فتجب الدية وتجب فى مالها لأنه عمد.
والقياس أن يجب القصاص على ما بيناه. واذا وجب لها مهر المثل وعليها الدية تقع المقاصة ان كانا على السواء وان كان فى الدية فضل ترده على الورثة، وان كان فى المهر فضل يرده الورثة عليها. واذا كان القطع خطأ يكون هذا تزوجا على أرش اليد، واذا سرى الى النفس تبين أنه لا أرش لليد وأن المسمى معدوم فيجب مهر المثل كما اذا تزوجها على ما فى اليد ولا شئ فيها ولا يتقاصان لأن الدية تجب على العاقلة فى الخطأ. والمهر لها.
ولو تزوجها على اليد وما يحدث منها أو على الجناية ثم مات من ذلك والقطع عمد فلها مهر مثلها، لأن هذا تزوج على القصاص وهو لا يصلح مهرا فيجب مهر المثل، وصار كما اذا تزوجها على خمر أو خنزير ولا شئ له عليها، لأنه لما جعل القصاص مهرا فقد رضى بسقوطه بجهة المهر فيسقط أصلا كما اذا أسقط القصاص بشرط أن يصير مالا فانه يسقط أصلا، وان كان خطأ يرفع عن العاقلة مهر مثلها ولهم ثلث ما ترك وصية، لأن هذا تزوج على الدية وهى تصلح مهرا الا أنه يعتبر بقدر مهر المثل من جميع المال لأنه مريض مرض الموت والتزوج من الحوائج الأصلية، ولا يصح فى حق الزيادة على مهر المثل لأنه محاباة فيكون وصية فيرفع عن العاقلة لأنهم يتحملون عنها فمن المحال أن ترجع عليهم بموجب جنايتها، وهذه الزيادة وصية لهم لأنهم من أهل الوصية لما أنهم ليسوا بقتلة، فان كانت تخرج من الثلث تسقط وان لم تخرج تسقط ثلثها.
وقال أبو يوسف ومحمد كذلك الجواب فيما اذا تزوجها على اليد لأن العفو عن اليد عفو عما يحدث منه عندهما فاتفق جوابهما فى الفصلين (١).
ومن قطعت يده فاقتص له من اليد ثم مات فانه يقتل المقتص منه، لأنه تبين أن الجناية كانت قتل عمد، وحق المقتص له القود، واستيفاء القطع لا يوجب سقوط القود كمن كان له القود اذا استوفى طرف من عليه القود.
وعن أبى يوسف أنه يسقط حقه فى القصاص لأنه لما أقدم على القطع فقد أبرأه عما وراءه.
ويرى صاحب فتح القدير: أنه انما أقدم على القطع ظنا منه أنه حقه فيه، وبعد السراية تبين أنه فى القود فلم يكن مبرأ عنه بدون العلم به (٢).
стр. 4727
ومن قتل وليه عمدا فقطع يد قاتله ثم عفا وقد قضى له بالقصاص أو لم يقض فعلى قاطع اليد دية اليد عند أبى حنيفة.
وقالا: لا شئ عليه لأنه استوفى حقه فلا يضمنه، وهذا لأنه استحق اتلاف النفس بجميع أجزائها، ولهذا لو لم يعف لا يضمنه - وكذا اذا سرى وما برأ أو ما عفا وما سرى أو قطع ثم حز رقبته قبل البرء أو بعده.
وصار كما اذا كان له قصاص فى الطرف فقطع أصابعه ثم عفا لا يضمن الأصابع - وله أنه استوفى غير حقه لأن حقه فى القتل وهذا قطع وابانة، وكان القياس أن يجب القصاص الا أنه سقط للشبهة، فان له أن يتلفه تبعا. واذا سقط وجب المال وانما لا يجب فى الحال لأنه يحتمل أن يصير قتلا بالسراية فيكون مستوفيا حقه، وملك القصاص فى النفس ضرورى ولا يظهر الا عند الاستيفاء أو العفو أو الاعتياض لما أنه تصرف فيه، فأما ما قبل ذلك لم يظهر لعدم الضرورة بخلاف ما اذا سرى لأنه استيفاء. وأما اذا لم يعف وما سرى قلنا انما يتبين كونه قطعا بغير حق بالبرء حتى لو قطع وما عفا وبرأ الصحيح أنه على هذا الخلاف. واذا قطع ثم حز رقبته قبل البرء فهو استيفاء ولو حز بعد البرء فهو على هذا الخلاف هو الصحيح.
والأصابع وان كانت تابعة قياما بالكف فالكف تابعة لها غرضا بخلاف الطرف لأنها تابعة للنفس من كل وجه (١).
ومن له القصاص فى الطرف اذا استوفاه ثم سرى الى النفس ومات يضمن دية النفس عند أبى حنيفة.
وقالا: لا يضمن لأنه استوفى حقه وهو القطع، ولا يمكن التقييد بوصف السلامة لما فيه من سد باب القصاص، اذ الاحتراز عن السراية ليس فى وسعه، فصار كالامام والبزاغ والحجام والمأمور بقطع اليد. ولو أنه قتل بغير حق لأن حقه فى القطع، وهذا وقع قتلا ولهذا لو وقع ظلما كان قتلا، ولأنه جرح أفضى الى فوات الحياة فى مجرى العادة وهو مسمى القتل، الا أن القصاص سقط للشبهة فوجب المال بخلاف ما استشهد به من المسائل الا أنه مكلف فيها بالفعل أما تقلدا كالامام أو عقدا كما فى غيره منها، والواجبات لا تتقيد بوصف السلامة كالرمى الى الحربى.
وفيما نحن فيه لا التزام ولا وجوب اذ هو مندوب الى العفو فيكون من باب الاطلاق فأشبه الاصطياد فى الاباحة، والاباحة تتقيد بوصف السلامة بدليل أنه لو رمى الى صيد فأصاب انسانا يضمن، كذا ههنا (٢).
стр. 4728
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة الكبرى (١): أنه أن قطع رجل يد رجل خطأ أو عمدا فعفا المقطوعة يده عن القاطع ثم مات منها المقطوعة يده - فيرى ابن القاسم أنه فى العمد. اذا عفا عن اليد ثم مات فلأوليائه القصاص فى النفس اذا كان انما عفا عن اليد ولم يعف عن النفس.
وقال الامام مالك فى رجل شج رجلا موضحة خطأ فصالحه المجروح على شئ أخذه منه ثم نزا منها فمات قال الامام مالك: يقسم ولاته أنه مات منها ويستحقون الدية على العاقلة، ويرد هذا ما أخذ من الجارح على الجارح ويكون الجارح كرجل من قومه.
مذهب الشافعية:
جاء فى الأم للامام الشافعى: أنه لو جرح رجل رجلا عمدا ثم عفا المجروح عن الجرح وما حدث عنه ثم مات من ذلك الجرح لم يكن الى قتل الجارح سبيل بأن المجروح قد عفا عن القتل، فان كان عفا عنه ليأخذ عقل الجرح أخذت منه الدية تامة لأن الجرح قد صار نفسا - وان كان عفا عن العقل والقصاص فى الجرح ثم مات من الجرح - فمن لم يجز الوصية للقاتل أبطل العفو وجعل الدية تامة للورثة لأن هذه وصية لقاتل.
ومن أجاز الوصية للقاتل جعل عفوه عن الجرح وصية يضرب بها القاتل فى الثلث مع أهل الوصاية.
وقال الشافعى فيما زاد من الدية على عقل الجرح قولان:
أحدهما له مثل عقل الجرح لأنه مال من ماله ملك عنه.
والقول الآخر - لا يجوز لأنه لا يملك الا بعد موته (٢).
وان قطع رجل يدى رجل ورجليه ثم مات المقطوعة يداه ورجلاه من تلك الجراح فأراد ورثته القصاص كان لهم أن يصنعوا ما صنع بصاحبهم، وان أرادوا أن يقتلوه ويأخذوا أرشا فيما صنع به لم يكن لهم. واذا كانت النفس فلا أرش للجراح لدخول الجراح فى النفس، ولهم أن يأخذوا دية النفس كلها ويدعوا القصاص.
ولو أرادوا أن يقطعوا يديه ورجليه أو يديه دون رجليه، أو بعض أطرافه
стр. 4729
التى قطع منه ويدعوا قتله كان ذلك لهم فقد قال الشافعى: اذا قضيت لهم بأن يفعلوا ذلك ويقتلوه قضيت لهم بأن يفعلوا ذلك ويدعوا قتله.
فان قالوا نقطع يديه ثم نأخذ منه دية أو بعضها لم يكن ذلك لهم.
وقيل لهم. اذا قطعتم يديه فقد أخذتم منه ما فيه الدية فلا يكون لكم عليه زيادة الا القطع أو القتل فأما مال فلا.
ولو قطعوا له يدا أو رجلا ثم قالوا نأخذ نصف الدية كان لهم ذلك، لأنه لو قطع يديه فأرادوا أخذ القود من يد والأرش من أخرى كان لهم ذلك ولا يكون لهم ذلك حتى يبرأ.
ولو كانت المسألة بحالها فجرحه جائفة مع قطع يديه ورجليه فمات، فقال ورثته: نجرحه جائفة ونقتله لم يمنعوا ذلك. وان أرادوا تركه بعدها تركوه. ولو قالوا على الابتداء:
نجرحه جائفة ولا نقتله لم يتركوا وذلك أنهم انما يتركون اذا قالوا نقتله بما يقاد منه فى الجناية وأما ما لا يقاد منه فلا يتركون واياه (١).
ولو مات رجل بسراية جراح لرجلين بأن أجافاه أو قطع الأول يده من الكوع والثانى من المرفق فمات فهما قاتلان ولو شك فى الانتهاء الى حركة المذبوحين عمل بقول أهل الخبرة (٢).
وجاء فى الأم أن ما أصاب به العاض المعضوض من جرح فصار نفسا أو صار جرحا عظيما ضمنه كله لأنه معتد (٣).
واذا أمر أب الصبى أو سيد المملوك الختان يفعل فمات فلا عقل ولا قود ولا كفارة على الختان. وان ختنهما بغير أمر أب الصبى أو أمر الحاكم ولا سيد المملوك ومات فعليه الكفارة وعلى عاقلته دية الصبى وقيمة العبد ولو كان حين أمره أن يختنهما أخطأ فقطع طرف الحشفة وذلك مما يخطئ مثله بمثله فلا قصاص وعليه دية الصبى وقيمة العبد بحساب ما بقى ويضمن ذلك العاقلة.
ولو قطع الذكر من أصله وذلك لا يخطئ بمثله حبس حتى يبلغ الصبى فيكون له القود أو أخذ الدية، أو يموت فيكون لوارثه القصاص أو الدية تامة (٤).
وقال الشافعى: لو قطع انسان من لحمه شيئا فان كان قطع لحما
стр. 4730
ميتا فذلك دواء، والجارح ضامن بعد لما زادت الجراح وان كان قطع ميتا وحيا لم يضمن القاطع الا الجرح نفسه واذا قلت: الجارح ضامن للزيادة فى الجرح فعلى الجارح القود عمدا الا أن تشاء ورثته الدية فتكون فى ماله وعلى عاقلته الدية ان كانت خطأ.
واذا قلت ليس الجارح بضامن للزيادة فمات المجروح جعلت على الجارح نصف ديته ولم أجعل له فى النفس قودا وان كانت عمدا وجعلته شيئا من جناية الجانى وجناية المجنى على نفسه أبطلت جنايته على نفسه وضمنت الجانى جنايته عليه وهكذا لو كان فى طرف فان كان الكف فتآكلت فسقطت أصابعها أو الكف كلها فالجانى ضامن لزيادتها فى ماله ان كانت عمدا. وأن قطع المجنى عليه الكف أو الأصابع لم يضمن الجانى مما قطع المجنى عليه شيئا الا أن تقوم البينة بأن المقطوع كان ميتا فيضمن أرشها فان لم تثبت البينة أنه كان ميتا أو قالت كان حيا وكان خيرا له أن يقطع فقطعه لم يضمن الجانى. وكذلك لو أصاب المجنى عليه منه أكلة وكان خيرا له أن يقطع الكف لئلا تمشى الأكلة فى جسده فقطعها والأطراف حية لم يضمن الجانى شيئا من قطع المجنى عليه فان مات كان على الجانى نصف ديته لأن ظاهره أنه مات من جناية الجانى وجناية المجنى عليه على نفسه (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه ان قطع الجانى أصبعا عمدا فعفا المجنى عليه عنه ثم سرت الجناية الى الكف أو الى النفس والعفو على مال أو على غير مال فله تمام دية ما سرت اليه الجناية لأن المجنى عليه انما عفا عن دية الأصبع فوجب أن يثبت له تمام الدية ضرورة كونه غير معفو عنه ولا قصاص لتعذره فى النفس دون ما عفا عنه فسقط فى النفس كما لو عفا بعض الأولياء.
