ويحل أكل الأرنب لأنه بعث بوركها الى النبى ﷺ فقبله وأكل منه رواه البخارى ويحرم أكل البغل للنهى عن أكله فى خبر أبى داود باسناد على شرط مسلم ولتولده بين حلال وحرام فانه متولد بين فرس وحمار أهلى، فان كان الذكر فرسا كان شديد الشبه بالحمار، وان كان الذكر حمارا كان البغل شديد الشبه بالفرس فان تولد بين فرس وحمار وحشى أو بين فرس وبقر حل بلا خلاف.
وكذا يحرم حمار أهلى وان توحش للنهى عنه فى خبر الصحيحين (١) وتحرم الهرة الأهلية أيضا على الصحيح، ففى الحديث أنها سبع، وقيل تحل لضعف نابها (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع: أن من الحيوان المباح أكله بهيمة الأنعام وهى الابل والبقر والجاموس والغنم ضأنها ومعزها لقول الله ﵎: «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ».
وكذا يباح المتولد من مأكولين كبغل من حمار وحش وخيل ولو كانت الخيل غير عربية ويباح الأرنب أيضا (٣).
ويحرم من الحيوانات الآدمى لدخوله فى عموم قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» ولمفهوم حديث: أحل لنا ميتتان ودمان.
ويحرم الحمر الأهلية ولو توحشت قال ابن عبد البر لا خلاف فى تحريمها وسنده حديث جابر رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن فى لحوم الخيل متفق عليه.
ويحرم الخنزير بالنص والاجماع مع أن له نابا يفترس به.
كما يحرم الكلب والسنور الأهلى لما رواه جابر أن النبى ﷺ نهى عن أكل الهر رواه أبو داود وابن ماجه والترمذى رضى الله تعالى عنهما (٤).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه يحل أكل الخيل والبغال ولا يحل أكل شئ من الحمر الانسية توحشت أو لم تتوحش لما روينا من طريق البخارى أن رسول الله ﷺ أمر مناديا فنادى أن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فانها رجس فأكفئت القدر وانها
стр. 4902
لتفور باللحم فصح أنها كلها رجس، واهراق الصحابة رضى الله تعالى عنهم القدور بها بحضرة النبى ﷺ بيان أن ودكها وشحمها وعظمها وكل شئ منها حرام. وروى عن جابر ابن عبد الله أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن فى لحوم الخيل. وأما البغل فقد قال الله تعالى «يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً» (١) وقال تعالى:
«وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ.» (٢) فالبغل حلال بنص القرآن لانه لم يفصل تحريمه (٣).
ولا يحل أكل شئ من الخنزير لا لحمه ولا شحمه ولا جلده ولا عصبه ولا غضروفه ولا حشوته ولا مخه ولا عظمه ولا رأسه ولا أطرافه ولا لبنه ولا شعره سواء كان ذكرا أو انثى صغيرا أو كبيرا لقوله تعالى: «أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً» والضمير فى لغة العرب التى نزل بها القرآن راجع الى أقرب مذكور اليه فصح بالقرآن أن الخنزير بعينه رجس فهو كله رجس وبعض الرجس رجس والرجس حرام واجب اجتنابه فالخنزير كله حرام (٤).
ولا يحل أكل لحوم الناس ولو ذبحوا لان الله تعالى قال: «وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ.» (٥) ولأمر رسول الله ﷺ بأن يوارى كل ميت من مؤمن أو كافر فمن أكله فلم يواره، ومن لم يواره فقد عصى الله تعالى (٦).
والأرنب حلال لانه لم يفصل لنا تحريمها.
وقد اختلف السلف فيها. لما روينا من طريق وكيع عن عمر أو ابن عمر أنه كره الأرنب وروى أن سعد ابن أبى وقاص أكلها واحتج من كرهها بخبر من طريق وكيع عن عكرمة أن النبى ﷺ أتى بأرنب فقيل له: انها تحيض فكرهها». وروى عن عبد الكريم أبى أمية قال: سأل جرير بن أنس الأسلمى النبى ﷺ عن الأرنب فقال: لا آكلها أنبئت أنها تحيض» هذا وقد صح من طريق شعبة عن أنس بن مالك أنه صاد أرنبا فأتى بها أبا طلحة فذبحها وبعث الى النبى ﷺ بوركها وفخذيها فأتيت بها النبى ﷺ فقبلها. وروى من طريق أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى
стр. 4903
صلّى الله عليه وسلّم أتى بأرنب مشوية فلم يأكل ﵊ منها وأمر القوم فأكلوا، فهذا نص صحيح فى تحليلها وقد يكرهها ﷺ خلقة لا لاثم فيها ونحن لعمر الله نكرهها جملة ولا نقدر على أكلها أصلا وليس هذا من التحريم فى شئ (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: ان من بين ما يكره أكله الأرنب لأن النبى ﷺ عند ما أهديت اليه رأى فى حياها دما فردها وكرهنا ما كرهه ﷺ .
وفى أحد قولى الناصر أنها محرمة (٢).
ويحرم أكل الخيل والبغال وروى عن الحسن أنه يبيح أكلها. وكذلك يحرم أكل الحمير الأهلية والخنزير (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية: أنه يكره أكل الخيل والبغال والحمير الأهلية فى الأشهر، وآكدها أنه يكره البغل لتركيبه من الفرس والحمار وهما مكروهان فجمع الكراهتين ثم الحمار.
وقال القاضى: بالعكس آكدها كراهة الحمار ثم البغل لأن المتولد من قوى الكراهة وضعيفها أخف كراهة من المتولد من قويها خاصة وقيل بتحريم البغل، وفى صحيحة ابن سكان النهى عن الثلاثة الا لضرورة وحملت على الكراهة جمعا (٤).
ويحرم الكلب والخنزير والسنور والأرنب (٥).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أنه يكره الأرنب للحيض والا فهى تأكل العشب ولا تصطاد، روى البيهقى عن ابن عمر أن النبى ﷺ جئ له بأرنب فلم يأكلها ولم ينه عنها وذكر أنها تحيض وهى تأكل اللحم وغيره وتجتر وتبعر وفى باطن أشداقها شعر وتحت رجليها روى الترمذى عن حيان بن جزء عن أخيه خزيمة بن جزء قلت يا رسول الله ما تقول فى الأرنب قال: لا آكله ولا أحرمه قلت: ولم يا رسول الله؟ قال: انى أحسب أنها تدمى أى تحيض.
стр. 4904
وقال الجمهور الأرنب حلال بلا كراهة قال أنس: أنفحنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم عليها فلغبوا فأدركتها فأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها وفخذها وقبلها (١).
وفى ذوات الحوافر كالخيل والبغال والحمير الأهلية والفيل أقوال.
أولها التحريم.
وثانيها التحليل.
وثالثها الكراهية.
ورابعها تحليل الخيل فقط (٢).
ويحرم لحم الخنزير مطلقا سواء لم تزل حياته أو زالت بأى شئ كان.
واختلف فى أجزاء الخنزير غير اللحم فقال أصحابنا كاللحم مثل الجلد والشعر والعظم اذا زال ودكه.
وحجة من قال: المحرم لحمه فقط هو أن الضمير فى قوله عز وعلا «فَإِنَّهُ رِجْسٌ» عائد الى المضاف، لأن الأصل عود الضمير اليه لأنه المحدث عنه لا المضاف اليه لانه وقع ذكره بطريق العرض وهو تعريف المضاف وتخصيصه كما قال أبو حيان. قلنا: هو هنا عائد الى المضاف اليه وهو الخنزير فيفيد تحريم الخنزير كله شحمه وكبده وطحاله وسائر أجزائه (٣).
ثالثا: حكم تناول ما له دم سائل وهو حيوان
متوحش غير طائر ولا داجن
مذهب الحنفية:
الحيوان المتوحش اما أن يكون بهيمة أو سبعا ولكل حكمه.
ذكر صاحب بدائع الصنائع أن المتوحش من البهائم حلال باجماع المسلمين - وذلك نحو الظباء وبقر الوحش وحمر الوحش وابل الوحش - ولقول الله ﵎: «يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» (٤) وقوله عز شأنه «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» (٥) وقوله :
«كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» (٦) ولحوم هذه الأشياء من الطيبات فكان حلالا.
وروى أنه لما سئل رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر فقال: الأهلية؟ فقيل:
стр. 4905
نعم. فدل قول رسول الله صلى عليه وسلم على اختلاف حكم الأهلية عن حكم الوحشية.
وقد ثبت أن الحكم فى الأهلية الحرمة لما ذكرنا من الدلائل فكان حكم الوحشية الحل ضرورة.
وروى أن رجلا من فهر جاء إلى النبى ﷺ وهو بالروحاء، ومع الرجل حمار وحشى عقره فقال:
هذه رميتى يا رسول الله وهى لك فقبله النبى ﷺ وأمر سيدنا أبا بكر رضى الله تعالى عنه فقسمه بين الرفاق.
والحديث وان ورد فى حمار الوحش لكن احلال الحمار الوحشى احلال للظبى والبقر الوحشى والابل الوحشى من طريق الأولى، لأن الحمار الوحشى ليس من جنسه من الأهلى ما هو حلال بل هو حرام وهذه الأشياء من جنسها الأهلى ما هو حلال فكانت أولى بالحل. هذا حكم المتوحش من من البهائم.
أما المتوحش من السباع - وهو كل ذى ناب من السباع - فلا يحل لما روى فى الخبر المشهور عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع وعن الزهرى رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ كل ذى ناب من السباع حرام، فذو الناب من سباع الوحش مثل الأسد والذئب والضبع والنمر والفهد والثعلب والسنور البرى والسنجاب والفنك والسمور والدلق والدب والقرد والفيل ونحوه فلا خلاف فى هذه الجملة أنها محرمة (١).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى أن الحيوان الوحشى الذى لم يفترس - أى لم يعد - كحمر الوحش والغزلان مباح الأكل (٢) وأنه يكره سبع وثعلب وذئب وهر وان كان وحشيا هذا ان لم يفترس، وهذا مذهب المدونة لقول مالك فيها، لا أحب أكل السبع ولا الثعلب ولا الهر الوحشى ولا الانسى ولا شئ من السباع ورواه العراقيون عن مالك، ولقوله تعالى «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ.» (٣) فهذه الآية دلت على عدم تحريم
стр. 4906
هذه الأشياء ولما كان نفى التحريم لا يقتضى الجواز عينا أحتيط للكراهة.
وروى المدنيون عن مالك تحريم أكل ما يعدو من هذه الأشياء كالأسد والنمر والثعلب والكلب، وما لا يعدو يكره أكله كالضبع والهر كذا فى بهرام وجعل الضبع لا يعدو باعتبار بعض الأقطار والا فهو يعدو فى بلادنا.
وأما الضب فقد صحح فى توضيحه اباحته.
ومن المكروه النمس والفهد (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه يحل أكل بقر الوحش - وهو أشبه شئ بالمعز الأهلية - وحمار الوحش لأنهما من الطيبات ولما فى الصحيحين أنه ﷺ قال فى الثانى: كلوا من لحمه وأكل منه وقيس به الأول ولا فرق فى حمار الوحش بين أن يستأنس أو يبقى على توحشه.
