وصح عن أبى هريرة: من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله (١).
مذهب الزيدية:
ويندب عند الزيدية حضور الوليمة بشروط سبعة: أولها أن تعم الفقير والغنى، والثانى: حيث تكون فى اليوم الأول والثانى، والثالث: ألا يكون هناك منكر، والرابع: أن يعين الداعى من يدعوه بنفسه أو برسوله أو بكتاب، والخامس ألا يدعوه لخوف منه أو لطمع فى جاهه أو اعانته على باطل، والسادس: ألا يكون الداعى فاسقا أو شريرا، والسابع: ألا يكون أكثر مال الداعى حراما.
وندب أيضا اجابة المسلم إلى طعامه وإن لم يكن معه وليمة، وإذا اتفق داعيان أو أكثر فيستحب له أجابتهم جميعا، ويندب له تقديم إجابة الأول ثم الأقرب نسبا ثم الأقرب بابا، فإذا أستويا أقرع بينهما (٢).
مذهب الإمامية:
أما الشيعة الجعفرية: فيستحبون إجابه الدعوة للوليمة عند الزفاف (٣) وقد حكم فى الشرائع بكراهة الصوم ندبا لمن دعى إلى طعام، واستدل عليه فى الجواهر بما دل على النهى عن معارضة المؤمن وترك إجابته
وقد قيل أن مقتضى اطلاق النص والفتوى عدم الفرق بين من هيأ لهم طعاما وغيره وبين من يشق عليه المخالفة وغيره، ونص الفاضلان على اشتراط كونه مؤمنا ولعله لكونه المتبادر من الأخ، ولأنه الذى رعايته أفضل من الصوم (٤).
ثالثا - إجابة المستفتى:
يقول ابن القيم (٥): إن سأل سائل عن الحكم فللمسئول حالتان: أحداهما أن يكون عالما به، والثانية أن يكون جاهلا به، فإن كان جاهلا حرم عليه الافتاء، وإن كان عالما بالحكم فللسائل حالتان: أحداهما أن يكون حضر وقت العمل (أى جاء السائل إلى المفتى لسؤاله عن واقعة حدثت) وقد احتاج إلى السؤال، فيجب على المفتى المبادرة على الفور إلى جوابه، الثانية أن يكون قد سأله عن الحادثة قبل وقوعها فهذا لا يجب على المفتى أن يجيب عنها، وأطال فى ذكر الأدلة (أنظر: أفتاء).
رابعا - أجابه الاستغاثة:
يقول الأحناف (٦): يجب إغاثة الملهوف بقطع الصلاة، سواء استغاث بالمصلى أو لم يعين أحدا فى الاستغاثة (انظر: إغاثة).
خامسا - إجابة الخصوم عند القاضى:
لا خلاف بين الفقهاء فى الزام المدعى عليه بالإجابة على الدعوى اذا ما طلب منه ذلك.
стр. 492
جاء فى البدائع (١): «أن من حكم الدعوى وجوب الجواب على المدعى عليه لأن قطع الخصومة والمنازعة وأجب ولا يمكن ذلك إلا بالجواب».
وفى المغنى (٢) إذا حرر المدعى دعواه فللحاكم أن يسأل خصمه الجواب قبل أن يطلب المدعى ذلك.
وفى الدردير وحاشية الدسوقى (٣): يلزم المدعى عليه أن يجيب المدعى على دعواه بشئ محقق أو بالانكار (انظر: دعوى، وقضاء).
سادسا - إجابة المرأة فى النكاح:
جاء فى كتاب الهدايه فى الفقه الحنفى:
النكاح ينعقد بالايجاب والقبول، فلو استأذن الثيب فلا بد من رضاها بالقول لقوله ﵊ «الثيب تشاور» ولأن النطق لا يعد عيبا منها وقل الحياء بالممارسة فلا مانع من النطق فى حقها (٤).
وفى الكنز وشرحه للعينى (٥) ان استأذن الولى البكر البالغة فسكتت أو ضحكت فهو اذن منها (انظر: نكاح).
سابعا - إجابة طالب الضيافة:
للفقهاء خلاف وتفصيل فى إجابه الضيف إلى طلب الضيافة، فيذهب الظاهرية - كما ينقل عنهم ابن حزم (٦) - إلى أنها فرض.
وكذلك المالكية (٧) على تفصيل.
ونقل الشوكانى (٨) أنها ليست واجبة عند الجمهور (انظر: ضيافة).
ثامنا - الإجابة إلى الإسلام:
يقول الحنفية: إن الإجابة إلى الإسلام بعد الدعوة إليه تقتضى الكف عن القتال وكذا فى الجزية بالنسبة لغير المرتدين ومشركى العرب.
جاء فى الهداية (٩): إذا دخل المسلمون دار الحرب فحاصروا حصنا أو مدينة دعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا كفوا عن قتالهم، وأن أمتنعوا دعوهم إلى أداء الجزية، وهذا فى حق من تقبل منه الجزيه ومن لا تقبل منه كالمرتدين وعبدة الأوثان لا يقبل منهم إلا الإسلام فان بذلها من تقبل منهم الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين (انظر: جهاد).
وقالوا (١٠) فى المرتد: يعرض عليه الإسلام فان كانت له شبهة كشفت عنه ويحبس ثلاثة أيام فان أجاب إلى الإسلام وإلا قتل (انظر:
مرتد).
стр. 493
إجارة
١ - التعريف بها لغة:
يقال أجر الشئ اكراه وأجر العامل صاحب العمل رضى أن يكون أجيرا عنده وجمعه أجراء، ومنه قوله تعالى: «عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ» (١).
وأجر فلانا على كذا أعطاه أجرا.
والفعل من باب قتل، وعند بنى كعب من باب ضرب.
ويقال آجرت الدار فأنا مؤجرها، كما يقال آجرت فأنا مؤاجر.
وأجر من فلان الدار أكراها له وأجر فلانا الدار أكراه اياها وآجره مؤاجرة استأجره، واستأجره اتخذه أجيرا كما يقال ائتجر على فلان بكذا عمل له بأجر، ويقال فى معنى أجره أكراه فهو مكر وكاراه فهو مكار واكتراه استأجره فهو مكتر وأكرانى دابته أجرنى اياها.
والأجرة الكراء والكروة.
والاجارة الأجرة على العمل.
والأجر عوض العمل وجمعه أجور وجمع الأجرة أجر (٢).
٢ - التعريف بها شرعا:
يعرفها الفقهاء بأنها عقد يفيد تمليك المنفعة بعوض، وبذلك تميزت من الجعالة لأن الجعالة ليست عقدا وانما تنشأ بارادة الجاعل وحدها، ومن البيع والهبة لأنهما يفيدان تمليك الأعيان، ومن العارية والوصية بالمنفعة لأن التمليك بهما بالمجان.
وليس فى تعريف الاجارة بذلك اختلاف بين الفقهاء جميعا، وانما يختلفون فى العبارة الدالة على هذا المعنى من ناحية استعمال لفظ بدل لفظ له معناه أو من ناحية زيادة بيان وتفصيل كما فى تعريف بعض الحنابلة لها فى «كشاف القناع» بأنها عقد على منفعة مباحة معلومة تؤخذ شيئا فشيئا مدة معلومة من عين معلومة أو موصوفة فى الذمة أو عمل معلوم بعوض معلوم.
واستثنوا من المدة ما فتح من الأرض عنوة وترك لأهله بالخراج على أن يكون أجرة له مراعاة للمصلحة العامة التى استوجبت ذلك فانه فى نظر الحنابلة يعد متروكا فى يد أهله بطريق الاجارة دون تقدير مدة لذلك، ولذا يبقى فى أيديهم لا ينزع منهم.
وينتقل بالوراثة الى ورثتهم فيتوارثون منافعها كما تتوارث الأعيان (٣).
وكذلك استثنوا الصلح مع صاحب أرض على حق ادعى عليه نظير بدل أو عوض هو أن يجرى المصالح فى تلك الأرض ماء أرضه الفاضل من ريها أو حاجتها من الماء فى ريها على أن يكون ذلك حقا له دائما، فقد أجازوا ذلك على أنه اجارة للمجرى، فى أرض المصالح بلا اشتراط مدة بل تعد اجارة مستمرة (٤).
стр. 494
وقد شاع عند كثير من الفقهاء استعمال اسم الاجارة وما اشتق منها فى استئجار الآدميين واستعمال اسم الكراء وما اشتق منه فى استئجار غيرهم ومع ذلك فقد يستعملون اللفظين دون تفرقة بينهما فى الاستعمال (١).
وفى الشرح الكبير للدردير (٢) أن المالكية يسمون العقد على منافع الآدمى وما يقبل الانتقال كالثياب والأوانى ما عدا السفن والحيوان اجارة، والعقد على منافع ما لا يقبل الانتقال كالأرض والدور، وكذلك منافع السفن والدواب كراء، وهذا هو الاستعمال الغالب عندهم، وقد يستعملون أحد اللفظين محل الآخر.
الاجارة - محلها
محل الاجارة المنافع فلا ترد الا على منفعة، والمنفعة نوعان:
منفعة أشياء: وهى ما يكتسب من الأعيان كمنافع الدور والثياب والحيوان ونحو ذلك.
ومنفعة أعمال: وهى ما يقوم به العمال من الأعمال التى تطلب منهم كالخياطة والصياغة والصناعة والنجارة والبناء والحمل ونحو ذلك.
ولما كان محلها المنافع كان الواجب فيها عند تمامها تسليم ذلك المحل الى من تملكه استيفاء لحقه، غير أن المنافع لا يتصور فيها التسليم بذاتها لأنها أعراض، فقام مقام ذلك تسليم العين التى تطلب منها المنفعة وتمكين المنتفع من الانتفاع بها، واعتبر ذلك تسليما للمنفعة نفسها، وذلك واضح فى اجارة الأشياء.
أما فى اجارة العمال على الأعمال فان تسليم العمل المطلوب يتم اما بقيام العامل الأجير بالعمل فعلا والتخلية بينه وبين المؤجر، واما بتسليم نفسه الى مستأجره واستعداده لأن يقوم به كما فى الأجير الخاص (الوحد).
ولذا لو سلم نفسه الى مستأجره مدة الاجارة كلها مستعدا للقيام بالعمل استحق الأجرة، وان لم يعمل لأنه فعل ما يطلب منه وما يستطيع أن يقوم به وذلك محل اتفاق بين المذاهب.
وبناء على ما ذكر لم تجز اجارة الشجر والكرم لأخذ ثمره كما فى استئجار البساتين لأخذ أثمارها لأن الثمر عين لا منفعة فلا ترد عليه الاجارة، وكذلك لم يجز استئجار شاة لأخذ لبنها أو أولادها أو صوفها ولا استئجارها لترضع جديا أو طفلا ولا استئجار الآجام والبرك لأخذ ما يكون فيها من السمك ولا استئجار المراعى المملوكة لرعى ما فيها من الكلأ ولا استئجار الفحل للضراب وغير ذلك مما يراد من استئجاره تملك عين لا منفعتها، والى هذا ذهب الحنفية (٣) ومالك (٤) والشافعية (٥) والحنابلة (٦) كما ذهب الى ذلك أيضا ابن حزم من الظاهرية (٧) والزيدية (٨).
стр. 495
وأما الشيعة الإمامية:
فقد جاء فى كتاب تحرير الأحكام (١) لهم: «ولا يجوز استئجار شجر لأخذ ثمره، كما جاء فيه أيضا ما نصه وفى جواز استئجار الغنم والابل والبقر لأخذ لبنها أو لاسترضاعها أو لأخذ صوفها أو شعرها أو وبرها اشكال كما جاء فيه أيضا: ويجوز كراء بئر أو عين لأخذ الماء منها أما شراء الماء فلا يصح».
والحكم الأول الخاص باستئجار الشجر لأخذ ثمره يدل على أن الشيعة الإمامية كغيرهم فى أنهم لا يجوزون ورود عقد الاجارة على الأعيان ومن ثم كان فى قولهم بجواز استئجار الغنم لأخذ لبنها وصوفها اشكال، وربما دل هذا على وجود خلاف فى الفقه الشيعى فى تجويز اجارة عين لأخذ ما تنتجه من ماء أو لبن ونحوه، ومن ثم جاز استئجار البئر لأخذ مائه نتيجة لهذا الخلاف وان لم يشر صاحب الكتاب الى هذا الخلاف، وربما كان ذلك من قبيل الاستثناء وأن المذهب الشيعى يرى عدم الجواز الا فيما نص على جوازه.
الإباضية:
أما الإباضية فقد جاء فى شرح النيل جواز كراء البئر أو العين لأخذ مائه، وان ذلك محل خلاف عندهم (٢).
وأجاز ذلك الحنفية لعموم البلوى (٣)
واستثنى الفقهاء من هذا الأصل اجارة الظئر للارضاع مراعين فى ذلك أن الاجارة فى هذه الحال على ما تقوم به الظئر من أعمال ومنافع للطفل من حمل ورعاية وحفظ وغير ذلك من الأعمال التى تصلح أن تكون محلا لعقد الاجارة، أما اللبن فتابع لذلك.
وذهب ابن عقيل من الحنابلة الى جواز استئجار البئر ليستقى منه أياما معلومة أو ليؤخذ منه دلاء معلومة.
وفى المغنى أن القول بهذا يقتضى جواز استئجار بركة ليصطاد منها السمك مدة معلومة.
كما نصوا على جواز الاستئجار على الكتابة وعندئذ يكون التزام الكاتب بالحبر والأقلام ودخوله فى الاجارة من قبيل دخول التابع ومثله خيط الخياط وكحل الكحال ومرهم الطبيب وصبغ الصابغ (٤) وماء الحمام، وذلك مع ملاحظة ما فى الحمام من الانتفاع بالأدوات والمكث فيه، ومثل هذه المسائل كثير فيما جرى به العرف.
وفى المحلى لابن حزم (٥): ولم يجز مالك اجارة الشاة ولا الشاتين للحلب وأجاز اجارة القطيع من ذوات اللبن للحلب، كما أجاز استئجار البقرة للحرث مع اشتراط لبنها.
وقد جاء بالتاج والاكليل للمواق ما يدل على ذلك (٦).
فقد جاء فيه جواز أن يكترى البقرة ويشترط حلابها لأن الغرر خف بما انضاف
стр. 496
اليها من الكراء كما خف فى الغنم اذا كثرت وجاء فى متن خليل ما يدل على أن شرط جواز الاجارة فى هذه المسائل ألا يكون القصد منها أصالة الحصول على عين والا كانت ممنوعة (١).
وجاء فى الشرح الكبير للدردير: ولا يجوز استئجار شجر لأخذ ثمره ولا استئجار شاة لأخذ لبنها، ثم ذكر بعد ذلك: أنه اذا اكتريت أرض أو دار وكان فيها شجر مثمر جاز أن يشترط فى عقد الاجارة دخول هذا الشجر فيه فيكون للمستأجر ثمره، وذلك اذا توافرت الشروط الآتية:
١ - ألا يكون ثمر هذا الشجر قد بدا صلاحه، فأما اذا بدا صلاحه فانه يجوز اشتراطه مطلقا بلا قيد ولو كان ثمره كثير القيمة، وذلك على أساس أن ذلك الشرط حينئذ يجعل العقد عقدين، عقد على اجارة العين وعقد على شراء الثمر واجتماع عقد الاجارة مع عقد البيع جائز.
٢ - أن يكون بدو صلاح هذا الثمر فى مدة الاجارة فان كان بدو صلاحه عادة بعد المدة لم يجز ذلك الشرط وفسدت به الاجارة وان كان قليل القيمة.
٣ - أن يكون هذا الشرط قد قصد به دفع الضرر عن العاقدين.
٤ - أن تكون مدة الاجارة وجيبة لا مشاهرة.
٥ - أن تكون قيمة الثمر ثلث مجموع ما تؤجر به العين مضافا اليه قيمة الثمر أو أقل، فان زادت على الثلث لم يجز وفسد العقد.
