← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

وراع وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ثم قال ابن حزم فرسول الله ﷺ انما أباح للعرنيين شرب أبوال الابل وألبانها على سبيل التداوى من المرض ثم ذكر حديثا آخر وبعده قال: فصح يقينا أن رسول الله ﷺ انما أمرهم بذلك على سبيل الدواء من السقم الذى أصابهم وأنهم صحت أجسامهم بذلك والتداوى بمنزلة ضرورة. وقد قال تعالى «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» فما اضطر اليه المرء فهو غير محرم عليه من المأكل والمشرب (١). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: (من غص بلقمة ولم يجد ما يسوغها الا الخمر جاز له شربها اجماعا قلت وكذا لو خشى التلف بالعطش وكذلك لو خاف التلف من قادر توعده. فأما التداوى بها فمحرم لقوله ﷺ لم يجعل الله شفاءكم فيما حرم عليكم، ولعدم اليقين فى حصول الشفاء قلت فان خشى من علته التلف وقطع بزوالها بشرب الخمر جاز له التداوى بها كمن غص بلقمة) وهو الاقرب عندى. ثم قال وان لم يقطع بزوالها لم يجز، اذ الخبر يقتضى ان لا شفاء به فيبطل ظن حصوله .. فان لم يخش التلف وقطع بارتفاع الضرر ففيه تردد والأقرب الجواز، كما يجوز ترك الواجب لخشية الضرر وان لم يقطع لم يجز (٢). الاضطرار الى طعام الغير مذهب الحنفية: جاء فى الدر المختار: الأكل للغذاء والشرب للعطش ولو من حرام .. أو مال غيره وان ضمنه فرض يثاب عليه به. وقد علق ابن عابدين على هذه العبارة فقال: فمن خاف الموت، ومع رفيقه طعام أخذ بالقيمة منه قدر ما يسد جوعته وكذا يأخذ قدر ما يدفع العطش (٣). مذهب المالكية: يذهب المالكية الى أنه يباح للمضطر أن يتناول من طعام الغير القدر اللازم لازالة اضطراره. غير أنهم يفرقون بين المال المحرز وغيره. فأن كان المال غير محرز فانه يباح للمضطر أن يأخذ من هذا المال

стр. 4692

مطلقا - القدر اللازم لسد رمقه الا أنه اذا خشى من صاحب المال ضربا أو أذى فانه يأخذ على سبيل التخفى تجنبا للأذى الذى قد يناله من صاحب المال. وأما أن كان المال محرزا: فان ظن أنه يصدق فى دعوى الضرورة - أى كان فى استطاعته اثبات اضطراره - فان له أن يأخذ من هذا المال قدر ما يسد رمقه على أى حال سرا أو جهرا وان ظن عدم تصديقه فى دعواه فان له ان يأخذ هذا القدر أيضا ولكن على سبيل التستر تفاديا للضرر (١) ومع ذلك فان لم تكن للمضطر وسيلة لانقاذ مهجته سوى الأخذ من مال الغير وهو فى حال يخشى معها قطع يده - نظرا لتعذر اثبات اضطراره فانه يباح له أيضا الأخذ من مال الغير لأن حفظ النفس مقدم على حفظ العضو (٢). مذهب الشافعية: جاء فى أسنى المطالب وان بذل الطعام مالكه ولو مضطرا لمضطر آخر، هبة لزمه قبوله لدفعه الهلاك عن نفسه، أو بذله له بثمن المثل فى مكانه وزمانه لزمه شراؤه حتى بازاره المستتر به ويصلى عريانا لأن كشف العورة أخف من أكل الميتة بدليل أنه يجوز أخذ الطعام قهرا بخلاف أخذ ساتر العورة الا أن خشى على نفسه التلف بالبرد فلا يلزمه شراؤه بازاره ولزمه شراؤه فى الذمة ان كان معسرا وان لم يكن له مال فى محل آخر، ويلزم المالك حينئذ البيع فى الذمة والا فالوجه كما قال جماعة جواز البيع بحال، لكن لا يطالبه الا عند قدرته لاعساره فى الحال. وان امتنع المالك أو ولى الصبى من بذله بعوض لمضطر محترم - وهو أى المالك أو الصبى ومثله المجنون غنى - أثم وان احتاجه فى المآل، لأن فى امتناعه اعانة على قتله، ولأنه لو قدر بنفسه على انقاذ غيره من غرق ونحوه لوجب فكذا بماله وبخلاف المحتاج اليه فى الحال فانه أولى به من غيره ولو مضطرا (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: اذا اضطر فلم يجد الا طعاما، لغيره نظرنا: فان كان صاحبه مضطرا اليه فهو أحق به ولم يجز لأحد أخذه منه لأنه ساواه فى الضرورة وانفرد بالملك فأشبه غير حال الضرورة. وان أخذه منه فمات

стр. 4693

لزمه ضمانه لأنه قتله بغير حق وأن لم يكن صاحبه مضطرا اليه لزمه بذله للمضطر لأنه يتعلق به احياء نفس آدمى معصوم فلزمه بذله له كما يلزمه بذل منافعه فى انجائه من الغرق والحريق، فان لم يفعل فللمضطر أخذه منه لأنه مستحق له دون مالكه فجاز له أخذه (١). وقد حكى ابن قدامه خلافا فى الثمر المعلق هل يباح للضرورة أم أنه يباح لكل جائع؟ فقال: قال أكثر الفقهاء لا يباح الأكل الا للضرورة. وقال أحمد يأكل اذا كان جائعا واذا لم يكن جائعا فلا يأكل وقد فعله غير واحد من أصحاب النبى ﷺ ، ولكن اذا كان عليه حائط لم يأكل لأنه قد صار شبه الحريم. وقال فى موضع انما الرخصة للمسافر الا أنه لم يعتبر هاهنا حقيقة الاضطرار لأن الاضطرار يبيح ما وراء الحائط ورويت عنه الرخصة فى الأكل من غير المحوطة مطلقا من غير اعتبار جوع ولا غيره وقد روى عن رافع ابن عمر قال كنت أرمى نخل النصارى فأخذونى فذهبوا بى إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رافع لم ترمى نخلهم؟ قلت الجوع يا رسول الله قال: لا ترم وكل ما وقع أشبعك الله ورواك، أخرجه الترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقد رجح ابن قدامة رأى أحمد لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: ما أصاب منه ذو حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه ومن أخرج منه شيئا فعليه غرامة مثله والعقوبة، قال الترمذى هذا حديث حسن. وأضاف ابن قدامه قوله: قال بعض أصحابنا اذا كان عليها ناطورة فهو بمنزلة المحوط فى أنه لا يدخل اليه ولا يأكل منه الا فى الضرورة (٢). ولا يباح للمضطر من مال أخيه الا ما يباح من الميتة قال أبو هريرة قلنا يا رسول الله ما يحل لاحدنا من مال أخيه اذا اضطر اليه قال ﷺ : يأكل ولا يحمل: ويشرب ولا يحمل (٣). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم: «وفرض على الانسان أخذ ما اضطر اليه فى معاشه فان

стр. 4694

لم يفعل فهو قاتل نفسه وهو عاص لله قال الله تعالى «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» وهو عموم لكل ما اقتضاه لفظه (١). مذهب الزيدية: المضطر يباح له تناول طعام الغير فان كان لدى المضطر عوض وجب بذله لصاحب المال .. فان طلب من المضطر أكثر من ثمن المثل فله المخادعة فى أخذه بلا عقد، أو يعقد عقدا باطلا، فان عقد صحيحا فوجهان .. أصحهما يلزمه وقيل لا كالمكره وعليه العوض (٢). مذهب الإمامية: المضطر يباح له أن يتناول من طعام الغير القدر الذى يكفى لازالة حالة الاضطرار (٣) وقد بين صاحب مفتاح الكرامة حكم الأكل من الثمر المعلق فقال: لو مر بثمرة النخل والفواكه لا قصدا قيل: جاز الأكل دون الأخذ وقد حكى على ذلك الاجماع فى الخلاف والسرائر. ثم قال ان أكثر الأصحاب لم يفرقوا بين النخل وغيره. وقال أبو على ليناد على صاحب البستان ويستأذنه فان اجابه والا أكل وحلت عند الضرورة، وان أمكنه رد القيمة كان أحوط. حجة القائلين بالجواز فى الجميع. منها مرسل أبى عمير الملحق بالصحيح عن الرجل يمر بالنخل والسنبل والثمرة أفيجوز له أن يأكل منها من غير اذن صاحبها فى ضرورة أو من غير ضرورة؟ قال: لا بأس .. وخبر عبد الله بن سنان لا بأس بالرجل يمر على الثمرة ويأكل منها ولا يفسد ومرسل الفقيه لا بأس أن يأكل من ثمارها ولا يحمل منها شيئا. واحتج المانعون بأنه تصرف فى مال الغير بغير اذنه .. وبما روى عن مروان بن عبيد عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله ﵇ قال: قلت الرجل يمر على الزرع يأخذ منه السنبل قال: لا، قلت أى شئ السنبلة؟ قال: لو كان كل من يمر به يأخذ السنبلة كان لا يبقى شئ وما روى فى كتاب قرب الاسناد لا يأكل أحد الا من ضرورة ولا يفسد (٤). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: «ومن جاع بالفعل حتى خاف الموت أخذ من مال الناس ما ينجى به نفسه، واذا وجد ضمنه لصاحبه. قلت: لا ضمان لأن على صاحب المال أن ينجيه لو حضر، وفى الضياء من أخذه الجبار بمال فدى

стр. 4695

نفسه بوديعته ان لم يجد ماله، ويضمن. وان لم يجد الا مالا لغيره فله أن يخلص نفسه لأن على صاحب هذا المال أن يخلصه من القتل ان قدر. وأيضا لا خلاف بين أهل العلم أن رجلا لو كان فى سفر أو حضر وعدم الطعام وخاف الهلاك ولم يجد الا مال رجل مسلم أن يأكله بغير رأيه، ويضمن ويحيى نفسه من الموت. قلت بل فيه قول: أنه يموت ولا يأكل منه قال: اذا كان بالاجماع يجوز له تنجية نفسه بالأكل من مال غيره، كان جائزا تنجية نفسه به من القتل (١). وقد ذكر صاحب الشرح أقوالا أخرى منها: أنه لا ينجى نفسه بمال غيره الا أن أشهد الناس عليه. وقيل ينجى نفسه به ويجهد فى الايصاء به ما استطاع وقيل لا يلزمه ايصاء وأن ذلك حق على صاحب المال. وهذا مع غرابته حسن اذا اعتقد أنه يتخلص منه ان استطاع (٢). هل للمضطر أن يقاتل المالك اذا امتنع ؟ مذهب الحنفية: جاء فى البدائع «وليس له أن يمنع الناس من الشفه وهو الشرب .. الا اذا كان ذلك فى أرض مملوكة فلصاحبها أن يمنعهم عن الدخول فى أرضه، اذا لم يضطروا اليه بأن وجدوا غيره لأن الدخول اضرار به من غير ضرورة، فله أن يدفع الضرر عن نفسه. وان لم يجدوا غيره واضطروا وخافوا الهلاك يقال له: أما أن تأذن بالدخول وأما أن تعطى بنفسك فان لم يعطهم ومنعهم من الدخول فلهم أن يقاتلوه بالسلاح ليأخذوا قدر ما يندفع به الهلاك عنهم» لما روى أن قوما وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا فسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا، فقالوا لهم أن أعناقنا وأعناق مطايانا كادت تقطع فأبوا فذكروا ذلك لعمر فقال: «هلا وضعتم فيهم السلاح (٣). غير أن هذا الحكم خاص بالمياه التى تجرى فى المجارى الخاصة أو تنبع وتنفجر من عيون خاصة كالآبار الخاصة. أما الماء المحرز فى الأوانى والصهاريج ونحوها فان الحنفية يعطونها حكم الطعام. وقد بينه الكاسانى بقوله «فمن عنده فضل ماء زائد عن حاجته للممنوع أن يقاتله ليأخذ منه الفضل لكن بما دون السلاح كما اذا أصابته مخمصة وعند صاحبه فضل طعام فمنعه وهو لا يجد غيره. اذ لابد

