← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وفى حديث ابن عباس فى صفة تهجد رسول الله ﷺ أنه نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ثم استيقظ فوصف تهجده حتى قال: ثم أوتر ثم اضطجع حتى جاء المؤذن وعن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت كان رسول الله ﷺ ينام أول الليل ويحيى آخره ثم ان كانت له حاجة الى أهله قضى حاجته ثم نام فاذا كان عند النداء الأول وثب فأفاض عليه الماء وان لم يكن له حاجة توضأ وقالت ما ألقى عندى رسول الله ﷺ من السحر الأعلى فى بيتى الا نائما متفق عليه وفى رواية أبى داود: فما يجئ السحر حتى يفرغ من وتره ولأن آخر الليل ينزل فيه الرب ﵎ الى السماء الدنيا كما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ينزل ربنا ﵎ الى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعونى فأستجيب له ومن يسألنى فأعطيه ومن يستغفرنى فأغفر له متفق عليه قال أبو عبد الله: اذا أغفى يعنى بعد التهجد فانه لا يبين عليه أثر السهر واذا لم يغف تبين عليه. وجاء فى المغنى (١): قال ابن قدامة: المقدسى بعد أن تحدث عن صلاة التطوع وعد منها ركعتى الفجر: ويستحب أن يضطجع بعد ركعتى الفجر على جنبه الأيمن، وكان أبو موسى ورافع ابن خديج وأنس بن مالك رحمهم الله تعالى يفعلونه. وأنكره ابن مسعود رضى الله تعالى عنه. وكان القاسم وسالم ونافع لا يفعلونه. واختلف فيه عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما. وروى عن أحمد رحمه الله تعالى أنه ليس بسنة لأن ابن مسعود أنكره. ثم قال ابن قدامة: ودليلنا ما روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: أنه قال قال رسول الله ﷺ : اذا صلى أحدكم ركعتى الفجر فليضطجع قال الترمذى: هذا حديث حسن ورواه البزار فى مسنده وقال: على شقه الأيمن وعن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: كان النبى ﷺ اذا صلى ركعتى الفجر اضطجع على شقه الأيمن، متفق عليه وهذا لفظ رواية البخارى واتباع النبى ﷺ فى قوله وفعله أولى من اتباع من خالفه كائنا من كان.

стр. 4657

وذكر صاحب كشاف القناع (١): أن من السنن الراتبة: ركعتين قبل الفجر لقول ابن عمر رضى الله تعالى عنهما حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب فى بيته وركعتين بعد العشاء فى بيته وركعتين قبل الصبح كانت ساعة لا يدخل على النبى ﷺ فيها حدثتنى حفصة رضى الله تعالى عنها: أنه كان اذا أذن المؤذن فطلع الفجر صلى ركعتين متفق عليه وكذا أخبرت عائشة رضى الله تعالى عنها: وصححه الترمذى. ويسن تخفيفها أى ركعتى الفجر لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها كان النبى ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى أنى لأقول هل قرأ بأم الكتاب متفق عليه ويسن الاضطجاع بعدها على جنبه الأيمن قبل فرضه نص عليه لقول عائشة رضى الله تعالى عنها كان النبى ﵌ اذا صلى ركعتى الفجر اضطجع وفى رواية فان كنت مستيقظة حدثنى والا اضطجع متفق عليه. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى (٢): أن كل من ركع ركعتى الفجر لم تجزه صلاة الصبح الا بأن يضطجع على شقه الأيمن بين سلامه من ركعتى الفجر وبين تكبيره لصلاة الصبح. وسواء عندنا ترك الضجعة عمدا أو نسيانا وسواء صلاها فى وقتها أو صلاها قاضيا لها من نسيان أو عمد نوم. فان لم يصل ركعتى الفجر لم يلزمه أن يضطجع فان عجز عن الضجعة على اليمين لخوف أو مرض أو غير ذلك أشار الى ذلك حسب طاقته فقط. برهان ذلك ما حدثنا عبد الله بن ربيع عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ اذا صلى أحدكم ركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه فقال له مروان بن الحكم ما يجزئ أحدنا ممشاه الى المسجد حتى يضطجع على يمينه قال أبو هريرة: لا فبلغ ذلك ابن عمر فقال: أكثر أبو هريرة على نفسه فقيل لابن عمر عندها: تنكر شيئا مما يقول؟ قال: لا ولكنه اجترأ وجبنا فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبى ان كنت حفظت ونسوا. وروينا من طريق وكيع عن عاصم ابن رجاء بن حيوة عن أبيه عن قبيصة ابن ذؤيب قال: مر بى أبو الدرداء من آخر الليل وأنا أصلى فقال: أفصل بضجعة بين صلاة الليل وصلاة النهار،

стр. 4658

قال على: وقد أوضحنا أن أمر رسول الله ﷺ كله على الفرض حتى يأتى نص آخر أو اجماع متيقن غير مدعى بالباطل على أنه ندب فتقف عنده واذا تنازع الصحابة رضى الله تعالى عنهم فالرد الى كلام الله تعالى وكلام رسول الله ﷺ . فان قالوا (١): قد ورد انكار الضجعة عن ابن مسعود. قلنا: نعم وخالفه أبو هريرة ومع أبى هريرة سنة رسول الله ﷺ من أمره وعمله وان كان انكار ابن مسعود حجة على غيره من الصحابة رضى الله تعالى عنهم فقد أنكر رضى الله تعالى عنه وضع الأيدى على الركب فى الصلاة وضرب اليدين على ذلك. وقالوا: لو كانت الضجعة فرضا لما خفيت على ابن مسعود وابن عمر. فقلنا لهم فهلا قلتهم مثل هذا فى اتمام عثمان رضى الله تعالى عنه بمنى. فان قالوا (٢): فبطلت صلاة من لم يضطجع من الصحابة رضى الله عنهم وغيرهم؟ قلنا: ان المجتهد مأجور يصلى وان خفى عليه النص وانما الحكم فيمن قامت عليه الحجة فعند، حدثنا عبد الرحمن ابن عبد الله بن خالد حدثنا ابراهيم بن أحمد حدثنا الغريرى حدثنا البخارى حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد بن أبى أيوب حدثنى أبو الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ اذا صلى ركعتى الفجر اضطجع على شقه الأيمن قال على: روينا عن طريق حماد بن سلمة عن ثابت البنانى أن أبا موسى الأشعرى وأصحابه كانوا: اذا صلوا ركعتى الفجر اضطجعوا ومن طريق الحجاج بن المنهال عن جرير بن حازم عن محمد بن سيرين قال: أنبئت أن أبا رافع وأنس بن مالك وأبا موسى كانوا يضطجعون على ايمانهم اذا صلوا ركعتى الفجر، وذكر عبد الرحمن بن زيد فى كتاب السبعة أنهم يعنى سعيد ابن السيب والقاسم بن محمد بن أبى بكر وعروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبد الله بن عبد الله بن عتبه وسليمان ابن يسار رضى الله تعالى عنهم كانوا يضطجعون على ايمانهم بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح. ثم قال ابن حزم (٣): فان عجز فقد قال الله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً﴾

стр. 4659

﴿إِلاّ وُسْعَها» (١) وقال ﵇ اذا امرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وحكم الناسى ههنا كحكم العامد لأن من نسى عملا مفترضا من الصلاة والطهارة فعليه أن يأتى به لأنه لم يأت بالصلاة كما أمر الا أن يأتى نص بسقوط ذلك عنه وانما يكون النسيان بخلاف العمد فى حكمين: أحدهما سقوط الاثم جملة هنا وفى كل مكان والثانى من زاد عملا لا يجوز له ناسيا وكان قد أوفى جميع عمله الذى أمر به فان هذا قد عمل ما أمر وكان ما زاد بالنسيان لغوا لا حكم له، فان أدرك اعادة الصلاة فى الوقت لزمه أن يضطجع ويعيد الفريضة وان لم يقدر على ذلك الا بعد خروج الوقت لم يقدر على الاعادة ولا يجزئه أن يأتى بالضجعة بعد الصلاة لأنه ليس ذلك موضعها ولا يجزئ عمل شئ فى غير مكانه ولا فى غير زمانه ولا بخلاف ما أمر به لأن هذا كله هو غير العمل المأمور به على هذه الأحوال. وقال ابن حزم الظاهرى (٢): ومن فاتته صلاة الصبح بنسيان أو بنوم فنختار له اذا ذكرها وان بعد طلوع الشمس بقريب أو بعيد أن يبدأ بركعتى الفجر ثم يضطجع ثم يأتى بصلاة الصبح. مذهب الزيدية: جاء فى منتقى (٣) الاخبار وشارحه: عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﵌: اذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن رواه أحمد وأبو داود والترمذى وصححه، وعن عائشة رضى الله تعالى عنها: قالت: كان رسول الله ﵌ اذا صلى ركعتى الفجر اضطجع على شقه الأيمن وفى رواية كان اذا صلى ركعتى الفجر فان كنت مستيقظة حدثنى والا اضطجع - متفق عليه وعن أبى بكرة عند أبى داود بلفظ قال: خرجت مع النبى ﵌ لصلاة الصبح فكان لا يمر برجل الا ناداه بالصلاة أو حركه برجله. أدخله أبو داود والبيهقى فى باب الاضطجاع بعد ركعتى الفجر. والأحاديث المذكورة تدل على مشروعية الاضطجاع بعد صلاة ركعتى الفجر الى أن يؤذن بالصلاة كما فى صحيح البخارى من حديث عائشة. وقد اختلف فى حكم هذا الاضطجاع على ستة أقوال.

стр. 4660

الأول أنه مشروع على سبيل الاستحباب. قال العراقى: فممن كان يفعل ذلك أو يفتى به من الصحابة أبو موسى الأشعرى ورافع بن خديج وأنس بن مالك وأبو هريرة. واختلف فيه على ابن عمر فروى عنه فعل ذلك كما ذكره ابن أبى شيبة فى مصنفه، وروى عنه انكاره. وممن قال به من التابعين ابن سيرين وعروة وبقية الفقهاء السبعة. وروينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عثمان بن غياث أنه حدثه قال: كان الرجل يجئ وعمر بن الخطاب يصلى بالناس فيصلى ركعتين فى مؤخر المسجد ويضع جنبه فى الأرض ويدخل معه فى الصلاة. والقول الثانى: أن الاضطجاع بعدهما واجب مفترض لا بد من الاتيان به وهو قول أبو محمد بن حزم واستدل بحديث أبى هريرة المذكور. وحمله الأولون على الاستحباب لقول عائشة رضى الله تعالى عنها: فان كنت مستيقظة حدثنى والا اضطجع وظاهره أنه كان لا يضطجع مع استيقاظها فكان ذلك قرينة لصرف الأمر الى الندب وفيه أن تركه ﵌ لما أمر به أمرا خاصا بالأمة لا يعارض ذلك الأمر الخاص ولا يصرفه عن حقيقته. القول الثالث: أن ذلك مكروه وبدعة وممن قال به من الصحابة ابن مسعود وابن عمر على اختلاف عنه فروى ابن أبى شيبة فى المصنف من رواية ابراهيم قال قال ابن مسعود ما بال الرجل اذا صلى ركعتين يتمعك كما تتمعك الدابة أو الحمار، اذا سلم فقد فصل وروى ابن أبى شيبة أيضا من رواية مجاهد قال: صحبت ابن عمر فى السفر والحضر فما رأيته اضطجع بعد ركعتى الفجر وروى سعيد بن المسيب عنه أنه رأى رجلا يضطجع بعد الركعتين فقال: أحصبوه وروى أبو مجلز عنه أنه قال: ان ذلك من تلعب الشيطان وفى رواية زيد العمى عن أبى الصديق الناجى عنه أنه قال: انها بدعة ذكر ذلك جميعه ابن أبى شيبة. وممن كره ذلك من التابعين الأسود بن يزيد وابراهيم النخعى وقال: هى ضجعة الشيطان وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومن الأئمة مالك وحكاه القاضى عياض عن جمهور العلماء. والقول الرابع: أنه خلاف الأولى روى ابن أبى شيبة عن الحسن أنه كان لا يعجبه الاضطجاع بعد ركعتى الفجر.

