صحة الهبة أن يكون الموهوب مملوكا للواهب فلا تجوز هبة مال الغير بغير اذنه لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك وسواء كان المملوك عينا أو دينا فتجوز هبة الدين لمن عليه الدين قياسا واستحسانا.
وأما هبة الدين لغير من عليه الدين فجائز أيضا اذا أذن له بالقبض وقبضه استحسانا.
والقياس أن لا يجوز وان أذن له بالقبض.
وجه القياس أن القبض شرط جواز الهبة وما فى الذمة لا يحتمل القبض بخلاف ما اذا وهب لمن عليه لأن الدين فى ذمته وذمته فى قبضه فكان الدين فى قبضه بواسطة قبض الذمة.
ووجه الاستحسان أن ما فى الذمة مقدور التسليم والقبض ألا ترى أن المدين يجبر على تسليمه الا أن قبضه بقبض العين فاذا قبض العين قام قبضها مقام قبض عين ما فى الذمة الا أنه لا بد من الاذن بالقبض صريحا ولا يكتفى فيه بالقبض بحضرة الواهب بخلاف عين الهبة (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل نقلا عن المدونة أن من وهبك دينا له عليك فقولك قد قبلت قبض، واذا قبلت سقط، وان قلت لا أقبل بقى الدين بحاله.
قال أبو الحسن وان سكت فقولان.
وقال فى الشامل: وان وهب الدين لمن هو عليه والوديعة لمن هى تحت يده فقبل مضى وان لم يقل قبلت حتى مات الواهب بطلت الهبة على الأصح كأن قال لا أقبل.
وقال البرزلى وسئل أبو محمد عمن كان عليه دين فتركه صاحبه له ولم يقل الذى عليه قبلت الا أنه سمعه ثم قام صاحب الدين يطلبه وقال اذا لم يقل قبلت فليس له شئ، فأجاب اذا قال المطلوب انما سكت قبولا لذلك فالقول قوله (٢).
وجاء فى التاج والاكليل: ولو كان دينه على غيرك فوهبه لك فان أشهد بذلك وجمع بينك وبين غريمه ودفع اليك ذكر الحق ان كان عنده فهو قبض وان لم يكن كتب عليك ذكر الحق واشهد لك وأحالك عليه كان ذلك قبضا وكذلك ان أحالك به عليه فى غيبته
стр. 4517
وأشهد لك وقبضت ذكر الحق كان ذلك قبضا لأن الدين هكذا يقبض ليس هو شيئا بعينه (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أن هبة الدين المستقر للمدين أو التصدق به عليه ابراء فلا يحتاج الى قبول نظرا للمعنى، وهذا صريح فيه خلافا لما فى الذخائر من أنه كناية، نعم ترك الدين للمدين كناية ابراء وهبة لغير المدين باطلة فى الأصح، لأنه غير مقدور على تسليمه لأن ما يقبض من المدين عين لا دين وظاهر كلام جماعة واعتمده الوالد رحمه الله تعالى بطلان ذلك وان قلنا بصحة بيعه لغير من هو عليه بشروطه ويفرق بين صحة بيعه وعدم صحة هبته بأن بيع ما فى الذمة التزام لتحصيل المبيع فى مقابلة الثمن الذى استحقه والالتزام فيها صحيح بخلاف هبته فانها لا تتضمن الالتزام اذ لا مقابل فيها فكانت بالوعد أشبه فلم يصح وبتأمل هذا يندفع ما فى شرح المنهج والاسعاد وغيرهما من تخريج هذا على ذاك والحكم بصحة هبته بالأولى ان قلنا بصحة بيعه، ولو تبرع موقوف عليه بحصته من الأجرة لآخر لم يصح لأنها قبل قبضها اما غير مملوكة أو مجهولة فان قبض هو أو وكيله منها شيئا قبل التبرع وعرف حصته منها ورآه هو أو وكيله وأذن له فى قبضه وقبضه صح والا فلا، ولا يصح اذنه لجابى الوقف أنه اذا قبضه يعطيه للمتبرع عليه لأنه توكيل قبل الملك فى مجهول (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه لو وهب غريم دينه لغريمه صح وكذا لو أحله منه أو أسقطه عنه أو تركه له أو ملكه له أو تصدق به عليه أو عفا عنه صح وبرئت ذمته وكذا لو قال أعطيتكه ونحوه ويكون ذلك ابراء واسقاطا ولفظ الهبة والصدقة والعطية ينصرف الى معنى الابراء لأنه عين موجودة يتناولها اللفظ، قال الحارثى ولهذا لو وهبه دينه هبة حقيقية لم يصح لانتفاء معنى الاسقاط وانتفاء شرط الهبة ومن هنا امتنع هبته لغير من هو عليه وامتنع اجزاؤه عن الزكاة لانتفاء حقيقة الملك ويصح الابراء من الدين بالألفاظ السابقة ولو كان الدين المبرأ منه مجهولا لرب الدين والمدين أو كان مجهولا لأحدهما وسواء جهلا قدره أو جهلا وصفه أو جهلا القدر والوصف معا.
стр. 4518
ويصح الابراء من الدين ولو لم يقبله المدين لأنه اسقاط حق فلا يتوقف على قبول كاسقاط القصاص والشفعة، ويصح الابراء من الدين ولو رده المدين لأنه لو ارتد بالرد للزم وجوب الاستيفاء أو ابقاء الحق وهو ممتنع وان أبرأه ونحوه بأن وهبه أو تصدق به عليه أو تركه له بعتقد أنه لا شئ له عليه كقوله أبرأتك من مائة يعتقد عدمها ثم تبين أنه كان له عليه صحت البراءة لمصادفتها الحق (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من كان له عند آخر حق فى الذمة دراهم أو دنانير أو غير ذلك أو أى شئ كان فقال له: قد وهبت لك مالى عندك أو قال قد أعطيتك مالى عندك أو قال لآخر قد وهبت لك مالى عند فلان أو قال أعطيتك مالى عند فلان فلا يلزم شئ من ذلك لأنه لا يدرى ذلك الحق الذى له عند فلان فى أى جوانب الدنيا هو ولعله فى ملك غير الآن. وانما يجوز هذا بلفظ الابراء أو العفو أو الاسقاط أو الوضع ويجوز أيضا بلفظ الصدقة للحديث الذى رويناه عن طريق مسلم باسناده عن أبى سعيد الخدرى قال أصيب رجل فى عهد رسول الله ﷺ فى ثمار أبتاعها فكثر دينه فقال رسول الله ﷺ : تصدقوا عليه فهذا عموم للغرماء وغيرهم (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار: أنه تصح هبة الدين لمن هو عليه اجماعا اذ صدرت من أهلها وصادفت محلها كالعين، ولا تفتقر هنا الى قبول اذ هى اسقاط كالابراء.
وقال المؤيد بالله: بل تفتقر الى قبول اذ هى تمليك.
قلنا التمليك انما يتعلق بالعين ولا معنى لتمليك ما فى الذمة الا الابراء ومن ثم لم يصح الرجوع.
وتصح هبة الدين لغير من هو عليه اذ القبض غير شرط ومن اشترطه منع من صحة ذلك لتعذره.
قال الامام يحيى والابراء من الدين لا يفتقر الى القبول اجماعا كالابراء من الشفعة.
قال القاسمية لكن يبطل بالرد لتضمنه معنى التمليك كهبة العين.
وقال الامام يحيى لا يبطل كالابراء من الشفعة والعيب.
стр. 4519
وتصح هبة العين ممن هى فى يده بغصب أو غيره ولا تفتقر المضمونة الى الاذن بالقبض عند من اعتبره الا فى الغصب، اذ هى يد عدوان، فان وهب المرهونة أو المستأجرة من غيرهما كانت موقوفة (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أنه لو وهب انسان ما فى الذمة، فان كانت الهبة لغير من عليه الحق لم يصح على الأشبه، لأن الهبة مشروطة بالقبض، وان كانت الهبة لمن عليه الحق صح، فتصرف الى الابراء، ولا يشترط فى الابراء القبول على الأصح.
ولو وهب ما هو فى يد الموهوب له صح ولم يفتقر الى اذن الواهب فى القبض ولا أن يمضى زمان يمكن فيه القبض وربما صار الى ذلك بعض الأصحاب (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن الهبة لا تصح فيما فى الذمة من دين أو قرض أو غيرهما عند من يشترط القبول والقبض فى الهبة، وتصح عند من لم يشترطهما ومن يشترط القبول فقط.
وذكر أبو زكرياء فى الأحكام ما يدل على أنه يصح هبة ما فى الذمة (٣).
قال صاحب النيل: وتصح هبة دين لغريم لوجود القبض فيها، وكذا كل ما بذمة يوهب لمن هو فى ذمته وتصح عند من لم يشترط القبول والقبض بالأولى (٤).
وقيل تصح هبة الدين لغير من هو فى ذمته ولو لم يحل.
وقيل لا تصح الا ان أقر به من هو له وضمن به للموهوب له.
قال أبو سعيد والأكثر على منع هبة الآجل وثبتت فى العاجل اذا أحرزه، واحرازه قيل اقرار من هو عليه به.
وقيل ضمانه.
وقيل قبضه.
وان أقر له به اقرارا ثبت اذا صح الحق، ولو غاب من لزمه أو كان آجلا.
وقيل لا تثبت فى الآجل (٥).
стр. 4520
رابعا: حكم اضافة الهبة
الى مجهول أو غير موجود
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أنه يشترط فى الموهوب أن يكون موجودا وقت الهبة فلا تجوز هبة ما ليس بموجود وقت العقد بأن وهب ما يثمر نخله العام وما تلد أغنامه السنة ونحو ذلك بخلاف الوصية.
والفرق أن الهبة تمليك للحال وتمليك المعدوم محال، والوصية تمليك مضاف الى ما بعد الموت والاضافة لا تمنع جوازها.
وكذلك لو وهب ما فى بطن هذه الجارية أو ما فى بطن هذه الشاة أو ما فى ضرعها لا يجوز وان سلطه على القبض عند الولادة والحلب، لأنه لا وجه لتصحيحه للحال لاحتمال الوجود والعدم، لأن انتفاخ البطن قد يكون للحمل وقد يكون لداء فى البطن وغيره وكذا انتفاخ الضرع قد يكون باللبن وقد يكون بغيره فكان له خطر الوجود والعدم ولا سبيل لتصحيحه بالاضافة الى ما بعد زمان الحدوث لأن التمليك بالهبة مما لا يحتمل الاضافة الى الوقت فبطل ولهذا لا يجوز بيعه، بخلاف ما اذا وهب الدين من غير من عليه الدين وسلطه على القبض فانه يصح استحسانا، لأنه أمكن تصحيحه للحال لكون الموهوب موجودا مملوكا للحال مقدور القبض بطريقه.
وكذلك لو وهب زبدا فى لبن أو دهنا فى سمسم أو دقيقا فى حنطة لا يجوز وان سلطه على قبضه عند حدوثه، لأنه معدوم للحال فلم يوجد محل حكم العقد للحال فلم ينعقد ولا سبيل الى الاضافة الى وقت الحدوث فبطل أصلا، بخلاف ما اذا وهب صوفا على ظهر الغنم وجزه وسلمه فانه يجوز، لأن الموهوب موجود مملوك للحال، الا أنه لم ينفذ للحال لمانع وهو كون الموهوب مشغولا بما ليس بموهوب، فاذا جزه فقد زال المانع لزوال الشغل فينفذ عند وجود القبض، كما لو وهب شقصا مشاعا ثم قسمه وسلمه (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل نقلا عن المدونة:
أن الغرر فى الهبة لغير الثواب يجوز الا فى البيع.
ومن وهب لرجل موروثه من فلان وهو لا يدرى كم هو سدس أو ربع، أو وهبه نصيبه من دار أو جدار وهو لا يدرى كم ذلك فذلك جائز، قال ابن الحكم:
تجوز هبة المجهول ولو ظهر له أنها كثير بعد ذلك (٢).
стр. 4521
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أن الثمر ونحوه قبل بدو صلاحه تصح هبته من غير شرط قطع ويحصل القبض فيه بالتخلية ويكلف المتهب قطعه حالا حيث طلبه الواهب وان لم يكن منتفعا به، ولا يجبر الواهب على ابقائه بالأجرة وهبة أرض مع بذر أو زرع لا يفرد بالبيع كالقمح فى سنبله صحيحة فى الأرض لانتفاء المبطل للبيع فيهما من الجهل بما يخصهما من الثمن عند التوزيع، فالقول بأن ذلك وارد على الضابط لجواز هبته دون بيعه مردود وما لا يجوز بيعه كمجهول ومغصوب لمن لا يقدر على انتزاعه وضال وآبق فلا يجوز هبته بجامع أن كلا منهما تمليك فى الحياة ولا ينافيه خبر «زن وأرجح لأن الرجحان المجهول وقع تابعا لمعلوم، على أن الأوجه كون المراد بأرجح تحقق الحق حذرا من التساهل فيه. ولا ينافيه كذلك قوله ﷺ للعباس رضى الله تعالى عنه فى المال الذى جاء من البحرين خذ منه. الحديث، لأن الظاهر أن ما ذكر فى المجهول انما هو بالمعنى الأخص بخلاف هديته وصدقته فيصحان فيما يظهر وأعطاء العباس الظاهر أنه صدقة لا هبة لكونه من جملة المستحقين الا فى مال وقف بين جمع للجهل بمستحقه، فيجوز الصلح بينهم على تساو أو تفاوت للضرورة.