وكذا يحل ظبى وظبية بالاجماع وضبع لأنه ﷺ قال:
يحل أكله. رواه الترمذى وقال حسن صحيح قال الشافعى رضى الله تعالى عنه: وما زال الناس يأكلونها بين الصفا والمروة من غير نكير ولأن نابها ضعيف لا تتقوى ولا تعيش به وهو من أحمق الحيوان لانه يتناوم حتى يصاد.
ويحل ضب لأنه أكل على مائدته ﷺ بحضرته ولم يأكل منه فقيل له: أحرام هو؟ قال: لا ولكنه ليس بأرض قومى فأجدنى أعافه رواه الشيخان.
ويحل ذئب ودب وفيل وثعلب لأنه لا يتقوى بنابه ولأنه من الطيبات ويربوع (٢) لأن العرب تستطيبه ونابه ضعيف وفنك (٣) وسمور (٤) لأن العرب تستطيبهما (٥) ويحرم كل ذى ناب من السباع وهو كما قال الشافعى رضى الله تعالى عنه ما يعدو على الحيوان ويتقوى بنابه للنهى عنه فى خبر الصحيحين وذلك مثل الأسد والنمر.
وكذا يحرم ابن آوى (٦) وهرة وحش، فى الأصح أما ابن آوى فلأنه مستخبث
стр. 4907
وله ناب يعدو به ويأكل الميتة ووجه حله ان نابه ضعيف وأما الهرة فلأنها تعدو بنابها فتشبه الأسد، ووجه حلها أنها حيوان ينقسم الى أهلى ووحشى فيحل الوحشى منه ويحرم الأهلى كالحمار.
وأما ابن مقرض (١) - بضم الميم وكسر الراء وبكسر الميم وفتح الراء - وهو الدلق فلا يحرم لأن العرب تستطيبه ونابه ضعيف هذا ما جرى عليه ابن المقرى وهو مقتضى كلام الرافعى والذى نقله فى أصل الروضة عن تصحيح الأكثرين وما صححه المصنف فى مجموعة من تحريمه لأنه ذو ناب غلطه فيه الأسنوى وغيره.
وأما النمس الذى يأوى الخراب من الدور ونحوها فهو نوع من القردة فيحرم، لأنه يفترس الدجاج فهو كابن آوى.
وكذا يحرم القرد ومن ذى الناب الكلب والخنزير والفهد والببر (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن الخنزير محرم بالنص والاجماع مع أن له نابا يفترس به، وما له ناب يفترس به نص عليه سوى الضبع فانه مباح وان كان له ناب لما روى جابر رضى الله تعالى عنه قال سألت رسول الله ﷺ عن الضبع فقال:
هو صيد ويجعل فيه كبش اذا صاده المحرم رواه أبو داود. وهذا خاص فيقدم على العام.
ويحرم أكل كل ما له ناب كأسد ونمر وذئب وفهد وكلب وابن آوى وابن عرس وسنور أهلى وبرى ونمس وقرد ولو كان صغيرا لم ينبت نابه ودب وفيل وثعلب لما روى أبو ثعلبة الخشنى رضى الله تعالى عنه قال نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذى ناب من السباع (٣).
وجاء فى المغنى والشرح الكبير أن الروايات اختلفت فى الثعلب فأكثر الروايات عن أحمد انه حرام، وهذا قول أبى هريرة رضى الله تعالى عنه لأنه سبع فيدخل فى عموم النهى.
ونقل عن أحمد أباحته. اختاره الشريف أبو جعفر ورخص فيه عطاء وطاوس وقتادة والليث وسفيان بن عيينة رضى الله تعالى عنهم لأنه يفدى فى الاحرام والحرم.
стр. 4908
وقال أحمد وعطاء كل ما يفدى اذا أصابه المحرم فانه يؤكل.
واختلفت الرواية عن أحمد فى سنور البر كاختلافها فى الثعلب والقول فيه كالقول فى الثعلب (١).
وذكر صاحب كشاف القناع: أنه يحرم سنجاب وسمور وفنك - بفتح النون - لحديث أبى ثعلبة المذكور، لأن لها نابا (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه يحل أكل حمر الوحش سواء تأنست أو لم تتأنس لما روى من طريق مسلم، عن ابن جريج قال أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أكلنا زمن خيبر الخيل وخمر الوحش فنهانا رسول الله ﷺ عن الحمار الأهلى (٣).
ولا يحل شئ من السباع ذوات الأنياب ولا أكل الكلب أو الهر انسيا كان أو بريا، ولا الثعلب، حاشا الضبع وحدها فهى حلال أكلها، ولو أمكنت ذكاة الفيل لحل أكله.
أما تحريم السباع فلما روينا من طريق مالك بن أنس عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال: كل ذى ناب من السباع فأكله حرام. والكلب والهر والثعلب ذو ناب من السباع فكل ذلك حرام.
وأما استثناء الضبع من الحرمة فذلك لما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن أبى عمار قال: سألت جابر ابن عبد الله عن الضبع: أآكلها؟ قال:
نعم قلت: أصيد هى؟ قال: نعم قلت أسمعت ذلك من نبى الله ﷺ ؟ قال: نعم قال ابن جريج حدثنا نافع مولى ابن عمر قال:
أخبر رجل ابن عمر أن سعد بن أبى وقاص يأكل الضباع. قال نافع فلم ينكر ابن عمر ذلك وأما الفيل فليس سبعا ولا جاء فى تحريمه نص، وقد قال الله تعالى «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» وقال تعالى: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ» وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» فكل شئ حلال الا ما جاء نص بتحريمه ولم يأت فى الفيل نص تحريم فهو حلال (٤).
стр. 4909
مذهب الزيدية:
جاء فى الروض النضير: أنه يحرم أكل السبع فقد روى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ قال: كل ذى ناب من السباع فأكله حرام (١). وروى عن على رضى الله تعالى عنه قال نهى رسول الله ﷺ عن الضب والضبع.
وفى مجمع الزوائد عن عبد الله بن يزيد السعدى قال أمرنى ناس من قومى أن أسأل سعيد بن المسيب عن سنان يحددونه ويركزونه فى الأرض يصبح وقد قتل الضبع أفتراه ذكاته؟ قال: فجلست الى الرأس واللحية من أهل الشام فسألته عن ذلك قال:
أو انك لتأكل الضبع؟ قلت: ما أكلتها قط، وان ناسا من قومى ليأكلونها. قال فقال: أكلها لا يحل فقال الشيخ يا عبد الله ألا أحدثك بحديث سمعته من أبى الدرداء يرويه عن رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى.
قال: سمعت أبا الدرداء يقول:
نهى رسول الله ﷺ عن كل ذى نهبة وعن كل ذى مجثمة وعن كل ذى ناب من السباع.
هذا وروى من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن نجيح عن مجاهد قال كان على بن أبى طالب لا يرى فى أكل الضبع بأسا وقال معمر عن عمرو بن مسلم سمعت عكرمة وسئل عن الضبع فقال رأيتها على مائدة ابن عباس وروى عن عبد الله بن زيد قال سألت أبا هريرة رضى الله تعالى عنه عن الضبع فقال: نعجة من الغنم، وعن عطاء أحب الى من كبش، وأجابوا عن عموم تحريم كل ذى ناب من السبع بأن هذا خبر خاص فيجب اعماله فى محله وبالعام فيما عداه.
وروى فى مجمع الزوائد عن عبد الرحمن ابن معقل السلمى أنه سأل رسول الله ﷺ قال: قلت ما تقول فى الضبع؟ قال: لا آكله ولا أنهى عنه. قلت ما لم تنه عنه فأنا آكله قال قلت: ما تقول فى الأرنب:
قال: لا آكلها ولا أحرمها. قلت: ما لم تحرمه فأنا آكله. قلت: يا رسول الله ما تقول فى الثعلب؟ قال: ويأكل ذلك أحد؟ قلت: ما تقول فى الذئب قال ويأكل ذلك أحد؟ رواه الطبرانى فى الكبير (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أنه يحرم الكلب والخنزير والسنور (٣) وان كان
стр. 4910
وحشيا والاسد والنمر والفهد والثعلب والأرنب والضبع وابن آوى (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: أن فى حكم سباع الوحش أقوالا، قيل: هى مباحة بناء على أن قول الله «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ» نزل فى حجة الوداع ناسخا لحديث تحريم السباع.
وقيل محرمة.
وقيل مكروهة، وهو قول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فى قصة قتله السباع من أراد اللحم المكروه فعليه بوادى كذا وانما أجازها مع أنه قتلها قتلا اما لأنه نوى حين قتلها أن قتلها تذكية واصطياد، وأراد أجازة أكلها بشرط تذكية ما أدركوه حيا.
وأصح هذه الأقوال التحريم لحديث النهى عن أكل كل ذى ناب من السباع فيحمل النهى على التحريم لهذا الحديث فيما روى أنه ﷺ نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع وذى مخلب من الطير، ولأن النهى للتحريم على الصحيح ما لم تصرفه قرينة (٢).
والضبع قيل حكمه حكم نعجة الكبش فليست بسبع وان كان فيها ما فى السباع من أكل اللحم والعدو والمساورة، وهو الصحيح لقول النبى ﷺ الضبع من الصيد، وقوله ﷺ : الضبع صيد فاذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل رواه الحاكم وأبو داود (٣).
والمشهور تحريم الفيل لأنه ذو ناب مكادح - أى مقاتل مغالب به.
وحكى الرافعى عن أبى عبد الله البوشنجى أنه حلال.
وقال أحمد ليس الفيل من طعمة المسلمين وعن الحسن هو ممسوخ فيحرم (٤).
أما الثعلب فانه حلال ولو كان يصيد ويأكل اللحم لانه انما يحرم ما قويت أنيابه فعدا بها على الحيوان طالبا غير مطلوب فحينئذ يكون غذاءه بأنيابه علة تحريمه، والثعلب لم يكن كذلك، ولو كان الغالب عليه أكل اللحم وهو يصيد كما تصيد السباع واذا قوى على الأرنب فرسها وعلى صغار الغنم أكلها ويأكل الثمار والأعناب وقوله ﷺ : الثعلب شر السباع وسئل بشير عنه فقال اصطد وأطعمنا (٥).
стр. 4911
رابعا: حكم تناول ما له دم سائل وهو
طائر أو داجن من حيوان البر
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أنه يحرم أكل كل ذى مخلب من الطير كالبازى (١) والباشق (٢) والسقر والشاهين (٣) والحدأة والنعاب والنسر والعقاب (٤) وما أشبه ذلك لأنه يدخل تحت نهى النبى ﷺ عن كل ذى مخلب من الطير وروى أنه ﷺ نهى عن كل ذى خطفة ونهبة ومجثمة (٥) وعن كل ذى ناب من الطير (٦).
