ولا قصاص فى جز شعر الرأس وحلقه وحلق الحاجبين والشارب واللحية وان لم ينبت بعد الحلق والنتف أما الجز فلأنه لا يعلم موضعه فلا يمكن أخذ المثل وأما الحلق والنتف الموجود من الحالق والناتف فلأن المستحق حلق ونتف غير منبت وذلك ليس فى وسع المحلوق والمنتوف لجواز أن يقع حلقه ونتفه منبتا فلا يكون مثل الأول.
وذكر فى النوادر أنه يجب القصاص اذا لم ينبت. ولم يذكر حكم ثدى المرأة أنه هل يجب فيه القصاص أم لا، وكذا لم يذكر حكم الانثيين فى وجوب القصاص فيهما.
وينبغى أن لا يجب القصاص فيهما لأن كل ذلك ليس له مفصل معلوم فلا يمكن استيفاء المثل.
وأما حلمة ثدى المرأة فينبغى أن يجب القصاص فيها لأن لها حدا معلوما فيمكن استيفاء المثل فيها كالحشفة. ولو ضرب على رأس انسان حتى ذهب عقله أو سمعه أو كلامه أو شمه أو ذوقه أو جماعه أو ماء صلبه فلا قصاص فى شئ من ذلك، لأنه لا يمكنه أن يضرب ضربا تذهب به هذه الأشياء فلم يكن استيفاء المثل ممكنا فلا يجب القصاص. وكذلك لو ضرب على يد رجل أو رجله فشلت لا قصاص عليه، لأنه لا يمكنه أن يضرب ضربا مشلا فلم يكن المثل مقدور الاستيفاء فلا يجب القصاص (١).
ولا قصاص فى الأظفار لانعدام المساواة فى أروشها، لأن أرش الظفر الحكومة وأنها معتبرة بالحزر والظن.
وأما بيان وقت الحكم بالقصاص فيما دون النفس فوقته بعد البرء فلا يحكم بالقصاص فيه ما لم يبرأ. لما روى أنه ﵊ قال: «لا يستقاد من الجراحة حتى يبرأ (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة: أنه اذا جنى على اللسان عمدا ففيه القود اذا كان يستطاع القود منه ولم يكن متعلقا مثل الفخذ والمنقلة وما أشبه ذلك أقيد منه، وان كان متعلقا مثل الفخذ والمنقلة لم يقد منه وفى كل كسر خطأ اذا برأ وعاد الى هيئته لا شئ فيه الا أن يكون عمدا يستطاع القصاص فيه فانه يقتص منه، وان كان عظما الا فى المأمومة والمنقلة والجائفة وما لا يستطاع أن يقتص منه فلا شئ فيه من القود الا الدية فى عمد ذلك مع الأدب فى العمد. وعظام الجسد فيها القود من الهاشمة الا ما كان مخوفا مثل الفخذ وما أشبهه فلا قود فيه
стр. 4797
وأما الرأس - فعند أبى القاسم - لا هاشمة فيها الا أن كانت منقلة، وأما الباضعة - والملطأة والدامية. وما أشبهها وما يستطاع منه القود ففيه القود فى العمد عند مالك والهاشمة فى الرأس مما لا يستطاع منه القود.
روى عن مالك أن فى السن القود وان ثبتت وهو رأى ابن القاسم والاذن عنده مثله يقتص منه.
وفى العين القصاص ان كان يستطاع منه القصاص أقيد والا فالعقل واذا شلت اليد أو الرجل فقد تم عقلهما.
فان كانت الضربة عمدا فشلت اليد أو الرجل ففيهما القود - ويضرب الضارب كما ضرب - يقتص لهذا المضروب من الضارب فان شلت يد الضارب والا كان عقل اليد فى مال الضارب وليس على العاقلة منه شئ.
ولا يمكن الذى له القود من أن يقتص لنفسه، انما يدعى له من يعرف القصاص فيقتص له ولا يمكن المجروح من ذلك. وان أخرج الانثيين عمدا أو رضهما عمدا ففى اخراجهما القصاص، ويرى ابن القاسم أنه ان كان يخاف على الانثيين الرض وكانتا متلفتين فلا قود فيهما (١).
ولو فقأ رجل أعور العين اليمنى عين رجل اليمنى خطأ فعلى عاقلته نصف الدية، وان فقأها عمدا فهى بمنزلة اليد والرجل مثل لو أن رجلا أقطع اليمين قطع يمين رجل أو أقطع الرجل اليمنى قطع رجل رجل اليمنى أنه لا قصاص فيه ولكن فيه الدية.
والعين مثل ذلك. واليد والرجل مما لا اختلاف فيه أنه لا يقتص لليسرى باليمنى ولا باليمنى لليسرى ففى ذلك دليل على أن العين كذلك أيضا لا يقتص عين يمنى بيسرى ولا يسرى بيمنى والأسنان أيضا كذلك ثنية بالثنية والرباعية بالرباعية والعليا بالعليا والسفلى بالسفلى ولا تقاد سن الا بمثلها سواء فى صفتها ومواضعها لا غير ذلك. ويرجع ذلك الى العقل اذا لم يكن له مثل الذى طرح له فيقتص له منه. وعقل العين خمسمائة دينار فى مال هذا الأعور الجانى (٢).
قال ابن القاسم: سألنا مالكا عن الأعور يفقأ عين الصحيح فقال: ان أحب الصحيح أن يقتص اقتص، وان أحب فله دية عينه. ثم رجع بعد ذلك فقال: ان أحب أن يقتص اقتص وان أحب فله دية عين الأعور ألف دينار. وقوله الآخر أعجب الى وهذا انما هو فى الأعور اذا فقأ عين رجل وعين الأعور الباقية هى مثل تلك العين، تكون عين الأعور اليمنى باقية
стр. 4798
فيفقأ عين رجل اليمنى أو تكون اليسرى باقية فيفقأ عين رجل اليسرى فأما رجل أعور العين اليمنى فقأ عين رجل اليمنى فهذا لا قصاص فيه فيما سمعت من مالك، وفيما بلغنى عنه وليس له الا دية عينه ان كان المفقودة عينه صحيحة فخمسمائة دينار وان كان أعور فألف دينار لأنه لا قصاص له فى عين الجانى، ولأن دية عين الأعور عند مالك ألف دينار (١).
ولو أن رجلا ذهب سمع احدى أذنيه فضربه رجل فأذهب سمع أذنه الأخرى فعليه نصف الدية، ولا تكون الدية عند مالك فى شئ واحد مما هو زوج فى الانسان الا فى عين الأعور وحدها فان فيها الدية كاملة عند مالك.
والفرق بين السمع والبصر.
وقد قال مالك ان فى عين الأعور الباقية الدية كاملة وفى الذى قد ذهب سمع احدى أذنيه أن فى سمع أذنه الباقية نصف الدية - الفرق بينهما السنة التى جاءت فى عين الأعور وحده ان فى عينه الدية كاملة ألف دينار. وما سوى ذلك مما هو زوج فى الانسان مثل اليدين والرجلين والسمع وما أشبه هذا فان فى كل واحدة نصف الدية ما ذهب منه أول أو آخر فهو سواء (٢).
ولو أن رجلا قطع يدى رجل ثم رجليه ثم ضرب عنقه، فانه يقتص منه بأن يضرب عنقه ولا تقطع يداه ولا رجلاه لان كل قصاص يكون عليه فان القتل يأتى على ذلك كله فالقتل يأتى على قطع اليدين والرجلين، ولا يقاد منه فى اليدين ولا فى الرجلين. وان قطع رجل يد رجل من نصف الساعد عمدا فانه يقتص منه لأن مالكا يرى القصاص فى العظام الا فى الفخذ وما يخاف عليه فيه. وان اغتال رجل رجلا على مال فقطع يده فليس لمن قطعت يده أو فقئت عينه على غيلة قصاص انما ذلك الى السلطان الا أن يتوب قبل أن يقدر عليه فيكون فيه القصاص.
وان جنى رجل على رجل فقطع يمينه ثم ذهبت يمين القاطع بأمر من السماء فلا شئ عليه وان سرق فقطعت يده فلا شئ للمقطوعة يمينه. واذا سرق وقطع يمين رجل قطعت يمينه للسرقة وكانت السرقة أولى بيمينه من القصاص لأن القصاص ربما عفى عنه والسرقة لا عفو فيها (٣).
ولو أن رجلا قتل رجلا عمدا فحبس ليقتل فوثب عليه رجل فى الحبس ففقأ عينه خطأ أو عمدا، فحكمه أنه رجل من المسلمين يستقاد منه وله.
وتعقل جراحاته ما لم يقتل. ويرى ابن القاسم أنه أولى بجراحات نفسه كان عمدا
стр. 4799
أو خطأ، ان كان عمدا كان له القصاص ان شاء اقتص وان شاء عفا وان كان خطأ كان له الأرش وليس لولاة المقتول فى ذلك شئ انما لهم نفسه (١).
مذهب الشافعية:
قال الشافعى: القصاص وجهان:
طرف يقطع وجرح يبط. ولا قصاص فى طرف من الأطراف يقطع من غير مفصل، لأنه لا يقدر على القطع من غير المفاصل، حتى يكون قطع كقطع بلا تلف يفضى به القاطع الى غير موضعه.
وقال أيضا: وكل نفس قتلتها بنفس لو كانت قاتلتها أقصصت بينهما ما دون النفس.
وقال: وأقص للرجل من المرأة وللمرأة من الرجل بلا فضل مال بينهما والعبيد بعضهم من بعض وان تفاوتت أثمانهم ولو أن عبدا أو حرا أو كافرا جرح مسلما أقصصت المجروح منه ان شاء، لأنى أقتله لو قتله ولو كان الحر المسلم قتل كافرا أو جرحه أو عبدا أو جرحه لم أقصه منه.
وقال: والقصاص من الأطراف بالاسم لا بقياس من الأطراف فتقطع اليد باليد والرجل بالرجل والاذن بالاذن والأنف بالأنف، وتفقأ العين بالعين وتقلع السن بالسن لأنها أطراف. وسواء فى ذلك كله كان القاطع أفضل طرفا من المقطوع أو المقطوع أفضل طرفا من القاطع لأنها افاتة شئ كافاتة النفس التى تساوى النفس بالحياة والاسم، وهذه تستوى بالأسماء والعدد لا بقياس بينهما، ولا بفضل بعضها على بعض.
واذا قطع الرجل أنف رجل أو أذنه أو قلع سنه فأبانه ثم ان المقطوع ذلك منه ألصقه بدمه، أو خاط الأنف أو الأذن، أو ربط السن بذهب أو غيره فثبت وسأل القود فله ذلك لأنه وجب له القصاص بابانته. وان لم يثبته المجنى عليه أو أراد اثباته فلم يثبت وأقصى من الجانى عليه فأثبته لم يكن على الجانى أكثر من أن يبان منه مرة.
وان سأل المجنى عليه الوالى أن يقطعه من الجانى ثانية لم يقطعه الوالى للقود، لأنه قد أتى بالقود مرة الا أن يقطعه لأنه الصق به ميتة. وان شق شيئا من هذا فالصقه بدمه لم أكره ذلك له، ويشق من الشاق، ان قدر على أن يأتى بمثله ويقول يلصقه فان لصق من الشاج ولم يلصق من المشجوج أو من المشجوج ولم يلصق من الشاج فلا تباعة لواحد منهما على صاحبه.
وقال الشافعى: والوجه الثانى من القصاص الجراح بالشق فاذا كان الشق كالجراح يؤخذ بالطول لا باستيظاف
стр. 4800
طرف. فان قطع رجل من رجل طرفا فيه شئ ميت بشلل أو غيره أو شئ مقطوع، كأن قطع يده وفيها أصبعان شلاوان لم تقطع يد الجانى بها وفيها اصبعان شلاوان ولو رضى ذلك القاطع وان سأل المقتص له أن يقطع له أصابع القاطع الثلاث ويؤخذ له حكومة الكف والاصبعين الباقيتين كان ذلك له.
وقال الشافعى: ولو كان القاطع هو أشل الاصبعين، والمقطوع تام اليد.
خير المقتص له بين أن يقطع يده بيده ولا شئ غير ذلك أو تقطع له أصابعه الثلاث ويأخذ أرش اصبعين وانما لم أجعل له اذا قطع كفه غير ذلك لأنه قد كان بقى جمال الاصبعين الشلاوين وسدهما موضعهما. ولو كان القاطع مقطوع الاصبعين قطعت كفه وأخذت للمقطوعة يده أرش أصبعين تامين.
ولو أن رجلا أقطع أصابع اليد الا اصبعا واحدا قطع اصبع رجل أقيد منه. ولو قطع كف رجل كان له القود فى الكف وأرش أربعة أصابع. ولو كان المجنى عليه أقطع أصابع الكف الا اصبعا فقطع يد رجلا صحيح اليد فسأل القود أقتص منه من الأصبع وأعطى حكومة فى الكف ولو كان أقطع اصبع واحدة فقطعت كفه. أقص منه أربع أصابع وأخذت له حكومة فى كفه، ولا أبلغ بحكومة كفه دية أصبع لأنها تبع الاصابع كلها، وكلها مستوية فلا يكون أرشها كأرش واحدة منها.
واذا كانت لرجل خمس أصابع فى يده فقطع تلك اليد رجل له ست أصابع فسأل المقطوعة يده القود لم يكن ذلك له لزيادة أصبع القاطع على أصبع المقطوع. ولو كان الذى له ستة أصابع هو المقطوع والذى له الخمس هو القاطع أقتص له منه وأخذت له فى الأصبع الزائدة حكومة لا أبلغ بهادية أصبع لأنها زائدة فى الخلق.