وقال الامام ولا بد أن يجرى بينهم تواهب ولبعضهم اخراج نفسه من البين، لكن ان وهب لهم حصته جاز على ما قاله الامام أيضا.
ولو خلط متاعه بمتاع غيره فوهب احدهما نصيبه لصاحبه صح مع جهل قدره وصفته للضرورة (١).
ولو قال لغيره أنت فى حل مما تأخذ أو تعطى أو تأكل من مالى فله الأكل فقط لأنه اباحه وهى صحيحة بالمجهول بخلاف الأخذ والاعطاء، قاله العبادى قال وفى خذ من عنب كرمى ما شئت لا يزيد على عنقود، لأنه أقل ما يقع عليه الاسم وما استشكل به يرد بأن الاحتياط المبنى عليه حق الغير أوجب ذلك التقدير.
وأفتى القفال فى أبحت لك من ثمار بستانى ما شئت بأنه اباحه وظاهره أن له أخذ ما شاء وما قاله العبادى أحوط.
وفى الأنوار لو قال أبحت لك ما فى دارى أو ما فى كرمى من العنب فله أكله دون بيعه وحمله واطعامه لغيره وتقتصر الاباحة على الموجود عندها فى الدار أو الكرم، ولو قال أبحت لك جميع ما فى دارى أكلا واستعمالا ولم يعلم المبيح الجميع لم تحصل الاباحة (٢).
стр. 4522
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه لا تصح هبة مجهول لا يتعذر علمه كالحمل فى البطن واللبن فى الضرع والصوف على الظهر للجهالة وتعذر التسليم ومتى أذن رب شاة لانسان فى جز الصوف وحلب الشاة كان اباحة لصوفها ولبنها لا هبة وان وهب دهن سمسمه وهو الشيرج قبل عصره أو زيت زيتونه قبل عصره لم يصح كاللبن فى الضرع وأولى لكلفة الاعتصار، ولو قال خذ من هذا الكيس ما شئت كان له أخذ ما به جميعا، ولو قال خذ من هذه الدراهم ما شئت لم يملك أخذها كلها اذ الكيس ظرف فاذا أخذ المظروف حسن أن يقال أخذ من الكيس ما فيه ولا يحسن أن يقال أخذت من الدراهم كلها قاله ابن الصيرفى فى النوادر.
ولا تصح هبة المعدوم كالذى تحمل أمته أو شجرته لأن المعدوم ليس بشئ فلا يقبل العقد فان تعذر علم المجهول كزيت اختلط بزيت أو شيرج صحت هبته كصلح عنه للحاجة.
ولا تصح هبة ما لا يقدر على تسليمه كآبق وشارد وطير فى هواء وسمك فى ماء ومرهون لأن ذلك لا يتأهل للقبض والقبض من ماهية العقد فلا يقع العقد عليه (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا تجوز هبة الا فى موجود معلوم معروف القدر والصفات والقيمة والا فهى باطله مردودة وكذلك ما لم يخلق بعد كمن وهب ما تلد أمته أو شاته أو سائر حيوانه أو ما يحمل شجره العام وهكذا كل شئ، لأن المعدوم ليس شيئا والهبة والصدقة والعطية يقتضى كل ذلك موهوبا ومتصدقا فمن أعطى معدوما أو تصدق بمعدوم فلم يعط شيئا ولا وهب شيئا ولا تصدق بشئ واذ لم يفعل كل ما ذكرنا فلا يلزمه حكم وقد حرم الله تعالى على لسان رسول الله ﷺ أموال الناس الا بطيب أنفسهم ولا يجوز أن تطيب النفس على ما لا تعرف صفاته ولا ما هو ولا ما قدره ولا ما يساوى وقد تطيب نفس المرء غاية الطيب على بذل الشئ وبيعه ولو علم صفاته وقدره وما يساوى لم تطب نفسه به فهذا أكل مال بالباطل فهو حرام لا يحل. وكذلك من أعطى أو تصدق بدرهم من هذه الدراهم أو برطل من هذا الدقيق أو بصاع من هذا البر فهو كله باطل، لما ذكرنا لأنه لم يوقع صدقته ولا هبته على مكيل بعينه ولا موزون بعينه ولا معدود بعينه فلم يهب ولا تصدق أصلا وكذلك لا يجوز شئ من ذلك لمن لا يدرى ولا لمن لم يخلق (٢).
стр. 4523
واما اذا أعطى شيئا غير معين من جملة أو عدد كذلك أو ذرعا كذلك أو وزنا كذلك أو كيلا كذلك فهو باطل لا يجوز مثل أن يعطى درهما من هذه الدراهم أو دابة من هذه الدواب أو خمسة دنانير من هذه الدنانير أو رطلا من هذا الدقيق أو صاعا من هذا التمر أو ذراعا من هذا الثوب وهكذا فى كل شئ والصدقة بكل هذا والهبة والاصداق والبيع والرهن والاجارة باطل كل ذلك سواء فيما اختلفت أبعاضه أو لم لم تختلف لا لشريك ولا لغيره لا لغنى ولا لفقير لأنه لم يوقع الهبة ولا الصدقة ولا الاصداق ولا الرهن ولا الاجارة على شئ أبانه عن ملكه فلم يخرج شئ من تلك الجملة عن ملكه ولا أوقع فيه حكما فلا شئ فى ذلك وهذا هو أكل المال بالباطل (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن من شروط صحة الهبة تمييز الشئ الموهوب بما يميزه للبيع - من حد أو وصف أو لقب أو اشارة - فان لم يميزه كانت فاسدة ويكون فى يد الموهوب له اباحة فهبة المجهول لا تصح اذا كان عينا كما لا يصح بيعه نحو ثوب من ثياب أو أحد الثوبين، ولو عرفا بعض الموهوب دون بعض صحت الهبة فيما عرفاه فقط بخلاف البيع فلا يصح، لأن حصته من الثمن تكون مجهولة وكذا فى الهبة بعوض. فاذا ميز للهبة بمثل ما يميز للبيع صحت.
وأجاز المؤيد بالله اذا ذكر لها حاصرا نحو أن يقول: كل ما أملك أو ورثت من فلان.
وحمله القاضى زيد وأبو مضر على معرفة الجنس (٢).
قال المؤيد بالله والامام يحيى وتصح هبة كل ما فى اليد وان لم يذكر جنسه وقدره اذ القصد بالتمييز امكان التسليم، والحصر كالتعيين فى ذلك.
قال أبو طالب وأبو العباس لا بد من ذكر الجنس والقدر أو معرفتهما لترتفع الجهالة (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى العروة الوثقى: ان الموهوب يجوز أن يكون عينا معينة شخصية، ويجوز أن يكون جزءا مشاعا من عين وكذا يجوز أن يكون كليا فى العين كصاع من
стр. 4524
صبرة معينة وأن يكون كليا فى ذمة الواهب كأن يهبه منا من الحنطة فى ذمته أو عشر ليرات كذلك وكذا يجوز أن يكون دينا على الغير فيجوز هبته لمن عليه بلا اشكال، ولا يكون ابراء كما قد يتخيل بل هو هبة تفيد فائدة الابراء، ولا تحتاج الى القبض لأن ما فى الذمة مقبوض لمن عليه، وهل يحتاج الى القبول، الظاهر ذلك وربما يحتمل عدم حاجته اليه مع كونه هبة، لأنها بمنزلة الابراء.
وأما هبته لغير من عليه فالمشهور عدم صحتها، لأنه كلى لا وجود له فى الخارج فلا يمكن قبضه، وفيه أن قبضه بقبض أحد أفراده اذ التحقيق أن الكلى عين الأفراد، فاذا اذن له الواهب فى قبضه فقبضه صحت وكذا اذا قبضه الواهب ثم أقبضه أو اذن له فى القبض عنه ثم القبض لنفسه فالاقوى صحتها مع أنه يمكن أن يستدل عليه بصحيحة صفوان عن الرضا ﵇ «عن رجل كان له على رجل مال فوهبه لولده فذكر له الرجل المال الذى له عليه فقال أنه ليس فيه عليك شئ فى الدنيا والآخرة يطيب ذلك له وقد كان وهبه لولد له قال ﵇: نعم يكون وهبه ثم نزعه فجعله لهذا. وانما جاز له ذلك مع كون الهبة للولد لا يجوز له الرجوع فيها لأنه لم يقبضه.
واذا وهبه دينا له على غيره وكان المتهب مدينا لذلك الغير بقدره صح.
وحينئذ فاما أن يقبضه الواهب منه ويسلمه الى المتهب أو يأذن له فى القبض فيقبض ثم يرد عليه عوضا عما عليه أو يحسب عليه بازاء ما عليه، وحينئذ يكون كأنه قد قبض للكلى على كليته لا بقبض فرد منه.
ولا يشترط فى الهبة أن يكون المال الموهوب معلوم المقدار فلا يصح هبة الصبرة أو الجزء المشاع منها مع عدم العلم بمقدارها.
وكذا تصح هبة الدين الذى لم يعلم مقداره نعم يجب تعيين الجزء المشاع من ثلث أو ربع أو نحوهما ان لم يكن متعينا فى الواقع.
وكذا يجب تعيين المقدار اذا وهبه شيئا كليا فى ذمة نفسه.
والأقوى جواز هبة الفرد المردود كأحد العبدين.
وتجوز هبة العين المعارة والمودعه والمستأجرة بل والمغصوبة مع امكان القبض اذا حصل بعد ذلك بل تصح اذا كان مأيوسا من حصوله فاتفق حصوله، وهل يجوز اذا أمكن التقاص من مال الغاصب أو لا؟ يمكن أن يقال بصحته مع اذن الواهب للمتهب فى ذلك، لكنه مشكل، لأن التقاص ليس قبضا للعين الموهوبة بل قبض لعوضها (١).
стр. 4525
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه لا تجوز هبة العروض من الحيوان والأمتعة حتى يحضروا وكذلك كل المنتقل وقيل جائز بيع الحيوان وهبتها بين الشركاء اذا رأوها ما دون سبعة أيام.
وقيل: ثلاثة.
ولا بد من الاشارة اليها حال الهبة أو البيع.
وقيل تجوز: هبة المجهول، وهبة الغائب، طالت مدة الغيبة أو قصرت.
وحضور الموهوب مع قبوله قبض لأن التخلية قبض.
وقال ابن عبد العزيز لا تجوز الا فى المعلوم.
وعن بعضهم جوازها فى المعلوم بالوصف لا فى المجهول من كل وجه.
وان وهب له كذا من غنمه أو دنانيره فله العدد لا الزيادة والنمو ويلحق ما نقص من العدد ولا شئ عليه من الحقوق.
وان وهب له بعضا من هذا المعين لم يجز (١).
وجازت هبة الأصل والعرض ما ظهر أو بطن كان موجودا أو غير موجود أو جهل على الصحيح، وقيل لا تجوز هبة المجهول وهبة المجهول الباطن مثل هبة ما فى بطن أمة أو شاة أو ناقة أو نحوها كبقرة ومثل هبة الجزر واللفت والبصل (٢).
الاضافة فى الرهن
حكم اضافة الرهن الى المال الشائع
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن من شروط صحة الرهن الحيازة فلا يصح قبض المشاع، لأن قبض النصف الشائع وحده لا يتصور والنصف الآخر ليس بمرهون فلا يصح قبضه، وسواء كان مشاعا يحتمل القسمة أو لا يحتملها، لأن الشيوع يمنع تحقق قبض الشائع فى النوعين جميعا بخلاف الهبة فان الشيوع فيها لا يمنع الجواز فيما لا يحتمل القسمة، لأن المانع هناك ضمان القسمة وهو يخص المقسوم، وسواء رهن من أجنبى أو من شريكه وسواء كان مقارنا للعقد أو طرأ عليه فى ظاهر الرواية
وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أن الشيوع الطارئ على العقد لا يمنع بقاء العقد على الصحة كما لو رهن شيئا وسلط المرتهن أو العدل على بيعه كيف شاء مجتمعا
стр. 4526
أو متفرقا فباع نصفه شائعا أو استحق بعض الرهن شائعا.
وجه رواية أبى يوسف أن حال البقاء لا يقاس على حال الابتداء، لأن البقاء أسهل من حكم الابتداء لهذا فرق الشرع بين الطارئ والمقارن فى كثير من الأحكام كالعدة الطارئة والاباق الطارئ ونحو ذلك، فكون الحيازة شرطا فى ابتداء العقد لا يدل على كونها شرط البقاء على الصحة.
ووجه ظاهر الرواية أن المانع فى المقارن كون الشيوع مانعا عن تحقق القبض فى النصف الشائع وهذا المعنى موجود فى الطارئ فيمنع البقاء على الصحة.