ويكره الغراب الأسود الكبير لما روى عن عروة عن أبيه أنه سئل عن أكل الغراب فقال: من يأكله بعد ما سماه الله ﵎ فاسقا عنى بذلك قول رسول الله ﷺ : خمس من الفواسق يقتلهن المحرم فى الحل والحرم، ولأن أغلب أكلها الجيف، فيكره أكلها كالجلالة ولا بأس بغراب الزرع لأنه يأكل الحب والزرع ولا يأكل الجيف هكذا روى بشر بن الوليد عن أبى يوسف رحمه الله تعالى قال سألت أبا حنيفة ﵀ عن أكل الغراب فرخص فى غراب الزرع وكره الغداف، فسألته عن الأبقع فكره (٧) ذلك. وان كان غرابا يخلط فيأكل الجيف ويأكل الحب لا يكره فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى، قال:
وانما يكره من الطير ما لا يأكل الا الجيف.
ولا بأس بالعقعق لأنه ليس بذى مخلب ولا من الطير الذى لا يأكل الا الحب كذا روى أبو يوسف أنه قال:
سألت أبا حنيفة رحمه الله تعالى فى أكل العقعق فقال: لا بأس به فقلت انه يأكل الجيف فقال: انه يخلط، فحصل من قول أبى حنيفة أن ما يخلط من الطيور لا يكره أكله كالدجاج.
стр. 4912
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى:
يكره لأن غالب أكله الجيف (١)، أما ما ليس له مخلب صائد، وليس أغلب أكله الجيف من الطيور ذات الدم السائل فحلال وذلك مثل الدجاج والبط والأوز والحمام - مستأنسا كان أو متوحشا - والفواخت والعصافير والقبج (٢) والكركى والخطاف (٣) والبوم والدبس والصلصل (٤) واللقلق والعقعق واللحام والهدهد والصرد (٥) والخفاش.
غير أن فى حكم الخفاش قولا مرجوحا بأنه غير مأكول. والهدهد والصرد يكرهان تنزيها.
وأما الدبس والصلصل واللقلق والعقعق واللحام فلا يستحب أكلها وان كانت فى الأصل حلالا لما هو شائع بين الناس ان من يأكلها يصاب بآفة (٦).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى أن المشهور عند المالكية أن جميع الطير مباح أكله ولو كان ذا مخلب كالباز والعقاب والصقر والرخم (٧) ويكره الوطواط (٨) على المشهور (٩).
وذكر العدوى فى حاشيته على شرح الخرشى أن مقابل المشهور فيما عدا الوطواط ما رواه ابن أويس عن مالك رحمه الله تعالى أنه قال: لا يؤكل كل ذى مخلب. وظاهر قوله: لا يؤكل المنع وقاله فى الاكمال وحكى عنه ابن أويس كراهة أكل كل ذى مخلب.
أما مقابل المشهور فى الوطواط (١٠) فهو الحرمة (١١).
стр. 4913
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه يحرم كل طائر له ظفر للنهى عنه فى خبر مسلم وذلك مثل الباز والشاهين والصقر والنسر والعقاب، ودخل فى ذلك جميع جوارح الطير لاستخباثها (١).
وتحل نعامة بالاجماع ولأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم قضوا فيها اذا قتلها المحرم ببدنة.
ويحل كركى (٢) قطعا وما أوهمه كلام العبادى من جريان الخلاف فيه شاذ.
ويحل طير الماء وهو أنواع منها بط وأوز لأنهما من الطيبات. وجميع طيور الماء حلال لأنها من الطيبات الا اللقلق (٣) - وهو طير طويل العنق يأكل الخبائث ويصف - فلا يحل لاستخباثه. وروى: كل مارف ودع ما صف. ويحل دجاج بالاجماع سواه كان أنسيا أو وحشيا ولان النبى ﷺ أكله رواه الشيخان.
ويحل حمام بسائر أنواعه لأنه من الطيبات ويحل القطا (٤) ويحل الورشان (٥) ويحل الحجل (٦) - وهذه الثلاثة قال فى الروضة انها أدرجت فى الحمام - ويحل كل ما كان على شكل عصفور لأنه من الطيبات وان اختلف لونه ونوعه كعندليب (٧) وصعوة وزرزور ونغر (٨) وبلبل وكذا الحمر. قال الرافعى ويقال ان أهل المدينة يسمون البلبل النغرة والحمرة (٩).
ويحرم غراب أبقع وهو الذى فيه سواد وبياض، وحدأة لخبر الصحيحين:
خمس تقتلهن فى الحل والحرم: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور، وفى رواية مسلم: والغراب الأبقع لأن الأمر بقتل ما ذكر اسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه ولو أكل لجاز اقتنائه. ويحرم أيضا رخمة وهى طائر يشبه النسر فى الخلقة، وذلك لخبث غذائها، وبغاثة لأنها كالحدأة.
стр. 4914
ويحرم أيضا النهاس (١) - طائر صغير ينهس اللحم بطرف منقاره - لانه مستخبث مثل السباع التى تنهش اللحم.
والأصح أن غراب الزرع حلال وهو أسود صغير محمر المنقار والرجلين، لانه مستطاب يأكل الزرع فأشبه الفواخت.
وقيل: انه لا يحل لأنه غراب.
وأما ما عدا الغراب الابقع وغراب الزرع فأنواع أحدهما العقعق وثانيها الغداف الكبير - ويسمى الغراب الجبلى لأنه لا يسكن الا الجبال - فهذان حرامان لخبثهما. وثالثها الغداف الصغير - وهو اسود رمادى اللون - وهذا قد اختلف فيه، فقيل: أنه حرام كما صححه فى أصل الروضة وجرى عليه ابن المقرى للأمر بقتل الغراب فى خبر مسلم.
وقيل بحله كما هو قضية كلام الرافعى وهو الظاهر.
وقد صرح بحله البغوى والجرجانى والرويانى وعلله بأنه يأكل الزرع واعتمده الاسنوى، والبلقينى.
والأصح تحريم ببغاء ويحرم طاووس ووجه تحريمه وتحريم ما قبله خبثهما، ومن قال بالحل يمنع أنهما خبيثان ويحرم أيضا ملاعب ظلة، والضبوع لاستخباثها (٢).
ولا يحل ما نهى عن قتله وهو أمور منها خطاف - وهو المعروف عند الناس بعصفور الجنة - وخفاش ويقال له الوطواط وقد قطع الشيخان بتحريمه مع جزمهما فى محرمات الاحرام بوجوب قيمته اذا قتله المحرم أو قتل فى الحرم مع تصريحهما بأن ما لا يؤكل لا يجب ضمانه، والمعتمد ما هنا وظاهر كلامهما أن الخطاف والخفاش متغايران، واعترضا بأن الخفاش والخطاف واحد وهو الوطواط كما قاله أهل اللغة، وأجيب بأن كلامهما ليس باعتبار اللغة بل باعتبار العرف ففى تهذيب الأسماء واللغات أن الخطاف عرفا هو طائر أسود الظهر أبيض البطن يأوى البيوت فى الربيع.
وأما الوطواط وهو الخفاش فهو طائر صغير لا ريش له يشبه الفأرة يطير بين المغرب والعشاء ولهذا أفردهما الفقهاء بالذكر، ومن الطيور المحرمة كذلك الهدهد والصرد (٣).
стр. 4915
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير: أنه يحرم أكل ما له مخلب من الطير يصيد به كعقاب وباز وصقر وشاهين وحدأة وبومة، لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال نهى رسول ﷺ عن كل ذى مخلب من الطير رواه أبو داود وعن خالد بن الوليد رضى الله تعالى عنه مرفوعا نحوه وما يأكل الجيف كنسر ورخم ولقلق وغراب البين والأبقع لقول النبى ﷺ : خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور، فهذه الخمس محرمة، لأن النبى ﷺ أباح قتلها فى الحرم ولا يجوز قتل صيد مأكول فى الحرم ولأن ما يؤكل لا يحل قتله اذا قدر عليه وانما يذبح ويؤكل.
وسئل أحمد عن العقعق فقال:
ان لم يكن يأكل الجيف فلا بأس به قال بعض أصحابنا هو يأكل الجيف فيكون على هذا محرما (١).
وما تستخبثه العرب ذوو اليسار من أهل القرى والأمصار من أهل الحجاز لأنهم هم الذين نزل عليهم الكتاب وخوطبوا به وبالسنة فرجع فى مطلق ألفاظها الى عرفهم دون غيرهم ولا عبرة بأهل البوادى من الأعراب الجفاة لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون كل ما وجدوه، ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون فقال:
مادب ودرج الا أم حبين فقال: أيهن أم حبين العاقبة تأمن أن تطلب فتؤكل وأم حبين الخنافس الكبار.
والذى تستخبثه العرب ذوو اليسار كالقنفذ والدلدل وهو عظيم القنافذ قدر السخلة ويسمى الفيص على ظهره شوك طويل نحو ذراع وخفاش وخشاف وهو الوطواط وهدهد وصرد - كعمر - نوع من الغربان وهو طائر أبقع أبيض البطن أخضر الظهر ضخم الرأس والمنقار يصيد العصافير وصغار الطير وغداف - كغراب - ويقال: هو غراب الغيط، وخطاف، وأخيل وسنوفر وهو نوع من الخطاف وغير ذلك مما أمر الشرع بقتله أو نهى عنه وما لا تعرفه العرب من أمصار الحجاز وقراها ولا ذكر فى الشرع يرد الى أقرب الأشياء شبها به بالحجاز، فان لم يشبه شيئا من المحرمات فمباح لدخوله فى عموم قول الله تعالى: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ» الآية (٢)
стр. 4916
ولو اشتبه مباح ومحرم حرما تغليبا لجانب الحظر وكذا لو اشتبه ما لا تعرفه العرب ولا ذكر فى الشرع مباحا ومحرما فانه يحرم. ويباح أكل نعامة لقضاء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيها بالفدية، ودجاج لقول أبى موسى رضى الله تعالى عنه رأيت النبى ﷺ يأكل الدجاج وديوك وطاووس وببغاء وعندليب وسائر الوحش من الصيود، وغراب الزرع - وهو أحمر المنقار والرجل يأكل الزرع - والزاغ لأن مرعاهما الزرع والحبوب، وحجل وزرزور (١)، وصعوة (٢) - وهو صغار العصافير وحمام وسائر أنواعه من الفواخت والجوازل والرقاطى والدياسى، وسمانى وسلوى - وقيل هما شئ واحد - وعصافير وقنابر وقطا وحبارى لقول سفينة: أكلت مع رسول الله ﷺ حبارى رواه أبو داود، وكركى وكروان وبط وأوز وما أشبهه مما يلتقط الحب أو يفدى فى الاحرام لأن ذلك مستطاب فيحل لانه من الطيبات فيدخل فى عموم قول الله تعالى: «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ» وغرانيق وهو من طير الماء طويل العنق وطير الماء كله واشباه ذلك مباح لما سبق (٣).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يحل أكل شئ من ذوات المخالب من الطير - وهى التى تصيد الصيد بمخالبها ولا الحداء ولا الغراب لما روينا من طريق مسلم عن ابن عمر قال حدثتنى احدى نسوة النبى ﷺ أنه كان ﷺ يأمر بقتل الكلب العقور والفأرة والعقرب والحديا (٤) والغراب والحية قال: وفى الصلاة أيضا.
