان قلت لا أقبل بقى الدين بحاله. قال أبو الحسن وان سكت فقولان. وقال فى الشامل: وان وهب الدين لمن هو عليه والوديعة لمن هى تحت يده فقبل مضى وان لم يقل قبلت حتى مات الواهب بطلت الهبة على الأصح كأن قال لا أقبل. وقال البرزلى وسئل أبو محمد عمن كان عليه دين فتركه صاحبه له ولم يقل الذى عليه قبلت الا أنه سمعه ثم قام صاحب الدين يطلبه وقال اذا لم يقل قبلت فليس له شئ، فأجاب اذا قال المطلوب انما سكت قبولا لذلك فالقول قوله (٢). وجاء فى التاج والاكليل: ولو كان دينه على غيرك فوهبه لك فان أشهد بذلك وجمع بينك وبين غريمه ودفع اليك ذكر الحق ان كان عنده فهو قبض وان لم يكن كتب عليك ذكر الحق واشهد لك وأحالك عليه كان ذلك قبضا وكذلك ان أحالك به عليه فى غيبته

стр. 4517

وأشهد لك وقبضت ذكر الحق كان ذلك قبضا لأن الدين هكذا يقبض ليس هو شيئا بعينه (١). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج أن هبة الدين المستقر للمدين أو التصدق به عليه ابراء فلا يحتاج الى قبول نظرا للمعنى، وهذا صريح فيه خلافا لما فى الذخائر من أنه كناية، نعم ترك الدين للمدين كناية ابراء وهبة لغير المدين باطلة فى الأصح، لأنه غير مقدور على تسليمه لأن ما يقبض من المدين عين لا دين وظاهر كلام جماعة واعتمده الوالد رحمه الله تعالى بطلان ذلك وان قلنا بصحة بيعه لغير من هو عليه بشروطه ويفرق بين صحة بيعه وعدم صحة هبته بأن بيع ما فى الذمة التزام لتحصيل المبيع فى مقابلة الثمن الذى استحقه والالتزام فيها صحيح بخلاف هبته فانها لا تتضمن الالتزام اذ لا مقابل فيها فكانت بالوعد أشبه فلم يصح وبتأمل هذا يندفع ما فى شرح المنهج والاسعاد وغيرهما من تخريج هذا على ذاك والحكم بصحة هبته بالأولى ان قلنا بصحة بيعه، ولو تبرع موقوف عليه بحصته من الأجرة لآخر لم يصح لأنها قبل قبضها اما غير مملوكة أو مجهولة فان قبض هو أو وكيله منها شيئا قبل التبرع وعرف حصته منها ورآه هو أو وكيله وأذن له فى قبضه وقبضه صح والا فلا، ولا يصح اذنه لجابى الوقف أنه اذا قبضه يعطيه للمتبرع عليه لأنه توكيل قبل الملك فى مجهول (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه لو وهب غريم دينه لغريمه صح وكذا لو أحله منه أو أسقطه عنه أو تركه له أو ملكه له أو تصدق به عليه أو عفا عنه صح وبرئت ذمته وكذا لو قال أعطيتكه ونحوه ويكون ذلك ابراء واسقاطا ولفظ الهبة والصدقة والعطية ينصرف الى معنى الابراء لأنه عين موجودة يتناولها اللفظ، قال الحارثى ولهذا لو وهبه دينه هبة حقيقية لم يصح لانتفاء معنى الاسقاط وانتفاء شرط الهبة ومن هنا امتنع هبته لغير من هو عليه وامتنع اجزاؤه عن الزكاة لانتفاء حقيقة الملك ويصح الابراء من الدين بالألفاظ السابقة ولو كان الدين المبرأ منه مجهولا لرب الدين والمدين أو كان مجهولا لأحدهما وسواء جهلا قدره أو جهلا وصفه أو جهلا القدر والوصف معا.

стр. 4518

ويصح الابراء من الدين ولو لم يقبله المدين لأنه اسقاط حق فلا يتوقف على قبول كاسقاط القصاص والشفعة، ويصح الابراء من الدين ولو رده المدين لأنه لو ارتد بالرد للزم وجوب الاستيفاء أو ابقاء الحق وهو ممتنع وان أبرأه ونحوه بأن وهبه أو تصدق به عليه أو تركه له بعتقد أنه لا شئ له عليه كقوله أبرأتك من مائة يعتقد عدمها ثم تبين أنه كان له عليه صحت البراءة لمصادفتها الحق (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن من كان له عند آخر حق فى الذمة دراهم أو دنانير أو غير ذلك أو أى شئ كان فقال له: قد وهبت لك مالى عندك أو قال قد أعطيتك مالى عندك أو قال لآخر قد وهبت لك مالى عند فلان أو قال أعطيتك مالى عند فلان فلا يلزم شئ من ذلك لأنه لا يدرى ذلك الحق الذى له عند فلان فى أى جوانب الدنيا هو ولعله فى ملك غير الآن. وانما يجوز هذا بلفظ الابراء أو العفو أو الاسقاط أو الوضع ويجوز أيضا بلفظ الصدقة للحديث الذى رويناه عن طريق مسلم باسناده عن أبى سعيد الخدرى قال أصيب رجل فى عهد رسول الله ﷺ فى ثمار أبتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ : تصدقوا عليه فهذا عموم للغرماء وغيرهم (٢). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: أنه تصح هبة الدين لمن هو عليه اجماعا اذ صدرت من أهلها وصادفت محلها كالعين، ولا تفتقر هنا الى قبول اذ هى اسقاط كالابراء. وقال المؤيد بالله: بل تفتقر الى قبول اذ هى تمليك. قلنا التمليك انما يتعلق بالعين ولا معنى لتمليك ما فى الذمة الا الابراء ومن ثم لم يصح الرجوع. وتصح هبة الدين لغير من هو عليه اذ القبض غير شرط ومن اشترطه منع من صحة ذلك لتعذره. قال الامام يحيى والابراء من الدين لا يفتقر الى القبول اجماعا كالابراء من الشفعة. قال القاسمية لكن يبطل بالرد لتضمنه معنى التمليك كهبة العين. وقال الامام يحيى لا يبطل كالابراء من الشفعة والعيب.