وقال الشافعى: اذا قطع الرجل أنف الرجل من المارن قطع أنفه من المارن، وسواء كان أنف القاطع أكبر أو أصغر من أنف المقطوع لأنه طرف، وان قطعه من دون المارن قدرت ما ذهب من أنف المقطوع ثم أخذ له من أنف القاطع بقدره من الكل، ان كان قدر مارن المقطوع قطع قدر نصف مارنه ولا يقدر بالشبر كما وصفت فى الأطراف. الذكر وغيره.
وان قطع من أحد شقى الأنف قطع من احدى شقيه كما وصفت، وان قطع رجل أنف رجل من العظم فلا قود فى العظم. وان أراد قطعنا له المارن وأعطيناه زيادة حكومة فيما قطع من العظم.
ويقطع أنف الصحيح بأنف الأجذم وان ظهر بأنفه قرح الجذام ما لم
стр. 4801
يسقط أنفه أو شئ منه، وكذلك يده بيده، وان ظهر فيها قرح الجذام ما لم تسقط أصابعها أو بعضها.
وتقطع الأذن بالاذن وأذن الصحيح بأذن الأصم لا فضل بينهما على الآخر لانهما طرفان ليس فيهما سمع. وان قطع بعض الأذن قطعت منه بعض أذنه كما وصفت - ان قطع نصفا أو ثلثا قطع منه نصفا أو ثلثا، وسواء كانت أذنه أكبر أو أصغر من أذن المقطوعة أذنه لأنها طرف وتقطع الاذن الصحيحة التى لا ثقب فيها بالاذن المثقوبة ثقبا لقرط.
واذا قلع رجل سن رجل قد ثغر قلعت سنه، فان كان المقلوعة سنه لم يثغر فلا قود حتى يثغر فيتتام طرح أسنانه ونباتها فاذا تتام ولم تنبت سئل أهل العلم عن الأجل الذى اذا بلغه ولم تنبت سنه لم تنبت فبلغه فاذا بلغناه ولم تنبت أقدناه منه. فاذا بلغناه وقد نبت بعضها أو لم تنبت فلا قود وله من العقل بقدر ما قصر نباتها يقدر ان كانت ثنيه بالثنية التى تليها، فان كانت بلغت نصفها أخذ له بعيران ونصف وان بلغت ثلثها أخذ له ثلث عقل سن.
وان قطع رجل لرجل سنا زائدة أو قطع له أصبعا زائدة أو كانت له زنمة تحت أذنه زائدة فقطعها رجل فسأل القود فلا قود وفيها حكومة.
وان كان للقاطع فى موضع من هذا مثله ففيه القود سنا كان أو غير سن، أو اصبع أو زنمة. وهكذا لو خلقت له أصبع لها طرفان فقطع أحد الطرفين فلا قود وفيها حكومة الا أن يكون له أصبع مثلها فيقاد منه.
وان قطع رجل أصبع رجل ولها طرفان أو أنملة ولها طرفان ولم يخلق للقاطع تلك الحلقة فسأل المقطوع القود فهو له وزيادة حكومة الا أن يكون طرفاها أشلاها فأذهبا منفعتها فلا قود وان كان للقاطع مثلها وليست شلاء أقيد ولا حكومة ولو كانت لأصبع القاطع طرفان وليس ذلك لأصبع المقطوع فلا قود، لأن اصبع القاطع كانت أكبر من أصبع المقطوع (١).
وان كان القصاص على رجل فى جميع أصابع كفه أو بعضها فقال اقطعوا يدى ورضى بذلك المقتص له قيل لا يقطع الا من حيث قطع، ولا أقبل فى هذا اجتماعهما عليه لانه عدوان، واذا قطع الرجل يد الرجل الشلاء ويد القاطع صحيحة فتراضيا بأن يقتص من القاطع فيقطع يده الصحيحة لم أقطع يده الصحيحة برضاه ورضا صاحبه وجعلت عليه حكومة. واذا كانت يد المقطوع الأول صحيحة ويد
стр. 4802
القاطع هى الشلاء، ففى يد المقطوع الأرش لنقص يد القاطع عنها فان رضى المقتص له بأن يقطع ولم يرض ذلك القاطع سألت أهل العلم بالقطع فان قالوا. ان اليد الشلاء اذا قطعت كانت أقرب من التلف على من قطعت منه من يد الصحيح لو قطعته لم أقطعها بحال وان قالوا ليس فيها من التلف الا ما فى يد الصحيح قطعتها ولم التفت الى مشقة القطع على المستقاد منه ولا المستقاد له اذا كان يقدر على أن يؤتى بالقطع لا يزاد عليه. ولو رضى الأشل أن يقطع لم التفت الى رضاه وكان رضاه وسخطه فى ذلك سواء وهذا هكذا فى الاصابع والرجل وغيرهما بما يشل.
واذا قطع الأشل يد الصحيح فسأل الصحيح القود وأرش فضل ما بين اليدين قيل: ان شئت اقتص لك واذا أخترت القصاص فلا أرش وان شئت فلك الأرش ولا قصاص. وانما يكون له أرش وقصاص اذا كان القطع على أطراف تعد فقطع بعضها وبقى بعض كأن يقطع ثلاثة أصابع فوجد له أصبعين ولا يجد له ثالثا فتقطع أصبعين ونجعل فى الثالثة الأرش وان كانت الثلاثة شلاء فسأل أن يقطع ويأخذ له فضل ما بينهما لم يكن ذلك له وقطعت له ان شاء أو أخذ له الأرش (١).
قال الشافعى: واذا كسر الرجل سن الرجل من نصفها سألت أهل العلم فان قالوا نقدر على كسرها من نصفها بلا اتلاف لثنيتها ولا صدع، أقدته وان قالوا لا نقدر على ذلك لم نقده لتفتتها، واذا قلع رجل ظفر رجل فسأل القود قيل لأهل العلم هل تقدرون على قلع ظفره بلا تلف على غيره فان قالوا:
نعم. أقيد، وان قالوا: لا ففى الظفر حكومة وان قطع الرجل أنملة رجل ولا ظفر للمقطوعة أنملته فسأل القصاص لم يكن له وكذلك ان كان ظفرها مقطوعا قطعا لا يثبت لا قليلا ولا كثيرا لنقصها عن أنملة المقتص منه. وما كان فى سن أو ظفر من عوار لا يفسد الظفر وان كان يعيبه. وكان لا يفسد السن بقطع ولا سواد ينقص المنفعة، أو كان أثر قرحة خفيفا كان له القصاص وان كان رجل مقطوع أنملة فقطع رجل أنملته الوسطى والقاطع وافر تلك الأصبع، فسأل المقطوعة أنملته الوسطى القصاص لم يكن له ولا يجوز أن يقطع له الأنملة التى من طرف بوسطى ولا الوسطى فتقطع بأنملته التى قطع من طرف ولم يقطعها.
ولو قطع أنملة خنصر من طرف رجل، وأنملة خنصر الوسطى من آخر من أصبع واحدة فان جاءا معا اقتص منه لأنملة الطرف ثم اقتص منه أنملة الخنصر الوسطى، وان جاء صاحب الوسطى قبل صاحب الطرف قيل
стр. 4803
لا قصاص لك، وقضى له بالدية وان جاء صاحب الطرف فقطع له الطرف فسأل المقضى له بالدية ردها ان كان أخذها أو ابطالها ان كان لم يأخذها ويقطع له أنملة الوسطى قصاصا لم يجب الى ذلك لأنه قد أبطل القصاص وجعل أرشا. وكذلك لو قطع وسط أنمله رجل الوسطى تقضى له بالأرش، ثم انقطع طرف أنملته فسأل القصاص لم يقض له به ولو لم يأت صاحب الوسطى حتى انقطع طرف أنملته أو قطع له بقصاص كان له القصاص (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن الأصل فى القصاص قول الله :
«وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ» وقول رسول الله ﵌ فى حديث أنس وقصة الربيع عمته لما كسرت ثنية جارية وطلبوا العفو فأبوا فقال النبى ﷺ «كتاب الله القصاص» متفق عليه. وأجمعوا على وجوب القصاص فيما دون النفس اذا أمكن لأن ما دون النفس كالنفس فى الحاجة الى حفظه بالقصاص فكان كالنفس فى وجوبه وكل من أقيد بغيره فى النفس أقيد به فيما دونها من حر وعبد لأن من أقيد به فى النفس انما أقيد به لحصول المساواة المعتبرة للقود فوجب أن يقاد به فيما دونها.
فلو قطع مسلم يد مسلم قطعت يده لأنه يقاد به فى النفس ومن لا يجرى القصاص بينهما فى النفس لا يجرى بينهما فى الطرف كالأب مع ابنه وكالحر مع العبد وكالمسلم مع الكافر. فلا تقطع يد الأب بيد ابنه ولا يد الحر بيد العبد ولا يد المسلم بيد الكافر لأنه لا يقاد به فى النفس.
ولا يجب القصاص فيما دون النفس الا بما يوجب القود فى النفس وهو العمد المحض فلا قود فى شبه العمد.
ولا قود فى خطأ. قال فى «المبتدع» اجماعا والآية مخصوصة بهما.
وما دون النفس نوعان. أحدهما الأطراف فتؤخذ العين بالعين اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى ويؤخذ الأنف بالأنف، ويؤخذ الحاجز - وهو وتر الأنف بمثله وتؤخذ الاذن بالاذن، ويؤخذ السن بالسن، والجفن بالجفن، والشفة بمثلها، واليد والرجل واللسان والأصبع، والكتف والمرفق والذكر والخصية والالية وشفر المرأة بمثله لأن المماثلة موجودة
стр. 4804
والقصاص ممكن فوجب الحاقا لغير المنصوص عليه من ذلك بالمنصوص (١).
ويؤخذ الأنف الكبير بالأنف الصغير لمساواته له فى الاسم. ويؤخذ الأنف الأقنى بالافطس والأشم بالأخشم الذى لا شم له، لأن عدم الشم لعلة فى الدماغ ونفس الأنف صحيح فوجب أخذ الاشم به لأنه مثله.
ويؤخذ الأنف الصحيح بالأنف الأجذم لأنه مثله ما لم يسقط عنه شئ الا أن يكون الساقط من أحد جانبيه فيؤخذ من الصحيح مثل ما بقى من الأجذم أو يأخذ أرش ذلك. فلا يشترط لوجوب القصاص التساوى فى الصغر والكبر والصحة والمرض فى العين والأذن ونحوهما - فتقلع عين الشاب بعين الشيخ المريضة، وتقلع عين الكبير بعين الصغير وتقلع العين الصحيحة بعين الأعمش، لأن التفاوت فى الصفة لا يمنع القصاص، لكن ان كان الجانى قلع عينه بأصبعه فلا يجوز للمجنى عليه أن يقتص بأصبعه لأنه لا يمكن المماثلة فيه. ولا تؤخذ العين الصحيحة بالقائمة وهى صحيحة فى موضعها وانما ذهب نورها وابصارها لانتفاء استوائهما فى الصحة، وتؤخذ العين القائمة بالصحيحة، لأنها دون حقه، ولا أرش لها معها لعدم التفاوت.
وتؤخذ أذن السميع بمثلها أى بأذن سميع للمماثلة. وتؤخذ اذن السميع بأذن الأصم لأن العضو صحيح ومقصوده الجمال، وذهاب السمع لعلة فى الرأس لأنه محله وليس بنقص فى الاذن وتؤخذ أذن الأصم بكل واحدة منهما أى من أذن السميع والأصم.
وتؤخذ الاذن الصحيحة بالأذن المثقوبة لأنه ليس بنقص فى الاذن وانما يفعل فى العادة للقرط والتزين به فان كان الثقب فى غير محله أو كانت الاذن مخرومة أخذت بالصحيحة لأنه رضى بدون حقه، ولم تؤخذ الاذن الصحيحة بالمثقوبة فى غير محل الثقب أو بالمخرومة لأنه عيب فتفوت المساواة. ويخير المجنى عليه بين أخذ الدية الا قدر النقص وبين أن يقتص فيما سوى العيب وبتركه من أذن الجانى ويجب له فى قدر النقص حكومة.
وان قطع الجانى بعض اذنه فله أن يقتص من أذن الجانى بقدر ما قطع من أذنه ويقدر ذلك بالاجزاء كالنصف والثلث والربع ولا يؤخذ بالمساحة، لأنه قد يفضى الى أخذ جميع أذن الجانى لصغره ببعض أذن المجنى عليه لكبره. وكذا فى
стр. 4805
الأنف واللسان والشفة (١). والحكم فى السن اذا قلعها ثم أعيدت كالحكم فى الأذن على ما سبق من التفصيل وتؤخذ السن - ربطها بذهب أولا - بالسن لقول الله ﵎ «وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ» تؤخذ الثنية بالثنية، والناب بالناب، والضاحك بالضاحك والضرس بالضرس الأعلى بالأعلى، والأسفل بالأسفل لأن المماثلة موجودة فى ذلك كله ممن أثغر أى سقطت رواضعه ثم نبتت. وان كسر الجانى بعض السن برد من سن الجانى مثله اذا أمن قلعها وسوادها لامكان الاستيفاء بلا حيف، فان لم يأمن ذلك سقط القصاص. فان لم يكن المجنى على سنه أثغر لم يقتص له من الجانى فى الحال لأنه يرجى عوده، ولا قود ولا دية لما رجى عوده من عين كسن أو منفعة كعدو فى مدة يقولها أهل الخبرة لأنه لا يمكن عوده فلا يجب فيه شئ وتسقط المطالبة به فوجب تأخيره. فان عاد مثلها أى السن ونحوها والمنفعة كالعدو فى موضعها على صفتها أى الذاهبة فلا شئ على الجانى لأن المتلف عاد فلم يجب به شئ كما لو قطع شعره وعاد - وان عادت السن مائلة أو متغيره عن صفتها فعليه حكومة لأنه نقص حصل بفعله فوجب عليه ضمانه وان عادت السن قصيرة ضمن ما نقص منها بالحساب.