стр. 4696

من مراعاة حرمة الملك لحرمة القتال بالسلاح. مذهب المالكية: جاء فى التاج والاكليل: «واذا بلغت الضرورة الى استباحة الميتة فقد لزم صاحب الثمر والزرع مواساته بثمن ان كان عنده. أو بغير ثمن ان لم يكن عنده .. فان منعه فجائز للذى خاف الموت ان يقاتلة حتى يصل الى ما يرد نفسه (قال) الباجى يريد أنه يدعوه أولا الى أن يبيعه منه بثمن فى ذمته فان أبى استطعمه، فان أبى أعلمه أنه يقاتله عليه (١). مذهب الشافعية: اذا وجد مضطر طعاما لحاضر غير مضطر له فعلى صاحب الطعام بذله للمضطر اليه اذا كان المضطر معصوما مسلما كان أو ذميا أو معاهدا ولو كان صاحب الطعام محتاجا اليه فى ثانى حال على الأصح تقديما لضرورة المضطر الناجزة ويجب على المضطر أن يستأذن مالك الطعام أو وليه فى أخذه فان امتنع هو أو وليه من بذله بعوض محترم وكان غير مضطر اليه فى الحال فللمضطر قهره على أخذه - وان احتاج اليه المانع فى المستقبل .. وانما يجوز قتاله على ما يدفع به ضرورة، وهو ما يسد الرمق .. ولا يقتص منه للممتنع ان قتله ولا يؤخذ له دية. ويقتص له أن قتله الممتنع لأنه لم يتعد بخلاف الممتنع (٢). مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامه: «وان لم يكن صاحب المال مضطرا لزمه بذله للمضطر .. فان احتيج فى ذلك الى قتال فله المقاتلة عليه، فان قتل المضطر فهو شهيد، وعلى قاتله ضمانه. وان آل أخذه الى قتل صاحبه فهو هدر لأنه ظالم بقتاله فأشبه الصائل (٣). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم: «وفرض على صاحب الطعام اطعام الجائع .. وله أى للمضطر - أن يقاتل عن ذلك فان قتل فعلى قاتله القود وان قتل المانع فالى لعنة الله لأنه منع حقا وهو فئة باغية قال تعالى «فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ» ومانع الحق باغ على أخيه الذى له الحق فبهذا قاتل أبو بكر الصديق مانع الزكاة (٤). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار ما يفيد لو امتنع صاحب الطعام عن دفعه للمضطر فللمضطر اكراهه ولو بمقاتلته، فان قتله المضطر فهدر كالمدافع وفى العكس القصاص (٥).

стр. 4697

مذهب الإمامية: لو اضطر الى طعام الغير يعنى لحفظ نفسه لم يجب على الغير اعطاؤه لأن الأصل براءة الذمة وايجاب ذلك يحتاج الى دليل وفى التحرير والكتاب لو امتنع المالك من بذله بالأكثر من ثمنه حل للمضطر قتاله وكان دم المالك هدرا ودم المضطر مضمونا ودليل ذلك قول النبى ﷺ : من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه أيس من رحمة الله تعالى (١). الترتيب بين المحرمات عند الاضطرار اليها مذهب الحنفية: جاء فى الاشباه والنظائر لابن نجيم: «لو اضطر وعنده ميتة ومال الغير فانه يأكل الميتة. وعن بعض أصحابنا رحمهم الله تعالى: من وجد طعام الغير لا تباح له الميتة. وعن ابن سماعة الغصب أولى من الميتة وبه أخذ الطحاوى وغيره. وخيره الكرخى كذا فى البزازية، ولو اضطر المحرم وعنده ميتة وصيد أكلها دونه على المعتمد. وفى البزازية لو كان الصيد مذبوحا فالصيد أولى وفاقا. ولو اضطر وعنده صيد وميتة ومال الغير فالصيد أولى وكذا الصيد أولى من لحم الانسان. وعن محمد الصيد أولى من لحم الخنزير. وقد علق الحموى على ما ذكره ابن نجيم من اضطرار المحرم فقال: يقاس عليه الحلال بالنسبة الى صيد الحرم. وفى مجمع الفتاوى محرم مضطر وجد صيدا وكلبا فالكلب أولى من الصيد لأن فى الصيد ارتكاب محظورين، ولو وجد صيدا ومال الغير يذبح الصيد، ولا يأكل مال الغير عند الكل. قال بعض الفقهاء فعلى هذا ينبغى أن يكون الحكم فى الصيد والخنزير كالحكم فى الصيد والكلب لأن فى أكل الخنزير ارتكاب محظور واحد كالكلب والكلب كالخنزير فى نجاسة عينه عند محمد ويمكن أن يقال ان الخنزير أشنع لأنه محرم بنص القرآن نجس العين بالاتفاق فافترقا. ثم أشار ابن نجيم الى حكم آخر فقال: ان الحريق اذا وقع فى سفينة وعلم أنه لو صبر فيه يحترق ولو وقع فى الماء يغرق فعند أبى حنيفة يختار أيهما شاء وعند الصاحبين يصبر (٢).

стр. 4698

مذهب المالكية: جاء فى المواق «سئل مالك عن المضطر الى الميتة وهو يجد ثمر القوم أو زرعا أو غنما بمكانه ذلك. قال مالك: ان ظن أن أهل الثمر والزرع أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقا فتقطع يده رأيت ان يأكل من أى ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل من ذلك شيئا وذلك أحب الى من أن يأكل الميتة وان هو خشى الا يصدقونه وأن يعدوه سارقا بما أصاب من ذلك فان أكل الميتة خير له عندى وله فى أكل الميتة على هذا الوجه سعة (١). ونص المالكية على أن المضطر اذا لم يجد الا ميتة ولحم خنزير فانه يقدم الميتة عليه. لأن الخنزير ميتة وهو نجس الذات. كما أنه لا تعمل فيه الذكاة فهو مما لا يستباح (٢) بوجه. أما اذا لم يجد الا الخنزير فانه يستحب له تذكيته (٣). وقد بين الدسوقى أن المضطر المحرم اذا وجد ميتة وصيدا قد صاده محرم أو صيد له وصار لحما فلا يقدم الميتة عليه. بل يقدمه عليها. ثم ذكر صورا ثلاث بين الحكم فيها فقال: الأولى: الاصطياد تقدم الميتة عليه لما فيه من حرمة الاصطياد وحرمة ذبح الصيد. الثانية: الصيد الحى الذى صاده المحرم قبل اضطراره تقدم الميتة أيضا عليه ولا يجوز له ذبحه لأنه اذا ذبحه صار ميتة فلا فائدة فى ارتكاب هذا المحرم. الثالثة: اذا كان عنده صيد صاده هو أو غيره لمحرم وذبح قبل اضطراره فهذا مقدم على الميتة ولا تقدم الميتة عليه لأن لحم صيد المحرم حرمته عارضه لأنها خاصة بالاحرام - بخلاف الميتة فحرمتها أصلية (٤). مذهب الشافعية: لو وجد المضطر ميتة وطعام غائب وصيدا وهو محرم وجب أكل الميتة لعدم ضمانها ولأن اباحة الميتة منصوص عليها واباحة أكل مال غيره بلا اذنه ثابته بالاجتهاد ولأن المحرم ممنوع من ذبح الصيد مع أن مذبوحه منه ميته .. ومثله بيضه ولبنه فيما يظهر وكصيد المحرم صيد الحرم كما فى الكفاية. وكذا لو كان مالك الطعام حاضرا وامتنع من البيع أصلا أو الا بأكثر مما ايتغابن به وجب أكل الميتة بخلاف ما اذا لم يمتنع من ذلك فانه يلزمه أكل طعام الغير. وبذلك علم أنه اذا لم يبعه له مالكه الا بأكثر مما

стр. 4699

ذكر لم يلزمه شراؤه لكنه يستحب وبه صرح الأصل. ولو ذبح المحرم الصيد صار ميتة فيتخير المضطر بينه وبين الميتة لأن كلا منهما ميتة ولا مرجح، ولا قيمة للحمه كسائر الميتات. وأما اذا لم يجد المضطر المحرم الا طعام الغير وصيد الحرم فان للشافعية أقوالا ثلاثة: فى هذه المسألة. الأول يتعين عليه أن يقدم الصيد على طعام الغير. الثانى: يتعين عليه أن يتناول طعام الغير. الثالث: يتخير بينهما فيذبح الصيد أو يأكل طعام الغير. وقد رجح صاحب أسنى المطالب القول الأول مستندا الى أن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة. وقد نص الشافعية على أن ميتة الشاة ونحوها من مأكول اللحم، وميتة غيرها من غير مأكول اللحم الطاهر فى حياته سواء لاشتراكهما فى أن كلا منهما ميتة ولكن ميتة الطاهر فى حياته - مطلقا مأكولا أو غير مأكول - تقدم على الكلب ونحوه من كل حيوان نجس فى حياته. وان وجد المريض طعاما له أو لغيره يضره ولو بزيادة فى مرضه فله أكل الميتة دونه (١). مذهب الحنابلة: من اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه أكل الميتة. وبهذا قال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم لأن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمى مجتهد فيه والعدول الى المنصوص عليه أولى، لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة وحقوق الآدمى مبنية على الشح والتضييق ولأن حق الآدمى تلزمه غرامته وحق الله لا عوض له (٢). ويقول ابن قدامة فى موضع آخر: اذا اضطر المحرم فوجد صيدا وميتة أكل الميتة، وبهذا قال الحسن والثورى وقال اسحق وابن المنذر يأكل الصيد وهذه المسألة مبنيه على أنه اذا ذبح الصيد كان ميتة فيساوى الميتة فى التحريم، ويمتاز بايجاب الجزاء وما يتعلق به من هتك حرمة الاحرام فلذلك كان أكل الميتة أولى. الا أن لا تطيب

стр. 4700

نفسه بأكلها فيأكل الصيد كما لو لم يجد غيره (١). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم: «وكل ما حرم الله من المآكل والمشارب من خنزير أو صيد حرام. أو ميتة أو دم أو لحم سبع طائر أو ذى أربع أو حشرة أو خمر أو غير ذلك فهو كله عند الضرورة حلال. فمن اضطر الى شئ مما ذكرنا قبل ولم يجد مال مسلم أو ذمى فله أن يأكل. كل ما ذكرنا سواء لا فضل لبعضها على بعض: أن وجد منها نوعين أو أنواعا فيأكل ما شاء منها فلا معنى للتذكية فيها. وأما قولنا اذا لم يجد مال مسلم فلقول رسول الله ﷺ الذى رويناه من طريق أبى موسى: أطعموا الجائع، فهو اذا وجد مال المسلم أو الذمى فقد وجد مالا قد أمر الله تعالى باطعامه منه، فحقه فيه، فهو غير مضطر الى الميتة وسائر المحرمات فان منع ذلك ظلما فهو مضطر حينئذ. وأما قولنا لا فضل لبعض ذلك على بعض فلقول الله تعالى: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى» فصح أن كل شئ حرمه النبى ﷺ فان الله تعالى حرمه وبلغه هو ﵇ الينا. وليس قولنا أنه لا يحل للمحرم قتل الصيد ولا للمحل فى الحرم ما دام يجد شيئا من هذه المحرمات ناقضا لهذه الجملة بل هو طرد لها لأن واجد الخنزير والميتة والدم وغير ذلك غير مضطر معها بل هو واجد حلالا فليس مضطرا الى الصيد الا حتى لا يجد غيره فيحل له حينئذ. وأما قولنا: لا معنى للتذكية فلأن الذكاة اخراج لحكم الحيوان عن التحريم بكونه ميتة الى التحليل بكونه مذكى، وكل ما حرمه الله تعالى من الحيوان فهو ميتة فالتذكية لا مدخل لها فى الميتة (٢). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: فى تقديم المضطر الميتة على طعام الغير وجهان: أصحهما تقدم لاباحتها بنص القرآن بخلاف طعام الغير. والثانى لا تقدم «اذ الميتة نجس. وفى تقديم المحرم لحم الميتة على الصيد وجهان يقدم الصيد للخلاف