وليس يجوز مثل هذا الشرط فى الأرض المستأجرة يكون فيها زرع الا اذا نقصت قيمته عن ثلث مجموع ما تؤجر به الأرض مضافا الى ذلك قيمة الزرع (٢).
وفى اغاثة اللهفان (٣) الحنبلى: أن مالكا يرى جواز اجارة الشاة مدة معلومة بعلفها لأخذ لبنها، وخالفه فى ذلك الباقون ووجه قوله أن اللبن يحدث بعلفه وخدمته كحصول الغلة ببذر الزرع وخدمته لا فرق بينهما، وقد جاز اجارة الأرض لذلك كما أنه يجوز اجارة بئر لمائها مدة معلومة مع أن حصول الماء ليس من عمله، ويجوز اجارة بركة لأخذ ما فيها من السمك.
ومما يتصل بهذا الموضوع، ما أشرنا اليه من اجارة الظئر واجارة الحمام «كراء الحمام» وهاك تفصيل حكمهما.
اجارة الظئر
وللمسترضع أن يستأجر ظئرا لقوله تعالى: «وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ» (٤).
ويجوز استئجارها بأجر معين كما يجوز استئجارها بطعامها وكسوتها ولها عند ذلك
стр. 497
الوسط عند الامام لجريان العادة بالتوسعة على الظئر شفقة على الولد بالانفاق ولها الأجر عند الحنفية ان أرضعته أو دفعته الى من أرضعته من جارة لها أو ظئر أخرى استأجرتها لذلك لأن الغرض من الاجازة غذاء الطفل وقد تحقق ذلك بعملها وعمل الثانية يعتبر كعملها لأنه حدث بأمرها وللعامل أن يعمل بنفسه وبغيره ما لم ينهه المؤجر عن ذلك ويشترط عليه أن يعمل بنفسه واذا كانت المرضع زوجا كان لزوجها فسخ هذه الاجارة اذا لم تكن باذنه متى كان النكاح ظاهرا فان لم يعلم الا بتصادقهما فليس له الفسخ، وللمستأجر فسخها بحبل المرضع ومرضها وفجورها فجورا بينا وغير ذلك من الأعذار.
وتنتقض بوفاة الصبى لا بوفاة أبيه لأنه انما عقد للطفل لا لنفسه وعليها كل ما يقضى العرف بالزامها به كغسل الطفل وغسل ثيابه واعداد طعامه اذ الأصل فى توابع العقود التى لا ذكر لها فى العقد أنها تحمل على عادة كل بلد، ولهذه الملاحظة صحت هذه الاجارة من حيث أنها تعد اجارة على ما حصل الطفل عليه من منافع بحسب العرف واللبن تابع كالصبغ فى الاستئجار على الصباغة ونحو ذلك، والأجرة فيها على الأب المؤجر فى ماله ان لم يكن للطفل مال والا ففى مال الطفل، واذا أرضعته بلبن شاة أو غذته بطعام ومضت المدة فلا أجر لها اذ لم تأت بالعمل الواجب عليها بالعقد وهو الارضاع (١).
والى هذا ذهب مالك (٢)، غير أن مالكا جعل لها الفسخ بموت الأب اذا لم يعجل لها الأجر ولم يترك مالا ولم يتطوع به متطوع من وارث أو غيره.
ويرى الشافعى جواز اجارة الظئر للحاجة اليها ولا بد فيها عنده من تعيين مدة الارضاع ومكانه ومن تعيين الرضيع برؤيته أو وصفه لاختلاف شربه باختلاف سنه وتكلف المرضع بأن تتناول ما يكثر به اللبن وتترك ما يقلله ولو سقته لبن غيرها استحقت الأجرة ان لم يشترط عليها ذلك (٣).
والى هذا ذهب الحنابلة (٤)، فصححوا اجارة الظئر بطعامها وكسوتها للعرف وتنته الاجارة بانقطاع اللبن واذا لم ترضعه وسقته اللبن من شاة أو أطعمته أو دفعته الى غيرها فأرضعته فلا أجرة لها لأنها تعرف ما التزمت به من قيامها بارضاعه.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم (٥): وجائز استئجار المرأة ذات اللبن لارضاع الصغير مدة مسماة لقوله تعالى: «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» (٦).
ثم قال بعد ذلك: ولا يجوز استئجار شاة للحلب أصلا، وأجاز مالك اجارة القطيع لا الشاة والشاتين للحلب.
مذهب الزيدية:
ولا يختلف مذهب الزيدية عما ذهب اليه غيرهم من جواز اجارة الظئر بأجرة مسماة
стр. 498
غير أنهم يجعلون حكمها حكم الأجير الخاص ان أفاد العقد معها ذلك، وعندئذ لا تصح اجارتها بنفقتها للجهالة الا أن تقدر قيمتها فتصح، وليس لها أن تؤجر نفسها من آخر الا باذن مستأجرها ولا تحضن غيره ولا ترضعه الا باذن واذا تعيبت بمرض أو حبل كان للمسترضع فسخها ولها أن تفسخ لما يلحقها من المضرة بعد ابتداء مدتها ولا بد فيها كما تقدم من تعيين المدة والمكان والطفل، ولا بد من اذن زوجها.
ويرى الزيدية أنها تضمن ما يصيب الطفل من عيب غير غالب أو عيب ناتج عن اهمالها وتقصيرها أو مخالفتها للعقد فاذا سقته لبن شاة فمرض فعليها علاجه ودواؤه حتى يبرأ واذا مات وكان هذا مما يتلف به الأطفال ألزمت بديته (١).
مذهب الإمامية:
ويرى الشيعة الإمامية أن استئجار الظئر بطعامها وكسوتها غير جائز للجهالة وكذلك استئجار الخادم على هذا الوضع ولو بين ذلك بما ترتفع به الجهالة جاز بشرط تعيين وقت الدفع اليها، واذا كانت الاجارة بعوض معلوم وشرط لها نفقتها من طعام وكسوة ففى جواز ذلك نظر عندهم (٢).
ولا بد فى استئجار الظئر من تعيين المدة والصبى بالمشاهدة ومكان الارضاع وبيان العوض وبيان المعقود عليه أهو خدمة الصبى
وحمله وما الى ذلك مما جرت به العادة فى رعايته وحضانته واللبن تابع حينئذ كماء البئر فى الدار، والصبغ فى الصباغة والخيط فى الحياكة أم المعقود عليه الارضاع وما عدا ذلك تابع.
والأقرب الثانى وهو أن المعقود عليه للارضاع ولذا تستحق الأجرة به وان لم تخدمه دون العكس.
وجواز الاجارة فى هذه الحال مع أن المعقود عليه عين ترخيص دعا اليه الاستحسان، ويكون ارضاع الولد على وضع يصلح به حاله، ولو سقته لبن الغنم أو دفعته الى غيرها فأرضعته لم تستحق أجرا ولا يجوز اجارة زوجة للارضاع الا باذن زوجها.
وفى جواز اجارة الرجل زوجته لارضاع ولدها منه رأيان:
المذهب: عدم جوازه، وجوزه ابن ادريس وهو جيد يؤيده أن ليس للرجل اجبار زوجته على ارضاع ولدها منه ولكن يجوز له استئجار زوجته على ارضاع ولده من غيرها وتنته الاجارة بوفاة الطفل وأجرة الارضاع على الطفل ان كان له مال لأن العقد له ولذا لا يبطل بموت والده (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: اجارة المرضع واردة فى القرآن، قال تعالى: «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ»،﴾ وهى سنة جرت فى
стр. 499
الجاهلية والاسلام، وقد استرضع رسول الله فى بنى سعد، وينبغى تخير المرضع فلا تكون مجنونة ولا برصاء ولا مجذومة ولا مشركة، وتجوز اجارتها الى سنتين وعليها حفظه واطعامه وشبعه وغسل ثيابه ولا تخرج به الا باذن والده ولا تعطيه لغيرها من النساء لترضعه الا على الاضطرار ولا تطعمه قبل المدة الا اذا استغنى عن اللبن ولا تترك ارضاعه الى لبن الأنعام.
فان مات الطفل أو انته لبنها انتهت اجارتها ولا تستأجر الا باذن زوجها والأجرة لها اذا أرضعت أذن لها أم لم يأذن ولا تأخذ رضيعا آخر الا باذن من أبى الأول، ولها ارضاع ولدها معه، فان أضر ذلك بالرضيع ردته لوليه وللأم أن ترضع ولدها بأجرة وان كانت فى نكاح أبيه ولا تستحق أجرا الا بالارضاع بنفسها (١).
اجارة الحمام
وجازت اجارة الحمام استحسانا للعرف وان انعقدت على جهالة فى مقدار المكث فيه ومقدار ما يستعمل من مائه.
وتضمنت كذلك تملك عين هو الماء الذى يستعمله المستأجر لغسل بدنه، ذهب الى ذلك الحنفية (٢)، وكراهة عثمان رضى الله عنه محمولة على ما فيه من كشف العورة.
والى هذا ذهب المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
وفى المحلى لابن حزم (٦)، واستئجار الحمام جائز ويكون البئر والساقية تبعا فى اجارته ولا يجوز عقد اجارة مع الداخل فيه ولكن يعطى مكارمة فان لم يرض صاحب الحمام بما أعطى ألزم الداخل فيه بعد خروجه بما يساوى بقاءه فيه فقط لأن مدة بقائه قبل أن يستوفيه مجهولة ولا يجوز عقد الكراء على مجهول.
مذهب الإمامية:
وذهب الشيعة الإمامية الى جوازها (٧)، وقد جاء فى شرح النيل، ويجوز كراء الحمام جميعه ان أكراه بأجر معلوم الى مدة معلومة ولا يجوز له أن يدخل صاحبه فيه ولا غيره الا باذن المكترى، ويستنفع المكترى بمائه وبما فيه من المراجل والقدور وغيرها ولا ينتفع بالازار، وقيل يستعمل كل ما يصلح لدخول الحمام ولا يتفق صاحب الحمام مع من يدخل فيه على أجرة، ولكن يأخذ ما يعطيه اياه وقيل يجوز الاتفاق (٨).
الاجارة - أركانها
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن ركنها الصيغة التى يصدرها العاقدان دالة على معناها وانشائها وهى تتكون من الايجاب والقبول، والايجاب هو ما يصدر أولا منهما دالا على معناها من كل لفظ يدل عليه كالاجارة
стр. 500
والاستئجار والاكراء والاكتراء أو كتابة تدل على ذلك أو اشارة ممن يعجز عنها كذلك.
والقبول هو ما يصدر ثانيا مفيدا للرضى كقبلت ورضيت ونحوه مما أشرنا اليه آنفا.
وفى انعقادها لاضافة الايجاب الى المنافع كأجرتك سكنى دارى شهرا بكذا خلاف بين الحنفية.
ذكر فى البحر أنها لا تنعقد بذلك لأن المنافع معدومة.
جاء فى البزازية أن فى المسألة قولين (١)
وهما قولان عند الشافعية والزيدية (٢).
ويرى غير الحنفية من الفقهاء كالشافعية والمالكية والحنابلة، أن أركانها الايجاب والقبول، ويعبر عنهما بالصيغة والعاقدان والأجرة والمنفعة، بينما يرى الحنفية أن ما عدا الايجاب والقبول من قبيل الشروط وفى بيان ما يشترط فى أركانها مما سبق بيانه ما عدا الأجرة والمنفعة يرجع الى مصطلح «ايجاب، قبول، عاقد».
والعاقدان فيها المؤجر، وهو مملك المنفعة، والمستأجر وهو متملك المنفعة، ويقال للمؤجر: آجر، ومؤاجر، ومكر، ومكارى، وللمستأجر مكترى.
الاجارة: شروطها
للاجارة شروط فى عاقديها وشروط فى الصيغة وشروط فى محلها وهو المنفعة وشروط فى الأجرة وهى بدل المنفعة، وهذه الشروط منها شروط تتعلق بانعقادها، فاذا لم يتوفر شرط منها فيها لم تنعقد وشروط تتعلق بصحتها فاذا لم يتوفر شرط منها كانت غير صحيحة.
وشروط تتعلق بنفاذها فاذا لم يتوافر شرط منها فيها كانت موقوفة لم يترتب عليها أثرها.
وشروط تتعلق بلزومها على ما ذهب اليه الجمهور من أنها عقد لازم، فاذا لم يتوفر شرط منها فيها كانت غير لازمة عند جميع الفقهاء.
ومما يتعلق من هذه الشروط بالعاقدين أو بالصيغة شروط عامة يجب توافرها فى كل عقد، ولذا يرجع الى بيانها فى مصطلح «شرط» ولا نعرض هنا الا ما يتعلق بشروط محلها وهو المنفعة.
وشروط بدل المنفعة وهو الأجرة، وقد ذكرنا ستة شروط تشترط فى محلها خمسة منها تعد شروط صحة والأخير يعد شرط نفاذ ولذا كانت الاجارة عند فقده موقوفة على اجازة مالك المنفعة ان كان لها مالك كما سيأتى بيان ذلك تفصيلا.
شروط محلها: وهو المنفعة
أما المنفعة فقد بينا فيما سبق أنها محل عقد الاجارة أى المعقود عليه، وهى عرض ليس له وجود عند انشاء العقد، ولذا رأى
стр. 501
الفقهاء من الحنفية قيام الأعيان فى الاجارة مقام منافعها واعتبار وجودها وجودا لمنافعها حتى يتعلق العقد بموجود فى الخارج، وذلك نتيجة لما يراه الحنفية من أن الأصل فى العقود أن ترد على موجود عند التعاقد، وذلك أصل فيه اختلاف الفقهاء (انظر مصطلح: عقد «محله»).
ويشترط فى المنفعة الشروط الآتية:
الشرط الأول
يجب لصحة الاجارة أن تكون معلومة
عند التعاقد
علما تنتفى به الجهالة المؤدية الى النزاع وسواء فيه أن يكون نتيجة لعرف أو نتيجة لذكرها مع أوصافها أو لذكرها مع الاشارة اليها.
فأما علمها بالعرف ففى مثل اجارة الدور والحوانيت فى الأماكن المختلفة، ذلك لأن استعمال الدور معروف عرفا وكذلك استعمال حوانيت كل ناحية من نواحى السوق أو البلد، ففى هذه الحال تنعقد الاجارة فيها على منفعتها المتعارفة لأن المعروف عرفا يعد فى حكم المشروط نصا فيتقيد بها المستأجر ولا يخرج عنها.
ومن ذلك اجارة الأرض لزراعتها اذا قضى العرف بزراعتها بصنف معين فلا يجوز للمستأجر أن يتجاوزه الى ما يضر بالأرض أو يضر بغيره ولكن اذا نص فى العقد على أن يزرع فيها ما يشاء لم يتقيد بالعرف حينئذ لأن النص أقوى دلالة منه.
وأما معرفتها بذكرها مع أوصافها ففى مثل الاستئجار على صبغ هذا الثوب بلون كذا أو على خياطته بشكل كذا أو على نقل المتاع المعين من جهة كذا الى جهة كذا وغير ذلك من الأمثلة.
وأما معرفتها بالاشارة ففى مثل الاستئجار على حمل هذا المتاع من هذه الجهة الى هذه الجهة أو على هدم هذا البناء ونحو ذلك.
هذا ومن عناصر العلم بها بيان محلها وبيان مكانها.
بيان محل العقد
فأما بيان محلها فيكون ببيان العين التى وقعت عقد الاجارة على منفعتها كما فى استئجار هذه الدار للسكنى واستئجار هذه الأرض للزراعة، فلو قال أجرتك احدى هاتين الدارين لم يصح العقد لأن المعقود عليه مجهول لجهالة محله جهالة مفضية الى النزاع.
مذهب الحنفية:
ولما ذكر. قال أبو حنيفة: ان اجارة المشاع غير جائزة وان كان المستأجر مبين القدر كنصف أو ثلث أو غير ذلك لأن المحل المستأجر لشيوعه فى العين المسماة مجهول.