стр. 4661

القول الخامس: التفرقة بين من يقوم بالليل فيستحب له ذلك للاستراحة وبين غيره فلا يشرع له واختاره ابن العربى وقال: لا يضطجع بعد ركعتى الفجر لانتظار الصلاة الا أن يكون قام الليل فيضطجع استجماما لصلاة الصبح فلا بأس. ويشهد لهذا ما رواه الطبرانى وعبد الرازق عن عائشة أنها كانت تقول أن النبى ﷺ لم يضطجع لسنة ولكنه كان يدأب ليله فيستريح وهذا لا تقوم به حجة. أما أولا فلأن فى اسناده راويا لم يسم كما قال الحافظ فى الفتح وأما ثانيا فلأن ذلك منها ظن وتخمين وليس بحجة وقد روت أنه يفعله والحجة فى فعله وقد ثبت أمره به فتأكد بذلك مشروعيته. القول السادس: أن الاضطجاع ليس مقصودا لذاته وانما المقصود الفصل بين ركعتى الفجر وبين الفريضة روى ذلك البيهقى عن الشافعى وفيه أن الفصل يحصل بالقعود والتحول والتحدث وليس بمختص بالاضطجاع. ثم قال الشوكانى: اذا عرفت الكلام فى الاضطجاع تبين لك مشروعيته وعلمت بما أسلفنا لك من أن تركه ﵌ لا يعارض الأمر للأمة الخاص بهم ولاح لك قوة القول بالوجوب. والتقييد فى الحديث بأن الاضطجاع كان على الشق الأيمن يشعر بأن حصول المشروع لا يكون الا بذلك لا بالاضطجاع على الجانب الأيسر، ولا شك فى ذلك مع القدرة وأما مع التعذر فهل يحصل المشروع بالاضطجاع على الأيسر أم لا؟ يشير الى الاضطجاع على الشق الأيمن جزم بالثانى ابن حزم وهو الظاهر. والحكمة فى ذلك أن القلب معلق فى الجانب الأيسر فاذا اضطجع على الجانب الأيسر غلبه النوم، واذا اضطجع على الأيمن قلق لقلق القلب وطلبه لمستقره. وفى هامش البحر الزخار (١): أن عائشة رضى الله تعالى عنها: قالت: كان النبى ﵌ يصلى من الليل احدى عشرة ركعة، فاذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقة الأيمن حتى يجئ المؤذن فيؤذن وجاء أيضا فى موضع (٢) آخر: أن المأثور عن النبى ﵌: أنه كان يصلى ركعتى الفجر فى بيته ثم يضطجع أو يحتبى حتى يأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فيخرج فيصلى الفريضة ويستغنى بها عن ركعتى التحية.

стр. 4662

مذهب الإمامية: جاء فى جواهر الكلام (١): أنه يستحب للمصلى الفصل بين صلاة الغداة، ونافلتها المدسوسة فى صلاة الليل باضطجاعه على الجانب الأيمن، ويقرأ الخمس آيات من آخر آل عمران ويدعو بالمأثور أو بسجدة كما هو مقتضى الجمع بين النصوص ولكن فى الذكرى قال الأصحاب ويجوز بدل الضجعة السجدة والمشى والكلام الا أن الضجعة أفضل وهو متجه فى غير السجدة، وقال الصادق ﵇ فى خبر عمر بن يزيد «ان خفت السهرة فى التكأة فقد يجزيك أن تضع يدك على الأرض ولا تضطجع، وأوما بأطراف أصابعه من كفه اليمنى فوضعها فى الأرض قليلا. ويستحب أيضا بينهما الصلاة على محمد وآله مائة مرة، وأن يقول سبحان ربى العظيم وبحمده أستغفر الله وأتوب اليه مائة مرة وقراءة الاخلاص أحد عشر مرة. ويكره النوم بين صلاة الليل والفجر كما روى عن الشيخ والفاضلين القطع بها لخبر ابن بكير ولقول أبى الحسن الأخير ﵇ فى خبر المروزى «اياك والنوم بين صلاة الليل والفجر، ولكن ضجعة بلا نوم فان صاحبه لا يحمد على ما قدم من صلاته لكن الظاهر أن ذلك حيث يكون اتمامه صلاته قريبا من الفجر، أما اذا قدمها قريبا من نصف الليل فلا ولعله ينزل خبر زرارة عن الباقر ﵇ «انما أحدكم اذا انتصف الليل أن يقوم فيصلى صلاته جملة واحدة ثلاث عشرة ركعة ثم ان شاء جلس وان شاء نام وان شاء ذهب حيث شاء وفى الوسائل أنه يدل على الجواز وما سبق على الكراهة فلا منافاة ومقتضاه بثبوت الكراهة مطلقا وفيه صعوبة بل لعله ينافيه خبر زرارة عن الباقر ﵇ «أنى لأصلى صلاة الليل وأفرغ من صلاتى وأصلى الركعتين فأنام ما شاء الله قبل أن يطلع الفجر فان استيقظت عند الفجر أعدت الركعتين. مذهب الإباضية: جاء فى الايضاح (٢): المستحب صلاة ركعتى الفجر فى البيت لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما حين ذكر صلاة رسول الله ﷺ حين بات عند ميمونة زوج النبى ﷺ وهى خالته فذكر صلاته ثم قال ثم اضطجع ﷺ حتى جاء المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح.

стр. 4663

حكم اضطجاع المحتضر والميت مذهب الحنفية: جاء فى الفتاوى الهندية (١): أنه اذا احتضر الرجل وجه الى القبلة على شقه الأيمن وهو السنة كذا فى الهداية وهذا اذا لم يشق عليه فاذا شق ترك على حاله كذا فى الزاهدى. وجاء فى موضع آخر (٢): ويدخل الميت مما يلى القبلة وذلك أن يوضع فى جانب القبلة من القبر ويحمل الميت منه ويوضع فى اللحد فيكون الآخذ له مستقبل القبلة حالة الأخذ كذا فى فتح القدير ويقول واضعه بسم الله وعلى ملة رسول الله كذا فى المتون ويوضع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة كذا فى الخلاصة. مذهب المالكية: جاء فى حاشية (٣) الدسوقى على الشرح الكبير: أنه يندب لحاضر الميت الذى حضرته علامات الموت تقبيله للقبلة عند شخوص بصره الى السماء على شق أيمن ثم ظهر ولم يذكر الأيسر تفاؤلا بأنه من أهل اليمين. وجاء فى موضع آخر (٤): وندب ضجع للميت فى القبر على شق أيمن مقبلا للقبلة. مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج (٥): أن المحتضر وهو من حضره الموت ولم يمت يضجع على الصحيح لجنبه الأيمن ندبا كالموضوع فى اللحد الى القبلة ندبا أيضا لأنها أشرف الجهات وقوله على الصحيح يرجع للاضطجاع مقابله، فان تعذر وضعه على يمينه لضيق مكان ونحوه كعلة بجنبه فلجنبه الأيسر كما فى المجموع، لأن ذلك أبلغ فى التوجيه من استلقائه، فان تعذر ألقى على قفاه ووجهه وأخمصاه وهما هنا أسفل الرجلين وحقيقتهما المنخفض من أسفلهما للقبلة بأن يرفع رأسه قليلا كأن يوضع تحت رأسه مرتفع ليتوجه وجهه الى القبلة. ومقابل الصحيح أن هذا الاستلقاء أفضل فان تعذر اضطجع على الأيمن، ويلقن ندبا قبل الاضطجاع كما قاله الماوردى الشهادة وهى لا اله الا الله فان أمكن الجمع بين التلقين والاضطجاع فعلا معا كما قاله ابن الفركاح والا بدأ بالتلقين لخبر مسلم لقنوا موتاكم لا اله الا الله قال فى

стр. 4664

المجموع أى من قرب موته وهو من باب تسمية الشئ بما يؤول اليه كقوله تعالى: «إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً» (١) وروى أبو داود باسناد حسن أنه ﷺ قال: من كان آخر كلامه لا اله الا الله دخل الجنة. وجاء فى المهذب (٢): أن المستحب أن يضجع الميت فى القبر على جنبه الأيمن لقوله ﷺ : اذا نام أحدكم فليتوسد يمينه ولأنه يستقبل القبلة فكان أولى ويوسد رأسه بلبنة أو حجر كالحى اذا نام ويجعل خلفه شئ يسنده من لبن أو غيره حتى لا يستلقى على قفاه. ويكره أن يجعل تحته مضربة أو مخدة أو فى تابوت لما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه قال: اذا أنزلتمونى فى اللحد فافضوا بخدى الى الأرض وعن أبى موسى لا تجعلوا بينى وبين الأرض شيئا. مذهب الحنابلة: قال الشيخ مجد الدين فى المحرر (٣) يوجه المحتضر على جنبه الأيمن أو مستلقيا على ظهره. وعلق على ذلك ابن مفلح فقال: يعنى يجوز هذا ويجوز هذا فيكون تعرض لجواز الأمرين ولم يتعرض للأفضلية ويحتمل أن يكون مراده التخيير وأنه الأولى. ومنصوص الامام: أن توجيه المحتضر على جنبه الأيمن أفضل. وذكر المصنف فى شرح الهداية أنه المشهور عنه وأنه قول الأئمة الثلاثة قال: وهو أصح وهذا اختيار ابن عقيل وغيره، وعن الامام أحمد يوجه مستلقيا على ظهره أفضل وهو الذى فعله عند موته واختاره أكثر الأصحاب وحكاه الشيخ وجيه الدين عن اختيار الأصحاب وعنه التسوية بينهما، ولم أجد أحدا اختارها. وجاء فى موضع آخر (٤): أن الميت يوضع فى اللحد على جنبه الأيمن متوجها الى القبلة كذا ذكر جماعة ولم يبينوا حكم ذلك. وقال ابن عقيل فيما اذا دفن الى غير القبلة قال أصحابنا: ينبش لأن التوجيه للقبلة مشروع يمكن فعله فلا يترك، لأن النبى ﷺ وأصحابه قد نبشوا لما هو دون هذا فهذا أولى. ثم قال (٥): ولو دفن موجها على يساره أو مستلقيا على ظهره هل ينبش؟ على وجهين.