وأما ذوات المخالب فلما روينا من طريق مسلم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم أن رسول الله ﷺ نهى عن كل ذى ناب من السباع وعن كل ذى مخلب من الطير ولا يسمى ذا المخلب عند العرب الا الصائد بمخلبه وحده.
وأما الديك والعصافير والزرزور والحمام وما لم يصد فلا يسمى شئ منها ذا مخلب فى اللغة (٥). ولا يحل أكل الهدهد ولا الصرد ولا الضفدع لنهى النبى ﷺ عن قتلها (٦).
ويحل أكل النسور والرخم والبلزج والورل والطير كله وكل ما أمكن أن
стр. 4917
يذكى مما لم يفصل تحريمه وكذلك الخفاش والوطواط والخطاف فقد روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه نهى المحرم عن قتل الرخمة وجعل فيها الجزاء (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أن من المحرمات كل ذى مخلب من الطير كالنسر والصقر والشاهين، واختلف فى المخلب فقيل هو المنقار، وقيل هو الظفر وقيل:
هما متلازمان وهى التى تفترس بها (٢).
وجاء فى الروض النضير أن بعضهم قال: لا يسمى ذا مخلب عند العرب الا الصائد بمخلبه وأما الديك والعصافير والزرزور والحمام وما لم يصد بمخالبه فلا يسمى شئ منها ذا مخلب عند أئمة اللغة (٣).
وعموم كلام القاسم أنه يجوز أكل غراب الزرع وذكر الفقيه يوسف بن أحمد بن عثمان أن الغربان أربعة الغداف والأبقع والمحى وغرابنا هذا.
وظاهر قول الآخرين أنه لا يجوز أكل الغراب.
فأما المحى - بكسر الميم - فلا اشكال فى جوازه.
وأما الغداف وهو الغراب الأسود الكبير وقيل انه غراب أسود لا يوجد الا فى الشام - والغراب الأبقع فانهما محرمان لأنهما لا يلتقطان الحب ويؤذيان البعير والمعنى بكونه يؤذى البعير علة فى انه يجوز قتله على غير صفة الذبح المبيح للأكل فلو كان يجوز أكل لحمه لما جاز أن يقتل على غير صفة الذبح وكان قتله كسائر ما يؤكل فعرفت صحة الاحتجاج.
ويجوز أكل النعامة لانها ليست من ذوات المخالب ويجوز أكل العصافير والدراج (٤) اذ هى من طيبات الرزق (٥).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أنه يحرم من الطير ما له مخلاب كالبازى والعقاب والصقر والشاهين والنسر والرخم والبغاث
стр. 4918
والغراب الكبير الأسود الذى يسكن الجبال والخربان ويأكل الجيف، والأبقع - أى المشتمل على البياض والسواد مثل الأبلق فى الحيوان والمشهور انه صنف واحد وهو المعروف بالعقعق وفى المهذب جعله صنفين أحدهما المشهور والآخر أكبر منه حجما وأصغر ذنبا ومستند التحريم فيهما صحيحة على بن جعفر عن أخيه ﵉ بتحريم الغراب مطلقا وما روى عن أبى يحيى الواسطى أنه سأل الرضا عن الغراب الأبقع فقال: لا يؤكل ومن أحل لك الأسود؟.
ويحرم من الطير ما كان صفيفه حال طيرانه أكثر من دفيفه (١)، دون ما انعكس أو تساوى الصفيف والدفيف فيه والمنصوص تحريما وتحليلا داخل فيه الا الخطاف فقد قيل بتحريمه مع أنه يدف فبذلك ضعف القول بتحريمه وكذا يحرم ما ليس له قانصة (٢) ولا حوصلة (٣) ولا صيصية (٤) بكسر أوله وثالثة - والظاهر أن العلامات متلازمة فيكفى بظهور أحدها.
وفى صحيحة عبد الله بن سنان قال سأل أبى أبا عبد الله وانا أسمع:
ما تقول فى الحبارى؟ قال: ان كانت له قانصة فكل. قال وسألته عن طير الماء فقال مثل ذلك.
وفى رواية زرارة عن أبى جعفر قال:
كل ما دف ولا تأكل ما صف فلم يعتبر أحدهما الجميع وفى رواية سماعة عن الرضا: كل من طير البر ما كان له حوصلة ومن طير الماء ما كانت له قانصة كقانصة الحمام لا معدة كمعدة الانسان وكل ما صف فهو ذو مخلب وهو حرام وكل ما دف فهو حلال، والقانصة والحوصلة يمتحن بها من الطير ما لا يعرف طيرانه، وكل طير مجهول، وفى هذه الرواية أيضا دلالة على عدم اعتبار الجمع وعلى أن العلامة لغير المنصوص على تحريمه وتحليله والخشاف ويقال له الخفاش والوطواط والطاووس (٥) ويكره كذلك الصرر والصوام (٦) وفى الأخبار: النهى عن قتلهما فى جملة الستة، والشقراق (٧) وعن أبى عبد الله تعليل كراهة بقتله الحيات قال:
وكان رسول الله ﷺ
стр. 4919
يوما يمشى فاذا بشقراق قد انقض فاستخرج من خفه حية (١).
ويحل من الحيوان غراب الزرع المعروف بالزاغ فى المشهور وكذا الغداف وهو أصغر منه يميل الى الغبرة يسيرا ويعرف بالرمالى لذلك.
وانما نسب القول بحل الأول الى الشهرة لعدم دليل صريح يخصصه، بل الأخبار منها ما هو مطلق فى تحريم الغراب، بجميع أصنافه كصحيحة على ابن جعفر عن أخيه موسى أنه قال لا يحل شئ من الغربان زاغ وغيره وهو نص ومنها ما هو مطلق فى الاباحة كرواية زرارة عن أحدهما أنه قال:
كل الغراب ليس بحرام وانما الحرام ما حرم الله فى كتابه لكن ليس فى الباب حديث صحيح غير ما دل على التحريم فالقول به متعين. ولعل المخصص استند الى مفهوم حديث أبى يحيى لكنه ضعيف ويفهم من المصنف أنه يقطع بحل الغداف الأغبر لأنه أخره عن حكاية المشهور، ومستنده غير واضح مع الاتفاق على أنه من أقسام الغراب (٢).
ويحل الحمام كله كالقمارى (٣) والدباسى (٤) والورشان ويحل أيضا الحجل والدراج والقطا والدجاج والكروان والكركى والصعو والعصفور الأهلى.
ويعتبر فى طير الماء - وهو الذى يبيض ويفرخ فى الماء - ما يعتبر فى الطير البرى من الصفيف والدفيف والقانصة والحوصلة والصيصية (٥).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح (٦) النيل أن من الحيوان المكروه أكله ذوات المخالب كالعقاب والصقر والبازى من سباع الطير قال الأبهرى رحمه تعالى: ليس فى ذى مخلب نهى صحيح وقال غيره: لم يثبت حديث النهى عن أكل ذى المخلب من الطير فانه وان روى ميمون بن مهران عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم النهى عن أكل ذى ناب وذى مخلب لكنه سقط سعيد بن جبير فصار علة تحطه عن رتبة الصحيح ويرده أنه روى متصلا من طريق آخر، ومن سباع الطير النسر، وان لم يكن له مخلب
стр. 4920
كالغراب قيل يحرم أكل الغراب الأبقع الفاسق وأما الأسود الكبير فهو حرام أيضا على الصحيح وغراب الزرع حلال على الأصح، وفى سنن ابن ماجة قيل لابن عمر رضى الله تعالى عنهما: أيؤكل الغراب قال: ومن يأكله بعد قول النبى ﷺ : انه فاسق؟!
قال الرافعى رحمه الله تعالى: لا ملك ولا حد فى الفواسق الخمس فلا يجب ردها على صاحبها.
أما الرخمة فقيل نهى النبى ﷺ عن أكل الرخمة رواه البيهقى عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم واسناده ليس بالقوى، وما نهى عن قتله كهدهد وصرد وخطاف مكروه عندنا.
وقيل مباح الأكل طاهر بلا كراهة.
وحجة القول بالكراهة أن قتله حرام فاذا ذبح لم يكن كسائر الحلال بلا كراهة، ولم يحرم لأن النهى عن قتله انما كان لأن له مزية وفضلا لا لأكل خبث أو نحوه مما يستقذر أو يحرم.
وحجة الاباحة أن النهى عن قتله غير الحكم بتنجيسه فليبق على أصله فى الاباحة وحجة التحريم تحريم قتله روى أبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية من التابعين عن النبى ﷺ أنه نهى عن قتل الخطاطيف، وقال: لا تقتلوا هذه العوذ فانها تعوذ بكم من غيركم رواه البيهقى. وظاهره أن علة النهى التجاءها الينا وذلك حديث منقطع. وقال محمد بن حسن أنه حلال لحم الخطاف لانه يتقوت بالحلال غالبا.
قال أبو عاصم العبادى رحمه الله تعالى هذا محتمل على أصلنا واليه مال أكثر أصحابنا، وروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد. قالوا والنهى عن القتل دليل الحرمة والعرب أيضا تتشائم بصوته وشخصه فكان من المستقذرات وقيل يؤكل (١).
٣ - حكم تناول الأطعمة غير الحيوانية
مذهب الحنفية:
جاء فى حاشية ابن عابدين على الدر المختار أنه يحرم أكل البنج وهو بالفتح نبات يسمى فى العربية شيكران يصدع ويخلط العقل - وفى القهستانى هو أحد نوعى شجر القنب، وهو حرام
стр. 4921
لأنه يزيل العقل وعليه الفتوى. ومثله ما يخل العقل من غير أن يزيله، والمراد بذلك كله القدر المسكر منه يدل عليه ما فى غاية البيان عن شرح شيخ الاسلام أن أكل قليل السقمونيا والبنج مباح للتداوى وما زاد على ذلك اذا كان يقتل أو يذهب العقل حرام. أى أنه يحرم تناول القدر المضر منها دون القليل النافع، لأن حرمتها ليست لعينها بل لضررها واذا اعتاد الانسان أكل شئ من الجامدات التى لا يحرم القليل النافع منها ويسكر الكثير منها حتى صار يأكل منها القدر المسكر ولا يسكره سواء أسكره فى ابتداء الأمر أولا. ففيه أقوال، قيل:
يحرم عليه استعماله نظرا الى أنه يسكر غيره، وقيل: يحرم نظرا الى أنه قد أسكره قبل اعتياده ويحرم أكل الحشيشة وهو ورق القنب، لأنه مفسد للعقل ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، غير أن حرمة الحشيشة دون حرمة الخمر، فان أكل الشخص شيئا منها فلا حد عليه وان سكر من ذلك لأن الشرع أوجب الحد بالسكر من المشروب لا من المأكول واذا كان لا حد على من أكل الحشيشة فانه يعزر بما دون الحد.