وذهب صاحباه الى جواز اجارة المشاع لأن الشيوع فيه لا يمنع الانتفاع به لامكان انتفاع المستأجر به كانتفاع مالكه.
ولم يفرق أبو حنيفة فى الحكم بين اجارته للشريك فى العين واجارته لأجنبى للسبب نفسه وهو جهالة المحل.
стр. 502
وعلى هذا الأصل لو استأجر انسان طريقا من دار ليمر فيها وقتا معلوما لم يجز فى قياس أبى حنيفة لأن البقعة المستأجرة غير معلومة عن بقية الدار وعندهما يجوز.
ومما يتفرع على ما تقدم أنه لو استأجر علو منزل يبنى عليه لا يجوز فى قياس أبى حنيفة، لأن البناء عليه يختلف خفة وثقلا ومن الثقل ما يضر بالسفل ولا ضابط لذلك فصار المعقود عليه مجهولا بخلاف ما اذا استأجر أرضا ليبنى عليها لأن الأرض لا تتأثر بثقل البناء، وتجوز هذه الاجارة على قول صاحبيه لأن بناء العلو يحدده العرف حينئذ فلا يتناول العقد ما يضر السفل وعلى هذا الأساس يعرف حكم كثير من الفروق المماثلة (١).
بيان مكان المنفعة
وأما بيان مكانها فانما يكون فيما يحتاج فيه الى هذا البيان كما فى اجارة الدواب وما يشبهها، اذ أن عدم بيانه يفضى الى النزاع، فاذا استأجر دابة للركوب دون بيان مكان فالاجارة فاسدة الا أن يسمى موضعا معلوما كأن يستأجرها ليركبها الى بلدة كذا، واذا استأجر دابة ليحمل عليها متاعا وجب بيان ما يراد حمل المتاع اليه وبيان المتاع المحمول لأن ما يحمل يختلف خفة وثقلا.
مدة الاجارة
وكذلك من عناصر بيانها، بيان مدتها، اذا كانت المنفعة المعقود عليها قابلة للاستمرار والبقاء، اذ أن بيانها حينئذ بذكر اسمها غير كاف للعلم بها علما لا يؤدى الى النزاع اذ أنها فى هذه الحال تكون غير معينة المقدار، وذلك كالاستئجار للسكنى والزراعة واللبس والخدمة واستئجار الأجير الخاص ونحو ذلك، ففى مثل هذه الأحوال يجب ذكر المدة لتكون معيارا لما وقع عليه العقد والمنفعة.
فاذا أغفل ذكر المدة فى هذه الأحوال فسد العقد.
والمدة فى هذه الأحوال يجب اتفاقا أن تكون محددة، وهى اما أن تذكر منكرة كسنة وشهر ويوم أو محددة كسنة كذا أو شهر كذا، فان ذكرت منكرة ابتدأت الاجارة من وقت العقد اذا لم ينص فيه على وقت لابتدائها، ولم يكن فى العقد خيار شرط، فان عين فى العقد وقت لبدايتها ابتدأت منه كاستئجار الدار ابتداء من الشهر الآتى، وان كان فى عقد الاجارة خيار شرط ابتدأت من وقت سقوط الخيار، وان ذكرت المدة محددة معينة تقيدت الاجارة بها وانتهت بانهائها، واذا بينت المدة فى العقد على أنها مشاهرة أو مسانهة دون بيان مدة تنته بانتهائها الاجارة وجب بيان أجرة الشهر والسنة فتقع الاجارة حينئذ على الشهر الأول التالى للعقد، فاذا انته كان لكل من العاقدين فسخها قبل مضى اليوم الأول من الشهر التالى بشرط اعلام العاقد الآخر بذلك فاذا مضى اليوم الأول دون فسخ لزمت الاجارة فيه وهكذا، وكذلك الحكم فى المسانهة.
стр. 503
وهذا اذا لم يبين للاجارة مدة اجمالية تنته بانتهائها أما اذا بين كأجرتك دارى عشر سنين على أن يكون كل شهر بكذا فانها تصح فى كل المدة.
واذا عجل المستأجر فى مثل هذه الأحوال أجرة مدتين أو أكثر كان ذلك التعجيل بيانا لمدة بقاء الاجارة لازمة فتلزم فى المدة التى عجلت عنها الأجرة، وعلى ذلك لا يصح استئجار عامل بدون ذكر بيان العمل الذى يطلب منه ولا بدون ذكر مدته اذا كان العمل من الأعمال التى تمتد، كما لا يصح استئجار مسكن أو أرض بلا بيان مدة الاجارة ولا استئجار دابة للركوب دون بيان مدة الركوب أو مسافته، وهكذا مما يتفرع على ما سبق بيانه (١).
واذا استأجر أجيرا ليعمل له عملا فقد قالوا ان كان العرف أن يكون العمل من طلوع الشمس الى العصر فهو على ذلك وان كان الى الغروب فهو على ذلك وعلى الجملة فان بيان ما يتعلق بالمدة من بداية وانتهاء خاصا بالعمل يرجع فيه الى العرف، واذا استأجر شخص رجلا للعمل عنده يومين فعمل فى اليوم الأول وامتنع من العمل فى اليوم الثانى أجبر عليه فان مضى اليوم الثانى لم يطلب منه أن يعمل لانتهاء الاجارة بانتهاء مدتها وله أجر مثل ما عمل (٢).
الترديد فى المنفعة
ومما يتصل بذلك أن يتضمن العقد ترديدا بين عينين أو ترديدا بين منفعتين، كما اذا قال أجرتك هذه الدار شهرا بكذا أو هذه الدار الأخرى شهرا بكذا أو أجرتك هذه الدابة لتركبها الى بلدة كذا بكذا أو الى بلدة كذا بكذا، والعقد فى هذه الأحوال جائز عند أبى حنيفة وصاحبيه، وكذلك الحكم اذا كان الترديد بين ثلاثة أمور قياسا على جواز ذلك فى البيع المشتمل على خيار التعيين لأن الاجارة معاوضة كالبيع فان ردد بين أربعة أمور فسد العقد.
وعلى هذا الحكم الترديد فى أنواع الخياطة وأنواع الصباغة ومثل ذلك فى الحكم ما اذا قال له ان خطت هذا الثوب فبدرهم وان خطت هذا الثوب الآخر فبدرهم والعمل فيهما سواء اذ أن مثل هذه الجهالة لا تؤدى الى المنازعة فالتخيير فى الواقع انما هو بين ايفاء منفعتين معلومتين فلا جهالة ولأن الأجر على أصل أصحابنا لا يجب الا بالعمل، وحين يأخذ فى أحد العملين تعين الأجر المستحق.
واذا أجره الحانوت على أنه ان جعله مكانا للحدادة فبعشرة دراهم، وان جعله لبيع الأقمشة فبخمسة دراهم. جاز فى قول أبى حنيفة وخالفه فى ذلك صاحباه.
وجه قولهما أن الأجر عند ذلك انما يجب بالتسليم وهو يتم بالتخلية وعندهما لا يدرى أى المنفعتين ستستوفى فكان البدل
стр. 504
مجهولا بخلاف التخيير بين أنواع الخياطة لأن الأجرة حينئذ تجب بابتداء العمل وبابتدائه يتعين أحد العملين وعند ذلك تتعين الأجرة ويصير العمل معلوما عند بدايته.
ووجه قول أبى حنيفة أن التخيير بين منفعتين معلومتين فجاز العقد دون جهالة مفضية الى النزاع لأنه بالتخلية فى الحانوت يجب أقل الأجرين، وانما تجب الزيادة عند ابتداء العمل وتعينه عند ذلك، وهذا الخلاف يجرى فى كل ما يجب فيه الأجر بالتسليم ولا يعلم الواجب به وقت التسليم فهو باطل عندهما جائز عند أبى حنيفة (١).
واذا حصل التخيير فى العامل كما اذا قال المستأجر للأجير ان خطته أنت بنفسك فأجرك كذا وان خاطه تلميذك فالأجر كذا، فهذا والترديد بين أنواع الخياطة سواء فى الحكم (٢).
مذهب المالكية:
يشترط المالكية فى المنفعة أن تكون لها قيمة بأن تكون مملوكة على وجه خاص بحيث يمكن منعها.
كما يشترطون وجوب العلم بها على وجه لا يؤدى الى النزاع ولا الى عدم امكان التنفيذ، فيجب لذلك بيان العين فى اجارة الأعيان اذا انعقدت الاجارة على منفعة عين معينة ولا يكفى فى ذلك وصفها بخلاف ما اذا انعقدت على منفعة فى الذمة كما اذا استأجر دابة لتوصله الى مكان كذا.
كما يجب بيان ما يحمل فى الاجارة على الحمل وبيان المدة فيما يمتد من المنافع وتكون المدة معيارا له، وذلك على الوجه الذى سبق بيانه فى مذهب الحنفية.
وقد أجاز المالكية الكراء لمدة معينة كسنة وشهر بدون ذكر مبدأ لها وعندئذ يكون المبدأ وقت العقد سواء أكان الكراء مشاهرة أو وجيبة (مدة محددة) كسنتين واذا كان الكراء مشاهرة دون ذكر مدة تنته عندها الاجارة كأن استأجر دارا للسكنى كل شهر بكذا صح العقد، وكان لكل من العاقدين فسخه فى أى وقت شاء سواء أكان ذلك فى الشهر الأول أو فيما بعده.
وللمكترى أن يخرج متى شاء ويلزمه من الأجرة بقدر ما سكن وهذا أحد أقوال ثلاثة عند المالكية.
ثانيها لزوم العقد فى الشهر الأول فقط، ولكل من العاقدين الفسخ فيما بعده.
وثالثها: لزوم العقد فى أى شهر سكن فى بعضه، فلا يكون لأحدهما أن يفسخها بالنسبة لهذا الشهر، ولزم المكترى جميع أجرة هذا الشهر وان لم يشغل المسكن فى باقيه، وهذا اذا لم يعجل المكترى أجرة شهر أو أكثر فان عجل لزمت الاجارة فيما نقد من أجرته، فلو عجل أجرة عشرة أشهر لزمت فيها واذا شرط عدم لزوم العقد مع التعجيل ببعض الأجرة فسد لما يلزم عليه من كراء بخيار مع نقد الأجرة وهذا غير جائز.
стр. 505
أما اذا كان العقد وجيبة على مدة معينة كسنة أو سنتين أو كان على مدة نص فى العقد على نهايتها كأجرتك منزلى الى أول سنة كذا فان العقد فى هذه الحال يكون لازما حدث تعجيل فى الأجرة أم لم يحدث ما لم يشترط أحدهما من الفسخ بنفسه ولم يكن نقد الأجرة (١).
مذهب الشافعية:
ولا يختلف الشافعية عن الحنفية فيما ذهبوا اليه من وجوب العلم بالمنفعة محل العقد على ما مضى بيانه، غير أنهم لا يجوزون الاجارة بالمشاهرة الا أن تكون لمدة كأجرتك هذه الدار لمدة سنتين كل شهر بكذا أو أجرتكها شهرا بكذا وما زاد فبحسابه (٢).
وتبدأ المدة من وقت العقد ولا يرى الشافعية صحة العقد اذا ما تضمن تخييرا بين منفعتين بأجرتين قياسا على البيع اذ لا يرون فيه قبوله لخيار التعيين.
مذهب الحنابلة:
ويرى الحنابلة كذلك وجوب العلم بالمنفعة علما لا يؤدى الى النزاع والعلم بها يكون اما بالعرف أو بذكرها مع وصفها أو نحو ذلك ولا يجوز تجاوز ما يقضى به العرف فيها، ويكفى العرف لتعيين المنفعة التى وقع عليها العقد عند عدم النص عليها اذا ما وجد عرف يبينها كاستئجار دار فى حى سكنى سنة دون ذكر ما يقصد من استئجارها فى صلب العقد.
ويرون فساد العقد اذا ما تضمن التخيير بين منفعتين بأجرين فى عقد واحد كاستئجاره خياطا بعشرة دراهم لخياطة هذا الثوب ان خاطه على وصف معين وبخمسة ان خاطه على وصف آخر واجارته الأرض سنة بعشرين جنيها ان زرعها قطنا وبخمسة عشر ان زرعها قمحا ونحو ذلك لجهالة الأجرة الواجبة عند العقد (٣).
ويجب عند الحنابلة فى الاجارة لمدة أن تكون معينة كشهر كذا أو معينة البداية كشهر ابتداء من يوم كذا، فلو استأجره دارا شهرا بلا تعيين لم يصح العقد، واذا وقعت على شهر معين على أن ما زاد عليه فبحسابه صح العقد عن الشهر الأول فقط للعلم به دون ما بعده واذا وقعت مشاهرة صح العقد عن الشهر الأول وكلما دخل شهر لزم المستأجر الأجرة ان لم يفسخ العقد أحدهما فى أوله لأن دخوله لشهر بمنزلة ابتداء عقد جديد عليه بسبب شروعه فى الانتفاع فيه مع تحقق الرضا من الجانبين والاتفاق على الأجرة، ولكل من العاقدين الفسخ عقب كل شهر ينقضى على الفور فى أول الشهر التالى (٤).
مذهب الظاهرية:
يرى ابن حزم فى المحلى وجوب بيان المنفعة التى ورد عقد الاجارة عليها بيانا يمكن من التنفيذ دون منازعة، واذا كانت مما يمتد فلا بد من ذكر مدتها لتكون معيارا لها كالسكنى فى الدور والركوب فى الدواب
стр. 506
ونحو ذلك، لأن الاجارة على خلاف ذلك أكل للمال بالباطل (١).
مذهب الزيدية:
ويرى الزيدية أن الاجارة لا تصح الا فى منفعة معلومة علما لا يؤدى الى النزاع فلا تصح فى أجرتك احدى دوابى لركوبها الا بخيار لأحدهما مدة معلومة، وذلك هو خيار التعيين، ويجب ذكر المدة فى كل ما يقبل الامتداد من المنافع كالسكنى والزراعة ونحوهما، وتبتدئ المدة من وقت العقد اذا لم تعين بدايتها فيه كأجرتك الدار سنة، ويجب تعيين المنفعة اذا ما تعددت منافع العين المستأجرة واختلفت أضرارها وآثارها مثل أن يستأجر ما يصلح أن يكون سكنا ومحلا للتجارة أو عاملا يعمل أعمالا مختلفة أو أرضا تصلح لزراعة كثير من النبات المختلف، أما اذا كانت العين لا تصلح الا لمنفعة واحدة، أو كانت منافعها المتعددة مستوية الضرر والأثر لم يجب التعيين.
وكذلك اذا قضى العرف بتعيين احداهما ومن استأجر عينا لمنفعة معينة فله أن يستعملها فى غير تلك المنفعة اذا كانت مضرتها مماثلة أو أقل ما لم يشترط عليه ألا يستعملها فى غيرها (٢).
واذا عقدت الاجارة على مدة ولم يذكر فيه وقت ابتدائها كسنة مثلا صح العقد وابتدأت من وقت العقد ومدة الاجارة لا حد لأكثرها، أما أقلها فهو ماله أجرة عادة أما ما لا أجرة له فلا تصح الاجارة معه، كأن يستأجر دارا لحظة واذا أجر الدار كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا فالاجارة فاسدة لجهالة مدة الاجارة.
مذهب الإمامية:
يشترط الشيعة الإمامية لصحة الاجارة أن تكون المنفعة معلومة اما بتحديد العمل وتقديره كخياطة هذا الثوب واما بالمدة مع ذكرها كالسكنى فى الدار، وقيل ما يؤدى الى العلم بها علما يمنع المنازعة كالعرف، كبيان المحمول فى الاجارة على الحمل مع ذكر المدة أو المكان.
ولو جمع بين المدة والعمل كأن يقول المؤجر للأجير ان عملت هذا العمل اليوم فلك درهمان وان عملته فى غد فلك درهم كان الأظهر جواز الاجارة، ويستحق الأجير الأجرة بنفس العمل سواء أكان ذلك فى ملكه أو فى ملك المستأجر.