وان قلع الجانى سنا فاقتص منه ثم عادت سن المجنى عليه فقلعها الجانى فلا شئ عليه لا قصاص ولا دية لأن سن المجنى عليه لما عادت وجب للجانى عليه دية سنه، فلما قلعها وجب على الجانى ديتها للمجنى عليه فقد وجب لكل منهما دية فيتقاصان (٢). ويؤخذ كل من جفن البصير والضرير بالآخر للمساواة وعدم البصر نقص فى غير الجفن.
ويؤخذ جفن البصير بجفن البصير، وجفن الضرير بمثله للمماثلة (٣).
وان قطع الجانى الأصابع الخمس من مفاصله فللمجنى عليه القود لأن القطع من مفصل فأمن الحيف موجود وأن قطع الأصابع من الكوع فله القود من الكوع للماثلة. فان أراد المجنى عليه قطع الاصابع فقط فليس له ذلك لأن للجناية عليه محلا يمكن الاقتصاص منه وهو مفصل الكوع فلا يقتص من غيره لاعتبار المساواة فى المحل حيث لا مانع.
وان قطع الجانى من المرفق فللمجنى عليه القصاص من المرفق لامكان المماثلة، فان أراد القود من الكوع منع لما سبق (٤).
стр. 4806
وان قطع الجانى من الكتف أو خلع عظم المنكب «يقال له مشط الكتف» فله القود اذا لم يخف جائفة بلا نزاع، فان خيف ان اقتص من منكب جائفة فللمجنى عليه أن يقتص من مرفقه لأنه أخذ ما أمكن من حقه. ومتى خالف واقتص مع خشية الحيف من منكب أو نحوه أو اقتص من مأمومة أو جائفة أو من نصف الذراع ونحوه كالساعد والساق أجزأ ولا شئ عليه، لأنه فعل كما فعل به والرجل كاليد فيما تقدم من التفصيل (١).
ولو قطع أنملة رجل عليا وقطع أيضا الأنملة الوسطى من تلك الاصبع من رجل آخر ليس عليا فصاحب الأنملة الوسطى مخير بين أخذ عقل أنملته الآن ولا قصاص له بعد ذلك ولو ذهبت الأنملة العليا لأن أخذ عقلها عفو عن القصاص وبين أن يصير حتى تذهب عليا القاطع بقود أو غيره ثم يقتص من الوسطى لأنه لا يمكن القصاص فى الحال لما فيه من الحيف وأخذ الزيادة على الواجب ولا سبيل الى تأخير حقه حتى تمكن من القصاص لما فيه من الضرر فوجبت الخيرة بين الأمرين، ولا أرش لصاحب الوسطى الآن اذا اختار الصبر حتى تذهب عليا القاطع لأجل الحيلولة بخلاف غصب مال لسد مال مسد مال كما تقدم. وان قطع من قطع أنملة عليا من رجل والوسطى من آخر من اصبع نظيرتها ومن ثالث الأنملة السفلى فللأول أن يقتص من العليا، ثم للثانى أن يقتص من الوسطى، ثم للثالث أن يقتص من السفلى سواء جاءوا معا أو واحد بعد واحد، لأن كلا يستوفى حقه من غير حيف. فان جاء صاحب الوسطى أو صاحب السفلى يطلب القصاص قبل صاحب العليا لم يجب اليه لما فيه من الحيف ويخيران أى صاحب السفلى والوسطى بين أن يرضيا بعقل الأنملتين أو الصبر حتى يقتص الأول ولا أرش لهما.
وان عفا صاحب الأنملة العليا فلا قصاص لهما فى الحال ويخيران كما سبق - وان اقتص صاحب العليا فلصاحب الوسطى الاقتصاص لأنه تمكن من الاستيفاء بغير حيف.
وحكم صاحب السفلى مع صاحب الوسطى هو حكم صاحب الوسطى مع صاحب العليا. فان اقتص من الوسطى جاز لصاحب السفلى أن يقتص والا فلا قصاص ما لم تذهب الوسطى قبل أن يأخذ صاحب السفلى عقلها. فان قطع صاحب الوسطى الوسطى والعليا فعليه دية العليا لأنها زائدة عن حقه ولا قصاص عليه لأن له شبهة فى قطع الوسطى فدرئ لها القصاص تدفع دية العليا الى صاحب العليا أى تدفع الى الجانى ليدفعها لصاحب العليا أو يدفع له الجانى من ماله نظيرها وان قطع صاحب
стр. 4807
الوسطى الأصبع كلها فعليه القصاص فى الأنملة الثالثة السفلى، لأنه لا شبهة له فى قطعها وعليه أرش العليا للأول على ما تقدم وأرش السفلى على الجانى لصاحبها لتعذر القصاص. وان عفا الجانى عن القصاص من السفلى وجب أرشها يدفعه اليه ليدفعه الى المجنى عليه بقطع أنملته السفلى.
وتؤخذ يد أو رجل كاملة الأصابع بيد أو رجل زائدة اصبعا لأن الزيادة عيب ونقص فى المعنى فلم يمنع وجودها القصاص كالسلعة وان تراضيا على أخذ الأصلية بالزائدة أو على عكسه بأخذ الزائدة بالأصلية، أو تراضيا على أخذ خنصر ببنصر أو على أخذ شئ من ذلك المذكور بما يخالف فى الاسم أو الموضع لم يجز، لأن الدماء لا تستباح بالاباحة والبدل فلا يحل لاحد قتل نفسه ولا قطع طرفه ولا يحل لغيره ذلك ببذله أى باباحته له لحق الله ﵎، فان فعلا فقطع يسار جان من له قود فى يمينه بتراضيهما أو عكسه بأن قطع يمين جان من له قود يساره بتراضيهما أجزأت وسقط القود، لأن القود سقط فى الأولى باسقاط صاحبها وفى الثانية باذن صاحبها فى قطعها، وديتها مساوية قال له أبو بكر أو قطعها أى اليسار من له قود اليمين أو العكس متعديا أجزأت ولا قود لانهما متساويتان فى الدية والألم والاسم فتساقطا. ولان ايجاب السقوط يفضى الى قطع يد كل منهما واذهاب منفعة الجنس وكل من القطعين مضمون بسرايته لأنه عدوان أو قطع خنصر ببنصر أجزأت ولا ضمان لما سبق. أو قال المجنى عليه للجانى أخرج يمينه فأخرج يساره عمدا أو خطأ أو ظنا انها تجزى فقطعها أجزأت على كل حال. قال فى الانصاف، وهذا المذهب، ولم يبق قود ولا ضمان كقطع يسار السارق بدل يمينه حتى ولو كان أحدهما أى الجانى والمجنى عليه مجنونا لأنه لا يزيد على التعدى بخلاف ما اذا قطع يد انسان وهو ساكت لأنه لم يوجد منه البذل (١). فلو قطع من له خمس أصابع يد من له أقل من ذلك لم يجز القصاص لأنها فوق حقه.
وهل له أن يقطع من أصابع الجانى بعدد أصابعه؟ فيه وجهان.
ولا تؤخذ يد أو رجل ذات أظفار بما لا أظفار لها لزيادتها على حقه ولا بناقصة الاظفار حتى الجانى بذلك أولا لما تقدم من أن الدماء لا تستباح بالاباحة. فلو قطع من له خمس أصابع يد من له أربع أصابع فأقل، أو قطع من له أربع يد من له ثلاث أصابع فأقل فلا قصاص لعدم المساواة، أو قطع ذو اليد الكاملة يدا فيها اصبع
стр. 4808
شلاء فلا قصاص لعدم المساواة.
وان كانت المقطوعة من يد أو رجل ذات أظفار. الا أنها أى الاظفار - خضراء مستحشفة ورديئة - أخذت بها السليمة كما يؤخذ الصحيح بالمريض.
ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس لنقصه، ولا يؤخذ ذكر صحيح بأشل ولا ذكر فحل بذكر خصى أو عنين لأنه لا نفع فيها ولأن الخصى لا يولد له ولا ينزل ولا يكاد العنين أن يقدر على الوط ء فهما كالاشل. ويؤخذ مارن الأشم الصحيح بمارن الأخشم الذى لا يجد رائحة شئ لعدم الشم لعلة فى الدماغ ونفس الانف صحيح فوجب أخذ الأخشم به لانه مثله. ولا يؤخذ مارن الصحيح المجذوم وهو المقطوع وتر أنفه بالمستحشف وهو الردئ، لأن ذلك مرض ولأنه لا يقوم مقام الصحيح. وتؤخذ أذن سميع صحيحة بأذن أصم شلاء لأن العضو صحيح ومقصوده الجمال لا السمع وذهاب السمع لنقص فى الرأس لأنه محله وليس بنقص فى الاذن. ويؤخذ معيب من ذلك المذكور كله بصحيح لأنه رضى بدون حقه كما رضى المسلم بالقود من الذمى. والحر من العبد، ويؤخذ معيب من ذلك كله بمثله لحصول المساواة فتؤخذ الشلاء من يد أو نحوها بالشلاء اذ أمن من قطع الشلاء التلف بأن يسأل أهل الخبرة فان قالوا: انها اذا قطعت لم تفسد العروق ولم يدخل الهواء أجيب الى ذلك وان قالوا: يدخل الهواء فى البدن فيفسد سقط القصاص.
وتؤخذ الناقصة بالناقصة اذا تساوتا فى النقص بأن يكون المقطوع من يد الجانى كالمقطوع من يد المجنى عليه لحصول المماثلة فان اختلفا فى النقص فكان المقطوع من يد أحدهما الابهام والمقطوع من الأخرى أصبع غيرها كالسبابة لم يجز القصاص لعدم المساواة ولا يجب له أى المجنى عليه اذا أخذ المعيب بالصحيح وأخذ الناقص بالزائد مع ذلك الأخذ أرش لأن الاشل كالصحيح فى الخلقة وانما نقص فى الصفة ولأن الفعل الواحد لا يوجب مالا وقودا وان اختلفا. أى الجانى وولى الجناية.
فى شلل العضو وصحته بأن قال الجانى كان أشل، وأنكره ولى الجناية فالقول قول ولى الجناية مع يمينه. وكذا لو اختلفا فى نقص العضو بغير شلل لأن الظاهر السلامة وظفر كسن فى انقلاع وفى عود على ما سبق تفصيله.
وان قطع الجانى بعض لسان. أو بعض شفة أو بعض حشفة أو بعض ذكر.
أو بعض أذن. قدر بالاجزاء كنصف وثلث وربع وأخذ منه مثل ذلك لقول الله ﵎: «وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ» ولأنه يؤخذ جميعه بجميعه فأخذ بعضه ببعضه ولا يؤخذ بالمساحة لئلا يفضى الى أخذ جميع عضو الجانى ببعض عضو المجنى عليه (١).
стр. 4809
وجاء فى كشاف القناع أيضا أنه انما يقتص فى كل جرح ينتهى الى عظم كالموضحة فى الوجه والرأس وجرح العضد والساعد والفخذ والساق والقدم لانه يمكن استيفاؤه من غير حيف ولا زيادة لانتهائه الى عظم أشبه قطع الكف من الكوع ولأن الله نص على القصاص فى الجروح فلو لم يجب فى كل جرح ينتهى الى عظم. سقط حكم الآية ولا يستوفى القصاص فى الجروح فلو لم يجب فى كل جرح ينتهى الى عظم سقط حكم الآية ولا يستوفى القصاص فيما دون النفس بالسيف خوف التعدى ولا يستوفى بآلة يخشى منها الزيادة لانها عدوان وسواء كان الجرح بها أى بالآلة التى يخشى منها الزيادة أو بغيرها لحديث إن الله كتب الإحسان على كل شئ فان كان الجرح موضحة أو ما أشبهها وأنه يستوفى بالموسى أو حديدة ماضية معدة لذلك لا يخشى منه الزيادة ولا يستوفى ذلك الا من له علم بذلك كالجرائحى ومن أشبه ممن له خبرة بذلك. فان لم يكن للولى علم بذلك أمر بالاستنابه لأنه أحد نوعى القصاص كالنفس. ولا يقتص فى غير جرح ينتهى الى عظم من الشجاج والجروح كما دون الموضحة كالباضعة أو أعظم منها أى الموضحة كالهاشمة والمنقلة والمأمومة وأم الدماغ لأنه ليس له حد ينتهى اليه، ولا يمكن الاستيفاء من غير حيف.
وله أن يقتص فيهن أى فى الهاشمة وما بعدها موضحة لأنه يقتص على بعض حقه ويقتص من محل جنايته فانه انما وضع السكين فى موضع وضعها الجانى فيه لأن سكين الجانى وصلت العظم ثم تجاوزته بخلاف قاطع الساعد، فانه لا يضع سكينه فى الكوع، ويجب له اذا اقتص موضحة والجناية فوقها ما بين دية الموضحة ودية تلك الشجة لأنه تعذر فيه القصاص فوجب الأرش كما لو تعذر فى جميعها (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: وحواشيه:
أنه اذا قطعت الأنف من المارن فهو معلوم القدر مأمون التعدى فى الغالب فيجب القصاص حينئذ وكذلك يؤخذ المنخر بالمنخر والروثة بالروثة والوتيرة بالوتيرة.
