جزاء الصيد .
وجزاء قتل الصيد فى الحرم أحد ثلاثة أنواع كالفدية، وبدهى أنه من جملة هذه الأنواع الاطعام المعبر عنه بالصدقة، وذلك هو قيمة الصيد طعاما بأن يقوم بطعام من غالب طعام أهل ذلك المكان الذى يخرج فيه، يحكم بذلك ذوا عدل، مسلمان حران فقيهان وتعتبر القيمة والاخراج يوم التلف بمحل التلف.
ما يعطى للمسكين فى جزاء الصيد:
ويعطى لكل مسكين من ذلك الطعام مد بمده ﷺ ولا يجزئ عن الواحد أقل من مد وان أعطى غيره أكثر منه وله نزع الزائد ان كان باقيا واعطائه لمن نقص نصيبه وان لم يوجد بمحل التلف مساكين فيعطى مساكين أقرب مكان اليه ولو وجب عليه بعض مد كمل لكسره ندبا فى الاطعام (١).
الاطعام الواجب فى كفارة اليمين:
اذا حلف انسان يمينا وحنث فيها وجبت عليه الكفارة ومن أنواع هذه الكفارة الاطعام والمراد منه تمليك عشرة من المساكين (٢) من أوسط ما يطعم الأهل، فلا يكون من الأعلى ولا من الأدنى فان أخرج من الادنى لم يجزه وان أخرج من الأعلى أجزأه.
ويعطى كل مسكين من العشرة مدا بمده ﷺ ويشترط فى كل واحد من هؤلاء المساكين العشرة أن يكون حرا مسلما لا تجب نفقته على المكفر. ويندب للمكفر اذا كان فى غير المدينة المنورة أن يعطى المسكين زيادة على المد بدون تقدير الزيادة وقيل تكون الزيادة ثلث المد وقيل نصفه والأول هو المذهب أو يعطى لكل واحد رطلين من الخبز بالبغدادى من أوسط ما يأكل الأهل، وهو أصغر من رطل مصر بيسير، وندب أن يكون الاطعام بادام من تمر أو زبيب، أو لحم أو غير ذلك ويجزئ عن العشرة امداد شبع العشرة مرتين كغداء وعشاء فى يوم أو أكثر كغداءين أو عشاءين، مجتمعين أو متفرقين، متساويين فى الأكل أو متفاوتين، والمراد من الشبع الوسط فى كل مرة ولو كانوا أطفالا استغنوا بالطعام عن اللبن فلا يكفى أشباعهم مرتين بل لا بد من المد كاملا (٣).
الاطعام الواجب فى كفارة الظهار:
اذا ظاهر الرجل من امرأته لزمته الكفارة ومن أنواعها الاطعام وهو لا يكون الا بعد عدم استطاعة صيام الشهرين والمراد من هذا الاطعام التمليك
стр. 4867
لستين مسكينا كما نصت عليه الآية ﴿(فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)﴾ ويعطى كل مسكين مد وثلثان بمده ﷺ فهى مائة مد وتقدر بخمسة وعشرين صاعا وتكون من غالب قوت البلد، فان كان ما يقتاتونه برا أعطوا من البر ولا يجزئ غيره كالشعير أو الذرة أو غير ذلك فان اقتاتوا غيره فعد له شبعا لا كيلا خلافا للباجى وذلك بأن يقال: اذا شبع الشخص من مد حنطة وثلثين فما الذى يشبعه من غيرها.
فان قيل يشبعه كذا فانه يخرجه ولا يجزئ العشاء، أو العشاء والغذاء قال الامام رضى الله عنه: انى لا أظنه يبلغ مدا وثلثين ولذلك لو تحقق بلوغهما كفى ذلك وللعبد اخراج الطعام ان أذن له سيده عند عجزه عن الصوم أو منعه منه لاضراره بخدمته، هذا ويشترط فى المساكين أن يكونوا أحرارا مسلمين (١).
مذهب الشافعية:
الاطعام الواجب بالنسبة للصوم:
من كان صائما لرمضان ووقعت منه مخالفة مما يأتى وجبت عليه الفدية أو الكفارة والفدية هنا مد أو مدان من الطعام كما سيوضح عقب ذلك فمن تلك المخالفات أن من فاته شئ من رمضان بعذر كمرض ومات بعد التمكن من القضاء ولم يقض لم يصم عنه وليه فى الجديد بل يخرج عنه من تركته لكل يوم مد من الطعام وفى القديم يصح صومه واخراجه للفدية عنه سواء فات بعذر أم لا، قال النووى القديم هنا أظهر. والولى على القول المختار كل قريب للميت ولو لم يكن وارثا له.
والأظهر وجوب المد على من أفطر فى رمضان للكبر فصار يلحقه بالصوم مشقة وكذا لمرض لا يرجى برؤه.
ومقابل الأظهر لا يجب عليه المد.
وأما الحامل والمرضع فان أفطرتا خوفا على الولد من الهلاك لزمتهما الفدية مع القضاء فى الأظهر ولو كانتا مسافرتين أو مريضتين.
ومقابل الأظهر لا تلزمهما.
وقيل تجب على المرضع دون الحامل.
والأصح أنه يلحق بالمرضع فى ايجاب الفدية مع القضاء من أفطر لانقاذ حيوان محترم مشرف على الهلاك.
ومقابل الأصح لا تلزمه الفدية.
والمتعدى بفطر رمضان بغير جماع فقيل يلزمه مع القضاء الفدية والأصح
стр. 4868
أنه يلزمه القضاء فقط ومن أخر قضاء رمضان مع امكانه حتى دخل عليه رمضان آخر لزمه مع القضاء لكل يوم مد، ويأثم بالتأخير والأصح تكرر المد بتكرر السنين ومقابله لا يتكرر.
والأصح أنه لو أخر القضاء مع امكانه حتى دخل رمضان آخر فمات أخرج عنه من تركته لكل يوم مدان مد للفوات، ومد لتأخير القضاء، فان صام عنه وليه وجبت عليه فدية التأخير فقط.
ومقابل الأصح يكفى مد واحد.
ومصرف الفدية الفقراء والمساكين فقط دون بقية الأصناف وله صرف امداد لشخص واحد أما المد الواحد فلا يجوز صرفه لاثنين، وجنس الفدية هو جنس الفطرة ونوعها، وصفتها (١).
ومن جامع بعد الأكل ناسيا وعلم أنه لم يفطر بهذا الأكل ثم جامع فتجب عليه الكفارة بهذا الجماع، والكفارة تجب على الزوج عنه دون الزوجة.
وفى قول تلزمهما كفارة واحدة ويتحملها الزوج.
وقيل تجب على كل واحد كفارة ويتحملها الزوج.
وفى قول عليها كفارة أخرى ولا يتحملها الزوج.
وكذا تلزم الكفارة من انفرد برؤيه هلال رمضان وجامع فى يومه لصدق الضابط عليه ومن جامع فى يومين لزمه كفارتان سواء كفر عن الجماع الأول أم لا.
والكفارة هى: عتق رقبة مؤمنة فان لم يجدها صام شهرين متتابعين فان لم يستطع فاطعام ستين مسكينا ولو عجز عن الجميع استقرت فى ذمته ولا تسقط عنه فى الأظهر ومقابله تسقط عنه (٢).
الاطعام الواجب فى الحج:
اذا وقعت من الشخص مخالفة فى الحج من محظورات الاحرام فيجب عليه الفدية والاطعام نوع منها (انظر احرام) والمحرم يتخير فى فدية الحلق بين التصدق بثلاثة آصع لستة مساكين، وبين أن يؤدى واحدا من النوعين الآخرين (٣).
وكذلك يتخير فى الصيد المثلى بين ذبح مثله والصدقة. بلحمه على مساكين الحرم، وبين أن يقوم المثل بالنقد الغالب ويشترى به طعاما للمساكين مما يجزئ فى الفطرة أو يصوم عن كل مد يوما، وكذا يجب
стр. 4869
الطعام اذا عجز عن الدم فى ترك المأمور، فيشترى بقيمة الشاة طعاما ويتصدق به على مساكين الحرم ومن أحصر وتحلل وعجز عن ذبح الشاة لفقدها فالأظهر أن لها بدلا وهو طعام بقيمة الشاة ومقابل الأظهر لا بدل له فيبقى فى ذمته (١).
الاطعام الواجب فى كفارتى الظهار واليمين .
أما فى كفارة الظهار فان من أنواعها الاطعام وهو لا يكون الا بعد العجز عن صيام الشهرين والاطعام يكون لستين مسكينا أو فقيرا، والمراد من اطعامهم تمليكهم، فلا يكفى التغذية ولا التعشية ولا تمليك الكافر ولا الهاشمى ولا المطلبى ولا لمن تلزمه نفقته ويصرف المكفر لهم ستين مدا لكل واحد مد مما يكون فى الفطرة وتخرج من غالب قوت بلد المكفر، فلا يجزئ نحو الدقيق، واذا عجز عن الاطعام بقى فى ذمته ولا يسقط عنه (٢).
وأما الاطعام فى كفارة اليمين: عندهم فأنه يكون لعشرة مساكين لكل مسكين مد حب من غالب قوت بلد المكفر، ولا يجوز اطعام خمسة وكسوة خمسة، ولا يكفر عبد بمال الا اذا ملكه سيده أو غيره طعاما أو كسوة وأذن له فى التكفير، بل يكفر العبد بالصوم ومن بعضه حر وبعضه رقيق وله مال.
له أن يكفر بالطعام أو الكسوة ولا يكفر بالصوم ولا بالعتق لأنه ليس من أهله (٣).
مذهب الحنابلة:
الاطعام الواجب على بعض المخالفات التى تقع من الصائم فى رمضان:
من جامع فى نهار رمضان فى الفرج قبلا كان أو دبرا فعليه القضاء والكفارة وضمن أنواع هذه الكفارة الاطعام أى اطعام ستين مسكينا بعد العجز عن صيام الشهرين لكل مسكين مد برأى ربع صاع أو نصف صاع من تمر أو زبيب أو شعير أو أقط، ودليل هذه الكفارة ما روى أبو هريرة رضى الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبى ﷺ اذ جاءه رجل فقال يا رسول الله: هلكت قال: مالك قال وقعت على أهلى وأنا صائم، فقال ﷺ هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال:
لا قال: فهل تجد اطعام ستين مسكينا قال: لا الحديث فان لم يجد شيئا يطعمه للمساكين سقطت عنه الكفارة لأن الاعرابى لما دفع اليه النبى ﷺ التمر ليطعمه للمساكين
стр. 4870
فأخبره بحاجته اليه قال له أطعمه لأهلك ولم يأمره بكفارة أخرى ولم يذكر له بقاءها فى ذمته، وهذا هو ظاهر المذهب.
وعن الامام لا تسقط بل تبقى فى ذمته الى أن يجدها وهذه الكفارة للجماع تجب سواء كان المجامع عامدا أو ساهيا فى ظاهر المذهب.
وعن الامام لا كفارة عليه مع الاكراه والنسيان.
ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر وهل يلزمها مع عدمه؟ فى ذلك روايتان (١).
الاطعام الواجب على بعض المخالفات فى الحج.