وان كان الجرح لا قصاص فيه كالجائفة فعفا المجروح عن القصاص ثم سرى الى النفس فلوليه القصاص لأنه لا يصح العفو عن قود ما لا قود فيه فلم يؤثر عفوه ولولى المجروح بعد السراية العفو عن القصاص وله حينئذ كمال الدية كما لو لم يتقدم عفوه. وان عفا المجروح عن دية الجرح صح عفوه، لأن الحق له وقد وجب بالجناية وقد أسقطه ولورثته بعد السراية دية النفس وان عفا ولى القود مطلقا بأن قال عفوت فقط فله
стр. 4731
الدية أو عفا عن القود مطلقا بأن قال عفوت عن القود فله الدية لأن الواجب أحد شيئين فاذا سقط القود تعينت الدية.
وان قال الجانى لولى الجناية عفوت مطلقا أى عن القود والدية أو قال الجانى عفوت عنها أى الجناية وسرايتها وقال ولى الجناية: بل عفوت الى مال أو عفوت عن الجناية دون سرايتها فالقول قول المجنى عليه أو وليه مع يمينه لأن الأصل معه (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم أنه من جنى عليه بجرح أو قطع أو كسر فعفا عنه فقط أو عنه وعما يحدث عنه فعفوه عما يحدث منه باطل لأنه لم يجب له بعد، وأما عفوه عما جنى عليه فهو جائز وهو له لازم وذلك، لأنه وجب له لأنه قد وجب له القود فى الكسر أو المفاداة فى الجراحة، فان عفا فانما عفا عن حقه الذى وجب له بعد، فان مات من ذلك أو حدث عنه بطلان عضو آخر فله القود فى العضو الآخر لأنه الآن وجب له ولأوليائه القتل بالسيف خاصة لا بمثل ما جنى على مقتولهم لأن تلك الجنايات كان له القود فيها فعفا عنها فسقطت وبقى قتل النفس فقط ولا عفو له فيه فهو للورثة فلهم قتله، واذ لهم قتله وبطل أن يقتص منه بمثل ما جنى عليه فلا خلاف فى أن الجناية لم يقد منها فانما القتل بالسيف فقط وهكذا لو استقاد المجنى عليه مما جنى عليه الجانى ثم مات المجنى عليه فان الجانى يقتل بالسيف فقط لأنه قد استقيد منه فى الجناية فلا يعتدى عليه بأخرى (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح (٣) الأزهار: ان الجناية القاتلة بالسراية هى ما لا تقطع بازهاق الروح بمجردها بل الحياة معها مستقرة حتى يسرى جراحها الى فساد ما لا تتم الحياة الا به كقطع اليد، اذ قد يسرى فيهلك، وقد لا يسرى فيسلم، وذلك كثير.
فضابط ذلك أن كل جناية يقطع بأنها قاتلة بمجردها وان لم يسر الى غيرها فهى المباشرة، وكل جناية يجوز أن
стр. 4732
يحيا من وقعت فيه وذلك بأن لا تسرى لأنها لا تقتل بمجردها كقطع اليد والهاشمة فى الرأس ونحوهما، ويجوز أن تقتل بأن تسرى الى مقتل فهى القاتلة بالسراية فاذا مات المجنى عليه بمجموع أفعال جماعة سراية لأن تكون كل واحدة قاتلة فى العادة بالسراية لكنها اتفقت فقتلت جميعا بالسراية وجب على كل منهم دية كاملة ان طلبت.
وعند المؤيد بالله وأكثر العلماء لا تجب الا دية واحدة (١).
قال أبو طالب: واذا جرح واحد آخر مائة، وجرحه الثانى جراحة واحدة فسرت الى النفس ومات كانا فى وجوب القود عليهما على سواء على أصل يحيى ﵇ (٢).
واذا قطع رجل يد رجل من مفصل الكف ثم قطعها آخر من المرفق أو نحوه قبل أن تبرأ ثم مات المقطوع وكانت كل واحدة من الجنايتين قاتلة بالسراية لو انفردت فانه يقتل الثانى، وعلى الأول نصف الدية، لأن جناية الثانى أبطلت جناية الأول، لأن السراية تجدد وقتا بعد وقت وقد ارتفع ألم الجناية الأولى (٣).
وجاء فى البحر الزخار: أن الهادى ﵇ قال: ومن ضرب غيره ضربة أذهبت عينه وأنفه ولسانه ويديه لزم القصاص حيث يمكن والأرش حيث لا يمكن القصاص فان مات المجنى عليه دخلت الأطراف فى النفس قودا وأرشا اذ لو أخذنا أرش الأطراف لأسقطنا النفس ولا قائل به. ولو أخذنا أرش الجميع أخذنا أرش الأطراف مرتين، فان لم يمت أخذ أرش الجنايات وان تعددت الديات (٤).
والعترة على أن من قطعت يده فعفا ثم سرت الى نفسه فلا قصاص لتعذر استيفاء النفس دون اليد ولتولدها عما عفا عنه. ومن ضرب رجلا فأبان يده فعفا المضروب فضربه ثانية فقتله لزمه القود اذ العفو لم يتناول الفعل الآخر.
وقيل: لا قصاص، اذ هى فى الجناية الواحدة فاذا سقط البعض سقط الكل، وله الدية كاملة ولو بعد قبض أرش الأولى اذ الأخرى مستقلة فلم يتداخلا.
قال الامام يحيى بل يتداخلان لدخول دية الطرف فى النفس (٥).
стр. 4733
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف أنه اذا قطع رجل يد رجل من الكوع ثم قطع آخر تلك اليد من المرفق قبل اندمال الأول ثم سرى الى نفسه فمات فهما قاتلان عليهما القود.
والدليل أن القتل حدث عن القطعين وألمهما باق فى جسمه فليس بأن يضاف الى الثانى بأولى من أن يضاف الى الأول فالواجب أن يضاف اليهما اذ لا ترجيح (١).
واذا جرحه فسرى الى نفسه ومات وجب القصاص فى النفس، ولا قصاص فى الجرح سواء كان مما لو انفرد كان فيه القصاص أو لم يكن فيه القصاص.
وقال الشافعى اذا كان مما لو انفرد كان فيه القصاص كان لوليه الخيار بين أن يقتص فى الجرح ثم يقتل وبين أن يقتل فحسب، وان كان مما لو انفرد واندمل لا قصاص فيه مثل الهاشمة والمنقلة والمأمومة والجائفة وقطع اليد من بعض الذراع والرجل من بعض الساق، فاذا صارت نفسا فهل لوليه أن يقتص منها ثم يقتل أم لا على قولين:
أحدهما: ليس له ذلك.
والثانى: له ذلك.
ودليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم وروى العباس بن عبد المطلب أن النبى ﷺ قال: (لا قصاص فى المنقلة (٢).
واذا قطع اصبع غيره فعفا عنها المجنى عليه ثم سرى الى نفسه كان لولى المقتول القود، ويجب عليه أن يرد على الجانى دية الأصبع التى عفا عنها المجنى عليه وان أخذ الدية أخذ دية النفس الا دية الأصبع - الدليل اجماع الفرقة وأخبارهم وأيضا قول الله : «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»﴾. (٣).
وجاء فى الروضة البهية: أنه لو جنى على الطرف ومات واشتبه استناد الموت الى الجناية فلا قصاص فى النفس للشك فى سببه بل فى الطرف خاصة (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه يلزم الجانى فيما تولد من قبله خروج نفس كفارة
стр. 4734
وان كان لرقيق. قيل وان بعمد وان نما غيا بالعمد لأن الكفارة مذكورة فى القرآن للخطأ لا للعمد ولذا قال بعض العلماء: لا كفارة فى العمد وأن افتض زوج زوجته دون تمام ثمان سنين فماتت به فعليه ديتها سواء دخلت السنة الثامنة لكنها لم تتم أو لم تدخل فيها فان افتضها فوق ثمان سنين بأن دخلت فى التاسعة لم تلزمه ولا عاقلته ديتها، الا أن تعمد فتلزمه.
وقيل: تلزمه مطلقا دون الثمان أو فوقها ان كان الافتضاض قبل بلوغها وتلزم بافتضاضه بعد بلوغها ان ماتت به عاقلته الا أن تعمد فتلزمه (١).
ومن ضرب ناشزة فماتت من ضربه فعليه ديتها وان نكح امرأة فنزفت دما حتى ماتت فان بلغت فديتها على عاقلته والا ففى ماله وان خلطها فعليه التامة (٢)
(ب) الحكم اذا تلف العضو المجنى عليه
مذهب الحنفية:
جاء فى الهداية شرح الكفاية أنه لو قلع سن رجل فنبتت مكانها أخرى سقط الأرش فى قول أبى حنيفة وقال أبو يوسف:
عليه الأرش كاملا، لأن الجناية قد تحققت والحادث نعمة مبتدأة من الله تعالى. ولأبى حنيفة أن الجناية انعدمت معنى فصارت كما اذا قلع سن صبى فنبتت لا يجب الأرش بالاجماع لأنه لم يفت عليه منفعة ولا زينة وعن أبى يوسف أنه تجب حكومة عدل فى سن الرجل التى قلعت ونبتت أخرى مكانها لمكان الألم الحاصل، أى يقوم وليس به هذا الألم، ويقوم وبه هذا الألم فيجب ما انتقص منه بسبب الألم من القيمة (٣).
ولو قلع سن غيره فردها صاحبها الى مكانها ونبت عليها اللحم فعلى القالع الأرش بكماله لأن هذا مما لا يعتد به اذ العروق لا تعود.
يقول صاحب الكافى. قال شيخ الاسلام. وهذا اذا لم تعد الى حالتها الأولى بعد النبات فى المنفعة والجمال، والغالب أن لا تعود الى تلك الحالة، لأن المقلوع لا يلزق بالعصب والعروق فى الغالب فيكون وجود هذا النبات والعدم بمنزلته. وأما لو تصور عود الجمال والمنفعة بالانبات لم يكن على القالع شئ كما لو نبت السن المقلوعة. كذا فى الذخيرة.
وكذا اذا قطع أذنه فألصقها فالتحمت لأنها لا تعود الى ما كانت عليه (٤).
стр. 4735
ومن نزع سن رجل فانتزع المنزوعة سنه سن النازع فنبتت سن الأول فعلى الأول لصاحبه خمسمائة درهم لأنه تبين أنه استوفى بغير حق، لأن الموجب فساد المنبت ولم يفسد حيث نبت مكانها أخرى فانعدمت الجناية ولهذا يستأنى حولا بالاجماع. وكان ينبغى أن ينتظر اليأس فى ذلك للقصاص الا أن فى اعتبار ذلك تضييع الحقوق فاكتفينا بالحول لأنه تنبت فيه ظاهرا، فاذا مضى الحول ولم تنبت قضينا بالقصاص. واذا نبتت تبين أنا أخطأنا فيه والاستيفاء كان بغير حق الا أنه لا يجب القصاص للشبهة فيجب المال.
ويقول صاحب الكفاية: ان هذه الرواية تخالف رواية التتمة وفيها أن سن البالغ اذا سقط ينتظر حتى يبرأ موضع السن لا الحول وهو الصحيح لأن نبات سن البالغ نادر فلا يفيد التأجيل، الا أنه قبل البرء لا يقتص ولا يؤخذ الأرش لأنه لا يدرى عاقبته.
وفى الذخيرة قال بعض مشايخ الأحناف: الاستيناء حولا فى فصل البالغ والصغير جميعا لقول الرسول ﵌: «فى الجراحات كلها يستأنى حولا».
وفى المجرد عن أبى حنيفة: أنه اذا نزع سن انسان ينبغى للقاضى أن يأخذ ضمينا من القالع ثم يؤجله سنة من يوم النزع فاذا مضت السنة ولم ينبت اقتص منه. قال هشام: قلت لمحمد ﵀ فيمن ضرب سن رجل فسقط أى انتظروا بها حولا لعهلا تنبت؟ قال: لا. قلت:
قال واحد من اخوانك ينتظر؟ قال: لا. انما ذلك اذا تحركت (١).
ولو ضرب انسان سن انسان فتحركت يستأنى حولا ليظهر أثر فعله فلو أجله القاضى سنة ثم جاء المضروب وقد سقطت سنه فاختلف قبل السنة فيما سقط بضربه فالقول للمضروب ليكون التأجيل مفيدا. وهذا بخلاف ما اذا شجه موضحة فجاء وقد صارت منقلة فاختلفا حيث يكون القول قول الضارب لأن الموضحة لا تورث المنقلة، أما التحريك فيؤثر فى السقوط فافترقا، وان اختلف فى ذلك بعد السنة فالقول للضارب لأنه ينكر أثر فعله وقد مضى الأجل الذى وقته القاضى لظهور الأثر فكان القول للمنكر. ولو لم تسقط لا شئ على الضارب.
وعن أبى يوسف أنه تجب حكومة الألم.
وجه الأول عند أبى حنيفة أنه يسقط الأرش لزوال الشين الموجب.
أما أرش الألم عند أبى يوسف، لأن الشين وان زال فالألم الحاصل ما زال.