ومن قطع المارن والقصبة قطع مارنه وسلم أرش القصبة ومن قطع بعض مارن غيره قدر وقطع بقدره من نصف أو ثلث أو ربع ولا يقدر بالمساحة ولا عبرة بالطول والعرض وكذلك الاذن وان لم تكن ذات مفصل فهى معلومة القدر مأمونة التعدى فى الغالب فيؤخذ الاذن بالاذن وان اختلفا صغرا وكبرا صحة وصمما اذا كان السمع لا ينقص بالقطع والمثقوبة بالصحيحة والعكس
стр. 4810
فان أخذ بعضها أخذ مثله مقدرا.
واللسان والذكر من الأصل حكمهما حكم الأنف والأذن فى وجوب القصاص وكذا يقتص ببعض اللسان والذكر. وقال مولانا ﵇: فى أخذ الذكر بالذكر نظر اذ لا يؤمن على النفس اذا قطع من أصله بخلاف اليد ونحوها ولهذا أشرنا الى ضعف جعل اللسان والذكر كالأذن لقولنا: قيل ولا يجب القصاص فيما عدا ذلك.
أى فيما عدا النفس والموضحة ومعلوم القدر مأمون التعدى (١).
وجاء فى شرح الأزهار: أنه من أذهب أحد عضوين أخوين وجب أن يأخذ به نظير ذلك العضو فيجب فى العضو الأيمن من المجنى عليه الأيمن من الجانى نحو العين اليمنى بالعين اليمنى لا اليسرى وكذلك الاذنان ونحو ذلك اذا كان أحد العضوين أسفل والآخر أعلى كالشفتين فانه يؤخذ بالسفلى مثلها وبالعليا مثلها فان قطع اليمنى ويمين الجانى شلاء أن له قطع الشلاء ما لم يخش سرايتها الى نفس الجانى فان خشى موته فلا.
قال الامام يحيى: ويرجع فى ذلك الى عدلين من أهل الخبرة بالجرائح لأنه لا يؤمن أن تبقى أفواه العروق مفتوحة لا تنحسم فتدخل الريح فيها فيخشى على نفسه وكان فيه أخذ نفس بيد وذلك لا يجوز. وكذا لو كانت يد الجانى زائدة أصبعا أو نقصت.
وقد أشار الامام يحيى بقوله: أنه يقتص ويأخذ أرش ما نقص، فاذا قطع يدا كاملة وليده أصبعان قطعت ووفى المجنى عليه أرش ثلاث أصابع ونحو ذلك فان تعذر أخذ المثل بأن لا يكون للجانى على عضو عضو يماثله نحو أن يقلع أعور ذاهبة عينه اليمنى عينا يمنى فان القصاص هنا متعذر لعدم تماثل العضوين وهكذا فى اليدين ونحوهما فان لم يوجد المثل فالدية لذلك العضو (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أنه لا قصاص الا بالحديد لقوله ﷺ : «لا قود الا بحديد» فيقاس الجرح طولا وعرضا بخيط وشبهه ويعلم طرفاه فى موضع الاقتصاص ثم يشق من احدى العلامتين الى الأخرى ولا تجوز الزيادة. فان اتفقت عمدا اقتص من المستوفى أو أخطأ فالدية. ويرجع الى قوله فيهما بيمينه. أو لاضطراب المستوفى منه
стр. 4811
فلا شئ لاستنادها الى تفريطه. وينبغى ربطه على خشبة أو نحوها لئلا يضطرب حالة الاستيفاء. ويؤخر قصاص الطرف من الحر والبرد الى اعتدال النهار حذرا من السراية. ويثبت القصاص فى العين للآية ولو كان الجانى بعين واحدة والمجنى عليه باثنتين قلعت عين الجانى وان استلزم عماه فان الحق أعماه ولا طلاق قول الله تعالى «وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» ولا رد.
ولو انعكس بأن قلع عينه أى عين ذى العين الواحدة. رجل صحيح العينين فأذهب بصره اقتص له بعين واحدة لأن ذلك هو للمماثل للجناية وقال ابن الحفيد والشيخ فى أحد قوليه وجماعة وله مع القصاص على ذى العينين نصف الدية لأنه أذهب بصره أجمع وفيه الدية وقد استوفى منه نصف الدية وهو العين الواحدة فيبقى له النصف.
وروى محمد بن قيس عن الباقر قال:
قضى أمير المؤمنين على رضى الله عنه فى رجل أعور أصيبت عينه الصحيحة ففقئت أن يفقأ احدى عينى صاحبه ويعقل له نصف الدية وان شاء أخذ دية كاملة ويعفو عن صاحبه.
وروى مثلها عبد الله بن الحكم عن الصادق ولو ذهب ضوء العين مع سلامة قيل: فى طريق الاقتصاص منه باذهاب بصرها مع بقاء حدقتها: طرح على أجفان الجانى قطن مبلول، وتقابل بمرآة محماة مواجهة الشمس بأن يفتح عينيه ويكلف النظر اليها حتى يذهب الضوء من عينه وتبقى الحدقة.
والقول فى استيفائه على هذا الوجه هو المشهور بين الأصحاب، ومستنده ما روى أن عليا كرم الله وجهه فعل ذلك فيمن لطم عين غيره فأنزل فيها الماء وأذهب بصرها. ويجوز الاقتصاص بما يحصل به الغرض من اذهاب البصر وابقاء الحدقة بأى وجه اتفق.
ويثبت القصاص فى الشعر أن أمكن الاستيفاء المماثل للجناية بأن يستوفى ما ينبت على وجه ينبت وما لا ينبت كذلك على وجه لا يتعدى الى افساد البشرة ولا الشعر زيادة عن الجناية. وهذا أمر بعيد ومن ثم منعه جماعة وتوقف آخرون (١).
ويقطع ذكر الشاب بذكر الشيخ وذكر المختون بالأغلف، والفحل بمسلول الخصيتين لثبوت أصل المماثلة وعدم اعتبار زيادة المنفعة ونقصانها.
وتقطع يد القوى بيد الضعيف، وعين الصحيح بالأعشى، ولسان الفصيح بغيره.
ولا يقطع الصحيح بالعنين ويثبت فى العكس وفى الخصيتين وفى احداهما القصاص ان لم يخف بقطع الواحد ذهاب منفعة
стр. 4812
الأخرى فان خيف فالدية ولا فرق فى جواز الاقتصاص فيهما بين كون الذكر صحيحا وعدمه لثبوت أصل المماثلة.
وتقطع الأذن الصحيحة بالصماء لأن السمع منفعة أخرى خارجة عن نفس الأذن فليس الأمر كالذكر الصحيح والعنين حتى لو قطع أذنه فان زال سمعه فهما جنايتان.
ولا تؤخذ الأذن الصحيحة بالمخرومة بل يقتص الى حد الخرم ويؤخذ حكومة الباقى أما الثقب فليس بمانع.
وتقطع الأنف الشام بالأخشم، لأن منفعته خارجة عن الأنف والخلل فى الدماغ لا فيه. وكذا يستوى الأقنى والأفطس والكبير والصغير وأحد المنخرين بصاحبه المماثل له فى اليمين واليسار كما يعتبر ذلك فى نحوهما من الأذنين واليدين، وكما يثبت فى جميعه فكذا فى بعضه، لكن ينسب المقطوع الى أصله. ويؤخذ من الجانى بحسابه لئلا يستوعب بالبعض أنف الصغير فالنصف بالنصف والثلث بالثلث وهكذا (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه لا قصاص فى كتمان فى النفس وما دون النفس بل الأرش والدية فى الكتمان وخص القصاص فى النفس وما دونها فى الكتمان والظهور.
وقيل لا يجوز فيما دون النفس ويجوز فى النفس.
وقيل يجوز مع السلطان فقط ولو جائرا وهو المختار لأنه ملك البلاد.
وفى الأثر: من أخذ القصاص فى زمان الكتمان هلك وان مات بذلك ضمن دية الذى أخذ منه القصاص وان كان وارثا فلا يرثه. وهكذا لا يرثه وان اقتص منه فى الظهور فهذا قول، وذلك قول، ولعله أراد هنا بالقصاص ما دون النفس جريا على منع القصاص فيه الا فى الظهور وبمحل قدر فيه على القصاص بلا زيادة ولا نقص أى يتم القصاص بحيث يتمكن من المماثلة فيه بحيث لا يكون مظنة للزيادة، والنقص كمفصل، فقد يمكن من غير مفصل مثل أن يقطع رجله فيفصلها من الساق فان الفصل سهل ممكن لا يخشى عليه من الزيادة، وان نقص زاد حتى تفصل وهذا غير معتاد.
قال ابن محبوب: لا قصاص فى القطع فى العظام من غير مفصل، كالقصاص بالاذن والعين وقلع السن لا قطعها (٢).
стр. 4813
ولو قطع رجل يد آخر من فوق المفصل لاقتص منه بقطعها من المفصل وأخذ الفضل دية وان شاء أخذ الدية.
ووجه أخذ الفضل دية. عند صاحب شرح النيل: أن ينظر كم يكون ما لم يقطعه، فان كان نصفا فله نصف دية اليد، وان ثلثا فله ثلثها.
وقال المصنف كغيره: للباقى ثلث الدية. وان اقتصر على الدية فدية يد لا غير لأن القطع بمرة وان قطعها من فوق الرسغ (مارق من اليد) وما فوقه أخص مما فوق المفصل خير فى الاقتصاص من الرسغ مع أخذ دية الباقى وبين الاقتصار على أخذ الدية.
ولو قطع رجل يد آخر من فوقه الى جهة الأصابع واذ اقتص فلما بقى فى اليد من عند الرسغ اذا قطعت لمنتهاها من الكتف ثلث ديتها فان قطع قاطع منها كان لما قطع ثلثها بحساب ما قطع وما بقى، فان كان ما قطع بعد القطع المذكور نصفا والباقى نصفا فله نصف الثلث وان كان ثلثا فثلث الثلث (١).
وان قطع رجل يمنى آخر وللقاطع يسراه فقط فان خلق بها فقط أو زالت يمناه قبل لزومه الأرش وهو دية اليد فلا قصاص لأنها المماثلة ولم تكن هنا لأنه لا يمنى للجانى لا يقبل منه لا سم القصاص الرضا بقطع يده اليسرى كعكسه. وان قطع اليمنى وكان بها فقط خير المقطوع فى دية يده وفى القطع ورد نصف الدية ان لم يكن القاطع أخذ للأولى الذاهبة، وان قطع أصبعا أو راجية وليست للقاطع فالدية (٢).
ولا يضر تخالف بصغر وكبر أو عمش بعين أو غيره أى غير العين من الأعضاء كأذن وأنف بين جان ومقتص منه فتقلع العين الكبيرة بالصغيرة والعكس ومن له عين واحدة فنزع لذى عينين عينا واحدة لم تنزع واحدته ويترك أعمى لأن واحدته كاثنتين فى غيره، ولكن له دية عينه وقيل دية كاملة. وينزع ذو العين الواحدة لذى العينين واحدة، العين اليمنى ان كانت المنزوعة اليمنى واليسرى ان كانت اليسرى لا هما معا (٣).
ومن نزع لرجل عينين أخذ له واحدة بالقلع قصاصا ودية الأخرى أو أخذ ديتهما معا ولا يجب أن ينزعهما معا، وقيل يجب وهو أولى لأن فى ذلك تمام القصاص وان نزع ذو العينين عينى رجلين، أى عين رجل وعين رجل آخر فلهما عليه نزع عين واحدة ان شاءا أن ينزعاها نزعاها وحدها سواء كانت يمنى أو يسرى ان نزع من أحدهما يمناه ومن الآخر يسراه. وان نزع
стр. 4814
منهما جميعا اليمنى أو: اليسرى نزعا منه ما نزع منهما، وعلى كل حال لا يجب أن ينزعا عينيه كليتهما وقيل:
لهما أن ينزعا عينيه كليتهما. وان أراد كل منهما دية عينه فله. وأن أراد أحدهما النزع والآخر الدية جاز لهما. وان تسابقا الى النزع فنزع السابق، أو الى الامام أو قاضية فأمر له به، وان نزع بلا سبق اليهم لم يضمن فللسابق نزع العين وللآخر الدية وكذا غير العين من الأعضاء كالأذنين من الأعضاء المتعددة والمتحدة فى جميع المسائل المتقدمة أن تكون له يد واحدة، فينزع لذى اليدين يدا واحدة فانه لا ينزع واحدته ويترك بلا يد، وينزع له واحدة فى عكسه، وهكذا ومثل أن يقطع ذكرى رجلين فلهما نزع ذكره وهكذا. وما قطع لا من مفصل لزم القطع به فيه وفيما زاد النظر.
وقيل: لا شئ فيه. وكذا القطع من مرفق أو ركبة يقطع منهما من قطع غيره منهما وان زاد قطع منهما.
وفى الزائد النظر.
وقيل: لا شئ فى الزائد.
وقيل ان قطع انسان انسانا من مرفق أو ركبة فانه يقطع منه بهما، اليد والرجل من الرسغ والكعب والركبة.
وقيل لا يؤخذ شئ فى الحكم بعد القطع من الرسغ ومن الكعب ولا وجه لهذا القول.
نعم ان فعل ذلك المجنى عليه يقال له لا شئ لك لأنك اخترت القصاص ولم تف به فمالك الا ما فعلت، اذ لا تؤلمه مرتين، ولا دية لك فى الزائد لأنك اخترت القصاص (١).
وان جرح قاطع يد رجل فى يده بعد قطعة وذلك الجرح فى محل القطع أو بها قرح فى محل القطع كره قطعها حتى تبرأ.