стр. 4665

وقال الشيخ وجيه الدين: ان خالف وأضجعه على جنبه الأيسر واستقبل القبلة بوجهه جاز وكان تاركا للأفضل وان علموا بذلك بعد الدفن، وان كان قبل أن يهال عليه التراب وجه ووضع على جنبه الأيمن ليحصل شعار السنة. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم الظاهرى (١): يجعل الميت فى قبره على جنبه اليمين ووجهه قبالة القبلة ورأسه ورجلاه الى يمين القبلة ويسارها على هذا جرى عمل أهل الاسلام من عهد رسول الله ﷺ الى يومنا هذا وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٢): أن المحتضر يوجه القبلة، والمحتضر هو الذى قد حضرته ملائكة الموت وأمارة ذلك أن لا يطبق بصره قال ﵇. والأولى أن يقال المحتضر هو الذى قد حضره الموت اذ لا طريق لنا الى معرفة حضور الملائكة وأما الموت فأمارات حضوره معروفة فمتى احتضر المريض وجه الى القبلة مستلقيا على ظهره ويصف قدماه الى القبلة ليكون وجهه اليها كالقائم وهذا مذهب الهادى ﵇ رواه فى الشرح عن المؤيد بالله. وقال فى الافادة يوجه المحتضر على جنبه الأيمن. وجاء فى موضع آخر (٣): أما الميت فيوضع فى القبر على جنبه الأيمن مستقبلا بوجهه القبلة وهذا لا خلاف فيه. مذهب الإمامية: والإمامية لا يستحبون للمحتضر أكثر من استقبال القبلة فقد ذكر صاحب الخلاف (٤): أنه اذا حضر الانسان الوفاة يستحب أن يستقبل به القبلة فيجعل وجهه الى القبلة وباطن رجليه اليها وكذلك يفعل به حال الغسل لاجماع الفرقة وعملهم عليه فانهم لا يختلفون فيه بينما قال الشافعى أن كان الموضع واسعا اضجع على جنبه الأيمن وجعل وجهه الى القبلة كما يجعل عند الصلاة وعند الدفن وان كان الموضع ضيقا فعل به كما قلنا، أما فى الدفن فيؤخذ الرجل من ناحية رجلى القبر ويؤخذ أولا رأسه ويسل وتنزل المرأة عرضا من قدام القبر (٥).

стр. 4666

مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): أنه يجعل رأس الميت نحو المغرب - أى الجهة التى تلى سهيلا - ويصلى عليه مستلقيا على ظهره وقفاه بحيث لو أقعد لكان مستقبلا للمشرق وهو ضعيف، لأنه غير مستقبل فى حاله ولو أقعد لاستقبل المشرق أو الشمال أو يجعل رأسه نحو المغرب الموالى لسهيل أو مضطجعا على الأيمن مستقبلا كدفنه فى الوجهين وجازت الصلاة عليه وان كان مستلقيا ورجلاه للقبلة بل هذا والذى قبله أولى وكذا يجوز دفنه عليهما. وأما الوجه الأول فيلزم منه عدم الاستقبال صلاة ودفنا. ولعل قوله كدفنه عائد للوجه الثانى، والوجه الثانى هو فيه مستقبل فى الحال، والثالث هو فيه مستقبل لو أقعد لا عكسه وهو جعل رأسه للقبلة مستلقيا كاستدبارها بأن يجعل رأسه نحو المشرق مضطجعا على الأيمن أو نحو المغرب مضجعا على الأيسر أو على وجهه. وان صلوا عليه أو دفن ورأسه للمشرق مضطجعا على الأيسر مستقبلا جاز بكراهة. وقيل: لا يستقبل به الا بوجهه مضطجعا على الأيمن نحو المغرب. ولا يستقبل بغير ذلك الا لضرورة ويدل له قوله ﷺ : الامام العادل اذا وضع فى قبره ترك على يمينه وان كان جائرا نقل عن يمينه الى يساره رواه عمر بن عبد العزيز، أفاد الحديث أن وضعه يكون على يمينه. ولا يتوهم أحد أنه يوضع على يمينه غير مستقبل القبلة لأنه خلاف الأصل وخلاف ما كان النبى ﷺ يعمله. وكره بلا اعادة جعل رأسه نحو المشرق مستلقيا وفيه أنه غير مستقبل فى حاله ولا فى حال أقعاده أو مضطجعا على الأيسر وقيل بالاعادة لمخالفة السنة وهو الصحيح. حكم الاضطجاع فى الطعام مذهب الحنفية: جاء فى الفتاوى (٢) الهندية: أنه يكره الأكل والشرب متكئا أو واضعا شماله على الأرض أو مستندا كذا فى الفتاوى العتابية.

стр. 4667

ولا بأس بالأكل متكئا اذا لم يكن بالتكبر وفى الظهيرية هو المختار كذا فى جواهر الاخلاطى. مذهب المالكية: جاء فى بلغة السالك (١): أنه يكره الاتكاء حال الأكل على جنبه قال مالك ولا يأكل الانسان مضطجعا على بطنه ولا متكئا على ظهره لما فيه من البعد عن التواضع ووقت الأكل وقت تواضع وشكر لله على نعمه. مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج (٢): أنه يكره الأكل متكئا وهو الجالس معتمدا على وطاء تحته كقعود من يريد الاكثار من الطعام قاله الخطابى وأشار غيره الى أنه المائل الى جنبه ومثله المضطجع كما فهم بالأولى. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع (٣): فى أداب الطعام أنه يكره للمرء أن يأكل متكئا أو مضطجعا أو منبطحا. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى لابن حزم الظاهرى (٤): قال ابن حزم ويكره الأكل متكئا ولا نكرهه منبطحا على بطنه وليس شئ من ذلك حراما لأنه لم يأت نهى عن شئ من ذلك وما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال لما روى البخارى من طريق على بن الأقمر قال: سمعت أبا جحيفة يقول: قال النبى ﷺ : انى لا اكل متكئا، فليس هذا نهيا أصلا لكنه آثر الأفضل فقط. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (٥): أن من المكروهات فى الأكل أن يأكل الانسان مستلقيا أو منبطحا أو متكئا على يده. مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية (٦): أنه يكره الأكل متكئا ولو على كفه لأن النبى ﵌ لم يأكل متكئا منذ بعثه الله تعالى الى أن قبضه روى ذلك عن الصادق ﵇.

стр. 4668

وروى الفضيل بن يسار عن الصادق ﵇ عدم كراهة الاتكاء على اليد فى حديث طويل آخره لا والله ما نهى رسول الله ﵌ عن هذا قط وحمل على أنه لم ينه عنه لفظا والا فقد روى عنه ﵇ أن رسول الله ﵌ لم يفعله. حكم الاضطجاع فى المسجد مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع (١) أنه لا بأس للمعتكف أن ينام فى المسجد، ودليلنا عمومات الكتاب الكريم والسنه من غير فصل بين المسجد وغيره. أما الكتاب فقول الله ﵎، ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً﴾ (٢). وأما السنة فقد روى أن النبى ﵌ كان يفعل ذلك فى حال اعتكافه فى المسجد، مع أن الأكل والشرب والنوم فى المسجد فى حال الاعتكاف لو منع منه لمنع من الاعتكاف اذ ذلك أمر لا بد منه. أما بالنسبة لغير المعتكف فيكره له النوم فى المسجد فقد نقل ابن عابدين فى حاشيته عن جامع الفتاوى أنه يكره النوم فى المسجد لغير المعتكف واذا أراد ذلك ينبغى أن ينوى الاعتكاف فيدخل فيذكر الله تعالى بقدر ما نوى أو يصلى ثم يفعل ما شاء. ونقل صاحب الفتاوى الهندية هذا القول أيضا عن السراجية الا أنه نقل عن خزانة الفتاوى أنه لا بأس للغريب ولصاحب الدار أن ينام فى المسجد فى الصحيح من المذهب والأحسن أن يتورع فلا ينام. مذهب المالكية: جاء فى المدونة (٣): قال مالك رضى الله عنه لا يبيت المعتكف الا فى المسجد الذى اعتكف فيه الا أن يكون خباؤه فى رحبة من رحاب المسجد. وقال مالك ومما يدل على أنه لا يبيت الا فى المسجد قول عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﵌ كان اذا اعتكف لا يدخل البيت الا لحاجة الانسان. مذهب الشافعية: جاء فى المجموع (٤): ما رواه البخارى ومسلم عن عبد الله بن زيد أنه رأى

стр. 4669

رسول الله ﷺ مستلقيا فى المسجد واضعا احدى رجليه على الأخرى. وجاء فى اعانة (١) الطالبين أنه يسن ايقاظ النائم للصلاة ان علم أنه غير متعد بنومه أو جهل حاله فان علم تعديه بنومه كأن علم أنه نام فى الوقت مع علمه أنه لا يستيقظ فى الوقت وجب وكذا يستحب ايقاظه اذا رآه نائما أمام المصلين حيث قرب منهم بحيث يعد عرفا أنه سوء أدب أو فى الصف الأول أو محراب المسجد أو على سطح لا حاجز له أو بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس وان كان صلى الصبح لأن الأرض تصيح - أى ترفع صوتها - الى من نومة عالم حينئذ أو بعد صلاة العصر أو خاليا فى بيت وحده فانه مكروه أو نامت المرأة مستلقية ووجهها الى السماء أو نام رجل أو امرأة منبطحا على وجهه فانها ضجعة يبغضها الله تعالى. مذهب الحنابلة: يرى الحنابلة أن النوم فى المساجد جائز ويكره عندهم الاضطجاع فيه فقد جاء فى كشاف القناع (٢): أنه يباح للمعتكف وغيره النوم فى المسجد لأن النبى ﷺ رأى رجلا مضطجعا فى المسجد على بطنه فقال ان هذه ضجعة يبغضها الله تعالى رواه أبو داود فأنكر النبى ﷺ الضجعة ولم ينكر نومه بالمسجد من حيث هو وكان أهل الصفة ينامون فى المسجد. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم (٣) فى المحلى: السكن فى المسجد والمبيت فيه مباح ما لم يضق على المصلين لما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق فى الأكحل فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة فى المسجد ليعوده من قريب فلم يرعهم - وفى المسجد خيمة لقوم من بنى غفار - الا الدم يسيل اليهم فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الذى يأتينا من قبلكم فاذا سعد يغذو جرحه أى يسيل دما فمات منها، وحديث السوداء التى كانت تسكن فى المسجد من طريق أبى أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أيضا، وأهل الصفة كانوا سكانا

стр. 4670

فى المسجد وما روى عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر أخبرنى نافع أخبرنى عبد الله بن عمر أنه كان ينام وهو شاب أعزب فى المسجد. مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار (١): أنه لا يجوز فى المساجد شئ من أفعال الجوارح الا الطاعات وأنواعها كثيرة كالذكر والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والاشتغال بما يعود نفعه على المسلمين ويستثنى من ذلك أمور منها: ما ليس مقصودا دخول المسجد من أجله وانما دخل للطاعة وعرض فعله قبل فعلها نحو ما يقع من المنتظر للطاعة فيه من اضطجاع أو اشتغال فيما يعود عليه نفعه من مباح كخياطة ونحوها فان ذلك معفو عنه أيضا. وكذلك ما تدعو الضرورة اليه من اشتغال بالمباحات نحو نزول رجل من المسلمين فيه لأنه لا يجد مكانا والقعود لحاجة خفيفة. قال أبو العباس والمضطر الذى يجوز له النوم فى المسجد وهو من لا يجد كراء ولا شراء ولا عارية فيها منة أما لو كان النائم فيه يقوم لأداء الصلاة أو العبادة لا يتهيأ له مثله فى غيره جاز ومثله فى البيان، قال مولانا ﵇ وهذا عندنا ضعيف لأنه اذا جاز الوقوف جاز النوم فاللائق أن يقال يجوز لمن لا يجد غيره ملكا أو مباحا. وجاء فى البحر الزخار (٢): أنه يكره النوم فى المسجد الا لمعتكف أو من لا يجد غيره. وذكر صاحب نيل الأوطار (٣): أنه روى عن نافع عن ابن عمر: أن النبى ﷺ كان اذا اعتكف طرح له فراشه أو يوضع له سريره وراء اسطوانة التوبة. رواه ابن ماجه وفيه دليل على جواز طرح الفراش ووضع السرير للمعتكف فى المسجد. وجاء أيضا: عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله ﵌ مستلقيا فى المسجد واضعا احدى رجليه على الأخرى متفق عليه وقوله واضعا احدى رجليه على الأخرى، قال الخطابى فيه أن النهى الوارد عن ذلك منسوخ أو يحمل النهى حيث يخشى أن تبدو عورته والجواز حيث يؤمن من ذلك قال الحافظ الثانى أولى من ادعاء النسخ، لأنه لا يثبت