ولا يتوقف تسليم الأجرة على تسليم العمل، ولا تسليم العمل على تسليم الأجرة، ولو جمع بين العمل والمدة، كأن يستأجره على أن يخيط هذا الثوب اليوم قيل يبطل لأن استيفاء العمل فى المدة قد لا يتفق فيه تردد.
واذا لزمت المدة فى العقد قيل يجب اتصالها بالعقد حتى لو أطلق أو أضاف بطلت، وقيل عند الاطلاق تبدأ المدة من وقت العقد واذا عين شهرا متأخرا من العقد بطلت فى قول، وفى قول تجوز، وهذا ما جاء فى كتاب تحرير الأحكام اذ جاء فيه ما نصه: ولا يشترط فى مدة الاجارة اتصالها
стр. 507
بالعقد فلو آجره المحرم وهما فى رجب صح حتى لو أجر لاثنين فى زمنين متواليين صحت الاجارة.
ويجب تعيين ما سيحمل على الدابة اما بالمشاهدة أو بالوصف واذا تعين ليس له حمل غيره ما لم يشترط، وفى استئجار العين لا بد من تعيينها وفى استئجارها للركوب يجب تعيين الوقت والمسافة وفى استئجار الصانع لا بد من تعيينه لاختلاف الصناع فى الصناعة والدقة (١).
ولا تجوز مع التخيير بين عينين كدارين واذا تضمنت المنفعة مدة وجبت أن تكون مضبوطة لا تحتمل الزيادة ولا النقص كسنة وشهر ويوم، ولو استأجر الدار كل شهر بكذا ولم يعين الأشهر قال الشيخ يصح ويكون له المسمى فى شهر واحد وأجرة المثل فى الزائد عليه والوجه البطلان فى الجميع ويكون له أجر المثل عند الاستيفاء، واذا كانت الاجارة فى الذمة مثل أن يستأجر دابة للركوب جاز أن تكون معجلة أو مؤخرة، واذا ذكرت المدة بالأشهر ففى حسابها يتبع ما بين فى مذهب الحنفية (٢).
مذهب الإباضية:
يرى الإباضية وجوب العلم بالمنفعة لصحة الاجارة (٣)، فهذا شرط لا خلاف فيه بين الفقهاء، وقد قدمنا فى بيان المذاهب السابقة طريق العلم بها وبأى درجة يكون كما قدمنا كذلك ضرورة ذكر مدة محددة لما يمتد من المنافع لتكون المدة معيارا لها وليس فى ذلك خلاف بين المذاهب فيجب عند الإباضية.
ويجب فى التعريف بالمنفعة ذكر المدة فيما يحتاج فيه الى المدة وهو ما تعد المدة معيارا له كالمنافع الممتدة من الخدمة والسكنى ونحو ذلك، أما فيما لا يمتد من الأعمال فلا يلزم فيه ذكر مدة الا بقصد التعجيل، ولا بد أن تكون المدة محددة كيوم أو شهر أو سنة بشرط ألا تكون مما لا يحتمل الاستيفاء فيها كألف سنة فى استئجار أجير أو مدة لا يبلغها عمر الانسان عادة أو يبلغها ولكن العادة تقضى بعدم امكان استمرار العامل فى العمل المستأجر عليه طيلة تلك المدة كما ذكروا أنه لا يجوز الاستئجار على مدة مجهولة كاستئجار أياما، ولا التخيير بين مدد أو مختلفة بأجرة هى كذا، ولا التخيير بين أماكن متفرقة متباعدة للعمل فيها كالاستئجار على أن يخدم سنة اما فى الاسكندرية أو القاهرة فى مدة هى كذا بأجرة هى كذا.
كما لا يجوز تقييد العمل بزمن معين كأن يستأجر حائكا على خياطة هذا الثوب اليوم لأن خياطته قد لا تتم فى اليوم.
وحاصل ما جاء فى الديوان أن الاجارة تجوز بثلاثة أوجه بأجرة معلومة بصنف معلوم الى أجل معلوم مما تجوز فيه
стр. 508
الاجارة، وكل ما كان حاضرا فاستؤجر من يعمله فلا يحتاج فيه الى ذكر الأجل مثل أن يستأجره على أن يبذر له هذا البذر أو يحصد له هذا الزرع أو يكيل له هذا الشعير أو يطحنه أو يقطع له هذا الثمر أو غير ذلك مما قد يحتاج فى انجازه الى أيام ولكن لا يعد الزمن معيارا له لتعينه بالمشاهدة أما ما لا يستغنى فيه عن ذكر الأجل لأنه المعيار المعرف له فلا بد فيه من ذكر الأجل كرعاية الحيوان وحراسته وسكنى المنازل والارضاع والخدمة ونحو ذلك، وهذا بخلاف ما ينقل أو يحمل فلا يحتاج فيه الى ذكر الأجل، وانما يشترط بيان مكان ابلاغه.
ولا يجوز عند ذكر الأجل أن يكون مجهولا لأن الجهالة فيه جهالة لما جعل معيارا له، وذلك مفسد للاجارة.
وان عقدوا الاجارة الى أجل معلوم والعمل فى هذا الوقت أو على أن يكون العمل والأجر الى أجل معلوم أو عقدوا على أن ينقدوا الأجر ويكون العمل الى أجل معلوم فذلك جائز على ما اتفقوا عليه (١).
والرأى فى حساب الأشهر وتقديرها فى المذاهب يرجع فيه الى مصطلح «أجل».
ويحتسب يوم العمل بالشروع فيه عند طلوع شمسه على الأقل، فاذا شرع فى العمل بعد طلوع الشمس لم يحتسب له، ويحتسب له ابتداء من الغد، ويجوز عندهم التأجير سنة غير معينة البداية فيجب العمل حينئذ شاغلا للذمة، وعند ذلك يجب الشروع فيه عند طلب المؤجر اياه كالدين الثابت فى الذمة حالا يجب أداؤه عند طلبه من الدائن، واذا أدى الأجير العمل بلا طلب أجزأه ذلك، وجاز العقد على سنة كل شهر منها بكذا فيستحق الأجير من المؤجر بحساب ما عمل فى الشهر وقيل لا يستحق أجرا على المؤجر الا اذا عمل الشهر كله ولكل من العاقدين فى هذه الحال خيار الفسخ متى شاء، وقيل ليس للأجير حق الفسخ اذا شرع فى العمل الا عند تمام الشهر، ولا يقبل الفسخ منه فى أثنائه كما لا يقبل أيضا من المؤجر فى هذه الحال واذا تضمن العقد بداية المدة ألزم الأجير بالعمل من حينه فاذا لم يبدأ حين العقد صح العقد ويجبر ما فات من العمل اما بعمل فى وقت آخر بعد المدة واما بنقص الأجرة (٢).
الشرط الثانى
أن يكون استيفاؤها مقدورا ،
وهو شرط لصحة الاجارة.
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن تكون المنفعة ممكنة التحقق مقدورا استيفاؤها حقيقة ودون حرج شرعى، ذلك لأن العقد لا يكون وسيلة الى نيل المعقود عليه بدون ذلك، ورتبوا على ذلك عدم جواز استئجار الآبق لعدم القدرة على استيفاء المنفعة المطلوبة منه وعدم جواز اجارة المغصوب لغير غاصبه وعدم جواز اجارة المشغول بمال المؤجر اذا كان ذلك
стр. 509
يحول بين المستأجر وبين كمال انتفاعه به، ومما خرج على هذا الشرط أيضا عدم جواز استئجار الفحل للضراب والكلب للاصطياد لأن المنفعة المطلوبة منهما غير مقدورة التسليم والاستيفاء، اذ لا يمكن اجبار الفحل على الضراب ولا اجبار الكلب على الصيد.
ومما خرج على ذلك أيضا عدم جواز الاستئجار على تعليم القرآن والصناعات، اذ أن الأجير لا يستطيع تسليم العمل بنفسه فان تعليم التلميذ يتوقف على قبوله اياه وذلك غير مقدور للمعلم ومثله عدم جواز الاستئجار على المحظور شرعا لأن المعصية غير مقدورة الاستيفاء شرعا لحظرها كاستئجار النائحة للنوح واستئجار انسان للقتل والضرب والسب وما الى ذلك مما يحرم فعله واجارة مكان ليتخذ كنيسة أو حانوتا لبيع الخمور، وكذلك الاستئجار على حمل الخمر لشاربها أو بائعها لا لمن يريقها.
وكذلك لا يجوز استئجار الشخص أباه ليستخدمه ولو كان أبوه ذميا أو رقيقا لما فى ذلك من الاستخفاف به وكل ذلك محظور (١).
مذهب المالكية:
يرى المالكية رأى الحنفية فى أنه يشترط فى المنفعة القدرة على تسليمها حسا وشرعا وفرعوا على ذلك عدم جواز استئجار آبق أو بعير شارد أو عين غير مملوكة لمؤجرها هى ولا منفعتها، أو عين بعيدة بحيث لا يتيسر الوصول اليها للانتفاع بها، كما فرعوا على ذلك عدم جواز استئجار الأخرس للتدريس والأعمى للكتابة والأشل لعمل يعمل باليد اذا كان مشروطا عليه أن يعمل بنفسه (٢).
مذهب الشافعية:
واشترط الشافعية أن يكون المؤجر قادرا على تسليم المنفعة بتسليم محلها حسا وشرعا ليتمكن المستأجر من استيفائها والقدرة على ذلك تشمل ملك الأصل أو ملك المنفعة فكان للمستأجر أن يؤجر ما استأجر والمقطع له أن يؤجر ما أقطعه اياه الامام خلافا لمن ذهب الى أن المقطع له لا يملك المنفعة وانما أبيحت له وهذا ما لم يؤذن بأن يؤجر والا كان له أن يؤجر اتفاقا للقدرة على التسليم.
ومما فرعوه على ذلك عدم جواز استئجار آبق أو مغصوب لغير غاصبة اذا لم يكن المؤجر قادرا على انتزاعه منه قبل التسليم وعدم جواز استئجار أعمى لحفظ أمتعة يحتاج حفظها الى النظر وعدم جواز استئجار أرض لزراعتها ولا ماء لها، أو كانت سبخة لا تنبت بخلاف ما لو كانت صالحة وكان لها ماء ولو بالمطر المعتاد.
وذهبوا كما أشرنا، الى أن امتناع التسليم شرعا فى الحكم كامتناعه حسا، وفرعوا على ذلك عدم جواز الاستئجار على فعل محظور كقتل وضرب واستئجار حائض لخدمة
стр. 510
مسجد وتعليم قرآن اجارة عين بخلاف اجارة الذمة كالاستئجار على تعليم القرآن مطلقا، ومثله استئجار زوجة حرة لرضاع أو غيره بغير اذن زوجها على الأصح لاستغراق أوقاتها بحقه ما لم يكن هو المستأجر لها، وقيل يجوز لأن محل العقد غير محل النكاح، اذ لا حق له فى لبنها وخدمتها وان كان يجوز له فسخ الاجارة حفظا لحقه (١).
مذهب الحنابلة:
والى هذا الشرط ذهب الحنابلة بناء على أنها بيع للمنافع فى واقع الأمر وان كان لمدة فاشبهت بيع الأعيان فى وجوب القدرة على التسليم وبنوا على ذلك ما بناه غيرهم عليه من عدم جواز اجارة الآبق والجمل الشارد والمغصوب ممن لا يقدر على أخذه من يد غاصبة (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى جواز الاجارة على تعليم القرآن والعلم مشاهرة وجملة، ومما خرج على هذا الشرط استئجار عين لا منفعة لها كاستئجار أرض لا ماء لها مطلقا أو أرض سبخة للزراعة ونحو ذلك كما فرع على هذا الشرط حكم اجارة المشاع وذلك نظرا الى عدم القدرة على تسليمه لشيوعه واستلزام ذلك عدم قدرة المستأجر على استيفاء حقه لعدم تحديد محله، وسيأتى بيان حكم اجارة المشاع (٣).
مذهب الزيدية:
وكذلك ذهب الزيدية الى هذا الاشتراط وفرعوا على ذلك عدم جواز استئجار أجير لنزح البحر وحائض لكنس المسجد، وكذلك الاستئجار على المعاصى كالاستئجار على السحر والنوح، وكذلك الاستئجار على حجتين فى سنة واحدة.
وذهب الناصر والمؤيد بالله الى صحة التأجير على التعليم وكذلك لا يصح استئجار الفحل للضراب لأن المؤجر لا يقدر على تسليم محل العقد لأنه من فعل الحيوان (٤).
مذهب الإمامية:
ويرى الشافعية الإمامية أنه يشترط فى المنفعة أن يكون استيفاؤها مقدورا فلو أجر عبدا آبقا لعمل لم تجز له الاجارة (٥).
اجارة المشاع
رأى الحنفية، والشافعية، والزيدية،
والشيعة الإمامية، وابن حزم، والإباضية:
يرى أبو حنيفة ﵀ أن اجارة الحصة الشائعة لغير الشريك لا تجوز وان كانت معلومة القدر كنصف وثلث، وذهب الى هذا الرأى الإباضية وعللوا ذلك بانتفاء الانتفاع بها وحدها مع الشيوع، لأن كل جزء من أجزائها مشترك ولم يفصل صاحب شرح النيل بين أن يكون الكراء للشريك أو لأجنبى كما هو مذهب أبى حنيفة والعلة
стр. 511
المذكورة تقتضى جواز تأجيرها للشريك لامكان الانتفاع بها حينئذ متى لم يكن هناك شريك آخر (١).
وجوز صاحباه تأجير الحصة الشائعة فى جميع الأحوال من غير تفصيل وهو مذهب الشافعية (٢)، والزيدية (٣)، والشيعة الإمامية (٤) واليه ذهب ابن حزم فى المحلى (٥).
ذلك لأن الاجارة ضرب من المعاوضة كالبيع، واذا جاز بيع المشاع جاز تأجيره والمشاع الانتفاع به مقدور بالمهايأة، وكما جازت اجارته للشريك اتفاقا تجوز اجارته لغيره، واذا كان الشيوع الطارئ لا يفسد الاجارة فكذلك المقارن، اذ الواقع أن الطارئ فيها مقارن أيضا لتجدد الاجارة آنافآنا.
ووجه قول أبى حنيفة أن المعقود عليه مجهول لجهالة محله اذ الشائع اسم لجزء من الكل غير محدد كالثلث، وهو غير معين، فأشبه اجارة عامل من عاملين، ثم أن منفعة الشائع غير مقدورة التسليم والاستيفاء اذ لا يتصور تسليمه بنفسه حقيقة وانما يتم تسليمه بتسليم باقى العين معه وذلك غير معقود عليه والانتفاع به بطريق التهايؤ ليس هو الانتفاع الذى يقتضيه العقد وهو الانتفاع بالحصة فى كل المدة اذ أن التهايؤ انتفاع بالكل فى بعض المدة وهذا غير مقتضى العقد ان كانت المهايأة زمنية، أما اذا كانت مكانية فان الانتفاع فيها يكون ببعض المستأجر وبغيره.
وفى الاجارة للشريك روايتان عن أبى حنيفة، كما أن الشيوع الطارئ فيه روايتان عنه كذلك، فى رواية يفسد الاجارة كالشيوع المقارن وفى رواية لا يفسد وهى المشهورة لأن ما يشترط لابتداء العقد ليس بلازم أن يشترط لبقائه.
وسواء عند أبى حنيفة أن تكون العين كلها لرجل فأجر نصفها لآخر أو كانت لاثنين فأجر أحدهما حصته فيها، وهذا ما ذكره الكرخى فى جامعه نصا عن أبى حنيفة وذكر أبو طاهر الدياس أن أبا حنيفة انما يرى عدم جواز اجارة المشاع فيما اذا أجر المالك بعض ما يملك، أما اذا أجر كل ما يملك فالعقد جائز بلا خلاف، والصحيح ما ذكره الكرخى.