ولا يقطع عضو أو يقلع بوقت يتولد فيه من قطعه موت أو بطلان كالسمائم (٢).
ويقتص بشفرة حادة ولو كان الأول بكليلة، وان وجد تلك الآلة الكليلة قطع بها أو بالحادة. ويأخذ القصاص من وكله الامام أو القاضى عليه. ويداوى المقتص منه نفسه حذرا من هلاكه أو يداويه وليه أو غيره. ومن فقئت عينه أو قلعت فأراد قصاصا جعل المقتص على وجه المقتص منه مانعا من حرارة النار كقطن أو عجين ويلف غير التى تنزع بالقلع أو الفقء ثم يحمى مرآة هندية ثم
стр. 4815
يمسكها مقابلها حتى تسيل. وتنشر سن بمبرد فى قصاص بسن منكسرة حتى تساوى السن المقتص به أو حتى تساوى اللثة.
ويرى صاحب شرح النيل أنه لا يحسن شئ من ذلك اذ لا تقوى السن على مرور المبرد عليها بل ذلك يؤدى الى افساد السن كلها أو قطعها والواجب دية السن.
وقد اختلف فى قطع الأعضاء.
قيل يقتص منه. وقيل لا.
وقيل: ان كان من المفصل يقتص منه وان كان من غيرها فلا يقتص.
وقال بعض الشيوخ: هذا الخلاف راجع الى خوف التلف وعدم الخوف.
وينتظر مجروح أراد قصاص جرحه سنة حتى يتجسم وان تجسم قبل تمامها اقتص وان تمت ولم يتجسم فله أن يقتص. وان اقتص على الفور ولم ينتظر كذلك سنة فقام اليه جرحه بعد فكان منه بطلان أو هلاك لم يدرك أرش ذلك وقيل لا يقتص ما لم يتجسم. ولو تمت السنة لعموم ظاهر ما رواه عمر ابن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلا طعن رجلا بقرن فى ركبته فجاء النبى صلّى الله عليه فقال: أقدنى.
فقال النبى ﷺ :
«حتى تبرأ ثم جاء اليه فقال أقدنى فأقاده ثم جاء اليه فقال: يا رسول الله: عرجت. فقال الرسول ﷺ : نهيتك فعصيتنى فأبعدك الله ويطيل عرجك» ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ. ولا قصاص بعد طلب دية العضو أو الجرح. وفى طلب المال هل يمنع القصاص خلاف (١).
الديات والحكومات فى الأطراف
أولا: دية الأنف:
مذهب الحنفية:
جاء فى الكفاية أن الأصل فى الأطراف أنه اذا فوت جنس منفعة على الكمال أو أزال جمالا مقصودا فى الآدمى على الكمال يجب كل الدية لاتلافه النفس من وجه وهو ملحق بالاتلاف من كل وجه تعظيما للآدمى أصله قضاء رسول الله ﷺ بالدية كلها فى اللسان والأنف. ففى الأنف الدية لأنه أزال الجمال على الكمال وهو مقصود وكذا اذا قطع المارن أو الأرنبة ولو قطع المارن مع القصبة لا يزاد على دية واحدة (٢) لأنه عضو
стр. 4816
واحد. وتجب الدية بفوات الشم بقول المجنى عليه اذا صدقه الجانى أو استحلف فنكل وطريقة معرفة ذهاب الشم أن يوضع بين يدى المجنى عليه ما له رائحة كريهة فان تنفر عن ذلك، علم أنه لم يذهب شمه (١).
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة الكبرى: أن فى الأنف الدية كاملة اذا قطع من العظم، وهو تفسير المارن أو قطع من أصله، فذلك سواء فيه الدية كاملة بمنزلة رجل قطع حشفة رجل ففيها الدية كاملة، وان قطع ذكر رجل ففيه الدية كاملة، فدية الحشفة ودية الذكر كله سواء، وكذلك المارن والأنف اذا قطع من أصله فذلك فى الدية سواء وان خرم أنفه فيرى الامام مالك أن فى كل نافذة فى عضو من الأعضاء اذا برئ وعاد لهيئته من غير عثل فلا شئ فيه. لا حكومة ولا غير ذلك وان برئ على المثل ففيه الاجتهاد وهو رأى ابن القاسم. وما قطع من الأنف يحسب بحساب ما ذهب منه من المارن (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى الأم: أنه فيما قطع من المارن الدية بحساب المارن ان قطع نصفه ففيه النصف أو ثلثه ففيه الثلث. ويحسب بقياس مارن الأنف نفسه ولا تفضل واحدة من صفحتيه على واحدة ولا روثته على شئ لو قطع من مؤخره ولا الحاجز من منخرية على ما سواه. وان كان أو عبت الروثه الا الحاجز كان فيما أو عبت سوى الحاجز من الدية بحساب ما ذهب منه - واذا شق فى الأنف شق ثم التأم ففيه حكومة فاذا شق فلم يلتئم فتبين انفراجه أعطى من دية المارن بقدر ما ذهب منه وحكومة ان لم يذهب منه شئ. وقد روى عن النبى ﷺ أن فى الأنف اذا قطع المارن مائة من الابل. والأنف هو المارن لأنه غضروف يقدر على قطعه بلا قطع لغيره، وأما العظم فلا يقدر على قطعه الا بمؤنة وضرر على غيره من قطع أو كسر أو ألم شديد واذا قطع المارن فأبين فأعاده المجنى عليه أو غيره فالتأم ففيه عقل تام كما يكون لو لم يعد ولو لم يلتئم. ولو قطعت منه قطعة فلم توعب وتدلت فأعيدت فالتئمت كان فيها حكومة، لأنها لم تجدع انما الجدع القطع. واذا ضرب الأنف فاستحشف حتى لا يتحرك غضروفه ولا الحاجز بين منخريه ولا يلتقى منخراه ففيه حكومة لا أرش تام. ولو كانت الجناية عليه فى هذا عمدا لم يكن فيه قود، ولو خلق هكذا أو جنى عليه فصار هكذا ثم قطع كانت فيه حكومة أو أكثر من حكومة اذا استحشف وما أصابه من هذا الاستحشاف وبقى بعضه دون
стр. 4817
بعض ففيه حكومة بقدر ما أصابه من الاستحشاف ولم يجعل استحشافه كشلل اليد لأن فى اليد منفعة تعمل وليس فى الأنف أكثر من الجمال أو سد موضعه، وأنه مجرى لما يخرج من الرأس ويدخل فيه، فكل ذلك قائم فيه وان كان قد نقص الانضمام أن يكون عونا على ما يدخل الرأس من الصعوط، ولم يجز أن يجعل فيه اذا استحشف ثم قطع الدية كاملة وقد جعل فى استحشافه حكومة وهو ناقص كما وصف (١).
واذا كسر الأنف ثم جبر ففيه حكومة ولو جبر أعوج كانت فيه الحكومة بقدر عيب العوج. ولو ضرب الأنف فلم يكسر لم يكن فيه حكومة لأنه ليس بجرح ولا كسر عظم. ولو كسر الأنف أو لم يكسر فانقطع عن المجنى عليه أن يشم ريح شئ بحال، فقد قيل:
فيه الدية. ومن قال هذا قاله:
لو جدع وذهب عنه الشم فجعل فيه الدية وفى الجدع الدية.
وان كان قد ذهب الشم عنه فى وقت الألم ثم يعود اليه بعد فانه ينتظر حتى يأتى ذلك الوقت. فان مات قبله أعطى ورثته الدية.
وان جاء وقال: لا أشم شيئا أعطى الدية بعد أن يحلف ما يجد رائحة شئ بحال.
وان قال: أجد ريحة ما اشتدت رائحته وجدت ولا أجد ريح ما لا نت رائحته وكنت أجدها فان كان يعلم لذلك قدر جعل فيه بقدره، وان كان لا يعلم له قدر ففيه حكومة بقدر ما يصف منه ويحلف فيه كله وان قضى له بالدية ثم أقر أنه يجد رائحة قضى عليه برد الدية وان مر بريح مكروهة فوضع يده على أنفه فقيل قد وجد الرائحة ولم يقر بأنه وجدها لم يرد الدية من قبل أنه قد يضع يده على أنفه ولم يجد شيئا من الريح ويضعها حاكا له ومستمخطا وعبثا ومحدثا نفسه ومن غبار أو غيره (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن فى مارن الأنف وهو مالان منه دون القصبة ولو من أخشم الدية لأن الشم ليس فى الأنف وان قطع الجانى المارن وشيئا من القصبة فعليه دية واحدة ويندرج ما قطع من القصبة فى دية الأنف كما لو قطع اليدين مما فوق الكوع وفى كل واحد من المنخرين
стр. 4818
والحاجز بينهما ثلث الدية لأن الأنف يشتمل على هذه الثلاثة.
وفى قطع أحد المنخرين مع نصف الحاجز نصف الدية ولأنه قطع نصف الأنف وفى قطع أحد المنخرين مع كل الحاجز ثلثا الدية.
وفى الشم الدية كما فى كتاب عمرو ابن حزم. وفى ذهاب الشم من أحد المنخرين نصف الدية وفى بعضه حكومة اذا لم يعلم قدره، وان نقص الشم من أحد المنخرين قدر النقص بما يقدر به نقص السمع من احدى الأذنين.
وان قطع الجانى أنف المجنى عليه فذهب شمه فديتان لأن الشم ليس فى الأنف فلا تندرج ديته فيه. وان قطع مع الأنف اللحم الذى تحته ففى اللحم حكومة لأنه غير الأنف ولا مقدر فيه كقطع الذكر واللحم الذى تحته وان ضرب الجانى الأنف فأشله أو عوجه أو غير لونه فحكومة لأن نفع الأنف باق مع الشلل بخلاف اليد فان نفعها قد زال ونفع الأنف جمع الرائحة ومنع وصول شئ الى دماغه وفى قطع الأنف الا جلدة بقى معلقا بها فلم يلتحم واحتيج الى قطعه ففيه ديته لأن بقاءه اذن كعدمه وان رده فالتحم أو أبانه فرده فالتحم فحكومة لنقصه (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٢): أنه ليس فى الأنف الا القود فى العمد أو المفاداة ولا شئ فى الخطأ لقول الله ﵎: «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. (٣)
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أنه تجب الدية فى الأنف واللسان والذكر اذا قطعت من الأصل - أما الأنف ففيه الدية ولو من أخشم لجماله فان قطع من أصله فلا خلاف أنه تجب فيه الدية، وذلك بأن يقطع من أصل العظم المنحدر من الحاجبين.
وان قطع من المارن فالذى حكى فى «الكافى» وشرح الابانه عن الهادى أن الدية لا تجب، والذى صححه للناصر ورواه عن الفقهاء أيضا انها تجب فيه الدية (٤).
стр. 4819
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أن فى الأنف الدية سواء قطع مستأصلا أو قطع مارنه خاصة. وقيل ان الدية فى مارنه خاصة دون القصبة حتى لو قطع المارن والقصبة معا فعلية دية وحكومة للزائد وهو أقوى. ولو قطع بعضه فبحسابه من المارن.
وكذا لو كسر ففسد، ولو جبر على صحة فمائة دينار وعلى غير صحة مائة وزيادة حكومة. وفى شلله وهو فساده ثلثا ديته صحيحا. وفى قطعه أشل الثلث، وفى روثته الثلث.
وفى كل منخر ثلث الدية على الأشهر لأن الأنف الموجب للدية يشتمل على حاجز ومنخرين وقيل النصف لأنه ذهب نصف المنفعة ونصف الجمال (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه يجب الدية كاملة فى كل ما كان واحدا من أطراف الانسان فتجب الدية فى مارن الأنف، وما كان دون ذلك فبحسابه. وقيل لأرنبة الأنف بحسب ما ذهب (٢).
وروى عن ابن محبوب أنه جاء فى الأثر: ان كسر قبل أنف فأدمى فبعير.
وان أدمى أحد منخريه أى مع الكسر للعظم المذكور فنصف بعير، ان نخشا المنخران جميعا فدية الانسان التامة، ولنخش أحدهما نصفها أى نصف دية الانسان التامة وان قطع مارن الأنف للقصبة فدية تامة، وان قطع بعضه فبحساب الذاهب، فلو قطعت ورقة الى القصبة لكان لها نصف الدية، قيل وللباقى ثلث الدية، وللأرنبة حساب الذاهب والباقى أى يعتبر ما يكون الذاهب من جهة الأنف الى القصبة فان كان ثلثا فثلث الدية، وان كان أقل أو أكثر فبحسابه أيضا وقيل للأرنبة نصف التامة. ولنافذة منخريه الثلث بدون أن تنفذ الورقة، ولها ثلث الثلث أن نفذت فى احدى الورقتين.
فان نفذت ضربة الضارب أو مثل الضربة الثقبتين والحاجز فثلث دية الأنف ولا حداهما الحاجز ثلثه أى ثلث الثلث روى ذلك عن ابن محبوب.
وفى الأثر: ومارنة الأنف ان قطعت وحدها نصف التامة. ومن ضرب رجلا فمالت أنفه أو حدبت أو حولت عينه فعليه السوم.
وقيل فى الوتيرة ثلث الدية (٣)
стр. 4820
ثانيا: دية اللسان
مذهب الحنفية:
جاء فى الكفاية أن فى اللسان الدية وذلك لفوات منفعة مقصودة وهى النطق، وكذا فى قطع بعضه اذا منع الكلام لتفويت منفعة مقصودة وان كانت الآلة قائمة. ولو قدر على الكلام ببعض الحروف قيل: تقسم على عدد الحروف وقيل على عدد الحروف التى تتعلق باللسان فبقدر ما لا يقدر على نطقه تجب. وقيل أن قدر على أداء أكثر الحروف تجب حكومة عدل لحصول الافهام مع الاختلال. وان عجز عن أداء الأكثر يجب كل الدية لأن الظاهر أنه لا تحصل منفعة الكلام (١).