стр. 4701

فيه. لا الميتة وقيل العكس لئلا يلزمه الجزاء (١). ولكنه جاء فى موضع آخر منه: والمضطر المحرم يقدم الميتة على صيد الحرم اذ فى الصيد وجهان: تحريم ولحم صيد. وقال البعض: تحريم الميتة مؤبد ضرورى مجمع عليه، وهذا عكسه. قلت التحريم من وجهتين أغلظ .. فان اضطر اليهما حلال خير (٢). مذهب الإمامية: جاء فى كتاب من لا يحضره الفقيه: «واذا اضطر المحرم الى صيد وميتة فانه يأكل الصيد ويفدى، وان أكل الميتة فلا بأس. الا أن أبا الحسن الثانى ﵇ قال: يذبح الصيد ويأكله أحب الى من الميتة (٣). مذهب الإباضية: للإباضية فى هذه المسألة أقوال مختلفة. الأول أن المضطر يقدم لحم الخنزير على الميتة بناء على أن الخنزير تعمل فيه الذكاة فى حالة الاضطرار اليه اذ أنه حينئذ يذكى ويؤكل. ثم الدم لأنه غير ميتة ثم الميتة بعد ذلك لأن الذكاة لا تؤثر فيها. والقول الثانى: يقدم الميتة على الخنزير بناء على أن الذكاة لا أثر لها فى الخنزير حتى ولو فى حالة الاضطرار اليه اذ فى هذه الحالة يؤكل بلا ذكاة. ووجه تقدم الميتة عليه ان الميتة طاهرة الأصل وحلال الأصل. ثم يقدم الدم على الخنزير لأن الدم يحل بذكاة أصله فى الحل وتعمل الذكاة فى أصله لا فيه وأخيرا الخنزير لأنه لا تعمل فيه الذكاة على هذا القول. والقول الثالث: أن المضطر مخير بين الأمور الثلاثة (٤). ولهم أقوال فى تقديم هذه المحرمات الثلاثة على مال الغير. فبعضهم قال بذلك بناء على أن الميتة ونحوها لا ضمان فيها بخلاف مال الغير. وبعضهم قال بتقديم مال الغير عليها بناء على أن مال الغير حلال الأصل.

стр. 4702

والبعض منهم قال: أن المضطر يموت ولا يأكل مال الناس. الا أن صاحب شرح النيل أورد عبارة مؤداها أن المضطر يقدم مال الغير حيث يقول: «واذا وجد المضطر ميتة ومال غيره فانه ينجى نفسه بمال غيره - فى حدود القدر اللازم لذلك - ويضمن وهذا قول الأكثر (١). لا حد على السارق المضطر مذهب الحنفية: يقول السرخسى فى المبسوط: «لا قطع فى عام السنة وهى زمان القحط لأن الضرورة تبيح التناول من مال الغير بقدر الحاجة فيمنع ذلك وجوب القطع لما روى عن مكحول رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: «لا قطع فى مجاعة مضطر. وذكر عن الحسن عن رجل قال رأيت رجلين مكتوفين ولحما فذهبت معهم الى عمر رضى الله عنه، فقال صاحب اللحم كانت لنا ناقة عشراء (٢) ننتظرها كما ينتظر الربيع فوجدت هذين قد اجتزراها. فقال عمر يرضيك من ناقتك ناقتان عشراوان مربعتان فأنا لا نقطع فى العذق (٣) ولا فى عام السنة. وكان ذلك فى عام السنة. ومعناه لا نقطع فى عام السنة للضرورة والمخمصة. وقد كان عمر رضى الله عنه فى عام السنة يضم الى أهل كل بيت أهل بيت آخر ويقول لن يهلك الناس على أنصاف بطونهم فكيف نأمر بالقطع فى ذلك (٤). مذهب المالكية: يقرر بعض فقهاء المالكية أن من شروط قطع يد السارق عدم اضطراره الى الشئ المسروق، فبعد أن عرف ابن فرحون السارق بقوله: هو كل بالغ عاقل لا شبهة له فى المال، بين الأشخاص الذين يندرجون تحت هذا التعريف، كما بين الأشخاص الذين لا ينطبق عليهم ومما قاله فى هذا الشأن: «ويخرج من ذلك أيضا السارق لجوع اصابه (٥). مذهب الشافعية: جاء فى اسنى المطالب: «أنه يقطع بسرقة الطعام فى زمن المجاعة ان وجد ولو عزيزا بثمن غال وهو واجد له،

стр. 4703

لا أن عز أى قل وجوده ولم يقدر هو عليه فلا يقطع لأنه كالمضطر وعليه يحمل ما جاء عن عمر رضى الله عنه لا قطع فى عام المجاعة، سواء أخذ بقدر حاجته أم أكثر لأن له هتك الحرز لاحياء نفسه (١). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: «قال أحمد لا قطع فى المجاعة، يعنى أن المحتاج اذا سرق ما يأكله فلا قطع عليه لأنه كالمضطر. وروى الجوزجانى عن عمر أنه قال لا قطع فى عام سنة. وقال أحمد رضى الله عنه. فقلت تقول به؟ قال أى لعمرى لا أقطعه اذا حملته الحاجة والناس فى شدة ومجاعة وعن الاوزاعى مثل ذلك، وهذا محمول على من لا يجد ما يشتريه أو لا يجد ما يشترى به فان له شبهة فى أخذ ما يأكله أو ما يشترى به ما يأكله. وقد روى عن عمر رضى الله عنه أن غلمان حاطب بن أبى بلتعة انتحروا ناقة للمزنى فأمر عمر بقطعهم ثم قال لحاطب انى أراك تجيعهم فدرأ عنهم القطع لما ظنه يجيعهم. فأما الواجد لما يأكله أو الواجد لما يشترى به وما يشتريه فعليه القطع وان كان بالثمن الغالى ذكره القاضى أبو يعلى (٢). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم من سرق من جهد أصابه فان أخذ مقدار ما يغيث به نفسه فلا شئ عليه وانما أخذ حقه، فان لم يجد الا شيئا واحدا فيه فضل كثير كثوب واحد أو لؤلؤة أو بعير أو نحو ذلك فأخذه كذلك فلا شئ عليه أيضا لأنه يرد فضله لمن فضل عنه لأنه لم يقدر على فصل قوته منه فلو قدر على مقدار قوت يبلغه الى مكان المعاش فأخذ أكثر من ذلك فعليه القطع لأنه سرق ذلك من غير ضرورة (٣). مذهب الزيدية: يقول صاحب البحر الزخار: «ومن سرق طعاما فى مجاعة فلا قطع عليه» للأثر المروى فى ذلك «لا قطع فى المجاعة ووجهه الاضطرار (٤). مذهب الإمامية: نص الإمامية على أن الشخص اذا سرق شيئا من المأكولات فى عام المجاعة

стр. 4704

فانه لا قطع (١) عليه ففى رواية السكونى عن جعفر بن محمد عن أبيه ﵉ قال: لا يقطع السارق فى عام سنة مجدبه يعنى فى المأكول دون غيره (٢). ولكن هل على المضطر ضمان ما أخذ ؟ مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن المضطر يجب عليه ضمان ما تناوله من مال الغير، لأن المضطر أخذ الشئ بغير اذن مالكه فكان عليه ضمانه. وهذا عند الحنفية مضطرد على قواعد مذهبهم، ويتفق مع ما يرونه من أن المضطر لا يجب عليه أكل مال الغير مع الضمان بل ذلك مباح له فقط ولم يقولوا بوجوب التناول على المضطر مراعاة لحق المالك، فاقتصروا على القول بالاباحة وهى لا تنافى الضمان عندهم (٣). مذهب المالكية: فى المذهب المالكى أقوال ثلاثة: أحدها: أن على المضطر ضمان ما أخذ من مال غيره لأن اذن المالك لم يوجد وانما وجد اذن صاحب الشرع وهو لا يوجب سقوط الضمان وانما ينفى الاثم والمؤاخذة بالعقاب، ولأن القاعدة أن الملك اذا دار - زواله بين المرتبة الدنيا والمرتبة العليا حمل على الدنيا استصحابا للملك بحسب الامكان وانتقال الملك بعوض هو أدنى رتب الانتقال وهو الأقرب لموافقة الأصل من الانتقال بغير عوض (٤). ثانيها: أنه لا يجب على المضطر ضمان ما أخذه من مال الغير لأن المضطر لم يتناوله الا ليسد به رمقه حفظا لنفسه من الهلاك والتلف وهذا العمل فى حقيقة أمره كان واجبا على المالك اذ من المعلوم أنه يجب على من لديه فضل طعام ان يبذله لمن هو مضطر اليه والواجب لا يؤخذ له عوض (٥). والظاهر أن هذا الرأى هو مذهب جمهور المالكية على ما حكاه صاحب التاج والاكليل (٦). ثالث الأقوال: عندهم التفرقة بين ما اذا وجدت مع المضطر حال اضطراره قيمة ما تناوله من مال غيره وبين ما لم توجد: فان وجدت معه وجب عليه الضمان وان لم توجد فلا شئ عليه مطلقا (٧).

стр. 4705

مذهب الشافعية: يقول صاحب اسنى المطالب: وان أطعمه المالك بلا معاوضة أى بغير ذكر عوض لم يلزمه شئ حملا على المسامحة المعتادة فى الطعام لا سيما فى حق المضطر. فلو اختلفا فى التزام عوض الطعام فقال: أطعمته بعوض، فقال المضطر بل مجانا صدق المالك بيمينه لأنه أعرف بكيفية بذله (١). وفى مغنى المحتاج (٢): أنه لو وجد المضطر طعام غائب ولو غير محرز، ولم يجد غيره أكل منه ابقاء لمهجته وغرم بدل ما أكله. مذهب الحنابلة: والحنابلة يوجبون الضمان على المضطر لأنه قد فعل ذلك احياء لنفسه وذلك مما يوجب الضمان عندهم لأن القاعدة عندهم «ان من أتلف شيئا لدفع أذاه عنه لم يضمنه وان أتلفه لدفع أذى قائم به ضمنه. وقد قال ابن رجب تخريجا على هذه القاعدة «لو صال عليه آدمى أو بهيمة فدفعه عن نفسه بالقتل لم يضمنه. ولو قتل حيوانا لغيره فى مخمصة ليحيى به نفسه ضمنه (٣). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم الظاهرى: فى هذه المسألة: «من أكره على أكل مال مسلم أو ذمى فمباح له أن يأكل ولا شئ عليه لا حد ولا ضمان لقول الله : «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» وقوله تعالى «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» فان كان المكره على أكل مال المسلم له مال حاضر معه فعليه قيمة ما أكل، فان لم يكن له مال حاضر فلا شئ عليه فيما أكل لما ذكرنا (٤). مذهب الزيدية: فى البحر الزخار: أن مالك الطعام اذا طلب من المضطر عوضا لما أخذه وجب عليه ذلك واذا لم يطلب منه عوضا فلا شئ عليه (٥). مذهب الإمامية: والإمامية يقولون بوجوب الضمان على المضطر اذا تناول طعام الغير. وهذا هو الأصل عندهم على ما يبدو من عبارة مفتاح الكرامة، اذ قال «لو