ولو رهن رجلان رجلا عبدا بدين له عليهما رهنا واحدا جاز وكان كله رهنا بكل الدين حتى ان للمرتهن أن يمسكه حتى يستوفى كل الدين، واذا قضى احدهما دينه لم يكن له ان يأخذ نصيبه من الرهن لأن كل واحد منهما رهن كل العبد بما عليه من الدين لا نصفه وان كان المملوك منه لكل واحد منهما النصف، لأن كون المرهون مملوك الراهن ليس بشرط لصحة الرهن فيجوز رهن مال الغير باذنه واقدامهما على رهنه صفقة واحدة دلالة الاذن من كل واحد منهما فصار كل العبد رهنا بكل الدين ولا استحالة فى ذلك، لأن الرهن حبس وليس يمتنع أن يكون العبد الواحد محبوسا بكل الدين فلم يكن هذا رهن الشائع فجاز، وليس لأحدهما أن يأخذ نصيبه من العبد اذا قضى ما عليه من الدين لأن كله مرهون بكل الدين فما بقى شئ من الدين بقى استحقاق الحبس، وكذلك اذا رهن رجل رجلين بدين لهما عليه وهما شريكان فيه أو لا شركة بينهما جاز، واذا قضى الراهن دين أحدهما لم يكن له أن يقبض شيئا من الرهن، لأنه رهن كل العبد بدين كل واحد منهما، وكل العبد يصلح رهنا بدين كل واحد منهما على الكمال كأن ليس معه غيره.
وهذا بخلاف الهبة من رجلين على أصل أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنها غير جائزة لأن الهبة تمليك وتمليك شئ واحد من اثنين من كل واحد منهما على الكمال محال والعاقل لا يقصد بتصرفه المحال، فأما الرهن فحبس ولا استحالة فى كون الشئ الواحد محبوسا بكل واحد من الدينين فهو الفرق بين الفصلين.
غير أنه وان كان محبوسا بكل واحد من الدينين لكنه لا يكون مضمونا الا بحصته حتى لو هلك تنقسم قيمته على الدينين فيسقط من كل واحد منهما بقدره، لأن المرتهن عند هلاك الرهن يصير مستوفيا الدين من مالية الرهن وانه لا يفى لاستيفاء الدينين وليس أحدهما بأولى من الآخر فيقسم عليهما فيسقط من كل واحد منهما بقدره ولو رهن بيتا بعينه من دار أو رهن طائفة معينة من دار جاز لانعدام الشيوع.
وعلى هذا الأصل تخرج زيادة الدين على
стр. 4527
الرهن أنها لا تجوز عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى (١).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإكليل نقلا عن المدونة أن مالكا رحمه الله تعالى قال: لا بأس برهن جزء مشاع غير مقسوم من ربع أو حيوان أو عرض وقبضه ان كان بيد الراهن وغيره أن يحوز المرتهن حصة الراهن ويكريه ويليه مع من له فيه شرك لربه ولا بأس فى أن يضعاه على يد الشريك والحوز فى ارتهان نصف ما يملك الراهن جميعه من عين أو دابة أو ثوب - قبض جميعه.
قال ابن عرفة رحمه الله تعالى: رهن المشاع فيما باقيه لغير الراهن ربعا أو منقسما لا يفتقر الى اذن شريكه، وان كان غيره فكذلك عند ابن القاسم رحمه الله تعالى.
وقال أشهب: من كان له نصف عبد أو نصف دابة أو ما ينقل كالثوب والسيف لم يجز أن يرهن حصته الا باذن شريكه وكذا كل ما لا ينقسم.
وروى عن المدونة أنه ان كان الرهن مما ينقسم من طعام ونحوه فرهن حصته منه جاز ذلك اذا حازه المرتهن فان شاء الشريك البيع قاسم فيه الراهن والرهن كما هو فى يد المرتهن لا يخرجه من يده فان غاب الراهن أقام الامام من يقسم له ثم تبقى حصة الراهن فى الوجهين رهنا ويطبع على كل ما لا يعرف بعينه.
ومن رهن حصته من دار ثم أكترى حصة شريكه وسكن بطل الحوز ان لم يقم المرتهن بقبض حصة الراهن من الدار ويقاسمه، لأنه لما سكن نصف الدار وهى غير مقسومة صار المرتهن غير حائز ولا يمنع الشريك أن يكرى نصيبه من الراهن ولكن تقسم الدار فيحوز المرتهن رهنه ويكرى الشريك نصيبه ممن يشاء.
قال ابن المواز رحمه الله تعالى: ومن ارتهن نصف دار فجعلها على يدى شريك الراهن ثم ارتهن نصابه الشريك بعد ذلك فجعلها على يدى الراهن الأول فانه يبطل رهن جميع الدار، لأنها قد رجعت على حالها بيد كل واحد نصابه (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أنه يصح رهن المشاع من الشريك وغيره وقبضه بقبض
стр. 4528
الجميع كما فى البيع فيكون بالتخلية فى غير المنقول وبالنقل فى المنقول ولا يحتاج لاذن شريكه الا فى المنقول فان لم يأذن ورضى المرتهن كونه بيده جاز وناب عنه فى القبض، والا أقام الحاكم عدلا يكون فى يده لهما ويؤجره ان كان مما يؤجر وتجرى المهايأه بين المرتهن والشريك كجريانها بين الشريكين، فعلم صحة رهن نصيبه من بيت معين من دار مشتركة من غير اذن شريكه كما يجوز بيعه فلو اقتسماها فخرج المرهون لشريكه لزمه قيمته رهنا، لأنه حصل له بدله (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه يصح رهن المشاع من الشريك ومن الأجنبى، لأنه يجوز بيعه فى محل الحق فأشبه الفرز، ثم ان كان المرهون بعضه مما لا ينقل كالعقار خلى الراهن بين الرهن وبين المرتهن وان لم يحضر الشريك ولم يأذن اذ ليس فى التخلية بينه وبينه ضرر على حصة الشريك، وان كان المرهون بعضه مما ينقل كالثياب والبهائم فرضى الشريك والمرتهن بكونه فى يد أحدهما أو غيرهما جاز، لأن الحق لهما لا يتجاوزهما، وان لم يتراضيا على ذلك جعله حاكم فى يد أمين أمانة أو بأجرة لأن قبض المرتهن واجب، ولا يمكن ذلك منفردا، لكونه مشاعا فتعين ما ذكر لكونه وسيلة الى القبض الواجب وللحاكم أن يؤجره عليهما لوجود المصلحة لهما بذلك، ويصح أن يرهن انسان بعض نصيبه من المشاع كأن يرهن نصف نصيبه أو يرهن نصيبه من عين فى مشاع مثل أن يكون له نصف دار فيرهن نصيبه من بيت من الدار بعينه لشريكه أو غير شريكه فيصح لأنه يجوز بيعه (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٣) أن رهن المرء حصته من شئ مشاع مما ينقسم أو لا ينقسم عند الشريك فيه وعند غير الشريك جائز، لأن الله تعالى قال «فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ،﴾ (٤) ولم يخص مشاعا من مقسوم، ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» (٥) وقبض الرهن اذا كان مشاعا كقبض صاحبه لحصته منه مع شريكه ولا فرق، ولو كان القبض لا يصح فى المشاع لكان الشريكان فيه غير قابضين له، ولو كانا غير قابضين له لكان مهملا
стр. 4529
لا يد لأحد عليه وهذا أمر يكذبه الدين والعيان (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: وحواشيه أنه لا يصح رهن جزء مشاع سواء قارن الشياع العقد أو طرأ، وسواء كان الرهن من غير الشريك أو من الشريك، لأن للشريك بيع نصيبه من الغير وذلك يمنع حق المرتهن ولتعذر استعماله لنصيبه واذا باع حقه وأخذ المشترى نصيبه أدى الى زوال قبضه من يد المرتهن فخرج عن كونه رهنا، نص على ذلك الهادى ﵇ فى الأحكام وصححه السادة.
وقال فى المنتخب والناصر: انه يصح رهنه مطلقا فان رهن المشاع كله صح ذلك.
ولو رهن المشاع من اثنين فى صفقة واحدة صح ذلك.
فان عقد الرهن ولا شياع ثم بعد ذلك طرأ عليه الشياع فسد الرهن.
مثال ذلك أن يرهن منه أرضا فيقبضها ثم يتفاسخا الرهن فى بعضها دون بعض أو يبيع الراهن بعضها باذن المرتهن أو يرث الراهن بعض الدين فانه اذا طرأ أى هذه فسد الرهن (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أن رهن المشاع جائز لقول الله تعالى ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ،﴾ ولم يفصل وأيضا الاخبار على عمومها وأيضا على المسألة اجماع الفرقة وأخبارهم يدل عليها (٣).
وجاء فى الروضة البهية أن الرهن لو كان مشاعا فلابد من اذن الشريك فى القبض أو رضاه بعده سواء كان مما ينقل أم لا لاستلزامه التصرف، فى مال الشريك وهو منهى عنه بدون اذنه فلا يعتد به شرعا.
ويشكل فيما يكفى فيه مجرد التخلية فانها لا تستدعى تصرفا، بل رفع يد الراهن عنه وتمكينه منه.
وعلى تقدير اعتباره فلو قبضه بدون اذن الشريك وفعل محرما فهل يتم القبض؟ قولان منشؤهما النهى المانع كما لو وقع بدون اذن الراهن وهو اختيار صاحب اللمعة وأن النهى انما هو لحق الشريك فقط للأذن من قبل الراهن الذى هو المعتبر شرعا وهو أجود ولو اتفقا على قبض الشريك جاز فيعتبر سماعه الاذن فيه (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه يجوز أن يرهن
стр. 4530
الشريك سهمه لشريكه الا فيما يكال أو يوزن (١).
ولا يجوز رهن جميع التسميات لشريك ولا لغيره مطلقا لعدم صحة القبض فيها.
وجوز رهن التسميات لشريك فى الأصول والعروض سواء أمكنت القسمة أم لم تمكن فمن رهن سهما فى شئ مشترك لغير شريك وطلب ذلك الراهن من الشريك أن يكون المشترك بيد المرتهن فوافقه عليه على أن يكون سهم الشريك أمانة عند المرتهن لم يجز، لأن القبض فى هذه المسألة لم يكن كله بحق بل بعضه بائتمان ولصاحب الأمانة أن يردها فيزول القبض وهذه نفسها علة القول بمنع رهن التسمية ولو لشريك، لأن للشريك أن يبيع سهمه أو يخرجه من ملكه بوجه ما فيكون غير قابض لأن قبض ما ارتهن تابع لقبض سهمه، وسهمه زال عنه قبضه بالبيع مثلا (٢).
الاضافة فى الوصية
أولا - حكم اضافة الوصية الى
موصى له غير موجود
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن من شروط الوصية أن يكون الموصى له موجودا فان لم يكن موجودا لا تصح الوصية، لأن الوصية للمعدوم لا تصح.
وعلى هذا يخرج ما اذا قال أوصيت بثلث مالى لما فى بطن فلانة فانها ان ولدت لما يعلم أنه كان موجودا فى البطن صحت الوصية والا فلا، وانما يعلم ذلك اذا ولدت لأقل من ستة أشهر، ثم يعتبر ذلك من وقت موت الموصى فى ظاهر الرواية.
وعند الطحاوى رحمه الله تعالى من وقت وجود الوصية.
وجه ما ذكره الطحاوى رحمه الله تعالى أن سبب الاستحقاق هو الوصية فيعتبر وجوده.
ووجه ظاهر الرواية أن وقت نفوذ الوصية واعتبارها فى حق الحكم وقت الموت فيعتبر وجوده من ذلك الوقت، لأنها اذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الموت أو من وقت الوصية على اختلاف الروايتين تيقنا أنه كان موجودا، اذ المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر، واذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا لا يعلم وجوده فى البطن، لاحتمال أنها علقت بعده، فلا يعلم وجوده بالشك الا اذا كانت المرأة معتدة من زوجها من طلاق أو وفاة فولدت الى سنتين منذ طلقها أو مات عنها زوجها فله الوصية، لأن نسب الولد يثبت من زوجها الى سنتين.
стр. 4531
ومن ضرورة ثبوت النسب الحكم بوجوده فى البطن وقت موت الموصى فرق بين الوصية لما فى البطن وبين الهبة لما فى البطن أن الهبة لا تصح والوصية صحيحة، لأن الهبة لا صحة لها بدون القبض ولم يوجد والوصية لا تقف صحتها على القبض.