стр. 4736
ولو لم تسقط ولكنها اسودت يجب الأرش فى الخطأ على العاقلة وفى العمد فى ماله ولا يجب القصاص، لأنه لا يمكن أن يضربه ضربة تسود منه.
يقول صاحب الكفاية وفى الذخيرة:
ثم ان محمدا ﵀ أوجب كمال الأرش باسوداد السن ولم يفصل بين أن يكون السن من الأضراس التى لا ترى أو من الأسنان التى ترى قالوا: ويجب أن يكون الجواب فيها على التفصيل، ان كان السن من الأضراس التى لا ترى فان فات منفعة المضغ بالاسوداد يجب الأرش كاملا، وان لم يفت منفعة المضغ يجب فيه حكومة العدل، لأن منفعته قائمة وجماله ليس بظاهر كئزروة الرجل فيجب فيه حكومة عدل. وان كان من الأسنان التى ترى يجب كمال الأرش، وان لم تفت منفعته لأنه فوت جمالا ظاهرا على الكمال.
وكذا اذا كسر بعض واسود الباقى لا يجب القصاص لأنه لا يمكن أن يضربه ضربا يسود منه.
وكذا لو أحمر أو اخضر لا قصاص بل يجب الأرش فى الخطأ على العاقلة وفى العمد فى ماله.
ولو أصفر فيه روايتان.
يقول صاحب الكفاية: وان اصفرت روى أبو يوسف عن أبى حنيفة أن فيها حكومة عدل.
وذكر هشام فى نوادره عن محمد عن أبى حنيفة أنه قال: فى الحر لا يجب شئ وفى المملوك حكومة عدل. وعند محمد فيهما حكم عدل وهو قول أبى يوسف، لأن الجمال على الكمال فى بياض السن، فبالصفرة انتقص معنى الجمال فيها. ولهذا يجب فى المملوك حكم عدل فكذا فى الحر.
ولأبى حنيفة أن الصفرة من ألوان السن فلا يكون دليل فوت السن بخلاف السواد فانه دليل فوته والمطلوب بالسن فى الاحرار المنفعة، وهى قائمة بعد ما اصفرت وفى المملوك المالية وقد تنقص المالية بالاصفرار كذا قرره فى المبسوط (١).
ومن شج رجلا فالتحمت ولم يبق لها أثر ونبت الشعر سقط الأرش عند أبى حنيفة لزوال الشين الموجب وقال أبو يوسف: يجب عليه أرش الألم وهو حكومة عدل لأن الشين ان زال فالألم الحاصل ما زال فيجب تقويمه.
وقال محمد عليه أجرة الطبيب لأنه انما لزمه الطبيب وثمن الدواء بفعله فصار كأنه أخذ ذلك من ماله.
стр. 4737
الا أن أبا حنيفة يقول: ان المنافع على أصلنا لا تتقوم الا بعقد أو بشبهه ولم يوجد فى حق الجانى فلا يغرم شيئا (١).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والاكليل: أن فى الجناية على حلمتى الثدى ان بطل اللبن الدية وان قطع ثديا الصغيرة فان استيقن أنه أبطلهما فلا تعودان ابدا ففيهما الدية، وان شك فى ذلك وضعت الدية واستؤنى بها كسن الصبى فان نبتا فلا عقل لها وان لم ينبتا أو انتظرت فيبست أو ماتت قبل أن يعلم ذلك ففيهما الدية.
ومن طرح سن صبى لم يثغر خطأ وقف عقله بيد عدل فان عادت لهيئتها رجع العقل الى مخرجه وان لم تعد أعطى الصبى العقل كاملا وان هلك الصبى قبل أن تنبت سنه فالعقل لورثته.
وان نبتت أصغر من قدرها الذى قلعت منه كان له من العقل قدر ما نقصت ولو قلعت عمدا أوقف له العقل أيضا ولا يعجل بالقود حتى يستبرأ أمرها فان عادت لهيئتها فلا عقل فيها ولا قود.
وان عادت أصغر من قدرها أعطى ما نقصت فان لم تعد لهيئتها حتى مات الصبى اقتص منه وليس فيها عقل وهو بمنزلة ما لم ينبت (٢).
وروى عن المدونة قيل ان ضربه فاسودت سنه أو اصفرت أو احمرت أو أخضرت قال:
ان اسودت تم عقلها والحمرة والخضرة والصفرة ان كان ذلك كالسواد تم عقلها والا فعلى حساب ما نقص.
وان ضربت سنه فتحركت فان كان اضطرابا شديدا تم عقلها وان كان ضعيفا عقل بقدره.
وفى الموازية: وينتظر بالشديدة الاضطراب سنة (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى كتاب الأم أنه اذا عض الرجل الرجل فانتزع المعضوض العضو الذى عض منه يدا أو رجلا أو رأسا من فى العاضض فأذهب ثنايا العاض ومات منها أو لم يمت فلا عقل ولا قود ولا كفارة على المنتزع، لأنه لم يكن للعاض العض بحال. ولو كان العاض بدأ فى جماعة الناس فضرب وظلم أو بدئ فضرب وظلم كان سواء،
стр. 4738
لأن نفس العض ليس له وأن للمعضوض منع العض فاذا كان له منعه فلا قود عليه فيما أحدث ما يمنع اذا لم يكن فى المنع عدوان ولا عدوان فى اخراج العضو من فى العاض.
ولو رام اخراج العضو من فى العاض فامتنع عليه وغلبه اخراجها كان له فك لحييه بيده الأخرى ان كان عض احدى يديه، وبيديه معا ان كان عض رجله. فان كان عض قفاه فلم تنله يداه كان له نزع رأسه من فيه، فان لم يقدر على اخراجها فله التحامل عليه برأسه مصعدا أو منحدرا، وان قدر بيديه فغلبه ضبطا بفيه كان له ضرب فيه بيديه أو بدنه أبدا حتى يرسله فان ترك شيئا مما وصفنا له وبعج بطنه بسكين أو فقأ عينه بيديه أو ضربه فى بعض جسده ضمن فى هذا كله الجناية لأن هذا ليس له ولا يضمن فى ماله أن يفعله وان أتى ذلك على هدم فيه كله وكانت منه منيته (١).
وقال الشافعى فى الأم: اذا كان القصاص على يمين فاخطأ المقتص وقطع يسارا، أو كان على أصبع فأخطأ وقطع غيرها - فان كان يخطأ بمثل هذا درئ عنه الحد وكان العقل على عاقلته.
وقال الربيع: وفيه قول آخر ان ذلك عليه فى ماله ولا تحمله العاقلة، لأنه عمد أن يقطع يده ولكنا درأنا عنه القود لظنه أنها اليد التى وجب فيها القصاص فأما قطعه اياها فعمد.
وقال الشافعى واذا كان لا يخطأ به اقتص منه. واذا برأت جراحته التى أخطأ بها المقتص اقتص الأول.
ولو قال المقتص للمقتص منه أخرج يسارك فقطعها وأقر أنه عمد اخراج يساره وقد علم أن القصاص على يمينه وأن المقتص أمره باخراج يمينه فلا عقل ولا قود على المقتص - واذا برأ اقتص منه لليمنى.
وان قال: أخرجتها له ولم أعلم أنه قال: أخرج يمينك، ولا أن القصاص على اليمنى، أو رأيت أنى اذا أخرجتها فاقتص منها سقط القصاص عنى أحلف على ذلك، ولزمت دية يده المقتصة، ولا قود ولا عقوبة عليه، وانما يسقط العقل والقود اذا أقر المقتص منه أنه دلسها وهو يعلم أن القود على غيرها.
ولو كان المقتص منه فى هذه الأحوال كلها مغلوبا على عقله فأخطأ المقتص - فان كان مما يخطأ بمثله فعلى عاقلته وان كان مما لا يخطأ بمثله
стр. 4739
فعليه القود، الا اذا أفاق الذى نال ذلك منه. وسواء اذا كان المقتص منه مغلوبا على عقله، أذن له أو دلس له أو لم يدلس لأنه لا أمر له الا فى نفسه (١).
واذا أمر أب الصبى أو سيد المملوك الختان بختنهما ففعل فماتا فلا عقل ولا قود ولا كفارة على الختان.
وان ختنهما بغير أمر أب الصبى أو أمر الحاكم ولا سيد المملوك وماتا فعليه الكفارة وعلى عاقلته دية الصبى وقيمة العبد.
ولو كان حين أمره أن يختنهما أخطأ فقطع طرف الحشفة وذلك مما يخطئ مثله بمثله فلا قصاص وعليه من دية الصبى وقيمة العبد بحساب ما بقى ويضمن ذلك العاقلة.
ولو قطع الذكر من أصله وذلك لا يخطأ بمثله حبس حتى يبلغ الصبى فيكون له القود أو أخذ الدية أو يموت فيكون لوارثه القصاص أو الدية تامة.
ولو كان بواحد منهما أكلة فى طرف من أطرافه فأمره أب الصبى وسيد العبد بقطع الطرف، وليس مثلها يتلف فتلف فلا عقل ولا قود ولا كفارة.
وان أمره بقطع رأس الصبى فقطعه، أو وسط الصبى فقطعه أو بقطع حلقومه فقطعه عوقب الأب على ذلك، وعلى القاطع القود اذا مات الصبى.
واذ أمره بذلك فى مملوكه ففعله فمات المملوك فعلى القاطع عتق رقبة ولا قود عليه. وقال الربيع: ليس على قاطع مملوك قيمة لأن سيده الذى أمره.
واذا أمره بذلك فى دابة له ففعله فلا قيمة عليه لأنه أتلفها بأمر مالكها، والعبد - عند الربيع - فى هذا مثل الدابة هو مال.
وقال الشافعى: ولو جاء رجل بصبى ليس بابنه ولا مملوكه وليس له بولى الى ختان أو طبيب فقال: أختن هذا أو بط هذا الجرح له أو اقطع هذا الطرف له من قرحة به فتلف، كان على عاقلة الطبيب والختان ديته وعليه رقبة ولا يرجع عاقلته على الآمر بشئ وهو كمن أمر رجلا بقتل (٢).
قال الشافعى: اذا أمر الحاكم ولى الدم أن يقتص من رجل فى قتل فقطع يده أو يديه ورجليه وفقأ عينه وجرحه ثم قتله أو لم يقتله عاقبه الحاكم ولا عقل ولا قود ولا
стр. 4740
كفارة لأن النفس كلها كانت مباحة له.
ولا ينبغى للامام أن يمكنه من القصاص الا وبحضرته عدلان أو أكثر يمنعانه من أن يتعدى فى القصاص واذا أمكنه أن يقتص من يسرى يديه فقطع يمناها أو أمكنه من أن يشجه فى رأسه موضحة فشجه منقلة أو شجه فى غير الموضع الذى شجه فيه فادعى الخطأ فما كان من ذلك مما يخطأ بمثله أحلف عليه وغرم أرشه وان مات ضمن ديته، وان برأ منه غرم أرش ما ناله منه وكان عليه القصاص فيما نال من المجنى عليه ولم يبطل قصاص المجنى عليه بأن يتعدى فى الاقتصاص على الجانى، وان كان ذلك لا يخطأ بمثله أو أقر فيما يخطأ بمثله أنه عمد فيها ما ليس له اقتص منه فيما فيه القصاص الا أن يشاء الذى نال ذلك منه أن يأخذ منه العقل.
واذا عدا الرجل على الرجل فقتله ثم أقام عليه البينة أنه قتل ابنه وهو ولى ابنه لا وارث له غيره أو قطع يده اليمنى فأقام عليه البينة أنه قطع يده اليمنى فلا عقل ولا قود عليه ويعزر بأخذه حقه لنفسه (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه ان جنى جان على أذن آخر فاستحشفت - أى شلت - ففيها حكومة لأنه لن يذهب المقصود منها بالكلية وهو الجمال (٢).
وان ضرب الجانى أنف المجنى عليه فأشله أو عوجه أو غير لونه فحكومة لأن نفع الأنف باق مع الشلل بخلاف اليد فان نفعها يزول مع الشلل (٣).
وان ضرب الشفتين فأشلهما ففيهما الدية لأنه عطل نفعهما أشبه ما لو أشل يده أو ضربهما فتقلصتا فلم تنطبقا على الأسنان ففيهما الدية كذلك لأنه عطل جمالهما وكذا ان استرختا فصارتا لا تنفصلان عن الاسنان لأنه عطل نفعهما (٤).
وان جنى على سنه فبقى فيها اضطراب ففيها حكومة لنقصها بذلك وفى تسويد السن والظفر ديته لما روى عن زيد ابن ثابت ولم يعرف له مخالف من الصحابة، ولأنه أذهب جمال ذلك على الكمال فكملت ديتها وفى تسويد الأذن والأنف بحيث لا يزول السواد عما ذكر من السن والظفر والأنف ديته كالسن والظفر وان أحمر السن بالجناية أو اصفرت أو أخضرت أو كلت أو تحركت فحكومة للنقص فان قلعها بعد ذلك قالع فحكومة (٥).