قد يقع من المحرم محظورا من محظورات الاحرام وفى بعض هذه المحظورات تجب الفدية، والاطعام نوع من أنواع هذه الفدية وهاك بعضا مما تجب فيه الفدية فتجب الفدية فى بعض محظورات الاحرام على ما قيل فى مصطلح «احرام» ومن ذلك حلق الشعر أو قطعه أو نتفه قال تعالى ﴿(وَلا تَحْلِقُوا ٢ رُؤُسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)﴾ وقال تعالى ﴿(فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ)﴾ الآية وحديث كعب قال ابن عجرة فيما رواه البخارى قال وقف على رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسى يتهافت قملها فقال يؤذيك هوامك قلت نعم قال فاحلق رأسك قال وفى نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فقال النبى ﷺ صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق بين ستة مساكين وفى رواية صم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. ومن حلق شعرة واحدة أو قلم ظفرا واحدا أطعم مسكينا واحدا، وان حلق أو قلم اثنين أطعم مسكينين يأخذ المسكين الواحد مدا من طعام وهذا كله على رواية ظاهر المذهب وعن الامام قبضة من طعام لأنه لا تقدير فيه ولأنها اليقين وازالة بعض الشعرة كالشعرة وكذلك الظفر وعن الامام: درهم، وتجب الفدية اذا قتل صيد البر اجماعا لقوله تعالى ﴿(لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ ٣ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ)﴾ وكذا اذا صاده لقوله تعالى ﴿(وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٤ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً)﴾ والمراد به ما كان وحشيا مأكولا، أو متولدا منه ومن غيره فمن أتلفه، أو تلف فى يده، أو أتلف جزءا منه، فعليه جزاؤه ومن ضمن أنواع جزاء الصيد أنه يخير
стр. 4871
فيه بين المثل، أو تقويم هذا المثل بدراهم فيشترى بها طعاما، فيطعم كل مسكين مدا من البر، ومدان من غيره وعن الامام يجوز له الصدقة بالدراهم ولا يتعين أن يشترى بها طعاما وأن كان الصيد مما لا مثل له خير بين الاطعام والصيام.
الاطعام الواجب فى كفارة الظهار .
أجمع أهل العلم على أن المظاهر اذا لم يجد الرقبة، ولم يستطع الصيام أن فرضه اطعام ستين مسكينا على ما أمر الله تعالى فى كتابه وجاء فى سنة نبيه ﷺ سواء عجز عن الصيام لكبر أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه أو زيادته أو الشبق (١) فلا يصبر فيه عن الجماع فان أوس بن الصامت لما أمره رسول الله ﷺ بالصوم قالت امرأته:
أنه شيخ كبير ما به من صيام قال:
فيطعم ستين مسكينا، ولما أمر سلمة بن صخر بالصيام قال: وهل أصبت ما أصبت الا من الصيام قال: فاطعم فنقله الى الاطعام لما أخبره أن به من الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام، وقسنا على هذين ما يشبههما فى معناها ويشترط فى المسكين أربعة شروط الاسلام والحرية فلا يجوز دفعها الى كافر ذميا كان أو حربيا وهذا هو المذهب وعليه الأصحاب لأنها كفارة فلم يجز اعطاؤهم كمساكين أهل الحرب، والآية مخصوصة بهذا فقيس عليه وأن يكون حرا فلا يجوز دفعها الى مكاتب، ولا الى عبد ولا الى أم ولد ولا خلاف فى أنه لا يجوز دفعها الى عبد. لأن نفقته واجبة على سيده وكذلك لا يجوز دفعها الى أم ولد لأن نفقتها كذلك واجبة على سيدها وأن لا يكون طفلا فان كان طفلا لم يأكل الطعام لم يدفع اليه، وهذا اختيار الخرقى وغيره وقيل يجوز دفعها الى الصغير الذى لم يطعم. ويقبض له وليه، لأنه حر مسلم محتاج فأشبه الكبير، ولأن أكله للكفارة ليس بشرط فيصرف فيما تتم به كفايته فأما المكاتب فيجوز دفعها اليه فى احدى الروايتين وهى المذهب.
والثانية لا يجوز.
فان دفعها الى من يظنه مسكينا فبان غنيا فعلى وجهين.
والصحيح من المذهب الاجزاء.
وان ردده على واحد ستين يوما.
لم يجزه الا الا يجد غيره فيجزئه فى ظاهر المذهب وهذا هو الصحيح من المذهب فى ذلك (٢).
стр. 4872
فان وجد غيره من المساكين لم تجزئه على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وعن أحمد يجزئه اختاره ابن بطة وغيره وان دفع الى مسكين فى يوم واحد من كفارتين أجزأه وهذا هو المذهب وعليه أكثر الأصحاب، لأنه دفع القدر الواجب الى العدد الواجب فأجزأ كما لو دفع اليه المدين فى يومين وعن أحمد لا يجزئه. ويجزئ فى الاطعام البر أو الشعير أو دقيقهما أو سويقهما (١) أو تمر، أو زبيب أو أقط (٢) وهذا هو المذهب، وعليه جماهير الأصحاب.
واقتصر الخرقى على البر والشعير والتمر واخراج السويق والدقيق هنا من مفردات المذهب وفى الخبز روايتان فان كان قوت بلده غير ذلك أجزأ منه وذلك كالذرة والأرز وهو أحد الوجهين لقوله تعالى «مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ»﴾.
وقال القاضى أبو يعلى لا يجزئه، وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب ولا يجزئ من البر أقل من مد، ولا من غيره أقل من مدين (٣)، ولا من الخبز أقل من رطلين بالعراقى الا أن يعلم أنه مد وأن أخرج القيمة أو غدى المساكين فلا يجزئ وهذا هو المذهب، وعن الامام يجزئه اذا أطعمهم القدر الواجب واختاره الشيخ تقى الدين ألا أنه لم يعتبر القدر الواجب وذلك لقوله تعالى ﴿(فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)﴾ وهذا قد أطعمهم (٤).
الاطعام الواجب فى كفارة اليمين .
من حنث فى يمينه فعليه كفارته ويخير فى هذه الكفارة بين ثلاثة أشياء الاطعام وهو أحدها وهو المراد هنا، فيطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره ولو أطعم خمسة، وكسا خمسة أجزأه على الصحيح من المذهب.
ومن لزمته ايمان قبل التكفير عن أحدها فعليه كفارة واحدة، لأنها كفارات من جنس واحد فتداخلت كالحدود من جنس واحد، وان اختلف سبب الكفارة كالظهار واليمين بالله تعالى لزمه كفارتان ولم يتداخلا لعدم اتحاد الجنس (٥).
стр. 4873
مذهب الظاهرية:
الاطعام الواجب فى بعض المخالفات
بالنسبة لصوم رمضان
ذهب الظاهرية الى أنه لا كفارة على من تعمد فطرا فى رمضان الا بوط ء فى الفرج من امرأته أو أمته فان هذا عليه الكفارة وصفة الكفارة بالاطعام اطعام ستين مسكينا (١).
الاطعام الواجب عن بعض
المخالفات فى الحج:
من احتاج الى حلق رأسه وهو محرم لمرض أو صداع أو لنحو قمل أو جرح به أو نحو ذلك مما يؤذيه فليحلقه وعليه أحد ثلاثة أشياء هو مخير فى أيها شاء لابد له من أحدها اما أن يصوم ثلاثة أيام، وأما أن يطعم ستة مساكين متغايرين لكل مسكين منهم نصف صاع تمر ولابد، واما أن يهدى شاة يتصدق بها على المساكين أو يصوم أو يطعم أو ينسك الشاة فى المكان الذى حلق فيه أو فى غيره برهان ذلك قوله تعالى: ﴿(فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)﴾ (٢) وكذا من قصد صيدا عامدا لقتله، ذاكرا لاحرامه أو انه فى الحرم فهو عاص لله تعالى، وحجه باطل وعمرته كذلك، وهو مخير بين ثلاثة أشياء أيها شاء فعله، وقد أدى ما عليه، أما أن يهدى مثل الصيد الذى قتله من النعم وهى الابل والبقر والغنم ضأنها وما عزها وعليه من ذلك ما يشبه الصيد الذى قتله مما قد حكم به عدلان من الصحابة رضى الله عنهم أو من التابعين رحمهم الله تعالى وان شاء أطعم مساكين وأقل ذلك ثلاثة، وان شاء نظر الى ما يشبع ذلك الصيد من الناس فصام بدل كل إنسان يوما (٣).
الاطعام الواجب فى كفارة الظهار:
كفارة الظهار عتق رقبة فمن لم يقدر فعليه صيام شهرين متتابعين، فان عجز عن الصيام فعليه أن يطعم ستين مسكينا متغايرين (٤).
الاطعام الواجب فى كفارة الايمان
من حنث فى يمينه أو أراد الحنث وان لم يحنث فهو مخير بين ما جاء به النص أما أن يطعم عشرة مساكين قال تعالى ﴿(فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)﴾ الآية وما نعلم فى ذلك خلافا ولا يجزيه بدل ما ذكرنا صدقة، ولا هدى ولا قيمة ولا شئ سواه أصلا، لأن الله تعالى لم يوجب غير ما ذكرنا، فمن أوجب فى ذلك قيمة فقد تعدى حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه وشرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى ﴿(وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)﴾ ولا يجزئ اطعام مسكين واحد، أو ما دون العشرة يردد الاطعام عليهم، لأن الله تعالى افترض اطعام عشرة مساكين، وهذا خلاف
стр. 4874
ما أمر الله تعالى ولا يجزئ الا مثل ما يطعم أهله، فان كان يطعم أهله الدقيق فليعط المساكين الدقيق، وان كان يعطى أهله الحب فليعط المساكين الحب وان كان يطعم أهله الخبز فليعط المساكين الخبز، لا يجزيه غير ذلك أصلا لأنه خلاف نص القرآن ويعطى من الصفة والكيل الوسط، لا الأعلى ولا الأدنى كما قال الله وأما مقدار ما يعطى لكل مسكين فلم يحدد فيه شيئا كتاب الله (١).
مذهب الزيدية:
الاطعام الواجب بالنسبة للصوم:
تجب الكفارة بالوط ء فى القبل أو الدبر فى صيام رمضان لقول النبى ﷺ لمن وطئ (أعتق رقبة) وقوله (من أفطر فى نهار رمضان بالجماع فعليه ما على المظاهر (٢) وقيل: تندب الكفارة لقوله ﷺ (كله أنت وعيالك) ولم يأمره باخراج الكفارة متى تمكن، وبدهى أن الاطعام نوع من الكفارة فتجب الكفارة على من أفطر فى رمضان لعذر مأيوس، أو أيس عن قضاء ما أفطره والكفارة هى نصف صاع عن كل يوم أفطره من أى قوت كان لقوله ﷺ أطعم عن كل يوم نصف صاع ولم يفصل فى القوت.
وقيل: هى مد من بر أو نصف صاع من غيره.
وقيل صاع من غير البر كالكفارة فى الظهار، وهذا قياس ولا قياس مع النص السابق.
ومن خافت على رضيع أو جنين أفطرت وأطعمت فعن ابن عمر، وابن عباس رضى الله عنهما أنهما قالا: الحامل والمرضع اذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا عن كل يوم مسكينا.