ولو قال ان كان فى بطن فلانة جارية فلها وصية ألف وان كان فى بطنها غلام فله وصية ألفان فولدت جارية لستة أشهر الا يوما وولدت غلاما بعد ذلك بيومين فلهما جميع الوصية، لأنهما أوصى لهما جميعا لكن لأحدهما بألف وللآخر بألفين وقد علم كونهما فى البطن، اما الجارية فلا شك فيها -، لأنها ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت موت الموصى فعلم أنها كانت موجودة فى البطن فى ذلك الوقت، وكذلك الغلام، لأنه لما ولد لأكثر من ستة أشهر بيوم أو يومين علم أنه كان فى البطن مع الجارية، لأنه توأم فكان من ضرورة كون أحدهما فى البطن كون الآخر كذلك، لأنهما علقا من ماء واحد فان ولدت غلامين وجاريتين لأقل من ستة أشهر فذلك الى الورثة يعطون أى الغلامين شاءوا وأى الجاريتين شاءوا الا أنه ما أوصى لهما جميعا، وانما أوصى لأحدهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فكان البيان الى الورثة، لأنهم قائمون مقام المورث.
وقيل أن هذا الجواب على مذهب محمد رحمه الله تعالى.
فأما على قول أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه فالوصية باطلة بناء على مسئلة أخرى، وهو ما اذا أوصى بثلث ماله لفلان وفلان أو أوصى بثلث ماله لأحد هه الرجلين، روى عن أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه أن الوصية باطلة.
وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أنها صحيحة.
غير أن عند أبى يوسف الوصية لهما جميعا.
وعند محمد لأحدهما وخيار التعيين الى الورثة يعطون أيهما شاءوا فقاسوا هذه المسألة على تلك لأن المعنى يجمعهما وهو جهالة الموصى له.
ومنهم من قال ههنا يجوز فى قولهم جميعا وفرق بين المسئلتين من حيث أن الجهالة هناك مقارنة للعقد وههنا طارئة، لأن الوصية هناك حال وجودها أضيفت الى ما فى البطن لا الى أحد الغلامين واحدى الجاريتين ثم طرأت بعد ذلك بالولادة والبقاء أسهل من الابتداء كالعدة اذا قارنت النكاح منعته من الانعقاد فاذا طرأت عليه لا ترفعه كذا ههنا.
ولو قال ان كان الذى فى بطن فلانة غلاما فله ألفان وان كان جارية فلها ألف فولدت غلاما وجارية فليس لواحد
стр. 4532
منهما شئ من الوصية، لأنه جعل شرط استحقاق الوصية لكل واحد منهما أن يكون هو كل ما فى البطن بقوله ان كان الذى فى بطنها كذا فله كذا وكل واحد منهما ليس هو كل ما فى البطن بل بعض ما فيه فلم يوجد شرط صحة استحقاق الوصية فى كل واحد منهما فلا يستحق أحدهما شيئا بخلاف المسئلة الأولى، لأن قوله ان كان فى بطن فلانة جارية فلها كذا وان كان فى بطنها غلام فله كذا ليس فيه شرط أن يكون كل واحد كل ما فى البطن بل الشرط أن يكون فى بطنها غلام وأن يكون فى بطنها جارية وقد كان فى بطنها غلام وجارية فوجد شرط الاستحقاق (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل أن من أوصى لحمل امرأة فأسقطته بعد موت الموصى فلا شئ له الا أن يستهل صارخا، ولو قال ثلثى لولد فلان وقد علم أنه لا ولد له جاز وينظر أيولد له أم لا، وان لم يعلم أنه لا ولد له فذلك باطل.
قال اللخمى: وأن أوصى لولد فلان ولا ولد له وله حمل حملت الوصية على أنها لذلك الحمل، فان ولد كانت الوصية له وان اسقطته أو ولدته ميتا سقطت الوصية ولا شئ لمن يولد بعد وان كثروا، فان ولد ولد تجر له بذلك المال ثم كذلك كلما ولد له ولد تجر له مع الأول، ومن بلغ التجر تجر لنفسه فان خسر فيه أو ضاع له منه شئ فى حين تجره للصغير لم يضمن، لأن الصغير لا تعمر ذمته بذلك وقد رضى الموصى بالوصية له على ما توجبه الأحكام فى الضمان، ونقله أبو الحسن ونقل نحوه عن التونسى.
وقد حكى عن بعض الناس أن أول ولد يولد لفلان يأخذ ذلك بتا.
والأول أبين.
واذا أوصى لولد فلان ولا ولد له فادعى فلان أن الموصى يعلم ذلك وادعى الورثة أن الموصى يظن أن له ولدا فهل القول قول الوارث أو قول فلان لم أر فيه نصا.
والظاهر أن القول قول الورثة واذا لم يعلم الورثة وفلان أن الموصى كان يعلم ذلك أو لا يعلمه هل يحمل على العلم أو عدمه (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: أنه لو أوصى
стр. 4533
لحمل سيحدث لم تصح وان حدث قبل موت الموصى، لأن الوصية تمليك وتمليك المعدوم ممتنع، ولأنه لا متعلق للعقد فى الحال فأشبه الوقف على من سيولد له.
وقد صرحوا بذلك فى المسجد فقالوا:
لو أوصى لمسجد سيبنى بطل وان بنى قبل موته.
نعم قياس ما ذكر فى الوقف أنه لو جعل المعدوم تبعا للموجود - كأن أوصى لأولاد زيد الموجودين ومن سيحدث له من الأولاد - صحت تبعا لهم.
ويؤيده قول الروضة: الأولاد والذرية والنسل والعقب والعترة على ما ذكرنا فى الوقف.
وأعتمد جمع الفرق بأن من شأن الوصية أن يقصد معها معين موجود ولا كذلك الوقف، لأنه للدوام المقتضى لشموله للمعدوم ابتداء.
وقالوا أن الوصية للتمليك وتمليك المعدوم ممتنع كما صرح به الرافعى تعليلا للمذهب من بطلان الوصية لما ستحمله هذه المرأة فتصح الوصية لحمل حرا كان أو رقيقا من زوج أو شبهة أو وزنا وتنفذ أن انفصل حيا حياة مستقرة، والا لم يستحق شيئا كالأرث وعلم أو ظن وجوده عند الوصية بأن انفصل لدون ستة أشهر منها فان انفصل لسته أشهر فأكثر منها والمرأة فراش زوج أو سيد وأمكن كون الولد من ذلك الفراش لم يستحق الموصى به لاحتمال حدوثه من ذلك الفراش بعد الوصية فلا يستحق بالشك وكذا لو كان بين أوله والوضع دون ستة أشهر أو كان ممسوحا فهو كالمعدوم.
ويؤخذ مما تقرر ظهور قول الامام لابد أن يمكن غشيان ذى الفراش لها عادة فان أحالته العادة فلا استحقاق فان لم تكن فراشا لزوج أو سيد أو كان فراشا وانفصل لدون ستة أشهر منه ولأكثر من أربع سنين من الوصية فكذلك لا يستحق للعلم بحدوثه بعد الوصية، فان انفصل لدون الأكثر من أربع سنين استحق فى الأظهر، لأن الظاهر وجوده عند الوصية.
والقول الثانى المقابل للأظهر: لا يستحق لاحتمال حدوثه بعدها واعتبار هذا الاحتمال فيما تقدم لموافقته للأصل.
وما ذكره من الحاق الأربع بما دونها والستة بما فوقها هو الذى فى الروضة وغيرها وهو المعتمد.
وان صوب الأسنوى وغيره الحاقها بما دونها اذ لا بد من تقدير زمان يسع الوط ء والوضع كما ذكروه فى العدد.
ورده الشيخ بأن لحظة الوط ء انما اعتبرت جريا على الغالب من أن العلوق
стр. 4534
لا يقارن أول المدة، والا فالعبرة بالمقارنة فالستة على هذا ملحقة بما فوقها كما قالوه هنا، وعلى الأول بما دونها كما قالوه فى المحال الآخر.
وبذلك علم أن كلا صحيح وأن التصويب سهو.
وحاصله أن وجود الفراش ثم وعدمه هنا غلب على الظن التفرقة بينهما بما ذكر.
والكلام كله حيث عرف لها فراش سابق ثم انقطع.
أما من لم يعرف لها فراش أصلا فلا استحقاق قطعا وان انفصل لأربع فأقل لانحصار الأمر حينئذ فى وط ء الشبهة أو الزنا كما أفاده السبكى تفقها ونقله غيره عن الأستاذ أبى منصور وفى كلام الشيخين ما يدل له.
ولو انفصل أحد التوأمين لستة أشهر ثم انفصل توأم آخر بينه وبين الأول دون الستة أشهر فانه يستحق وان انفصل لفوق ستة أشهر من الوصية وتقبل الوصية له ولو قبل انفصاله على المعتمد خلافا لابن المقرى (١).
ولو أوصى لحملها بكذا فأتت بولدين حيين معا أو مرتبا وبينهما دون ستة أشهر كما أفاده الزركشى - فلهما بالسوية الأنثى كالذكر وكذا لو أتت بأكثر لأنه مفرد مضاف فيعم أو أتت بحى وميت فكله للحى فى الأصح اذ الميت كالمعدوم بدليل البطلان بانفصالهما ميتين.
القول الثانى المقابل للأصح: له النصف والباقى لورثة الموصى كما لو أوصى لحى وميت.
ولو قال ان كان حملك ذكرا أو غلاما فله كذا أو قال ان كان حملك أنثى فله كذا فولدت الذكر والأنثى لغت وصيته، لأن حملها كله ليس ذكرا ولا أنثى، ولو ولدت ذكرين أو أنثيين فأكثر قسم بينهما أو بينهم أو بينهن بالسوية ولو قال أن كان ببطنها ذكر فله كذا فولدت الذكر والأنثى استحق الذكر لأن الصيغة ليست حاصرة للحمل فيه أو ولدت ذكرين فالأصح صحتها لأنه لم يحصر الحمل فى واحد وانما حصر الوصية فيه والقول الثانى المقابل للأصح: المنع لاقتضاء التنكير التوحيد (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن الوصية تصح للحمل لأنه يرث وهى فى معنى الأرث
стр. 4535
من جهة الانتقال عن الميت مجانا ان كان موجودا حال الوصية، لأنها تمليك فلا تصح لمعدوم وذلك بأن تضعه حيا لأقل من ستة أشهر من حين الوصية فراشا كانت لزوج أو سيد أو بائنا، لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر فاذا وضعته لأقل منها وعاش لزم أن يكون موجودا حينها، أو تضعه لأقل من أربع سنين أن لم تكن فراشا أو كانت قراشا لزوج أو سيد الا أنه لا يطؤها لكونه غائبا فى بلد بعيد أو مريضا مرضا يمنع الوط ء أو كان أسيرا أو محبوسا أو علم الورثة أنه لم يطأها أو أقروا بذلك للحاقه بأبيه والوجود لازم له فوجب ترتب الاستحقاق، ووط ء الشبهة نادر، وتقدير الزنا اساءة ظن بمسلم والأصل عدمهما، فان وضعته لأكثر من أربع سنين لم يستحق لاستحالة الوجود حين الوصية (١). وان انفصل الحمل الموصى له ميتا بطلت الوصية لانتفاء أهلية الملك، ولا فرق بين موته بجناية جان وغيرها لانتفاء أرثه. ولو أوصى لحمل امرأة من زوجها أو سيدها صحت الوصية له أن لحق بالزوج أو السيد.
ولو قال الموصى أن كان فى بطنك ذكر فله كذا وان كان فيه أنثى فلها كذا فكانا فيه بأن ولدت ذكرا وأنثى فلهما ما شرط لأن الشرط وجد فيهما. وان كان حملها خنثى ففى الكافى له ما للأنثى ان كان أقل مما جعل للذكر لأنه المتيقن حتى يتبين أمره وتتبين ذكوريته فيأخذ الزائد، وان ولدت ذكرين أو ولدت أنثيين فللذكرين ما للذكر وللأنثيين ما للانثى اذ لا مزية لأحدهما على الآخر، وان قال الموصى ان كان حملك أو ما فى بطنك ذكرا فله كذا وان كان أنثى فله كذا فولدت أحدهما منفردا فله وصيته لوجود شرطه وان ولدت ذكرا وأنثى فلا شئ لهما لأن أحدهما ليس هو كل الحمل ولا كل ما فى البطن بل بعضه فلم يوجد الشرط، وان أوصى لمن تحمل هذه المرأة لم تصح الوصية لأنه وصية لمعدوم (٢)
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا تجوز الوصية لميت، لأن الميت لا يملك شيئا فمن أوصى لحى ثم مات بطلت الوصية له فان أوصى لحى ولميت جاز نصفها للحى وبطل نصف الميت، وكذلك لو أوصى لحيين ثم مات أحدهما جازت للحى فى النصف وبطلت حصة الميت (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار أن الوصية
стр. 4536
تصح للحمل بشرط وجوده حال عقدها وخروجه حيا اذ لا حكم لمعدوم ولا جماد فان وضعته لستة أشهر فصاعدا من يوم الوصية لم تصح لاحتمال حملها به بعدها.
قال الامام يحيى فلا تصح الوصية لما تحمل به هذه المرأة مثلا اذ هى وصية لمعدوم.
وقيل تصح اذ علقها بوجوده متى وجد، والممنوع اطلاقها للمعدوم.
فان أوصى لحملها من فلان فنفاه، قال الامام يحيى: لم تصح لتعليقها بثبوت نسبه.