стр. 4671

بالاحتمال وممن جزم به البيهقى والبغوى وغيرهما من المحدثين. وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ. يمكن أن يقال أن النهى عن وضع احدى الرجلين على الأخرى الثابت فى مسلم وسنن أبى داود عام، وفعله ﵌ لذلك مقصور عليه فلا يؤخذ من ذلك الجواز لغيره صرح بذلك المازرى. قال: لكن لما صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك دل على أنه ليس خاصا به ﵌ بل هو جائز مطلقا فاذا تقرر هذا. صار بين الحديثين تعارض، فيجمع بينهما ثم ذكر نحو ما ذكره الخطابى. قال الحافظ: وفى قوله فلا يؤخذ منه الجواز نظر لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والظاهر أن فعله كان لبيان الجواز. والظاهر على ما تقتضيه القواعد الأصولية ما قاله المازرى من قصر الجواز عليه ﵌ الا أن قوله لما صح أن عمر وعثمان الخ لا يدل على الجواز مطلقا كما قال لاحتمال أنهما فعلا ذلك لعدم بلوغ النهى اليهما والحديث يدل على جواز الاستلقاء فى المسجد على تلك الهيئة وعلى غيرها لعدم الفارق (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (٢): أنه يرخص للمقيم فى المسجد اذا أراد حضور جماعة أن ينام فيه فى قائلة وقيل يجوز النوم فيه ولو لمقيم ولو بدون انتظار صلاة ان لم يكن اضرار ونهى النبى ﵌ أن يضع الرجل احدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره ثم رؤى بعد ذلك واضعا احدى رجليه على الأخرى مستلقيا فى المسجد فأقرب ما أقول أن فعله مبين لهيئة أنه للكراهة لا للتحريم وقيل النهى منسوخ أو محله حيث يخشى أن تبدو العورة ويبحث بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال وكان فعله فى وقت الاستراحة لا عند مجمع الناس لما عرف من وقاره التام فى مجالسة الناس قال الخطابى وفيه جواز الاتكاء فى المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة وفيه قيل أن الأجر الوارد للملابث فيه لا يختص بالجالس. وجاء فى الايضاح (٣): أنه لا يجوز الرقود فى المسجد لأنه انما جعل

стр. 4672

لذكر الله والصلاة ولئلا يضر برقوده أهل المسجد الا المسافرين فجائز لهم الرقود فى المسجد لأنهم مضطرون الى ذلك ولا بد منه ورخص بعضهم للمقيمين اذا أرادوا أن يحضروا الصلاة أن يرقدوا فيه وانما يمكن هذا فى القائلة غير أنه قد روى عن أبى عبيدة عن جعفر ابن السماك عن عباد بن تميم عن عمر أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيا فى المسجد واضعا احدى رجليه على الأخرى، وفى الأثر: وان جعلوا المجلس فى المسجد فضرهم من يرقد فلهم أن يقيموه ويقيموهم اذا جاء وقت الصلاة فهذا يدل على أن الرقاد فى المسجد لا يجوز والا فلم يقيمونهم لما لم يخاطبوا فيه. حكم الاضطجاع فى الذبيحة مذهب الحنفية: جاء فى الفتاوى الهندية (١): أن السنة فى البعير أن ينحر قائما معقول اليد اليسرى فان أضجعه جاز والأول أفضل والسنة فى الشاة والبقر أن يذبح كل منهما مضجعا لأنه أمكن لقطع العروق ويستقبل القبلة فى الجميع كذا فى الجوهرة. مذهب المالكية: جاء فى حاشية (٢) الدسوقى على الشرح الكبير: أن كل مذبوح من بقر وغنم وغيرهما يضجع على شقه الأيسر لأنه أيسر للذابح وتوجهه للقبلة وايضاح المحل أى محل الذبح من صوف أو غيره حتى تظهر البشرة، وجاء فى الحطاب (٣): يضجع الذبيحة على شق أيسر. قال ابن عرفة ناقلا عن ابن حبيب أنه لو اضجع الذبيحة على شقها الأيمن اختيارا: أكلت وروى عن ابن القاسم أنه اذا كان أعسر يضجعها على شقها الأيمن لأنه أمكن. قال ابن حبيب ويكره للأعسر أن يذبح فان ذبح واستمكن أكلت ونقله صاحب التوضيح وغيره. وقال فى البيان فى كتاب الذبائح فى سماع القرينين سئل مالك عمن يذبح الحمام والطير هكذا وأشار بيده وهو قائم يذبحها ما أراه بمستقيم هذا على وجه الاستخفاف فقيل له أن الصائد فعل ذلك فقال الا أنه غير

стр. 4673

فقيه ولا مفلح فقيل له أفتؤكل قال نعم اذا أحسن ذبحها ونقله ابن عرفة وصاحب الشامل وجاء فى التاج والاكليل (١): للحطاب: سمع ابن القاسم تنحر البدن قائمة أحب الى والبقر والغنم تضجع وتذبح على شقها الأيسر وفى كتاب محمد من السنة أخذ الشاة برفق يضجعها على شقها الأيسر للقبلة ورأسها جهة المشرق ويأخذ بيده اليسرى جلد حلقها من اللحى الأسفل فيمده لتبين البشرة فيضع السكين حيث تكون الجوزة فى الرأس ثم يسمى الله تعالى ويمر السكين مرا مجهزا من غير ترديد فيرفع يده دون نخع وقد حدت الشفرة قبل ذلك ولا يضرب بها الأرض ولا يجعل رجله على عنقها ولا يجرها برجلها. وكره ربيعة ذبحها وأخرى تنظر وكره مالك ذبحها وضجعها على شقها الأيمن الا الأعسر. وكره ابن حبيب ذبح الأعسر. ومن المدونة قال ابن القاسم من السنة توجيه الذبيحة الى القبلة فان لم يفعل أكلت وبئس ما صنع. ونهى مالك الجزارين يدورون حول الحفرة يذبحون حولها وأمرهم بتوجيهها الى القبلة قال محمد من ترك توجيهها للقبلة سهوا فهو معفو عنه وعمدا لا أحب أكلها قال ابن حبيب ان كان عمدا لا جهلا لم تؤكل. قال فى البيان (٢) روى عن رسول الله ﷺ : أنه أمر أن تحد الشفار وأن يتوارى بها عن البهائم وسع القرينان قال مالك مر عمر ابن الخطاب رضى الله تعالى عنه على رجل قد اضجع شاة وهو يحد شفرة فعلاه بالدرة وقال له علام تعذب الروح ألا حددت شفرتك قبل أن تضجعها. مذهب الشافعية: جاء فى المهذب (٣): أن المستحب أن تنحر الابل معقولة من قيام لما روى أن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما رأى رجلا أضجع بدنة فقال قياما سنة أبى القاسم ﷺ وتذبح البقر والغنم مضجعة لما روى أنس رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده الشريفة ووضع رجليه على صفاحهما وسمى وكبر والبقر كالغنم فى الذبح فكان مثله فى الاضجاع.

стр. 4674

وجاء فى المجموع (١): أن السنة أن ينحر البعير قائما على ثلاث قوائم معقول الركبة ويستحب أن تكون المعقولة اليسرى فان لم ينحره قائما فباركا والسنة أن تضجع البقرة والشاة على جنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى وتشد قوائمها الثلاث وقد صح عن جابر رضى الله تعالى عنه: أن النبى ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقى من قوائمها رواه أبو داود باسناد صحيح على شرط مسلم والخيل والصيود كالبقر والغنم. مذهب الحنابلة: جاء فى نيل المآرب (٢): أنه يسن توجيه الحيوان حين الذبح الى القبلة وأن يكون على جنبه الأيسر وفى هداية الراغب (٣): أنه يكره أن يوجه الحيوان الى غير القبلة لأن السنة توجيهه اليها على شقه الأيسر. مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب (٤): أنه ندب قبل الذبح حد الشفرة وأن لا تنظر اليها البهيمة واضجاعها قبل ذبحها ويقبض من الغنم والبقر ثلاث قوائم ويترك الرابعة تركض بها ويضع رجله على كاهلها. وقال فى البحر الزخار (٥): وندب نحر الابل وهى قائمة معقولة والسنة فى البقر والغنم الاضجاع ووضع الرجل على صفاحها لفعله ﵌، فان نحرهما جاز لخبر جابر رضى الله تعالى عنه. فنحرنا البقرة عن سبعة وان ذبح الابل كالبقر حل. مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف (٦): أن السنة فى الابل النحر وفى البقر والغنم الذبح بلا خلاف فما يذبح يستحب أن يضجع برفق أما ما ينحر فانه يجوز، وينحر البعير قائما وباركا ومضطجعا على جنبه على شريطة أن يكون متجها بنحره وجميع مقاديم بدنه الى القبلة.

стр. 4675

مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل (١): أن الذكاة المشروعة أن تضجع الدابة الذبيحة على شقها الأيسر مستقبلا بها ورأسها للمشرق وان جعل رأسها للمغرب واستقبل بها جاز وتذبح بيمين بالنية والتسمية ذكر الله تعالى ولا تحرم الدابة ولو شاة كما مر ان ذبحت قائمة ولا يحرم ما ذبح لغير القبلة ولو بعمد ان لم يعتقد خلاف السنة وان اعتقد فسدت وقيل لا وقيل الاستقبال واجب تفسد بتركه الا أن تركه نسيانا أو لضرورة كخوف فواتها بموت أو غيره وكعدم القدرة على الاستقبال بها وقيل ان تعمد أساء بلا فساد وكذا لا تحرم ان ذبح بشماله لا لقصد المخالفة ولو عمدا وان قصدها فقولان وقيل تحرم بالعمد الا لضرورة مثل أن لا يقدر بيمينه على احسان الذبح. آداب الاضطجاع مذهب المالكية: جاء فى بلغة السالك (٢) أنه يندب الدعاء ولا سيما عند النوم فقد كان النبى ﷺ عند النوم يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن بعد أن يضطجع على شقه الأيمن ويده اليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول اللهم باسمك وضعت جنبى وباسمك أرفعه اللهم ان أمسكت نفسى فاغفر لها وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك اللهم انى أسلمت نفسى اليك وألجأت ظهرى اليك وفوضت أمرى اليك ووجهت وجهى اليك رهبة ورغبة اليك لا منجأ ولا ملجأ منك الا اليك أستغفرك وأتوب اليك آمنت بكتابك الذى أنزلت وآمنت برسولك الذى أرسلت فاغفرلى ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت الهى لا اله الا أنت أنت ربى قنى عذابك يوم تبعث عبادك. مذهب الشافعية: جاء فى المجموع (٣): أنه اذا أراد الانسان النوم استحب أن يضطجع على شقه الأيمن وكذا يستحب فى كل اضطجاع أن يكون على شقه الأيمن ويكره الاضطجاع على بطنه ويستحب أن يكون على وضوء وأن يذكر الله تعالى وأفضل أذكار هذا الموضع ما ثبت فى الأحاديث منها حديث البراء قال: كان رسول الله ﷺ اذا آوى الى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: اللهم أسلمت نفسى