وسواء فى هذا الحكم عنده أيضا أن تكون العين المشتركة مما يحتمل القسمة أو مما لا يحتملها غير أن المالك اذا أجر مشاعا ثم سلم بعد الافراز والقسمة صح العقد.
ويجوز عند أبى حنيفة اجارة مالكين لواحد، لأن المنافع تدخل فى يده جملة واحدة من غير شيوع ثم يستوفيها من غير مهايأة، واذا مات أحد المؤجرين فانقضت الاجارة بموته لم تفسد لطروء الشيوع عليها.
стр. 512
وكذلك يجوز عنده أن يؤجر واحد العين لاثنين بعقد واحد لأن المنافع تخرج من يده جملة واحدة ثم يثبت الشيوع نتيجة لاختلاف المستأجرين وذلك ما يزول بالتهايؤ (١).
ومما خرج على عدم جواز الاجارة فى الشائع عند أبى حنيفة ما اذا استأجر شخص آخر على العمل فى شئ هو فيه شريك، كما اذا كان لاثنين متاع أو طعام مشترك غير مقسوم فاستأجر أحدهما صاحبه على أن يحمل نصيبه الى مكان معلوم فحمل الطعام أو المتاع كله الى ذلك المكان، فعلى رأى أبى حنيفة لا تجوز هذه الاجارة ولا يستحق أجرا على هذا الحمل، لأن المنفعة فى هذه الحال غير مقدورة الاستيفاء لتعذر تسليم الشائع بنفسه ومحل الاجارة شائع فلم تكن المنفعة فيه مقدورة التسليم، وانما لم يجب أجر المثل لأن وجوب أجر المثل يقف على استيفاء المعقود عليه ولم يوجد بخلاف ما اذا استأجر رجل بيتا ليضع فيه طعاما مشتركا بينه وبين صاحب البيت أو سفينة لينقل بها متاعا مشتركا بينه وبين صاحب السفينة فوضع المتاع فى البيت أو نقله بالسفينة فان الاجارة هنا جائزة لأن التسليم فيها يتحقق بتسليم البيت أو السفينة ولو لم يتم وضع المتاع أو نقله.
أما فى مسألة الحمل فان التسليم الموجب للأجر لا يتحقق بدون العمل وهو الحمل والمشاع غير مقدور الحمل بنفسه.
وعبارة البدائع صريحة فى أن هذا الحكم محل اتفاق بين أبى حنيفة وصاحبيه اذ يقول ان هذه الاجارة غير جائزة عند أصحابنا.
ثم ذكر أن الأصل فى ذلك أن كل موضع لا يستحق فيه الأجر الا بالعمل لا تجوز فيه الاجارة على العمل فى الحمل مشتركا وما يستحق فيه الأجر من غير عمل تجوز الاجارة فيه لوضع العين المشتركة فى المكان المستأجر.
وفقه هذا الأصل ما ذكرناه من أن ما لا يجب فيه الأجر الا بالعمل لا بد فيه من امكان ايفاء العمل ولا تمكين فى العين المشتركة فلا يكون المعقود عليه مقدور التسليم فلا يكون مقدور الاستيفاء فلم تجز الاجارة وما لا يقف وجوب الأجر فيه على العمل يكون المعقود عليه مقدور التسليم والاستيفاء بدونه فتجوز فيه الاجارة، وعلى هذا يخرج ما اذا استأجر رجل آخر على أن يحمل له طعاما بعينه الى مكان مخصوص بمقدار معين منه فانه لا يصح وهى المسألة المعروفة بقفيز الطحان المصورة فى الاجارة على طحن مقدار من البر بقفيز منه.
ذلك لأن الاجارة لو صحت لفسدت من حيث صحت اذ الأجير فى هذه الحال يصير شريكا بأول جزء من العمل بقدر أجره فيكون عمله بعد ذلك عملا فيما هو شريك فيه، وذلك لا يجوز لما تقدم ولكن فى هذه الحال يكون للأجير أجر مثله لأن المؤجر قد استوفى المنفعة بعقد فاسد فيجب عليه أجر المثل لا يتجاوز به قيمة الأجر المتفق عليه لأن الواجب فى الاجارة الفاسدة
стр. 513
الأقل من الأجرين أجر المثل والأجر المتفق عليه (١).
مذهب المالكية:
أجاز المالكية اجارة المشاع فى كل ما لا تختلف أجزاؤه فى الانتفاع به جودة ورداءة فان اختلفت بأن كان الانتفاع بجانب منه خيرا من الانتفاع بجانب آخر جازت ان عينت الجهة التى تقع فيها الحصة المشاعة المستأجرة، وذلك منعا للنزاع (٢).
مذهب الحنابلة:
لا تصح اجارة حصة شائعة فى عين مشتركة بين اثنين لغير أحد الشريكين فيها لأنها اذا أجرت لغيره لم يملك مؤجرها أن يسلمها الا بتسليم نصيب صاحبه فى العين ولا ولاية له عليه أما اذا كانت العين كلها لمالك واحد فانه يجوز له أن يؤجر حصة شائعة منها لآخر لقدرته على التسليم اذ العين كلها له فيستطيع أن يسلمها الى المستأجر فان أجر باقيها فى هذه الحال لآخر ففى صحة العقد حينئذ وجهان، واذا أجرها لاثنين أو لأكثر لم يصح، واذا أجرها مالكاها لواحد بعقد واحد صح لعدم المانع.
وكذلك ان أجرها أحدهما لصاحبه أو لآخر باذن صاحبه، واذا كان لجماعة فأجر أحدهما حصته لواحد منهم بغير اذن الباقين لم يصح العقد، وفى رواية عن الامام أن اجارة الشائع جائزة فى جميع أحواله وعليه العمل (٣).
الشرط الثالث
أن تكون المنفعة مقصودة
وهذا شرط صحة، فقد جاء فى البدائع (٤): ويجب أن تكون المنفعة مقصودة اذ يعتاد استيفاؤها بعقد الاجارة، ويجرى التعامل بها بين الناس فلا يجوز استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها ولا للاستظلال بها لأن هذه المنفعة غير مقصودة من الشجر عادة وقال أبو يوسف: اذا استأجر ثيابا ليبسطها فى بيته ليزينه بها ولا يجلس عليها فالاجارة فاسدة لأن بسط الثياب ليس منفعة مقصودة عادة.
وفى كشاف القناع (٥): ويشترط فى الاجارة أن تكون المنفعة فيها مباحة لغير ضرورة مقصودة عادة، فلا تصح اجارة نقد أو شمع أو ثياب ليحلى به الدكان، ولا اجارة طعام ليجعل على المائدة تجميلا لها ثم يرد. لأن هذه منافع غير مقصودة
وفى نهاية المحتاج (٦) يشترط أن تكون المنفعة مقصودة فلا تصح اجارة تفاحة لشمها، والى ذلك ذهب الشيعة الجعفرية (٧) والمالكية (٨) فلم يجوزوا استئجار البساتين ونحوها للفرجة والشم.
ولكن جاء فى كشاف القناع أيضا أنه يصح استئجار النقد ليتحلى به أو ليوزن به فخالفوا غيرهم فى اعتبار هذه المنفعة غير مقصودة، ويصح استئجار الشجر
стр. 514
لتبسط عليه الثياب وتجفف أو للاستظلال بظله، واستئجار الطيب لشمه، وخالفوا غيرهم فى أن هذه المنفعة غير مقصودة أيضا أو لا قيمة لها (١).
كما أجازوا استئجار الكتب للقراءة والنظر لا المصحف فى حين أن غيرهم لم يجوز ذلك لأن المنفعة فى هذه الاجارة ليست لها قيمة، كما جاء فى تحرير الأحكام للشيعة الجعفرية (٢).
ويجوز اجارة الحلى والثياب للزينة والتجمل، والأقرب جواز اجارة الدراهم والدنانير للنظر والتحلى مدة معلومة، كما يجوز استئجار الحبال والشجر لتجفيف الثياب أو لبسطها عليها حتى يستظل بظلها سواء أكانت ثابتة أم مقطوعة، واستئجار الفحل للضراب مع الكراهة بشرط التقييد بالمرة أو بالمرات، واستئجار الطيب والند للشم للصحيح والمريض، وأساس ذلك اختلاف المذاهب فى عد هذه المنافع مقصودة أم غير مقصودة، ويظهر أن ذلك مرجعه الى اختلاف الأعراف:
الشرط الرابع
ألا تكون المنفعة مطلوبة من الأجير
فعلها قبل الاجارة
وهذا شرط صحة وفى هذا الشرط ذهب الحنفية الى عدم جواز الاجارة على ما هو فرض أو واجب على الأجير قبل الاجارة فان كان فرضا أو واجبا عليه قبل الاجارة لم تصح وفسدت لأن من أتى بعمل مستحق عليه قبل طلبه منه بالأجر لا يستحق عليه أجرا، وبناء على هذا لا تجوز الاجارة على الصوم والصلاة والحج لأن ذلك من فروض الأعيان ولا على تعليم العلم لأنه فرض عين ولا على تعليم القرآن لأن ذلك استئجار على عمل مفروض كالصوم والصلاة، ولأن تعليم القرآن من ناحية أخرى غير مقدور الاستيفاء فى حق الأجير لتعلقه بالمتعلم وتوقفه عليه فكان استئجارا على ما لا يستطيعه.
وقد روى أن أبى بن كعب أقرأ رجلا فأعطاه قوسا فسأل النبى ﷺ عن ذلك فقال ﵇: أتحب أن يقوسك الله بقوس من نار، قال لا، فقال ﵇ رده.
ولا تصح الاجارة على الجهاد لأنه فرض عين عند عموم النفير، ولا على الأذان والاقامة والامامة.
فقد روى عن عثمان بن أبى العاص الثقفى أنه قال: آخر ما عهد به إلى رسول الله ﷺ أن أصلى بالقوم صلاة أضعفهم، وأن أتخذ مؤذنا لا يأخذ أجرا على الأذان.
ولكن يجوز الاستئجار على تعليم اللغة والأدب لأن ذلك ليس بفرض ولا واجب، وكذلك يجوز على بناء المساجد والربط والقناطر لذلك، ولا يجوز الاستئجار على غسل الموتى لأنه واجب، أما على حملهم الى القبر فقد ذكر فى بعض الفتاوى أنه جائز على الاطلاق، وفى بعضها أنه جائز ان وجد من يقوم بالحمل غير الأجير والا
стр. 515
لا، ويخرج على هذا أنه لا يجوز أن يستأجر الرجل ابنه لخدمته لأن خدمة الأب واجبة على الابن، ولا استئجار الزوج زوجته لخدمة منزل الزوجية لأنها واجبة عليها لما روى أن رسول الله ﷺ قسم الأعمال بين على وفاطمة، فكان عليها العمل فى البيت، ولأنه من ناحية أخرى عمل ينتفع به الأجير فلا يستحق عليه أجرا، ولا يجوز استئجار الرجل زوجته على ارضاع ولده منها بخلاف ارضاع ولده من غيرها، ولكن يجوز استئجارها لارضاعه اذا كانت الأجرة من مال الولد ليساره لأنها من نفقته ونفقة الولد فى ماله اذا كان له مال، ومن ثم جاز أن تستأجر المرأة زوجها للخدمة فى البيت أو لرعى غنمها لأن ذلك غير واجب عليه (١).
ومفاد ما تقدم من الفروع وتوجيهها جواز الاستئجار على ما هو مندوب أو فرض كفاية عند انشاء عقد الاجارة لأن المنفعة التى وقع عليها العقد حينئذ غير متعينة على الأجير لأنه انما يستحق الأجر بعمل يلزمه بعقد الاجارة لا بغيره.
مذهب المالكية:
وذهب المالكية الى أنه لا تجوز الاجارة على ما هو مطلوب من الأجير بعينه قبل العقد ولو لم يكن فرضا كركعتى الفجر، بخلاف ما هو مطلوب منه على وجه الكفاية كغسل الميت أو حمله فيصح الاستئجار عليه ما لم يتعين ذلك على الأجير بخلاف صلاة الجنازة فلا يجوز الاستئجار عليها مطلقا.
ومقتضى ذلك أن المندوب من الصلاة والصوم لا يجوز الاستئجار عليه كما صرح بذلك الدسوقى فى تعليقه على هذا الموضوع، وقد صرح أيضا أن المندوبات مثل غيرها كالذكر والقراءة يجوز الاستئجار عليها، وجازت الاجارة على تعليم فقه وتعليم الفرائض، كما ذكر ذلك ابن يونس مخافة أن يقل تعلم العلم الشرعى ووسائله كعلم النحو والبيان ونحوها، وكذلك تجوز الاجارة على تعليم القرآن لقوله ﷺ ان أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله تعالى (٢).
وسواء فى ذلك أن تكون الاجارة على تعليمه مشاهرة كل شهر بكذا أو وجيبة أو على حفظه جميعه أو جزء معين معلوم منه (٣).
مذهب الشافعية:
وذهب الشافعية الى أنه لا يصح الاستئجار على فعل عبادة تجب فيها النية بحيث يتوقف حصولها على النية كالصلاة والصوم والامامة، ويدخل فى ذلك النفل والجهاد لأنه فرض وجوزوا الاستئجار على الحج والعمرة عن ميت ومعضوب (زمن لا يستطيع الحركة) وعلى نفقة وزكاة وكفارة وأضحية وهدى وذبح وصوم عن ميت،
стр. 516
وسائر ما يقبل النيابة، وان توقف على النية، لما فيها من شائبة المال.
كما تصح فى كل ما لا تجب فيه نية، وتصح فى المباحات كالاصطياد وتصح فى تجهيز ميت ودفنه وفى تعليم القرآن كله أو بعضه وان تعين على الأجير تعليمه للحديث السابق ذكره، ولا تصح لقضاء ولا لتدريس علم الا اذا عين المتعلم وما سيتعلمه ولا تصح لقراءة شئ من القرآن أو الحديث (١).
مذهب الحنابلة:
وذهب الحنابلة الى أنه لا تصح الاجارة على عمل لا يقع من فاعله الا قربة له كالحج والعمرة والأذان والاقامة والامامة والصلاة وتعليم القرآن والفقه والحديث والقضاء، لما روى عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل الصفة القرآن فأهدى لى رجل منهم قوسا فذكرت للنبى ﷺ فقال: «ان سرك أن يقلدك الله قوسا من نار فاقبلها» رواه أبو داود.
وتصح الاجارة على ذبح الأضحية والهدى وتفرقة الصدقة وعلى تعليم الخط والحساب والشعر المباح وعلى بناء المساجد والقناطر وفى استئجار والد ولده لخدمته خلافا للحنفية (٢).
مذهب الظاهرية:
وقال ابن حزم الظاهرى فى المحلى: ولا تجوز الاجارة على الصلاة ولا على الأذان ولكن يعطى عليهما الامام من أموال المسلمين على وجه الصلة ويصح أن يستأجر الامام والمؤذن من أهل المسجد على الحضور معهم عند حلول أوقات الصلاة مدة معينة فيقومان بهما فى وقتهما لحضورهما كما لا تجوز الاجارة على واجب تعين على الأجير من صوم أو صلاة أو حج أو فتيا أو غير ذلك ولا على معصية أصلا لأن كل ذلك أكل للمال بالباطل، لأن الطاعة المفترضة لا بد من عملها، والمعصية مفترض اجتنابها، فأخذ الأجرة على ذلك لا وجه له (٣).
ثم قال بعد ذلك: وجاز للمرء أن يأخذ الأجرة على فعل ذلك عن غيره مثل أن يحج عنه التطوع أو يصلى عنه التطوع أو يؤذن عنه التطوع أو يصوم عنه التطوع لأن كل ذلك ليس واجبا على أحدهما ولا عليهما والعامل يعمله عن غيره لا عن نفسه فلم يطع فى ذلك ولم يعص، أما المستأجر فقد أنفق ماله فى ذلك تطوعا لله تعالى فله أجر ما اكتسب بماله.