ونقل عن الجامع وغيره أن من قال بحل الحشيشة فهو زنديق مبتدع، وقد أفتى مشايخ الحنفية بأنه حرام وأن باعته يؤدبون حتى قرروا أن من قال بأنه حلال فهو زنديق كما فى المبتغى، بل قال نجم الدين الزاهدى رحمه الله تعالى ان من استحله يكفر ويباح قتله.
قال ابن عابدين: رأينا فى الزواجر لابن حجر ما نصه: وحكى القرافى وابن تيمية الاجماع على تحريم الحشيشة قال:
ومن استحلها فقد كفر. وكذلك يحرم.
والأفيون وهو عصارة الخشخاش - لأنه يكرب ويسقط الشهوتين ويتلف الأغشية ويحرقها لأنه مفسد للعقل حتى يصير للرجل فيه خلاعة وفساد، لكن حرمته كذلك دون حرمة الخمر، فان أكل شيئا من ذلك فلا حد عليه وان سكر منه، بل يعزر بما دون الحد كذا فى الجوهرة وكذا تحرم جوزة الطيب لكن دون حرمة الحشيشة ومثل جوزة الطيب العنبر والزعفران، ومثله زهر القطن فانه قوى التفريح يبلغ الاسكار.
قال صاحب الدر المختار: وفى الأشباه فى قاعدة الأصل الاباحة أو التوقف ويظهر أثره فيما أشكل حاله كالحيوان المشكل أمره والنبات المجهول سمته قلت: فيفهم منه حكم النبات الذى شاع فى زماننا المسمى بالتتن وهو الاباحة على المختار أو التوقف.
وقد كرهه شيخنا العمادى رحمه الله تعالى فى هديته الحاقا له بالثوم والبصل.
стр. 4922
قال ابن عابدين: ظاهر كلام العمادى أنه مكروه تحريما ويفسق متعاطيه ويؤخذ من ذلك أنه يكره أكل الثوم والبصل كراهة تحريم فى المسجد للنهى الوارد فى الثوم والبصل والظاهر كراهة تعاطيه حال القراءة لما فيه من الاخلال بتعظيم كتاب الله تعالى (١).
وجاء فى الفتاوى الهندية أنه اذا عجن الدقيق بالخمر وخبزه لا يؤكل ولو أكل لا يحد وكذلك لو وقعت الحنطة فى الخمر لا تؤكل قبل الغسل فان غسلت وطحنت أو لم تطحن ولم توجد رائحة الخمر ولا طعمها فلا بأس بأكله قيل هذا اذا لم تنتفخ الحنطة أما اذا انتفخت فعلى قول محمد رحمه الله تعالى لا تطهر أبدا، وعلى قول أبى يوسف رحمه الله تعالى تغسل ثلاث مرات وتجفف فى كل مرة وتؤكل (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى شرح الخرشى أن من المباح أكله من الأطعمة غير الحيوانية العقيد وهو العصير الذى هو ماء العنب اذا غلى على النار حتى انعقد وذهب منه الاسكار ويسمى بالرب الصامت (٣).
وفى حكم الطين قولان، قيل: يمنع أكله وبه قال ابن الماجشون لأنه يضر بالبدن.
وقيل لا يمنع أكله بل يكره وبه.
قال ابن المواز وذكر ابن عرفة ان المشهور هو القول بمنع أكل التراب.
وذكر العدوى فى حاشيته على شرح الخرشى أن هناك قولا باباحة أكل الطين ويستثنى من كراهة الطين أو حرمته المرأة الحامل اذا تاقت له وخافت على جنينها فيرخص لها قطعا كما قال ابن الغلاب فى أكله (٤).
وجاء فى التاج والاكليل أن للمتأخرين فى الحشيشة قولين هل هى من المسكرات أو من المفسدات مع اتفاقهم على المنع من أكلها.
فاختار القرافى انها من المخدرات قال لأنى لم أرهم يميلون الى القتال والنصرة بل عليهم الذلة والمسكنة وربما عرض لهم البكاء.
وكان شيخنا الشهير بعبد الله المنوفى رحمه الله تعالى يختار أنها من المسكرات لأنا رأينا من يتعاطاها يبيع أمواله لأجلها ولولا أن لهم فيها طربا لما
стр. 4923
فعلوا ذلك، يبين ذلك أننا لا نجد أحدا يبيع داره ليأكل بها سيكرانا وهو واضح.
ولفظ القرافى فى الحشيشة أنها مفسدة وذكر القرافى أن الأفيون من المفسدات
قال الحطاب: فعلى هذا يجوز لمن ابتلى بأكل الأفيون وصار يخاف على نفسه الموت من تركه أن يستعمل منه القدر الذى لا يؤثر فى عقله وحواسه ويسعى فى تقليل ذلك وقطعه جهده ويجب عليه أن يتوب ويندم على ما مضى.
قال ابن فرحون: وأما العقاقير الهندية فان أكلت لما تؤكل الحشيشه امتنع أكلها وان أكلت للهضم وغيره من المنافع لم تحرم ولا يحرم منها الا ما أفسد العقل.
مذهب الشافعية:
جاء فى فى حاشيتى قليوبى وعميرة على شرح جلال الدين المحلى أن من الأطعمة غير الحيوانية الثوم والكراث والبصل والفجل وأكلها مكروه فى حق النبى ﷺ على الراجح وكذا فى حقنا ولو فى غير المسجد ويكره دخول المسجد لمن أكلها، سواء كانت نيئة أو مطبوخة أو مشوية، وذلك اذا ظهر منها ريح لأن الكراهة متعلقة بالريحة التى تظهر منها (١).
وجاء فى مغنى المحتاج أن الشيخين نقلا فى باب الأطعمة عن الرويانى أن أكل الحشيشة حرام ولا حد فيها.
وقال الغزالى رحمه الله تعالى فى القواعد يجب على أكلها التعزير الزاجر دون الحد، ولا تبطل الصلاة بحملها (٢)
وقال ابن حجر الهيثمى رحمه الله تعالى: الحشيشة مسكرة على معنى أنها تغطى العقل لا مع الشدة المطربة لأن ذلك من خصوصيات المسكر المائع.
وهذا لا ينافى أنها مخدرة، ومن ذلك فان استعمالها كبيرة وفسق كالخمر فكل ما جاء فى وعيد شارب الخمر يأتى فى متعاطى الحشيشة لاشتراكهما فى ازالة العقل المقصود للشارع بقاؤه لأنه الآلة للفهم عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ ، ولأن به يتميز الانسان عن الحيوان، فكان فى تعاطى ما يزيله وعيد الخمر والأصل فى ذلك ما رواه أحمد رحمه الله تعالى فى مسنده وأبو داود فى سننه: نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر قال العلماء: المفتر كل ما يورث الفتور والخدر فى الأطراف. والحشيشة ونحوها تسكر وتفتر وتخدر.
وحكى بعض العلماء الاجماع على
стр. 4924
تحريم الحشيشة قال: ومن استحلها فقد كفر (١).
وفى بعض شروح الحاوى الصغير أن الحشيشة نجسة وفى بعض الكتب أن الحد واجب فى الحشيشة كالخمر، ولكن لما كانت جمادا وليست شرابا مائعا تنازع الفقهاء فى نجاستها على أقوال ثلاثه أصحها أنها نجسة (٢).
ونقل الامام أبو بكر ابن القطب العسقلانى رحمه الله تعالى انها تصدع الرأس وتظلم البصر وتعقد البطن وتجفف المنى فيتعين على كل ذى عقل سليم وطبع مستقيم اجتنابها كغيرها من المسكرات لما تشتمل عليه من المضار التى هى مبدأ مداعى الهلاك.
ويحرم كذلك أن تطعم الحشيشة الحيوان لان اسكار الحيوان حرام أيضا. والأفيون كذلك مسكر بمعنى أنه يغطى العقل لا مع الشدة المطربة فهو مخدر واذا ثبت أنه مسكر أو مخدر فاستعماله كبيرة وفسق كالخمر (٣).
وجاء فى مغنى المحتاج أن كل ما يزيل العقل من غير الأشربة من نحو بنج لا حد فيه كالحشيشة فانه لا يلذ ولا يطرب ولا يدعو قليله الى كثيره بل فيه التعزير، ولا يحد بخبز عجن دقيقه بها على الصحيح لأن عين الخمر أكلتها النار وبقى الخبز نجسا (٤)
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه يباح كل طعام طاهر لا مضرة فيه من الحبوب والثمار وغيرها كالنباتات غير المضرة حتى المسك والفاكهة المسوسة والمدودة ويباح أكل الفاكهة بدودها فيؤكل تبعا لها لا استقلالا، ويباح أكل باقلا بذبابه، وأكل خيار وقثاء وحبوب وخل بما فيه من نحو دود تبعا لها ولا يباح أكل النجاسات ولا أكل الحشيشة المسكرة لعموم قول النبى ﷺ كل مسكر خمر وكل خمر حرام (٥) وذكر ابن تيمية فى فتاويه أن هذه الحشيشة الصلبة حرام سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق المسلمين وكل ما يغيب العقل فانه حرام وان لم يحصل به نشوة ولا طرب. والحشيشة تجامع الشراب المسكر فى النشوة والطرب ولكن الخمر توجب الحركة والخصومة، وهذه توجب الفتور والذلة، وفيها مع ذلك
стр. 4925
من فساد العقل والمزاج وفتح باب الشهوة وما توجبه من الدياثة ما يجعلها من شر المسكرات ومن استحل الحشيشة فهو كافر يستتاب فان تاب والا قتل كافرا مرتدا (١) ولا يباح كل ما فيه مضرة من السموم وغيرها لقول الله ﵎: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ٢﴾.
وفى الواضح المشهور أن السم نجس وفيه احتمال لأكله ﷺ من الذراع المسمومة. وفى التبصرة: ما يضر كثيره يحل يسيره فيباح يسير السقمونيا والزعفران ونحوهما اذا كان لا مضرة فيه لانتفاء علة التحريم (٣).
وما سقى بنجس أو سمد بنجس من زرع وثمر يحرم وينجس بذلك لما روى ابن عباس رضى الله عنهما قال:
كنا نكرى أراضى رسول الله ﷺ ونشترط عليهم أن لا يد ملوها بعذرة الناس (٤). ولولا أن ما فيها يحرم بذلك لم يكن فى اشتراط ذلك فائدة ولأنه تتربى بالنجاسة أجزاؤه والاستحالة لا تظهر عندنا فان سقى الثمر أو الزرع النجس أو سمد به بطاهر يستهلك به عين النجاسة به طهر وحل، لأن الماء الطهور يطهر النجاسات وكالجلالة اذا حبست وأطعمت الطاهرات وان لم يسق بطاهر يستهلك عين النجاسة فلا يحل لما تقدم.
ويكره أكل تراب وفحم وطين لضرره فان كان من الطين ما يتداوى به كالطين الأرمنى لم يكره لأنه لا ضرر فيه، وكذا يسير تراب وطين بحيث لا يضر فلا يكره لانتفاء علة الكراهة.
ويكره أكل بصل وثوم ونحوهما كالكراث ما لم ينضح بطبخ قال أحمد رحمه الله تعالى: لا يعجبنى وصرح بأنه كرهه لمكان الصلاة فى وقت الصلاة.