стр. 4706

ألقى متاع غيره بغير اذنه. وجب عليه الضمان. لأنه أتلفه بغير اذن من دون أن يلجئه الى الاتلاف. فكان كما اذ أكل المضطر طعام الغير وليس كما اذا صال عليه البعير المغتلم: فقتله دفعا عن نفسه، لأنه هنا الجأه الى الاتلاف (١). مذهب الإباضية: بين صاحب شرح النيل مذهب الإباضية بقوله: ومن جاع بالفعل حتى خاف الموت أخذ من مال الناس ما ينجى به نفسه واذا وجد ضمنه. قلت لا ضمان لأن على صاحب المال أن ينجيه لو حضر (٢). انقاذ المضطر مذهب الحنفية: من اشتد جوعه حتى عجز عن طلب القوت ففرض على كل من علم به أن يطعمه أو يدل عليه من يطعمه فأن امتنعوا من ذلك حتى مات اشتركوا فى الاثم قال ﵊: ما آمن بى من بات شبعان وجاره الى جانبه طاو (٣) وقال أى رجل مات ضياعا بين أغنياء فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله، وكذا اذا رأى لقيطا أشرف على الهلاك أو أعمى كاد أن يتردى فى البئر كان هذا كانجاء الغريق (٤). مذهب المالكية: يرى المالكة وجوب الضمان على كل من قدر على تخليص مستهلك من نفس أو مال سواء كان قادرا على التخليص بيده أو جاهه أو ماله فاذا ترك تخليص النفس حتى قتلت فانه يضمن الدية فى ماله ان ترك التخليص عمدا، وعلى عاقلته ان تركه متأولا ولا يقتل به ولو ترك التخليص عمدا هذا مذهب المدونة. حكى عياض عن مالك أنه يقتل به قال الأبى فى شرح مسلم ما زال الشيوخ ينكرون حكايته عن مالك ويقولون أنه خلاف المدونة. وفى التوضيح عن اللخمى أنه خرج ذلك على الخلاف فيمن تعود الزور فى شهادته حتى قتل بها المشهود عليه قال فقد قيل يقتل الشاهد ومذهب المدونة لا قتل عليه «واذا ترك، تخليص المال من التلف مع قدرته على خلاصه بجاهه أو ماله حتى ضاع ذلك

стр. 4707

المال على ربه فانه يضمن قيمة ذلك المال أن كان متقوما ومثله ان كان مثليا (١) ويقول الدردير بوجوب الضمان اذا ترك التخليص بترك شهادته حيث طلبت منه أو علم ان تركها يؤدى للهلاك وكذا ان ترك تجريح شاهد الزور أو ترك التخليص بامساك وثيقة بمال أو عفو عن دم وهذا اذا كان شاهدها لا يشهد الا بها أو نسى الشاهد ما يشهد به ولا يذكر الواقعة الا بها (٢). ومن أهم تطبيقات ذلك عند المالكية أيضا نصهم على وجوب الضمان بترك مواساة وجبت بخيط ونحوه لجائفة بعاقل ان خاط به مسلم فترك المواساة حتى تلفت ومثل الخيط الابرة، ومثل الجائفة كل جرح يخشى منه الموت» أى فاذا جرح انسان جرحا يخشى منه الموت سواء كان جائفة أفضت الى جوفه أو غير جائفة واقتضى الحال خياطته بفتلة خيط أو حرير وجب على من كان معه ذلك اذا كان مستغنيا عنه حالا ومآلا أو كان محتاجا له لثوب أو لجائفة دابة لا يموت بموتها أو كان معه الابرة وكان مواساة المجروح بذلك فان ترك مواساته بما ذكر ومات فانه يضمن ومحل الضمان ما لم يكن المجروح منفوذ المقاتل والا فلا ضمان بترك المواساة وانما يلزم الادب بتركها والدية أو القصاص على الجارح. كما أنه لو كان رب الخيط محتاجا له فى نفسه أو دابة يموت بموتها وترك الاعطاء حتى مات فانه لا ضمان عليه لعدم وجوب المواساة عليه حينئذ. ومثل ذلك ترك اعطاء طعام - فاضل وزائد عما يمسك صحته. لمضطر - أى ترك بذل هذا الفاضل للمضطر سواء كان آدميا أو حيوانا غير آدمى ولا مفهوم لطعام أو شراب بل وكذا فضل لباس وركوب بأن كان لو لم يدفئه يموت فانه يضمن. ويقول الدسوقى: «وأنظر هل لا بد فى الضمان من سؤال المضطر أو يكفى العلم باضطراره. وهذا هو الظاهر (٣). ويذكر الحطاب حكما آخر فيقول: «وكذلك لو أن رجلا رأى سبعا يتناول نفس انسان أو ماله ولم يخلصه منه حتى مات فانه يضمن ديته (٤). ومن الامتناع الموجب لضمان المال - عندهم - ما قاله الدردير» وضمن مار على صيد مجروح لم ينفذ مقتله وأمكنته ذكاته بوجود آلة وعلمه بها وهو ممن تصح ذكاته ولو كتابيا وترك تذكيته حتى مات - ضمن قيمته مجروحا لتفويته على ربه ولو كان

стр. 4708

المار غير بالغ لأن الضمان من خطاب الوضع (١) غير أن ما قاله فقهاء المالكية فى هذه المسألة يستفاد منه أنهم يشترطون لوجوب الضمان على الممتنع غيبة مالك المال. لأنه فوته على ربه لأنه ينزل منزلته ولا ينزل منزلة رب الشئ الا اذا كان رب الشئ غائبا (٢). مذهب الشافعية: يقرر الشافعية أنه لا ضمان على الممتنع عن انقاذ المضطر اذ لم يحدث منه فعل مهلك لكنه يأثم ولا يلزم مالك الطعام بذله الا بعوض لأن الضرر لا يزال بالضرر. ولا أجرة لمن خلص مشرفا على الهلاك لوقوعه فى ماء أو نار أو نحوهما أى يلزمه تخليصه بلا أجرة لضيق الوقت عن تقدير الاجرة. فان اتسع الوقت لتقديرها لم يجب تخليصه الا بأجرة. كما فى التى قبلها فان فرض ضيق الوقت وجب البذل بلا عوض فلا فرق بين المسئلتين كما قاله الاذرعى (٣). ومن ناحية أخرى نص العلامة زكريا الأنصارى على أنه: «يجب تدارك حياة البهيمة المحترمة ببذل المال لخلاصها كالآدمى المحترم، وان كانت للغير ملكا أو اختصاصا. ثم ان ذكر عوضا رجع به على صاحبها والا فلا ويلزمه ذبح شاته لكلبه المحترم، وتحل الشاة أى أكلها للآدمى لأنها ذبحت للأكل (٤). مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة: وان أضطر الى طعام أو شراب لغيره فطلبه منه فمنعه اياه مع غناه عنه فى تلك الحال فمات بذلك ضمنه المطلوب منه لما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قضى بذلك، ولأنه اذا اضطر اليه صار أحق به ممن هو فى يده، وله أخذه قهرا. فلما منعه اياه تسبب فى اهلاكه بمنعه ما يستحقه فلزمه ضمانه كما لو أخذ طعامه وشرابه فهلك بذلك وظاهر كلام أحمد أن الدية فى ماله لأنه تعمد هذا الفعل الذى يقتل مثله غالبا وقال القاضى أبو يعلى تكون على عاقلته لأن هذا لا يوجب القصاص فيكون شبه عمد. وان لم يطلبه منه لم يضمنه لانه لم يمنعه ولم يوجد منه فعل تسبب به فى هلاكه، وكذلك كل من رأى انسانا فى مهلكة فلم ينجه منها مع قدرته على ذلك لم يلزمه ضمانه وقد أساء. وقال أبو الخطاب قياس المسألة الاولى وجوب ضمانه لانه لم ينجه من الهلاك مع امكانه فيضمنه كما لو

стр. 4709

منعه الطعام والشراب. ولنا أنه لم يهلكه ولم يكن سببا فى هلاكه فلم يضمنه كما لو لم يعلم بحاله، وقياس هذا على المسألة الاولى غير صحيح لانه فى المسألة الأولى منعه منعا كان سببا فى هلاكه فضمنه بفعله الذى به. وههنا لم يفعل شيئا يكون سببا (١). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم فى رجل استسقى قوما فلم يسقوه حتى مات، القول فى هذا عندنا وبالله التوفيق هو أن الذين لم يسقوه ان كانوا يعلمون أنه لا ماء له البتة الا عندهم ولا يمكنه ادراكه أصلا حتى يموت فهم قتلوه عمدا وعليهم القود بأن يمنعوا الماء حتى يموتوا - كثروا أو قلوا - ولا يدخل فى ذلك من لم يعلم بأمره، ولا من لم يمكنه أن يسقيه، فان كانوا لا يعلمون ويقدرون أنه سيدرك الماء فهم قتلة خطأ وعليهم الكفارة، وعلى عواقلهم الدية ولابد. برهان ذلك قول الله تعالى: «وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ» وقوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» وقوله تعالى: «وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ» وبيقين يدرى كل مسلم فى العالم أن من استسقاه مسلم وهو قادر على أن يسقيه فتعمد ألا يسقيه الى أن مات عطشا فانه اعتدى عليه فواجب بنص القرآن أن يعتدى على المعتدى بمثل ما اعتدى به فصح قولنا بيقين لا اشكال فيه. وأما اذا لم يعلم بذلك فقد قتله اذ منعه ما لا حياة له الا به فهو قاتل خطأ فعليه ما على قاتل الخطأ وهكذا القول فى الجائع والعارى ولا فرق وكل ذلك عدوان. وليس هذا كمن اتبعه سبع فلم يؤوه حتى أكله السبع، لأن السبع هو القاتل له ولم يمت فى جنايتهم ولا مما تولد من جنايتهم. ولكن لو تركوه فأخذه السبع وهم قادرون على انقاذه فهم قتلة عمد، اذا لم يمت من شئ الا من فعلهم (٢). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: وعلينا سد رمق المضطر لقوله ﷺ أيما رجل مات جوعا فى محلة قوم سألهم الله بدمه يوم القيامة، وكذلك انقاذ من حرق وغرق، فان وجد العوض لم يجب الا ببذله، الا أن يضعف المضطر عن مناولته فانه يجب (٣). مذهب الإمامية: جاء فى مفتاح الكرامة «لو اضطر

стр. 4710

الى طعام الغير لحفظ نفسه لم يجب على الغير اعطاؤه لأن الاصل براءة الذمة وايجاب ذلك يحتاج الى دليل. غير أن الذى فى المبسوط أن المضطر أولى من المالك بطعامه. وحكى ذلك عن غير المبسوط. وظاهر كلامهم فى باب اللقطة الا طباق على ذلك. ولا دليل لهم الا قوله ﷺ : من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله. فانظر الى هذا الاختلاف. ولعل التفصيل بالطلب وعدمه، أولى. فاذا قصر صاحب الطعام فامتنع عن تقديم ما يسد الرمق للمضطر حتى هلك الأخير فان عليه الاثم دون الضمان اذا لم يطلب المضطر منه. وكذا كل من رأى انسانا فى مهلكة فلم ينجه منها مع قدرته على ذلك لم يلزمه ضمانه نعم لو اضطر الى طعام غيره أو شرابه فطلبه منه فمنعه مع غنائه فى تلك الحال فمات ضمن المطلوب منه لانه باضطراره اليه صار أحق من المالك ولو أخذه قهرا. فمنعه اياه عند طلبه سبب لهلاكه كما نص عليه فى التحرير وقد يقال ان الطالب نوعان طالب بلسان حاله وآخر طالب بمقاله (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أن رأى قادر مال مسلم أشرف على التلف سواء تلف بعضه أو لم يتلف وسواء كان متلفه يتعلق به الضمان أم لا كسيل وسبع لزمه حفظه لواجب حق الاسلام والنصح لعامة المسلمين وخاصتهم والتعاون على البر والتقوى، مثل أن ترى شاة أو دابة أشرفت على الموت فتذكيها لصاحبها أن كان يصدقك فى أنها أشرفت عليه أو كان لك شهود، والا، وكان صاحبها يكذبك ويعارضك بالضمان فلا يلزمه أن يذكيها، ومثل أن ترى خبزا على مقلاة أو فى تنور أشرف على الاحراق فتصلح ذلك، ومثل أن ترى دابة تفسد أو تأكل مال انسان فتطردها ولا يلزمك ما أفسدت أو أكلت فى طردها. ومن سمع قوما يتوعدون بقتل أحد - موحد - بضرب ولو غير متولى. ظلما أو لا يدرى أن ذلك حق .. أن يلزمه انذاره واعلانه فان توانى حتى قتلوه أو ضربوه لزمته ديته أو أرشه فى ماله وحده دون عاقتله ويرجع بها على القاتل

стр. 4711

وان أداها القاتل فلا عليه الا التوبة. وقيل ليس عليه حفظ المال ولا الانذار ولا دية ولا ضمان. الاضطرار الى اتلاف نفس أو عضو أو حيوان أو متاع لانقاذ نفسه (أ) الاضطرار الى اتلاف نفس أو عضو: مذهب الحنفية: من قتل غيره من أجل احياء نفسه يعتبر آثما ومن فعل ذلك متعمدا يلزمه القود، كمن أصابته مخمصة فقتل انسانا وأكل من لحمه (١). لأن الاضطرار لا أثر له فى اباحة دم المسلم لأن قتل المسلم بغير حق مما لا يستباح لضرورة ما (٢). مذهب المالكية: وكذلك الحال فى مذهب المالكية اذ حالة الاضطرار لا أثر لها فى اباحة دم المسلم بأى حال عندهم. بل جاءت عبارة بعض فقهاء المذهب من العموم بحيث تشمل المسلم والكافر حيث قالوا: ان الجماعة لو فرض وجودهم فى سفينة وأحاط بهم الموج من كل جانب وأصبحوا فى خطر محقق لا سبيل لهم الى الخلاص منه الا بالقاء واحد منهم فى البحر فان ذلك لا يجوز اذ لا سبيل الى طرح الآدمى ذكرا كان أو أنثى حرا أو عبدا مسلما أو كافرا. خلافا للخمى القائل بجواز طرح الآدميين بالقرعة لأن هذا كالخرق للاجماع على أنه لا يجوز اماتة أحد من الآدميين لنجاة غيره (٣). مذهب الشافعية: يذهب الشافعية الى أنه لا يجوز للمضطر قتل المعصوم فى حالة اضطراره. غير أنهم قالوا ان له أن يأكل فلذة من جسم نفسه ان رجا السلامة بأن كان الخوف فى قطعها أقل منه فى تركها لان اتلاف البعض لاستيفاء الكل جائز كقطع اليد للأكلة. أما اذا كان الخوف فيه أكثر أو استوى الأمران فيحرم قطعها هذا فى جسم نفسه، أما جسم غيره المعصوم فلا يجوز له أن يقطع شيئا منه أصلا (٤).