وخرج الامام مالك فى الموطأ أنه بلغه أن عبد الله بن عمر سئل عن المرأة الحامل اذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام فقال تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة بمد النبى ﷺ والشيخ الكبير الذى لا يطيق الصوم يفطر ويطعم فعن على رضى الله عنه أنه قال ضمن حديث: لما أنزل الله فريضة الصيام أتى النبى ﷺ شيخ يتوكأ بين رجلين فقال يا رسول الله:
هذا شهر رمضان مفروض ولا أطيق الصوم، فقال: اذهب فأطعم عن كل يوم نصف صاع للمساكين (٣).
стр. 4875
الاطعام الواجب عن بعض
المخالفات فى الحج:
تلزم الفدية فى لبس الثياب، والحلق وتتكرر الفدية فى الاجناس المختلفة وقيل لا تتكرر وشعر الرأس والجسد جنسان، وتلزم أيضا فى قص الظفر، وقشر الجلدة كالشعر وفيما لا يبين أثره من ذلك صدقة وتجب فى قلع السن، وخضب الأصابع كتقصيرها فيه الفدية وفى كل أصبع نصف صاع، وفى الأنملة نصف المد، وفى خضب الرأس واللحية فدية، وفديتان ان تفرقا.
والفدية هى: شاة أو اطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام لقوله تعالى: ﴿(فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)﴾ وتجب الكفارة على الوط ء.
الاطعام الواجب فى كفارة اليمين:
اذا حنث الشخص فى يمينه وجبت عليه الكفارة وهى أحد الثلاثة أنواع التى ذكرها الله تعالى ومن أنواعها الاطعام، أى اطعام عشرة مساكين أو فقراء ويشترط اعلامهم أنها كفارة ليشبعوا الا أن يعلم أنهم يشبعون من غير اعلامهم فلا يشترط، أما لو أعطاهم الخبز على جهة التمليك كان كاخراج القيمة ويجزئ اطعامهم ولو كانوا متفرقين وسواء أطعم كل يوم مسكينا، أو كل اسبوع أو كل شهر، لكن الجمع أفضل والاطعام هو أن يطعم كل واحد منهم وجبتين، غذاءين أو عشاءين أو غذاء وعشاء أو عشاء وسحورا بادام حتما حيث أطعم على وجه الاباحة وأعلا الادام اللحم، وأوسطه الزيت، وأدناه الملح حيث جرى به العرف وأما اذا أخرج الطعام تمليكا فلا يشترط الادام.
قال الفقيه يوسف: وحيث يجب الادام لا تبطل الكفارة بتركه بل يخرج مقدار قيمة الادام الى القابضين ويجزئ ذلك ولو كانت الوجبتان متفرقتين اذا كان الأكل واحدا فان أطعم شخصا وجبة وآخر وجبة لم يجز فان فاتوا بعد الوجبة الأولى بموت أو غيره استأنف الوجبتين ولا يعتد بتلك التى فات أهلها.
واذا أكل المساكين أو أحدهم وجبة وامتنع من أكل الوجبة الاخرى وجب أن يضمن الممتنع الوجبة التى أكلها واذا لم يكن الاطعام على وجه الاباحة أجزأه تمليك كل منهم صاعا وقدره نصف ثمن قدح صنعانى ومجموع الكفارة فى وقتنا خمسة اثمان قدح، ويجوز تفريق الصاع فى التمليك اذا كان الى فقير واحد ويكون ذلك الصاع من أى حب من ذرة أو شعير أو من أى تمر يقتاته كالتمر والزبيب ويجوز أن أن تكون من أجناس مختلفة وكما يخرج الصاع من غير البر يخرج نصفه من البر ويجوز الدفع الى الصغير كالكبير ومثل ذلك الضعيف وأما المريض فتعتبر نفقته فى حال الصحة ولا يعتبر اذن الولى الا فى التمليك فاذا أطعم الصغير على وجه الاباحة لم يحتج الى اذن الولى
стр. 4876
وأن ملكه طعاما اعتبر اذن الولى ويجوز الترديد فى العشرة المساكين ومعنى الترديد أن يصرف اليهم كفارات متعددة سواء اتفقت أسبابها أم اختلفت وسواء أكان المخرج جنسا أو جنسين مثل كسوة واطعام وسواء وجد العشرة أم لا لكن يكره الترديد فيهم اذا وجد غيرهم من المساكين والا فلا يكره على الصحيح من المذهب ولا يصح صرف كفارة اليمين الى أقل من عشرة فاذا لم يجدهم ينتظر بالباقى فقط الى أن يكملوا.
ولا يجوز اخراج أقل من صاع أو نصفه ولكن يجوز نصف صاع من أرز عوضا عن صاع من شعير لكون النص لم يرد الا فى الأرز.
ومن تعذر عليه الاطعام للعشرة كأن يجد تسعة أصواع فهو كالعادم فينتقل الى الصوم ومثله من كان بينه وبين ماله ثلاثة أيام (١).
الاطعام الواجب فى كفارة الظهار:
من ظاهر من امرأته فعليه الكفارة ومن ضمن أنواعها الاطعام وهو يكون بعد العجز قال تعالى ﴿(وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ)﴾ ويعطى لكل مسكين نصف صاع من أى قوت كان وهذا هو الراجح.
وقيل مد من بر أو نصف صاع من غيره وقيل صاع من غير البر كالكفارة والمعتبر فى الاطعام وصوله الى كل فرد من أفراد الستين، فلا يجزئ تكرارها الى ما دونهم ولو ظاهر الرجل من زوجته فى مجلس واحد مرارا فيجب عليه كفارة واحدة وأن ظاهر فى مجالس متعددة فعليه كفارات متعددة (٢).
مذهب الإمامية:
الاطعام الواجب على بعض المخالفات بالنسبة للصوم:
قد يقع من الانسان فى صومه الواجب بعض المخالفات يجب فيها الفدية والكفارة عند الإمامية، وتلك الكفارة هى: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا، ومن الواضح أن الاطعام نوع من هذه الكفارة فمما تجب فيه الكفارة الأكل والشرب مطلقا، والجماع كله، والاستمناء وايصال الغبار المتعدى الى الحلق، والبقاء على الجنابة مع
стр. 4877
علمه بها ليلا ومعاودة النوم جنبا بعد انتباهتين متأخرتين عن العلم بالجنابة فيكفر من لم يكف عن أحد هذه السبعة اختيارا فى صوم واجب متعين أو فى شهر رمضان مع وجوبه بقرينة المقام ويقضى ويكفر لو تعمد الاخلال بالكف المؤدى الى فعل أحدها.
ولو استمر مرض الصائم الذى أباح له الفطر الى رمضان آخر فلا قضاء لما أفطره ويفدى عن كل يوم بمد من طعام وان تهاون فى القضاء فدى وقضى ما مضى والحامل والمرضعة القليلة اللبن اذا خافتا على الولد فقط تفطران وتفديان عن كل يوم بمد من طعام ومن أفطر فى قضاء رمضان بعد الزوال فعليه الكفارة ومن ضمنها اطعام عشرة مساكين وكذا الافطار فى شهر رمضان على محرم مطلقا يوجب الكفارة (١).
الاطعام الواجب فى بعض
المخالفات فى الحج:
اذا ارتكب المحرم بالحج أو من كان بالحرم محظورا تعين عليه الاطعام فمن ذلك أن من قتل نعامة فعليه بدنة فان لم يجد بدنة قومت بالبر ويفرق البر على ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع وهو مدان على المشهور وقيل مد وفيه قوة، وفى قص الظفر مد من طعام وفى نتف كل واحد من أبطيه أو حلقه اطعام ثلاثة مساكين ويتخير بين شاة الحلق لأذى أو غيره وبين اطعام عشرة مساكين لكل واحد مد وفى شعر سقط من رأسه أو لحيته بمسه قل أو كثر كف من طعام ولو كان بسبب الوضوء (٢).
الاطعام الواجب فى كفارة الظهار:
من ظاهر من امرأته فعليه الكفارة، ومن ضمن أنواع هذه الكفارة الاطعام وهو يكون بعد العجز عن الصيام فيطعم ستين مسكينا ككفارة الجماع فى شهر رمضان كما سبق واطعام الستين مسكينا أما اشباعا فى أكلة واحدة.
أو تسليم مد الى كل واحد على أصح القولين فتوى وسندا، وقيل مدان مطلقا وقيل مع القدرة والصغار والكبار فى الاطعام سواء من حيث القدرة وان كان الواجب فى الصغير التسليم الى الولى وكذا فى الاشباع ان اجتمعوا ولو انفرد الصغار احتسب الاثنان بواحد، ولا يتوقف على اذن الولى ولو تعذر العدد فى البلد وجب النقل الى غيره مع الامكان، فان تعذر كرر على الموجودين فى الأيام بحسب المتخلف والمراد بالمسكين هنا من لا يقدر على تحصيل قوته للسنة فعلا وقوة فيشمل
стр. 4878
الفقير. والمراد من الطعام مسماه كالحنطة والشعير، ودقيقهما وخبزهما، وما يغلب على قوت البلد ويجزئ التمر والزبيب مطلقا ويعتبر كونه سليما من العيب الممتزج بغيره فلا يجزئ المسوس والممتزج بالتراب غير المعتاد ومن عجز عن اطعام القدر المذكور ولو قدر على بعضه استغفر الله تعالى ولو مرة بنيه الكفارة (١).
الاطعام الواجب فى كفارة اليمين:
من حنث فى يمين بالله تعالى فعليه الكفارة ومن أنواع هذه الكفارة الاطعام وهو اطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطه أو مدان من دقيق (٢).
مذهب الإباضية:
الاطعام الواجب على بعض المخالفات التى تقع من الصائم:
من تعمد افساد صومه بما يوجب القضاء والكفارة ولم يستطع عتق رقبة وعجز عن صيام شهرين متتابعين أطعم ستين مسكينا، والكبير الذى لا يطيق صوما له الفطر ولا يقضى كمريض لا يرجى برؤه فى قول، ولزمهما اطعام مسكين غداء وعشاء أو عشاءا وسحورا عن كل يوم أفطر فيه أو يعطيانه مدين من الحب سواء كان من البر أو غيره وقيل مدين من الشعير وحفنة وهو المشهور المعمول (٣) به، وقيل يعطى لكل مسكين حفنة وذلك لقوله تعالى ﴿(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ (٤) وقيل بسقوطه عنهما أيضا كالصوم وهو المتبادر لأنه لم يكلف بالصوم فكيف يلزم الاطعام؟ والحامل والمرضع أن أفطرتا خوفا على ولدهما من الضياع والهلاك بسبب الصوم فيلزمهما اطعام أو كيل كما سبق قبيل ذلك عن كل يوم أقطرتاه ثم القضاء بعد ذلك وقيل عليهما القضاء فقط دون الاطعام (٥).
الاطعام الواجب فى كفارتى الظهار واليمين:
الكفارة على نوعين اما أن تكون على التغليظ وهى أما عتق أو صوم شهرين متتابعين أو اطعام ستين مسكينا واما مخففة وهى الايمان المرسلة وهى ما فى قوله تعالى «فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ» الآية. واطعام العشرة أكلتان مع الماء (٦) بادامهما ولو كان الادام خلا، والأكلتان غداء وعشاء بشبع،
стр. 4879
ولا تجزئ أكلة واحدة لأنها أدنى والأوسط الغداء والعشاء وجاز اطعام واحد فى عشرة أيام وكره بعضهم ذلك الا اذا لم يجد سواه وقيل لا يكره ولو لم يجد سواه فليوص أو ينتظر ومثل هذا الخلاف فى اطعام الستين مسكينا.