стр. 4676

اليك ووجهت وجهى اليك وفوضت أمرى اليك وألجأت ظهرى اليك رغبة ورهبة اليك لا ملجأ ولا منجأ منك الا اليك آمنت بكتابك الذى أنزلت ونبيك الذى أرسلت رواه البخارى بهذا اللفظ، وفى رواية له فى كتاب الأدب من صحيحه ورواه هو ومسلم من طرق أن النبى ﷺ قال للبراء: اذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل، وذكر نحوه وفيه: واجعلهن آخر ما تقول، وعن حذيفة: كان النبى ﷺ اذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول: اللهم باسمك أموت وأحيا واذا استيقظ قال الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور رواه البخارى وعن عائشة رضى الله تعالى عنها كان النبى ﷺ اذا طلع الفجر صلى ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن وعن طخفة الغفارى قال: بينما أنا مضطجع فى المسجد على بطنى اذا رجل يحركنى برجله فقال أن هذه ضجعة يبغضها الله فاذا رسول الله ﵌ رواه أبو داود باسناد صحيح. مذهب الحنابلة: كان النبى ﷺ (١) ينام على شقه الأيمن ويضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ثم يقول اللهم قنى عذابك يوم تبعث عبادك وورد أنه كان اذا أوى الى فراشه للنوم قال: اللهم رب السموات والأرض ورب العرش العظيم فالق الحب والنوى منزل التوراة والانجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل ذى شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس بعدك شئ وأنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ اقض عنى الدين وأغننى من الفقر، وكان النبى ﷺ إذا عرس بليل اضطجع على شقه الأيمن واذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه وقال أبو حاتم كان النبى ﷺ اذا عرس بالليل توسد يمينه واذا عرس قبيل الصبح نصب ساعده. وجاء فى المغنى (٢) لابن قدامة: أن النبى ﷺ كان اذا صلى ركعتى الفجر اضطجع على شقه الأيمن. مذهب الزيدية: جاء فى السيل الجرار (٣): الأولى أن يكون النوم على الشق الأيمن لا مستلقيا

стр. 4677

لما ورد فى أحاديث من الارشاد منه ﷺ الى أن يكون النوم على الشق الأيمن وقال فى بعض الأحاديث الثابتة فى الصحيحين وغيرهما بلفظ «اذا أويت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن» قال فى آخره «فان مت من ليلتك فأنت على الفطرة» فان هذا فيه دليل على أنه انما أرشد الى ذلك لأن النائم اذا مات مات على الفطرة وروى عن عبد الله بن زيد عند النسائى والترمذى وأحمد بلفظ: كان اذا نام وضع يده اليمنى تحت خده. مذهب الإمامية: جاء فى جواهر (١) الكلام: أن رسول الله ﷺ قال: لفاطمة رضى الله تعالى عنها وعلى ﵇: اذا أخذتما منامكما فكبرا أربعا وثلاثين تكبيرة وسبحا ثلاثا وثلاثين تسبيحة واحمدا ثلاثا وثلاثين تحميدة. وجاء فى موضع آخر (٢): أنه روى هشام بن سالم عن الصادق ﵇ قال: تسبيح فاطمة ﵍ اذا أخذت مضجعك فكبرى الله أربعا وثلاثين واحمدى ثلاثا وثلاثين وسبحيه ثلاثا وثلاثين. مذهب الإباضية: جاء فى قناطر الخيرات (٣): أنه يندب للمرء أن ينام مستقبل القبلة وذلك على وجهين اما أن ينام مستلقيا على قفاه وأما على جنبه الأيمن ووجهه الى القبلة كاستقبال اللحد ويستحب أن يقرأ الآيات المخصوصة مثل آية الكرسى وآخر البقرة والاهكم الاه واحد الآية، ويقرأ ان ربكم الله الذى خلق السموات والأرض الأية، ويقرأ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن الى آخر بنى اسرائيل، ويقرأ المعوذتين فى يديه ويمسح بهما وجهه وجسده روى ذلك من فعل النبى ﷺ ويندب أن يكون على طهارة وأن يستاك قال رسول الله ﷺ اذا نام العبد على طهارة عرج بروحه الى العرش فكانت رؤياه صادقة وان لم ينم على طهارة قصرت روحه عن البلوغ فتلك المنامات أضغاث أحلام لا تصدق وهذا أريد به طهارة الظاهر والباطن جميعا وطهارة الباطن هو المؤثر فى كشف حجب الغيب وأن يعد طهوره وسواكه عند رأسه وينوى القيام للعبادة عند التيقظ فكلما انتبه استاك كذلك عادة السلف وقد كان يستاك النبى ﷺ عند نومه وان لم تمكنه الطهارة فليمسح أعضاءه بالماء قيل يستحب ذلك وان

стр. 4678

لم يجد فليقعد وليستقبل القبلة وليشتغل بالذكر والدعاء والتفكر فذلك يستحب وقال ﵊: من أتى فراشه وهو ينوى أن يقوم يصلى من الليل فغلبته عيناه كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من الله تعالى ومن آداب النوم أن لا يبيت الا ووصيته عنده مكتوبة فانه لا يأمن القبض من النوم وأن ينام تائبا سليم القلب لجميع المسلمين، وعن النبى ﷺ قال: من آوى الى فراشه لا ينوى ظلم أحد ولا يحقد على أحد غفر الله له ما جرم. ومن آداب النوم أن لا ينام ما لم يغلبه النوم ولا يتكلفه الا اذا قصد به الاستعانة على القيام آخر الليل فقد كان السلف الأصفياء رضوان الله تعالى عليهم نومهم غلبة وأكلهم فاقة وكلامهم ضرورة ولذلك وصفوا بأنهم كانوا قليلا من الليل ما يهجعون. ومن آدابه أيضا أن يتذكر عند النوم أن النوم نوع وفاة والتيقظ نوع بعث قال الله تعالى «اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها» الى آخر الآية، ويندب الدعاء عند تقلباته بما كان النبى ﷺ يقوله وذلك لا اله الا الله الواحد القهار رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار، وليجتهد أن يكون آخر ما يرد على قلبه عند النوم ذكر الله فهو أول ما يرد على قلبه عند التيقظ فهو علامة الحب ولا يلازم القلب فى هاتين الحالتين الا ما هو الغالب عليه فليجرب نفسه فانها علامة تكشف عن باطن القلب فاذا استيقظ قال الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور. اضطرار معنى الاضطرار فى اللغة: جاء فى لسان العرب (١) الاضطرار الاحتياج الى الشئ وقد اضطره اليه أمر والاسم الضرة. ثم قال والضرورة كالضرة ورجل ذو ضارورة وضرورة أى ذو حاجة وقد اضطر الى الشئ أى ألجئ اليه. وجاء فيه عن الليث: الضرورة اسم لمصدر الاضطرار تقول حملتنى الضرورة على كذا وكذا وقد اضطر فلان الى كذا وكذا. معنى الاضطرار عند الفقهاء: يقول الحموى عن الضرورة أنها «بلوغه حدا ان لم يتناول الممنوع يهلك (٢)».

стр. 4679

ويقول بعض المالكية: انها الخوف على النفس من الهلاك علما أو ظنا (١). وقد علق بعضهم على ذلك فقال وهل الاضطرار هو خوف الهلاك أو خوف الضرر؟ قولان: لمالك والشافعى. ثم قال بعد هذا: وذهب مالك الى أن الاضطرار خوف (٢) الهلاك. الاضطرار والضرورة لما كان الضرر هو أصل كل من هاتين الكلمتين - كما قرر ذلك علماء اللغة ولما كان الفقهاء يعبرون عن حالة خوف الهلاك تارة بكلمة الضرورة وتارة أخرى بكلمة الاضطرار فان ذلك يدل على أن كلا منهما يؤدى نفس المعنى المراد من الآخر. أثر الاضطرار فى التشريع الاسلامى وحكمة مشروعيته من رحمة الله بعباده أن شرع لهم أحكاما تنير لهم الطريق فى أمور دينهم ودنياهم فبين الحلال وأباحه لهم، لأنه سبحانه خلق الخلق وهو يعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم فأحله الله لهم كما بين الحرام، لأنه علم ما يضر عباده حين خلقهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم ولكنه أحل هذه المحرمات للمضطر فى الوقت الذى لا يقوم بدنه الا به ولذلك فان الأثر المباشر لنظرية الاضطرار هو اباحة بعض المحرمات وعلى وجه خاص المطعومات والمشروبات. وقد قال الفقهاء ان هناك أفعالا يبيحها الاضطرار وهى: التناول من المطعوم والمشروب المحرم كالميتة والدم ولحم الخنزير وطعام الغير، وأفعالا يرخص الاضطرار فيها ومثلوا لها باجراء المكره كلمة الكفر على لسانه من غير أن يعتقدها جنانه لقوله تعالى: «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» وهذه الحالة تراجع فى موضعها (انظر مصطلح اكراه). كما انهم قالوا: ان الاضطرار لا يبيح القتل ولا يرخص فيه باستثناء قتل الصائل، وكذلك لا يبيح ولا يرخص فى جريمة الزنا لأنه قتل للنفس بالضياع الا أن الفقهاء قد اختلفوا فى وجوب الحد للشبهه، وقد تناول الفقهاء هذه المسألة بصورة واضحة فى باب الاكراه فليرجع اليه فى المصطلح الخاص به. وأما عدم تأثيره فى جريمة القتل فسيتبين من عرض النصوص الفقهية

стр. 4680

المتعلقة بذلك بعد الفراغ من النصوص الخاصة باباحة المطعوم والمشروب المحرم عند الاضطرار. وقد نص العلماء الذين كتبوا فى القواعد العامة - فى الفقه الاسلامى - ان الحكمة من اباحة بعض المحرمات فى حالات الاضطرار ترجع - بصفة عامة الى ازالة الضرر عن المكلفين وهو ما عبر عنه علماء الأصول بالقاعدة الشرعية المعروفة الضرر يزال: وقد قال العلامة جلال الدين السيوطى عن أصل قاعدة: (الضرر يزال) أصلها قوله ﵌ (لا ضرر ولا ضرر (١). وقال العلامة ابن نجيم: ويتفرغ عن هذه القاعدة قواعد: الأولى: الضرورات تبيح المحظورات، ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة واساغة اللقمة بالخمر والتلفظ بكلمة الكفر للاكراه واتلاف المال … ودفع الصائل (٢). فالأفعال المحرمة التى تبيحها (الضرورة) ترجع الحكمة من تحريمها أما الى المحافظة على نفس الفاعل كما هو الحال فى شرب الخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير اذ أن تناول هذه المحرمات يضر - قبل كل شئ - بصحة الآكل والشارب فهى محرمة لمصلحته لا لمصلحة أحد سواه فكانت الحكمة الالهية اباحة تناولها متى أدى تحريمها عليه الى الحاق ضرر جسيم به يتمثل فى خوف الهلاك أو التلف. وأما ان ترجع الحكمة من تحريم بعض هذه الأفعال التى من هذا النوع الى مصلحة الغير كما هو الحال فى جرائم الأموال ولكن لما كان الضرر الذى يلحق بهذا الغير من جراء أخذ المال هو فى الواقع ضرر لا يذكر ولا يساوى شيئا بجانب خطر الجوع الذى يهدد المضطر بالهلاك كان من العدل أن يباح تناول طعام الغير لسد رمق الجوع حفظا للمهج وابقاء للأرواح خصوصا اذا ما أخذنا فى الاعتبار أن جمهور الفقهاء على وجوب تعويض صاحب الطعام فى الحال أو فى المآل، لأن الاضطرار لا ينافى الضمان، فهو على ذلك لن يناله ضرر ما، وحتى على القول بعدم التعويض، لأن للمضطر حقا فيما أخذ لاحياء نفسه - فان الضرر الذى سيعود على المالك ضرر يسير محتمل بالقياس الى الخطر الجسيم الذى يهدد نفس المضطر. وانما لم يؤثر الاضطرار فى جريمة القتل باستثناء قتل الصائل، لأن