стр. 4741
وان جنى على اليدين فأشلهما وأذهب نفعهما أو أشل رجله أو ذكره أو أنثييه أو اسكتيها وكذا سائر الأعضاء اذا جنى عليها فأشلها ففيه دية العضو الذى أشل لأنه عطل نفعه الا الأذن والأنف اذا أشلهما فلا تجب ديتهما بل حكومة كما تقدم لأن المقصود منهما الجمال وهو باق مع شللهما كما سبق وان جنى على يد فعوجها أو نقص قوتها أو شانها فعليه حكومة لأنها أرش كل مالا مقدر فيه (١).
وان جنى على الثديين فأذهب لبنهما من غير أن يشلهما فعليه حكومة لما حصل من النقص ولم تجب الدية لأنه لم يذهب نفعهما بالكلية.
وان جنى عليهما من صغيرة ثم ولدت فلم ينزل لها لبن فان قال أهل الخبرة قطعته الجناية فعلى الجانى ما على من ذهب باللبن بعد وجوده وهو حكومة اذا لم يشلهما كما تقدم، وان قال أهل الخبرة قد انقطع اللبن من غير الجناية لم يضمن ما ذهب من اللبن لأنه بغير جنايته، وان نقص لبن الثديين بالجناية أو كانا ناهدين فكسرهما أو صار بهما مرض فعليه حكومة لذلك النقص (٢).
وان جنى على مثانته فلم يستمسك بوله ففيه الدية، وان جنى عليه بأن ضرب بطنه أو نحوه فلم يستمسك غائطه ففيه الدية لأن ذلك منفعة كبيرة ليس فى البدن مثلها والضرر بفواتهما عظيم فكان فى كل واحد منهما الدية كالسمع والبصر وان أذهب المنفعتين فديتان ولو بجناية واحدة لأن كل منهما لو انفردت ففيها الدية فكذا اذا اجتمعتا (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن القصاص واجب فى كل ما كان بعمد فى جرح أو كسر لايجاب القرآن ذلك فى كل تعد وفى كل حرمة وفى كل عقوبة وفى كل سيئة وورود السنن الثابتة (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن من أذهب أحد عضوين أخوين فيجب فى العضو الأيمن من المجنى عليه الأيمن من الجانى نحو العين اليمنى بالعين اليمنى لا اليسرى وكذلك الأذنان ونحو ذلك اذا كان أحد العضوين أسفل والآخر أعلى كالشفتين فانه يؤخذ بالسفلى
стр. 4742
مثلها وبالعليا مثلها، فان قطع اليمنى ويمين الجانى شلاء فقد ذكر فى الشرح أن له قطع الشلاء ما لم يخش سرايتها الى نفس الجانى وكذا لو كانت يد الجانى زائدة اصبعا. وقد أشار ﵇ الى ذلك بقوله ولو زاد أحدهما أو نقص، فاذا قطع يدا كاملة وليده أصبعان قطعت ووفى المجنى عليه أرش ثلاثة أصابع ونحو ذلك فان تعذر أخذ المثل بأن لا يكون للجانى على عضو عضو يماثله نحو أن يقطع أعور ذاهبة عينه اليمنى عينا يمنى فان القصاص هنا متعذر لعدم تماثل العضوين، وهكذا فى اليدين ونحوهما، فان لم يوجد المثل فالدية لذلك العضو، ولا يؤخذ ما تحت الأنملة بها.
فلو قطع أنملة شخص وهى طرف أصبعه والجانى ذاهب الأنملة من نظير تلك الأصبع فليس للمجنى عليه أن يأخذ بأنملته ما تحت الأنملة الذاهبة من ذلك الجانى اذ لا مساواة بينهما.
ولا يؤخذ ذكر صحيح بعنين أو خصى، فلو قطع من العنين أو الخصى ذكره والقاطع ذكره صحيح أى ليس بعنين ولا خصى لم يجب القصاص هنا لعدم المساواة بين العضوين فان خولف المشروع بأن أخذ المجنى عليه عضوا غير مماثل العضو المأخوذ منه نحو أن يأخذ بالأيمن أيسر أو العكس أو يأخذ بالذكر الخصى أو العنين صحيحا كان جانيا متعديا وجاز الاستئناف للقصاص بينهما فيقتص الجانى فى الابتداء من المقتص المخالف للمشروع فى اقتصاصه ذكر ذلك الفقيه حسن.
وقال مولانا ﵇ وهو قوى من جهة القياس اذا تعمد الفاعل (١).
وتجب الدية فى الأنف واللسان والذكر اذا قطعت من الأصل أما الأنف ففيه الدية ولو من أخشم لجماله واعلم أنه اذا قطع من أصله فلا خلاف أنه تجب فيه الدية وذلك بأن يقطع من أصل العظم المنحدر من الحاجبين.
وان قطع من المارن وهو الغطروف اللين فالذى حكى فى الكافى وشرح الابانة عن الهادى أن الدية لا تجب.
والذى صححه للناصر ورواه عن الفقهاء أيضا أنها تجب فيه الدية.
وقال الفقيه يحيى فى تفسير الأنف الذى تجب فيه الدية عند الهادى انه المارن.
وأما الذكر ففيه الدية اذا قطع من أصله وتدخل الحكومة فيها فان قطعت الحشفة فقط ففيها الدية أيضا وفى
стр. 4743
الباقى حكومة وتجب الدية فى كل زوج فى البدن اذا بطل نفعه بالكلية كالأنثيين والبيضتين (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام: أنه فى احمرار الوجه بالجناية دينار ونصف وفى اخضراره ثلاثة دنانير وكذا فى الاسوداد عند قوم.
وعند الآخرين ستة دنانير، وهو أولى لرواية اسحاق بن عمار عن أبى عبد الله ﵇ ولما فيه من زيادة النكاية.
قال جماعة: ودية هذه الثلث فى البدن على النصف. وكل عضو مقدرة ففى شلله ثلثا ديته كاليدين والرجلين والأصابع، وفى قطعه بعد شلله ثلث ديته (٢).
وفى كسر عظم من عضو خمس دية ذلك العضو فان صلح على غير عيب فأربعة أخماس دية رضه، وفى فكه من العضو بحيث يتعطل العضو ثلثا دية العضو فان صلح على غير عيب فأربعة أخماس دية فكه ولو كسر بعصعوصة فلم يملك غائطة كان فيه الدية .. وهى رواية سليمان بن خالد.
ومن ضرب عجانه فلم يملك غائطه ولا بوله ففيه الدية وهى رواية اسحاق ابن عمار ومن افتض بكرا باصبعه فخرق مثانتها فلا تملك بولها فعليه ثلث ديتها.
وفى رواية ديتها وهى أولى ومثل مهر نسائها (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه ان قلع ضرس رجل فنبت أورده فى حينه فرجع متصلا ينتفع به كسائر أسنانه والله قادر على ذلك وقد جرب أنه من قطع منه لحم فرد فى حينه حاميا أنه ينبت فثلثها أى ثلث دية السن، وان تصدعت أى انشقت - وثبتت غير زائحة أى غير متحركة عن مكانها ولا خارجة عن أخوتها الى جهة الفم أو جهة الشفة أى غير معوجة ولا منثلمة أى ولا منكسرة فى وسط أعلاها أو طرف أعلاها ولا فى موضع منها فالنظر.
وان كسرت من فوق اللحم كلها ولم يبق الا ما دخل فى اللحم فدية تامة من ديات السن وهى خمسة أبعرة.
стр. 4744
وان نزع سن ثم رد فثبت بقدرة الله كما كان قبل النزع ثم نزع فالنظر، ولا شئ فى نزع سن الغير ان رده مكان سنه ونزع الا أن جعل فيه الدية الا ان فعل فيها موجب الدية أو بعضها فلصاحب السن المخلوقة فى فيه ما فعل مثل أن يكسرها ويفتتها فله دية السن، أو يكسرها من نصف فنصف دية السن وهكذا فلصاحبها دية نزعها من فيه أولا ثم دية الجناية فيها، فلو دقها لكان لها دية (١).
ولكل جارحة بانت ولو رجعت وبرئت ديتها كما لو لم ترجع وفيها النظر ان نزعت بعد رجوعها كما كانت وان رجعت حاسة سمع بعد ذهابها والمراد الاحساس لا نفس الأذن فهل يلزم فيها النظر وهو الراجح وذلك أن أزيل أيضا بعد رجوعه فان كان قد أعطاه الأرش رده أو لا شئ قولان وجه الثانى أنه قد أخذ أرشها من قبل أو سامح فيه أو من الله أو أنه رجع مما فيه وكذا ان ذهب بعضها ثم رجع أو ذهب كلها ثم رجع بعضها ولزم فيما لم يرجع ما ينوبه (٢).
(ج) الحكم اذا سرت الجناية
الى عضو آخر
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أنه اذا كانت السراية الى العضو فالأصل أن الجناية اذا حصلت فى عضو فسرت الى عضو آخر والعضو الثانى لا قصاص فيه فلا قصاص فى الأول أيضا وهذا الأصل يضطرد على أصل أبى حنيفة رضى الله عنه فى مسائل.
واذا قطع رجل أصبعا من يد رجل فشلت الكف فلا قصاص فيهما وعليه دية اليد بلا خلاف بين أصحاب أبى حنيفة، لأن الموجود من القاطع قطع مشل للكف ولا يقدر المقطوع على مثله فلم يكن المثل ممكن الاستيفاء فلا يجب القصاص ولأن الجناية واحدة فلا يجب بها ضمانان مختلفان وهو القصاص والمال خصوصا عند اتحاد المحل لأن الكف مع الأصبع بمنزلة عضو واحد.
وكذا اذا قطع مفصلا من اصبع فشل ما بقى أو شلت الكف لما سبق - فان قال المقطوع أنا أقطع المفصل واترك ما يبس ليس له ذلك، لأن الجناية وقعت غير موجبة للقصاص من الأصل لعدم امكان الاستيفاء على وجه المماثلة فكان الاقتصار على البعض
стр. 4745
استيفاء مالا حق له فيه فيمنع من ذلك (١).
وجاء فى شرح الكفاية على الهداية:
أن من شج رجلا موضحة فذهب عقله أو شعر رأسه دخل أرش الموضحة فى الدية لأن بفوات العقل تبطل منفعة جميع الأعضاء فصار كما اذا أوضحه فمات.
وقال زفر: لا يدخل أرش الموضحة فى الدية لأنهما جنايتان مختلفتان فيما دون النفس فلا يتداخلان كسائر الجنايات. وأرش الموضحة يجب بفوات جزء من الشعر حتى لو نبت الشعر والتأمت الشجة فصار كما كان يسقط الأرش والدية بفوات كل الشعر، وقد تعلقا بسبب واحد فدخل الجزء فى الجملة كما اذا قطع أصبع رجل فشلت يده (٢).
وان ذهب سمعه أو بصره أو كلامه فعليه أرش الموضحة مع الدية - قالوا:
هذا قول أبو حنيفة وأبى يوسف.
وعن أبى يوسف أن الشجة تدخل فى دية السمع والكلام ولا تدخل فى دية البصر.
وجه الأول أن كلا منهما جناية فيما دون النفس والمنفعة مختصة به فأشبه الأعضاء المختلفة بخلاف العقل لأن منفعته عائدة الى جميع الأعضاء على ما سبق.
ووجه الثانى: ان السمع والكلام مبطن فيعتبر بالعقل والبصر ظاهر فلا يلحق به.
وفى الجامع الصغير: ومن شج رجلا موضحة فذهبت عيناه فلا قصاص فى ذلك عند أبى حنيفة.
قالوا: وينبغى أن تجب الدية فيهما.
وقالا: فى الموضحة القصاص.
قالوا: وينبغى أن تجب الدية فى العينين (٣).
وان قطع رجل أصبع رجل من المفصل الأعلى فشل ما بقى من الاصبع أو اليد كلها فلا قصاص عليه فى شئ من ذلك، وينبغى أن تجب الدية فى المفصل الأعلى وفيما بقى حكومة عدل (٤).
وكذلك لو كسر رجل سن رجل فاسود ما بقى، وينبغى أن تجب الدية فى السن كله.
стр. 4746
ولو قال المجنى عليه: اقطع المفصل واترك ما يبس أو اكسر القدر المكسور واترك الباقى لم يكن له ذلك لأن الفعل فى نفسه ما وقع موجبا للقود فصار كما لو شجه منقله فقال أشجه موضحة وأترك الزيادة. لهما فى الخلافية أى فيما اذا شجه رجل موضحة فذهبت عيناه قالا: فى الموضحة القصاص والدية فى العينين - أن الفعل فى محلين فيكون جنايتين مبتدأتين فالشبهة فى احداهما لا تتعدى الى الأخرى كمن رمى الى رجل عمدا فأصابه ونفذ منه الى غيره فقتله يجب القود فى الأول والدية فى الثانى.