ومن لم يكن فى قريته الا ستون أو عشرة أطعم ما فيها وأتم بالقرية القريبة اليها ومثل ذلك الحب اذا أعطاهم اياه اذ أنه كما يجوز الاطعام بالخبز يجوز بالحب فيعطى كل مسكين مدين، برا كان أو غيره أو تمرا.
والحبوب التى يعطى منها ستة (١).
وقيل ثلاثة.
وقيل يعطى كل مسكين مدين من شعير وقبضة وهو المشهور المعمول قياسا على كفارة المحرم الذى حلق كما ورد بذلك الحديث (مدان لكل مسكين من بر) فقيس سائر الكفارات عليه، وقيس غير البر على البر بالقيمة، فان كانت قيمة الشعير مثلا أربعة أمداد تساوى مدين من البر أعطى لكل مسكين أربعة من الشعير وهكذا.
ورخص بعضهم أن يعطى مدا واحدا من أيها شاء.
وقيل صاع من زبيب أو غيره من الحبوب سوى البر فيعطى منه مدين.
وذكر بعضهم أنه يجوز الاطعام من غير الحبوب الستة من كل ما يقتات ومن الوسط منها، ولا يلزم أن يعطى اداما مع برجيد (٢) ويلزم مع غيره، وهذا فى الأكل.
وقيل لا يلزم مع غير البر.
هذا وأول الغذاء الفجر الى آخر الزوال، وأول العشاء من الوقت المتصل بالزوال وآخره ذهاب ثلثى الليل أو نصفه فمن أطعمهم قبل الزوال أو بعده مرتين فهى أكلة واحدة، ولا تطعم الاكلتان فى الوقت الذى قبل الزوال أو الزوال وما بعده وان فعل فهى أكلة واحدة ويعيد لهم الاكلة الأخرى فى الوقت الثانى.
وقيل ان ابتدأ أكلهم بالعشاء لم يجزه وكره تقارب الأكلتين بقصد أن يأكلوا قليلا وان لم يقصد لم يكره، والتحقيق أنه لا يجزيه اذا قل أكلهم جدا بسبب التقارب حتى لا يكفيهم لليوم ومثل ذلك لو أطعمهم الغداء ثم أطعمهم الغداء لكفارة أخرى لم يجز
стр. 4880
الا الغداء الأول الا اذا لم يطعمهم الثانى الا وقد فاء (١) فانهما يجزيان ولا يجوز أن يطعم اليوم بعضا وغدا بعضا الا اذا لم يجد مساكين (٢).
الاطعام الواجب فى بعض المخالفات
التى تقع من المحرم .
يمنع المحرم عن أشياء ورد النهى عنها سواء كان احرامه بحج أو عمرة فمن فعل واحدة من تلك المخالفات الآتية وجبت عليه الفدية، ومن أنواع هذه الفدية الاطعام (انظر مصطلح احرام وفدية وكفارة)
أطعمة
المعنى اللغوى:
أطعمة جمع مفرده طعام. والطعام مصدر فعله طعم.
يقال: طعم يطعم طعما وطعاما اذا شبع، ويقال: طعم الشئ وطعم من الشئ اذا أكله بمقدم فمه وثناياه.
ويقال: طعم الشئ اذا ذاقه، ومن ذلك قول الله ﵎: «إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي.» (٣)
والطعام اسم يطلق على كل ما يؤكل وما به قوام البدن كما يطلق على كل ما يتخذ منه القوت من الحنطة والشعير والتمر.
ويطلقه أهل الحجاز والعراق الأقدمون على القمح خاصة. والطعام اسم لما نضب عنه البحر فنبت ومن ذلك قول الله تعالى «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ» (٤) وطعام البحر ما نضب عنه الماء من السمك فأخذ من غير صيد (٥).
المعنى فى اصطلاح الفقهاء:
يستعمل الفقهاء كلمة (طعام) بمعان مختلفة تبعا لاختلاف موطنها، فيستعملون الطعام فى الكفارة والفدية ويقصدون به (القوت) كالحنطة والذرة والأرز والتمر واللبن.
стр. 4881
ويستعملون الطعام فى الربا ويقصدون به (مطعوم الآدميين) الذى يشمل ما يطعم للتغذية كالقمح والماء وما يطعم للتأدم كالزيت، وما يطعم للتفكه كالتفاح، وما يطعم للتداوى والاصلاح كالحبة السوداء والملح.
وقد يطلقون لفظ الأطعمة على (كل ما يؤكل وما يشرب مما ليس بمسكر) ويقصدون من ذلك ما يمكن أكله أو شربه على سبيل التوسع ولو كان مما لا يستساغ ولا يتناول عادة كالمسك وقشر البيض.
أما المسكرات فانهم يعبرون عنها بلفظ الأشربة (١).
١ - حكم تناول الأطعمة الحيوانية المائية
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أن جميع ما فى البحر من الحيوان محرم الأكل الا السمك خاصة، فانه يحل أكله الا ما طفا منه.
وهذا قول أصحابنا رضى الله تعالى عنهم وقال بعض الفقهاء وابن أبى ليلى رحمه الله تعالى ما سوى السمك من الضفدع والسرطان وحية الماء وكلبه وخنزيره ونحو ذلك لكن على أن يكون ذلك بالذكاة وهو قول لليث بن سعد رضى الله تعالى عنه الا فى انسان الماء وخنزيره فانه لا يحل وذلك لقول الله ﵎:
«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ» (٢) من غير فصل فى التحريم بين البرى والبحرى.
وانما قال أصحابنا بتحريم ما سوى السمك لقول الله عز شأنه: «وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» (٣) والضفدع والسرطان والحية ونحوها من الخبائث، وروى عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن ضفدع يجعل شحمه فى الدواء فنهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفادع، وذلك نهى عن أكلها (٤).
هذا والمقصود بالسمك الطافى الذى لا يحل أكله عندنا هو السمك الذى يموت فى الماء حتف أنفه بغير سبب حادث.
سواء علا على وجه الماء أو لم يعل بعد أن مات فى الماء حتف أنفه من غير سبب حادث.
وقال بعض مشايخنا هو الذى يموت فى الماء بسبب حادث ويعلو على وجه الماء فان لم يعل حل أكله.
والصحيح هو الحد الأول، وانما سمى طافيا لعلوه على وجه الماء عادة.
стр. 4882
وروى هشام عن محمد رحمهما الله تعالى فى السمك اذا كان بعضها فى الماء وبعضها على الأرض: أنها ان كان رأسها على الأرض أكلت وان كان رأسها أو أكثره فى الماء لم تؤكل لأن رأسها موضع نفسها فاذا كان خارجا من الماء فالظاهر أنه مات بسبب حادث واذا كان فى الماء أو أكثره فى الماء فالظاهر أنه مات فى الماء بغير سبب.
وقالوا فى سمكة ابتلعت سمكة أخرى:
أنها تؤكل لأنها ماتت بسبب حادث.
ولو مات من الحر والبرد وكدر الماء ففيه روايتان.
فى رواية لا يؤكل لأن الحر والبرد وكدر الماء ليس من أسباب الموت ظاهرا فلم يوجد الموت بسبب حادث يوجب الموت ظاهرا وغالبا فلا يؤكل.
وفى رواية يؤكل لأن هذه أسباب الموت فى الجملة، فقد وجد الموت بسبب حادث، فلم يكن طافيا فيؤكل.
ويستوى فى حل الأكل جميع أنواع السمك من الجريث والمارماهى (١) وغيرهما لأن ما ذكرنا من الدلائل فى اباحة السمك لا يفصل بين سمك وسمك الا ما خص بدليل وقد روى عن سيدنا على وعبد الله ابن عباس رضى الله تعالى عنهم اباحة الجريث والسمك الذكر ولم ينقل عن غيرهما خلاف ذلك فيكون اجماعا (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى: أن المباح من الحيوان البحرى كله وان كان ميتا سواء وجد راسيا فى الماء أو طافيا أو فى بطن حوت أو طير وسواء ابتلعه ميتا أو حيا ومات فى بطنه ويغسل ويؤكل وسواء صاده مسلم أو مجوسى ويشمل البحرى آدمى الماء وكلبه وخنزيره وهو المعتمد. وما عداه لا يعول عليه.
ثم ان ميتة البحر طاهرة ولو تغيرت ونتنت كالملوحة الا أن يتحقق ضررها فتحرم لذلك لا لنجاستها، وكذلك المذكى ذكاة شرعية طاهر ولو تغير ونتن، ويؤكل ما لم يتحقق ضرره. والطافى هو الذى يرتفع ويعلو على وجه الماء الا أنه اذا باعه يبين لأن النفوس تنفر منه، وكذا يبين فيما اذا كان فى بطن طير (٣).
стр. 4883
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن حيوان البحر - وهو ما لا يعيش الا فى الماء وعيشه خارج الماء كعيش المذبوح - منه ما ليس له رئة مثل أنواع السمك، ومنه ما له رئة مثل الضفدع فانها تجمع بين الماء والهواء.
أما السمك فهو حلال كيف مات سواء مات حتف أنفه أو بسبب ظاهر، كصدمة حجر أو ضربة صياد أو انحسار ماء وسواء كان راسيا أو طافيا لقول الله ﵎: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ.» (١) أى مصيده ومطعومه.
وقال جمهور الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: طعامه ما طفا على وجه الماء.
والى هذا يشير قول رسول الله ﷺ : هو الطهور ماؤه والحل ميتته.
والصحيح فى حديث العنبر أنهم وجدوه بشاطئ البحر ميتا فأكلوا منه وقدموا منه الى النبى ﷺ فأكل منه.
نعم ان انتفخ الطافى بحيث يخشى منه السقم فانه يحرم للضرورة.
قاله الجوينى والشاشى. ولا يتوقف حل السمك على موته فانه يحل بلع سمكة حية كما يحل قلى صغار السمك من غير أن يشق جوفه.
ولو وجد سمكة فى جوف سمكة حل أكلها الا أن تكون قد تغيرت فيحرم لأنها صارت كالقئ هذا حكم السمك.
أما غير السمك مما ليس على صورة السمك المشهورة من حيوان البحر مثل خنزير الماء وكلبه فانه حلال فى الأصح المنصوص لاطلاق الآية والحديث المارين وقد روى عن ابى بكر رضى الله تعالى عنه أنه قال: كل دابة تموت فى البحر فقد ذكاها الله لكم.
وقيل: لا يحل لأنه لا يسمى سمكا والأول يقول بأنه يسمى سمكا.
وعلى الأول لا يشترط فيه ذكاة لأنه حيوان ولا يعيش الا فى الماء.
وقيل: ان أكل مثله فى البر كالبقر والغنم حل أكله ميتا وان لم يؤكل مثله فى البر فلا يحل أكله مثل الكلب والحمار اعتبارا لما فى البحر بما فى البر، ولأن الاسم يتناوله فأجرى عليه حكمه فعلى هذا الوجه يكون ما لا نظير له فى البحر حلالا، لحديث العنبر (٢) المشهور فى الصحيح.
стр. 4884
أما اذا ذبح ما أكل شبهه فى البر فانه يحل جزما ولو كان يعيش فى البر والبحر لأنه حينئذ مثل حيوان البر، وحيوان البر يحل مذبوحا فحمل الخلاف على ما اذا أكل ميتا.
وما يعيش فى بر وبحر مثل الضفدع وهو من الحيوان الذى لا عظم له.