стр. 4681

مبدأ ازالة الضرر مقيد بالقاعدة الشرعية: (الضرر لا يزال بالضرر)، وقد علل بعض العلماء ذلك بقوله: لأن ازالته بالضرر هى عين الضرر (١)، ولذلك فقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز للمضطر أن يتناول طعام مضطر آخر، ولا يجوز له أن يقتل غيره لاحياء نفسه، لأن مفسدة قتل نفسه أخف من مفسدة قتل غيره. وأما حكمة استثناء دفع الصائل ولو بالقتل اذا كان قتله هو الوسيلة الوحيدة لرد كيده وتجنب أذاه، فلأنه هو الذى بدأ بالعدوان وهو باعتدائه قد أهدر دمه، قال الله تعالى ﴿(فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ)﴾. وقد روى أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمهما الله تعالى أن الحكمة من اباحة قتل الصائل ترجع الى أن عدم قتله سيؤدى الى خسارة نفسية، وأما فى حالة قتله فلن تخسر الجماعة الا نفس المعتدى فقط. وبيان ذلك أن اباحة قتل الصائل احقاق للحق وابطال للباطل ولكن عدم اباحة قتله سيؤدى الى تمكينه من تنفيذ جريمته وهى قتل نفس بغير حق، واذا فعل ذلك فانه يقتل به قصاصا فكان فيه اتلاف (٢) نفسين، بعكس الحالة الأولى فليس فيها الا اتلاف نفس واحدة. الاضطرار الى تناول المطعوم والمشروب المحرم يقول الله تعالى: ﴿(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ، إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ (٣). وقد أخذ الفقهاء حكم الاضطرار فى المطعوم والمشروب المحرم من هذه الآية الثانية وغيرها من الآيات المشابهة مثل قوله تعالى ﴿(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ.)﴾ (٤) والاضطرار الى المطعومات والمشروبات المحرمة يتناول ما يأتى: (أ) الاضطرار الى الميتة وما فى حكمها (ب) الاضطرار الى شرب الخمر. (ج) الاضطرار الى طعام الغير.

стр. 4682

(أ) الاضطرار الى الميتة وما فى حكمها الأصل فى الميتة والدم ولحم الخنزير أنها محرمة تحريما قاطعا فى الظروف العادية - كما هو معلوم من آيات كتاب الله تعالى أما فى الظروف الاستثنائية التى يضطر فيها المرء الى تناول قدر منها لكى ينقذ به حياته من الهلاك فانه يباح له أن يتناول هذا القدر متى كان من المستحيل عليه أن يجد شيئا آخر سواها - مباحا بحكم الأصل - يدفع به الهلاك عن نفسه. وهذا الحكم - وهو الاباحة - محل اتفاق بين الفقهاء - كما يظهر ذلك من النصوص الآتية: مذهب الحنفية: أكل الميتة والخنزير فى حالة الاضطرار باق على الاباحة الأصلية (١) لأن الله تعالى استثنى حالة الضرورة فى قوله ﴿(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ)﴾ والاستثناء من التحريم اباحة اذ الكلام صار عما وراء المستثنى وقد كان مباحا قبل التحريم فبقى على ما كان عليه فى حالة الضرورة (٢). ويرى الحنفية أن تناول الميتة واجب فى حالة الاضطرار اليها، لأنه لو لم يأكل حتى يموت كان آثما لا لقائه بنفسه الى التهلكه (٣). وفى رواية عن أبى يوسف أن الحرمة لا ترتفع فى حالة الاضطرار وانما الذى يرتفع هو الاثم فقط كما فى الاكراه على الكفر فلا يأثم بالامتناع (٤). مذهب المالكية: قال مالك: من أحسن ما سمعت فى الرجل يضطر الى الميتة أنه يأكل منها .. فان وجد عنها غنى طرحها - قال - أبو عمر حجة مالك أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة .. حتى يجد غيرها فتحرم (٥) عليه. ويرى المالكية أن تناول الميتة يصبح واجبا فى حالة الاضطرار (٦). مذهب الشافعية: من ظن من الجوع الهلاك أى هلاك نفسه أو جوز تلفها وسلامتها على السواء كما حكاه الامام عن صريح كلامهم - أو ظن منه ضعفا يقطعه عن الرفقة أو

стр. 4683

مرضا مخوفا وكذا لو خاف طوله، ولم يجد فى كل منهما حلالا لزمه أكل الميتة والخنزير ونحوهما من المحرمات (١). فهم يرون أن تناول الميتة عند الاضطرار واجب، ويعبرون عن ذلك بالوجوب أحيانا وباللزوم أحيانا أخر (٢)، (٣). مذهب الحنابلة: يباح أكل الميتة فى حالة الاضطرار للحاجة الى حفظ النفس من الهلاك وكذلك سائر المحرمات، ويجب عليه الأكل بقدر ما يسد رمقة ويأمن معه الموت وليس له الشبع (٤). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم فى الميتة والدم ولحم الخنزير ان هذه الأشياء نجسة فى الأصل ولا يحل تناولها وانها تصبح فى حال الاضطرار طاهرة ويحل تناولها (وما أباحه الله تعالى عند الضرورة فليس فى تلك الحال خبيثا بل هو حلال طيب لأن الحلال ليس (٥) خبيثا. قال ابن حزم فى المحلى وفرض على الانسان أخذ ما اضطر اليه فى معاشه فان لم يفعل فهو قاتل لنفسه وهو عاص لله تعالى لأن قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم عام لكل ما اقتضاه لفظه وبالله تعالى التوفيق (٦). مذهب الزيدية: لمن خشى التلف التناول من الميتة ونحوها لقول الله تعالى ﴿(فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ .. الآية) وسواء خاف من جوع أو مرض ان لم يتناول أو يعجز عن مشى أو معه داء لا يذهبه الا المحرم، فان خشى طول الالم حتى يخشى التلف فوجهان .. اصحهما يباح له - كما لو - خشى التلف فى الحال لتأديته الى الخوف (٧). وفى وجوب التناول عندهم وجهان (٨). أحدهما أنه يجب دفعا للضرورة. والثانى أنه لا يجب ايثارا للورع. مذهب الإمامية: يجوز (٩) أكل الميتة ولحم الخنزير فى حال الاضطرار اليه وهم يرون أن التناول من الميتة أو لحم الخنزير واجب فى حال الاضطرار بل لقد روى عن الصادق ﵇ أنه قال: «من اضطر الى الميتة والدم ولحم

стр. 4684

الخنزير فلم يأكل حتى يموت فهو كافر. مذهب الإباضية: جاز لخائف من موت أو ذهاب عضو من أعضائه بجوع أو عطش تنجية نفس ولو فى رمضان فى حضر بأكل حلال أو شرب حلال ولا سيما فى صوم غير رمضان أو بأكل أو شرب محرم وان برمضان فى حضر كلحم ميته ولبنها ودمها ولحم خنزير. وان مات جوعا فى رمضان وقد وجد ما يأكل، أو مات وترك الميتة أو الدم أو لحم الخنزير ففى النار (١). القدر المسموح بتناوله من الميتة مذهب الحنفية: لا يجوز للمضطر أن يأكل من الميتة أو من لحم الخنزير وما فى حكمها الا قدر ما يسد به رمقه، أى القدر اللازم لدفع حالة الاضطرار. وقد حدد الحنفية المقدار الذى تندفع به الضرورة بمقدار ما يتمكن به من الصلاة قائما (٢). مذهب المالكية: يجوز للمضطر أن يأكل من الميتة حتى يشبع بل ويتزود منها، فقد جاء فى التاج والاكليل على مختصر خليل «ونص الموطأ قال مالك: من أحسن ما سمعت فى الرجل يضطر الى الميتة أنه يأكل منها حتى يشبع ويتزود منها، فان وجد عنها غنى طرحها وحجة مالك ﵀ أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة فاذا كانت حلالا له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها فتحرم عليه (٣). مذهب الشافعية: يباح للمضطر أن يتناول من الميتة قدر ما يسد رمقه - هذا هو الاصل - ولكنهم يرون أن المضطر اذا خشى الهلاك على نفسه مستقبلا دون قطع البادية بأن خاف ألا يقطعها ويهلك ان لم يزد على سد الرمق فتباح له الزيادة بل تلزمه لئلا يهلك نفسه بأن يأكل حتى يكسر سورة الجوع بحيث لا يطلق عليه اسم جائع (٤). مذهب الحنابلة: نص الحنابلة على اباحة ما يسد الرمق وعلى تحريم ما يزيد على الشبع. وعندهم فى الشبع روايتان.

стр. 4685

الأولى: لا يباح لأن الآية دلت على تحريم الميتة واستثنى ما اضطر اليه، فاذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل كحالة الابتداء لأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية. والرواية الثانية يباح له الشبع لما روى جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة فقالت له امرأته: اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله فقال حتى أسأل رسول الله ﵌ فسأله فقال: هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا قال: «فكلوها، ولم يفرق ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح (١). ويرى ابن قدامه التفريق بين ضرورة مستمرة وأخرى يرجى زوالها وقال يحتمل أن يفرق بين ما اذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما اذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة كحالة الاعرابى الذى سأل رسول الله ﵌ جاز الشبع، لأنه اذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة اليه عن قرب، ولا يتمكن من البعد من الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضى الى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك الى تلفه بخلاف التى ليست مستمرة فانه يرجو الغنى عنها بما يحل (٢) له. مذهب الظاهرية: بعد أن ذكر ابن حزم المحرمات من المأكل والمشارب «من خنزير أو صيد حرام أو ميتة أو دم أو لحم سبع طائر أو ذى أربع أو حشرة أو خمر قال» فمن اضطر الى شئ مما ذكرنا قبل .. فله أن يأكل حتى يشبع يتزود، حتى يجد حلالا، فاذا وجد، عاد الحلال من ذلك حراما كما كان عند ارتفاع الضرورة. مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: (ولا يحل للمضطر مما يحرم بنفسه أكثر من سد الرمق لزوال الضرورة بسده، لقوله تعالى «غَيْرَ باغٍ» أى غير متلذد ولا مجاوز لدفع الضرورة (٣). مذهب الإمامية: الظاهر من مذهبهم الاقتصار على القدر اللازم لا زالة حالة الاضطرار - فقد روى محمد بن عذافر عن أبيه عن أبى جعفر ﵇ أنه قال: ثم أحله للمضطر - أى أحل الله الميتة والدم ولحم الخنزير عند الاضطرار فى الوقت الذى لا يقوم بدنه الا به فأمرهم أن يناله منهم بقدر البلغة لا غير ذلك (١).