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة الكبرى أن فى اللسان ما منع منه الكلام دية كاملة فان قطع اللسان من أصله فانما فيه دية واحدة ودية اللسان فى الكلام ليس فى اللسان بمنزلة الأذنين انما الدية فى السمع وليس فى الأذنين فكذلك اللسان انما تكون الدية فيه اذا قطع منه ما يمنع الكلام.
فان قطع من اللسان ما نقص من حروفه ينظر فيه، فيكون عليه من الدية بقدر ما نقص من كلامه لأن الحروف بعضها أثقل من بعض فيكون عليه ما نقص (٢). وفى لسان الأخرس الاجتهاد (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى الأم: أنه اذا قطع اللسان قطعا لا قود فيه خطأ ففيه الدية، وهو فى معنى الأنف ومعنى ما قضى النبى ﷺ فيه بدية من تمام خلقة المرء وأنه ليس فى المرء منه الا واحد. واللسان مخالف للأنف فى معان منها. أنه المعبر عما فى القلب، وان أكثر منفعته ذلك التعبير، وان كانت فيه المنفعة بمعونته على أمرار الطعام والشراب. واذا جنى على اللسان فذهب الكلام من قطع أو غير قطع ففيه الدية تامة بغير اختلاف.
واذا قطع من اللسان شئ لا يذهب الكلام قيس، ثم كان فيما قطع منه بقدره من اللسان فان قطع خديه من اللسان تكون ربع اللسان فذهب من كلامه قدر ربع الكلام ففيه ربع الدية وان ذهب أقل من ربع الكلام ففيه ربع الدية وان ذهب نصف كلامه ففيه نصف
стр. 4821
الدية يجعل عليه الأكثر من قياس ما أذهب من كلامه أو لسانه .. واذا ذهب بعض كلام الرجل. اعتبر عليه بأصول الحروف من التهجى، فان نطق بنصف التهجى ولم ينطق بنصفه فله نصف الدية، وكذلك ما نطق به مما زاد أو نقص على النصف ففيه الدية بحسابه (١).
فان خلق للسان طرفان فقطع رجل أحد طرفيه، فان أذهب الكلام ففيه الدية، وان ذهب بعضه ففيه من الدية بحساب ما ذهب منه.
وان أذهب الكلام أو بعضه فأخذت له الدية ثم نطق بعدها رد ما أخذ له من الدية. وان نطق ببعض الكلام الذى ذهب ولم ينطق ببعض رد من الدية بقدر ما نطق به من الكلام.
وان قطع أحد الطرفين ولم يذهب من الكلام شئ، فان كان الطرفان مستويى المخرج من حيث افترقا كان فيه الدية بقياس اللسان ربعا كان أو أقل أو أكثر، فان كان المقطوع زائدا عن حد مخرج اللسان ولم يذهب من الكلام شئ ففيه حكومة، وان كانت الحكومة أكثر من قدره من قياس اللسان لم يبلغ بحكومته قدر قياس اللسان وان قطع الطرفان جميعا وذهب الكلام ففيه الدية وان كان أحد الطرفين فى حكم الزائد من اللسان جعل فيه دية وحكومة بقدر الألم (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن فى اللسان الناطق الدية اذا استوعب قطعا اجماعا لأنه أعظم الأعضاء نفعا وأتمها جمالا، وفى الكلام الدية لأن كل ما تعلقت الدية باتلافه تعلقت باتلاف محله.
وفى الذوق اذا ذهب ولو من لسان أخرس الدية لان الذوق حاسة أشبه الشم والمذاق الخمس، الحلاوة والمرارة والحموضة والعذوبة والملوحة، فاذا ذهب واحد من الخمس فلم يدركه وادرك الباقى منها فخمس الدية لأن الخمس تجب فيها الدية ففى احداها خمسها وان ذهب اثنتان من الخمس فخمسا الدية وفى ثلاثة ثلاثة أخماس الدية وفى ذهاب أربعة أربعة أخماس الدية وان لم يدرك بواحدة من الخمس ونقص الباقى فخمس الدية التى لم يدرك بها وحكومة لنقص الباقى وان جنى على لسان ناطق فأذهب كلامه وذوقه مع اللسان فديتان كما لو ذهبت منافع اللسان مع بقائه، فان قطع اللسان فذهبت منفعة الكلام والذوق معا فدية واحدة لانهما ذهبا تبعا فوجبت دية اللسان دونهما كما لو قتل
стр. 4822
انسان. وان ذهب بعض الكلام وجب من الدية بقدر ما ذهب من الكلام (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يجب فى اللسان اذا كان عمدا الا القود أو المفاداة لأنه جرح ولا مزيد وأما الخطأ فمرفوع بنص القرآن (٢).
ولسان الاخرس كغيره والالم واحد والقود واجب لقول الله ﵎ «وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ» أو المفادات، وكذلك لسان الصغير (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أنه تجب الدية فى الأنف واللسان والذكر اذا قطعت من من الأصل (٤). ولسان الصبى وذكره الذى لم يعلم صحتهما اذا قطعا ففى كل واحد منهما حكومة ذكره فى التفريعات وشرح الابانة. وقيل يجب فيهما الدية لأن الأصل فيهما الصحة والسلامة.
فان قطع لسان صبى يتكلم مثله ولم يتكلم هو فحكومة اذا الظاهر الخرس (٥).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أن استئصال اللسان بالقطع بحيث لا يبقى شئ منه الدية، وكذا فيما يذهب به الحروف أجمع، وفى اذهاب البعض بحساب الذاهب من الحروف بأن يبسط الدية عليها أجمع فيؤخذ للذاهب من الدية بحسابه ويستوى فى ذلك اللسنية وغيرها والخفيفة والثقيلة لاطلاق النص ولاعتبارها بمساحة اللسان، فلو قطع نصفه فذهب ربع الحروف فربع الدية خاصة وبالعكس وقيل هنا أكثر الأمرين من الذاهب ومن اللسان ومن الحروف لأن اللسان عضو متحد فى الانسان ففيه الدية وفى بعضه بحسابه. والنطق منفعة توجب الدية كذلك وهذا أقوى. وفى لسان الأخرس ثلث الدية تنزيلا له منزلة الأشل لاشتراكهما فى فساد العضو المؤدى الى زوال المنفعة المقصود منه، وفى بعضه بحسابه مساحة.
ولو أدعى الصحيح ذهاب نطقه بالجناية التى يحتمل ذهابه بها صدق
стр. 4823
بالقسامة خمسين يمينا بالاشارة لتعذر اقامة البينة على ذلك وحصول الظن المستند الى الامارة بصدقه فيكون لوثا، وقيل يضرب لسانه بابرة فان خرج الدم أسود صدق من غير يمين على ما يظهر من الرواية وان خرج الدم أحمر كذب. والمستند رواية الأصبغ ابن نباته عن أمير المؤمنين وفى طريقها ضعف وارسال (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه تتم دية اللسان بذهاب كلامه كله وان ذهب بعض كلامه فانه يؤخذ ببعضه قدر الذاهب ويعتبر قدره بعدول فان أقام الحروف ولم يفهم كلاما لانفصال بعضها عن بعض أو نحو ذلك فسوم عدل بما قطع من اللسان. ان كان ذلك بسبب القطع فليس المرجع حينئذ الحروف، والأولى أن يرجع حينئذ الى مقدار ما قطع ان نصفا فنصف دية وهكذا.
وفى أثر: واللسان ان قطع كله أو بعضه وعرف ففيه القصاص، وفيه الدية التامة ان ذهب كلامه أو كله، وان ذهب كلامه فبقدره، وقيل فيه السوم. ولا قصاص فى لسان أعجم الا لمثله - وتوقف بعض فى القصاص فى اللسان، وقيل ان قطع وتكلم صاحبه فله نصف الدية ووجبت بذهاب الصوت اجماعا. وفى نافذة اللسان ثلث الدية كلسان الأعجم اذا ذهب كلامه (٢).
ثالثا: دية الذكر والأنثيين
مذهب الحنفية:
جاء فى الكفاية: أن فى الذكر الدية لأنه يفوت به منفعة الوط ء والايلاج واستمساك البول والرمى به ودفق الماء والايلاج الذى هو طريق الاعلاق عادة.
وفى الحشفة الدية كاملة لأن الحشفة أصل فى منفعة الايلاج والدفق والقصبة كالتابع له (٣).
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة الكبرى: أن فى حشفة الذكر الدية، وان قطع الذكر من أصله ففيه دية واحدة، فان قطعت حشفة رجل خطأ فأخذ الدية ثم قطع رجل آخر عسيبه بعد ذلك ففيه الاجتهاد وان قطع رجل حشفة رجل خطأ ينتظر به حتى يبرأ لأن الامام مالكا يرى أن لا يقاد من الجارح عمدا الا بعد
стр. 4824
البرء، وحتى يعرف الى ما صارت اليه جراحاته. وما قطع من الحشفة انما تقاس الحشفة فينظر الى ما قطع منها فيقاس فما نقص من الحشفة كان عليه بحساب ذلك من الدية، ولا يقاس ذلك من أصل الذكر، لأن اليد لو قطعت من المنكب كان عقلها قد تم فان قطع منها أنملة من الأنامل انما هى على حساب الأصابع ولا ينظر الى اليد كلها، وكذلك الحشفة (١).
وفى الأنثيين الدية وانما يراد بالانثيين البيضتان فاذا أهلكت البيضتان فقد تمت الدية. وان أخرج البيضتين عمدا أو رضهما عمدا ففى الأخراج القصاص أما الرض فان كان يخاف على الانثيين التلف وكانتا متلفتين فلا قود فيهما.
ومن قطع ذكر رجل وأنثييه جميعا فعليه ديتان. فان كان قطع أنثييه ولم يقطع الذكر ففيه الدية كاملة.
وان قطع ذكره ثم قطع أنثييه بعد ذلك ففى الذكر الدية وفى الأنثيين بعد ذلك الدية كاملة. ومن لا ذكر له ففى أنثييه الدية كاملة. ومن لا أنثيين له ففى ذكره الدية. والبيضتان سواء اليمنى واليسرى، وفى كل واحدة منهما نصف الدية (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى الأم أنه اذا قطع الذكر فأوعب ففيه الدية تامة لأنه فى معنى الأنف ولأنه من تمام خلقة المرء، وأنه ليس فى المرء منه الا واحد. واذا قطعت خشفته فأوعبت ففيها الدية تامة وسواء فى هذا ذكر الشيخ الفانى الذى لا يأتى النساء اذا كان ينقبض وينبسط، وذكر الخصى الذى لم يأت امرأة قط وذكر الصبى لأنه عضو أبين من المرء سالم ولم تسقط فيه الدية بضعف فى شئ منه وانما يسقط أن يكون فيه دية تامة بأن يكون به كالشلل فيكون منبسطا لا ينقبض أو منقبضا لا ينبسط. فأما غير ذلك من قرح فيه أو غيره من عيوبه جذام أو برص أو عوج رأس فلا تسقط الدية فيه بواحد من هذا (٣).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن فى الذكر الدية اجماعا من صغير وكبير وشيخ وشاب لعموم حديث عمرو بن حزم مرفوعا. «وفى الذكر الدية» رواه أحمد والنسائى وان قطع الجانى نصفه بالطول ففيه الدية كاملة لأنه ذهب بمنفعة الجماع. قال الموفق والشارح وهذا
стр. 4825
هو الأولى. وقال فى الأنصاف وهو الصواب.
ونقل الموفق عن أصحابنا أن فيه نصف الدية وقطع به فى (المنتهى).
وان قطع منه قطعة ما دون الحشفة وخرج البول على عادته وجب بقدر القطعة من جميع الذكر من الدية. وان خرج من موضع القطع وجب الأكثر من الدية أو الحكومة.
وفى حشفة الذكر الدية قال فى (المبدع) بغير خلاف نعلمه لأن منفعته تكمل بالحشفة كما تكمل منافع اليد بالأصابع.
وفى ذكر الخصى ولو جامع به حكومة.
وفى ذكر العنين حكومة. وفى الذكر دون حشفته حكومة لأنه لا مقدر فيه ولا يمكن ايجاب دية كاملة لذهاب منفعته.
وفى الانثيين الدية وفى أحداهما نصفها فان قطع الذكر والانثيين معا فديتان أو قطع الذكر ثم الانثيين فديتان لأن كل واحد منهما لو انفرد لوجب فى قطعه الدية فكذا لو اجتمعا. وان قطع الأنثيين ثم قطع الذكر ففى الأنثيين الدية لأن قطعهما لم يصادف ما يوجب نقصهما من ديتهما، وفى الذكر حكومة لأنه ذكر خصى. وان رض أنثييه أو أرسلهما كملت ديتهما كما لو قطعهما، وان قطعهما فذهب نسله فدية واحدة وكذا لو قطع احداهما فذهب النسل فنصف الدية لأن دية منفعة العضو تندرج فيه كما سبق غير السمع والشم (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى: أنه لم يصح فى الدية فى الذكر والانثيين شئ لا نص ولا اجماع والواجب أن لا يجب فى ذلك شئ فى الخطأ وأن يجب فى ذلك القود فى العمد أو المفاداة لأنه جرح (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: أن فى الذكر الدية اذا قطع من أصله وتدخل الحكومة فيها.
فان قطعت الحشفة فقط ففيها الدية أيضا وفى الباقى حكومة.