وله أن الجراحة الأولى سارية والجزاء بالمثل، وليس فى وسعه السارى فيجب المال، ولأن الفعل واحد حقيقة وهو الحركة القائمة وكذا المحل متحد من وجه لاتصال أحدهما بالآخر فأورثت نهايته شبهة الخطأ فى البداية بخلاف النفسين، لأن أحدهما ليس من سراية صاحبه وبخلاف ما اذا وقع السكين على الأصبع لأنه ليس فعلا مقصودا.
يقول صاحب الكفاية: ان أبا حنيفة يقول: هذه جناية وسرايتها، وقد تعذر ايجاب القصاص باعتبار سرايتها فلا يجب القصاص باعتبار أصلها، كما لو قطع مفصلا فشلت الأصبع وهذا لأن السراية أثر الجناية وهى مع أصل الجناية فى حكم فعل واحد.
والدليل على أنه سراية أن فعله أثر فى نفس واحدة والسراية عبارة عن آلام متعاقبة من الجناية على البدن وذلك يتحقق فى نفس واحدة فى موضعين منها، كما يتحقق فى الطرف مع أصل النفس اذا مات من الجناية بخلاف النفسين، فان الفعل فى النفس الثانية مباشرة على حدة ليس بسراية الجناية الأولى اذ لا يتصور السراية من نفس الى نفس فلابد من أن يجعل ذلك فى حكم فعل على حدة وهو خطأ ثم يعتبر حكم كل فعل بنفسه، أو نقول ان ذهاب البصر هنا حصل بطريق التسبيب والفعل بقى شجه على ما كانت.
والأصل فى سراية الأفعال اذا حدثت لم يبق الأول كالقطع اذا سرى الى النفس صار قتلا ولم يبق قطعا وههنا الشجة لا تنعدم بذهاب البصر فكان الفعل الأول سببا الى فوات البصر بمنزلة حفر البئر، والسبب لا يوجب القصاص (١).
واذا قطع أصبعا فشلت الى جنبها أصبع أخرى فلا قصاص فى شئ من ذلك عند أبى حنيفة.
وقالا، هما وزفر والحسن يقتص من الأولى وفى الثانية أرشها.
стр. 4747
والوجه من الجانبين سبق ذكره فى قوله: «ومن شج رجلا موضحة فذهبت عيناه ..
وروى ابن سماعة عن محمد فى المسألة الأولى: وهو اذا ما شج موضحة فذهب بصره - أنه يجب القصاص فيهما، لأن الحاصل بالسراية مباشرة كما فى النفس والبصر يجرى فيه القصاص.
بخلاف الخلافية الأخيرة «وهى قوله: وان قطع أصبعا فشلت الى جنبها أخرى» لأن الشلل لا قصاص فيه.
فصار الأصل عند محمد على هذه الرواية، أن سراية ما يجب فيه القصاص الى ما يمكن فيه القصاص يوجب الاقتصاص، كما لو آلت الى النفس.
وقد وقع الأول ظلما أى عمدا.
ووجه المشهور أن ذهاب البصر بطريق التسبيب ألا يرى أن الشجة بقيت موجبة فى نفسها ولا قود فى التسبيب بخلاف السراية الى النفس لأنه لا تبقى الأولى فانقلبت الثانية مباشرة (١).
ولو كسر رجل بعض سن رجل فسقطت فلا قصاص الا على رواية ابن سماعة.
ولو أوضحه موضحتين فتأكلتا فهو على الروايتين هاتين أى يقتص منه على رواية ابن سماعة عن محمد.
وعلى الرواية المشهورة لا قصاص كما لو كسر بعض السن فسقطت.
ولو قلع سن رجل فنبتت مكانها أخرى سقط الأرش فى قول أبى حنيفة.
وقالا: عليه الأرش كاملا، لأن الجناية قد تحققت، والحادث نعمة مبتدأة من الله تعالى.
وله أن الجناية انعدمت معنى فصار كما اذا قلع سن صبى فنبتت لا يجب الأرش بالاجماع لأنه لم يفت عليه منفعة ولا زينة.
وعن أبى يوسف أنه تجب حكومة عدل فى سن الرجل التى قلعت فنبت مكانها أخرى لمكان الألم الحاصل، أى يقوم وليس به هذا الألم، ويقوم وبه هذا الألم فيجب ما انتقص منه بسبب الألم من القيمة (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة الكبرى: للامام مالك أنه يرى أن لا يقاد من الجارح عمدا الا بعد البرء وحتى يعرف الى ما صارت
стр. 4748
جراحاته اليه فلا يعقل الخطأ الا بعد البرء حتى يعرف الى ما صارت اليه جراحاته فان قال المقطوعة حشفته لم تحبسنى عن أن تفرض لى ديتى من اليوم، وانما هى دية كاملة ان أنا مت أو عشت وأنت انما تحبسنى خوفا من هذا القطع أن تصير نفسى فيه.
يقول ابن القاسم: لأنى لا أدرى الى ما يئول اليه هذا القطع، هل أنثييه أو رجليه أو بعض جسده سيذهب من هذا القطع فلا أعجل حتى أنظر الى ما تصير اليه شجته، لأن الموضحة ان طلب المجنى عليه ديتها وقال:
لا تحبسنى بها. فلا تعجل له حتى ينظر الى ما تصير اليه شجته. ولأن المجنى عليه موضحة ان قال عجل لى دية موضحتى فان آلت الى أكثر من ذلك زدتنى وان لم تؤل الى أكثر من ذلك كنت قد أخذت حقى. لا يعجل له ولا يلتفت الى قوله هذا، وانما فى هذا الاتباع والتسليم للعلماء أو لعله أن يموت فتكون فيه القسامة.
ولقد سأل أهل الأندلس الامام مالكا عن اللسان اذا قطع وزعموا أنه ينبت فأصغى مالك الى أن لا تعجل له فيه حتى ينظر الى ما يصير اليه اذا كان القطع قد منعه من الكلام وذلك فى الدية (١).
واذا ضرب رجل رجلا فشجه موضحة خطأ لا يحكم له بدية الموضحة حتى ينظر الى ما يصير اليه، ولا يقضى له بالدية الا بعد البرء، حتى لو قال هذا المشجوج أعطنى عقل موضحتى، فان زاد زدتنى. لأنه لو مات منها كانت الدية على عاقلته بعد القسامة، فلا ندرى على من وجبت دية الموضحة وان كانت مأمومة خطأ فهى على العاقلة.
فان قال: أعطنى عقل مأمومتى وتحملها العاقلة. فان مت منها حملت العاقلة تمام الدية فلا يكون له ذلك، لأن الدية لا تجب ان مات منها الا بقسامة فلابد أن ينتظر بالعاقلة حتى يعرف ما تصير اليه مأمومته.
وهذا المشجوج مأمومته ان مات وأبى ورثته أن يقسموا كان على العاقلة ثلث الدية لمأمومته (٢).
وان ضرب رجل رجلا خطأ فشجه موضحة فذهب سمعه وعقله فعلى العاقلة ديتان ودية الموضحة لأن هذا كله فى ضربة واحدة فقد صارت جنايته فى هذه الضربة الواحدة أكثر من الثلث فالعاقلة تحمل ذلك وان ضربه ضربة فشجه موضحة فأذهب سمعه وعقله فانه ينتظر بالمضروب - فاذا برئ وجب
стр. 4749
على الضارب القصاص فى الموضحة، وينتظر به اذا اقتص منه حتى ينظر هل يذهب منها عقله وسمعه، فان برأ المقتص منه ولم يذهب سمعه وعقله من ذلك كان فى ماله عقل سمع الأول وعقله.
ويجتمع - فى قول مالك فى ضربة واحدة قصاص وعقل وذلك أن الامام مالكا قال فى الرجل يقطع اصبعه فينزى فيها فتشل من ذلك يده أو اصبع اخرى أنه يقتص منه للاصبع ويستأنى بالمقتص منه، فان برأ المقتص منه ولم تشل يده عقل ذلك فى ماله.
وقال الامام مالك: هذا أمر قد اختلف وهذا الذى استحسنت وهو أحب الى (١).
وان ضرب الرجل الرجل ضربة خطأ ففطع كفه فشل الساعد فعليه دية اليد ولا شئ عليه غير ذلك لأنها ضربة واحدة فدخل الشلل والقطع جميعا فى دية اليد اذا كانت ضربة واحدة (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى كتاب الأم أنه ان قطع رجل أصبع رجل فتآكلت الكف حتى سقطت كلها فسأل المقطوعة أصبعه القصاص، قيل: ان القصاص أن يقطع من حيث قطع أو أقل منه فأما أكثر فلا، وان شاء المقطوعة أصبعه القود من الأصبع يقاد له ويعطى أرش الكف يرفع منها عشر من الابل هى حصة الاصبع والا فله دية الكف.
وقال الشافعى: ولو قطع له أصبعا كما وصف فى المسألة السابقة فسأل القود منها وقد ذهبت كفه أو لم تذهب وسأل القود من ساعته أقدته، فان ذهبت كف المجنى عليه جعلت على الجانى أربعة أخماس ديتها، لأنى رفعت الخمس للاصبع التى أقصصتها بها.
فان ذهبت كف المستقاد منه ونفسه لم أرفع عنهم من أرش المجنى عليه شيئا، لأن الجانى ضامن ما جنى وحدث منه، والمستقاد منه غير مضمون له ما حدث من القود لأنه تلف بسبب الحق فى القصاص.
وان قطع رجل نصف كف رجل من المفصل فتآكلت حتى سقطت الكف كلها فسأل القود قيل لأهل العلم بالقود:
هل تقدرون على قطع نصف كف من مفصل كفه لا تزيدون عليه؟ فان قالوا نعم. قلنا: اقطعوها من الشق الذى قطعها منه ثم دعوها وأخذنا للمجنى عليه خمسة وعشرين بعيرا نصف أرش الكف مع قطع نصفها وهكذا ان قطعها حتى تبقى معلقة بجلدة أقيد
стр. 4750
منه وتركت له معلقة بجلدة فان قال المستقاد منه: اقطعوها لم يمنع المتطبب قطعها على النظر له (١).
وقال الشافعى: اذا شج الرجل الرجل موضحة عمدا فتآكلت الموضحة حتى صارت منقلة، أو قطع أصبعه فتآكلت الكف حتى ذهبت الكف، فسأل القود.
قيل: ان شئت أقدناك من الموضحة وأعطيناك ما بين المنقلة والموضحة من أرش. فأما المنقلة فلا قود فيها بحال.
وقيل: ان شئت أقدناك من الأصبع وأعطيناك أربعة أخماس اليد. وان شئت فلك أرش اليد ولا قود لك فى شئ، لأن الضارب لم يجن بقطع الكف وان كانت ذهبت بجنايته.
وانما يقطع له أو يشق له ما شق وقطع وأرش هذا كله فى مال الجانى حالا دون عاقلته، لأنه كان بسبب جنايته.
واذا أنكر الشاب وقاطع الاصبع والكف أن يكون تآكلها من جنايته فالقول قول الجانى حتى يأتى المجنى عليه بمن يشهد أن الشجة والكف لم تزل مريضة من جناية الجانى لم تبرأ حتى ذهبت فاذا جاء بها قبلت بينته وحكم بان تآكلها من جنايته ما لم تبرأ الجناية ولو أن البينة قالت: برأت الجراحة وأجلبت ثم انتقضت فذهبت الكف أو زالت الشجة فقال الجانى: انتقضت لأن المجنى عليه نكأها، أو أن غيره أحدث عليها جناية، كان القول قول الجانى فى أن تسقط الزيادة الا أن تثبت البينة أنها انتقضت من غير أن ينكأها المجنى عليه أو يحدث عليها غيره جناية من قبل أن البينة شهدت أن الجناية قد ذهبت. وان قالوا: انتقضت وقد يكون منها ومن غيرها يحدث عليها.
قال الربيع: قلت: أنا وأبو يعقوب:
واذا قطعت البينة أنها انتقضت من جنايته الأولى كان على الجانى تآكلها حتى يأتى بالبينة أن ذلك الانتقاض من غير جنايته (٢).
وقال الشافعى: لو قطع انسان من لحمه شيئا - فان كان قطع لحما ميتا - فذلك دواء، والجارح ضامن بعد لما زادت الجراح. وان كان قطع ميتا وحيا لم يضمن القاطع الا الجرح نفسه وهكذا لو كان فى طرف فان كان الكف فتآكلت فسقطت أصابعها أو الكف كلها فالجانى ضامن لزيادتها فى ماله ان كان عمدا وان قطع المجنى عليه الكف أو الأصابع لم يضمن الجانى مما قطع المجنى عليه شيئا الا أن تقوم البينة بأن المقطوع كان ميتا فيضمن أرشها،
стр. 4751
فان لم تثبت البينة أنه كان ميتا أو قالت كان حيا وكان خيرا له أن يقطع فقطعه لم يضمنه الجانى (١).
ولو جنى رجل على رجل جناية فى غير يده فأشلت يده كان فيها نصف الدية وأرش الجناية كأنها كانت مأمومة فيجعل فيها الثلث، وفى اشلال اليد النصف.