стр. 4712

مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى وان لم يجد المضطر الا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله اجماعا ولا اتلاف عضو منه. مسلما كان أو كافرا، لأنه مثله فلا يجوز أن يبقى نفسه باتلافه. وهذا لا خلاف فيه .. وان وجد معصوما ميتا لم يبح أكله فى قول أصحابنا. وقال بعضهم يباح وهو أولى لأن حرمة الحى أعظم (١). مذهب الظاهرية: ذكر ابن حزم بعض آيات الاضطرار مثل قوله تعالى «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .. ثم قال بعد ذلك ان النص لم يبح له قط أن يدفع ظلما عن نفسه بظلم غيره ممن لم يتعد عليه وانما الواجب دفع الظالم أو قتاله لقوله تعالى «وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ» ولقول رسول الله ﷺ «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ان استطاع فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان ليس وراء ذلك من الايمان فى شئ فصح أنه لم يبح له قط العون على الظلم لا لضرورة ولا لغيرها .. وأبيح له فى المخمصة بنص القرآن الاكل والشرب (٢) عند الضرورة، ويقول فى موضع آخر: «وكل ما حرم الله من المآكل والمشارب من خنزير أو صيد حرام أو ميتة أو دم .. أو غير ذلك فهو كله عند الضرورة حلال حاشا لحوم بنى آدم - وما يؤدى تناوله الى القتل مثل السموم - فلا يحل شئ من ذلك أصلا لا بضرورة ولا بغيرها (٣). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار: ويجوز للضرورة كل محرم الا قتل محترم الدم … وله أخذ بضعة من جسده حيث لا يخاف من قطعها ما يخاف من الجوع كقطع المتآكلة حذرا من السراية (٤). ولكن لا يجوز للمضطر أن يقطع شيئا من جسم غيره اذا كان محترم الدم لان حرمة الدم تشمل القتل والقطع (٥).

стр. 4713

مذهب الإمامية: يقرر الإمامية أن المضطر له أن يفعل كل ما من شأنه أن يؤدى به الى الخلاص من حالة الهلاك التى تهدده غير أنهم يستثنون من ذلك حالة ما اذا توقف الخلاص على سفك الدم فان ذلك لا يجوز للمضطر أن يفعله انقاذا لنفسه. اذ يقول أبو جعفر ﵇: التقية من دينى ودين آبائى. ولا ايمان لمن لا تقية له. وينبغى فى جميع الأحكام والأمور. ما لم يبلغ الى سفك الدماء (١). دفع الصائل ويندرج فى حالة الاضطرار الى اتلاف نفس أو عضو انقاذا للنفس حالة دفع الصائل اذ هذه الحالة فى حقيقتها اضطرار المعتدى عليه للدفاع عن نفسه بالوسيلة التى تبدو له - حسب ظنه الراجح - مناسبة لدفع الاعتداء، فان ظن أن الصائل لا يمكن دفعه الا بالقتل كان له قتله متى تعين القتل وسيلة لتجنب أذاه ورد كيده. أما ان ظن أن الصائل يندفع بدون القتل فلا يجوز له قتله فان قتله كان آثما وعليه ضمانه اما القصاص واما الدية حسب الأحوال كما سيأتى فى موضعه المناسب - وان ظن المعتدى عليه أن المعتدى - وهو الصائل - يندفع باتلاف عضو من أعضائه جاز له اتلاف ذلك العضو فقط. فان زاد عن ذلك بأن قطع عضوين مثلا كان القدر الزائد مضمونا بقصاص أو دية هذا اذا كان الصائل انسانا مكلفا فان كان انسانا غير مكلف كالصبى والمجنون فقد اختلف الفقهاء فى حكم اعتدائهما فيرى بعضهم أن عمله هذا يعتبر صيالا وبعضهم لا يرى ذلك ومثل الصبى والمجنون الحيوان. وتفصيل ذلك كله سيأتى فى مصطلح دفاع وصائل. الدفاع عن العرض المؤمن مطالب بأن يدافع عن عرضه بكل فعل من شأنه رد الاعتداء ولو كان ذلك الفعل هو قتل المعتدى. فقد قال بعض الفقهاء: ومن حاول الاعتداء على نسائه كأمه وابنته وأخته وزوجته ونحوهن .. دفعه بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به .. وأن أراد رجل امرأة عن نفسها ليفجر بها فقتلته دفعا عن نفسها - ان لم يندفع الا به - لم تضمنه لقول عمر ولأنه مأذون فى قتله شرعا لدفعه عنها، وحكم (٢) الدفاع عن العرض هو الوجوب باجماع الفقهاء

стр. 4714

وكما قال بعضهم يجب الدفع عن النساء أن أمن الهلاك لانه لا مجال للاباحة فيهن (١). وتفصيل القول فى الدفاع عن العرض يرجع اليه فى مصطلح (دفاع زنا). الدفاع عن المال: لكل انسان أن يدافع عن ماله فان تعين القتل سبيلا لذلك جاز له قتاله فان أدت المقاتلة الى قتل المعتدى كان دمه هدرا. وان قتل صاحب المال كان شهيدا لقوله ﷺ : «من قتل دون ماله فهو شهيد» وللفقهاء آراء مختلفة فى حكم الدفاع عن المال هل هو واجب أو جائز. وبيان هذه المذاهب وأدلتها بالتفصيل ليس هذا محلها وانما يرجع اليها فى موضعها المناسب (أنظر دفاع - سرقة). قتل النفس فى حالة التترس والتحصن: الكفار فى أثناء الحرب قد يتترسون بأسرى المسلمين بأن يجعلوهم فى مواجهة المسلمين بحيث يكون الرمى الصادر من المسلمين موجها الى أسرى المسلمين. وفى هذه الحالة ذهب بعض الفقهاء الى أنه يجوز رمى الكفار لأننا أمرنا بقتالهم فلو اعتبر وجود الاسرى المسلمين مانعا من قتال الكفار لا نسد باب الجهاد لانه قلما يخلو الامر عن أسير مسلم فى يدهم (٢). وذهب بعض الفقهاء الى أن رميهم فى هذه الحالة لا يجوز الا عند خوف الهزيمة على المسلمين. وتفصيل أحكام هذه المسألة يرجع اليه فى مصطلح (جهاد). (ب) الاضطرار الى اتلاف مال انقاذا للنفس مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن ركاب السفينة اذا خافوا الغرق فأنهم يلقون بعض الامتعة طلبا للنجاة. فان اتفقوا على القاء هذه الامتعة فالغرم بعدد الرءوس لأن القاءها لحفظ الأنفس، واذا لم يتفقوا على الإلقاء لا يكون كذلك بل الغرم على الملقى وحده. ويفهم من هذا أنه لا شئ على الغائب الذى له مال فيها ولم يأذن بالالقاء

стр. 4715

فلو أذن بأن قال إذا تحققت هذه الحالة فألقوا اعتبر اذنه. على أن وجوب الضمان بعدد الرءوس بجب تقييده بما اذا قصد حفظ الأنفس خاصة، أما إذا قصد حفظ الأمتعة فقط كما إذا لم يخش على الأنفس وخشى على الأمتعة فضمان الشئ الملقى على قدر الأموال. وإذا خشى على الأنفس والأموال فألقوا بعض الأمتعة حفظا للأنفس وللأموال والحال أنهم قد اتفقوا على الالقاء - فان ضمان الامتعة الملقاة على عدد الرءوس ومقدار الأمتعة أيضا فمن كان غائبا وأذن بالإلقاء اذا وقع ذلك اعتبر ما له لا نفسه ومن كان حاضرا بماله أعتبر ماله ونفسه. ومن كان بنفسه فقط اعتبر نفسه فقط (١). مذهب المالكية: نقل القرافى عن مالك أنه اذا طرح بعض الأمتعة للهول شارك أهل المطروح من لم يطرح لهم شئ فى متاعهم. وكان ما طرح وسلم لجميعهم فى نمائه ونقصه بثمنه يوم الشراء ان اشتروا من موضع واحد بغير محاباة لأنهم صانوا بالمطروح ما لهم وهو سبب لسلامتهم جميعا فالعدل عدم اختصاص أحدهم بالمطروح اذ ليس أحدهم بأولى من الآخر. وسواء طرح الرجل متاعه أو متاع غيره باذنه أم بغير اذنه. ويبدأ بطرح الأمتعة ثم البهائم لشرف النفوس. وهذا الطرح عند الحاجة واجب اتفاقا لأنه ما وضع المال الا وسيلة لبقاء النفس ولم يوضع قتل الغير وأكل الميتة وسيلة لذلك. ولا يضمن الطارح هنا ما طرحه اتفاقا (٢). مذهب الشافعية: يقول الامام عز الدين بن عبد السّلام: «اذا اغتلم البحر بحيث علم ركبان السفينة أنهم لا يخلصون الا بتغريق شطر الركبان لتخف بهم السفينة فلا يجوز القاء أحد منهم فى البحر بقرعة ولا بغير قرعة لأنهم مستوون فى العصمة .. ولو كان فى السفينة مال أو حيوان محترم لوجب القاء المال ثم الحيوان المحترم لأن المفسدة فى فوات الاموال والحيوانات المحترمة أضعف من المفسدة فى فوات أرواح الناس (٣).

стр. 4716

ومن ناحية أخرى تكلم ﵀ عن مصالح لا يمكن تحصيلها الا بافساد بعضهما ومثل لها بحفظ الأموال اذا توقف على تفويت بعضها كتعييب أموال اليتامى ونحوهم اذا خيف عليها الغصب فان حفظها قد صار بتعييبها فأشبه ما يفوت من ما ليتها من أجور حارسها وحانوتها. وقد فعل الخضر ﵇ مثل ذلك لما خاف على السفينة الغصب فخرقها ليزهد غاصبها فى أخذها (١). مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة: اذا كانت السفينة فى البحر وفيها متاع فخيف غرقها فألقى بعض من فيها متاعه فى البحر لتخف لم يرجع على أحد سواء ألقاه محتسبا بالرجوع أو متبرعا لانه أتلف مال نفسه باختياره من غير ضمان فان قال بعضهم له ألق متاعك فألقاه فكذلك. وان قال ألقه وعلى ضمانه فألقاه فعلى القائل ضمانه. وان قال ألقه وأنا وركبان السفينة ضمناء ففعل فقال أبو بكر الخلال يضمنه القائل وحده الا أن يتطوع بقيتهم. وقال القاضى أبو يعلى ان كان ضمان اشتراك فليس عليه الا حصته. وان كان ضمان اشتراك وانفراد بأن يقول كل واحد منا ضامن لك متاعك أو قيمته لزم القائل ضمان الجميع (٢). مذهب الظاهرية: يقول ابن حزم: فان هال البحر وخافوا العطب فليخففوا الاثقل فالاثقل ولا ضمان فيه على أهل المركب لأنهم مأمورون بتخليص أنفسهم قال الله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. وقال تعالى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» فمن فعل ما أمر به فهو محسن قال الله تعالى ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ .. ﴾. فان كان دون الأثقل ما هو أخف منه، وكان فى رمى الأثقل كلفة يطول أمرها ويخاف غرق السفينة بمن فيها ويرجى الخلاص برمى الأخف رمى الأخف حينئذ. وأما من رمى الاخف وهو قادر على رمى الأثقل فهو ضامن لما رمى من ذلك، لا يضمنه معه غيره لقول النبى ﷺ «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» ولا يرمى حيوان الا لضرورة يوقن معها بالنجاة برميه .. والمانع من القاء ماله المثقل للسفينة ظالم لمن فيها فدفع الهلاك عن أنفسهم بمنعه من ظلمه لهم فرض (٣).