стр. 4686

مذهب الإباضية: من خاف الموت فى رمضان أكل ما يقوته وقيل لا يعرف له حد دون الشبع (١). حكم العاصى بسفره اذا أداه سفره الى الاضطرار مذهب الحنفية: يقول الجصاص: ان العاصى بسفره متى ترك الأكل فى حال الضرورة حتى مات كان مرتكبا لضربين من المعصية. أحدهما: خروجه فى معصية. والثانى: جنايته على نفسه بترك الأكل، وأيضا فالمطيع والعاصى لا يختلفان فيما يحل لهما من المأكولات أو يحرم، ألا ترى أن سائر المأكولات التى هى مباحة للمطيعين هى مباحة للعصاة كسائر الأطعمة والأشربة المباحة، وكذلك ما حرم من الأطعمة والاشربة لا يختلف فى تحريمه حكم المطيعين والعصاة فلما كانت الميتة مباحة للمطيعين عند الضرورة وجب أن يكون كذلك حكم العصاة فيها كسائر الأطعمة المباحة فى غير حالة الضرورة (٢). مذهب المالكية: لا يفرق المالكية بين العاصى بسفره والمطيع فى اباحة المحرمات عند الاضطرار اليها على المشهور عندهم حيث جاء فى حاشية الدسوقى تعليقا على عبارة خليل وهى (للضرورة ما يسد الرمق) ما يلى انها تتناول المتلبس بالمعصية كما هو مختار ابن يونس وشهره القرافى. خلافا لمن قال لا يباح له تناول الميتة وتمسك بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ،﴾ وقوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾. وأجاب أصحاب القول المشهور بأن المراد غير باغ فى نفس الضرورة بأن يتجانف ويميل فى الباطن لشهوته ويتمسك فى الظاهر بالضرورة كأنه قيل فمن اضطر اضطرارا صادقا فاذا عصى فى نفس السبب المبيح كأن كذب فى الضرورة وبغى وتعدى فيها وتجانف الاثم كانت كالعدم. ثم بين القرطبى أن اتلاف المرء نفسه فى سفر المعصية أشد من المعصية لقوله تعالى ﴿(وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)﴾ وهذا عام ولعله يتوب فى ثانى حال فتمحو التوبة عنه ما كان فمن امتنع عن المباح كان قاتلا لنفسه عند جميع أهل العلم ولا يختلف فى ذلك عندهم حكم العاصى والمطيع بل امتناعه عند ذلك عن الأكل زيادة على عصيانه فوجب أن يكون حكمه وحكم المطيع سواء فى استباحة الأكل عند الضرورة (٣).

стр. 4687

مذهب الشافعية: يستثنى الشافعية العاصى بسفره فلا تباح له الميتة عند اضطراره اليها حتى يتوب قال الاذرعى ويشبه أن يكون العاصى باقامته كالمسافر اذا كان الأكل عونا له على الاقامة (١). مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامه فى بيان حكم العاصى بسفره عند الاضطرار الى الميتة: قال أصحابنا ليس للمضطر فى سفر المعصية الأكل من الميتة كقاطع الطريق والآبق لقول الله تعالى «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» قال مجاهد غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم وقال سعيد بن جبير اذا خرج يقطع الطريق فلا رخصة له فان تاب وأقلع عن معصيته (٢) حل له الأكل. مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم: ومن كان فى سبيل معصية كسفر أو قتال لا يحل فلم يجد شيئا يأكله الا الميتة أو الدم أو خنزيرا، أو لحم سبع أو بعض ما حرم عليه لم يحل له أكله حتى يتوب فان تاب فليأكل حلالا، وان لم يتب فان أكل أكل حراما وان لم يأكل فهو عاص لله تعالى بكل حال .. لأن الله تعالى لم يبح له ذلك الا فى حال يكون فيها غير متجانف لاثم ولا باغيا ولا عاديا وأكله ذلك عون على الاثم والعدوان وقوة له على قطع الطريق وفساد السبيل وقتل المسلمين وهذا عظيم جدا .. وما أمرناه قط بقتل نفسه بل قلنا له أفعل ما افترض الله عليك من التوبة واترك ما حرم عليك من السعى فى الأرض بالفساد والبغى وكل فى الوقت حلالا طيبا (٣). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الرخار أن الباغى كغيره فى حكم الاضطرار فالزيدية على هذا لا يفرقون بين العاصى والمطيع ثم ذكر بعد ذلك قولا آخر بالتفرقة بينهما لظاهر الآية وعلق عليه بقوله قلنا المراد بها ما ذكرنا ليوافق القياس والذى ذكره فى المراد من قوله تعالى «غَيْرَ باغٍ» أى غير متلذذ ولا مجاوز لدفع الضرورة (٤). مذهب الإمامية: جاء فى كتاب من لا يحضره الفقيه قلت يا ابن رسول الله ما معنى قوله تعالى

стр. 4688

﴿(غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ)﴾ قال: العادى السارق والباغى الذى يبغى الصيد بطرا ولهوا لا ليعود به على عياله وليس لهما أن يأكلا من الميتة اذا اضطر فهى حرام عليهما فى حال الاضطرار كما هى حرام عليهما فى حال الاختيار (١). فالشيعة الجعفرية على هذا يفرقون بين المطيع والعاصى بصفة عامة فالأول يباح له الميتة عند الاضطرار والثانى لا تباح له كما هو ظاهر من تفسير الامام جعفر الصادق رضى الله عنه للآية المذكورة. الاضطرار الى الخمر الاضطرار الى الخمر أما أن يكون للتداوى بها، واما للعطش الشديد عند فقد الماء واما لازالة الغصة. مذهب الحنفية: قال الكاسانى من شروط اقامة الحد على شارب الخمر عدم الضرورة فلا حد على من أكره على شرب الخمر ولا على من أصابته مخمصة اذ (الشرب لضرورة المخمصة والاكراه حلال (٢). وفى ضرورة التداوى يقول الحموى: (وهل يجوز للعليل شرب الخمر للتداوى؟ وجهان .. الا ترى أن العطشان رخص له فى شرب الخمر ورخص للجائع الميتة (٣). غير أن عبارة الدر تفيد الاباحة من غير اشارة الى خلاف حيث قال كل تداو لا يجوز الا بطاهر وجوزه فى النهاية بمحرم اذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاء ولم يجد مباحا يقوم مقامه قلت وفى البزازية معنى قوله ﵊ ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم نفى الحرمة عند العلم بالشفاء ودل عليه جواز اساغة اللقمة بالخمر وجواز شربها لازالة العطش. الا أن ابن عابدين قد فرق بين اساغة اللقمة بالخمر وشربها للعطش وبين التداوى حيث قال اساغة اللقمة بالخمر وشربها لازالة العطش أحياء لنفسه متحقق النفع ولذا يأثم بتركه كما يأثم بترك الأكل مع القدرة عليه حتى يموت بخلاف التداوى ولو بغير محرم فانه لو تركه حتى مات لا يأثم كما مصوا عليه لأنه مظنون (٤). مذهب المالكية: نص المالكية على أنه لا حد على من

стр. 4689

شرب خمرا لا ساغة الغصة اذا خاف على نفسه الهلاك منها (١) لأن اساغة الغصة بالخمر واجبة اذا خاف على نفسه الهلاك ولم يجد غيرها (٢). أما شرب الخمر لازالة العطش الشديد فغير جائز عند المالكية اذ روى عن الامام مالك أنه قال: لا يشربها ولن تزيده الا عطشا (٣) كما لا يجوز استعمال الخمر لأجل دواء ولو لخوف الموت ولو طلاء بها فى جسده ولو خلطها بشئ من الدواء الجائز (٤). وقد وفق بعض فقهاء المالكية بين تحريم الخمر للتداوى وللجوع والعطش وبين جواز استعمالها للضرورة عندهم فقال: واذا قلنا أنه لا يجوز التداوى بها ويجوز استعمالها للضرورة فالفرق ان المتداوى لا يتيقن البرء (٥) بها وانما جاز شرب الخمر لاساغة الغصة ولم يجز لخوف موت بجوع أو عطش لزوال الغصة بالخمر تحقيقا أو ظنا قويا بخلاف الجوع والعطش فانهما لا يزالان به بل يزيدان لما فى طبعها من الحرارة والهضم (٦). مذهب الشافعية: جاء فى اسنى المطالب: لا يحد مكره لشربه أى المسكر من خمر وغيره .. ولا مسيغ أى مزدرد لقمة به حين غص بفتح الغين أى شرق ولم يجد غيره مما تحصل به الاساغة وخاف الهلاك ان لم يفعل ويجوز له حينئذ اساغتها به بل يجب دفعا للهلاك، فلو شربها أى الخمر لتداو أو لدفع جوع أو عطش اثم وان لم يجد غيرها .. ولا حد عليه لشربها لذلك، وهذا ما اختاره النووى فى تصحيحه فى التداوى ومثله ما بعده من العطش وغيره. وجاء فى موضع آخر من نفس الكتاب وشرب الخمر .. للعطش وللتداوى حرام وان لم يجد غيرها لعموم النهى عن شربها ولأن بعضها يدعو الى بعض ولأن شربها لا يدفع العطش بل يزيده وان سقته فى الحال ولقوله ﷺ لما سئل عن التداوى بالخمر انه ليس بدواء لكنه داء - رواه مسلم وروى ابن حبان فى صحيحه «ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ثم محل ذلك اذا لم ينته به الأمر الى الهلاك والا فيتعين شربها كما يتعين على المضطر أكل الميتة. ومحل التداوى بها اذا كانت خالصة بخلاف المعجون بها كالترياق لاستهلاكه

стр. 4690

فيها وكالخمرة فى ذلك سائر المسكرات المائعة. مذهب الحنابلة: لا يجوز شرب المسكر لعطش ولا للذة ولا لتداو لما روى وائل بن حجر ان طارق بن سويد الجعفى سأل النبى ﷺ عن الخمر فنهاه وكره له ان يصنعها فقال انما اصنعها للدواء فقال أنه ليس بدواء ولكنه داء رواه مسلم .. بخلاف ماء نجس فيجوز شربه للعطش لما فيه من البرد والرطوبة بخلاف المسكر فانه لا يحصل به رى لأن فيه من الحرارة ما يزيد العطش (١) ولا يجوز استعمال المسكر فى عير ما ذكر .. الا لمكره فيجوز له تناول ما أكره عليه فقط لحديث عفى عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، أو لمضطر اليه خاف التلف لدفع لقمة غص بها وليس عنده ما يسيعها فيجوز له تناوله لقوله تعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ولأن حفظ النفس مطلوب بدليل اباحة الميتة عند الاضطرار اليها وهو موجود هنا .. وفى المغنى وغيره كالشرح: ان شربها أى الخمر لعطش فان كانت ممزوجة بما يروى من العطش أبيحت لدفعه عند الضرورة كما تباح الميتة عند المخمصة وكاباحتها لدفع الغصة. وان شربها صرفا أو ممزوجة بشئ يسير لا يروى من العطش لم تبح لعدم حصول المقصود بها لأنها لا تروى بل تزيده عطشا وعليه الحد، لأن اليسير المستهلك فيها لم يسلب عنها اسم الخمر (٢). مذهب الظاهرية: ذكر ابن حزم هذه المسألة تحت عنوان من اضطر الى شرب الخمر .. وقد نص فى هذا الموضع على اباحة الخمر للعلاج وللأمور الأخرى كالأكراه والعطش. وقد استدل على نفى الحد عمن شربها للعلاج ونحوه بقوله تعالى ﴿(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» ثم قال بعد ذلك: «فصح أن المضطر لا يحرم عليه شئ مما اضطر اليه من طعام أو شراب (٣)». ويستفاد مما قاله ابن حزم الحاق السوائل المحرمة الأخرى بالخمر عند الاضطرار اليها، لما روى عن طريق أنس أن قوما من عكل وعرينة قدموا على رسول الله ﷺ وتكلموا بالاسلام، فقالوا يا رسول الله انا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة فأمر لهم رسول الله ﷺ بذود