ثم قال: ولا تجوز الاجارة فى أداء فرض من ذلك الا عن عاجز أو ميت لما ورد فى ذلك من نصوص فى الحج والصيام تدل على جواز أن يعملها المرء عن غيره، فكان الاستئجار فى ذلك جائزا لأنه لم يأت عنه نهى.
وكذلك الصلاة المنسية وما فات وقتها بالنوم والمنذورة اذ هى لازمة للمرء الى
стр. 517
حين موته فالاجارة فى أدائها عنه جائزة، أما المتروكة عمدا فليس على تاركها أن يصليها اذ ليس بقادر عليها لفوات وقتها فلا يجوز أن يؤدى عنه ما ليس مأمورا بأدائه (١).
مذهب الزيدية:
ذهب الزيدية الى أن الاجارة لا تصح على واجب سواء أكان فرض عين أم فرض كفاية على الأصح كالقضاء والجهاد وغسل الميت المسلم والصلاة عليه والأذان وتعليم القرآن والشهادة وسائر العلوم الدينية، وتجوز فى المندوب والمباح والمكروه دون المحظور (٢).
مذهب الإمامية:
وذهب الشيعة الإمامية الى أنه لا تجوز الاجارة على الصلاة بالناس ولا على الأذان ولا على صلاة الانسان لنفسه وحجه لنفسه ولا على أداء زكاته عن نفسه بلا خلاف.
وتجوز الاجارة على الصلاة عن الميت كما تجوز الاجارة على الحج وتعليم القرآن مع الكراهة وتعليم الشعر والحساب والفقه ونحو ذلك، ويجوز استئجار كتب العلم والفقه والأدب للنظر فيها والحفظ منها على اشكال (٣).
مذهب الإباضية:
أما الإباضية فقد ذهبوا الى أن الاجارة لا تجوز الا على منفعة لها قيمة على انفراد أى قيمة فى نفسها كالحمل، فلا تجوز على تعليم مطلقا كعلم الفقه والنحو واللغة ونحو ذلك من علوم الاسلام.
وكذلك لا تجوز على طاعة ولو كانت نافلة لأن الأكل بالدين حرام.
وفى كتاب الديوان: لا يصلى خلف من يأخذ الأجرة على صلاته فان صلى أحد خلفه فلا اعادة عليه، ولعل مبنى ذلك على أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الامام وذهب بعضهم الى جواز اجارة الامام وتكون على مداومة حضوره فى وقت معين الى المسجد ومراقبة مصالحه لا على نفس الصلاة، ومن ثم لا تجوز الاجارة على الصلاة والصيام، وتجوز الاجارة على الامامة مع الأذان والقيام بالمسجد لا على الصلاة بانفرادها.
ولا تجوز على منفعة محظورة بل يجب أن تكون مباحة فتجوز على الدلالة على الغريم وعلى القاتل وتجوز على الشهادة ان خاف فوت قوته وقوت أهله (٤).
الشرط الخامس
عدم انتفاع الأجير بعمله المعقود عليه
فان كان ينتفع بعمله لم تجز الاجارة لأنه حينئذ يكون عاملا لنفسه فلا يستحق الأجرة اذ لا يستحق انسان أجرا على عمله لنفسه.
وعلى هذا يخرج الاستئجار على الطاعات فرضا كانت أو واجبة أو تطوعا لأن المتطوع يستحق الثواب على الطاعة فيكون منتفعا
стр. 518
بعمله فلا يستحق أجرا، والى هذا ذهب الحنفية وبنوا على ذلك أن الاجارة على طحن مقدار من البر بجزء معلوم منه مطحون فاسدة، وأن الاجارة على عصر مقدار من السمسم بجزء معلوم من دهنه فاسدة، وأن الاجارة على نسج مقدار من الغزل بجزء منه بعد نسجه فاسدة، واذا قام الأجير بذلك لم يكن له الا أجر مثل عمله.
وقد جوز هذه الاجارة بعض مشايخ بلخ، ومنهم محمد بن سلمة، ونصر بن يحيى.
وهذه المسألة هى المعروفة عند الفقهاء بقفيز الطحان والأصل فيها ما رواه الدار قطنى عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ نهى عن قفيز الطحان.
وقد فسره كثير من العلماء بطحن الطعام بجزء معلوم منه مطحونا، وقد جعلوا ذلك أصلا قاسوا عليه غيره وعللوا فساد الاجارة حين ذلك بأنها تتضمن استحقاق الأجير أجرة على عمله فى ماله ولا يستحق الانسان ما لا نظير قيامه بالعمل فى ماله يأخذه من غيره اذ أنه أكل للمال بالباطل، ذلك لأنه يصير شريكا بأول جزء من العمل لاستحقاقه الأجر عليه فيكون عمله بعد ذلك عملا فيما هو شريك فيه فلا يجوز (١).
وبيان ذلك أن الأجر يستحقه الأجير بالشروع فى العمل عند الحنفية ويستحق منه بقدر ما عمل فاذا كان الأجر جزءا غير معين مما يعمل فيه كان شائعا فى محله كله وكان الأجير شريكا للمؤجر فى ذلك المحل وكان عمل الأجير عملا فيما هو مشترك بينهما ولا تصح الاجارة على عمل فى مال مشترك بين المؤجر والأجير وعلى هذا فسدت الاجارة على طحن مقدار من الحبوب على أن يكون للأجير مقدار معين منها بعد الطحن كثلث أو قفيز أو نحو ذلك، ولا تفسد اذا ما انعقدت على طحن هذا المقدار بقفيز من الدقيق أو بقدح من الدقيق يدفعه المؤجر من أى دقيق شاء اذ أن الأجر فى هذه الحال ليس جزءا من العمل واستحقاقه لا يجعل الحبوب مشتركة بين المؤجر والأجير.
مذهب المالكية:
وذهب المالكية الى أن الاجارة تفسد اذا كانت على حمل طعام ونحوه لبلدة كذا بنصفه مثلا اذا لم يقبض الأجير الجزء الذى استؤجر به حين العقد أو يشترط قبضه وان لم يقبضه فعلا أو جرى العرف بتعجيله وعجله فان تم ذلك صحت والا فسدت.
ويغتفر التأخير اليسير كاليومين والثلاثة وكذلك تفسد الاجارة عندهم اذا قال المستأجر للأجير: اعصر زيتونى وما عصرت فلك نصفه مثلا، أو احصد زرعى وأدره ولك نصفه.
ولكنهم لم يذهبوا هذا المذهب للعلة التى علل بها الحنفية مذهبهم فى مثل هذه المسائل بل عللوا ذلك بعلة أخرى، ففى حمل الطعام بنصفه قالوا ان الأجر عين، واذا كان الأجر عينا كنصف هذا الطعام
стр. 519
أو كدابة ونحو ذلك لم يجز تأخير قبضه اذا كان أجرا على منفعة فى الذمة كالحمل فان ذمة الأجير تشغل به بناء على العقد فاذا لم يقبض كان ذلك كبيع معين تأخر قبضه اذ الأمر حينئذ لا يعدو أن يكون معاوضة بين الأجر الذى هو عين والمنفعة التى التزم بها الأجير، وقد تملك الأجير بناء على ذلك العين بما التزم من منفعة هى الحمل.
ولكن اذا سلمت العين التى جعلت أجرا حين العقد انتفى تأخير القبض فتصح الاجارة.
وكذلك اذا اشترط فى العقد قبضه فى الحال أو جرى العرف بذلك، اذ المعروف كالمشروط لأن العقد حينئذ يكون قد تم على أساس القبض فى الحال فكان التأخير فيه غير مراعى، وفى الزيتون والزرع عللوا الفساد بجهالة الأجر لأنه لا يدرى مقدار ما يخرج من الزيت بعد عصر الزيتون ولا مقدار ما يكون من الحبوب بعد الحصد ولذا أجازوا الاجارة اذا قال المستأجر للأجير انفض زيتونى ولك نصفه أو التقط زيتونى ولك نصفه لانتفاء الجهالة حينئذ.
وفى الشرح الكبير للدردير: وجازت الاجارة بصاع دقيق يدفعه رب القمح لمن يطحنه له منه أو فى غيره نظير طحنه أو بصاع زيت يدفعه رب الزيتون لمن يعصره له أجرا لعصره اذا لم يختلف كل من الحب أو الزيتون فى الخروج، فان اختلف بأن كان تارة يخرج منه الدقيق أو الزيت وتارة لا يخرج منع ذلك للجهالة، فان شك فى الأمر حمل فى الزيتون ونحوه كالسمسم على عدم الخروج لكون الشأن فيه ذلك فتمنع الاجارة وفى الحنطة ونحوها يحمل على الخروج فيجوز لأن الشأن خروج الدقيق من الحب (١).
مذهب الشافعية:
وفى نهاية المحتاج للرملى الشافعى (٢):
ولا تجوز الاجارة على سلخ شاة مذبوحة بجلدها ولا على طحن بر ببعض الدقيق أو بالنخالة التى تخرج منه للجهل بثخانة الجلد ورقته بعد السلخ وبنعومة الدقيق وخشونته بعد الطحن لانتفاء القدرة عليها حالا (أى عند العقد) ولنهيه ﷺ عن قفيز الطحان، وقد فسر بأن يجعل أجر الطحن لحب معلوم قفيزا مطحونا.
قال السبكى ومنه ما يقع فى زماننا من جعل أجرة الجابى عشر ما يجيبه من النقود وذلك للجهل بمقدار الأجر عند العقد، ثم قال: ولا أثر لوقوع العمل المكترى له فى ملك غير المكترى (وهو الأجير) لوقوعه بطريق التبعية كما لو ساقى شريكه وشرط له زيادة من الثمر.
واختار السبكى أنه ان استأجر على الكل أو أطلق ولم تدل قرينة على أن المراد الاستئجار على العمل فى حصته فقط امتنع وهو مراد النص لوقوع العمل فى ملك غير المكترى قصدا فان كان الاستئجار على
стр. 520
حصة المستأجر فقط جاز وهذا هو ما نحا اليه الحنفية.
مذهب الحنابلة:
وفى مطالب أولى النهى من كتب الحنابلة (١): ولا بأس بحصد زرع بسدس ما يخرج منه أو نصفه لحديث جابر أن النبى ﷺ أعطى خيبر لأهلها على الشطر ولا يعارض هذا ما سبق ذكره من حديث الدار قطنى أنه ﷺ نهى عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان لحمله على قفيز من المطحون فلا يدرى مقدار الباقى بعده وقد لا يبقى الا القليل فتكون المنفعة مجهولة، وعلى ذلك لم ير الحنابلة فى النهى عن قفيز الطحان ما رآه الحنفية.
مذهب الظاهرية:
وفى المحلى (٢): وجاز اعطاء الغزل للنسج بجزء منه مسمى كربع أو ثلث أو نحو ذلك فان تراضيا على أن ينسجه النساج ويكونا شريكين فيه جاز ذلك وان اتفقا على أن يكون لأحدهما لم يلزمه وكان للنساج من الغزل أجر بمقدار عمله حتى اذا تم نسجه استحق جميع ما سمى له وكذلك يجوز اعطاء الثوب للخياط بجزء منه مشاع أو معين واعطاء الطعام للطحين بجزء منه كذلك، واعطاء الزيتون للعصير كذلك، وكذلك الاستئجار بجميع هذه الزيوت بجزء منها.
مذهب الزيدية:
وفى شرح الأزهار للزيدية (٣): ويصح أن يستأجر آخر على حمل طعام ببعض المحمول كسدسه بعد الحمل أو على رعى غنم بنصفها، نص عليه الهادى فى المنتخب.
وقال زيد بن على والناصر لا تصح هذه الاجارة لأن الأجير قد استؤجر على حمل ملك نفسه وملك غيره، أما لو استأجره على حمل نصف هذا الطعام بنصفه الآخر فلا خلاف فى صحة هذه الاجارة ولو استأجر من ينسج له غزلا بنصف ما ينسجه أو يعمل له سكاكين بنصفها بعد العمل، فان ذلك لا يصح، ذكره الهادى فى الفنون.
قال ابن أبى الفوارس للهادى قولان فى المحمول والمصنوع قول يصح فيهما جميعا وقول لا يصح فيهما جميعا، وقيل بل الهادى يفرق بين المحمول والمصنوع لأن الصنعة معدومة فلا تصح أجرة بخلاف المحمول فهو موجود، قال وقد أشير فى الأزهار الى ضعف هذا القول.
مذهب الإمامية:
وفى تحرير الأحكام للامامية (٤): ولو استأجر آخر لسلخ شاة ميتة بجلدها أو مذبوحة بجلدها لم يجز.
وقال الشيخ - أى الطوسى -: يجوز ولو استأجره لرعى الغنم مدة معينة بنصفها
стр. 521
جاز والنماء بينهما من حين العقد فى النسبة وكذا لو استأجره لرعيها بشاة معينة فيها ولو كانت مجهولة لم يجز ولو استأجره لحصد الزرع بجزء منه معلوم كالسدس جاز وكذا استئجار الطحان بالنخالة أو بقفيز من الدقيق جائز.
مذهب الإباضية:
وفى شرح النيل للإباضية (١): وان دفع له صوفا أو كتانا ليعمله ثوبا أو دفع له جلودا ليدبغها أو ذهبا أو فضة ليصنعهما حليا بتسمية قدر منها لم يجز، ولو فعل كان له أجر مثله، وقيل يجوز.
الشرط السادس
أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر ،
وهذا شرط نفاذ.
اتفقت المذاهب الثمانية التى نحن بصدد بيان الحكم فيها على أنه يشترط فى ترتب آثار الاجارة عليها أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر، وهذا الشرط يتضمن ما اشترطه من ذهب الى أن المنافع أموال وهو أن تكون المنفعة متقومة، أى ذات قيمة فى نفسها، لأنه لا يملك الا ما كان له قيمة والاتفاق على هذا الشرط أساسه أن عقد الاجارة يفيد تمليك المنفعة كما قدمنا، ولا يملك الا ما كان مملوكا فوجب لذلك أن يكون المؤجر مالكا للمنفعة حتى يستطيع تمليكها للمستأجر.
وقد جاء فى كتاب شرائع الاسلام للشيعة الإمامية: يشترط فى الاجارة أن تكون المنفعة مملوكة، اما تبعا لملك العين أو منفردة، ولذا كان للمستأجر أن يؤجر، الا أن يشترط عليه استيفاء المنفعة بنفسه، واذا أجر الفضولى بطلت اجارته، وقيل:
وقفت على اجازة المالك وهو حسن.
ومما ينبغى ملاحظته أن ملك العين يترتب عليه ملك منافعها، ومن ثم كان لمالك العين أن يؤجرها لتمليك منافعها للمستأجر وقد ينفصل ملك المنافع عن ملك العين كما هو الحال فى المستأجر لعين والموصى له بالمنفعة والمستعير عند الحنفية والمالكية والموقوف عليه والمقطع عند من يرى أن الاقطاع تمليك للمنفعة لا للعين، وفى هذه الحال يلاحظ أن ليس كل من يملك المنفعة يملك أن يملكها غيره بالاجارة بل يرى أن بعض من يملك المنفعة لا يملك أن يملكها غيره وهاك البيان:
بالنسبة للمستأجر يرى أنه يملك أن يؤجر فى بعض الأحوال دون بعضها عند الحنفية، وسيأتى بيان ذلك وبيان آراء المذاهب فيه عند كلامنا على تصرف المستأجر فى المنفعة.
وبالنسبة للموصى له بالمنفعة فان الوصية له بها قد تكون مطلقة وقد تكون مقيدة بالاستعمال وقد تكون مقيدة بالاستغلال وقد تكون عامة.
стр. 522
ويرى الحنفية أنه لا يملك التأجير اذا كانت مقيدة بالاستعمال (١) لأنه ملكه بالمجان والتمليك بالاجارة تمليك بعوض وهو أقوى من التمليك مجانا ومن ملك الأضعف لا يملك الأقوى وبيان الآراء فى ذلك بالنسبة لجميع المذاهب يرجع اليه فى الوصية عند الكلام على تصرف الموصى له.