стр. 4717

مذهب الإمامية: نص الأمامية على أن السفينة اذا أشرفت على الغرق جاز القاء بعض أمتعتها فى البحر، وقد يصبح الالقاء واجبا رجاء نجاة بعض الراكبين اذا خيف عليهم: فيجب القاء ما لا روح فيه وان علت قيمته لنجاة ذى الروح ولا يجب القاء الحيوان اذا حصل الغرض بغيره واذا قصر من لزمه الالقاء فعليه الاثم دون الضمان كما لو لم يطعم صاحب الطعام المضطر اليه حتى هلك اذا لم يطلب المضطر منه … فاذا ألقى متاع نفسه أو متاع غيره بغير اذنه وجب عليه الضمان لأنه أتلفه بغير أذنه فكان كما لو أكل المضطر طعام الغير. والفرق بين ما اذا ألقى متاع نفسه لتخليص غيره من الغرق فانه حينئذ لا ضمان عليه وبين طعام المضطر فانه يرجع اليه بقيمته اذا كان ذا مال هو أن الملقى متاع نفسه ان شمله الخوف فهو ساع فى تأدية واجب وهو تخليص نفسه وان حصل بذلك تخليص غيره فلا يرجع على غيره ولا كذلك صاحب الطعام مع المضطر للاذن من الشارع حيث أوجبه وهو مقتض للرجوع. وان لم يشمله الخوف فالفرق أن المطعم للمضطر مخلص لا محالة أما ملقى المتاع فغير دافع لخطر الغرق بيقين لأنه يحتمل أن يغرق وأن لا يغرق فكان الاول كشرب الخمر للعطش والثانى كشربها للتداوى. وأما لو قال له أحد الركبان ألق متاعك وعلى ضمانه فعلى القائل الضمان للحاجة .. غير أن الضمان انما يجب على الملتمس (١) بشرطين: أحدهما أن يكون الالتماس عند خوف الغرق. والثانى أن لا تختص فائدة الالقاء بصاحب المتاع .. فلو اختصت به بطل الضمان ولم يحل له أخذه لأنه فعل ما هو واجب لمصلحته كما لو قال للمضطر كل طعامك وأنا ضامن فأكل فانه لا يرجع على الملتمس (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: وإن خافوا غرقا خففوا ثقل السفينة بالقاء بعض المال بشراء من صاحبه ان اتفقوا على شرائه وعلى ضمان الثمن الذى اشترى به.

стр. 4718

والضمان أما أن يكون على الأموال أو على الرءوس. وأما أن يتفقوا على أن يكون على الرءوس مقدار مخصوص والباقى على المال أو العكس. وان اشتراه بعضهم فألقاه ضمن وحده ولو اشترى عليهم جميعا الا أن اتفقوا معه على الشراء. ولا يلزم صاحب السفينة معهم ضمان ثمن ما اشتروا ولو شرطوا عليه الا أن رضى بشرطهم لانهم خرجوا وهم راضون بثقلهم فلا يضمن معهم .. ولا يضمنون معه ما احتاج اليه فى اصلاح سفينته ولا ما ألقى هو من ماله فى سبيل تنجيتها (١). الاضطرار فى باب الطهارة اذا كان استعمال الماء فى الطهارة يؤدى الى الهلاك أو الضرر الجسيم تيمم لقوله تعالى «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ». ولما رواه أبو داود عن جابر رضى الله عنه قال خرجنا فى سفر فأصاب رجلا معنا حجر فشجه فى رأسه. فاحتلم فسأل أصحابه هل تجدون لى رخصة فى التيمم؟ قالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبر بذلك قال: قتلوه قتلهم الله. الا سألوا اذ لم يعلموا فانما شفاء العى السؤال. انما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده. وبيان هذه الحالات تفصيلا ليس هذا محلها وانما يرجع اليها فى موضعها المناسب (ينظر مصطلح تيمم). الاضطرار فى باب الصلاة للاضطرار فى باب الصلاة: صور كثيرة: ولعل أظهر هذه الصور حالة الضرورة القصوى التى تبيح بل قد توجب الخروج عن الصورة الشرعية للصلاة وهى حالة اشتباك جيش المسلمين مع جيش العدو - والتى يسميها بعض الفقهاء صلاة المسايفة أو صلاة شدة الخوف - ويدخل فيها كل حالة يخشى فيها على النفس من الهلاك أو الخطر الجسيم كحالة السيل أو هجوم سبع ونحوه. وفى هذه الحالة يقول الله تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً﴾. اذ يصلون وهم على آلات الحرب متجهين الى عدوهم ولو كان فى جهة غير جهة القبلة وذلك للضرورة. وتفصيل أحكام هذه الصلاة وبيان مذاهب العلماء فيها بالتفصيل يرجع اليها فى موضعها المناسب. (ينظر صلاة الخوف - صلاة المسايفة).

стр. 4719

الاضطرار فى باب الصوم للاضطرار فى باب الصوم صور متعددة: منها ما قرره الفقهاء من أن الصوم اذا ترتب عليه خوف الموت أو شدة الأذى مثل تلف عضو من أعضائه فانه فى مثل هذه الحالة له الافطار حفظا للنفس من الهلاك ولقوله تعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ،﴾ ومن هذه الصور أيضا الحامل والمرضع اذا كان صومهما يؤدى الى هلاك الجنين أو الطفل فانه يجب عليهما الافطار غير أنه يشترط فى المرضع أن لا تجد مرضعا سواها أو أن لا يقبل الطفل غيرها حتى تنحقق حالة الاضطرار. وبيان هذه الحالات وما يماثلها يرجع اليها فى مصطلح (صوم). الاضطرار فى باب الحج الاضطرار فى باب الحج له تطبيقات عديدة منها ما يتعلق بشرط الاستطاعة فمن ملك زادا وراحلة ولكنه لا يأمن الطريق هو فى الحقيقة غير مستطيع وقد قال الفقهاء ان الخوف على النفس أو العرض أو المال يتنافى مع شرط الاستطاعة، ولهم فى ذلك تفصيل يرجع اليه فى موضعه (ينظر استطاعة وحج). ومن تطبيقات الاضطرار فى باب الحج ما يتعلق بمحظورات الاحرام فقد قال الله تعالى: ﴿(فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)،﴾ وقد قرر بعض الفقهاء أن الضرر اللاحق به اذا كان من نفس الشعر فله ازالته بغير فدية كحالة الاضطرار الناشئة عن الصيال الذى يباح دفعه شرعا واذا كان الاذى من غير الشعر وانما من الحشرات الموجودة فيه مثلا، حيث لا يتمكن من ازالة الأذى الا بازالة الشعر فان عليه الفدية لانه قطع الشعر لازالة ضرر غيره، فأشبه الاكل فى حالة المخمصة، وهذا تطبيق دقيق للاضطرار وللفقهاء فى ذلك تفصيلات وأقوال يرجع اليها فى موضعها. (انظر احرام). ومن تطبيقات الاضطرار فى هذا الباب أيضا: الصد والاحصار المشار اليه فى قوله تعالى: «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» فقد عبر بعض الفقهاء صراحة أن المحصور مضطر كما أنهم قالوا فى تعريف الاحصار شرعا: أنه حصول مانع اضطرارى عقلى أو شرعى من اتمام ما أحرم له كخوف أو حبس أو مرض (١)، وللاحصار أحكام تفصيلية نص عليها الفقهاء تراجع فى محلها (ينظر احصار). ومع ذلك فان للاضطرار فى باب

стр. 4720

الحج تطبيقات أخرى نص عليها الفقهاء فى مواضع متفرقة (ينظر حج). الاضطرار فى باب الذكاة الذكاة اما اختيارية وهى التى يجريها الانسان فى حيوانه المملوك له فعلا المتمكن من ذبحه باختباره. وأما اضطرارية وهى التى تتحقق بجرح الحيوان فى أى جزء من جسده مع التسمية وبذلك يباح أكله متى كان الحيوان بعيدا عن سيطرة الذابح كالبعير الصائل والحيوان الشارد الذى يخشى فوته. ينظر تفصيل أحكام ذلك فى مصطلح (ذكاة). الاضطرار فى باب اليمين مذهب الحنفية: ذكر فقهاء الحنفية بعض التطبيقات للاضطرار فى باب اليمين منها ما لو حلف شخص على امرأته أن لا تخرج الا باذنه أو بعلمه فانه يشترط لكى يبر بيمينه أن تستأذنه فى كل خروج. ولكن يستثنى من ذلك ما اذا خرجت لغرق أو حرق أو نحوه فانه لا يشترط اذنه فى مثل هذه الحالات (١). مذهب المالكية: جاء فى فتح العلى المالك: «وان استخفى رجل عند آخر من سلطان جائر أراد دمه أو ماله أو عقوبته فى بدنه فسأله السلطان عنه فستر عليه وجحد كونه عنده، فقال: احلف أنه ليس عندك فحلف أنه ليس عنده ليدفع به عن نفسه ودمه أو ما دون ذلك من ماله فلا شئ عليه ان خاف على نفسه ان لم يحلف .. قال يحيى سمعت أبا زيد قاضى المدينة يسأل عن الرجل يخاف اللصوص فيغيب ماله فيأخذونه فيقولون له غيبت عنا مالك فيقول ما غيبت شيئا فيقولون احلف لنا فيحلف لهم بالطلاق انه لم يغيب عنهم شيئا، وهو ان لم يحلف ضربوه وأن أطلعهم على ماله أخذوه فقال: لا حنث عليه (٢). ومن تطبيقات الاضطرار عند المالكية فى هذه المسألة أيضا ما جاء فى حاشية الدسوقى من أنه اذا حلف على زوجته بالطلاق مثلا لا تخرج من الدار فخرجت لسيل أو هدم أو لأمر لا قرار لها معه، أو أخرجها صاحب الدار المستأجرة منه بعد انقضاء مدة الاجارة أو خرجت من الدار وهى حامل أو مرضع خوفا على ما فى بطنها أو رضيعها من

стр. 4721

طارئ مؤذ طرأ على الدار ففى سماع (١) ابن القاسم عن مالك لا حنث عليه واستصوبه البنانى لخروجه عن نيته حكما. مذهب الشافعية: جاء فى اسنى المطالب: «ولو حلف لا يسكن دارا أو لا يقيم فيها حنث باللبث فيها بلا عذر … ولو مكث فيها لخوف على نفسه أو ماله أو نحوهما أو منع له من الخروج، أو مرض لا يقدر معه على الخروج ولم يجد من يخرجه لم يحنث للعذر، فان وجد من يخرجه فينبغى أن يأمره باخراجه فان لم يفعل حنث، ولو حدث له العجز بعد الحلف فكالمكره: فلا يحنث (٢). مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة: واذا حلف فتأول فى يمينه. فله تأويله اذا كان مظلوما. وان كان ظالما لم ينفعه تأويله لما روى عن النبى ﷺ أنه قال: يمينك على ما يصدقك به صاحبك» ومعنى التأويل أن يقصد بكلامه محتملا يخالف ظاهره نحو أن يحلف أنه أخى يقصد اخوة الاسلام أو المشابهة … ولا يخلو حال الحالف المتأول من ثلاثة أحوال: أحدها أن يكون مظلوما مثل من يستحلفه ظالم على شئ لو صدقه لظلمه أو ظلم غيره أو نال مسلما منه ضرر فهذا له تأويله. قال مهنا سألت أحمد عن رجل له امرأتان كل واحدة منهما فاطمة فماتت واحدة منهما فحلف بطلاق فاطمة ونوى التى ماتت قال: ان كان المستحلف له ظالما فالنية نية صاحب الطلاق، وان كان المطلق هو الظالم فالنية نية الذى استحلف. وقد روى أبو داود باسناده عن سويد بن حنظله قال خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج القوم أن يحلفوا فحلفت أنه أخى فخلى سبيله فأتينا رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: أنت أبرهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم، وقال النبى ﷺ أن فى المعاريض لمندوحة عن الكذب يعنى سعة المعاريض التى يوهم بها السامع غير ما عناه. الحال الثانى أن يكون الحالف ظالما فالذى يستحلفه الحاكم على حق عنده فهذا ينصرف يمينه الى ظاهر اللفظ.