ويكره أكل كل ذى رائحة كريهة ولو لم يرد دخول المسجد فان أكل البصل أو الثوم أو نحوه قبل انضاجه بالطبخ كره له دخول المسجد ما لم يذهب ريحه لحديث من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مصلانا، ويكره له أيضا حضور جماعة ولو بغير مسجد.
ويكره أيضا أكل حب من نحو برديس بحمر أهلية وبغال نص عليه وقال:
لا ينبغى أن يدوسوه بها وقال حرب رحمه الله تعالى: أكرهه كراهة شديدة، وينبغى أن يغسل، نقل أبو طالب رحمه
стр. 4926
الله تعالى أنه لا يباع ولا يشترى ولا يؤكل حتى يغسل ويكره الخبز الكبار قال الامام: ليس فيه بركة (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يحل أكل العذرة ولا الرجيع ولا شئ من أبوال الخيول ولا القئ أما العذرة فلما روى من قول رسول الله ﷺ فى النهى عن الصلاة وهو يدافغ الأخبثين البول والغائط، ولقول الله ، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، فكل خبيث فهو محرم بالنص ولا خبيث الا ما سماه الله تعالى ورسوله خبيثا، وأما القئ فلما روينا من طريق البخارى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم قال: قال رسول الله ﷺ : العائد فى هبته كالعائد فى قيئه» والقئ هو ما تغير فان خرج الطعام ولم يتغير فليس قيئا، فليس حراما (٢).
وكل خبز أو طعام أو غير ذلك طبخ أو شوى بعذرة أو بميتة فهو حلال كله: لأنه ليس ميتة ولا عذرة والعذرة والميتة حرام وما أحل فهو حلال فاذا لم يظهر فى شئ منه عين العذرة أو الميتة فهو حلال وكذلك لو وقع طعام فى خمر أو فى عذرة فغسل حتى لا يكون للحرام فيه عين فهو حلال اذ لم يوجب تحريم شئ من ذلك قرآن ولا سنة (٣).
ولا يحل أكل السم القاتل (٤) ببط ء أو تعجيل ولا ما يؤذى من الأطعمة ولا الاكثار من طعام يمرض الاكثار منه لقول الله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» (٥) ولا يحل أكل ما عجن بالخمر أو بما لا يحل أكله أو شربه الا أن يكون ما عجن به الدقيق وطبخ به الطعام شيئا حلالا، وكان ما رمى فيه من الحرام قليلا لا ريح له فيه ولا طعم ولا لون، ولا يظهر للحرام فى ذلك أثر أصلا فهو حلال حينئذ، وقد عصى الله تعالى من رمى فيه شيئا منه لأن الحرام اذا بطلت صفاته التى بها سمى بذلك الاسم الذى نص به على تحريمه فقد بطل ذلك الاسم عنه واذا بطل ذلك الاسم سقط التحريم (٦).
стр. 4927
ولا يحل أكل جبن عقد بأنفحة ميتة لأن أثرها ظاهر فيه وهو عقدها له، وهكذا حكم كل ما مزج بحرام (١).
ولا يحل أكل السيكران لتحريم النبى ﷺ كل مسكر، والسيكران مسكر، فان موه قوم باللبن والزوان فليس كما ظنوا، لأن اللبن والزوان مخدران مبطلان للحركة ولا يسكران والسيكران والخمر مسكران لا يخدران ولا يبطلان الحركة (٢).
وأكل الطين لمن لا يستضر به حلال.
وأما أكل ما يستضر به من طين أو اكثار من الماء أو الخبز فحرام لأنه ليس مما فصل تحريمه لنا فهو حلال.
وأما كل ما أضر فهو حرام لقول النبى ﷺ ان الله كتب الاحسان على كل شئ (٣) والخل المستحيل عن الخمر حلال سواء تعمد تخليلها أو لم يتعمد لأن الخمر مفصل تحريمها.
والخل حلال لم يحرم لما روينا من طريق مسلم عن عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : نعم الادام الخل» فاذا الخل حلال فهو بيقين غير الخمر المحرمة فاذا سقطت عن تلك العين صفات الخمر المحرمة وحلت فيها صفات الخل الحلال فليست خمرا محرمة بل هى خل حلال (٤).
والسمن الذائب يقع فيه الفأر مات فيه أو لم يمت فهو حرام لا يحل امساكه أصلا، بل يهراق فان كان جامدا أخذ ما حول الفأر فرمى وكان الباقى حلالا كما كان وأما كل ما عدا السمن يقع فيه الفأر أو غير الفأر فيموت أو لا يموت فهو كله حلال كما كان ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه فان ظهر فيه الحرام فهو حرام وكذلك السمن يقع فيه غير الفأر فيموت أو لا يموت فهو حلال كله ما لم يظهر فيه تغيير الحرام له (٥).
والثوم والبصل والكراث حلال الا أن من أكل منها شيئا فحرام عليه أن يدخل المسجد حتى تذهب الرائحة وله أن يجلس فى الأسواق والجماعات والأعراس
стр. 4928
وحيث شاء الا المساجد لما روى عن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله ﷺ :
(من أكل من هذه الشجرة - قال أول يوم الثوم ثم قال: الثوم والبصل والكراث - فلا يقربنا فى مساجدنا فان الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الانس (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار، وحاشيته أنه يحرم أكل ما يضر من الأشياء الطاهرة مثل السموم وما كثر من التراب وغير ذلك مما فيه ضرر على الآكل وقد يحرم على شخص دون شخص نحو أن يكون فى شخص علة وكان أكل البقول أو نحوها يضره فانها تحرم عليه (٢). قال القاسم ﵇:
ويكره أكل الثوم ونحوه كالبصل والكراث لمن أراد حضور مساجد الجماعات وذلك لقول النبى ﷺ «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا وليعتزل مساجدنا وليقعدن فى بيته» ولا يكره اذا لم يرد حضورها وقيل الكراهة للحظر فلا تجوز صلاته فى مسجد ولا مع جماعة يتأذون بذلك.
وقيل عن الفقيه محمد بن سليمان ابن أبى الرجال أن الكراهة للتنزيه.
وقال بعض العلماء أكل الثوم لعذر جاز له دخول المسجد.
والمذهب خلافه فلا يجوز مع قصد الأذية دخول المسجد اذا علم أو ظن أنه يتأذى برائحته.
قال مولانا ﵇: وظاهر الآثار أن النهى انما هو لأجل التأذى به ممن لم يأكله.
فعلى هذا لو أكل أهل المسجد كلهم ولم يظنوا أنه يبقى من ريحه ما يتأذى به من دخل من بعد لم يكره وكذا من كان فى المسجد وحده لا يقال:
ان الملائكة تتأذى لانا نقول: لو اعتبر ذلك لكره أكلها فى المسجد وغير المسجد اذ لا ينفك المكلف من الملائكة (٣).
وجاء فى شرح الأزهار وهامشه أنه يحرم تناول الحشيشة والأفيون والجوزة، ويحد من تناول شيئا من ذلك حيث أسكر، والمختار أنه لا يحد بل يعزر فقط (٤).
стр. 4929
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أنه يحرم أكل الأعيان النجسة كالعذرات النجسة وكذا كل طعام مزج بالخمر أو النبيذ أو المسكر أو الفقاع وان قل، ويحرم الطين فلا يحل شئ منه والسموم القاتل قليلها وكثيرها (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى جوهر النظام أنه يحرم تناول كل ما يضر الجسم مثل السم والسم أصل أمهات الضرر - فكل ما يضر يحرم مثله ولذلك اختلفوا فى حكم تناول الزئبق، فمنهم من يقول هو حلال لأنه نافع لمرض، ومنهم من يقول هو حرام لأنه من السموم.
ولا بأس فى تناول الخل لأنه يراد لغير السكر، ولذلك فاذا عرته فورة أمهل الى أن تسكن تلك الفورة ثم يؤكل بعد ذلك، وان انقلب الخل الى مسكر عولج الاسكار حتى يذهب عنه ثم يحل ما بقى خاليا عن الاسكار وكذلك يحرم البنج والأفيون والتتن، ويستهجن من يتعاطاها لأنها معروفة بالسكر - وهو زوال الفكر وطروء التغير على العقل - ولا حجة لمن يقول بأن التتن حلال، فحتى لو سلمنا بأنه لا يسكر فهو محرم لضرره، فقد ثبت أنه يصيب الجسم بمائة وعشرين علة منها اصفرار اللون، ونتن الفم، واسوداد الأضراس والاصابة بمرض السل، وخرق الكبد، وتفتير الشهوة. الى غير ذلك من العلل.
ويحرم أيضا أكل التراب وأكل الحجر لما فى ذلك من الضرر، وكذلك يحرم أكل النورة - وهى حجر زاده التحريق.
وفى قهوة البن التى تستعمل خلاف العلماء، فقيل: انها حرام لما ورد فى ذلك من الآثار المروية عن السادة الأخيار.
وقيل: هى حلال وهو أوجه (٢).
٤ - حكم تناول أجزاء الحيوان المأكول
وما انفصل منه
يختلف حكم تناول أجزاء الحيوان المأكول وما انفصل منه تبعا لحال الحيوان والكيفية التى أبين بها العضو وذلك لأن جزء الحيوان اما أن يكون عضوا أبين من حيوان غير مذكى أو أن يكون جزءا من حيوان مذكى أو أن يكون شيئا انفصل منه. ثم ان الأول وهو العضو الذى أبين من حيوان
стр. 4930
غير مذكى - اما أن يكون عضوا أبين من حيوان حى أو أن يكون عضوا أبين من حيوان ميت أو أن يكون أبين من الحيوان المذكى فى أثناء التذكية قبل تمامه، أو أن يكون عضوا أبين من الحيوان المذكى بعد تمام التذكية ولكن قبل أن تزهق الروح أو أن يكون عضوا أبين بآلة الصيد من الحيوان المصيد. ولكل من ذلك حكمه من الحل والحرمة.
أولا: حكم العضو المبان من الحيوان قبل
أن تتم تذكيته
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أنه اذا قطع من الية الشاة قطعة أو من فخذها أنه لا يحل المبان وان ذبحت الشاة بعد ذلك لأن حكم الذكاة لم يثبت فى الجزء المبان وقت الابانة لانعدام ذكاة الشاة لكونها حية وقت الابانة وحال فوات الحياة كان الجزء منفصلا وحكم الذكاة لا يظهر فى الجزء المنفصل.
وروى أن أهل الجاهلية كانوا يقطعون قطعة من الية الشاة ومن سنام البعير فيأكلونها فلما بعث النبى المكرم ﷺ نهاهم عن ذلك فقال ﷺ : ما أبين من الحى فهو ميت، والجزء المقطوع مبان من حى وبائن منه فيكون ميتا، وكذلك اذا قطع ذلك من صيد لم يؤكل المقطوع وان مات الصيد بعد ذلك.