وقيل تصح اذ النفى لقطع العلقة بين الوالد والولد فقط (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام: أنه يشترط فى الموصى له أن يكون موجودا فلو كان معدوما لم تصح الوصية له كما لو أوصى لميت أو لمن ظن وجوده فبان ميتا عند الوصية، وكذا لو أوصى لما تحمله المرأة أو لمن يوجد من أولاد فلان (٢).
وتصح الوصية للحمل الموجود وتستقر بانفصاله حيا، ولو وضعته ميتا بطلت الوصية ولو وقع حيا ثم مات كانت الوصية لورثته (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه تجوز وصية الموصى لحمل أن ولد حيا كما يصح الميراث أن ولد حيا وان ولد ميتا بطلت الوصية (٤). ولا تصح لميت الا أن عين ما يكون نفعا له ككفن قبل موته وكمال يزال به الماء أو غيره عن قبره أو يشترى له به أرض يدفن فيها أو وقف يوقف عليه أو مال يتصدق به عليه، ويعتبر حال الموصى له عند موت الموصى لا قبله (٥).
ومن أوصى للأقرب ولم يكن أقرب بأن مات أقاربه قبله أو قبل وجوده أو كانوا موجودين ومنعهم مانع من وصية الأقرب كالشرك والعبودية والقتل رجع ورثته فيما أوصى للاقرب به مقتسمين له على قدر أرثهم على أن الايصاء به باطل فصار ميراثا لعدم من يأخذ وصية الأقرب (٦).
стр. 4537
ثانيا - حكم اضافة الوصية
الى موصى له مجهول أو غير معين
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: ان من شروط الموصى له أن لا يكون مجهولا جهالة لا يمكن ازالتها، فان كان لم تجز الوصية له، لأن الجهالة التى لا يمكن استدراكها تمنع من تسليم الموصى به الى الموصى له فلا تفيد الوصية.
وعلى هذا يخرج ما اذا أوصى بثلث ماله لرجل من الناس فانه لا يصح بلا خلاف.
ولو أوصى لأحد هذين الرجلين يصح فى قول أبى يوسف ومحمد رضى الله تعالى عنهما.
غير أن عند أبى يوسف رحمه الله تعالى الوصية تكون بينهما نصفين.
وعند محمد رحمه الله تعالى الخيار الى الوارث يعطى أيهما شاء.
وجه قول محمد أن الايجاب وقع صحيحا لأن أحدهما وان كان مجهولا لكن هذه الجهالة تمكن ازالتها ألا ترى أن الموصى لو عين أحدهما حال حياته لتعين.
ثم أن محمدا يقول لما مات عجز عن التعيين بنفسه فيقوم وارثه مقامه فى التعيين.
وأبو يوسف يقول لما مات قبل التعيين شاعت الوصية لهما وليس أحدهما بأولى من الآخر كمن أعتق أحد عبدين ثم مات قبل البيان فان العتق يشيع فيهما جميعا فيعتق من كل واحد منهما نصفه كذا ههنا يكون لكل واحد منهما نصف الوصية.
أما فى قول أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه فلا يصح، لأن الوصية تمليك عند الموت فتستدعى كون الموصى له معلوما عند الموت، والموصى له عند الموت مجهول فلم تصح الوصية من الأصل كما لو أوصى لواحد من الناس فلا يمكن القول بالشيوع ولا يقام الوارث مقام الموصى فى البيان، لأن ذلك حكم الايجاب الصحيح ولم يصح الا أن الموصى لو بين الوصية فى أحدهما حال حياته صحت لأن البيان انشاء الوصية لأحدهما فكان وصية مستأنفة لأحدهما عينا وانها صحيحة.
وعلى هذا يخرج الوصية لقوم لا يحصون أنها باطلة اذا لم يكن فى اللفظ ما ينبئ عن الحاجة وان كان فيه ما ينبئ عن الحاجة فالوصية جائزة لأنهم اذا كانوا لا يحصون ولم يذكر فى اللفظ ما يدل على الحاجة وقعت الوصية تمليكا منهم وهم مجهولون والتمليك من المجهول جهالة لا يمكن ازالتها لا يصح وأن كان فى اللفظ ما يدل على الحاجة كان وصيته بالصدقة وهى اخراج المال الى الله سبحانه
стр. 4538
وتعالى، والله واحد معلوم فصحت الوصية.
ثم اذا صحت الوصية فالأفضل للوصى أن يعطى الثلث لمن يقرب اليه منهم فان جعله فى واحد فما زاد جاز عند أبى حنيفة وأبى يوسف.
وعند محمد لا يجوز الا أن يعطى أثنين منهم فصاعدا ولا يجوز أن يعطى واحدا الا نصف الوصية (١).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإكليل نقلا عن ابن الحاجب أنه اذا أوصى لأقارب فلان دخل الوارث وغيره من الجهتين بخلاف أقاربه هو للقرينة الشرعية ويؤثر فى الجميع ذو الحاجة وان كان أبعد، ولو أوصى للاقرب فالأقرب فضل الأقرب، وان كان أكثر يسارا، فضل الأخ على الجد والأخ للأب على الأخ للأم، ولا يعطى الأقرب الجميع بخلاف الوقف. قال ابن حبيب قوله لقرابتى أو لرحمى أو لذى رحمى أو لأهلى أو لأهل بيتى الحكم فى ذلك كله واحد.
قال ابن شاس، اذا أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث والمحرم وغير المحرم ويدخل فيه كل قريب من جهة الأب والأم، ولو أوصى لأقارب نفسه خرج ورثته بقرينة الشرع، ولو أوصى للأقرب فالأقرب فضل الأقرب (٢).
قال عبد الملك: ولو أوصى لجيرانه أعطى الجار الذى اسم المنزل له ولا يعطى أتباعه ولا الصبيان ولا ابنته البكر ولا خدمه، وتعطى زوجته وولده الكبير البائن عنه بنفقته والجار المملوك اذا كان يسكن بيتا على حدته أعطى سواء كان سيده جارا أم لا.
وقال سحنون يعطى أولاد الجار الأصاغر وأبكار بناته.
قال عبد الملك وان كان الموصى به غلة تقسم فهو لمن حضر القسم فى كل غلة (٣).
وروى عن المدونة أنه ان كانت الوصية لقوم مجهولين لا يعرف عددهم لكثرتهم كقوله على بنى تميم أو المساكين فانما يكون ذلك لمن حضر القسمة منهم (٤).
ومن قال ثلث مالى لفلان وللمساكين أو قال فى السبيل والفقراء واليتامى قسم بينهم بالاجتهاد لا أثلاثا ولا أنصافا.
стр. 4539
قال ابن الحاجب أن أوصى بثلثه لزيد والفقراء أعطى زيد بالاجتهاد فان مات قبل القسم فلا شئ لورثته ويكون جميع الثلث للمساكين.
قال ابن الحاجب وان كان فى الوصية مجهول كوقود مصباح على الدوام أو تفرقة خبز ونحوه ضرب له بالثلث ووقفت حصته.
قال اللخمى: وان اجتمع فى الحصة مجهولان كعمارة مسجد أو اطعام مسكين فقيل: هى كمجهول واحد.
وقيل لكل وصية منها الثلث.
قال ابن عرفة القول الأول لعبد الملك ولابن يونس.
قال بعض الفقهاء اذا أوصى بوقيد قناديل فى مسجد كل ليلة للأبد وأن تسقى كل يوم راوية ماء فينظركم ثمن الراوية فى كل يوم وكم ثمن وقيد القناديل كل ليلة، فيقسم الثلث بينهما على قدر ذلك.
وهذا خلاف ما ذكر عبد الملك لأنه قال يقسم الثلث على عدد المجهولات.
ووجه هذا أن كل مجهول لو أنفرد لضرب له بالثلث فاذا اجتمعوا قسم الثلث على عددهم، فقد حصل أن هذا القول معزو وموجه بخلاف القول الآخر (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج: أنه لو أوصى لغير معين - يعنى لغير محصور - كالفقراء لزمت بالموت بلا اشتراط قبول لتعذره منهم ومن ثم لو قال لفقراء محل كذا وانحصروا بأن سهل عادة عدهم تعين قبولهم ووجبت التسوية بينهم ولو أوصى لمعين اشترط القبول منه ان تأهل وان كان الملك لغيره، والا فمن وليه أو سيده أو ناظر المسجد كما بحثه ابن الرفعة (٢).
ولو أوصى لجيرانه فلأربعين دارا من كل جانب من جوانب داره الأربعة تصرف الوصية حيث لا ملاصق لها فيما عدا أركانها كما هو الغالب أن ما لاصق أركان كل دار يعم جوانبها فلذا عبروا بما ذكر فهى مائة وستون دارا غالبا والا فقد تكون دار الموصى كبيرة فى التربيع فيسامتها من كل جانب أكثر من دار لصغر المسامت لها أو يسامتها داران (٣).
والعلماء فى الوصية لهم هم الموصوفون يوم الموت لا يوم الوصية بأنهم أصحاب علوم الشرع من تفسير وحديث وفقه.
ويدخل فى وصيته الفقراء المساكين وعكسه (٤).
стр. 4540
ولو أوصى لزيد والفقراء فالمذهب أنه كأحدهم فى جواز اعطائه أقل متمول، لأنه الحقه بهم لكن لا يحرم وان كان غنيا لنصه عليه، وقيل هو كأحدهم فى سهام القسمة، فان ضم اليه أربعة من الفقراء كان له الخمس، أو خمسة كان له السدس وهكذا.
وقيل: له الربع، لأن أقل من يقع عليه اسم الفقراء ثلاثة.
وقيل: له النصف، لأنه مقابل للفقراء.
والأولان فسر بهما قول الشافعى رحمه الله تعالى أنه كأحدهم كما ذكره الرافعى وأسقطه من الروضة وعبر فيها بأصح الأوجه.
ولو وصفه بصفتهم كزيد الفقير فان كان غنيا فنصيبه لهم وان كان فقيرا فكما مر، أو وصفه بغير صفتهم كزيد الكاتب أخذ النصف.
وأخذ السبكى من هذا أنه لو وقف على مدرس وامام وعشرة فقهاء صرف لكل ثلث (١).
ولو أوصى لجمع معين غير منحصر كالعلوية صحت هذه الوصية فى الأظهر وله الاقتصار على ثلاثة كالوصية للفقراء.
والقول الثانى المقابل للأظهر البطلان، لأن التعميم يقتضى الاستيعاب وهو ممتنع بخلاف الفقراء.
ولو أوصى لأقارب زيد مثلا أو رحمه دخل كل قرابة له وان بعد وارثا وكافرا وغنيا وفقيرا وضدهم فيجب استيعابهم والتسوية بينهم وان كثروا وشق استيعابهم كما شمله كلامهم (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه لا تصح الوصية للمجهول كان يوصى بثلثه لأحد هذين الرجلين أو المسجدين ونحوهما، أو قال أوصيت بكذا لجارى فلان أو لقريبى فلان باسم مشترك لأن تعيين الموصى له شرط، فاذا قال لأحد هذين فقد أبهم الموصى له، وكذا الجار والقريب لوقوعه على كل من المسميين ما لم تكن قرينة تدل على أنه أراد معينا من الجار والقريب فيعطى من دلت القرينة على ارادته فان قال أعطوا ثلثى أحدهما صح كما لو قال أعتقوا أحد عبدى، وللورثة الخيرة فيمن يعطوه الثلث من الاثنين.
والفرق بين هذه والتى قبلها أن قوله أعطوا ثلثى أحدهما أمر بالتمليك فصح جعله الى اختيار الورثة كما لو قال
стр. 4541
لوكيله بع سلعتى من أحد هذين بخلاف قوله وصيت ونحوه فانه تمليك معلق بالموت فلم يصح لمبهم.
وان قال عبدى غانم حر وله مائة وللموصى عبدان بهذا الاسم عتق أحدهما بقرعة لأنه عتق استحقه واحد منهما فأخرج بالقرعة كما لو أعتقهما فلم يخرج من الثلث الا أحدهما ولم تجز الورثة عتقهما ولا شئ لمن خرجت له القرعة من الدراهم ولو خرجت من الثلث، لأن الوصية بها وقعت لغير معين فلم تصح.
قال فى الاختيارات وان وصف الموصى له أو الموقوف عليه بخلاف صفته مثل أن يقول على أولادى السود وهم بيض أو العشرة وهم اثنا عشر فههنا الأوجه اذا علم ذلك أنه يعتبر الموصوف دون الصفة (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من أوصى بعتق رقيق له لا يملك غيرهم أو كانوا أكثر من ثلاثة لم ينفذ من ذلك شئ الا بالقرعة، فمن خرج سهمه صح فيه العتق سواء مات العبد بعد الموصى وقبل القرعة أو عاش الى حين القرعة، ومن خرج سهمه كان باقيا على الرق سواء مات قبل القرعة أو عاش اليها فان شرع السهم فى بعض مملوك عتق منه ما حمل الثلث بلا استسعاء وعتق باقيه واستسعى للورثة فى قيمة ما بقى منه بعد الثلث فلو سماهم بأسمائهم بدئ بالذى سمى أولا فأولا فاذا تم الثلث رق الباقون، فلو شرع العتق فى بعض مملوك أعتق كله واستسعى للورثة فيما زاد منه على الثلث فلو أعتق جزءا مسمى من كل مملوك منهم باسمه أعتق ذلك الجزء ان كان الثلث فأقل وأعتق باقيهم واستسعوا فيما زاد على الثلث أو فيما زاد على ما أوصى به مما هو دون الثلث، فان أعتق من كل واحد منهم باسمه أو جملة أكثر من الثلث أقرع بينهم ان أجملهم، فاذا تم الثلث رق الباقون الا أن يشرع العتق فى واحد منهم فيعتق ويستسعى فيما زاد على الثلث ويبدأ بالأول فالأول ان سماهم بأسمائهم، فاذا تم الثلث رق الباقون الا من شرع فيه العتق فانه يستسعى فيما زاد منه على الثلث (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أنه اذا أوصى شخص بشئ من ماله يصرف فى أفضل أنواع البر وجب أن يصرف فى الجهاد، لأنه أفضلها.