стр. 4519

وتصح هبة العين ممن هى فى يده بغصب أو غيره ولا تفتقر المضمونة الى الاذن بالقبض عند من اعتبره الا فى الغصب، اذ هى يد عدوان، فان وهب المرهونة أو المستأجرة من غيرهما كانت موقوفة (١). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام أنه لو وهب انسان ما فى الذمة، فان كانت الهبة لغير من عليه الحق لم يصح على الأشبه، لأن الهبة مشروطة بالقبض، وان كانت الهبة لمن عليه الحق صح، فتصرف الى الابراء، ولا يشترط فى الابراء القبول على الأصح. ولو وهب ما هو فى يد الموهوب له صح ولم يفتقر الى اذن الواهب فى القبض ولا أن يمضى زمان يمكن فيه القبض وربما صار الى ذلك بعض الأصحاب (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن الهبة لا تصح فيما فى الذمة من دين أو قرض أو غيرهما عند من يشترط القبول والقبض فى الهبة، وتصح عند من لم يشترطهما ومن يشترط القبول فقط. وذكر أبو زكرياء فى الأحكام ما يدل على أنه يصح هبة ما فى الذمة (٣). قال صاحب النيل: وتصح هبة دين لغريم لوجود القبض فيها، وكذا كل ما بذمة يوهب لمن هو فى ذمته وتصح عند من لم يشترط القبول والقبض بالأولى (٤). وقيل تصح هبة الدين لغير من هو فى ذمته ولو لم يحل. وقيل لا تصح الا ان أقر به من هو له وضمن به للموهوب له. قال أبو سعيد والأكثر على منع هبة الآجل وثبتت فى العاجل اذا أحرزه، واحرازه قيل اقرار من هو عليه به. وقيل ضمانه. وقيل قبضه. وان أقر له به اقرارا ثبت اذا صح الحق، ولو غاب من لزمه أو كان آجلا. وقيل لا تثبت فى الآجل (٥).

стр. 4520

رابعا: حكم اضافة الهبة الى مجهول أو غير موجود مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع: أنه يشترط فى الموهوب أن يكون موجودا وقت الهبة فلا تجوز هبة ما ليس بموجود وقت العقد بأن وهب ما يثمر نخله العام وما تلد أغنامه السنة ونحو ذلك بخلاف الوصية. والفرق أن الهبة تمليك للحال وتمليك المعدوم محال، والوصية تمليك مضاف الى ما بعد الموت والاضافة لا تمنع جوازها. وكذلك لو وهب ما فى بطن هذه الجارية أو ما فى بطن هذه الشاة أو ما فى ضرعها لا يجوز وان سلطه على القبض عند الولادة والحلب، لأنه لا وجه لتصحيحه للحال لاحتمال الوجود والعدم، لأن انتفاخ البطن قد يكون للحمل وقد يكون لداء فى البطن وغيره وكذا انتفاخ الضرع قد يكون باللبن وقد يكون بغيره فكان له خطر الوجود والعدم ولا سبيل لتصحيحه بالاضافة الى ما بعد زمان الحدوث لأن التمليك بالهبة مما لا يحتمل الاضافة الى الوقت فبطل ولهذا لا يجوز بيعه، بخلاف ما اذا وهب الدين من غير من عليه الدين وسلطه على القبض فانه يصح استحسانا، لأنه أمكن تصحيحه للحال لكون الموهوب موجودا مملوكا للحال مقدور القبض بطريقه. وكذلك لو وهب زبدا فى لبن أو دهنا فى سمسم أو دقيقا فى حنطة لا يجوز وان سلطه على قبضه عند حدوثه، لأنه معدوم للحال فلم يوجد محل حكم العقد للحال فلم ينعقد ولا سبيل الى الاضافة الى وقت الحدوث فبطل أصلا، بخلاف ما اذا وهب صوفا على ظهر الغنم وجزه وسلمه فانه يجوز، لأن الموهوب موجود مملوك للحال، الا أنه لم ينفذ للحال لمانع وهو كون الموهوب مشغولا بما ليس بموهوب، فاذا جزه فقد زال المانع لزوال الشغل فينفذ عند وجود القبض، كما لو وهب شقصا مشاعا ثم قسمه وسلمه (١). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل نقلا عن المدونة: أن الغرر فى الهبة لغير الثواب يجوز الا فى البيع. ومن وهب لرجل موروثه من فلان وهو لا يدرى كم هو سدس أو ربع، أو وهبه نصيبه من دار أو جدار وهو لا يدرى كم ذلك فذلك جائز، قال ابن الحكم: تجوز هبة المجهول ولو ظهر له أنها كثير بعد ذلك (٢).
следующие страницы →