وان قطع فتعلق العضو بجلدة لا يؤكل لأن ذلك القدر من التعلق لا يعتبر فكان وجوده والعدم بمنزلة واحدة وان كان متعلقا باللحم يؤكل الكل، لأن العضو المتعلق باللحم من جملة الحيوان وذكاة الحيوان تكون لما اتصل به ولو ضرب صيدا بسيف فقطعه نصفين جاز أن يؤكل النصفان عندنا جميعا وهو قول ابراهيم النخعى رحمه الله تعالى لأنه وجد قطع الأوداج بكونها متصلة من القلب بالدماغ فأشبه الذبح فيؤكل الكل وان قطع أقل من النصف فمات فان كان مما يلى العجز لا يؤكل المبان عندنا لقول النبى ﷺ ما أبين من الحى فهو ميت والمقطوع مبان من الحى فيكون ميتا وأما ان كان الجزء المقطوع مما يلى الرأس فان الكل يجوز أن يؤكل لوجود قطع الأوداج فكان الفعل حال وجوده ذكاة حقيقية فيحل به الكل (١).
وجاء فى المبسوط أنه اذا رمى المسلم صيدا بسيف فأبان منه عضوا ومات أكل الصيد كله الا ما بان عنه لقول النبى ﷺ ما أبين من
стр. 4931
الحى فهو ميت. ومراد رسول الله ﷺ أن يحرم ما كانوا يعتادونه فى الجاهلية فانهم كانوا يقطعون بعض لحم الألية من الشاة وربما يقطعون بعض لحم العجز منها فيأكلونه فحرم رسول الله ﷺ ذلك لأن فعل الذكاة لا يتحقق فى المبان مقصودا، وأصل الشاة حية وبدون الذكاة لا يثبت الحل وهذا المعنى موجود هنا، فحكم الذكاة استقر فى الصيد بعد ما مات، وهذا العضو مبان من صيد مات فلا يسرى حكم الذكاة الى ذلك العضو ولا يمكن اثبات حكم الذكاة فى ذلك العضو مقصودا بالابانة كما لو بقى الصيد حيا فلهذا لا يؤكل ذلك العضو وان لم يكن بان ذلك العضو منه أكل كله لأن بقاء الاتصال به يسرى حكم الذكاة الى ذلك العضو فيكون حلالا كغيره، وان كان تعلق منه بجلدة فان كان بمنزلة ما قد بان منه فلا يؤكل، ومراده من ذلك اذا كان بحيث لا يتوهم اتصاله بعلاج فهو والمبان سواء وان كان بحيث يتوهم ذلك فهذا جرح وليس بابانة فيؤكل كله وان قده نصفين فقد استقر فعل الذكاة بقطع الأوداج فلهذا يؤكل كله فان أبان طائفة من رأسه فان كان أقل من النصف لم يؤكل ما بان منه لأن الرأس ليس بمذبح فهو كما لو أبان جزءا من الذنب وان كان النصف أو أكثر أكل لأنه تنقطع الأوداج به فيكون فعله ذكاة بنفسه. ولو ضرب وسمى وقطع ظلفه فان أدماه فلا بأس بأكله وان لم يكن أدماه لم يؤكل لأن تسييل الدم النجس لم يحصل وعلى هذا لو ضرب عنق شاة بسيف فأبانه من قبل الأوداج فانه يؤكل وقد قال رسول الله ﷺ ما أند الدم وأفرى الأوداج فكل (١).
وجاء فى بدائع الصنائع أنه ان ضرب رأس صيد فأبانه نصفين طولا أو عرضا يؤكل كله فى قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وهو قول أبى يوسف - رحمه الله تعالى - الأول ثم رجع عنه وقال: لا يؤكل النصف البائن ويؤكل ما بقى من الصيد والأصل فيه أن الأوداج متصلة بالدماغ فتصير مقطوعة بقطع الرأس وكان أبو يوسف رحمه الله تعالى على هذا ثم ظن أنها لا تكون الا فيما يلى البدن من الرأس وان كان المبان أكثر من النصف فكذلك يؤكل الكل لأنه اذا قطع العروق فلم يكن ذلك ذبحا بل كان جرحا وأنه لا يبيح المبان (٢).
وجاء فى الفتاوى الهندية أنه لو ذبح رجل شاة وقطع الحلقوم والأوداج الا أن الحياة فيها باقية فقطع انسان
стр. 4932
منهما قطعة يحل أكل المقطوع كذا فى الجوهرة النيرة.
ولو انتزع الذئب رأس الشاة وهى حية تحل بالذبح بين اللبة واللحيين ولو قطع الذئب من ألية الشاة قطعة لا يؤكل المبان وقد كان أهل الجاهلية يأكلونه فقال النبى ﷺ ما أبين من الحى فهو ميتة، وفى الصيد ينظر الى الصيد ان كان يعيش بدون العضو المبان فالمبان لا يؤكل وان كان لا يعيش بدون العضو المبان كالرأس يؤكلان كذا فى الوجيز (١).
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة الكبرى أنه لو ضربت فخذ الصيد أو رجله أو يده فتعلقت فمات. قال الامام مالك رحمه الله تعالى: ان كان أبانها أو كانت متعلقة بشئ من الجلد أو اللحم لا يجرى فيه دم ولا روح ولا تعود لهيئتها أبدا فلا يؤكل ما تعلق منها على هذه الصفة وليذكه وليأكله وليطرح ما تعلق منه الا أن يكون مما لو ترك لعاد لهيئته يوما ما فلا بأس فى أن يأكله. أما لو ضرب عنق الصيد فأبانه فله فى هذه الحالة أن يأكل الرأس وجميع الجسد فان ضرب خطم الحيوان فأبانه فليس له أن يأكله قياسا على ابانة اليد والرجل فانها لا تؤكل كذلك (٢).
وجاء فى شرح الخرشى أنه يكره لمن يذبح أن يتعمد ابانة رأس الحيوان المذبوح بعد قطع الحلقوم والودجين لأنه تعذيب وقطع قبل الموت ولكنها تؤكل ولو تعمد ذلك قبل الذبح عند ابن القاسم رحمه الله تعالى قال: لأنها تكون حينئذ كذبيحة ذكيت ثم عجل قطع رأسها قبل أن تموت.
وروى عن مالك رحمه الله تعالى أنها لا تؤكل لأنه كالعابث.
وتأول مطرف وابن الماجشون والتونسى عليه قوله فيها لمالك: من ذبح فترامت يده الى أن أبان الرأس أكلت ما لم يتعمد ذلك.
وتأوله ابن القاسم على الكراهة قال ابن يونس رحمه الله تعالى: وهو القياس والأول استحسان (٣).
стр. 4933
ولو أن الكلب أو الباز قطع من الصيد دون نصف ولم يبلغ مقاتله ومات قبل أن تدرك ذكاته فان ذلك الدون لا يؤكل لأنه وصفه بأنه ميتة لأن القاعدة أن المنفصل من الحى كميتته ويؤكل ما عداه اتفاقا فلو أبان الجارح من الصيد دون نصفه الا أنه أنفذ مقاتله فانه يؤكل جميعه لأن الصيد لا يعيش مع ذلك أبدا، ولهذا لو أبان الكلب أو الباز رأس الصيد فانه يؤكل مع رأسه وكذلك اذا ضربه الجارح فقطعه نصفين (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه لو أبان من الصيد عضوا كيده بجرح مسرع للقتل فمات فى الحال حل العضو والبدن الباقى لأن محل ذكاة الصيد كل البدن أما ان أبان منه عضوا بغير جرح مسرع للقتل ثم ذبحه أو لم يذبحه بل جرحه جرحا آخر مسرعا للقتل ولم يثبته بالجرح الأول فمات فان العضو المبان يكون حراما لأنه أبين من حيوان حى ويكون الباقى حلالا لوجود الذكاة فى الصورة الأولى وقيام الجرح المسرع للقتل مقام الذكاة فى الصورة الثانية. فان كان الجرح الأول مثبتا بغير ذبحه فلا يجزى الجرح الثانى لأنه مقدور عليه فان لم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح الأول حل الجميع - العضو المبان والبدن - لأن الجرح السابق كالذبح للجملة، فيتبعها العضو.
هذا ما جرى عليه هنا تبعا للمحرر، وقيل - وهو المصحح فى الشرحين والروضة والمجموع - يحرم العضو الذى أبين لأنه أبين من حى فأشبه ما لو قطع ألية شاة ثم ذبحها فان الألية لا تحل أما باقى البدن فانه يحل جزما (٢).
ولو رمى الصيد فقطعه نصفين مثلا حل النصفان سواء تساويا أو تفاوتا لحصول الجرح المذفف لكن ان كانت التى مع الرأس فى صورة التفاوت أقل حلا بلا خلاف فان ذلك يجرى مجرى الذكاة وان كان العكس (٣) حلا أيضا.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أنه ان رمى صيدا أو ضرب صيدا فأبان بعضه ولو بنصب مناجل ونحوها كسكاكين فان قطعت قطعتين متساويتين أو متقاربتين أو قطع رأسه حل الجميع، فان أبان منه عضوا غير الرأس ولم يبق فيه حياة مستقرة وكانت البينونة والموت معا أو كان موته بعد أن أبان منه
стр. 4934
العضو بزمن قليل أكل هو وما أبين منه.
قال الامام أحمد رحمه الله تعالى انما حديث رسول الله ﷺ «ما قطعت من الحى ميتة» اذا قطعت وهى حية تمشى وتذهب أما اذا كانت البينونة والموت جميعا فى وقت واحد أو بعده بقليل اذا كان فى علاج الموت فلا بأس به ألا ترى الذى يذبح ربما مكث ساعة وربما مشى حتى يموت ولأن ما كان ذكاة لبعض الحيوان كان ذكاة لجميعه كما لو قد الصائد الصيد نصفين، والخبر يقتضى أن يكون الباقى حيا حتى يكون المنفصل منه ميتا وان كانت حياته مستقرة فالمبان منه حرام سواء بقى الحيوان حيا أو أدركه أحد فذكاه أو رماه الصائد بسهم آخر فقتله لقول النبى ﷺ : ما أبين من حى فهو ميت وان بقى العضو متعلقا بجلدة حل العضو بحل الحيوان لأن العضو لم يبن تماما فلم ينفصل فهو كسائر أجزاء الحيوان.
وان أخذ قطعة من حوت وأفلت الحوت حيا أبيح ما أخذ منه لأن أقصى حاله أن يكون ميتة وميتة الحوت ونحوه طاهرة. وتحل الطريدة - وهى الصيد يقع بين القوم لا يقدرون على ذكاته فيقطع ذامنه بسيفه قطعة ويقطع الآخر أيضا قطعة حتى يؤثر على الصيد وهو حى. قال الحسن رحمه الله تعالى:
لا بأس بالطريدة كان المسلمون يفعلون ذلك فى مغازيهم وما زال الناس يفعلونه فى مغازيهم واستحسنه أبو عبد الله أحمد (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن ما قطع من البهيمة وهى حية أو قبل تمام تذكيتها فبان عنها فهو ميتة لا يحل أكله فان تمت الذكاة بعد قطع ذلك الشئ أكلت البهيمة ولم تؤكل تلك القطعة وهذا ما لا خلاف فيه لأنها زايلت البهيمة وهى حرام أكلها فلا تقع عليها ذكاة كانت بعد مفارقتها لما قطعت منها (٢). وما قطع من البهيمة بعد تمام التذكية وقبل ان تموت لم يحل أكله ما دامت البهيمة حية فاذا ماتت البهيمة حلت هى وحلت القطعة أيضا لقول الله ﵎ «فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها» (٣) فلم يبح الله تعالى أكل شئ منها الا بعد وجوب الجنب - وهو الموت - فاذا ماتت فالذكاة واقعة على جميعها اذا ذكيت فالذى قطع منها مذكى فاذا حلت هى حلت أجزاؤها (٤).