وبالنسبة للمستعير يرى الحنفية أنه لا يملك التأجير (٢) لأن ملكه بالمجان فلا يملك أن يؤجر كما تقدم، ولأن الاعارة عقد غير لازم والاجارة عقد لازم، ولا يبنى اللازم على غير اللازم وبيان الآراء فى ذلك يرجع اليه فى الاعارة عند الكلام على تصرف المستعير.
وبالنسبة للموقوف عليه فانه مع كونه مالكا للمنفعة لا يملك أن يؤجر عند الحنفية الا اذا كان له ولاية التأجير بأن جعل ناظرا على الوقف أو أعطى له الواقف حق التأجير أو خلا الوقف من ناظر وانحصر الاستحقاق فيه (٣).
وبيان الآراء فى ذلك يرجع اليه عند الكلام فى الولاية على الوقف ومن له ولاية استغلاله.
وبالنسبة للمقطع له فانه يملك التأجير على رأى من يقول ان الاقطاع تمليك للعين، وعلى رأى من يقول انه تمليك للمنافع، وبيان الأحكام فى ذلك يرجع اليه عند الكلام على الاقطاع (٤).
وانما يكون هذا الشرط شرط نفاذ يترتب على عدم تحققه وقف العقد على الاجازة من ذى الشأن اذا كان محل العقد وهو المنفعة مملوكا أما اذا لم يكن له مالك كأن تكون منفعة مباحة أو منفعة محظورة يحرم تملكها أو غير متقومة كان حينئذ شرط صحة والاجارة عند فقده غير صحيحة، أو شرط انعقاد كما يأتى بيان ذلك.
وقد رتب الفقهاء على هذا الشرط أنه لا يجوز استئجار حائط يستظل بظله لأنها منفعة غير مملوكة لمالك الحائط (٥).
وكذلك اجارة الأعيان المباحة للانتفاع بمنافعها.
وكذلك لا ينفذ استئجار دابة من غير مالكها ولا دار من غير مالكها لأن المؤجر لا يملك منافع عين هى ملك غيره، وهذه هى اجارة الفضولى وهى متوقفة على اجازة المالك فان أجازها قبل استيفاء المنفعة نفذت والا بطلت، وان أجازها بعد استيفاء المنفعة لم تجز الاجارة وكانت الأجرة للعاقد الفضولى لا للمالك، لأن المنافع باستيفائها قد انعدمت وخرجت عن احتمال انشاء العقد عليها.
وان وقعت الاجازة فى أثناء الانتفاع قبل انتهاء مدة الاجارة صحت الاجارة فى
стр. 523
قول أبى يوسف لبقاء مدة الاجارة فاعتبر بقاء المدة بقاء لها، فصلحت لأن تكون محلا للاجازة.
وفى قول محمد صحت فيما يأتى من المدة ولم تصح فيما مضى، لأن كل جزء من أجزاء المنفعة معقود عليه، فكان كأنه قد عقد عليه بعقد مبتدأ، وبمضى الزمن ينعدم ما استوفى فيه من المنافع فلا تلحقه الاجازة بخلاف ما لم يستوف ولا تطيب الأجرة للعاقد عند ما تكون له لأنها بدل ما لا يملك وهذا بخلاف استئجار الفضولى فانه اذا أضاف العقد الى نفسه وقع له ولا يتوقف (١).
وكذلك نص المالكية على أنه لا يجوز استئجار زهور لشمها أو للتمتع بنظرها واستئجار نار للاستضاءة، وكذلك استئجار آلات اللهو للعزف لأن جميع هذه المنافع غير متقومة شرعا (٢).
والى ذلك ذهب الشافعية (٣) والحنابلة (٤) فقد جاء فى كشاف القناع: ولا تصح اجارة نقد أو شمع وأوان لتجميل بيت أو دكان اذ لا يقابل مثل ذلك بعوض، وكذلك لا يجوز اجارة كتاب لقراءة فيه (٥) والى هذا ذهب الزيدية أيضا (٦)، والشيعة الإمامية (٧)
ويتضمن هذا الشرط أيضا ألا تكون المنفعة محظورة شرعا لأن المحظور شرعا لا يملك، وعلى هذا لا تجوز الاجارة على المعاصى كالاجارة على السرقة والقتل والسب ونحو ذلك، وعلى هذا اتفقت كلمة المذاهب الثمانية (٨).
ومما فرعه الحنفية على هذا الشرط عدم جواز استئجار الولد والده للخدمة لأن اهانة الولد باستخدامه محظور، وأجاز ذلك الحنابلة مع الكراهة وعلى ذلك فليس كل محظور عندهم لا تصح الاجارة عليه بل فيما يكون محرما (٩).
ويلاحظ أن الاستئجار على المعاصى الاجارة فيه باطلة ولا تملك بها الأجرة، ويعد الاستيلاء عليها غصبا ولذا كان هذا الشرط فى ذلك الموضع شرط انعقاد كما يعد شرط انعقاد أيضا فى اجارة ما لا يتقوم من المنافع أما فى اجارة ما لا يلى عليه المؤجر من المنافع فهو شرط نفاذ عند الحنفية وشرط صحة عند الشافعية (ارجع الى مصطلح فضولى).
الأجرة وشروطها
الأجرة أو الأجر فى الاجارة هو بدل المنفعة التى وقع عليها عقد الاجارة فهو فى الاجارة كالثمن فى البيع اذ كلاهما عقد معاوضة ولذا كان كل ما يصلح ثمنا فى البيع يصلح أجرة فى الاجارة وما لا يصلح ثمنا
стр. 524
فى البيع لا يصلح أجرة فى الاجارة ولكن ليس كل ما يصلح أجرة يصلح ثمنا، فالمنفعة تصلح أجرة فى الجملة وذلك عند اختلاف المنفعتين المتقابلتين ولكنها لا تصلح ثمنا فى البيع اذ البيع لا يكون الا بمبادلة عين بعين.
مذهب الحنفية:
يرون أنه يجب فى الأجرة أن تكون مالا معلوما متقوما، والأصل فى اشتراط العلم بالأجرة قوله ﷺ : من استأجر أجيرا فليعلمه أجره، ويحصل العلم بالاشارة اليها وبالتعيين والبيان، ويكون العلم بها اذا كانت عينا بالاشارة أو بالتعيين والبيان وعند الاشارة اليها لا يحتاج الى ذكر جنسها ولا نوعها ولا صفتها سواء أكانت مما يتعين بالتعيين أم مما لا يتعين بالتعيين كالنقود، واذا لم تكن عينا كان العلم بها بالبيان والوصف المزيلين للجهالة المؤدية الى النزاع وذلك يكون ببيان الجنس والنوع والصفة والقدر غير أنه اذا لم يكن فى البلد الا نوع واحد من النقود لم يحتج فى العلم بها الى ذكر النوع والوزن واكتفى بذكر الجنس والقدر، وان كان فى البلد نقود مختلفة كانت من النقد الغالب، وان تعدد النقد الغالب وجب البيان والا فسد العقد، ولا بد من بيان مكان ايفائها اذا ما كان لها حمل ومئونة عند الامام، وعند أبى يوسف ومحمد لا يشترط ذلك، ويتعين مكان العقد مكانا للايفاء، وما صلح من الأجور أن يكون دينا فى الذمة كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة لا يشترط ذكر أجل للوفاء، ويصح اشتراط تعجيله وتأجيله، وعند عدم الاشتراط يرجع فى الوفاء به الى التراضى، وعند المشاحة لا يستحق الا باستيفاء المنفعة المعقود عليها على ما سيأتى بيانه.
وأما ما لا يصلح ان لا يكون دينا فى الذمة فمنه ما يصح فيه السلم كالثياب ونحوها فانها عند عدم الاشارة اليها تكون معرفتها بأوصافها وعندئذ لا بد من ذكر أجل للوفاء والتسليم لأن الوضع فيها عندئذ كالسلم فلا تثبت دينا فى الذمة الا بالتأجيل ولذا وجب معها ذكر الأجل ومنه ما لا يجرى فيه السلم كالدواب والأرض ونحوهما فانه لا يصير معلوما بذكر جنسه ونوعه وصفته وقدره لعدم انضباطه بل لا بد من تعيينه بالاشارة اليه ألا ترى أن ذلك لا يصلح أن يكون ثمنا فى البياعات وانما يعد مبيعا دائما له حكم المبيع فلا يصلح أن يكون أجرا فى الاجارات حتى يشار اليه وما كان منها مشارا اليه كان حكمه حكم الثمن اذا كان عينا حتى لو كان منقولا لم يصح التصرف فيه قبل قبضه وان كان عقارا فعلى الخلاف فى ذلك بين الشيخين ومحمد، ولو استأجر أجيرا بأجر معلوم مع طعامه أو دابة بأجر معلوم مع علفها لم يجز لجهالة مقدار الأجر بسبب الجهالة فى مقدار الطعام والعلف وكان ذلك هو القياس فى استئجار الظئر الا أنه قد أجيز للعرف، وفرعوا على ذلك أن من استأجر دارا بأجر معلوم وشرط عليه المؤجر تجصيصها أو اصلاح شئ من جدرها أو أبوابها أو نحو ذلك كان العقد فاسدا لأن المشروط صار جزءا من الأجرة وقيمته مجهولة فكان الأجر مجهولا، ومثل ذلك الأرض تستأجر بأجر معلوم على أن يكون على المستأجر كرى مراويها وحفر مصارفها ونحو ذلك.
стр. 525
ولا يصح أن تكون الأجرة منفعة هى من جنس المنفعة المعقود عليها كاجارة دار للسكنى بسكنى دار أخرى واجارة أرض لزراعتها بزراعة أرض أخرى ويجوز أن تكون منفعة من غير جنس المنفعة المعقود عليها كاجارة دار للسكنى بزراعة أرض، وفى اجارة منفعة بمنفعة من جنسها اذا استوفى أحد العاقدين دون الآخر.
روى عن أبى يوسف أنه لا أجر عليه للآخر، وقال الكرخى: الظاهر أن عليه أجر المثل، وجه رواية أبى يوسف أنه حين قوبلت المنفعة بجنسها ولم تصح هذه المقابلة كان بازاء المنفعة المستوفاة ما لا قيمة له وهو المنفعة فكان الآخر راضيا ببذل المنفعة لصاحبه بلا بدل، ووجه ما ذكره الكرخى أنه قد استوفى المنفعة بعقد فاسد وبه تتقوم المنافع كما تتقوم بالعقد الصحيح كما فى استئجار شئ لم يسم له عوضا أصلا فاذا سمى العوض وهو المنفعة كان ذلك أولى بالتقويم (١) واذا ردد المؤجر بين أجرين فى زمنين بأن قال: ان عملت هذا العمل اليوم فلك دينار، وان عملته غدا فلك نصف دينار، ذهب الامام الى أنه يستحق الدينار ان عمله فى اليوم الأول، وان عمله فى اليوم الثانى فليس له الا أجر مثله لا ينقص عن نصف دينار ولا يزيد على دينار، وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان صحيحان جائزان فله دينار ان عمله فى اليوم الأول، وله نصف دينار ان عمله فى اليوم الثانى، وقال زفر والشافعى: الشرطان باطلا والاجارة فاسدة لأن الترديد بين عمل فى يومين ترديد فى الواقع بين عملين فكان المعقود عليه مجهولا مترددا بين عمل اليوم الأول وعمل اليوم الثانى، ووجه قول الصاحبين أن ما تم ليس عقدا واحدا بل هما عقدان بين فى كل منهما محله وأجره، والأجير ان نفذ العقد الأول استحق الأجر المبين به، وان عدل عنه الى الثانى لما جعل له من خيار فعمل العمل فى اليوم الثانى كان له أجره، ووجه قول أبى حنيفة أنه قد اجتمع فى اليوم الثانى بدلان مختلفان قدرا، ذلك لأن بدل العمل فى اليوم الأول يستمر الى اليوم الثانى بدليل أنه اذا لم يذكر لليوم الثانى بدل وقام الأجير بالعمل فيه استحق على عمله المسمى فى العقد وان لم يقم به فى اليوم الأول وعليه يكون أجر العمل فى اليوم الثانى مترددا بين أجر اليوم الأول وأجر اليوم الثانى فكان مجهولا، وذلك مفسد للاجارة فى اليوم الثانى فاذا عمل استحق أجر المثل لا ينقص عن نصف دينار ولا يزيد على دينار لاتفاق الطرفين على ذلك فى العقد (٢).
استحقاق الأجرة
يرى الحنفية:
أن الأجرة لا يستحقها آجر العين على مستأجرها ولا الأجير على مستأجره بمجرد العقد، وانما تستحق باستيفاء المنفعة أو بالتمكن من استيفائها فلا يستحقها مؤجر العين الا اذا خلى بينها وبين مستأجرها، ولا يستحقها الأجير الا بالعمل ان كان أجيرا مشتركا أو الا بتسليم بنفسه اذا كان أجيرا خاصا (٣)، واذا كان الأجر عينا مشارا اليها وكان مما له حمل ومئونة احتيج
стр. 526
الى بيان مكان ايفائه عند أبى حنيفة (١)، وعند أبى يوسف ومحمد لا يشترط ذلك، ويتعين مكان العقد للايفاء فاذا لم يبين مكان الايفاء فسد العقد عند الامام، أما عند صاحبيه فلا يفسد، وانما يكون مكان الايفاء مكان العقد حيث تكون العين المستأجرة كالدار والأرض، أما فى الاجارة على العمل فحيث يوفى العمل، وفى الحمل حيث استوفى المؤجر، فكلما حمل له مسافة أخذ حصته من الأجر مع مراعاة أن تكون هذه المسافة مما يستأجر عليها عادة، وهذا اذا لم يعين للوفاء مكان، فاذا تضمن العقد تعيينه وجب أن يكون الوفاء فيه واذا كان الأجر مما ليس له حمل ولا مئونة فان المؤجر يطلبه من المستأجر حيث وجده بعد أن يكون قد استحقه، واذا كان الأجر عينا معينة أشير اليها أو وصفت بما يعينها كأن تستأجر دار للسكنى سنة نظير هذه الدابة وجب تسليمها عند استحقاقها، أما اذا كان دينا فانه يثبت فى الذمة بالعقد وذلك كالنقود أو المثليات أو المنافع وحينئذ فقد يكون حالا واجب الوفاء عند استحقاقه، وقد يكون مؤجلا اذا شرط فى العقد تأجيله الى أجل معين وعندئذ يوفى عند حلول أجله ويصح حينئذ تعجيله وذلك بدفعه قبل أجله كما يصح اشتراط تعجيله فى العقد وعندئذ يجب أداؤه قبل الانتفاع والتمكن منه، غير أن ذلك لا يصح الا اذا كانت الاجارة منجزة أما اذا كانت مضافة فان شرط التعجيل يكون شرطا فاسدا مفسدا للعقد (٢) لأنه يتنافى مع مقتضاه فان مقتضاه ارجاء آثاره الى الوقت الذى أضيف اليه، ومن آثاره تملك الأجرة وأداؤها فيكونان مرجأين الى ذلك الوقت فلا يصح مخالفة هذا المقتضى باشتراط تعجيلها لأنه الغاء لمقتضى العقد، ولاشتراط تعجيل الأجرة وتأجيلها أثر فى حكم الاجارة يبين فى حكمها، والأجر المسمى هو ما تم الاتفاق عليه فى العقد بين المتعاقدين ويستحق فى العقد الصحيح بانتفاع المستأجر أو بتمكنه من الانتفاع، وأجر المثل هو ما تقوم به المنفعة فى عرف الناس وتعاملهم، ويجب بالانتفاع فعلا فى الاجارة الفاسدة بسبب جهالة التسمية أو جهالة المنفعة كما يجب لوصى مقابل عمله اذا لم يقدر له أجر ولا يعمل مثله الا بأجر، وللمضارب فى المضاربة الفاسدة بسبب مشاركة رب المال له فى العمل (٣)، ومن القواعد التى ذهب اليها الحنفية لا يجتمع أجر وضمان فلا أجر على المستأجر اذا انتفع بالعين المستأجرة انتفاعا خلاف ما تم عليه العقد لأنه بمخالفته العقد لم يصر أمينا وكانت يده على العين يد ضمان.