لا يؤكل (١).
وذكر صاحب المغنى: ان من الحيوانات البحرية المحرم أكلها السرطان - بفتح السين والراء - ويسمى أيضا عقرب الماء، والحية ويطلق على الذكر والأنثى - والعقرب والترسة وهى اللجأة - والسلحفاة (٢) والتمساح كل ما تقدم ذكره محرم للتسمية فى الحية والعقرب وللاستخباث فى غيرهما ولأن التمساح يتقوى بنابه وقضية هذا تحريم القرش - بكسر القاف - ويقال له: اللخم (٣) بفتح اللام والخاء المعجمة - لكن أجاب المحب الطبرى - تبعا لابن الأثير فى النهاية - بحله وهو الظاهر.
وفى تحريم النسناس وجهان (٤):
أوجههما - كما جرى عليه ابن المقرى التحريم.
وصحح النووى فى المجموع أن جميع ما فى البحر تحل ميتته الا الضفدع
أما ما ذكره الأصحاب أو بعضهم من تحريم السلحفاة والحية والنسناس فهو محمول على غير ما فى البحر.
ويوافقه قول الشامل - بعد نقله نصوص الحل قال أصحابنا أو بعضهم يحل جميع ما فيه الا الضفدع للنهى عن قتله. والنهى هو ما صح عن ابن عمر رضى الله تعالى عنه من أنه قال:
لا تقتلوا الضفادع، فان نقيقها تسبيح.
قال ابن قاسم ومما عمت به البلوى أكل الدنيلس (٥) فى مصر والسرطان فى الشام أما السرطان فقد تقدم الكلام فيه.
стр. 4885
وأما الدنيلس فروى عن ابن عبد السّلام وعلماء عصره أنه يحل أكله. وهذا هو الظاهر لأنه من طعام البحر ولا يعيش الا فيه وعن ابن عبد السّلام أنه أفتى بتحريمه قال الزركشى: وهو الظاهر لأنه أصل السرطان لتولده منه.
وقال الدميرى لم يأت على تحريمه دليل.
وما نقل عن ابن عبد السّلام لم يصح فقد نص الشافعى رحمه الله تعالى على أن حيوان البحر الذى لا يعيش الا فيه يؤكل لعموم الآية والأخبار (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير: أن كل صيد البحر مباح الا الضفدع.
وقال الشعبى رحمه الله تعالى: لو أكل أهلى الضفادع لاطعمتهم.
وروى عن أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه أنه قال: فى كل ما فى البحر: قد ذكاه الله لكم، وعموم قوله تعالى: ﴿(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ)،﴾ يدل على اباحة جميع صيده.
وروى عطاء وعمرو بن دينار أنهما بلغهما عن النبى ﷺ أنه قال: ان الله ذبح كل شئ فى البحر لابن آدم.
فأما الضفدع فان النبى ﷺ نهى عن قتله، رواه النسائى.
فيدل ذلك على تحريمه. فأما التمساح فقد نقل عنه ما يدل على أنه لا يؤكل.
وقال الأوزاعى: لا بأس به لمن اشتهاه.
وقال ابن حامد: لا يؤكل التمساح ولا الكوسج لأنهما يأكلان الناس.
هذا وكلب الماء مباح وقد ركب الحسن بن على رضى الله تعالى عنهما سرجا عليه جلد من جلود كلاب الماء.
وعن أحمد رحمه الله تعالى فى السمكة توجد فى بطن سمكة أخرى أو فى حوصلة طائر أو يوجد فى حوصلته جراد قال فى موضع: كل شئ أكل مرة لا يؤكل.
وقال فى موضع آخر: الطافى أشد من هذا. وقد رخص فيه أبو بكر رضى الله تعالى عنه وهذا هو الصحيح وذلك لقول النبى ﷺ :
«أحلت لنا ميتتان ودمان ولأنه حيوان طاهر فى محل طاهر لا تعتبر له ذكاة، فأبيح كالطافى من السمك (٢).
стр. 4886
مذهب الظاهرية:
ذكر صاحب المحلى: أن ما يسكن جوف الماء ولا يعيش إلا فيه يكون حلالا كله كيفما وجد سواء أخذ حيا ثم مات أو مات فى الماء وسواء طفا أو لم يطف وسواء قتله حيوان بحرى أو حيوان برى فانه كله حلال أكله وسواء فى ذلك الحكم خنزير الماء أو انسان الماء أو كلب الماء وغير ذلك فان ذلك كله حلال أكله سواء قتله وثنى أو مسلم أو كتابى، أو لم يقتله أحد لقول الله تعالى: «وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا» (١) وقوله تعالى «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ» (٢) فعم تعالى ولم يخص شيئا من شئ ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» (٣) ولما رواه مسلم عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ وأمر علينا أبا عبيدة، نتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فاذا هو دابة تدعى العنبر.
قال أبو عبيدة ميتة.
ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفى سبيل الله تعالى وقد اضطررتم فكلوا فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا.
ثم قال: وتزودنا من لحمه وشائق (٤)، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: هو رزق أخرجه الله تعالى لكم فهل معكم من لحمه شئ فتطعمونا فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله (٥). هذا حكم ما يسكن فى جوف الماء ولا يعيش الا فيه.
أما ما يعيش فى الماء وفى البر فلا يحل أكله الا بذكاة كالسلحفاة وكلب الماء والسمور ونحو ذلك لانه من صيد البر ودوابه وان قتله المحرم جزاه وأما الضفدع فلا يحل أكله أصلا لنهى النبى ﷺ عن ذبحها (٦).
стр. 4887
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار أنه يحل من البحر ما أخذ سواء كان حيا أو ميتا وسواء كان بتصيد آدمى أو جزر الماء عنه أو قذفه أو نضوبه لقول النبى ﷺ : «هو الحل ميتته وقوله ﷺ : ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكله» ويحرم مستخبثه وهو ما حرم شبهه فى البر كالجرى والمارماهى:
والسلحفاة وقيل: لا لعموم قول الله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ» (١) قلنا خصصها القياس لا يحل الا السمك ونحوه كالصير والصيراك وما عاش فى البر كالضفادع والسرطان حرم لخبثة ولا يحرم ما اصطاده كافر من البحر اذ هو ميتة وميتة البحر حلال الا ما خصه دليل يحرم لقوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ.» (٢) والخطاب للمسلمين (٣).
ويحرم الطافى وهو ما مات بغير ما مر لقول النبى ﷺ «وما وجدتموه طافيا فلا تأكلوه».
وقال آخر: بل هو حلال لعموم قول الله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمُ» وقول النبى ﷺ : «هو الحل ميتته».
وما ذكرنا أولا أصح لأن الخبر المروى فيه خاص وأرجح.
واذا وجد سمكة ميتة فى بطن سمكة حل أكلهما كموته فى يد الصائد والقائه فى الزيت حيا (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أنه انما يحل من حيوان البحر السمك له فلس وان زال عنه فى بعض الأحيان كالكنعت ويقال له الكنعد بالدال المهملة - وهو ضرب من السمك له فلس ضعيف يحتك بالرمل فيذهب عنه ثم يعود (٥).
ولا يحل من حيوان البحر الجرى (٦) والمارماهى (٧) والزهو (٨) على قول الأكثر وبه أخبار لا تبلغ حد الصحة وجاء بحلها أخبار صحيحة حملت على التقية ويمكن حمل النهى على الكراهة كما فعل الشيخ فى موضع من النهاية الا أنه رجع فى موضع آخر وحكم بقتل
стр. 4888
مستحلها، وحكايته قولا مشعرة بتوقفه مع أنه رجح فى الدروس التحريم وهو الأشهر.
وكذلك لا يحل السلحفاة والضفدع والسرطان وغيرها من حيوان البحروان كان جنسه فى البر حلالا سوى السمك المخصوص والجلال من السمك - وهو الذى اغتذى العذرة محضا حتى نما بها - كغيره حتى يستبرئ بأن يطعم علفا طاهرا مطلقا على الأقوى فى الماء الطاهر يوما وليلة. روى ذلك عن الرضا بسند ضعيف وفى الدروس أنه يستبرئ يوما الى الليل ثم نقل الرواية وجعلها أولى ومستند اليوم رواية القاسم بن محمد الجوهرى وهو ضعيف.
أيضا الا أن الأشهر الأول وهو المناسب ليقين البراءة المزيل حكم التحريم الى أن يعلم المزيل، ولولا الاجماع على عدم اعتبار أمر آخر فى تحليله لما كان ذلك قاطعا للتحريم لضعفه (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن كل حيوان بحرى طاهر ولو كان تطول حياته فى البحر كجمل البحر فانه قد يبقى حيا فى البر سبعة أيام فيجوز القطع منه والأكل وهو حى وسواء فى حيوان البحر ما مات باصطياد أو وجد ميتا على الماء أو فى طرف البحر فى البحر أو أسفل الماء كما يدل عليه اطلاق حديث: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وكما يدل عليه أنهم لما وجدوا حوتا فى ساحل البحر وأكلوا منه وقدموا المدينة ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: هو رزق أخرجه الله اليكم فهل معكم شئ من لحمه فتطعمونا فأرسلوا اليه منه فأكل فدل على أنه حلال، ولو وجد ميتا وعلى أنه حل لهم بدون اضطرارهم اليه لان النبى ﷺ أكل منه بلا ضرورة وكما يدل له عموم حديث:
أحل لكم ميتتان ودمان ولا يحرم من الحوت شئ ولو بصورة ما يحرم كالانسان والخنزير وقيل: يحرم ما على صورة المحرم أو على صورة المحرم وصورة المحلل معا أو على صورة المحرم وصورة المكروه معا، أو على صورة المحلل، والمحرم والمكروه معا ويكره ما على صورة المكروه أو على صورة المكروه والمحلل بلا كراهة معا. وذلك قياس ضعيف لا يقبل، ولا يشمله النص، لأنه اذا أطلق تحريم الخنزير والانسان وكراهة نحو الذئب مثلا لم يتناول ما فى البحر بل يتبادر أن المراد البرى من ذلك (٢).
٢ - حكم تناول الأطعمة الحيوانية البرية:
يختلف حكم تناول الأطعمة الحيوانية البرية تبعا لاختلاف أنواعها، وهى
стр. 4889
تتنوع على حسب خصائصها وطبائعها، فتنقسم تبعا ذلك الى الأقسام الآتية:
١ - حيوان ليس له دم أصلا، ٢ - حيوان ليس له دم سائل، ٣ - حيوان له دم سائل وهو أرضى مستأنس ٤ - حيوان له دم سائل وهو أرضى متوحش ٥ - حيوان له دم سائل وهو طائر.
أولا: حكم تناول ما ليس له دم أصلا من
الحيوان البرى وما ليس له دم سائل
منها .
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أنه لا يحل أكل ما ليس له دم أصلا من الحيوان البرى مثل الجراد والزنبور (١) والذباب والعنكبوت والخنفساء والعقرب ونحو ذلك. ويستثنى الجراد خاصة من عدم حل الأكل أما تحريم ما عدا الجراد فلأن أفراد هذا النوع كلها من الخبائث ولاستبعاد الطبائع السليمة اياها وقد قال الله ﵎: «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» (٢) الا أن الجراد قد خص من هذه الجملة بقول النبى ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال، فبقى على ظاهر العموم (٣).