وتجب الدية فى كل زوج فى البدن اذا بطل نفعه بالكلية كالانثيين والبيضتين وجاء فى «الضياء والصحاح» أنهما البيضتان فصار فى الفرج ثلاثة أعضاء وهى الذكر والبيضتان والانثيان فأيها ذهب بالجناية لزمت فيه الدية وفى أحد
стр. 4826
البيضتين أو الانثيين نصف دية. هكذا فى «شرح الابانة» وحكاه فى الكافى عن المؤيد بالله.
وقال الامام يحيى وعن القاضى زيد أنه يجب فى الذكر دية. وان تأخر قطعه عن الانثيين.
وأما اذا كان المقطوع الانثيين والبيضتين دون الذكر، فان كان بفعل واحد فالقياس أنه تجب ديتان لأنهما زوجان، وان كان بفعلين وجب فى الأول دية وفى الآخر حكومة لعدم نفعه بعد ذهاب صاحبه وذلك أقرب الى القياس.
وأما اذا قطع الثلاثة جميعا فان كان بضربة واحدة فالقياس وجوب ثلاث ديات وكذا اذا قدم الذكر ثم قطع الآخران بفعل واحد وأما اذا أخر قطع الذكر فله حكومة على الصحيح (١).
مذهب الإمامية:
وجاء فى الروضة البهية: أن فى الذكر مستأصلا أو الحشفة فما زاد الدية لشيخ كان أم لشاب أم لطفل صغير قادر على الجماع أم عاجز عنه. ولو كان مسلول الخصيتين، لأنه مما فى الانسان منه واحد فتثبت فيه الدية مطلقا.
وفى بعض الحشفة بحسابه، أى حساب ذلك البعض منسوبا الى مجموعها خاصة.
ولو قطع ذكر العنين اعتبر بحسابه من المجموع لا من الحشفة والفرق بينه وبين الصحيح أن الحشفة فى الصحيح هى الركن الأعظم فى لذة الجماع بخلافها فى العنين لاستواء الجميع فى عدم المنفعة مع كونه عضوا واحدا فينسب الى مجموعه على الأصل. وفى الخصيتين معا الدية، وفى كل واحدة نصف الدية للخبر العام.
وقال جماعة منهم الشيخ فى «الخلاف» وأتباعه، والعلامة، فى المختلف:
فى اليسرى الثلثان وفى اليمنى الثلث لما روى من أن الولد يكون من اليسرى، ولتفاوتهما فى المنفعة المناسب لتفاوت الدية. وتخلق الولد من اليسرى لم يثبت وخبره مرسل وقد أنكره بعض الأطباء. وفى أدرتهما أى انتفاخهما أربعمائة دينار فان فجح أى تباعدت رجلاه أعقابا مع تقارب صدور قدميه فلم يقدر على المشى فثمانمائة دينار على المشهور (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه تجب الدية كاملة فى الذكر والفرج بأن قطع باب الدبر أو القبل وكذا فى الحشفة وحدها، وفيما يمنع جماعا أو ولادة بعدم انزال أو بغير ذلك أو دمعا أو ضحكا أو ريقا
стр. 4827
أو مخاطا ان أمكن اتصاله وعدم القدرة على امساكه أو البول أو الغائط ولم ينقطع. وان كان الحدوث مرة ولم يكن بعدها فقيل له ثلث دية العضو وقيل النظر وفيه أقوال منها أنه لا ينحصر بل بحسب نظر الحاكم. ومنها أنه ثلث دية العضو. ومنها أنه خمس دية ذلك العضو وقيل انها نصف دية العضو وقيل عشرون درهما. وسواء فى ذلك وقع ذلك بضرب ذلك المحل أو ضرب محل آخر مثل أن يضربه فى رأسه فلا ينقطع مخاطه أو فى ظهره فلا يقوم قضيبه (١). وان استؤصل ذكر أو قطع من أصله أو قطعت حشفته وأنثياه بها أى بضربة واحدة فخلاف فى دية واحدة أو ديتين فى ذلك قولان.
رابعا: دية اليدين والرجلين والأصابع
مذهب الحنفية:
جاء فى الهداية شرح الكفاية: أن فى اليدين الدية وفى الرجلين الدية وفى احداهما نصف الدية وفى كل اصبع من أصابع اليدين والرجلين عشر الدية لقول الرسول ﷺ «فى كل اصبع عشر من الابل» ولأن قطع الكل تفويت جنس المنفعة وفيه دية كاملة وهى عشر فتنقسم الدية عليها. والأصابع كلها سواء لاطلاق الحديث، ولأنها سواء فى أصل المنفعة فلا تعتبر الزيادة فيه كاليمين مع الشمال وكذا أصابع الرجلين لأنه يفوت بقطع كلها منفعة المشى فتجب الدية كاملة ثم فيهما عشره أصابع فتنقسم الدية عليها أعشارا وفى كل أصبع فيها ثلاثة مفاصل ففى أحدها ثلث دية الأصبع وما فيها مفصلان ففى أحدهما نصف دية الاصبع وهو نظير انقسام دية اليد على الأصابع (٢).
وفى أصابع اليد نصف الدية لأن فى كل أصبع عشر الدية فكان فى الخمس نصف الدية، ولأن فى قطع الأصابع تفويت جنس منفعة البطش وهو الموجب - على ما مر. فان قطعها مع الكف ففيه أيضا نصف الدية لقول الرسول ﷺ : «وفى اليدين وفى احداهما نصف الدية» ولأن الكف تبع للاصابع لأن البطش بها.
وان قطعها مع نصف الساعد ففى الاصابع والكف نصف الدية، وفى الزيادة حكومة عدل وهو رواية عن أبى يوسف وعنه ان ما زاد على أصابع اليد والرجل فهو تبع للأصابع الى المنكب والى الفخذ لأن الشرع أوجب فى اليد الواحدة نصف الدية واليد اسم لهذه الجارحة الى المنكب يزاد على تقدير الشرع.
стр. 4828
ولو كان فى الكف ثلاثة أصابع يجب أرش الأصابع ولا شئ فى الكف بالاجماع لأن الأصابع أصول التقوم وللأكثر حكم الكل فاستتبعت الكف كما اذا كانت الأصابع قائمة بأسرها. وفى الاصبع الزائدة حكومة عدل تشريفا للآدمى لأنه جزء من يده ولكن لا منفعة فيه ولا زينة سواء كان فى العمد أو فى الخطأ، وسواء اذا كان للقاطع أصبع زائدة أم لا (١).
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة الكبرى: أنه اذا شلت اليد أو الرجل فقد تم عقلهما فان كانت الضربة عمدا فشلت اليد أو الرجل ففيهما القود، ويضرب الضارب كما ضرب، يقتص لهذا المضروب من الضارب فان شلت يد الضارب والا كان عقل اليد فى مال الضارب وليس على العاقلة منه شئ. واذا شلت الأصابع ففيها ديتها كاملة.
ومن قطع هذه الأصابع بعد ذلك ففيها حكومة فان كان عمدا فلا قود فيها وفيها الحكومة فى مال الجانى (٢).
وجاء فى المدونة أيضا أن عقل الاصبع تماما فى كل مفصل من الابهام نصف عقل الأصبع. فان قطع رجل ابهام رجل فأخذ دية الأصبع ثم قطع رجل بعد ذلك العقدة التى بقيت من الابهام فى الكف ففيه حكومة. واذا قطعت الكف ليس فيها أصابع ففيها حكومة، وكذلك ان قطع بعض الكف.
وان قطع اصبعين بما يليهما من الكف فان كان فى ضربة واحدة فخمسا دية الكف وليس معه حكومة (٣).
واذا ذهب من الكف اصبعان ذهبتا من أمر الله أو قطعهما رجل عمدا أو خطأ فاقتص منه أو أخذ لذلك عقلا ثم قطع رجل كفه بأصابعه الثلاثة عمدا ففيها القصاص وتقطع يد القاطع والابهام وغيرها سواء عند ابن القاسم.
وأما الاصبعان والثلاثة فقول مالك الذى سمعه ابن القاسم وبلغه عنه فى الاصبعين والثلاثة أنه لا يقتص له من قاطعه ولكن يكون له العقل على قاطعه فى ماله.
وفى المرأة ان قطعت لها اصبعان عمدا فاقتصت أو عفت ثم قطع من ذلك الكف أيضا اصبعان فانه يؤخذ لها عشرون بعيرا ولا يضاف هذا الى ما قطع قبله لأن الذى قطع أولا لم يكن له دية وانما كان عمدا. وانما يضاف بعض الأصابع الى البعض فى الخطأ (٤) وان قطع رجل ظفر رجل خطأ فان برئ وعاد لهيئته فلا شئ عليه، وان برأ
стр. 4829
على عثم كان فيه الاجتهاد فان كان عمدا ففيه القصاص (١) سأل سحنون ابن القاسم قائلا: أرأيت المرأة الى كم توازى الرجل الى ثلث ديتها هى أم الى ثلث دية الرجل؟ قال ابن القاسم: قال مالك الى ثلث دية الرجل ولا تستكملها، أى اذا انتهت الى ثلث دية الرجل رجعت الى عقل نفسها.
ويرى الامام مالك أن فى كل شئ من الانسان مما له فرض سمى من الانسان اذا أصيب منه شئ فانتقص ثم أصيب بعد ذلك الشئ فانما له على حساب ما بقى من ذلك العضو.
وما كان من خلقة خلقها الله ولم ينتقص منها شئ كاليد يكون فيها الضعف ولكنه يبطش بها والرجل يستمتع بها ويمشى بها الا أن فيها ضعفا ففى كل هذا الدية كاملة اذا بنى عليه. وأما اذا كان ذلك فى شئ أصيب به حتى ضعفت اليد أو الرجل فأخذ لذلك عقلا ثم أصيب بعد ذلك فانما له ما بقى من العقل على حساب ما ذهب وما بقى (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى الأم: أنه اذا قطعت اليد من مفصل الكف ففيها نصف الدية، وان قطعت من الساعد أو المرفق أو ما بين الساعد والمرفق ففيها نصف الدية والزيادة على الكف حكومة يزاد فى الحكومة بقدر ما يزاد على الكف ولا يبلغ بالزيادة وان أتت على المنكب دية كف تامة، وسواء اليد اليمنى واليسرى ويد الأعسر ويد غيره وسواء يد الأعسر اذا كانت الكف سالمة فقطعت ويد غير الأعسر، وانما تكون فيها الدية اذا كانت أصابعها الخمس سالمة، فان كانت أصابعها أربعا ففيها أربعة أخماس دية وحكومة الكف لا يبلغ بها دية أصبع، وان كانت أصابعها خمسا احداها شلاء ففيها أربعة أخماس دية، وحكومة الكف والأصبع الشلاء أكثر من الحكومة فى الكف ليس لها الا أربعة أصابع وان كانت أصابعها ستا ففيها ديتها وهى نصف الدية وحكومة فى الأصبع الزائدة. وكذلك ان كانت فيها اصبعان زائدتان أو أكثر يزاد فى الحكومة بقدر زيادة الأصابع الزوائد.
واذا كانت اليد شلاء قطعت ففيها حكومة والشلل اليبس فى الكف فتيبس الأصابع أو فى الاصابع وان لم تيبس الكف (٣).
وجاء فى الأم أن فى كل اصبع قطعت من رجل عشر من الابل وسواء فى ذلك الخنصر والابهام والوسطى. انما العقل على الأسماء وأصابع اليدين والرجلين
стр. 4830
سواء وأصابع الصغير والكبير الفانى والشاب سواء والابهام من أصابع القدم مفصلان، فاذا قطع منهما مفصل ففيه خمس من الابل ولما سواها من الاصابع ثلاثة مفاصل فاذا قطع منها مفصل ففيه ثلاث من الابل وثلث (١).
وجاء فى الأم أنه اذا قطع الرجل ظفر رجل عمدا فان كان يستطاع فيه القصاص اقتص منه وان لم يستطع منه القصاص ففيه حكومة. فان نبت صحيحا غير مشين ففيه حكومة وان نبت مشينا ففيه حكومة أكثر من الحكومة فيه اذا نبت غير ناقص ولا مشين وان لم ينبت ففيه حكومة أكثر من الحكومة التى قبله، ولا يبلغ بالحكومة دية أنملة ولا دية قدر ما تحت الظفر من الأنملة لأن الظفر لا يستوظف الأنملة فلا يبلغ بحكومته أرشها لو قطع ما تحته من الأنملة (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن فى اليدين الدية وفى احداهما نصفها للاخبار وسواء قطعهما من الكوع أو المنكب أو مما بينها لأن اليد اسم للجميع لأنه لما نزلت آية التيمم مسح الى المناكب، فان قطعهما من الكوع وجبت الدية لأن اليد فى الشرع محمولة على ذلك بدليل قطع السارق والمسح فى التيمم ثم ان قطعهما الجانى من المرفق أو مما قبله أو ما بعده ففى المقطوع ثانيا حكومة لأن الدية وجبت عليه بالقطع الأول كما لو قطع الاصابع ثم قطع الكف.