وعن أبى على أن العلم أحسن وجوه البر.
وأما اذا أوصى بأن شيئا من ماله يعطى أعقل الناس فانه يجب أن يعطى
стр. 4542
أزهدهم، لأن الأعقل من يختار الآخرة ونعيمها على دار البلايا وحطامها.
وقال أبو العباس: وتصرف فى الأزهد من أهل بلده فان لم يوجد ففى الأزهد من أقرب أهل بلد اليه، وأما اذا أوصى بشئ من ماله لكذا وكذا نحو أن يقول لزيد وعمرو أو للمساجد وللفقراء أو للمسجد ولزيد فان الموصى به نصفان، بخلاف ما اذا قال لفلان وبنى فلان فيكون على عددهم لا أن قال لفلان ولبنى فلان فانه يكون لفلان نصف ولبنى فلان نصف (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام (٢) أنه لو أوصى لذوى قرابته كان للمعروفين بنسبه مصيرا الى العرف.
وقيل: كان لمن يتقرب اليه آخر أب وأم له فى الاسلام وهو غير مستند الى شاهد.
ولو أوصى لقومه قيل: هو لأهل لغته.
ولو قال لأهل بيته دخل فيهم الأولاد والآباء والأجداد.
ولو قال لعشيرته كان لأقرب الناس اليه فى نسبه.
ولو قال لجيرانه قيل كان لمن يلى داره الى أربعين ذراعا من كل جانب.
وجاء فى الروضة البهية أن الجيران فى قول آخر الى أربعين دارا استنادا الى رواية عامية والأقوى الرجوع فيهم الى العرف ويستوى فيه مالك الدار ومستأجرها ومستعيرها ولو غاب لم يخرج عن الحكم ما لم تطل الغيبة بحيث يخرج عرفا. ولو تعددت دور الموصى وتساوت فى الاسم عرفا استحق جيران كل واحد ولو غلب أحدها اختص، ولو تعددت دور الجار واختلفت فى الحكم اعتبر اطلاق اسم الجار عليه عرفا كالمتحد، ويحتمل اعتبار الأغلب سكنى فيها.
وعلى اعتبار الأذرع ففى استحقاق ما كان على رأس الغاية وجهان أجودهما الدخول.
وعلى اعتبار الدور، قيل يقسم على عددها لا على عدد سكانها ثم تقسم حصة كل دار على عدد سكانها ويحتمل القسمه على عدد السكان مطلقا.
وعلى المختار فالقسمة على الرءوس مطلقا.
والوصية للفقراء تنصرف الى فقراء ملة
стр. 4543
الموصى لا مطلق الفقراء وان كان جمعا معرفا مفيدا للعموم والمخصص شاهد الحال الدال على عدم ارادة فقراء غير ملته ونحلته ويدخل فيهم المساكين أن جعلناهم مساوين لهم فى الحال بأن جعلنا اللفظين بمعنى واحد كما ذهب اليه بعضهم أو أسوأ حالا كما هو الأقوى، والا فلا يدخلون لاختلاف المعنى، وعدم دلالة دخول الأضعف على دخول الأعلى بخلاف العكس (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه لو أوصى لواحد من أقاربه مثل أن يقول أوصيت لواحد من أقاربى أو لأحد أقاربى أو لبعض أقاربى أو نحو ذلك أو يقول هذه النخلة أو كذا لواحد من أقاربى أو نحو ذلك لم يصح هذا الايصاء فالموصى به يرثه الورثة على قدر ميراثهم ولا يكون مثل من لم يوص ولا تجزيه.
وقيل: تصح وتجزيه، وعلى هذا فهى بين الأقربين (٢).
وان قال لهذا أو لهذا أو قال لفلان أو لفلان أو قال للذكر أو للأنثى من أقاربه أو نحو ذلك مما يذكر فيه الموصى لفظ أو فكذلك تبطل وتكون ميراثا للورثة، أو تصح فتكون للذين ذكرهما سواء وان كان معهما آخر فله أيضا. قولان:
وكذلك لو ذكر ثلاثة أو أكثر (٣).
وان قال أوصيت بهذا الشئ لفلان أو لفلان، ولو كان أحدهما أجنبيا أو كانا أجنبيين وكذا لو ذكر ثلاثة فصاعدا جاز لوارثه أن يعطيه لمن شاء منهما أو منهم ولو شاء أن يعطى أجنبيا (٤).
وان أوصى لفلان بكذا وكذا وللمساكين أو للحج أو للعتق أو للمسجد أو نحو ذلك فلفلان النصف ولما سمى من ذلك النصف (٥).
ثالثا - حكم اضافة الوصية
الى الأعيان أو المنافع
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أنه يشترط فى الموصى به أن يكون مالا متقوما فلا تصح الوصية بمال غير متقوم كالخمر فانها وان كانت مالا حتى تورث لكنها غير متقومة فى حق المسلم حتى لا تكون مضمونة
стр. 4544
بالاتلاف فلا تجوز الوصية من المسلم ولو بالخمر، ويجوز ذلك من الذمى لأنها مال متقوم فى حقهم كالخل، وتجوز بالكلب المعلم، لأنه متقوم عندنا ألا ترى أنه مضمون بالاتلاف، ويجوز بيعه وهبته سواء كان المال عينا أو منفعة عند عامة العلماء، حتى تجوز الوصية بالمنافع من خدمة العبد وسكنى الدار وظهر الفرس.
وقال ابن أبى ليلى رحمه الله تعالى:
لا تجوز الوصية بالمنافع. وجه قوله أن الوصية بالمنافع وصية بمال الوارث لأن نفاذ الوصية عند الموت وعند الموت تحصل المنافع على ملك الورثة، لأن الرقبة ملكهم وملك المنافع تابع لملك الرقبة، فكانت المنافع ملكهم لأن الرقبة ملكهم فكانت الوصية بالمنافع وصية من مال الوارث فلا تصح، ولأن الوصية بالمنافع فى معنى الاعارة اذ الاعارة تمليك المنفعة بغير عوض والوصية بالمنفعة كذلك والعارية تبطل بموت المعير فالموت لما أثر فى بطلان العقد على المنفعة بعد صحته فلأن يمنع من الصحة أولى لأن المنع أسهل من الرفع.
ويدل لنا أنه لما ملك تملك حال حياته بعقد الاجارة والاعارة فلأن يملك بعقد الوصية أولى لأنه أوسع العقود ألا ترى أنها تحتمل ما لا يحتمله سائر العقود من عدم المحل والحظر والجهالة ثم لما جاز تمليكها ببعض العقود فلأن يجوز بهذا العقد أولى (١).
وسواء كانت الوصية بالمنافع مؤقتة بوقت من سنة أو شهر أو كانت مطلقة عن التوقيت، لأن الوصية بالمنافع فى معنى الاعارة، لأنها تمليك المنفعة بغير عوض، ثم الاعارة تصح مؤقتة ومطلقة عن الوقت وكذا الوصية غير أنها اذا كانت مطلقة فللموصى له أن ينتفع بالعين ما عاش واذا كانت مؤقتة بوقت فله أن ينتفع به الى ذلك الوقت.
واذا جازت الوصية بالمنافع يعتبر فيها خروج العين التى أوصى بمنفعتها من الثلث ولا يضم اليها قيمته وان كان الموصى به هو المنفعة والعين ملك لم يزل عنه، لأن الموصى بوصيته بالمنافع منع العين عن الوارث وحبسها عنه لفوات المقصود من العين وهو الانتفاع بها فصارت ممنوعة عن الوارث محبوسة عنه والموصى لا يملك منع ما زاد على الثلث على الوارث فاعتبر خروج العين من ثلث المال (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل أنه لو أوصى بخدمة عبد أو سكنى دار فان الحكم فى ذلك أن ينظر الى ذلك المعين الموصى بمنفعته
стр. 4545
فان حمله الثلث نفذت الوصية، وان كان الثلث لا يحمل قيمة ذلك المعين الموصى بمنفعته فانه يخير الورثة بين أن بجيزوا ما أوصى به الميت أو يخلع ثلث جميع ما ترك الميت من ذلك المعين وغيره.
قال فى المدونة: ومن أوصى لرجل بخدمة عبده أو سكنى داره سنة جعل فى الثلث قيمة الرقاب، زاد فى الأمهات أنه اذا قومت الخدمة فان حملها الثلث نفذت الوصايا وان لم يحمل خير الورثة فى اجازة ذلك أو القطع للموصى له بثلث الميت من كل ما ترك بتلا. والوصية فى العبد بالخدمة أو بالغلة سواء.
قال أبو الحسن جعل فى الثلث قيمة الرقاب، زاد فى الأمهات لأنى اذا قدمت الخدمة والسكنى حبست الدار والعبد على أربابهما وهم قد يحتاجون الى البيع.
وقال ابن يونس: احتجاجه بالبيع لا يصح فى الدار الجائزة بيعها واستثناء سكناها سنة.
والمعروف من قول مالك وابن القاسم أن يجعل الثلث فى الرقاب وان كانوا قادرين على البيع للاستثناء وان لهم حقا فى تعجيل الانتفاع بالرقاب.
قال ابن يونس وانما جعلت الرقاب فى الثلث مع امكان رجوع ذلك للورثة لأنه قد يموت وتنهدم الدار.
هذا اذا أوصى بمنفعة.
أما اذا أوصى له بمعين كعبد أو دابة أو دار ولم يحمله الثلث قال فى المدونة فان قول مالك اختلف فى هذه المسئلة فقال مرة مثل ما تقدم، وقال مرة يخيرون بين الاجازة وبين أن يقطعوا له بمبلغ ثلث جميع التركة فى ذلك الشئ بعينه، قال: وهذا أحب الى.
قال ابن عبد السّلام والتفرقة بين الوصية بالمنافع وبالمعين. هو المشهور (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أن الوصية تصح بالمنافع المباحة وحدها مؤبدة ومطلقة كخدمة العبد للموصى له ولو لغير الموصى له بالعين لأنها أموال تقابل بالعوض كالأعيان ويمكن صاحب العين المسلوبة المنفعة تحصيلها فلو رد الموصى له بالمنفعة الوصية انتقلت للورثة لا للموصى له بالعين (٢).
ولو قال أعطوه شاة أو رأسا من غنمى أو من شياهى بعد موتى وله غنم عند موته أعطى واحدة منها وليس للوارث أن يعطيه من غيرها وأن رضيا لأنه صلح على مجهول، ولو لم يكن له سوى واحدة تعينت أن خرجت من الثلث. وان قال ذلك ولا غنم له عند
стр. 4546
الموت لغت وصيته لعدم ما تتعلق به وان كان له ظباء لأنها انما تسمى شياه البر لا غنمه، أما اذا لم يكن له غنم عند الوصية وله ذلك عند الموت فانها تصح كما لو قال أعطوه رأسا من رقيقى ولا رقيق له عند الوصية ثم ملكه بعد، وان قال أعطوه شاة من مالى ولا غنم له كما فى المحرر عند موته اشتريت له شاة بأى صفة كانت ولو معيبة، فان كان له غنم فللوارث أن يعطيه منها وأن يعطيه من غيرها شاة على غير صفة غنمه لشمول الوصية لذلك وان قال اشتروا له شاة تعينت سليمة لأن اطلاق الأمر بالشراء يقتضيها كما فى التوكيل بالشراء ويقاس بما ذكر ما لو قال أعطوه رأسا من رقيقى أو رأسا من مالى أو اشتروا له ذلك. ولو قال أعطوه رقيقا واقتصر على ذلك فكما لو قال من مالى فى أنه يتخير بين اعطائه من أرقائه أو غيرهم ويقاس عليه ما لو قال أعطوه شاة ولم يقل من مالى ولا من غنمى (١).
ويملك الموصى له بالمنفعة وكذلك بالغلة أن قامت قرينة على أن المراد بها مطلق المنفعة أو اطراد العرف بذلك - منفعة نحو العبد الموصى بمنفعته فليست اباحة ولا عارية. للزومها بالقبول. ومن ثم جاز له أن يؤجر ويعير ويوصى بها ويسافر بها عند الأمن ويده يد أمانة وتورث عنه واطلاقه المنفعة يقتضى عدم الفرق بين المؤبدة والمؤقتة لكن قيده فى الروضة بالمؤبدة أو المطلقة، أما اذا قال أوصيت لك بمنافعه حياتك فالمجزوم به فى الروضة وأصلها هنا أنه ليس تمليكا وانما هو اباحة فليس له الاجارة وفى الاعارة وجهان.