وكذلك حكم تناول ما ليس له دم سائل من مثل الحية والوزغ (٤) وسام ابرص وجميع الحشرات وهوام الأرض من الفأر والقراد والقنافذ (٥) والضب واليربوع وابن عرس (٦) ونحوها فلا يحل أكل شئ من ذلك ولا خلاف فى حرمة هذه الأشياء وذلك لقول الله ﵎:
«وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» وكل هذه من الخبائث دون استثناء، وقد روى عن السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ أهدى اليه لحم ضب فامتنع أن يأكله فجاءت سائلة فأرادت السيدة عائشة رضى الله عنها أن تطعمها اياه فقال لها رسول الله ﷺ ، أتطعمين ما لا تأكلين ولا يحتمل أن يكون امتناع النبى ﷺ عن الأكل من
стр. 4890
الضب لما أن نفسه الشريفة عافته لأنه لو كان كذلك لما منع السيدة عائشة من أن تتصدق به كما حدث فى شاة الأنصار من أن النبى ﷺ لما امتنع من أكلها أمر بالتصدق بها (١).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى: أنه يباح أكل العقرب (٢) والخنافس (٣) وكذلك بنات (٤) وردان كما يباح من الحشرات الدود والنمل وما فى معناها - وهو مراد أهل المذهب بما لا نفس له سائلة طاهر - وان مات حتف أنفه (٥).
وذكر الدسوقى فى حاشيته على الشرح الكبير أنه يباح أكل خشاش الأرض ان قبلته طبيعته والا فلا يجوز أكله حيث ترتب عليه ضرر، لأنه قد يعرض للطاهر المباح ما يمنع أكله (٦). ولا يفهم من حل هذه الأنواع أنه يحل أكلها بدون ذكاة بل ان حل الأكل يفتقر الى ذكاة مع ذكر اسم الله تعالى وجوبا مع القدرة عليه.
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج: أنه لا تحل الحشرات كخنفساء وهى أنواع منها بنات وردان وحمار قبان والصرصار وتحرم دوات السموم والابر والوزغ بأنواعها لاستخباثها ولان رسول الله ﷺ أمر بقتلها ويحرم سام أبرص - وهو كبار الوزغ ويحرم الدود وهو أنواع كثيرة تدخل فيها الأرضة ودود القز والدود الأخضر الذى يوجد على شجر الصنوبر (٧).
وجاء فى نهاية المحتاج أنه يحل أكل الجراد بالاجماع سواء فى ذلك ما صيد حيا ومات وما مات حتف أنفه ولو صاده مجوسى ونحوه فيحل ولا اعتبار بفعله وكذا يحل أكل الدود المتولد من طعام وخل وفاكهة اذا أكل معه سواء كان الدود حيا أو ميتا فى الأصح وذلك لعسر تمييزه غالبا لانه كجزئه طبعا وطعما أما ان كان هذا الدود منفردا فانه يحرم. ومحل ما ذكره
стр. 4891
حيث لم ينقل من موضع الى آخر ولم يغيره، والا حرم. ويقاس على الدود التمر والباقلاء المسوسان اذا طبخا وكذا العسل اذا وقع به نمل وطبخ (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن الحشرات حرام كلها كديدان وجعلان وبنات وردان - نحو الخنفساء حمراء اللون وأكثر ما تكون فى الحمامات والكنف - وخنافس وأوزاغ وصراصر وحرباء (٢) وعضاة (٣) وجراذين (٤) وحيات وعقارب وخفاش - وهو الوطواط وزنبور ونحل ونمل وذباب وطبابيع (٥) - قمل أحمر - وقمل وبراغيث ونحوها (٦).
وجاء فى المغنى أنه يجوز أكل الأطعمة التى فيها الدود والسوس كالفواكه والقثاء والخيار والبطيخ والحبوب والخل اذا لم تقذره نفسه وطابت به لأن التحرز من ذلك يشق ويجوز أكل العسل بقشه وفيه فراخ لذلك وان نقاه فحسن فقد روى عن النبى صلى عليه وسلم أنه أتى بتمر عتيق فجعل يفتشه ويخرج السوس منه وينقيه.
وهذا أحسن (٧).
وذكر ابن قدامة أنه يباح أكل الجراد باجماع أهل العلم فقد قال عبد الله بن أبى أوفى غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد رواه البخارى وأبو داود.
ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب فى قول عامة أهل العلم وعن أحمد أنه اذا قتله البرد لم يؤكل.
стр. 4892
وعنه لا يؤكل اذا مات بغير سبب.
ويدل للقول الأول عموم قول النبى ﷺ : أحلت لنا ميتتان ودمان فالميتتان السمك والجراد ولم يفصل ولأنه تباح ميتته فلم يعتبر له سبب كالسمك ولأنه لو افتقر الى سبب لافتقر الى ذبح وذابح وآلة كبهيمة الأنعام (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى: أن الجراد حلال اذا أخذ ميتا أو حيا سواء بعد ذلك مات فى الظروف أو لم يمت لما روى عن عبد الله بن أبى أوفى أنه قال: غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أو ستا نأكل معه الجراد (٢).
والضب حلال لما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما قال:
دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة فأتى بضب محنوذ (٣) فرفع رسول الله ﷺ يده فقلت أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا. ولكنه لم يكن أرض قومى فأجدنى أعافه. قال خالد: فاجتزرته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر (٤) وكذلك يحل (٥) أكل القنافذ واليربوع وام حبين (٦) والوبر (٧) والسرطان (٨) والجراذين والورل (٩) وكل ما أمكن أن يذكى مما لم يفصل تحريمه وكذلك الخفاش والوطواط والخطاف لقول الله تعالى: «كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً.» (١٠) مع قوله تعالى: «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.» (١١) ولا يحل أكل الحلزون (١٢) البرى ولا شئ من الحشرات كلها كالوزغ والخنافس
стр. 4893
والنحل والنمل والذباب والدبر (١) كله والدود كله سواء كانت طيارة أو غير طيارة والقمل والبراغيث والبق والبعوض وكل ما كان من أنواعها لقول الله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» وقوله تعالى: «إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ» وقد صح البرهان على أن الذكاة فى المقدور عليه لا تكون الا فى الحلق أو الصدر فما لم يقدر فيه على ذكاة فلا سبيل الى أكله فهو حرام لامتناع أكله الا ميتة غير مذكى هذا الى أن ما ذكرنا قسمان:
قسم مباح قتله كالوزغ والخنافس والبراغيث والبق والدبر.
وقسم محرم قتله كالنمل والنحل فالمباح قتله لا ذكاة فيه لأن قتل ما تجوز فيه الذكاة اضاعة للمال وما لا يحل قتله لا تجوز فيه الذكاة.
وقد روينا من طريق الشعبى: كل ما ليس له دم سائل فلا ذكاة فيه وروى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: اذا وقع الذباب فى اناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فان فى أحد جناحيه شفاء وفى الآخر داء. فأمر ﵊ بطرحه ولو كان حلالا أكله ما أمر بطرحه (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار: أنه يحرم أكل النحلة والنملة لأنهما من الخمسة التى ورد النهى عن قتلها وكذا يحرم من الحيوان الذى لا دم له سائل ما استخبثته العرب. كالخنفساء والعظاية والوزغ والجعلان والذباب والبعوض والزنبور والقمل والكتان والبق والبرغوث لقول الله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٣ الْخَبائِثَ» وهى مستخبثة عندهم والقرآن نزل بلغتهم فكان استخباثهم طريق تحريم فان استخبثه البعض اعتبر الأكثر. والعبرة باستطابة أهل السعة لا ذوى الفاقة (٤) ويحرم دود الجبن والباقلاء، والتمر اذ كان النبى ﷺ يفتش التمر خشية الدود (٥).
وجاء فى شرح الأزهار أن دود الجبن والباقلاء والتمر ونحوه يحرم بعد انفصاله وأما مع اتصاله بذلك فقيل
стр. 4894
يجوز وكذا يحرم قملة الماء ودود الحب.
وأما الجراد فمع أنه حيوان برى ولا دم له غير أنه حلال أكله ويجوز أكل حيه وميته، وقد أكلها النبى ﷺ فى سبع غزوات وأما أكل الشظا - قال فى البحر وهو ذباب يخرج أيام الصيف - فانه يحل أكله لقول الله تعالى «أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» (١) ولقول الله تعالى: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ» (٢) ولقوله تعالى «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» (٣) وقوله تعالى: «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» (٤) «وَمِمّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ»﴾.
هذا وقد ذكر فى التقرير أنه لا يجوز عند يحيى ﵇.
وكما يحرم ما لا دم له من البرى يحرم ما وقعت فيه ميتة نحو أن يقع فى شئ من الطعام أو الشراب ذباب أو نحوه مما لا دم له وكبرت ميتته فيه فانه يحرم ذلك الطعام أن أنتن بها (٥).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أنه يحرم من الحيوانات البرية الضب والحشرات كلها كالحية والفأرة والعقرب والخنافس والصراصير وبنات وردان والبراغيث (٦) والقمل، واليربوع والقنفذ والوبر وكذا تحرم (٧) الزنابير بنوعيها الأحمر والأصفر، والبق والذباب (٨).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه يحرم أكل نحو عقرب وزنبور وجعل وخنفساء وذباب ونملة وعنكبوت لاستخباثها ولسم العقرب (٩)، وذكر صاحب شرح النيل ثلاثة أقوال فى حكم أكل مستقذرات الهوام - وهن الخشاخش - سواء كن ذوات سم أو لا كالحية والاماحى (١٠) قيل حكم ذلك كله التحريم لانهن خبيثات ويعدون كالسبع.
стр. 4895
وقيل: حكمها الحل، وقيل الكراهة،
وقيل: لا حكم لاستخباث العرب الشئ بل ينظر غالب قوته وشبهه بمحرم أو محل (١).
ومثل ذلك الأوزاغ - ويقال لكبارها سام أبرص - والصحيح التحريم لاستقذارها وضررها والأمر بقتلها فقد جاء فى صحيح البخارى أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ - وروى البخارى ومسلم وابن ماجة والنسائى عن أم شريك أنها استأمرت النبى ﷺ فى قتل الوزغان فأمرها بذلك والحرباء ويقال لها: أم حبين، وقيل:
الحرباء ذكر وأم حبين الانثى.
وقال فى الروضة الحرباء نوع من الوزغ غير مأكولة ومقتضى كونها ذكر أم حبين أنها تؤكل لان أم حبين تؤكل لانها طيبة.
وأما السلحفاة فقد حكى البغوى فى حلها وجهين وقد روينا عن عطاء اباحة أكل السلحفاة ولا بد من ذكاة لها.
وقيل: تحل بلا ذكاة، والقولان فى المذهب.
ويحل مطلقا أكل القنفذ واليربوع والوبر والضب، فقد قيل فى الضب انه حلال الأكل اجماعا لقول النبى ﷺ لخالد بن الوليد:
لا، حين قال له: أحرام هو؟ كما ذكره الشيخ فى الايضاح عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما، وكذا رواه عنه البخارى ومسلم وفى رواية مسلم: لا آكله ولا أحرمه. وفى أخرى: كلوه فانه حلال ولكنه ليس من طعامى (٢).