стр. 4722

الحال الثالث لم يكن ظالما ولا مظلوما فظاهر كلام أحمد أن له تأويله (١). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار. من حلف كاذبا ليخلص نفسه أو غيره من مخافة فلا اثم ولا حنث ولو بالطلاق والعتق لقوله ﷺ : «من الكذب كذب يدخل صاحبه الجنة» ومنه فتوى ابراهيم بن عبد الله بن الحسن لمن كتمه عن المنصور وحلف بالطلاق وغيره أنه لا حنث ولا اثم. قلت ووجهه أن ذلك كالاكراه على اليمين فلا تنعقد .. وللحالف نيته حيث احتملها اللفظ بحقيقته أو مجازه والا فلا واذا كان التحليف على حق يستحقه المحلف فلا حكم لنية الحالف اذ القصد باليمين زجره عن الجحد ولو اثرت نيته بطل الزجر (٢). مذهب الإمامية: جاء فى كتاب «من لا يحضره الفقيه» قال أبو عبد الله ﵇: «ان خشيت على دمك ومالك فاحلف ترده عنك بيمينك، فان رأيت أن يمينك لا ترد عنك شيئا فلا تحلف (٣). ومن أقسام اليمين عند الإمامية كما بينها الصادق ﵇ يمين يؤجر عليها الرجل: اذا حلف كاذبا ولا يلزمه الكفارة وهى أن يحلف الرجل فى خلاص أمرئ مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره (٤). الاكراه نوع من أنواع الاضطرار ينظر علماء الشريعة الى الاكراه على أنه تطبيق لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات وفى هذا يقول الامام السيوطى: الضرورات تبيح المحظورات ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة واساغة اللقمة بالخمر والتلفظ بكلمة الكفر للاكراه (٥). (انظر اكراه) أطراف تعريفها لغويا: الأطراف جمع مفرده طرف والطرف العضو. فقد جاء فى (لسان

стр. 4723

العرب) أنه جاء فى حديث أم سلمه قالت لعائشة رضى الله عنهما «حماديات النساء غض الأطراف» أرادت بعض الأطراف قبض اليد والرجل عن الحركة والسير تعنى تسكين الأطراف وهى الأعضاء. وقال القتيبى: هى جمع طرف (بتسكين الراء) العين، أرادت غض البصر والطرف محركة هو البعد، وهو الناحية من النواحى، والطائفة من الشئ والجمع أطراف والأطراف الأصابع. وفى التهذيب اسم الأصابع وكلاهما من ذلك قال: ولا تفرد الأطراف الا بالاضافة كقولك: أشارت بطرف اصبعها. وأنشد الفراء: «يبدين أطرافا لطافا عنمة». وقال الأزهرى: جعل الأطراف بمعنى الطرف الواحد ولذلك قال: عنمة. ويقال: طرفت الجارية بنانها اذا خضبت أطراف أصابعها بالحناء، وهى مطرفه. وأطراف الرجل أخواله وأعمامه وكل قريب له محرم. والعرب تقول: لا يدرى أى طرفيه أطول، ومعناه: لا يدرى أى والديه أشرف. قال هكذا قال الفراء. ويقال: لا يدرى أنسب أبيه أفضل أم نسب أمه. وقال أبو الهيثم: يقال للرجل ما يدرى فلان أى طرفيه أطول، أى أى نصفيه أطول، الطرف الأسفل من الطرف الأعلى؟ فالنصف الأسفل طرف، والأعلى طرف والخصر ما بين منقطع الضلوع الى أطراف الوركين، وذلك نصف البدن، والسوأة بينهما، كأنه جاهل لا يدرى أى طرفى نفسه أطول. وقيل طرفاه لسانه وفرجه. وقيل استه وفمه، لا يدرى أيهما أعف وفى حديث قبيصة بن جابر: ما رأيت أقطع طرفا من عمرو بن العاص يريد أمضى لسانا منه. وطرف الانسان لسانه وذكره، ومنه قولهم لا يدرى أى طرفيه أطول. ويقال: فلان فاسد الطرفين اذا كان خبيث اللسان والفرج (١). وجاء فى القاموس المحيط: الطرف (محركة): الناحية، وطائفه من الشئ، والرجل الكريم. والأطراف الجمع.

стр. 4724

ومن البدن: اليدان والرجلان والرأس. ومن الأرض أشرافها وعلماؤها. ومنك أبواك وأخوتك وأعمامك وكل قريب محرم. ولا يدرى أى طرفيه أطول أى ذكره ولسانه، أو نسب أبيه وأمه. ولا يملك طرفيه، أى فمه واسته اذا شرب الدواء أو سكر (١). تعريفها فى اصطلاح الفقهاء: يكاد الفقهاء فى تعبيرهم بكلمة أطراف لا يخرجون على المعنى اللغوى فالأطراف ما دون النفس، أو الأعضاء (٢). حكم الجناية على الأطراف (أ) اذا مات المجنى عليه بالسراية: مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أنه لو جنى على ما دون النفس فسرى، فالسراية لا تخلو اما أن تكون الى النفس واما أن تكون الى عضو آخر. فان كانت الى النفس فالجانى لا يخلو اما أن يكون متعديا فى الجناية، واما أن لا يكون متعديا. فان كان متعديا فى الجناية والجناية بحديدة أو بخشبة تعمل عمل السلاح فمات من ذلك فعليه القصاص سواء كانت الجناية مما توجب القصاص لو برئت أو لا توجب، كما اذا قطع الجانى يد انسان من الزند أو من الساعد أو شجه موضحة أو آمة أو جائفة أو أبان طرفا من أطرافه أو جرحه جراحة مطلقة فمات المجنى عليه من ذلك فعلى الجانى القصاص، لأنه لما سرى بطل حكم ما دون النفس وتبين أنه وقع قتلا من حين وجوده، وللولى أن يقتل الجانى وليس له أن يفعل مثل ما فعل، حتى لو كان قطع يده ليس له أن يقطع يده، وكذلك اذا قطع رجل يد رجل ورجليه فمات من ذلك تحز رقبته. ولو قطع يده فعفا المقطوع عن القطع ثم سرى الى النفس ومات - فان عفا عن الجناية أو عن القطع وما يحدث منه أو الجراحة وما يحدث منها فهو عفو عن النفس باجماع أصحاب أبى حنيفة. وان عفا عن القطع أو الجراحة ولم يقل: «وما يحدث منها» لا يكون عفوا عن النفس، وعلى القاطع دية النفس فى قول أبى حنفية، وفى قولهما: يكون عفوا عن النفس ولا شئ عليه (٣). وجاء فى الهداية أن من قطع يد رجل فعفا المقطوعة يده عن القطع

стр. 4725

ثم مات من ذلك فعلى القاطع الدية فى ماله. وان عفا عن القطع وما يحدث منه ثم مات من ذلك فهو عفو عن النفس ثم ان كان خطأ فهو من الثلث وان كان عمدا فهو من جميع المال وهذا عند أبى حنيفة وقالا اذا عفا عن القطع فهو عفو عن النفس أيضا وعلى هذا الخلاف اذا عفا عن الشجة ثم سرى الى النفس ومات يدل لهما أن العفو عن القطع عفو عن موجبه، وموجبه القطع لو اقتصر أو القتل اذا سرى فكان العفو عنه عفوا عن أحد موجبيه أيهما كان، ولأن اسم القطع يتناول السارى والمقتصر فيكون العفو عن القطع عفوا عن نوعيه وصار كما اذا عفا عن الجناية فانه يتناول الجناية السارية والمقتصرة، كذا هذا ويدل له أن سبب الضمان قد تحقق وهو قتل نفس معصومة متقومة والعفو لم يتناوله بصريحه، لأنه عفا عن القطع وهو غير القتل، وبالسراية تبين أن الواقع قتل، وحقه فيه، ونحن نوجب ضمانه، وكان ينبغى أن يجب القصاص، وهو القياس، لأنه هو الموجب للعمد. الا أن فى الاستحسان تجب الدية لأن صورة العفو أورثت شبهة، وهى دارئة للقود ولا نسلم أن السارى نوع من القطع، وأن السراية صفة له، بل السارى قتل من الابتداء، وكذا لا موجب له من حيث كونه قطعا فلا يتناوله العفو بخلاف العفو عن الجناية، لأنه اسم جنس وبخلاف العفو عن الشجة وما يحدث منها لأنه صريح فى العفو عن السراية والقتل، ولو كان القطع خطأ فقد أجراه مجرى العمد فى هذه الوجوه وفاقا وخلافا آذن بذلك اطلاقه، الا أنه ان كان خطأ فهو من الثلث، وان كان عمدا فهو من جميع المال لأن موجب العمد القود ولم يتعلق به حق الورثة لما أنه ليس بمال، فصار كما اذا أوصى باعارة أرضه. وأما الخطأ فموجبه المال وحق الورثة يتعلق به فيعتبر من الثلث (١). وجاء فى الهداية: أنه اذا قطعت المرأة يد رجل فتزوجها على يده ثم مات فلها مهر مثلها وعلى عاقلتها الدية ان كان خطأ - وان كان عمدا ففى مالها، هذا عند أبى حنيفة، لأن العفو عن اليد اذا لم يكن عفوا عما يحدث منه - عنده - فالتزوج على اليد لا يكون تزوجا على ما يحدث منه، ثم القطع اذا كان عمدا يكون هذا تزوجا على القصاص فى الطرف وهو ليس بمال فلا يصلح مهرا لا سيما على تقدير السقوط فيجب مهر المثل وعليها الدية فى مالها، لأن التزوج وان كان يتضمن العفو لكن عن القصاص فى الطرف فى هذه الصورة واذا سرى تبين أنه قتل النفس ولم يتناوله العفو

стр. 4726

فتجب الدية وتجب فى مالها لأنه عمد. والقياس أن يجب القصاص على ما بيناه. واذا وجب لها مهر المثل وعليها الدية تقع المقاصة ان كانا على السواء وان كان فى الدية فضل ترده على الورثة، وان كان فى المهر فضل يرده الورثة عليها. واذا كان القطع خطأ يكون هذا تزوجا على أرش اليد، واذا سرى الى النفس تبين أنه لا أرش لليد وأن المسمى معدوم فيجب مهر المثل كما اذا تزوجها على ما فى اليد ولا شئ فيها ولا يتقاصان لأن الدية تجب على العاقلة فى الخطأ. والمهر لها. ولو تزوجها على اليد وما يحدث منها أو على الجناية ثم مات من ذلك والقطع عمد فلها مهر مثلها، لأن هذا تزوج على القصاص وهو لا يصلح مهرا فيجب مهر المثل، وصار كما اذا تزوجها على خمر أو خنزير ولا شئ له عليها، لأنه لما جعل القصاص مهرا فقد رضى بسقوطه بجهة المهر فيسقط أصلا كما اذا أسقط القصاص بشرط أن يصير مالا فانه يسقط أصلا، وان كان خطأ يرفع عن العاقلة مهر مثلها ولهم ثلث ما ترك وصية، لأن هذا تزوج على الدية وهى تصلح مهرا الا أنه يعتبر بقدر مهر المثل من جميع المال لأنه مريض مرض الموت والتزوج من الحوائج الأصلية، ولا يصح فى حق الزيادة على مهر المثل لأنه محاباة فيكون وصية فيرفع عن العاقلة لأنهم يتحملون عنها فمن المحال أن ترجع عليهم بموجب جنايتها، وهذه الزيادة وصية لهم لأنهم من أهل الوصية لما أنهم ليسوا بقتلة، فان كانت تخرج من الثلث تسقط وان لم تخرج تسقط ثلثها. وقال أبو يوسف ومحمد كذلك الجواب فيما اذا تزوجها على اليد لأن العفو عن اليد عفو عما يحدث منه عندهما فاتفق جوابهما فى الفصلين (١). ومن قطعت يده فاقتص له من اليد ثم مات فانه يقتل المقتص منه، لأنه تبين أن الجناية كانت قتل عمد، وحق المقتص له القود، واستيفاء القطع لا يوجب سقوط القود كمن كان له القود اذا استوفى طرف من عليه القود. وعن أبى يوسف أنه يسقط حقه فى القصاص لأنه لما أقدم على القطع فقد أبرأه عما وراءه. ويرى صاحب فتح القدير: أنه انما أقدم على القطع ظنا منه أنه حقه فيه، وبعد السراية تبين أنه فى القود فلم يكن مبرأ عنه بدون العلم به (٢).