وان شلت رجله مع يده كانت فى اليد والرجل الدية، وفى المأمومة ثلث النفس لأنها جناية لها حكم معلوم أهلكت عضوين لهما حكم معلوم (٢).
ولو قطع رجل أصبع رجل فسرت الجناية الى الكف وسقطت أو شلت يده فلا قصاص الا فى الأصبع لأن الأجسام لا يجب فيها القصاص اذا تلفت بالسراية بل يجب لها الأرش. فان اقتص فى الأصبع ولم يسر أو سرى الى الكف وسقطت يجب أربعة أخماس دية اليد للأصابع الأربع لأن السراية لا تقع قصاصا، ولا شئ للنابت من الكف وله المطالبة بالواجب عقيب قطع الأصبع ولا يلزمه الانتظار الى البرء وعدمه فى الموضحة المذهبة للضوء. ولو أوضح رأسه ولم يذهب ضوء عينه فى الحال لا يطالب بالدية فلعلها تسرى الى البصر فيحصل القصاص. ولو عفا عن قصاص الأصبع ولم يقتص فله دية اليد بتمامها (٣).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أنه ان ذهب البصر بالجناية على رأس المجنى عليه أو ذهب البصر بالجناية على عينه أو بمداواة الجناية وجبت الدية فى كل ذلك لذهاب البصر بجنايته أو أثرها (٤).
وان جنى عليه فنقص ضوء عينيه أو اسود بياضها أو المقدر ولم يتغير البصر فحكومة لأنه لا مقدر له فيه من قبل الشرع (٥).
وان جنى على عينيه فندرتا - أى كبرتا أو احولتا أو أعمشتا ونحوه فحكومة كما لو ضرب يده فاعوجت لأنه لا مقدر فيه شرعا (٦).
وان قطع أذنيه فذهب سمعه فديتان دية للأذنين ودية للسمع لأنه من غير الأذنين فلا تدخل دية أحدهما فى الآخر كالبصر مع الأجفان والنطق مع الشفتين
стр. 4752
وان قطع أنفه فذهب شمه فديتان لأن الشم ليس فى الأنف فلا تتدرج ديته فيه (١).
وان أذهب عقله بجناية توجب أرشا كالجراح من موضحه أو غيرها أو قطع عضوا من يديه أو رجليه أو غيرهما أو ضربه على رأسه فذهب عقله وجبت الدية لذهاب العقل ووجب أرش الجرح ان كان ثم جرح، وان جنى عليه فأذهب سمعه وعقله وبصره وكلامه وجب أربع ديات لقضاء عمر رواه أحمد فى رواية ولده عبد الله (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم أن من جنى عليه بجرح أو قطع أو كسر فعفا عنه فقط أو عنه وعما يحدث عنه فعفوه عما يحدث منه باطل لأنه لم يجب له بعد، وأما عفوه عما جنى عليه فجائز وهو له لازم وذلك لأنه قد وجب له القود فى الكسر أو المفاداة فى الجراحة فان عفا فانما عفا عن حقه الذى وجب له بعد.
فان مات من ذلك أو حدث عنه بطلان عضو آخر فله القود فى العضو الآخر لأنه الآن وجب له (٣).
وجاء فى المحلى أيضا أنه لو جنى على عضو فبطل من الجناية عضو آخر فالحكم فى هذا أن ما تيقن أنه تولد من جناية العمد فبالضرورة أنه كله جناية عمد وعدوان فالواجب فى ذلك القود أو المفاداة سواء فى ذلك النفس أو ما دونها أما اذا أمكن أن تتولد الجناية الأخرى من غير الجناية الأولى فلا شئ فيها لا قود ولا غيره مثل أن يقطع له يدا فتشل له الأخرى فهذا ان لم يتيقن أنه تولد من الجناية الأولى فلسنا على يقين من وجوب شئ على الجانى واذا لم نكن على يقين من أنه يلزمه شئ فلا يجوز أن يلزم شيئا لا فى بشرته ولا فى ماله لقول رسول الله ﷺ «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام.
وقال على: كان فى أصحابنا فتى اسمه يبقى بن عبد الملك ضربه معلمه فى صباه بقلم فى خده فيبست عينه فهذا عمد يوجب القود لأن الضربة كانت فى العصبة المتصلة بالناظر (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أنه يجب القصاص بالسراية إلى ما يجب فيه فلو جرح إنسان فى غير مفصل ثم سرت
стр. 4753
الجناية إلى ذى مفصل فأتلفته وجب القصاص، ويسقط بالعكس أى اذا جنى على ذى مفصل فسرت الجناية حتى تعدت الى ما لا قصاص فيه نحو أن يجنى على مفصل الكف فتسرى الى نصف الساعد فتتلفه فانه لا يجب القصاص بعد السراية (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب الخلاف (٢): أنه اذا قطع أصبع رجل فسرت الى كفه فذهبت كفه ثم اندملت فعليه فى الأصبع والكف القصاص والدليل قول الله تعالى «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (٣) وهذا قد اعتدى بالأصبع والكف «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» (٤) وقال تعالى ﴿(وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ)﴾ (٥).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن من ضرب رجلا أو امرأة برأسه أو لحيته أو غير ذلك مما فيه الشعر من الجوارح الذى ينزع والذى لا ينزع فأزال شعرها والضرب وزوال الشعر كلاهما فى الرأس أو كلاهما فى اللحية اعتبر الأكثر فيعطى به، فان كان أرش الضرب أكثر أخذه وان كان أرش ازالة الشعر أكثر أخذه.
وان تولد عن ضربه بطلان جارحة اخرى لزمته دية الجرح وما تولد عنه وله القصاص بالجرح وأرش ما تولد ولا قصاص له بما تولد (٦).
د - الحكم اذا باشر الجناية أكثر
من شخص على واحد أو العكس .
مذهب الحنفية:
جاء فى الهداية وفتح القدير انه اذا قطع رجلان يد رجل واحد فلا قصاص على واحد منهما وعليهما نصف الدية، لأنه دية اليد الواحدة لأن كل واحد منهما قاطع بعض اليد، لأن الانقطاع حصل باعتماديها والمحل متجزئ فيضاف الى كل واحد منهما البعض فلا مماثلة بخلاف النفس لأن الانزهاق لا يتجزأ، ولأن القتل بطريق الاجتماع غالب حذار الغوث، والاجتماع على قطع اليد من المفصل فى حيز الندرة لافتقاره الى مقدمات بطيئة فيلحقه الغوث (٧).
стр. 4754
وجاء فى بدائع الصنائع أنه اذا قطع رجلان يد رجل أو رجله أو اصبعه أو أذهبا سمعه أو بصره أو قلعا سنا له أو نحو ذلك من الجوارح التى على الواحد منهما فيها القصاص لو انفرد به فلا قصاص عليهما، وعليهما الأرش نصفان وكذلك ما زاد على الثلاث من العدد فهو بمنزلة الاثنين ولا قصاص عليهم وعليهم الأرش على عددهم بالسواء (١).
ولو قطع رجل يمينى رجلين تقطع يمينه. ثم ان حضرا جميعا فلهما أن يقطعا يمينه ويأخذا منه دية يد بينهما نصفين وهذا قول أصحابنا رحمهم الله تعالى.
وان حضر أحدهما والآخر غائب فللحاضر أن يقتص ولا ينتظر الغائب، لأن حق كل واحد منهما ثابت فى كل اليد وانما التمانع فى استيفاء الكل بحكم التزاحم بحكم المشاركة فى الاستيفاء، فاذا كان أحدهما غائبا فلا يزاحم الحاضر فكان له أن يستوفى كأحد الشفيعين اذا حضر يقضى له بالشفعة فى كل المبيع، ولأن حق الحاضر اذا كان ثابتا فى كل اليد وأراد الاستيفاء والغائب قد يحضر وقد لا يحضر وقد يطالب بعد الحضور وقد يعفو فلا يجوز تأخير حق الحاضر فى الاستيفاء والمنع منه للحال بعد طلبه لأمر محتمل، ولهذا قضى بالشفعة لأحد الشفيعين اذا حضر وطلب، ولا ينتظر حضور الغائب. كذا هذا وللآخر دية يده على القاطع لأنه تعذر استيفاء حقه بعد ثبوته فيصار الى البدل.
ولأن القاطع قضى به حقا مستحقا عليه فيلزمه الدية، وان عفا أحدهما بطل حقه، وكان للآخر القصاص اذا كان العفو قبل قضاء القاضى بالاجماع، لأن حق كل واحد منهما ثابت فى اليد على الكمال، فالعفو من أحدهما لا يؤثر فى حق الآخر كما فى القصاص فى النفس.
وكذلك لو عدا أحدهما على القاطع فقطع يده فقد استوفى حقه فللآخر الدية.
وأما اذا قضى القاضى بالقصاص بينهما ثم عفا أحدهما فللآخر أن يستوفى القصاص استحسانا فى قولهما.
وقال محمد رحمه الله تعالى اذا قضى القاضى بالقصاص فى اليد بينهما نصفين وبدية اليد بينهما نصفين ثم عفا أحدهما بطل القصاص.
وجه قوله: ان حق كل واحد منهما وان كان ثابتا فى كل اليد لكن القاضى لما قضى بالقصاص بينهما فقد أثبت الشركة بينهما فصار حق كل واحد منهما فى البعض فاذا عفا أحدهما سقط البعض ولا يتمكن الآخر من استيفاء الكل.
стр. 4755
ووجه قولهما: ان قضاء القاضى بالشركة لم يصادف محله لأن الشرع ما ورد بوجوب القطع فى بعض اليد فيلحق بالعدم أو يجعل مجازا عن الفتوى كأنه أفتى بما يجب لهما وهو أن يجتمعا على القطع ويأخذا الدية بينهما فكان عفو أحدهما بعد القضاء كعفوه قبله.
ولو قضى القاضى بالدية بينهما فقبضاها ثم عفا أحدهما لم يكن للآخر القصاص وينقلب نصيبه مالا، لأنهما لما قبضا الديه فقد ملكاها وثبوت الملك فى الدية يقتضى أن لا يبقى الحق فى كل اليد فسقط حق كل منهما عن نصف اليد، فاذا عفا أحدهما لا يثبت للآخر ولاية استيفاء كل اليد. وكذلك لو أخذ بالدية رهنا لأن قبض الرهن قبض استيفاء، لأن الدين كأنه فى الرهن بدليل أنه اذا هلك يسقط الدين فصار قبضهما الرهن كقبضهما الدين.
ولو أخذ بالدية كفيلا ثم عفا أحدهما فللآخر القصاص لأنه ليس فى الكفالة معنى الاستيفاء بل هو للتوثق لجانب الوجوب فكان الحكم بعد الكفالة كالحكم قبلها (١).
ولو قطع من رجل يديه أو رجليه قطعت يداه ورجلاه لأن استيفاء المثل ممكن. ولو قطع من رجل يمينه ومن آخر يساره قطعت يمينه لصاحب اليمين ويساره لصاحب اليسار، لأن تحقيق المماثلة فيه وانه ممكن.
فان قيل: القاطع ما أبطل عليهما منفعة الجنسين فكيف تبطل عليه منفعة الجنس.
فالجواب: أن كل واحد منهما ما استحق عليه الا قطع يد واحدة وليس فى قطع يد واحدة تفويت منفعة الجنس فكان الجزاء مثل الجناية. الا أن فوات منفعة الجنس عند اجتماع الفعلين حصل ضرورة غير مضاف اليهما (٢).
ولو قطع رجل أصبع رجل كلها من المفصل ثم قطع يد آخر أو يدا باليد ثم يقطع الاصبع وذلك كله فى يد واحدة فى اليمين أو فى اليسار - فلا يخلو اما ان جاءا معا يطلبان القصاص واما ان جاءا متفرقين.
فان جاءا جميعا يبدأ بالقصاص فى الاصبع فيقطع الاصبع بالاصبع ثم يخير صاحب اليد، فان شاء قطع ما بقى، وان شاء أخذ دية يده من مال القاطع، لأن حق كل واحد منهما فى مثل ما قطع منه، فحق صاحب اليد
стр. 4756
فى قطع اليد، وحق صاحب الاصبع فى قطع الاصبع فيجب ايفاء حق كل واحد منهما بقدر الامكان وذلك فى البداية بالقصاص فى الاصبع، لأنا لو بدأنا بالقصاص فى اليد لبطل حق صاحب الأصبع فى القصاص أصلا ورأسا، ولو بدأنا بالقصاص فى الأصبع لم يبطل حق الآخر فى القصاص أصلا ورأسا لأنه يتمكن من استيفائه مع النقصان فكانت البداية بالاصبع أولى. وانما خير صاحب اليد بعد قطع الاصبع لأن الكف صارت معيبة بقطع الاصبع فوجد حقه ناقصا فيثبت له الخيار كالأشل اذا قطع يد الصحيح.