ثانيا: حكم تناول ما له دم سائل وهو حيوان
مستأنس غير طائر ولا داجن:
يختلف حكم تناول الحيوان البرى المستأنس الذى له دم سائل تبعا لاختلاف أنواعه وخصائص كل نوع:
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أن المستأنس ان كان من البهائم مثل الابل والبقر والغنم - فهو حلال بالاجماع وبقول الله ﵎: «وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ، وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ» (٣) وقوله «اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ.» (٤) واسم الانعام يقع على هذه الحيوانات بلا خلاف بين أهل اللغة.
ولا تحل البغال والحمير عند عامة العلماء رحمهم الله تعالى، وحكى عن بشر
стр. 4896
المريسى رحمه الله تعالى أنه قال: لا بأس بأكل الحمار، واحتج بظاهر قول الله : «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ» (١) ولم يذكر الحمير الانسية وروى أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ وقال: انه فنى مالى ولم يبق لى الا الحمر الاهلية، فقال ﷺ : كل من سمين مالك فانى انما كنت نهيتكم عن جلال القرية، وروى:
عن جوال القرى - بتشديد اللام وروى: فانما قذرت لكم جالة القرية.
ويدل لنا قول الله ﵎:
«وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً.» وسنذكر وجه الاستدلال بالآية ان شاء الله بعد قليل.
وروى أبو حنيفة عن نافع عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أنه قال: نهى رسول الله ﷺ فى غزوة خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن متعة النساء وروى أن سيدنا عليا رضى الله تعالى عنه قال لابن عباس رضى الله تعالى عنهما وهو يفتى الناس فى المتعة أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، فرجع ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن ذلك وروى أنه قيل للنبى ﷺ يوم خيبر: أكلت الحمر فأمر أبا طلحة رضى الله تعالى عنه ينادى أن رسول الله ﷺ ينهاكم عن لحوم الحمر فانها رجز - وروى فانها رجس - وهذه أخبار مستفيضة عرفها الخاص والعام وقبلوها وعملوا بها وظهر العمل بها وأما الآية فقد اختص منها أشياء غير مذكورة فيها فيختص المتنازع فيه بما ذكرنا من الدلائل مع أن ما روينا من الأخبار مشهورة ويجوز نسخ الكتاب بالخبر المشهور.
وعلى أن فى الآية الشريفة أنه لا يحل سوى المذكور فيها وقت نزولها لان الأصل فى الفعل هو الحال فيحتمل أنه لم يكن وقت نزول الآية تحريم سوى المذكور فيها ثم حرم ما حرم بعد، على أنا نقول بموجب الآية لا محرم سوى المذكور فيها ونحن لا نطلق اسم المحرم على لحوم الحمر الأهلية اذ المحرم المطلق ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به فأما ما كانت حرمته محل الاجتهاد فلا يسمى محرما على الاطلاق بل نسميه مكروها فنقول بوجوب الامتناع عن أكلها عملا مع التوقف فى اعتقاد الحل والحرمة.
وأما الحديث فيحتمل أن يكون المراد من قوله ﷺ : كل من سمين مالك، أى من أثمانها كما يقال فلان أكل عقاره، أى ثمن عقاره.
стр. 4897
ويحتمل أن يكون ذلك اطلاقا للانتفاع بظهورها بالاكراء كما يحمل على شئ مما ذكرنا عملا بالدلائل كلها.
ويحتمل أنه كان قبل التحريم فانفسخ بما ذكرنا وان جهل التاريخ فالعمل بالحاظر أولى احتياطا.
فان قيل: أن ما روينا يحتمل أيضا أنه ﷺ نهى عن أكل الحمر يوم خيبر لأنها كانت غنيمة من الخمس أو لقلة الظهر أو لانها كانت جلالة فوقع التعارض.
أجبنا بأن شيئا من ذلك لا يصلح محملا.
أما الأول فلأن ما يحتاج اليه الجند لا يخرج منه الخمس كالطعام والعلف.
وأما الثانى فلأن المروى أن رسول الله ﷺ أمر باكفاء القدور يوم خيبر ومعلوم أن ذلك مما لا ينتفع به فى الظهر.
وأما الثالث فلأنه ﷺ خص النهى بالحمر الأهلية وهذا المعنى لا يختص بالحمر بل يوجد فى غيرها.
وأما لحم الخيل فقد قال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه يكره.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: لا يكره واحتجا بما روى عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنهما أنه قال: أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله ﷺ ، وروى عن جابر رضى الله تعالى عنه أنه قال:
نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية وأذن فى الخيل، وروى أنه قال أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية وأذن فى الخيل وروى أنه قال أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر. وروى عنه أنه قال كنا قد جعلنا فى قدورنا لحم الخيل ولحم الحمار فنهانا النبى ﷺ أن نأكل لحم الحمار وأمرنا أن نأكل الخيل. وعن سيدتنا أسماء بنت سيدنا أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنهما انها قالت: نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه.
وأما قول أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه بالكراهة فيستدل له بالكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب العزيز فقوله جل شأنه:
«وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً» ووجه الاستدلال به ما حكى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فانه روى أنه سئل عن لحم الخيل، فقرأ بهذه الآية الشريفة وقال ولم يقل تبارك
стр. 4898
وتعالى لتأكلوها. فيكره أكلها. وتمام هذا الاستدلال أن الله ﵎ ذكر الأنعام فيما تقدم ومنافعها وبالغ فى ذلك بقوله تعالى: «وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ»
وكذا ذكر فيما بعد هذه الآية الشريفة متصلا بها منافع الماء المنزل من السماء والمنافع المتعلقة بالليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والمنافع المتعلقة بالبحر على سبيل المبالغة بيان شفاء لا بيان كفاية وذكر فى هذه الآية أنه خلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة ذكر منفعة الركوب والزينة ولم يذكر منفعة الأكل فدل أنه ليس فيها منفعة أخرى سوى ما ذكرناه ولو كان هناك منفعة أخرى سوى ما ذكرنا لم يحتمل أن لا نذكرها عند ذكر المنافع المتعلقة بها على سبيل المبالغة والاستقصاء وقوله «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» ولحم الخيل ليس بطيب بل هو خبيث لان الطباع السليمة لا تستطيبه بل تستخبثه حتى لا تجد أحدا ترك بطبعه الا ويستخبثه وينفر طبعه عن أكله وانما يرغبون فى ركوبه الا برغب طبعه فيما كان محبولا عليه وبه تبين أن الشرع انما جاء باحلال ما هو مستطاب فى الطبع لا بما هو مستخبث ولهذا لم يجعل المستخبث فى الطبع غذاء اليسر وانما جعل ما هو مستطاب بلغ فى الطيب غايته.
وأما السنة فما روى عن جابر رضى الله عنه أنه قال لما كان يوم خيبر أصاب الناس مجاعة فأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها فحرم رسول ﷺ لحوم الحمر الأنسية ولحوم الخيل والبغال وكل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير، وحرم الخلسة والنهبة. وعن خالد بن الوليد رضى الله تعالى عنه أنه قال نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وعن المقدام ابن معدى كرب أن النبى ﷺ قال: حرم عليكم الحمار الأهلى وخيلها. وهذا نص على التحريم. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: الخيل لثلاثة فهى لرجل ستر ولرجل أجر ولرجل وزر، ولو صلحت للأكل لقال ﷺ :
الخيل لأربعة، لرجل ستر ولرجل أجر ولرجل وزر ولرجل طعام. وأما دلالة الاجماع فهى أن البغل حرام بالاجماع، وهو ولد الفرس فلو كانت أمه حلالا لكان هو حلالا أيضا لان حكم الولد حكم أمه لأنه منها وهو كبعضها، ألا ترى أن حمار وحش لو نزى على حمارة أهلية فولدت لم يؤكل ولدها ولو نزا حمار أهلى على حمارة وحشية وولدت يؤكل ولدها ليعلم أن حكم الولد حكم أمه فى الحل والحرمة دون الفحل، فلما
стр. 4899
كان لحم الفرس حراما كان لحم البغل كذلك.
وأما ما روى فى بعض الروايات عن جابر، وما فى رواية سيدتنا أسماء رضى الله تعالى عنها فيحتمل أنه كان ذلك فى الحال التى كان يؤكل فيها الحمر، لأن النبى ﷺ إنما نهى عن أكل لحوم الحمر يوم خيبر وكانت الخيل تؤكل فى ذلك الوقت ثم حرمت يدل عليه ما روى عن الزهرى أنه قال ما علمنا الخيل أكلت الا فى حصار وعن الحسن رضى الله تعالى عنه أنه قال كان أصحاب رسول الله ﷺ يأكلون لحوم الخيل فى مغازيهم فهذا يدل على أنهم كانوا يأكلونها فى حال الضرورة كما قال الزهرى رحمه الله تعالى: أو يحمل على هذا عملا بالدليل صيانة لها عن التناقض أو يترجح الحاظر على المبيح احتياطا.
وهذا الذى ذكرنا حجج أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه على رواية الحسن أنه يحرم أكل لحم الخيل.
وأما على ظاهر الرواية عن أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه أنه يكره أكله ولم يطلق التحريم لاختلاف الأحاديث المروية فى الباب واختلاف السلف فكره أكل لحمه احتياطا لباب الحرمة (١).
هذا حكم تناول المستأنس من البهائم.
أما المستأنس من السباع وهو الكلب والسنور الأهلى فلا يحل لما روى فى الخبر المشهور عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير، وعن الزهرى رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : كل ذى ناب من السباع حرام.
ولا بأس بأكل الأرنب لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأهدى له أعرابى أرنبة مشوية فقال لأصحابه: كلوا وعن محمد بن صفوان أو صفوان بن محمد أنه قال: أصبت أرنبتين فذبحتهما بمروة وسألت عن ذلك رسول الله ﷺ فأمرنى بأكلهما (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى أن النعم من المباح أكله وهى الابل والبقر والغنم ولو جلالة، ولو تغير لحمه من ذلك وهو المشهور عند اللخمى وباتفاق عند ابن رشد.
وقيل: ان الحيوان الذى يصيب النجاسة لحمه وعرقه ولبنه وبوله (٣)
стр. 4900
نجس ثم ذكر الخرشى أن من الحيوان المحرم الخيل والبغال والحمير والخنزير والكلب على أحد الأقوال.
أما الخنزير البرى فلا خلاف فى تحريم لحمه وشحمه وجلده وعصبه كل ذلك حرام، وأما الخيل والبغال والحمير فالمشهور انها حرام.
وهناك رأى آخر روى عن الامام مالك رحمه الله تعالى بكراهة أكل البغال والحمير وأما الخيل فقيل بالكراهة والاباحة والمعتمد التحريم.
ولو كان الحمار وحشيا دجن فان توحش بعد ما دجن فانه يحكم له بحكم أصله فيكون مباحا وذلك خلافا لابن القاسم حيث قال: لا يكون ذلك ناقلا والاباحة باقية ووجهه أنه لو كان تأنسه ناقلا له عن حكم الأصل للزم مثل ذلك فى الأهلى اذا توحش أن يؤكل ولا قائل به. ورد ذلك بمراعاة الاحتياط فى الأول دون الثانى (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن من الحيوانات البرية التى يحل أكلها الابل والبقر والغنم وان اختلفت أنواعها لقول الله ﵎: «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ» والخيل - ولا واحد له من لفظه كقوم وقيل مفرده خائل، لا فرق فى ذلك بين العربية وغيرها لخبر الصحيحين عن جابر رضى الله تعالى عنه نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن فى لحوم الخيل. وفيهما عن أسماء رضى الله تعالى عنها قالت: نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ وأكلناه ونحن بالمدينة وأما خبر خالد فى النهى عن أكل لحوم الخيل فقال الامام أحمد وغيره منكر وقال أبو داود: منسوخ والاستدلال على التحريم بقوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً» ولم يذكر الأكل مع أنه فى سياق الامتنان.