стр. 4727

ومن قتل وليه عمدا فقطع يد قاتله ثم عفا وقد قضى له بالقصاص أو لم يقض فعلى قاطع اليد دية اليد عند أبى حنيفة. وقالا: لا شئ عليه لأنه استوفى حقه فلا يضمنه، وهذا لأنه استحق اتلاف النفس بجميع أجزائها، ولهذا لو لم يعف لا يضمنه - وكذا اذا سرى وما برأ أو ما عفا وما سرى أو قطع ثم حز رقبته قبل البرء أو بعده. وصار كما اذا كان له قصاص فى الطرف فقطع أصابعه ثم عفا لا يضمن الأصابع - وله أنه استوفى غير حقه لأن حقه فى القتل وهذا قطع وابانة، وكان القياس أن يجب القصاص الا أنه سقط للشبهة، فان له أن يتلفه تبعا. واذا سقط وجب المال وانما لا يجب فى الحال لأنه يحتمل أن يصير قتلا بالسراية فيكون مستوفيا حقه، وملك القصاص فى النفس ضرورى ولا يظهر الا عند الاستيفاء أو العفو أو الاعتياض لما أنه تصرف فيه، فأما ما قبل ذلك لم يظهر لعدم الضرورة بخلاف ما اذا سرى لأنه استيفاء. وأما اذا لم يعف وما سرى قلنا انما يتبين كونه قطعا بغير حق بالبرء حتى لو قطع وما عفا وبرأ الصحيح أنه على هذا الخلاف. واذا قطع ثم حز رقبته قبل البرء فهو استيفاء ولو حز بعد البرء فهو على هذا الخلاف هو الصحيح. والأصابع وان كانت تابعة قياما بالكف فالكف تابعة لها غرضا بخلاف الطرف لأنها تابعة للنفس من كل وجه (١). ومن له القصاص فى الطرف اذا استوفاه ثم سرى الى النفس ومات يضمن دية النفس عند أبى حنيفة. وقالا: لا يضمن لأنه استوفى حقه وهو القطع، ولا يمكن التقييد بوصف السلامة لما فيه من سد باب القصاص، اذ الاحتراز عن السراية ليس فى وسعه، فصار كالامام والبزاغ والحجام والمأمور بقطع اليد. ولو أنه قتل بغير حق لأن حقه فى القطع، وهذا وقع قتلا ولهذا لو وقع ظلما كان قتلا، ولأنه جرح أفضى الى فوات الحياة فى مجرى العادة وهو مسمى القتل، الا أن القصاص سقط للشبهة فوجب المال بخلاف ما استشهد به من المسائل الا أنه مكلف فيها بالفعل أما تقلدا كالامام أو عقدا كما فى غيره منها، والواجبات لا تتقيد بوصف السلامة كالرمى الى الحربى. وفيما نحن فيه لا التزام ولا وجوب اذ هو مندوب الى العفو فيكون من باب الاطلاق فأشبه الاصطياد فى الاباحة، والاباحة تتقيد بوصف السلامة بدليل أنه لو رمى الى صيد فأصاب انسانا يضمن، كذا ههنا (٢).

стр. 4728

مذهب المالكية: جاء فى المدونة الكبرى (١): أنه أن قطع رجل يد رجل خطأ أو عمدا فعفا المقطوعة يده عن القاطع ثم مات منها المقطوعة يده - فيرى ابن القاسم أنه فى العمد. اذا عفا عن اليد ثم مات فلأوليائه القصاص فى النفس اذا كان انما عفا عن اليد ولم يعف عن النفس. وقال الامام مالك فى رجل شج رجلا موضحة خطأ فصالحه المجروح على شئ أخذه منه ثم نزا منها فمات قال الامام مالك: يقسم ولاته أنه مات منها ويستحقون الدية على العاقلة، ويرد هذا ما أخذ من الجارح على الجارح ويكون الجارح كرجل من قومه. مذهب الشافعية: جاء فى الأم للامام الشافعى: أنه لو جرح رجل رجلا عمدا ثم عفا المجروح عن الجرح وما حدث عنه ثم مات من ذلك الجرح لم يكن الى قتل الجارح سبيل بأن المجروح قد عفا عن القتل، فان كان عفا عنه ليأخذ عقل الجرح أخذت منه الدية تامة لأن الجرح قد صار نفسا - وان كان عفا عن العقل والقصاص فى الجرح ثم مات من الجرح - فمن لم يجز الوصية للقاتل أبطل العفو وجعل الدية تامة للورثة لأن هذه وصية لقاتل. ومن أجاز الوصية للقاتل جعل عفوه عن الجرح وصية يضرب بها القاتل فى الثلث مع أهل الوصاية. وقال الشافعى فيما زاد من الدية على عقل الجرح قولان: أحدهما له مثل عقل الجرح لأنه مال من ماله ملك عنه. والقول الآخر - لا يجوز لأنه لا يملك الا بعد موته (٢). وان قطع رجل يدى رجل ورجليه ثم مات المقطوعة يداه ورجلاه من تلك الجراح فأراد ورثته القصاص كان لهم أن يصنعوا ما صنع بصاحبهم، وان أرادوا أن يقتلوه ويأخذوا أرشا فيما صنع به لم يكن لهم. واذا كانت النفس فلا أرش للجراح لدخول الجراح فى النفس، ولهم أن يأخذوا دية النفس كلها ويدعوا القصاص. ولو أرادوا أن يقطعوا يديه ورجليه أو يديه دون رجليه، أو بعض أطرافه

стр. 4729

التى قطع منه ويدعوا قتله كان ذلك لهم فقد قال الشافعى: اذا قضيت لهم بأن يفعلوا ذلك ويقتلوه قضيت لهم بأن يفعلوا ذلك ويدعوا قتله. فان قالوا نقطع يديه ثم نأخذ منه دية أو بعضها لم يكن ذلك لهم. وقيل لهم. اذا قطعتم يديه فقد أخذتم منه ما فيه الدية فلا يكون لكم عليه زيادة الا القطع أو القتل فأما مال فلا. ولو قطعوا له يدا أو رجلا ثم قالوا نأخذ نصف الدية كان لهم ذلك، لأنه لو قطع يديه فأرادوا أخذ القود من يد والأرش من أخرى كان لهم ذلك ولا يكون لهم ذلك حتى يبرأ. ولو كانت المسألة بحالها فجرحه جائفة مع قطع يديه ورجليه فمات، فقال ورثته: نجرحه جائفة ونقتله لم يمنعوا ذلك. وان أرادوا تركه بعدها تركوه. ولو قالوا على الابتداء: نجرحه جائفة ولا نقتله لم يتركوا وذلك أنهم انما يتركون اذا قالوا نقتله بما يقاد منه فى الجناية وأما ما لا يقاد منه فلا يتركون واياه (١). ولو مات رجل بسراية جراح لرجلين بأن أجافاه أو قطع الأول يده من الكوع والثانى من المرفق فمات فهما قاتلان ولو شك فى الانتهاء الى حركة المذبوحين عمل بقول أهل الخبرة (٢). وجاء فى الأم أن ما أصاب به العاض المعضوض من جرح فصار نفسا أو صار جرحا عظيما ضمنه كله لأنه معتد (٣). واذا أمر أب الصبى أو سيد المملوك الختان يفعل فمات فلا عقل ولا قود ولا كفارة على الختان. وان ختنهما بغير أمر أب الصبى أو أمر الحاكم ولا سيد المملوك ومات فعليه الكفارة وعلى عاقلته دية الصبى وقيمة العبد ولو كان حين أمره أن يختنهما أخطأ فقطع طرف الحشفة وذلك مما يخطئ مثله بمثله فلا قصاص وعليه دية الصبى وقيمة العبد بحساب ما بقى ويضمن ذلك العاقلة. ولو قطع الذكر من أصله وذلك لا يخطئ بمثله حبس حتى يبلغ الصبى فيكون له القود أو أخذ الدية، أو يموت فيكون لوارثه القصاص أو الدية تامة (٤). وقال الشافعى: لو قطع انسان من لحمه شيئا فان كان قطع لحما

стр. 4730

ميتا فذلك دواء، والجارح ضامن بعد لما زادت الجراح وان كان قطع ميتا وحيا لم يضمن القاطع الا الجرح نفسه واذا قلت: الجارح ضامن للزيادة فى الجرح فعلى الجارح القود عمدا الا أن تشاء ورثته الدية فتكون فى ماله وعلى عاقلته الدية ان كانت خطأ. واذا قلت ليس الجارح بضامن للزيادة فمات المجروح جعلت على الجارح نصف ديته ولم أجعل له فى النفس قودا وان كانت عمدا وجعلته شيئا من جناية الجانى وجناية المجنى على نفسه أبطلت جنايته على نفسه وضمنت الجانى جنايته عليه وهكذا لو كان فى طرف فان كان الكف فتآكلت فسقطت أصابعها أو الكف كلها فالجانى ضامن لزيادتها فى ماله ان كانت عمدا. وأن قطع المجنى عليه الكف أو الأصابع لم يضمن الجانى مما قطع المجنى عليه شيئا الا أن تقوم البينة بأن المقطوع كان ميتا فيضمن أرشها فان لم تثبت البينة أنه كان ميتا أو قالت كان حيا وكان خيرا له أن يقطع فقطعه لم يضمن الجانى. وكذلك لو أصاب المجنى عليه منه أكلة وكان خيرا له أن يقطع الكف لئلا تمشى الأكلة فى جسده فقطعها والأطراف حية لم يضمن الجانى شيئا من قطع المجنى عليه فان مات كان على الجانى نصف ديته لأن ظاهره أنه مات من جناية الجانى وجناية المجنى عليه على نفسه (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه ان قطع الجانى أصبعا عمدا فعفا المجنى عليه عنه ثم سرت الجناية الى الكف أو الى النفس والعفو على مال أو على غير مال فله تمام دية ما سرت اليه الجناية لأن المجنى عليه انما عفا عن دية الأصبع فوجب أن يثبت له تمام الدية ضرورة كونه غير معفو عنه ولا قصاص لتعذره فى النفس دون ما عفا عنه فسقط فى النفس كما لو عفا بعض الأولياء. وان كان الجرح لا قصاص فيه كالجائفة فعفا المجروح عن القصاص ثم سرى الى النفس فلوليه القصاص لأنه لا يصح العفو عن قود ما لا قود فيه فلم يؤثر عفوه ولولى المجروح بعد السراية العفو عن القصاص وله حينئذ كمال الدية كما لو لم يتقدم عفوه. وان عفا المجروح عن دية الجرح صح عفوه، لأن الحق له وقد وجب بالجناية وقد أسقطه ولورثته بعد السراية دية النفس وان عفا ولى القود مطلقا بأن قال عفوت فقط فله
следующие страницы →