وان جاءا متفرقين، فان جاء صاحب اليد وصاحب الأصبع غائب تقطع اليد لصاحب اليد لأن حق صاحب اليد ثابت فى اليد فلا يجوز منعه من استيفاء حقه لحق غائب يحتمل أن يحضر ويطالب، ويحتمل أن لا يحضر ولا يطالب.
فان جاء صاحب الأصبع بعد ذلك أخذ الأرش لتعذر استيفاء حقه بعد ثبوته فيأخذ بدله، ولأن القاطع قضى بطرفه حقا مستحقا عليه فصار كأنه قائم وتعذر الاستيفاء لمانع فيلزمه الأرش.
وان جاء صاحب الاصبع وصاحب اليد غائب تقطع الاصبع لصاحب الاصبع لما ذكر فى صاحب اليد، ثم اذا جاء صاحب اليد بعد ذلك أخذ الأرش لما قلنا (١).
ولو قطع رجل اصبع رجل من مفصل ثم قطع أصبع رجل آخر من مفصلين ثم قطع اصبع آخر كلها وذلك كله فى اصبع واحدة فهو على التفصيل الذى ذكر أن الأمر لا يخلو اما أن جاءوا جميعا يطلبون القصاص واما أن جاءوا متفرقين.
فان جاءوا جميعا يبدأ بقطع المفصل الأعلى لصاحب الأعلى ثم يخير صاحب المفصلين فان شاء استوفى الأوسط بحقه كله ولا شئ له من الأرش، وان شاء أخذ ثلثى دية أصبعه من ماله. ثم يخير صاحب الاصبع فان شاء أخذ ما بقى باصبعه وان شاء أخذ دية اصبعه من مال الذى قطعها، وانما كان ذلك لما بينا أن حق كل واحد منهم فى مثل ما قطع منه فيجب ايفاء حقوقهم بقدر الامكان وذلك فى البداية بما لا يسقط حق بعضهم وهو أن يبدأ بقطع المفصل الأعلى لصاحب الأعلى لأن البداية لا تبطل حق الباقين فى القصاص أصلا لامكان استيفاء حقيهما مع النقصان وفى البداية بالقصاص فى الاصبع ابطال حق الباقين أصلا. ورب رجل يختار القصاص وان كان ناقصا تشفيا للصدر. واذا قطع
стр. 4757
منه المفصل الأعلى لصاحب الأعلى يخير الباقيان لأن كل واحد منهما وجد حقه ناقصا لحدوث العيب بالطرف.
وان جاءوا متفرقين، فان جاء صاحب الاصبع أولا تقطع له الاصبع لما ذكر فى المسألة المتقدمة. فاذا جاء الباقيان بعد ذلك يقضى لهما بالأرش، لصاحب المفصل الأعلى ثلث دية الاصبع ولصاحب المفصلين ثلثا دية الأصبع.
وان جاء صاحب المفصلين أولا يقطع له المفصلان ويقضى لصاحب المفصل الأعلى بالأرش. وصاحب الأصبع بالخيار ان شاء أخذ ما بقى واستوفى حقه ناقصا وان شاء أخذ دية الاصبع.
وان جاء صاحب الأعلى أولا فهو كما اذا جاءوا معا وقد سبق ذكر حكمه (١).
ولو قطع رجل كف رجل من مفصل ثم قطع يد آخر من المرفق أو بدأ بالمرفق ثم بالكف وهما فى يد واحدة فى اليمين أو فى اليسار ثم اجتمعا فان الكف يقطع لصاحب الكف ثم يخير صاحب المرفق فان شاء قطع ما بقى بحقه كله وان شاء أخذ الأرش لما بينا.
وان جاء أحدهما والآخر غائب، فان جاء صاحب الكف قطع له الكف ولا ينتظر الغائب لما مر. ثم اذا جاء صاحب المرفق أخذ الأرش.
وان جاء صاحب المرفق أولا يقطع له المرفق أولا ثم اذا جاء صاحب اليد بعد ذلك يأخذ أرش اليد (٢).
ولو قطع اصبع يد رجل عمدا وقطع آخر يده من الزند فمات فالقصاص على الثانى فى قول أصحابنا الثلاثة ﵏.
وقال زفر: عليهما جميعا وجه قوله، ان السراية باعتبار الألم والقطع الأول اقتصر ألمه بالنفس وتكامل بالثانى فكانت السراية مضافة الى الفعلين فيجب القصاص عليهما.
ويرى صاحب بدائع الصنائع: ان السراية باعتبار الآلام المترادفة التى لا تتحملها النفس الى أن يموت، وقطع اليد يمنع وصول الألم من الأصبع الى النفس فكان قطعا للسراية، فبقيت السراية مضافة الى قطع اليد، وصار كما لو قطع الأصبع فبرئت ثم قطع آخر يده فمات وهناك القصاص على الثانى كذا هذا، بل أولى لأن القطع فى المنع من الأثر وهو وصول الألم الى النفس فوق البرء، اذ البرء يحتمل
стр. 4758
الانتقاص والقطع لا يحتمل، ثم زوال الأثر بالبرء يقطع السرايا فزواله بالقطع كان أولى وأحرى (١)
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة الكبرى أنه لو أن نفرا اجتمعوا على رجل فقطعوا يده عمدا فانه يقتص منهم جميعا وتقطع أيديهم، بمنزلة القتل اذا اجتمعوا على قتل رجل قتلوا به جميعا. والعينان بهذه المنزلة (٢).
واذا قطع رجل يد رجل اليمنى ثم قطع يمين آخر بعد ذلك، ثم قطع يمين آخر بعد ذلك أيضا تقطع يمينه لهم جميعا ولم يكن لهم غير ذلك.
وكذلك العين والرجل وكل شئ اذا كان شيئا واحدا. وان قام عليه منهم الأول أو الآخر. أو الأوسط فانه يمكن من القصاص منهم فان اقتص ثم جاء الذين جنى عليهم يطلبون ما جنى عليهم فلا شئ لهم وهو - عند الامام مالك - بمنزلة رجل قتل رجلا عمدا ثم قتل رجلا بعد ذلك عمدا ثم قتل بعد ذلك رجلا عمدا فقتل فانه لا شئ لهم.
وعند ابن القاسم أن العين التى وجب لهم فيها القصاص واليد التى وجب لهم فيها القصاص قد ذهبت ولا شئ لهم (٣).
قال الامام مالك فى العبيد اذا قتلوا انسانا حرا أو جرحوا انسانا: انهم مرتهنون بدية المقتول أو المجروح وتقسم الدية على عددهم ودية الجرح على عددهم فمن شاء من أرباب العبيد أن يسلم سلم ومن شاء أن يفتك افتك بقدر ما يقع عليه من نصيبه من الدية كان أقل من ثمنه أو أكثر لو كان قيمة العبد خمسمائة والذى وقع عليه عشر الدية غرم عشر الدية وحبس عبده وان كانت قيمته عشرة دنانير والذى وقع عليه من الدية النصف لم يكن له أن يحبس عبده حتى يدفع نصف الدية.
وان كان رب العبيد واحدا فان له أن يحبس من شاء منه ويدفع من شاء بحال ما سبق وصفه. وقد سئل فيه الامام مالك غير مرة فلم يختلف قوله فى ذلك قط (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى كتاب الأم قول الشافعى:
لو قطع رجل يد رجل وقطع رجل آخر وقتل رجلا آخر ثم جاء أولياء المجنى
стр. 4759
عليهم يطلبون القصاص معا فانه يقتص منه اليد والرجل ثم يقتل بعد ذلك وقال: لو قطع اصبع رجل اليمنى وكف آخر اليمنى ثم جاءا معا يطلبان القود فانه يقتص من الاصبع ويخير صاحب الكف بين أن يقتص له ويأخذ أرش الاصبع أو يأخذ أرش الكف، ولو بدأ بالاقتصاص من الكف أعطى صاحب الأصبع أرشها. ولو قطع كفى رجلين اليمنى كان كقتله النفسين يقتص لأيهما جاء أولا. وان جاءا معا اقتص للمقطوع يديا. وان اقتص للآخر أخذ للأول دية يده.
وهكذا كل ما أصاب مما عليه فيه القصاص فمات منه بقود أو مرض أو غيره فعليه أرشه فى ماله (١).
واذا قطع الاثنان يد رجل معا قطعت أيديهما معا وكذلك أكثر من الاثنين، وما جاز فى الاثنين جاز فى المائة وأكثر. وانما تقطع أيديهما معا اذا حملا شيئا فضرباه معا ضربة واحدة أو حزاه معا حزا واحدا. فأما ان قطع هذا يده من أعلاها الى نصفها وهذا يده من أسفلها حتى أبانها فلا تقطع أيديهما وانما يحز من هذا بقدر ما حز من يده ومن هذا بقدر ما حز من يده ان كان هذا يستطاع. وهكذا فى الجرح والشجة التى يستطاع فيها القصاص وغيرها لا يختلف ولا يخالف النفس الا فى أن الجرح يتبعض والنفس لا تتبعض فاذا لم يتبعض بأن يكونا جانيين عليه معا جرحا كما وصفت لا ينفرد أحدهما بشئ منه دون الآخر فهو كالنفس فى القياس واذا تبعض خالف النفس (٢).
ولو قطع رجل أيدى جماعة قطع بالأول وللباقين الدية (٣).
واذا قطع الرجل أصبع رجل ثم جاء آخر فقطع كفه، أو قطع الرجل يد الرجل من مفصل الكوع ثم قطعها آخر من المرفق ثم مات فعليهما معا القود يقطع اصبع هذا وكف قاطع الكف، ويد الرجل من المرفق ثم يقتلان. وسواء قطعا من يد واحدة أو قطعاها من يدين مفترقتين سواء وسواء كان ذلك بحضرة قطع الأول أو بعده بساعة أو أكثر ما لم تذهب الجناية الاولى بالبرء لأن باقى ألمها واصل الى الجسد كله. ولو جاز أن يقال: ذهبت الجناية الأولى حين كانت الجناية الآخرة قاطعة باقى المفصل الذى يتصل به وأعظم منها، جاز اذا قطع رجل يدى رجل ورجليه وشجه آخر موضحة فمات أن يقال: لا يقاد من صاحب الموضحة بالنفس لأن ألم الجراح الكثيرة قد عم البدن قبل الموضحة أو بعدها. ومن أجاز أن يقتل اثنان بواحد لكان الألم يأتى على بعض
стр. 4760
البدن دون بعض حتى يكون رجلان لو قطع كل واحد منهما يد رجل معا فمات لم يقد منهما فى النفس لأن ألم كل واحدة منهما فى شق يده الذى قطعه، ولكن الألم يخلص من القليل والكثير ويخلص الى البدن كله فيكون من قتل اثنين بواحد يحكم فى كل واحد منهما فى القود حكمه على قاتل النفس منفردا فاذا أخذ العقل حكم على كل من جنى عليه جناية صغيرة أو كبيرة على العدد من عقل النفس كأنهم عشرة جنوا على رجل فمات فعلى كل واحد منهم عشر الدية (١).
واذا قطع الرجل يد الرجل وقطع آخر رجله وشجه الآخر موضحة وأصابه الآخر بجائفة وكل ذلك بحديد أو بشئ يحدد فيعمل عمل الحديد فلم يبرأ شئ من جراحته حتى مات فكلهم قاتل وعلى كلهم القود. وكذلك لو جرحه رجل مائة جرح وآخر جرحا واحدا كان عليهما معا القود، وكان لأولياء القتيل أن يجرحوا كل واحد منهما عدد ما جرحه، فان مات والا ضربوا عنقه (٢).
وان كان أحدهما جرحه جرحا جائفة غير نافذة أو جائفة نافذة كان فيها قولان:
أحدهما - أن لولى القتيل أن يجرحه جائفة غير نافذة أو جائفة نافذة - واذا كان القصاص بالقتل لم يمنع أن يصنع هذا، ولا يلى ولى القتيل بنفسه شيئا من هذا وانما يؤمر به من يبصر كيف جرحه فيجرحه كما جرحه فاذا بقى ضرب العنق فانه يخلى بينه وبين ولى القتيل.
وكذلك لو كان أحدهم قطع يده بنصف الذراع لم يمنع من ذلك لأنه يقتل مكانه وانما يمنع اذا كان جرحا لا يقتل به ولا يكون فيه قصاص.
والقول الثانى: أن له أن يصنع به كل ما كان لو جرحه اقتص به منه فيما دون النفس. ولا يصنع به ما لو كان جرحه به دون النفس لم يقتص منه لأنه لعله يدع قتله فيكون قد عذبه وأنه لا يقدر على أن يأتى بمثل ما صنع به فى المواضع التى لا يقتص منها، ويقال له: القتل يأتى على ذلك (٣).