стр. 4691

وراع وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ثم قال ابن حزم فرسول الله ﷺ انما أباح للعرنيين شرب أبوال الابل وألبانها على سبيل التداوى من المرض ثم ذكر حديثا آخر وبعده قال: فصح يقينا أن رسول الله ﷺ انما أمرهم بذلك على سبيل الدواء من السقم الذى أصابهم وأنهم صحت أجسامهم بذلك والتداوى بمنزلة ضرورة. وقد قال تعالى «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» فما اضطر اليه المرء فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب (١). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: (من غص بلقمة ولم يجد ما يسوغها الا الخمر جاز له شربها اجماعا قلت وكذا لو خشى التلف بالعطش وكذلك لو خاف التلف من قادر توعده. فأما التداوى بها فمحرم لقوله ﷺ لم يجعل الله شفاءكم فيما حرم عليكم، ولعدم اليقين فى حصول الشفاء قلت فان خشى من علته التلف وقطع بزوالها بشرب الخمر جاز له التداوى بها كمن غص بلقمة) وهو الاقرب عندى. ثم قال وان لم يقطع بزوالها لم يجز، اذ الخبر يقتضى ان لا شفاء به فيبطل ظن حصوله .. فان لم يخش التلف وقطع بارتفاع الضرر ففيه تردد والأقرب الجواز، كما يجوز ترك الواجب لخشية الضرر وان لم يقطع لم يجز (٢). الاضطرار الى طعام الغير مذهب الحنفية: جاء فى الدر المختار: الأكل للغذاء والشرب للعطش ولو من حرام .. أو مال غيره وان ضمنه فرض يثاب عليه به. وقد علق ابن عابدين على هذه العبارة فقال: فمن خاف الموت، ومع رفيقه طعام أخذ بالقيمة منه قدر ما يسد جوعته وكذا يأخذ قدر ما يدفع العطش (٣). مذهب المالكية: يذهب المالكية الى أنه يباح للمضطر أن يتناول من طعام الغير القدر اللازم لازالة اضطراره. غير أنهم يفرقون بين المال المحرز وغيره. فأن كان المال غير محرز فانه يباح للمضطر أن يأخذ من هذا المال

стр. 4692

مطلقا - القدر اللازم لسد رمقه الا أنه اذا خشى من صاحب المال ضربا أو أذى فانه يأخذ على سبيل التخفى تجنبا للأذى الذى قد يناله من صاحب المال. وأما أن كان المال محرزا: فان ظن أنه يصدق فى دعوى الضرورة - أى كان فى استطاعته اثبات اضطراره - فان له أن يأخذ من هذا المال قدر ما يسد رمقه على أى حال سرا أو جهرا وان ظن عدم تصديقه فى دعواه فان له ان يأخذ هذا القدر أيضا ولكن على سبيل التستر تفاديا للضرر (١) ومع ذلك فان لم تكن للمضطر وسيلة لانقاذ مهجته سوى الأخذ من مال الغير وهو فى حال يخشى معها قطع يده - نظرا لتعذر اثبات اضطراره فانه يباح له أيضا الأخذ من مال الغير لأن حفظ النفس مقدم على حفظ العضو (٢). مذهب الشافعية: جاء فى أسنى المطالب وان بذل الطعام مالكه ولو مضطرا لمضطر آخر، هبة لزمه قبوله لدفعه الهلاك عن نفسه، أو بذله له بثمن المثل فى مكانه وزمانه لزمه شراؤه حتى بازاره المستتر به ويصلى عريانا لأن كشف العورة أخف من أكل الميتة بدليل أنه يجوز أخذ الطعام قهرا بخلاف أخذ ساتر العورة الا أن خشى على نفسه التلف بالبرد فلا يلزمه شراؤه بازاره ولزمه شراؤه فى الذمة ان كان معسرا وان لم يكن له مال فى محل آخر، ويلزم المالك حينئذ البيع فى الذمة والا فالوجه كما قال جماعة جواز البيع بحال، لكن لا يطالبه الا عند قدرته لاعساره فى الحال. وان امتنع المالك أو ولى الصبى من بذله بعوض لمضطر محترم - وهو أى المالك أو الصبى ومثله المجنون غنى - أثم وان احتاجه فى المآل، لأن فى امتناعه اعانة على قتله، ولأنه لو قدر بنفسه على انقاذ غيره من غرق ونحوه لوجب فكذا بماله وبخلاف المحتاج اليه فى الحال فانه أولى به من غيره ولو مضطرا (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: اذا اضطر فلم يجد الا طعاما، لغيره نظرنا: فان كان صاحبه مضطرا اليه فهو أحق به ولم يجز لأحد أخذه منه لأنه ساواه فى الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة. وان أخذه منه فمات

стр. 4693

لزمه ضمانه لأنه قتله بغير حق وأن لم يكن صاحبه مضطرا اليه لزمه بذله للمضطر لأنه يتعلق به احياء نفس آدمى معصوم فلزمه بذله له كما يلزمه بذل منافعه فى انجائه من الغرق والحريق، فان لم يفعل فللمضطر أخذه منه لأنه مستحق له دون مالكه فجاز له أخذه (١). وقد حكى ابن قدامه خلافا فى الثمر المعلق هل يباح للضرورة أم أنه يباح لكل جائع؟ فقال: قال أكثر الفقهاء لا يباح الأكل الا للضرورة. وقال أحمد يأكل اذا كان جائعا واذا لم يكن جائعا فلا يأكل وقد فعله غير واحد من أصحاب النبى ﷺ ، ولكن اذا كان عليه حائط لم يأكل لأنه قد صار شبه الحريم. وقال فى موضع انما الرخصة للمسافر الا أنه لم يعتبر هاهنا حقيقة الاضطرار لأن الاضطرار يبيح ما وراء الحائط ورويت عنه الرخصة فى الأكل من غير المحوطة مطلقا من غير اعتبار جوع ولا غيره وقد روى عن رافع ابن عمر قال كنت أرمى نخل النصارى فأخذونى فذهبوا بى إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رافع لم ترمى نخلهم؟ قلت الجوع يا رسول الله قال: لا ترم وكل ما وقع أشبعك الله ورواك، أخرجه الترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد رجح ابن قدامة رأى أحمد لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: ما أصاب منه ذو حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه ومن أخرج منه شيئا فعليه غرامة مثله والعقوبة، قال الترمذى هذا حديث حسن. وأضاف ابن قدامه قوله: قال بعض أصحابنا اذا كان عليها ناطورة فهو بمنزلة المحوط فى أنه لا يدخل اليه ولا يأكل منه الا فى الضرورة (٢). ولا يباح للمضطر من مال أخيه الا ما يباح من الميتة قال أبو هريرة قلنا يا رسول الله ما يحل لاحدنا من مال أخيه اذا اضطر اليه قال ﷺ : يأكل ولا يحمل: ويشرب ولا يحمل (٣). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم: «وفرض على الانسان أخذ ما اضطر اليه فى معاشه فان

стр. 4694

لم يفعل فهو قاتل نفسه وهو عاص لله قال الله تعالى «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» وهو عموم لكل ما اقتضاه لفظه (١). مذهب الزيدية: المضطر يباح له تناول طعام الغير فان كان لدى المضطر عوض وجب بذله لصاحب المال .. فان طلب من المضطر أكثر من ثمن المثل فله المخادعة فى أخذه بلا عقد، أو يعقد عقدا باطلا، فان عقد صحيحا فوجهان .. أصحهما يلزمه وقيل لا كالمكره وعليه العوض (٢). مذهب الإمامية: المضطر يباح له أن يتناول من طعام الغير القدر الذى يكفى لازالة حالة الاضطرار (٣) وقد بين صاحب مفتاح الكرامة حكم الأكل من الثمر المعلق فقال: لو مر بثمرة النخل والفواكه لا قصدا قيل: جاز الأكل دون الأخذ وقد حكى على ذلك الاجماع فى الخلاف والسرائر. ثم قال ان أكثر الأصحاب لم يفرقوا بين النخل وغيره. وقال أبو على ليناد على صاحب البستان ويستأذنه فان اجابه والا أكل وحلت عند الضرورة، وان أمكنه رد القيمة كان أحوط. حجة القائلين بالجواز فى الجميع. منها مرسل أبى عمير الملحق بالصحيح عن الرجل يمر بالنخل والسنبل والثمرة أفيجوز له أن يأكل منها من غير اذن صاحبها فى ضرورة أو من غير ضرورة؟ قال: لا بأس .. وخبر عبد الله بن سنان لا بأس بالرجل يمر على الثمرة ويأكل منها ولا يفسد ومرسل الفقيه لا بأس أن يأكل من ثمارها ولا يحمل منها شيئا. واحتج المانعون بأنه تصرف فى مال الغير بغير اذنه .. وبما روى عن مروان بن عبيد عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله ﵇ قال: قلت الرجل يمر على الزرع يأخذ منه السنبل قال: لا، قلت أى شئ السنبلة؟ قال: لو كان كل من يمر به يأخذ السنبلة كان لا يبقى شئ وما روى فى كتاب قرب الاسناد لا يأكل أحد الا من ضرورة ولا يفسد (٤). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: «ومن جاع بالفعل حتى خاف الموت أخذ من مال الناس ما ينجى به نفسه، واذا وجد ضمنه لصاحبه. قلت: لا ضمان لأن على صاحب المال أن ينجيه لو حضر، وفى الضياء من أخذه الجبار بمال فدى

стр. 4695

نفسه بوديعته ان لم يجد ماله، ويضمن. وان لم يجد الا مالا لغيره فله أن يخلص نفسه لأن على صاحب هذا المال أن يخلصه من القتل ان قدر. وأيضا لا خلاف بين أهل العلم أن رجلا لو كان فى سفر أو حضر وعدم الطعام وخاف الهلاك ولم يجد الا مال رجل مسلم أن يأكله بغير رأيه، ويضمن ويحيى نفسه من الموت. قلت بل فيه قول: أنه يموت ولا يأكل منه قال: اذا كان بالاجماع يجوز له تنجية نفسه بالأكل من مال غيره، كان جائزا تنجية نفسه به من القتل (١). وقد ذكر صاحب الشرح أقوالا أخرى منها: أنه لا ينجى نفسه بمال غيره الا أن أشهد الناس عليه. وقيل ينجى نفسه به ويجهد فى الايصاء به ما استطاع وقيل لا يلزمه ايصاء وأن ذلك حق على صاحب المال. وهذا مع غرابته حسن اذا اعتقد أنه يتخلص منه ان استطاع (٢). هل للمضطر أن يقاتل المالك اذا امتنع ؟ مذهب الحنفية: جاء فى البدائع «وليس له أن يمنع الناس من الشفه وهو الشرب .. الا اذا كان ذلك فى أرض مملوكة فلصاحبها أن يمنعهم عن الدخول فى أرضه، اذا لم يضطروا اليه بأن وجدوا غيره لأن الدخول اضرار به من غير ضرورة، فله أن يدفع الضرر عن نفسه. وان لم يجدوا غيره واضطروا وخافوا الهلاك يقال له: أما أن تأذن بالدخول وأما أن تعطى بنفسك فان لم يعطهم ومنعهم من الدخول فلهم أن يقاتلوه بالسلاح ليأخذوا قدر ما يندفع به الهلاك عنهم» لما روى أن قوما وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا فسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا، فقالوا لهم أن أعناقنا وأعناق مطايانا كادت تقطع فأبوا فذكروا ذلك لعمر فقال: «هلا وضعتم فيهم السلاح (٣). غير أن هذا الحكم خاص بالمياه التى تجرى فى المجارى الخاصة أو تنبع وتنفجر من عيون خاصة كالآبار الخاصة. أما الماء المحرز فى الأوانى والصهاريج ونحوها فان الحنفية يعطونها حكم الطعام. وقد بينه الكاسانى بقوله «فمن عنده فضل ماء زائد عن حاجته للممنوع أن يقاتله ليأخذ منه الفضل لكن بما دون السلاح كما اذا أصابته مخمصة وعند صاحبه فضل طعام فمنعه وهو لا يجد غيره. اذ لابد
следующие страницы →