مردود كما ذكره البيهقى وغيره فان الآية مكية بالاتفاق ولحوم الحمر انما حرمت يوم خيبر سنة سبع بالاتفاق.
فدل على أنه لم يفهم النبى ﷺ ولا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فى الآية تحريما لا للحمر ولا لغيرها فانها لو دلت على تحريم الخيل دلت على تحريم الحمر وهم لم يمنعوا منها بل امتدت الحال الى يوم خيبر فحرمت وأيضا الاقتصار على ركوبها والتزين بها لا يدل على نفى الزائد عليهما وانما خصهما بالذكر لانهما معظم المقصود من الخيل (٢).
стр. 4901
ويحل أكل الأرنب لأنه بعث بوركها الى النبى ﷺ فقبله وأكل منه رواه البخارى ويحرم أكل البغل للنهى عن أكله فى خبر أبى داود باسناد على شرط مسلم ولتولده بين حلال وحرام فانه متولد بين فرس وحمار أهلى، فان كان الذكر فرسا كان شديد الشبه بالحمار، وان كان الذكر حمارا كان البغل شديد الشبه بالفرس فان تولد بين فرس وحمار وحشى أو بين فرس وبقر حل بلا خلاف.
وكذا يحرم حمار أهلى وان توحش للنهى عنه فى خبر الصحيحين (١) وتحرم الهرة الأهلية أيضا على الصحيح، ففى الحديث أنها سبع، وقيل تحل لضعف نابها (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن من الحيوان المباح أكله بهيمة الأنعام وهى الابل والبقر والجاموس والغنم ضأنها ومعزها لقول الله ﵎: «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ».
وكذا يباح المتولد من مأكولين كبغل من حمار وحش وخيل ولو كانت الخيل غير عربية ويباح الأرنب أيضا (٣).
ويحرم من الحيوانات الآدمى لدخوله فى عموم قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» ولمفهوم حديث: أحل لنا ميتتان ودمان.
ويحرم الحمر الأهلية ولو توحشت قال ابن عبد البر لا خلاف فى تحريمها وسنده حديث جابر رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن فى لحوم الخيل متفق عليه.
ويحرم الخنزير بالنص والاجماع مع أن له نابا يفترس به.
كما يحرم الكلب والسنور الأهلى لما رواه جابر أن النبى ﷺ نهى عن أكل الهر رواه أبو داود وابن ماجه والترمذى رضى الله تعالى عنهما (٤).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه يحل أكل الخيل والبغال ولا يحل أكل شئ من الحمر الانسية توحشت أو لم تتوحش لما روينا من طريق البخارى أن رسول الله ﷺ أمر مناديا فنادى أن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فانها رجس فأكفئت القدر وانها
стр. 4902
لتفور باللحم فصح أنها كلها رجس، واهراق الصحابة رضى الله تعالى عنهم القدور بها بحضرة النبى ﷺ بيان أن ودكها وشحمها وعظمها وكل شئ منها حرام. وروى عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن فى لحوم الخيل. وأما البغل فقد قال الله تعالى «يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً» (١) وقال تعالى:
«وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ.» (٢) فالبغل حلال بنص القرآن لانه لم يفصل تحريمه (٣).
ولا يحل أكل شئ من الخنزير لا لحمه ولا شحمه ولا جلده ولا عصبه ولا غضروفه ولا حشوته ولا مخه ولا عظمه ولا رأسه ولا أطرافه ولا لبنه ولا شعره سواء كان ذكرا أو انثى صغيرا أو كبيرا لقوله تعالى: «أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً» والضمير فى لغة العرب التى نزل بها القرآن راجع الى أقرب مذكور اليه فصح بالقرآن أن الخنزير بعينه رجس فهو كله رجس وبعض الرجس رجس والرجس حرام واجب اجتنابه فالخنزير كله حرام (٤).
ولا يحل أكل لحوم الناس ولو ذبحوا لان الله تعالى قال: «وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ.» (٥) ولأمر رسول الله ﷺ بأن يوارى كل ميت من مؤمن أو كافر فمن أكله فلم يواره، ومن لم يواره فقد عصى الله تعالى (٦).
والأرنب حلال لانه لم يفصل لنا تحريمها.
وقد اختلف السلف فيها. لما روينا من طريق وكيع عن عمر أو ابن عمر أنه كره الأرنب وروى أن سعد ابن أبى وقاص أكلها واحتج من كرهها بخبر من طريق وكيع عن عكرمة أن النبى ﷺ أتى بأرنب فقيل له: انها تحيض فكرهها». وروى عن عبد الكريم أبى أمية قال: سأل جرير بن أنس الأسلمى النبى ﷺ عن الأرنب فقال: لا آكلها أنبئت أنها تحيض» هذا وقد صح من طريق شعبة عن أنس بن مالك أنه صاد أرنبا فأتى بها أبا طلحة فذبحها وبعث الى النبى ﷺ بوركها وفخذيها فأتيت بها النبى ﷺ فقبلها. وروى من طريق أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى
стр. 4903
صلّى الله عليه وسلّم أتى بأرنب مشوية فلم يأكل ﵊ منها وأمر القوم فأكلوا، فهذا نص صحيح فى تحليلها وقد يكرهها ﷺ خلقة لا لاثم فيها ونحن لعمر الله نكرهها جملة ولا نقدر على أكلها أصلا وليس هذا من التحريم فى شئ (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: ان من بين ما يكره أكله الأرنب لأن النبى ﷺ عند ما أهديت اليه رأى فى حياها دما فردها وكرهنا ما كرهه ﷺ .
وفى أحد قولى الناصر أنها محرمة (٢).
ويحرم أكل الخيل والبغال وروى عن الحسن أنه يبيح أكلها. وكذلك يحرم أكل الحمير الأهلية والخنزير (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أنه يكره أكل الخيل والبغال والحمير الأهلية فى الأشهر، وآكدها أنه يكره البغل لتركيبه من الفرس والحمار وهما مكروهان فجمع الكراهتين ثم الحمار.
وقال القاضى: بالعكس آكدها كراهة الحمار ثم البغل لأن المتولد من قوى الكراهة وضعيفها أخف كراهة من المتولد من قويها خاصة وقيل بتحريم البغل، وفى صحيحة ابن سكان النهى عن الثلاثة الا لضرورة وحملت على الكراهة جمعا (٤).
ويحرم الكلب والخنزير والسنور والأرنب (٥).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه يكره الأرنب للحيض والا فهى تأكل العشب ولا تصطاد، روى البيهقى عن ابن عمر أن النبى ﷺ جئ له بأرنب فلم يأكلها ولم ينه عنها وذكر أنها تحيض وهى تأكل اللحم وغيره وتجتر وتبعر وفى باطن أشداقها شعر وتحت رجليها روى الترمذى عن حيان بن جزء عن أخيه خزيمة بن جزء قلت يا رسول الله ما تقول فى الأرنب قال: لا آكله ولا أحرمه قلت: ولم يا رسول الله؟ قال: انى أحسب أنها تدمى أى تحيض.
стр. 4904
وقال الجمهور الأرنب حلال بلا كراهة قال أنس: أنفحنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم عليها فلغبوا فأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها وفخذها وقبلها (١).
وفى ذوات الحوافر كالخيل والبغال والحمير الأهلية والفيل أقوال.
أولها التحريم.
وثانيها التحليل.
وثالثها الكراهية.
ورابعها تحليل الخيل فقط (٢).
ويحرم لحم الخنزير مطلقا سواء لم تزل حياته أو زالت بأى شئ كان.
واختلف فى أجزاء الخنزير غير اللحم فقال أصحابنا كاللحم مثل الجلد والشعر والعظم اذا زال ودكه.
وحجة من قال: المحرم لحمه فقط هو أن الضمير فى قوله عز وعلا «فَإِنَّهُ رِجْسٌ» عائد الى المضاف، لأن الأصل عود الضمير اليه لأنه المحدث عنه لا المضاف اليه لانه وقع ذكره بطريق العرض وهو تعريف المضاف وتخصيصه كما قال أبو حيان. قلنا: هو هنا عائد الى المضاف اليه وهو الخنزير فيفيد تحريم الخنزير كله شحمه وكبده وطحاله وسائر أجزائه (٣).
ثالثا: حكم تناول ما له دم سائل وهو حيوان
متوحش غير طائر ولا داجن
مذهب الحنفية:
الحيوان المتوحش اما أن يكون بهيمة أو سبعا ولكل حكمه.
ذكر صاحب بدائع الصنائع أن المتوحش من البهائم حلال باجماع المسلمين - وذلك نحو الظباء وبقر الوحش وحمر الوحش وابل الوحش - ولقول الله ﵎: «يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» (٤) وقوله عز شأنه «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» (٥) وقوله :
«كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» (٦) ولحوم هذه الأشياء من الطيبات فكان حلالا.
وروى أنه لما سئل رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر فقال: الأهلية؟ فقيل:
стр. 4905
نعم. فدل قول رسول الله صلى عليه وسلم على اختلاف حكم الأهلية عن حكم الوحشية.
وقد ثبت أن الحكم فى الأهلية الحرمة لما ذكرنا من الدلائل فكان حكم الوحشية الحل ضرورة.
وروى أن رجلا من فهر جاء إلى النبى ﷺ وهو بالروحاء، ومع الرجل حمار وحشى عقره فقال:
هذه رميتى يا رسول الله وهى لك فقبله النبى ﷺ وأمر سيدنا أبا بكر رضى الله تعالى عنه فقسمه بين الرفاق.
والحديث وان ورد فى حمار الوحش لكن احلال الحمار الوحشى احلال للظبى والبقر الوحشى والابل الوحشى من طريق الأولى، لأن الحمار الوحشى ليس من جنسه من الأهلى ما هو حلال بل هو حرام وهذه الأشياء من جنسها الأهلى ما هو حلال فكانت أولى بالحل. هذا حكم المتوحش من من البهائم.
أما المتوحش من السباع - وهو كل ذى ناب من السباع - فلا يحل لما روى فى الخبر المشهور عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع وعن الزهرى رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ كل ذى ناب من السباع حرام، فذو الناب من سباع الوحش مثل الأسد والذئب والضبع والنمر والفهد والثعلب والسنور البرى والسنجاب والفنك والسمور والدلق والدب والقرد والفيل ونحوه فلا خلاف فى هذه الجملة أنها محرمة (١).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى أن الحيوان الوحشى الذى لم يفترس - أى لم يعد - كحمر الوحش والغزلان مباح الأكل (٢) وأنه يكره سبع وثعلب وذئب وهر وان كان وحشيا هذا ان لم يفترس، وهذا مذهب المدونة لقول مالك فيها، لا أحب أكل السبع ولا الثعلب ولا الهر الوحشى ولا الانسى ولا شئ من السباع ورواه العراقيون عن مالك، ولقوله تعالى «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ.» (٣) فهذه الآية دلت على عدم تحريم