ولو قطع رجل يد رجل وقطع آخر رجله وجرحه ثالث فمات فقال ورثته برأ من جراح أحدهم ومات من جراح الآخر فان صدقهم الجانون فالقول ما قالوا وعلى الذى مات من جراحه القصاص فى النفس أو الأرش وعلى الذى برأت جراحته القصاص من الجراح أو دية الجراح. وان صدقهم الذى قال ان جراحه برأت وكذبهم الذى قال ان جراحه لم تبرأ بل مات من جراح الذى زعمت أن جراحه برأت وبرأت جراحى
стр. 4761
فالقول قوله مع يمينه ولا يلزمه القتل أبدا ولا النفس حتى يشهد الشهود أن المجروح لم يزل مريضا من جراح الجارح حتى مات. ولو قال: مات من جراحنا معا فمن قتل اثنين بواحد جعل على الذى أقر القتل، فان أرادوا أن يأخذوا منه الدية لم يجعل عليه الا نصفها لأنه يقول: أنه مات من جراحنا معا (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أنه ان جنى القن على اثنين فأكثر خطأ أو عمدا لا يوجب قودا أو عمدا يوجبه وعفوا الى المال وكذلك لو أتلف مالا لاثنين فأكثر اشتركوا فيه بالحصص سواء كان ذلك فى وقت أو أوقات لأنهم تساووا فى سبب تعلق الحق به فتساووا فى الاستحقاق كما لو جنى عليهم دفعة واحدة، فاذا عفا أحدهم عما وجب له أو مات المجنى عليه فعفا بعض ورثته تعلق حق الباقين بكل العبد الجانى لأن سبب استحقاقه موجود وانما امتنع ذلك لمزاحمة الآخر وقد زال المزاحم ولو أن عشرة أعبد قتلوا عبدا عمدا فعليهم القصاص كقتل الأحرار للحر فان اختار السيد قتلهم فله ذلك وان عفا سيد المقتول الى مال تعلقت قيمة عبده برقابهم على كل واحد من العبيد العشرة القاتلين عشرها يباع منه بقدرها أو يفديه سيده بقدر العشر (٢).
وان ذهب بصر المجنى عليه أو ذهب سمعه فقال عدلان من أهل الخبرة بالطب يرجى عود بصره أو سمعه الى مدة عيناها انتظر الذاهب الى مضى تلك المدة ولم يعط المجنى عليه الدية حتى تنقضى المدة التى عيناها فان بلغها ولم يعد ما ذهب وجبت الدية لليأس أو مات المجنى عليه قبل مضيها وجبت الدية وان قلع أجنبى غير الجانى على البصر أولا عينه التى أذهب الأول بصرها فى المدة التى عينها العدلان لعود بصرها استقرت على الأول الدية أو القصاص لليأس من عود بصرها ووجب على الثانى حكومة لقلع العين التى لا بصر لها (٣).
وان جنى على لسان ناطق فلم يذهب بالجناية شئ من الكلام لكن حصلت فيه عجلة أو تمتمة أو فأفأة فعلى الجانى حكومة لما حصل من النقص والشين ولم تجب الدية لأن المنفعة باقية، فان جنى على ذلك المجنى عليه جان آخر فأذهب كلامه ففيه الدية كاملة كما لو جنى على عينه جان فعمشت ثم جنى عليه آخر فأذهب بصرها فان أذهب الجانى
стр. 4762
الأول بعض الحروف وأذهب الجانى الثانى بقية الكلام فعلى كل واحد من الجانيين بقسطه من الدية، فيضمن ما أتلفه دون غيره (١).
وان قطع جان ربع اللسان فذهب نصف الكلام ثم قطع جان آخر بقية اللسان فذهب بقية الكلام فعلى الجانى الأول نصف الدية لأنه أذهب نصف الكلام وعلى الجانى الثانى نصف الدية، لنصف اللسان بنصف الكلام. وعليه أيضا حكومة لربع اللسان الذى لا كلام فيه، لأنه لا نفع فيه فهو بمنزلة الأشل، ولو قطع جان نصف اللسان فذهب ربع الكلام ثم قطع آخر بقية اللسان فزال ثلاثة أرباع الكلام فعلى الأول نصف الدية لاذهابه نصف اللسان وعلى الثانى ثلاثة أرباع الدية لاذهابه ثلاثة أرباع الكلام وان قطع نصف اللسان فذهب كل كلامه ثم قطع آخر بقيته فعاد كلامه لم يجب رد الدية، لأن الكلام الذى كان باللسان قد ذهب ولم يعد الى اللسان وانما عاد الى محل آخر (٢).
وان كسر الجانى بعض ظاهر السن ففى الذاهب من دية السن بقدره كالنصف والثلث كسائر ما فيه مقدر وان جاء جان آخر فكسر الباقى منها فعليه بقية الأرش أى بقية ديته وان اختلف الجانيان فى قدر ما أذهب كل منهما فالقول قول المجنى عليه فى قدر ما أتلف كل واحد من الجانيين (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم: أن من أمسك آخر حتى فقئت عينه أو قطع عضوه أو ضرب لا قود عليه فى ذلك لأن الله تعالى انما قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾. (٤)
والحكم فى هذا أن يقتص من الفاقئ والكاسر والقاطع والضارب بمثل ما فعل ويعزر الممسك ويسجن على ما يراه الحاكم لقول رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده.
ولأمره ﷺ بالتعزير فى كل ما دون الحد عشرة أسواط فأقل فكل من فعل فعلا يوصف به وكان به متعديا فانه يجب أن يعتدى عليه بمثله بأمر الله تعالى فالممسك آخر حتى قتل ممسك له وحابس حتى مات وليس قاتلا فالواجب أن يحبس حتى يموت فهو مثل ما اعتدى به ولا نبالى
стр. 4763
بطول المدة من قصرها اذ لم يأت بمراعاة ذلك نص ولا اجماع (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أنه تقطع أيدى جماعة اذا قطعوا يد واحد.
قال ذلك فى البحر وانما تقطع أيديهم الكل اذا اجتمعوا كلهم فى قطع يده كلها نحو أن يحزوها بالسيف أو السكين كلهم حتى يقطعوها فلا يتميز فعل بعضهم عن فعل غيره. فأما حيث يتميز نحو أن يقطع واحد من جانب وغيره من الجانب الآخر حتى أباناها فلا قصاص فيها لأن كل واحد انما قطع بعضها وقيل فقط بل يلزمهم ديتها، لكن كيف تكون قسمة الدية عليهما - هل نصفان أو بقدر ما قطع كل واحد ان تميزت والا فنصفان اذ لا مزية لأنه يعقل التبعيض فى الأطراف بخلاف النفس (٢).
جاء فى شرح الأزهار أيضا أنه اذا قطع رجل يد رجل من مفصل الكف ثم قطعها آخر من المرفق أو نحوه قبل أن تبرأ ثم مات المقطوع وكانت كل واحدة من الجناتين قاتلة بالسراية لو انفردت فانه يقتل الثانى وعلى الأول نصف الدية لأن جناية الثانى أبطلت جناية الأول لأن السراية تجدد وقتا بعد وقت وقد ارتفع ألم الجناية الأولى (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أنه يقتص من الجماعة فى الأطراف كما يقتص فى النفس .. فلو اجتمع جماعة على قطع يده أو قلع عينه فله الاقتصاص منهم جميعا بعد رد ما يفضل لكل واحد منهم عن جنايته وله القصاص من أحدهم ويرد الباقون دية جنايتهم وتتحقق الشركة فى ذلك بأن يحصل الاشتراك فى الفصل الواحد، فلو انفرد كل واحد بقطع جزء من يده لم يقطع يد أحدهم وكذا لو جعل أحدهما آلته فوق يده والآخر تحت يده واعتمدا حتى التقتا فلا قطع فى اليد على أحدهما لأن كلا منهما منفرد بجنايته لم يشاركه الآخر فيها فعليه القصاص فى جنايته حسب (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى كتاب شرح النيل وشفاء العليل: أنه اذا قطع رجلان يد آخر
стр. 4764
أخذ ديتها أو قطع لهما مخيرا بينهما واحدة يمنى أحدهما ان قطعت يمناه ويسرى أحدهما ان قطعت يسراه. ويرد من لم تقطع يده لمن قطعت منهما نصف دية اليد. وقيل يقطع لكل يدا. وقيل له عليهما دية يده لا القطع وقيل له ديتها على كل منهما.
وكذا فى غير اليد وفى غير الاثنين كثلاثة وأربعة فصاعدا اذا قطعوا لغيرهما (١).
وان قطع رجل لآخر مفصلا من أصبعه ثم قطع رجل آخر مفصلا ثانيا منها، ثم قطع رجل ثالث مفصلا أسفلها من اصبعه فانه يقتص فى المفصل الأول وله أخذ ديته ويأخذ مقطوع الاصبع دية المفصلين الآخريين من قاطعيهما الا أن وجد قاطع الثانى مقطوعا منه المفصل الأول قيل فانه يقطع له المفصل الثانى ان شاء وان شاء أخذ ديته وكذا قاطع الأسفل ان وجد مقطوعا أوله وثانيه فلمريد الاقتصاص أن يقتص منه بقطع الأسفل (٢).
ومن قطع لرجل مفصلا أعلى أصبعه وآخر أوسطها وثالث أسفلها فان اجتمعوا قطع كل ما قطع له، فان عفا صاحب الفوقان أو أخذ الدية بطل عنه القطع ورجعوا، وكذا ان قطع وأخذ ذو الوسطانى الدية أو عفا فلذى السفلان الدية وان جاء الأخير ولم يحضر الأول انتظراه فان جاء وقطع فلهما القطع والا فالدية (٣).
هـ - الحكم اذا حال المجروح أو الجارح
بحرية أو عصمة أو اهدار
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع، أنه لو قطع رجل يد مرتد فأسلم المرتد ثم مات فلا شئ على القاطع وهذا يؤيد مذهب أبى حنيفة فى اعتبار وقت الفعل والأصل فى هذا أن الجناية اذا وردت على ما ليس بمضمون فالسراية لا تكون مضمونة لأن الضمان يجب بالفعل السابق والفعل صادف محلا غير مضمون وكذلك لو قطع يد حربى ثم أسلم ثم مات من القطع فلا شئ على القاطع لأن الجناية وردت على محل غير مضمون فلا تكون مضمونة.
وهكذا لو قطع يد عبده ثم اعتقه ثم مات لم يضمن بالسراية لأن يد العبد غير مضمونة فى حقه.
ولو قطع يده وهو مسلم ثم ارتد ثم مات فعلى القاطع دية اليد لا غير،
стр. 4765
لأن المقطوع أبطل عصمة نفسه بالردة فصارت الردة بمنزلة الابراء عن السراية.
ولو رجع الى الاسلام ثم مات فعلى القاطع دية النفس فى قولهما.
وعند محمد عليه دية اليد لا غير.
وجه قوله على نحو ما ذكرنا أنه لما ارتد فكأنه أبرأ القاطع عن السراية.
ووجه قولهما: ان الجناية يتعلق حكمها بالابتداء أو بالانتهاء وما بينهما لا يتعلق به حكم. والمحل ههنا مضمون فى الحالين فكانت الجناية مضمونة فيهما فلا تعتبر الردة العارضة فيما بينهما.
وأما قول محمد: الردة بمنزلة البراءة فنعم لكن بشرط الموت عليها لأن حكم الردة موقوف على الاسلام والموت، وقد كانت الجناية مضمونة فوقف حكم السراية أيضا.
وكذلك لو لحق بدار الحرب ولم يقض القاضى بلحوقه ثم رجع الينا مسلما ثم مات من القطع فعلى القاطع دية يده لا غير بالاجماع لأن لحوقه بدار الحرب يقطع حقوقه بدليل أنه يقسم ماله بين ورثته بعد اللحوق ولا يقسم قبله فصار كالابراء عن الجناية (١).
ولو قطع رجل يد عبد خطأ فاعتقه مولاه ثم مات منها فلا شئ على القاطع غير أرش اليد، وعتقه كبرء اليد، لأن السراية لو كانت مضمونة على الجانى فأما ان تكون مضمونة عليه للمولى واما أن تكون مضمونة عليه للعبد ولا سبيل الى الأول لأن المولى ليس بمالك له بعد العتق ولا وجه للثانى لما ذكر أن السراية تكون تابعة للجناية، فالجناية لما لم تكن للعبد لا تكون سرايتها مضمونة له ولهذا اذا باعه المولى بعد القطع سقط حكم السراية وليس قطع اليد فى هذا مثل الرمى فى قول أبى حنيفة حيث أوجب عليه بالرمى القيمة وان اعتقه المولى ولم يوجب فى القطع الا أرش اليد لما ذكرنا. أن الرمى سبب الاصالة فصار جانيا به وقت الرمى فأما القطع فليس بموجب للسراية لا محالة (٢).
وان كان قطع يد العبد عمدا فاعتقه مولاه ثم مات العبد ينظر ان كان المولى هو وارثه لا وارث له غيره فله أن يقتل الجانى فى قولهما خلافا لمحمد وان كان له وارث غيره يحجبه عن ميراثه ويدخل معه فى ميراثه فلا قصاص لاشتباه الولى ولو لم يعتقه بعد القطع ولكن دبره أو كانت أمة