مذهب المالكية:
يشترط المالكية فى الأجر ما يشترطونه فى الثمن وهو أن يكون ما لا متقوما طاهرا منتفعا به مقدورا على تسليمه معلوما ذاتا وأجلا أو حلولا على وضع لا يؤدى الى النزاع، وعلمه ذاتا يكون اما بوصفه وذلك ببيان جنسه ونوعه وقدره واما برؤيته والاشارة اليه، وعلمه أجلا يكون ببيان
стр. 527
أجله أو حلوله وبناء على ما ذكر لا يصلح النجس أجرا وكذلك المتنجس الذى لا يقبل التطهير ولا مالا ينتفع به انتفاعا مباحا شرعا كآلة اللهو ولا البعير الشارد لعدم القدرة على تسليمه وللاكتفاء فيه بالعلم الذى لا يكون معه نزاع عادة.
وأجاز مالك أن يؤجر الخياط على خياطة ما يحتاج اليه المؤاجر هو وأهله من الثياب فى السنة وان يؤجر الخباز على خبز ما يحتاج اليه المؤاجر من الخبز فيها اذا ما عرف حال المؤاجر وما يحتاج اليه من ذلك مع جهالة المنفعة المعقود عليها وذلك لجريان العرف بذلك ولهذا أجيزت اجارة الظئر بنفقتها مع ما فى النفقة من الجهالة لأنها جهالة لا تؤدى الى النزاع، وقال أصبغ فى استئجار العامل للعمل فى الكرم على النصف مما يخرج منه لا بأس فيه ومثله الأجير يستأجر لحراسة الزرع وله بعضه لتعارف الناس ذلك ولذا قال سحنون: لو حملت أكثر الاجارات على القياس لبطلت وأصاب الناس حرج (١)، ولذلك جاز كراء دابة بعلفها أو بطعام صاحبها كما جاز كراء دابة بدراهم معلومة على أن يكون طعام المكترى على صاحبها مدة ركوبه (٢).
واذا كانت الأجرة دينا تشغل به ذمة المستأجر بالعقد كدينار وجب تعجيلها ان شرط فى العقد تعجيلها أو جرى العرف بذلك سواء أكانت المنفعة المعقود عليها دينا فى الذمة كحمل متاع الى جهة معينة واصلاح آلة أم لم تكن دينا كسكنى دار معينة غير أنه اذا كانت المنفعة المعقود عليها دينا وجب تعجيل الأجرة لحق الله تعالى حتى لا يترتب على ذلك ابتداء دين بدين وهو منهى عنه لأنه ان لم تعجل كانت دينا فى مقابلة منفعة هى دين أيضا فى ذمة الأجير ولكون التعجيل فى هذه الحال حقا لله تعالى لا يجوز التنازل عنه ممن يكون منه التنازل وتفسد الاجارة اذا لم تعجل الأجرة، أما اذا لم تكن المنفعة دينا فان تعجيل الأجرة فى هذه الحال يجب حقا لمستحقها تنفيذا للشرط الصريح أو المعروف عرفا وله حينئذ أن يتنازل عنه ولا يترتب على ذلك فساد الاجارة كمن يستأجر دارا من آخر شهرا ليسكنها بثلاثة دنانير مثلا فلا يجب لصحتها عندئذ تعجيل الأجرة واذا شرط التعجيل أو كان ذلك مقتضى العرف وجب على المستأجر التعجيل لذلك بخلاف ما اذا استأجر شخصا عاملا ليصلح له آلة بدينار فان المنفعة فى هذا المثال دين تشغل به ذمة العامل والأجر كذلك دين تشغل به ذمة المستأجر فيجب لكى يتجنب ابتداء الدين بالدين اشتراط تعجيل الأجر أو جريان العرف بذلك ثم تعجيله فعلا مراعاة لحق الله تعالى حتى اذا لم يشرط التعجيل ولم يكن عرف فسدت الاجارة وان عجل فعلا ذلك لأن الاجارة حين تنعقد فى هذه الحال تنعقد على ابتداء دين بدين اذ لا يقتضى عقد الاجارة بحسب طبيعته الا تأخير الأجر الى وقت العمل وذلك ما يصير به الأجر دينا ويلاحظ أن ذلك مشروط بألا تكون المنفعة قد شرع فيها أو لم يتأخر الشروع فيها الى ثلاثة أيام والا كانت الاجارة صحيحة حينئذ لعدم ترتب
стр. 528
المحظور وهو ابتداء الدين بالدين اذ تعد المنفعة حينئذ مقبوضة جميعها بناء على ما ذهبوا اليه من أن قبض الأوائل يعد قبضا للأواخر وقيل لا بد من التعجيل أيضا فى هذه الحال وذلك على رأى من يرى أن قبض الأوائل لا يعد قبضا للأواخر ولا يكفى فى تعجيل الأجرة عند وجوبه تعجيل بعضها بل لا بد من تعجيلها كلها الا عند الضرورة فعند ذلك يكفى تعجيل البعض ومثلوا لذلك بعقد كراء الحاج مع جمال فى مصر فى رمضان أو أوائل شوال على أن يحمله الى مكة فانه يكفى فى هذه الحال تعجيل اليسير من الأجرة لأن تعجيلها كلها يؤدى الى ضياع الأموال بسبب هرب الجمالين اذا قبضوا الأجر كله فان لم تكن المنفعة دينا سواء شرع فيها أم لا أو كانت دينا وقد شرع فيها فلا يجب تعجيل الأجر بل يجوز تأخيره، وأما اذا كانت الأجرة عينا معينة كهذه الدابة أو هذا الثوب ونحو ذلك فانه يجب لصحة الاجارة فى هذه الحال اشتراط تعجيلها فى العقد أو جريان العرف بذلك حتى لا يترتب على العقد بدون ذلك بيع معين يتأخر قبضه وذلك غير جائز اذ أن الأجرة فى هذه الحال هى عين قوبلت بمنفعة وقد جعلت عوضا عنها وبها تملكها المؤجر فتكون كمبيع معين لا يقبل التأخير فى قبضه فان لم يكن شرط بالتعجيل ولم يكن العرف قد جرى بذلك كانت الاجارة فاسدة، ولو عجلت الأجرة فعلا لأن عقد الاجارة بحسب وضعه وطبيعته لا ينعقد موجبا لقبض الأجرة فى الحال وانما يقتضى تأخير قبضها الى استيفاء المنفعة التى قوبلت بها ولا يلزم المستأجر فيه من الأجر الا بقدر ما انتفع ألا ترى أنه اذا حال بين المستأجر وبين انتفاعه فى أثناء مدة الاجارة مانع لم يلزم من الأجر الا بقدر انتفاعه وذلك بخلاف عقد البيع فانه يوجب نقد الثمن فى الحال اذا لم يشترط تأجيله لما يترتب عليه من قبض المبيع حتى تتحقق المعادلة بين البدلين فى القبض أما الركوب والسكنى مثلا فى عقد الاجارة فلا يقبضان دفعة واحدة فلم يجب لذلك قبض بدلهما دفعة واحدة فى الحال وبذلك يتضح أن عقد الاجارة بدون اشتراط تعجيل نصا أو عرفا ينعقد على تأخير قبض ما يجب قبضه فى الحال وهو الأجرة المعينة وذلك ما يوجب فساده ولا فرق فى هذه الحال بين أن تكون المنفعة المعقود عليها دينا فى الذمة كنقل متاع أو ليست بدين كسكنى دار، وقد نصوا على أنه يغتفر التأخير الى ثلاثة أيام، وبناء على ما تقدم اذا لم يكن الأجر معينا ولم يكن فى العقد شرط بتعجيله ولم يجر العرف بتعجيله ولم تكن المنفعة التى هى محل العقد دينا ثابتا فى الذمة لم يجب تعجيل الأجر وكان على المستأجر منه ما يعادل ما استوفاه من المنفعة، فكلما تمكن من استيفاء مقدار منها لزمه أجره فيدفعه مياومة أو مشاهرة عند عدم المشاحة فى التعجيل والتأخير وهو الأصل فى الاجارة فى مثل اجارة العقار والرواحل والآدمى للخدمة والأوانى للاستعمال (١) أما فى مثل اجارة الصناع والأجراء فليس لهم الأجر الا بعد تمام العمل الا عن تراض بدفعه قبل ذلك أو عن شرط بتعجيل دفعه قبل ابتداء العمل أو شرط بتأجيله الى ما بعد العمل
стр. 529
وذلك هو الأصل فى الاجارة، وفى المدونة:
اذا أراد الصانع أو الأجير تعجيل الأجر قبل الفراغ وامتنع رب الشئ حملوا على المتعارف بين الناس فان لم يكن لهم سنة لم يقض لهم بشئ الا بعد الفراغ وأما فى الأكرية فى دار أو راحلة أو فى اجارة بيع السلع ونحوها فبقدر ما مضى وليس لخياط خاط نصف القميص أخذ نصف أجرته اذا لم يأخذه على ذلك بل حتى يتمه، ومقتضى هذا أن ذلك انما يكون عند المشاحة والا فليس على رب الشئ من حرج أن يعجل للأجير أجرته، وذكر الدسوقى أن ذلك فيما اذا بقى العقد الى اتمام العمل فان انفسخ قبل اتمامه لم يكن للأجير أو الصانع من الأجر الا بحساب ما عمل، ثم ذكر الدردير فرقا بين ما يسمى أجيرا وصانعا فذكر أن بائع منفعة يده ان كان لا يحوز ما فيه عمله كالبناء والنجار فهو أجير وان كان يحوز ما يعمل فيه فان كان لم يدخل فيه شيئا من عنده كالحداد والخياط فصانع وان كان يدخل فيه شيئا من عنده كالصباغ فبائع صانع.
ولا يستحق المؤجر أن يعجل له شئ من الأجر الا بتمكن المستأجر كما لا يستحق الأجير شيئا من أجره الا باتمام عمله فمستأجر الدار لا يلزمه أن ينقد الا بقدر ما سكن ما لم يكن شرط بتعجيل الأجر وكذلك الأجير (١).
واذا ردد المؤجر بين أجرين فى زمنين فسدت الاجارة وذلك نحو أن يقول للأجير الخائط ان خطت ثوبى هذا اليوم فلك نصف دينار وان خطته غدا فلك ربع دينار وذلك للجهل بقدر الأجر فان خاطه لم يكن له الا أجر مثله بالغا ما بلغ ومحل ذلك اذا وقع العقد ملزما ولو لأحدهما فان وقع على الخيار لكل منهما جاز العقد اذ لا عبرة بالغرر مع الخيار فاذا تم الاتفاق على أحد الأمرين كان هو المعقود عليه (٢).
مذهب الشافعية:
يشترط الشافعية فى الأجرة ما يشترط فى ثمن المبيع فيجب أن تكون معلومة جنسا وقدرا وصفة اذا لم تكن معينة فان كانت معينة كفت رؤيتها والاشارة اليها فلا تصح اجارة دار بعمارتها ولا دابة بعلفها ولا سلخ شاة بجلدها ولا طحن بر ببعض دقيقه كثلثه للجهل بثخانة الجلد وسلامته وبنعومة الدقيق وقدره ولعدم القدرة على تسليم الأجرة فى الحال.
والأجرة فى اجارة الذمة كرأس المال فى السلم لأنها فى واقع الأمر سلم فى المنافع، ولذا يجب قبضها فى المجلس ولا يصح الابراء منها ولا أن يستبدل بها غيرها ولا يحال بها ولا يحال عليها ولا تؤجل.
أما فى اجارة العين فهى كالثمن فلا يجب قبضها فى مجلس العقد سواء أكانت دينا أم عينا معينة، واذا كانت دينا جاز الابراء منها والاستبدال بها والحوالة بها وعليها وجاز فيها التعجيل والتأجيل بالشرط واذا أطلقت عن ذكر ذلك وجبت معجلة كثمن المبيع المطلق
стр. 530
لأن المؤجر يملكها بالعقد ولكن لا يستحق استيفاءها الا بالتمكين من العين فان تنازعا فيمن يبدأ به فالحكم فى ذلك حكم البيع واذا كانت الأجرة معينة لم يجز تأجيلها لأن الأعيان لا تقبل التأجيل وملكت فى الحال بنفس العقد كما يملك المستأجر المنفعة به فى اجارة العين ويكون ملك الأجرة ملكا مراعى فكلما مضى جزء من الزمان على السلامة ظهر أن ملك المؤجر قد استقر على ما يقابل ذلك ولا يستقر ملكها كلها الا باستيفاء المنافع كلها أو تفويتها ومتى قبض المكترى العين المكتراة وأمسكها حتى مضت مدة الاجارة استقرت الأجرة عليه وان لم ينتفع ولو لعذر منعه من الانتفاع كخوف أو مرض وذلك لتلف المنفعة تحت يده حقيقة أو حكما، وكذلك لو كان الأجير حرا وسلم نفسه حتى مضت مدة الاجارة استقر له الأجر على مؤجره وان لم يعمل (١) ويتعين محل العقد مكانا لتسليم الأجرة الى المؤجر عينا كانت أم دينا (٢).
مذهب الحنابلة:
يشترط فى الأجر أن يكون معلوما لأنه عوض فى عقد معاوضة فلزم أن يكون معلوما كالثمن فى البيع ان كان يثبت دينا فى الذمة وكالمبيع ان كان أجرا وأن يكون معلوما بوصفه الكاشف عنه ان كان منفعة وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: من استأجر أجيرا فليعلمه أجره والعلم يكون بالرؤية مع الاشارة أو بالصفة وذلك بذكر الجنس والنوع والقدر واذا علم بالمشاهدة وكان ذا أجزاء كالصبرة - أى كونه القمح ونحوه - ولم يعلم قدره ففيه وجهان أشبههما الجواز لأنه عوض معلوم فجازت به الاجارة كما جاز به البيع، والثانى لا يجوز لأن العقد قد ينفسخ بعد تلف الصبرة فلا يدرى بكم يرجع فوجب معرفة القدر لذلك والأول أولى، وكل ما جاز ثمنا فى البيع جاز عوضا فى الاجارة ولذا جاز أن يكون الأجر عينا أو منفعة، واذا كان منفعة جاز أن يكون من جنس المنفعة المعقود عليها كسكنى دار بسكنى دار أخرى وجاز أن يكون من غير جنسها كسكنى دار بزراعة أرض وجازت الاجارة بطعام موصوف ولم تجز الاجارة على سلخ بهيمة بجلدها لأنه لا يدرى أيخرج سليما أم معيبا ثخينا أم رقيقا فان سلخت وجب أجر المثل، ولو استأجر راعيا لرعى غنم بثلث لبنها أو صوفها لم يجز نص عليه أحسد لأن الأجر غير معلوم وليس هذا كدفع دابة الى من يعمل عليها بنصف ربحها لأنه انما جاز تشبيها بالمضاربة لأنها عين تنمى بالعمل فجاز اشتراط جزء من النماء لمالكها، والأمر فى الغنم ليس كذلك لأن النماء الحاصل فى الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها فلم يجز الحاقه بذلك ولكن ان استأجره على رعيها مدة معلومة بنصفها صح لأن العمل والأجر كلاهما معلوم ويكون النماء بينهما بحكم الملك لأنه ملك الجزء الذى جعل أجرا منها فى الحال فكان له نماؤه، واختلفت الرواية عن أحمد فيمن استأجر أجيرا بطعامه وكسوته أو جعل له أجرا وشرط معه طعامه وكسوته فقد روى عنه جواز ذلك وهو مذهب مالك واسحاق وروى عن أبى بكر وعمر وأبى موسى رضى الله عنهم أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم وروى عنه أيضا أن ذلك انما يجوز