أصحهما كما قاله الأسنوى المنع فقد جزم به الرافعى فى نظره من الوقف لكن جزم الرافعى فى الباب الثالث من الاجارة بجوازها منه وصوبه فى المهمات (٢).
ويملك أيضا أكسابه المعتادة كاحتطاب واحتشاش واصطياد وأجرة حرفة لأنها أبدال المنافع الموصى بها لا النادرة كهبة ولقطة اذ لا تقصد بالوصية (٣).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه تصح الوصية بالمنفعة المفردة عن الرقبة لأنه يصح تمليكها بعقد المعاوضة فصحت الوصية بها كالأعيان وقياسا على الاعارة كما لو أوصى لانسان بخدمة عبد وغلة دار وثمرة بستان أو ثمرة شجرة سواء وصى بما ذكر من المنفعة مدة معلومة أو وصى بجميع الثمرة والمنفعة فى الزمان كله لأن غايته جهالة القدر وجهالة القدر لا تقدح ولو قال وصيت بمنافعه وأطلق أفاد التأبيد أيضا لوجود الاضافة المعممة،
стр. 4547
واذا كانت الوصية بثمرة بستان أو شجرة أبدا أو مدة معينة لا يملك واحد من الموصى له والوارث اجبار الآخر على السقى لعدم الموجب لذلك (١).
وان أوصى له بلبن شاته وصوفها صح كسائر المنافع ويعتبر خروج ذلك من الثلث كسائر الوصايا وان لم يخرج من الثلث أحيز منها بقدر الثلث ان لم تجز الورثة الباقى واذا أريد تقويم المنفعة وكانت الوصية بالمنفعة مقيدة بمدة معلومة قوم الموصى بمنفعته مسلوب المنفعة تلك المدة ثم تقوم المنفعة فى تلك المدة فينظر كم قيمتها، مثاله لو وصى له بسكنى دار سنة فتقوم الدار مستحقة المنفعة سنة فاذا قيل قيمتها عشرة مثلا قومت بمنفعتها فاذا قيل قيمتها اثنا عشر فالاثنان قيمة المنفعة الموصى بها اذا خرجا من الثلث نفذت الوصية والا فبقدر ما يخرج منها وهذا أحد الوجهين واختاره فى المستوعب قال هذا الصحيح عندى، والوجه الثانى يعتبر خروج العين بمنفعتها من الثلث وان كانت الوصية بالمنفعة مطلقة فى الزمان كله فان كانت منفعة عبد ونحوه فتقوم الرقبة على الورثة وتقوم المنفعة على الوصى لأن الشجر ينتفع بحطبه اذا يبس (٢).
وان وصى لرجل برقبة الأمة ووصى لآخر بمنفعتها صح ذلك وصاحب الرقبة كالوارث ولو مات الموصى له بنفعها أو مات الموصى له برقبتها أو ماتا فلورثة كل واحد منهما ما كان له لأن من مات عن حق فهو لورثته، وان وصى لرجل بحب زرعه ولآخر بتبنه صح والنفقة بينهما على قدر المالين ويجبر الممتنع منهما على الانفاق مع الآخر لأن الترك ضرر عليهما واضاعة للمال وتكون النفقة بينهما على قدر قيمة حق كل واحد منهما فى الحب والتبن كالشريكين فى أصل الزرع (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا تجوز الوصية بما لا ينفذ لمن أوصى له بها أو فيما أوصى به ساعة موت الموصى مثل أن يوصى بنفقة على انسان مدة مسماة أو بعتق عبد بعد أن يخدم فلانا مدة مسماة قلت أو كثرت أو بحمل بستانه فى المستأنف أو بغلة داره وما أشبه ذلك فهذا كله باطل لا ينفذ منه شئ فلو أوصى لآخر بغنم حياته لم يصح لأن الموصى له لا يخلو من أن يكون ملك الغنم التى أوصى له بها مدة حياته أو لم يملكها ولا سبيل الى قسم ثالث، فان كان ملكها فله أن يبيعها كلها أو ما شاء منها وأن يهبها كذلك وأن يأكلها كذلك، وان كان لم يملكها لم يحل له أكل شئ منها ولا من أصوافها ولا من ألبانها وأولادها لأنها مال غيره
стр. 4548
وقد قال رسول الله ﷺ «ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام» ولا شك بنص القرآن فى أن ما يخلفه الميت مما لم يوص به قطعا فهو ملك للورثة واذ هو ملكهم فلا يحل للموصى حكم فى مال الورثة (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار: أن الاكثر على أن الوصية تصح بالمنافع المستباحة كسكنى الدار وخدمة العبد، وللمستأجر أن يوصى بما استحقه من المنفعة كالعين (٢).
ومن أوصى بسكنى داره أو خدمة عبد فطريق اخراجها من الثلث أن تقوم الدار مسلوبة المنافع فما زاد على قيمتها مسلوبة فهو الوصية فتنسب من التركة، وان شئت قومت المنفعة وحدها على الدوام.
قال الامام يحيى فان اوصى بالمنافع مدة معلومة كان التقويم منصرفا الى الرقبة ههنا فى حق الورثة لا الموصى له اذ يملكون منفعتها بعد انفضاء المدة بخلاف الدائمة فان شئت قومت الرقبة كاملة المنفعة ومسلوبتها المدة المضروبة فما نقص من قيمتها كاملة فهو الموصى به وان شئت قومت المنفعة هذه المدة وهى الوصية فتنسب من التركة، فان أوصى بالرقبة لشخص والمنفعة لآخر قومت الرقبة مع منافعها وتنسب من التركة وعمل بحسبه. ومن أوصى بثمرة بستانه وفيه الثمرة انصرف اليها، والا فمؤبدة (٣) أى فالوصية بهذه الأشياء مؤبدة فكأنه قال له ما يحصل من ثمرة بستانى أبدا، ومثله غلة الدار ونتاج الفرس، هذا قول أبى طالب.
وقال أبو العباس: بل تبطل الوصية.
قلنا: بل تصح كمطلق الخدمة والسكنى وذلك لأنه لما لم يكن موجودا علمنا أنه أراد المعدوم فلا مخصص لبعض المعدوم دون بعض (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أن الوصية تصح بالمنفعة كسكنى الدار مدة معينة أو دائما ومنفعة العبد كذلك وشبهه وان استوعبت قيمة العين (٥).
стр. 4549
ولو أوصى بمنافع العبد دائما أو بثمرة البستان دائما قومت المنفعة على الموصى له والرقبة على الوارث أن فرض لها قيمة كما يتفق فى العبد لصحة عتق الوارث له ولو عن الكفارة وفى البستان بانكسار جذع ونحوه فيستحقه الوارث حطبا أو خشبا لأنه ليس بثمرة ولو لم يكن للرقبة نفع البتة قومت العين أجمع على الموصى له (١).
وجاء فى شرائع الاسلام أن الموصى به أما عين أو منفعة، ويعتبر فيها الملك فلا يصح بالخمر ولا الخنزير ولا الكلب الهراش وما لا نفع فيه (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنهم اختلفوا فى الايصاء بالمنافع كغلة شجر وسكنى دور وحرث أراض وخدمة عبيد أو دواب يستخدمهما عنده أو يخدمان غيره فيأخذ الأجرة وذمة العبد وهى ما أوصى به له أو وهب له على قول أن العبد يملك مالا، وكغرس فى أرض وبناء فى أرض ونجارة بقادوم وخياطة بابرة ونحو ذلك.
وقيل: يجوز مطلقا، لأن المنفعة كنفس المال بل هى المقصودة بالذات من نفس المال، وهى ولو لم توجد، لكن تعلقت الوصية لوجودها، وهى أولى من بيع وشرط، مع أن الصحيح فى البيع والشرط الجواز.
وجواز الوصية بالمنفعة هو الصحيح عندى وأحاديث العمرى والرقبى نص فيه.
وقيل: لا يجوز مطلقا، لأن المنفعة معدومة والمعدوم غير مملوك فاذا أوصى بها فقد أوصى بما لم يملك وكأنه أوصى بمال الغير ويرده أحاديث العمرى والرقبى.
وقيل أن أجل جاز، والا فلا.
والمنفعة لصاحب الأرض والشجر والبناء لصاحبهما. فمن أوصى لأحد بثمار جنانه عشر سنين أو أقل أو أكثر أو سكنى داره عشرا أو أقل أو أكثر أو بغير ذلك بتأجيل فمات الموصى فلا يحكم للموصى له بذلك أجل أو لم يؤجل ولزم الوارث كله عند الله.
وأجاز بعضهم الحكم له بذلك كله أيضا ان وسعه الثلث كما جاز له عند الله.
وان أوصى رجل بسكنى هذه الدار أو البيت أو جميع ما يسكن فيه سمى الأجل أو لم يسم فذلك لا يجوز. ويأخذ ما ذكر من الثمار والسكنى وغيرهما فى السنين
стр. 4550
التالية لموته أن عين الموصى أنها بعد موته باتصال أو لم يعين، وان عين فعلى ما عين وكذا كل مدة أقل من السنة (١).
رابعا - حكم اضافة الوصية
الى موصى به غير موجود أو
غير معين
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أنه تصح الوصية بما فى بطن جاريته أو دابته وبالصوف على ظهر غنمه وباللبن فى ضرعها وثمرة بستانه وثمرة أشجاره وان لم يكن شئ من ذلك موجودا للحال.
وأما وجوده عند موت الموصى فهل هو شرط بقاء الوصية على الصحة؟
فأما فى الثلث والعين المشار اليها فشرط، حتى لو أوصى بثلث ماله وله مال عند كلام الوصية ثم هلك ثم مات الموصى بطلت الوصية وكذلك الوصية بما فى البطن والضرع وبما على الظهر من الصوف واللبن والولد حتى لو مات الموصى بطلت الوصية اذا لم يكن ذلك موجودا وقت موته.
وأما فى الوصية بالثمرة فليس بشرط استحسانا.
والقياس أن يكون شرطا.
ولا يشترط ذلك فى الوصية بغلة الدار والعبد.
والحاصل أن جنس هذه الوصايا على أقسام بعضها يقع على الموجود وقت موت الموصى والذى يوجد بعد موته سواء ذكر الموصى فى وصيته الأبد أو لم يذكر وهو الوصية بالغلة، وسكنى الدار وخدمة العبد وبعضها يقع على الموجود قبل الموت ولا يقع على ما يحدث بعد موته سواء ذكر الأبد أو لم يذكر وهو الوصية بما فى البطن والضرع وبما على الظهر، فان كان فى بطنها ولد وفى ضرعها لبن وعلى ظهرها صوف وقت موت الموصى فالوصية جائزة، والا فلا، وفى بعضها أن ذكر لفظ الأبد يقع على الموجود والحادث وان لم يذكر فان كان موجودا وقت موت الموصى يقع على الموجود ولا يقع على الحادث، وان لم يكن موجودا فالقياس أن تبطل الوصية كما فى الصوف والولد واللبن.
وفى الاستحسان لا تبطل وتقع على ما يحدث كما لو ذكر الأبد.
وهذه الوصية بثمرة البستان والشجر انما كان كذلك لأن الوصية انما تجوز فيما يجرى فيه الأرث أو فيما يدخل تحت عقد من العقود فى حالة الحياة والحادث من الولد وأخواته لا يجرى فيه الأرث ولا يدخل تحت عقد من العقود فلا يدخل تحت الوصية، بخلاف الغلة فان له نظيرا فى العقود وهو عقد المعاملة والاجارة، وكذلك سكنى الدار وخدمة العبد يدخلان تحت عقد الاجارة والاعارة فكان لهما نظير فى العقود.
стр. 4551
وأما الوصية بثمرة البستان والشجر فلا شك فى أنها تقع عن الموجود وقت موت الموصى والحادث بعد موته ان ذكر الأبد، لأن اسم الثمرة يقع على الموجود والحادث، والحادث منها يحتمل الدخول تحت بعض العقود وهو عقد المعاملة والوقف فاذا ذكر الأبد يتناوله وان لم يذكر الأبد فان كان وقت موت الموصى ثمرة موجودة دخلت تحت الوصية ولا يدخل ما يحدث بعد الموت وان لم يكن فالقياس أن لا يتناول ما يحدث وتبطل الوصية لأن الثمرة بمنزلة الولد والصوف واللبن والوصية بشئ من ذلك لا يتناول الحادث كذا الثمرة.
وفى الاستحسان يتناوله ولا تبطل الوصية، لأن الاسم يحتمل الحادث وفى حمل الوصية عليه تصحيح العقد ويمكن تصحيحه، لأن له نظيرا من العقود وهو الوقف والمعاملة، ولهذا لو نص على الأبد يتناوله بخلاف الولد والصوف واللبن.