وان جنى على اليدين فأشلهما وأذهب نفعهما أو أشل رجله أو ذكره أو انثييه أو اسكتيها وكذا سائر الأعضاء اذا جنى عليها فأشلها فعليه دية العضو الذى أشل لأنه عطل نفعه، وان جنى على يد فعوجها أو نقص قوتها أو شانها فعليه حكومة وان كسرها الجانى ثم انجبرت مستقيمة فحكومة لشينها ان شانها ذلك ان لم يكن الكسر فى الذراع أو العضد وان عادت بعد كسرها معوجة فالحكومة أكثر من الحكومة اذا عادت مستقيمة لزيادة الشين - وان قال الجانى اكسرها ثم أجبرها مستقيمة لم يمكن من ذلك لما فيه من الاضرار للمجنى عليه وقد لا يصيب. فان كسرها تعديا أى بغير اذن ولى الجناية ثم جبرها فاستقامت لم يسقط ما وجب من الحكومة فى أعوجاجها لانه استقر بالاندمال وفى الكسر الثانى حكومة أخرى لأنه جناية غير الأولى وتجب دية اليد فى يد المرتعش وتجب دية الرجل فى قدم الأعرج وتجب دية اليد فى يد الاعسم لعموم الاخبار (٣).
стр. 4831
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم أنه صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الاصابع سواء هذه وهذه سواء» يعنى الخنصر والإبهام وأنه ﵊ قال: «الأصابع عشر عشر» قال أبو محمد وباليقين ندرى أنه ليس ههنا الا عمد أو خطأ وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «رفع عن أمتى الخطأ» وصح قول الله : «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ» (١) فسقط أن يكون فى الخطأ غرامة أصلا فيما دون النفس، وسقط أن يكون فى الخطأ دية أصلا، وتكون الدية على العامد فى ذلك واجبة بلا شك فان الله يقول:
﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» (٢) وكان العامد مسيئا بسيئته فالواجب بنص القرآن أن يساء إليه بمثلها، والدية إذا أوجبها الله تعالى على لسان رسول الله ﷺ وفى اساءة مسئ فهى مثل سيئة ذلك المسئ بلا شك وكذلك الحدود إذا أمر الله تعالى بها أيضا فإذا فاتت المماثلة بالقود فى الأصابع وجبت المماثلة فى الدية بذلك (٣).
أما مفاصل الأصابع فالذى نقول به هو أن النبى ﷺ حكم فى كل إصبع بعشر من الإبل فواجب بلا شك إن العشر المذكورة مقابلة للإصبع ففى كل جزء من الاصبع جزء من العشر فعلى هذا، فى نصف الإصبع نصف العشر وفى ثلث الإصبع ثلث العشر وهكذا فى كل جزء وأما الاصبع تشل فقد جاء عن النبى ﷺ : «فى الأصابع عشر عشر» فهذا عموم لا يخرج عنه الا ما أخرجه نص أو اجماع وقد قيل: ان فى شلل الاصبع دية كاملة، فالواجب القول بذلك لعموم النص الذى ذكر، وأما كسره فيفيق عنتا أو صحيحا الا أنه لم يبطل فلا شئ فى ذلك، وهذا النص يقتضى أن أصابع اليدين والرجلين سواء لعموم ذكره ﵊ الاصابع وبالنسبة للاصبع الزائدة فاسم الاصبع فى النص يقع على زائدة. ولم يخص ﵊ أصبعا زائدة من غيرها، ولو أراد ذلك لبينه فواجب أن يكون فى الاصبع الزائدة ما فى سائر الأصابع (٤).
وأصابع المرأة سواء بنص حكم الرسول ﷺ اذ يقول: الأصابع سواء هذه وهذه» فصح يقينا أن أصابع المرأة سواء وأن أصابع الرجل سواء فاذ ذلك كذلك.
стр. 4832
وقد صح الاجماع على أن فى أربعة أصابع من المرأة فصاعدا نصف ما فى ذلك من الرجل بلا خلاف، فاذ بلا شك فى هذا، وقد حكم ﵊ أن أصابعها سواء فواجب أن يكون فى أصبعين نصف ما فى الأربع بلا شك وفى الاصبع الواحد نصف ما فى الاثنين (١). واليد والرجل ليس فيهما الا الدية للأصابع (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: فى كل اصبع أيا كانت عشر الدية وهذا قول الأكثر، وكان عمر رضى الله عنه يفاضل بين أصابع اليدين فجعل فى الخنصر ستا من الإبل وفى البنصر تسعا وفى الوسطى عشرا وفى السبابة اثنى عشر وفى الابهام ثلاثة عشر، قيل ثم رجع عن ذلك، وأصابع اليدين والرجلين سواء فان أشل أصبعا فديتها اذا بطلت منفعتها.
قال صاحب البحر: وفيه نظر، اذ الجمال باق فتجب حكومة والمختار الأول. وإذا وجب فى الأصابع الكاملة عشر الدية وجب فى مفصلها منه ثلث العشر الا الابهام من اليدين والرجلين فيجب فيه نصف العشر، إذ ليس لها إلا مفصلان، وتجب فيما دون المفصل حصته من الأرش ويقدر بالمساحة (٣).
وفى مجرد عضد لا ذراع معه - اما ذهب بعد ثبوته أو لو لم يخلق له ذراع، أو ذكر لا حشفة معه، وكذلك فى ساعد مجردة مثل تجرد العضد، وكف بلا أصابع، فى كل واحد من هذه الأربعة حكومة مقاربة لدية اليد أو الذكر، وان لم يكن الكف مجردا عن الأصابع بل ذهب بأصابعه تبعها الكف وكان أرشه داخلا فى أرش الاصابع فان كان قد زال عنه بعض الأصابع وجب بقدره من حكومة الكف ودية الباقى مثاله لو قطع كف عليه أصبعان وجبت ديتهما وثلاثة أخماس حكومة الكف لا الساعد فانه لا يتبع الاصابع كما يتبعها الكف، بل اذا قطعت يد الرجل من العضد وجبت دية الأصابع وحكومة فى الساعد، وكذلك الرجل حكمها حكم اليد فى ذلك فتدخل حكومة كفها فى دية الاصابع - ولا تدخل حكومة الساق فى دية الاصابع (٤).
وتجب الدية فى اليدين اذا قطعت من الكف (٥) والرجلين وفيما كسر من الأعضاء
стр. 4833
فانجبر بعد انكساره ونحوه ثلث ما فيه ولو لم ينجبر (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أن فى كل من اليدين نصف الدية سواء اليمين والشمال وحدها المعصم وهو المفصل ما بين الكف والذراع. وفى الأصابع حيث تقطع وحدها ديتها وهى دية اليد فلو قطع آخر بقية اليد فالحكومة خاصة ولو قطع معها شئ من الزند فحكومة زائدة على دية اليد أما لو قطعت من المرفق أو المنكب فدية اليد خاصة والفرق تناول اليد لذلك حقيقة وانفصاله بمفصل محسوس كأصل اليد بخلاف ماذا قطع شئ من الزند فان اليد انما صدقت عليها من الزند والزند من جناية لا تقدير فيها فيكون فيها الحكومة (٢).
أما لو قطعت اليد من المرفق أو الكف فالمشهور أن فيه دية اليد ويحتمل أن يريد ما هو أعم من ذلك حتى لو قطعها من الكف وجب ثلاث ديات لعموم الخبر فانه قول فى المسألة ووجوب به.
وفى اليد الزائدة حكومة وتتميز عن الأصلية بفقد البطش أو ضعفه وميلها عن السمت الطبيعى ونقصان خلقتها ولو فى اصبع ولو تساوتا فيها فاحداهما زائدة لا بعضها ففيهما جميعا دية وحكومة.
وقيل فى الزائد ثلث الدية الأصلية ففيهما هنا دية وثلث.
والرجلان فيهما الدية وفى كل واحدة النصف، وحدها مفصل الساق وان اشتملت على الأصابع.
وفى الأصابع منفردة الدية فى كل واحد عشر سواء الابهام وغيره ودية كل اصبع مقسومة على ثلاث مفاصل بالسوية أيضا.
وفى الساقين وحدهما الركبة الدية وكذا فى الفخذين لأن كل واحد منهما مما فى الانسان منه اثنان هذا اذا قطعا منفردين عن الرجل. وقطع الفخذ منفرد عن الساق. أما لو جمع بينهما أو بينها ففيه ما فى اليدين من احتمال دية واحدة اذا قطع من المفصل ودية وحكومة، وتعدد الدية بتعدد موجبة (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه تجب الدية كاملة فى اليدين والرجلين (٤) وفى الأصابع -
стр. 4834
وان كانت من رجل - الدية بلا تفاضل بين أصابع اليد وأصابع الرجل، فان قطعت أصابع اليدين فدية كاملة، وان قطع بنان الرجلين فدية كاملة ولبعض ذلك حسابه الا ابهام يد ان قطعت من المفصل الأسفل إلى جهة الكف فلها ثلث دية اليد وهو ثلث نصف الدية الكاملة وذلك ستة عشر بعير وثلثا بعير، ولكل من أصابع اليد والرجل عشرة أبعرة.
وجاء فى الأثر: فى أصابع اليدين الدية تامة، وفى أصابع الرجلين الدية تامة وان اختلفت منافع الأصابع - وقد روى أن الرسول صلي الله عليه وسلم ساوى بينهما فى الدية، وقيل: وضع الخنصر على الابهام وقال: هما سواء وفى كل اصبع ثلاث مفاصل على خلاف فى الابهام وهى لا تنقص عن الاصابع الأخرى بل تساويها أو تزيد عليها فى الدية ولكل مفصل ثلث دية الأصبع وهو ثلاثة أبعرة وثلث بعير وان قطع بعض مفصل فهو بقدره من المفصل فلنصف المفصل سدس دية الأصبع وهكذا وان كانت الأصابع من أصابع رجل وان قطعت أصبع من بين مفصلين حسبت بقدر الزائد من المفصل الآخر.
وجاء فى الأثر: لكل اصبع عشر من الابل الا الابهام فلها ثلث دية اليد، وعلى من قطع خمس أصابع من يد رجل فعليه نصف التامة.
وقد حكم عمر فى الخنصر بست وفى البنصر بتسع وفى الوسطى بعشر وفى السبابة باثنى عشرة وفى الابهام بثلاثة عشرة فتلك خمسون.
وقيل الإبهام وغيرها سواء.
وفى كل أنملة من الإبهامين خمس من الإبل لأنه ليس فيه إلا أنملتان وقيل ثلاثة وثلث على أن فيه ثلاث أنامل فتعد التى تلى الكف وليس لإبهام الرجل فضل علي غيرها.
ولا قصاص فى الزائدة وقيل لها قصاص ولها ما للاصبع ان ساوت أصبعا من الأصابع فى المقدار والمفاصل، وقيل فيها حكومة وقيل ان كان لها قوة فلها دية الأصبع والا ففيها حكومة، فان كن ستا فلكل سدس وان كن سبعا فلكل سبع وهكذا، وان لم تساوها فلها السوم وكذا فى الرجل والأسنان وان كانت فى الكف أربعة أصابع أو أقل فلها نصف الدية وان قطع منها أصبع أو اثنان أو ثلاث قسمت على العدد.
وان قطع أصبع رجل من الأعلى ثم قطعها للآخر كلها اقتص صاحب الأعلى ثم الآخر بقية الأصبع، وكان له بما ذهب منها أرش. ولكل كف فيه ثلاث أصابع الدية التامة واختير أن فى اليد ديتها ما كان فيها أكثرها وان
стр. 4835
لم يبق الا الأقل فلا قصاص وله ثلث دية اليد وما يرى العدول له ما دام فيها شئ. وكذا ان قطعت اليد وان قطعت الكف وفيها بعض الأصابع فله أرشه بنظر العدول!!
والرجل ان قطعت من ورك أو دون الركبة ففيها دية الرجل فقط وهى نصف الدية، وقيل فى الزيادة على ما تحت الكعب النظر (٢).
وان كسرت ركبة أو مرفق فجبرت سالمة مستقيمة لا تنعطف وينتفع بها فنصف ديتها، وهو ربع دية الانسان وان جبرت بلا استقامة فبحسب النقص، والفخذ أو الساق أو العضد، ان كسرت احداهن فنقلت منها عظام عن موضعها وبقيت على سمت أو شفى وهى باقية على الانتقال فسبع قلائص ونصف لكل واحدة من الفخذ أو الساق أو العضد.
فان ضرب الساق أو العضد ووهن العظم وخرج المخ فلا تجتمع عظامها عادة بتجريب الأطباء فان ذهبت العظام فلها نصف مأمومة الرأس وهى ستة عشر قلوصا وثلثان، وفى الصلب كله أى فى أى موضع منه كسر الدية ولو جبر متحدبا، وان جبر مستقيما فله بقدر نصف الدية وان ذهب الجماع أو الماء فالدية تامة، وكذا لو منع المشى.
وفى الأثر ان لم ينحدب ولم يشنه فله خمس عشر الدية، وان شانه فأربعة أخماس عشرها، وان جبر ولم يحمل فله دية تامة وان حمل فنصفها (٣).
ولكل يد عسماء أو شلاء أو رجل عرجاء أو سن سوداء أو عين عوراء أو لسان أعجم أو ذكر خصى اذا صيب ثلث سالم مثله (٤).
خامسا: دية العينيين وأشفارهما والحاجبين
مذهب الحنفية:
جاء فى الكفاية أن فى العينين الدية وفى احداهما نصف الدية. ولأن فى تفويت الاثنتين تفويت جنس المنفعة أو كمال الجمال فيجب كل الدية، وفى تفويت احداهما تفويت النصف فيجب نصف الدية.
وفى أشفار العينين الدية وفى احداها ربع الدية ويحتمل أن مراده الاهداب مجازا كما ذكره محمد فى الأصل للمجاورة كالراوية للقربة، وهى حقيقة فى البعير، وهذا لأنه لا يفوت الجمال على الكمال وجنس المنفعة، وهى منفعة دفع الأذى والقذى عن العين اذ هو يندفع بالهدب، واذا كان الواجب فى الكل كل الدية وهى أربعة أشفار كان (١) المرجع السابق ج ٨ ص ٢١ الطبعة السابقة.