لأنه عقد ما لا يحتمله فلم يكن ممكن التصحيح، ولهذا لو نص على الأبد لا يتناول الحادث وههنا بخلافه.
ولو أوصى لرجل ببستانه يوم يموت وليس له يوم أوصى بستان ثم اشترى بستانا ثم مات فالوصية جائزة لأن الوصية بالمال ايجاب الملك عند الموت فيراعى وجود الموصى به وقت الموت ألا ترى أنه لو أوصى له بعين البستان وليس فى ملكه البستان يوم الوصية ثم ملكه ثم مات صحت الوصية.
ولو قال أوصيت لفلان بغلة بستانى ولا بستان له فاشترى بعد ذلك ومات ذكر فى الأصل أنها غير جائزة لأن قوله بستانى يقتضى وجود البستان الحال فاذا لم يوجد لم يصح.
وذكر الكرخى رحمه الله تعالى أن الوصية جائزة.
والصحيح ما ذكره الكرخى، لأن الوصية ايجاب الملك بعد الموت فيستدعى وجود الموصى به عند الموت لا وقت كلام الوصية
ولو أوصى لرجل بثلث غنمه فهلكت الغنم قبل موته أو لم يكن له غنم من الأصل فمات ولا غنم له فالوصية باطلة وكذلك العروض كلها، لأن الوصية تمليك عند الموت ولا غنم له عند الموت فان لم يكن له غنم وقت كلام الوصية ثم استفاد بعد ذلك ذكر فى الأصل أن الوصية باطلة، لأن قوله غنمى يقتضى غنما موجودة وقت الوصية كما قلنا فى البستان.
وعلى رواية الكرخى رحمه الله تعالى ينبغى أن يجوز لما ذكرنا فى البستان ولو قال شاة من مالى أو قفيز حنطة من مالى وليس له غنم ولا حنطة فالوصية جائزة ويعطى قيمة الشاة لأنه لما أضاف الى المال وعين الشاة وهى لا توجد فى المال علم أنه أراد به قدر مالية الشاة وهى قيمتها.
ولو أوصى بشاة ولم يقل من غنمى ولا من مالى فمات وليس له غنم اختلف
стр. 4552
المشايخ فيه، قال بعضهم لا تصح الوصية لأن الشاة اسم للصورة والمعنى جميعا الا أنا حملنا هذا الاسم على المعنى فى الفصل الأول بقرينة الاضافة الى المال ولم توجد ههنا.
وقال بعضهم يصح لأن الشاة اذا لم تكن موجودة فى ماله فالظاهر أنه أراد به مالية الشاة تصحيحا لتصرفه فيعطى قيمة شاة (١).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإكليل نقلا عن المدونة أنه تصح الوصية بالحمل وبالثمرة الآتية:
قال ابن وهب ان قال أوصيت لفلان بما ولدت جاريتى هذه أبدا أن كانت يوم أوصى حاملا فهو له.
قال ابن رشد ان لم يمت حتى ولدت فى حياته كانت حاملا يوم أوصى أو لم تكن الا أن يرجع عن وصيته فيهم (٢).
وروى عن الموازية أنه اذا أوصى له بشاة من ماله وله غنم فهو شريك بواحدة فى عددها ضأنها ومعزها ذكورها واناثها صغارها وكبارها، فان هلكت كلها فلا شئ له، وان لم يكن له غنم فله فى ماله قيمة شاة من وسط الغنم ان حمله الثلث أو ما حمل منه.
قال الشيخ ومن أوصى لرجل بعشرة شياه من غنمه ومات وهى ثلاثون فولدت بعده فصارت خمسين فله خمسها، قاله أشهب مرة.
وقال مرة له من الأولاد بقدر ماله من الأمهات أن كانت الأمهات عشرين أخذ عشرا من الأمهات ونصف الأولاد أن حملها الثلث أو ما حمله منها.
وروى عن المدونة أن من أوصى بعتق عشرة من عبيده ولم يعينهم وعبيده خمسون فمات منهم عشرون قبل التقويم عتق ممن بقى منهم عشرة أجزاء من ثلاثين جزءا بالسهم خرج عدد ذلك أقل من عشرة أو أكثر ولو هلكوا الا عشرة عتقوا ان حملهم الثلث وكذا من أوصى لرجل بعدد من رقيقه أو بعشرة من أبله فان قال له ثلث أبله أو أوصى له بثلث غنمه فاستحق ثلثاها فانما للموصى ثلث ما بقى من الابل والغنم.
قال فى الموازية واذا قال له شاة من غنمى فمات ولا غنم له فلا شئ له كما لو أوصى بعتق عبيده فماتوا أو استحقوا بطلت (٣).
стр. 4553
مذهب الشافعية:
جاء فى نهاية المحتاج أن الوصية تصح بالحمل الموجود واللبن فى الضرع وبكل مجهول ومعجوز عن تسليمه وتسلمه، ويشترط لصحة الوصية به انفصاله حيا لوقت يعلم وجوده عند الوصية أما فى الآدمى ففيه هنا ما ذكر فى الوصية له وأما فى غير الآدمى فيرجع لأهل الخبرة فى مدة حمله، ولو انفصل حمل الآدمى بجناية مضمونة نفذت الوصية فيما ضمن به بخلاف حمل البهيمة، لأن الواجب فيه ما نقص من قبمة أمه ولا تعلق للموصى له بشئ منها، وتعبيرهم بالحى تعبير للغالب اذ لو ذبحت الموصى بحملها فوجد ببطنها جنين حلته ذكاتها وعلم وجوده عند الوصية ملكه الموصى له كما هو ظاهر.
وكذا تصح الوصية بثمرة أو حمل سيحدثان فى الأصح لاحتمال الوصية وجوها من الغرر رفقا بالناس فصحت بالمعدوم كالمجهول ولا حق له فى الموجود عندها بأن ولدته الآدمية لدون ستة أشهر منها مطلقا أو لأربع سنين وليست فراشا أو القيمة لزمن قال أهل الخبرة أنه موجود عندها.
والقول الثانى المقابل للأصح المنع اذ التصرف يستدعى متصرفا فيه ولم يوجد.
القول الثالث المقابل لهذين القولين تصح بالثمرة دون الحمل لأنها تحدث من غير احداث أمر فى أصلها بخلاف الولد.
وكذا تصح الوصية بأحد عبديه مثلا ويعينه الوارث، لأن الوصية تحتمل الجهالة فالابهام أولى.
وقال الشبراملسى: وهل للوارث الرجوع عما عينه لغيره أم لا؟ فيه نظر والأقرب الثانى لأنه بتعيينه له تعلق به اختصاص الموصى له (١).
ولو أوصى بأحد رقيقه مبهما فماتوا أو قتلوا قبل موته ولو قتلا مضمنا أو أعتقهم أو باعهم مثلا بطلت الوصية اذ لا رقيق له عند الموت، واذا بقى واحد تعين للوصية لصدق الاسم فليس للورثة امساكه ودفع قيمة مقتول، أما اذا قتلوا بعد الموت قتلا مضمنا فيصرف الوارث قيمة من شاء منهم هذا كله ان قيد بالموجودين، والا أعطى واحدا من الموجودين عند الموت وان تجدد بعد الوصية أو أوصى باعتاق رقاب بأن قال أعتقوا عنى بثلثى رقابا أو اشتروا بثلثى رقابا أو أعتقوهم فثلاث من الرقاب يتعين شراؤها ان لم تكن بماله وعتقها عنه، لأنها أقل مسمى الجمع على الأصح الموافق للعرف المشهور
стр. 4554
فان عجز ثلثه عنهن فالمذهب أنه لا يشترى شقص مع رقبتين، لأن ذلك لا يسمى رقابا بل يشترى نفيسة أو نفيستان بالثلث، فان فضل من الموصى به عن أنفس رقبة أو رقبتين شئ فللورثة وتبطل الوصية فيه ولا يشترى شقص وان كان باقيه حرا كما هو مقتضى اطلاقهم (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن الوصية تصح بمعدوم كالذى تحمل أمته قال أبو العباس فى تعاليقه القديمة ويظهر لى أنه لا تصح الوصية بالحمل نظرا الى علة التفريق اذ ليس التفريق مختصا بالبيع بل هو عام فى كل تفريق الا العتق وافتداء الأسير. أو كالوصية بالذى تحمل شجرته أبدا أو مدة معينة كسنة وسنتين فان حصل شئ فله لان الوصية أجريت مجرى الميراث وهذا يورث فصحت الوصية به الا حمل الأمة فيعطى مالك الأمة قيمته لحرمة التفريق فان وطئت بشبهة فعلى الواطئ قيمة الولد لو وصى له به، وان لم تحمل حتى صارت حرة بطلت الوصية، ولا يلزم الوارث السقى لأنه لم يضمن تسليمها بخلاف بائع، والا بأن لم يحصل شئ مما وصى به بطلت الوصية لفوات محلها.
ومثل ما تقدم فى الصحة الوصية بمائة لا يملكها، فان قدر الموصى عليها عند الموت أو قدر على شئ منها صحت واعتبرت من الثلث والا بأن لم يقدر على شئ منها بطلت الوصية لما تقدم (٢).
وتصح الوصية بمجهول كعبد وثوب لأن الموصى له شبيه بالوارث من جهة انتقال شئ من التركة اليه مجانا والجهالة لا تمنع الارث فلا تمنع الوصية ويعطى ما يقع عليه الاسم، لأنه مقتضى اللفظ فان اختلف الاسم بالحقيقة الوضعية والعرف كالشاة هى فى الحقيقة للذكر والأنثى من الضأن والمعز والهاء للوحدة وفى العرف للأنثى الكبيرة من الضأن والمعز غلب العرف كالايمان والبعير والثور هو فى العرف للذكر الكبير من الابل أو البقر، وفى الحقيقة للذكر والأنثى غلب العرف كالايمان، اختاره الموفق وجزم به فى الوجيز والتبصرة، لأن الظاهر ارادته، ولأنه لو خوطب قوم بشئ لهم فيه عرف وحملوه على عرفهم لم يعدوا مخالفين.
وصحح المنقح أنه تغلب الحقيقة وهو القاضى وأبى الخطاب وابن عقيل وغيرهم من الأصحاب وجزم به فى المنتهى لأنها الأصل ولهذا يحمل عليها كلام الله وكلام رسوله ﷺ ،
стр. 4555
فيتناول اللفظ الذكور والاناث والصغار والكبار فيعطى ما يقع عليه الاسم من ذكر وأنثى كبير وصغير لصلاحية اللفظ له (١). والدابة اسم للذكر والأنثى من الخيل والبغال والحمير لأن ذلك هو المتعارف قال الحارثى والقائلون بالحقيقة لم يقولوا ههنا بالأعم كأنهم لحظوا غلبة استعماله فى الأجناس الثلاثة بحيث صارت الحقيقة مهجورة.
فان قرن بذكر الدابة فى الوصية ما يصرفه الى أحد الأجناس الثلاثة كقوله أعطوا له دابة يقاتل عليها انصرف الى الخيل.
وكذا لو قال دابة بسهم لها لاختصاصها بذلك وان قال اعطوا له دابة ينتفع بظهرها ونسلها خرج منه البغال والذكر لانتفاء النسل فيهما.
ولو قال أعطوه عشرة أو عشرا من أبلى أو غنمى فللذكر والأنثى لأنه قد يلحظ فى التذكير معنى الجمع وفى التأنيث معنى الجماعة وأيضا اسم الجنس يصح تذكيره وتأنيثه.
وان أوصى له بعبد مجهول بأن أوصى له بعبد من عبيده ولم يعينه صح ويعطيه الورثة ما شاءوا منهم، لأن لفظه تناول واحدا فيلزم الموصى له قبول ما يدفعه الوارث من صحيح أو معيب، جيد أو ردئ لتناول الاسم له، فان لم يكن له عبيد لم تصح الوصية ان لم يملك الموصى عبيدا قبل الموت، لأن الوصية تقتضى عبدا من الموجودين حين الموت أشبه ما لو أوصى له بما فى الكيس ولا شئ فيه أو بداره ولا دار له فلو ملك الموصى شيئا من العبيد قبل الموت، ولو واحدا أو كان له عبد واحد صحت الوصية وتعين كونه للموصى له لأنه لم يكن للوصية محل غيره، وان كان للموصى عبيد فماتوا قبل موت الموصى بطلت الوصية لفوات محلها ولو تلفوا بعد موته من غير تفريط من الورثة فكذلك وان ماتوا الا واحدا تعينت الوصية فيه لأنه لم يسبق غيره وان قتلوا كلهم فللموصى له قيمة أحدهم وهو من يختار الورثة بذله للموصى له على قاتله، ومثل العبد فى الوصية شاة من غنمه وثوب من ثيابه وأتان من حميره وفرس من خيله ونحوها على ما سبق تفصيله بلا فرق (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من أوصى بمتاع بيته فانما للموصى له بذلك ما المعهود أن يضاف الى البيت من الفرش المبسوطة فيه والمعلق والفراش الذى يعقد عليه والذى ينام عليه بما يتغطى فيه ويتوسده