ومن رمى صيدا فقطع منه عضوا أى عضو كان فمات منه بيقين موتا
стр. 4935
سريعا كموت سائر الذكاة أو موتا بطيئا الا أنه لم يدركه الا وقد مات أو وهو فى أسباب الموت الحاضر أكله كله وأكل العضو البائن أيضا فلو لم يمت منه موتا سريعا وأدركه حيا وكان يعيش منه أكثر من عيش المذكى ذكاه وأكله ولم يأكل العضو البائن أى عضو كان لأنه اذا مات منه كموت الذكاة فهو ذكى كله فلو لم يدركه حيا فهو ذكى متى مات مما أصابه وهو مذكى كله، وما كان بخلاف ذلك فهو غير مذكى وقال النبى ﷺ :
«اذا خزق فكل فهذا عموم لا يجوز تعديه» (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى الروض النضير أن ما بان من البهيمة وهى حية لم يؤكل سواء كان ما بان يدا أو رجلا أو ألية لأن ذلك ميتة وذلك لما روى من حديث أبى واقد الليثى رضى الله تعالى عنه قال:
قدم رسول الله ﷺ المدينة: وهم يجبون أسنمة الابل ويقطعون أليات الغنم ويأكلون ذلك فقال رسول الله ﷺ ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة لا يؤكل: والحديث يدل على أن ما قطع من الحيوان المأكول الذى لا تحل ميتته وهو حى فهو ميتة ولو كان القطع فى حال التذكية قبل تمامها فان تمت الذكاة بعد قطع العضو حلت المذكاة دون العضو البائن.
ولو انفصل شئ من البهيمة من جانب وبقى متصلا بها من جانب آخر ولو باليسير وزالت عنه الحياة فانه يكون حلالا الا أن تكون العلة هى زوال الحياة قبل التذكية فيحرم (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أن ما أبين من حى يحرم أكله واستعماله كأليات الغنم لأنها فى حكم الميتة (٣).
وجاء فى الخلاف أنه اذا قطع الصيد نصفين حل أكل الكل بلا خلاف وان كان الذى مع الرأس أكبر حل الذى مع الرأس دون الباقى وذلك للاحتياط فأن أكل ما مع الرأس مجمع على اباحته ولما روى عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ قال:
ما أبين من حى فهو ميت. وهذا الأقل أبين من حى فيجب أن يكون ميتا (٤).
стр. 4936
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن الضربة ان كانت فى مؤخر الشاة وعجزها فبان منها شئ وان قل فهو ميتة ويذكى الباقى فان تحرك أكل والا فلا ولو بان الرأس ناحية والرجلان ناحية لكان ذلك كله ميتة ويذكى ما بقى مواليا للمذبح ويؤكل ان تحرك. أما ما قطع من حى لا يشترط ذبحه كسمك فانه حلال وقيل لا يحل لعموم ظاهر قول رسول الله ﷺ : ما قطع من حى ميتة (١).
ومن ضرب شاة أو بقرة بسيف أو بمدية فأبان رأسها قبل أن يذبحها فلا بأس بأكلها دون رأسها وان بان هو ومؤخرها وبقى وسطها مع محل الذبح يتحرك ذبح وأكل أن تحرك بعد الذبح، ولا يؤكل ما بان منها من ذلك ولو أكثرها وقيل ان ضربها بذلك غير مريد للذبح فلا تؤكل الا أن أدرك نحرها أو ذبحها ان بقى المنحر أو المذبح الى الجسد ولا يؤكل الرأس الا أن أريد ذبحها ولم يتعمد فصل الرأس وان بقى بعض مذبح متصلا بالرأس ذكى الرأس وأكل وان ذكى الجسد فى بعض المنحر المتصل به أيضا أكل (٢) ومن رمى صيدا فأبان منه عضوا غير رأسه حرم العضو المبان وحل الباقى بالرمية ان وجد الباقى ميتا، والا ذكاه وحل بالتذكية وقيل يحل العضو أيضا ان مات بمجرد الابانة ولم تبق الحياة بعده فى جهة الرأس ولا فى غيرها حملا لقول النبى ﷺ ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة على غير الذكاة والصيد فمن ذبح وأبان الرأس بلا عمد لم تحرم الذبيحة عليه وحل الرأس مع أنه قليل مقطوع من كثير حى بعد القطع. وان أبان رأسه أكل الكل ان وجد ميتا، والا حرم لفقد محل الذكاة (٣).
ثانيا: حكم العضو المبان من حيوان مذكى
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن الذى يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول سبعة هى: الدم المسفوح والذكر والانثيان والقبل والغدة والمثانة، والمرارة لقول الله شأنه: «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» (٤) وهذه الأشياء السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة فكانت محرمة وروى عن مجاهد رضى الله تعالى عنه أنه قال: كره رسول الله ﷺ من الشاة الذكر والانثيين
стр. 4937
والقبل والغدة والمرارة والمثانة والدم، فالمراد منه كراهة التحريم بدليل أنه جمع بين الأشياء الست وبين الدم فى الكراهة والدم المسفوح محرم. والمروى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: الدم حرام وأكره الستة فأطلق اسم الحرام على الدم المسفوح وسمى ما سواه مكروها لان الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به.
وحرمة الدم المسفوح قد ثبتت بدليل مقطوع به وهو النص المفسر من كتاب الله العزيز قال الله تعالى عز شأنه:
﴿(قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ)﴾ (١) الآية وثبتت بانعقاد الاجماع أيضا على حرمته (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل ان ابن رشد رحمه الله تعالى نقل فى رسم سماع موسى من كتاب الصلاة أنه يجوز أكل المشيمة - وهى بميمين وعاء الولد - وأفتى الصائغ بمنع أكلها وأفتى بعض شيوخ ابن عرفة رحمه الله تعالى ورحمهم بأنه ان أكل الجنين أكلت. وأما الدجاجة فيؤكل ما فى بطنها اذا ذكيت سواء تم خلقه أم لم يتم. قاله الجزولى فى شرح الرسالة (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى المجموع أنه يحل أكل الكبد والطحال بلا خلاف للحديث الصحيح:
«أحل لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك والجراد والدمان الكبد والطحال» وروى البيهقى عن زيد بن ثابت رضى الله تعالى عنه قال: قال: انى لآكل الطحال وما بى اليه حاجة الا ليعلم أهلى أنه لا بأس به.
وروى عن مجاهد رضى الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكره من الشاة سبعا: الدم والمرارة والذكر والانثيين والحيا والغدة والمثانة وكان أعجب الشاة اليه مقدمها (٤).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير أنه يكره أكل الغدة وأذن القلب لما روى عن مجاهد رضى الله تعالى عنه قال:
كره رسول الله ﷺ من الشاة ستا وذكر هذين ولان النفس تعافهما وتستخبثهما ولا أظن أحمد رحمه الله تعالى كرههما الا لذلك لا للخبر لأنه قال فيه: هذا حديث منكر ولأن فى الخبر ذكر الطحال وقد قال أحمد:
لا بأس به ولا أكره منه شيئا (٥).
стр. 4938
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار أنه يكره أكل الطحال لقول على ﵇: الطحال لقمة الشيطان وكذا تكره المرارة والغدة ومبالة الشاة لعيافتها (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية أنه يحرم من الذبيحة خمسة عشر شيئا: الدم والطحال والقضيب والانثيان والفرث والمثانة والمرارة والمشيمة والفرج والعلباء (٢) والنخاع والغدة وذات الأشاجع (٣) وخرزة الدماغ والحدق وتحريم هذه الأشياء اجمع ذكره الشيخ غير المثانة فزادها ابن ادريس رحمه الله تعالى وتبعه جماعة منهم المصنف ومستند الجميع غير واضح لأنه روايات يتلفق من جميعها ذلك، بعض رجالها ضعيف وبعضها مجهول، والمتيقن منها تحريم ما دل عليه دليل خارج كالدم وفى معناها الطحال وتحريمها ظاهر من الآية وكذا ما استخبث منها كالفرث والفرج والقضيب والانثيين والمثانة والمرارة والمشيمة وتحريم الباقى يحتاج الى دليل والأصل يقتضى عدمه والروايات يمكن الاستدلال بها على الكراهة لسهولة خطبها الا أن يدعى استخباث الجميع، وهذا مختار العلامة فى المختلف.
وابن الجنيد رحمه الله تعالى أطلق كراهية بعض هذه المذكورات ولم ينص على تحريم شئ نظرا الى ما ذكرناه، أما نحو السمك والجراد فلا يحرم منه شئ من المذكورات للأصل.
ويكره أكل الكلا (٤) وأذنا القلب والعروق ولو ثقب الطحال مع اللحم وشوى حرم ما تحته من لحم وغيره دون ما فوقه أو مساوية، ولو لم يكن مثقوبا لم يحرم ما معه مطلقا، هذا هو المشهور، ومستنده رواية عمار الساباطى رحمه الله تعالى عن أبى عبد الله ﵇، وعلل فيها بأنه مع الثقب يسيل الدم من الطحال الى ما تحته فيحرم بخلاف غير المثقوب لأنه فى حجاب لا يسيل منه (٥).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن جميع ما فى الذبيحة يجوز أكله كالجنين اذا تبين أنه لحم والرحم وما يتصل بها والذكر،
стр. 4939
والمبولة بعد ازالة بولها وغسلها وقيل: لا يؤكل الذكر، وقيل: لا تؤكل المبولة ولو أزيل ماؤها وغسلت.
وقيل: تؤكل بلا غسل وماؤها طاهر وكره النبى ﷺ المبولة والذكر والفرج من الأنثى. ودم القلب حلال.
وقيل: نجس والصحيح ما ذكرت من أنه واضح وعليه الشيخ أبو العباس أحمد اذ قال رحمه الله تعالى وتؤكل الشاة بعد الذبح بجميعها الا موضع النجس منها وان غسل جاز أكله (١).
ثالثا: حكم تناول ما انفصل من الحيوان
مذهب الحنفية:
حكم الجنين .
جاء فى بدائع الصنائع أن الجنين اذا خرج بعد ذبح أمه وخرج حيا فذكى فانه يحل وان مات قبل أن يذبح فانه لا يؤكل بلا خلاف أما ان خرج ميتا فان لم يكن كامل الخلق لا يؤكل أيضا فى قولهم جميعا لأنه بمعنى المضغة، وان كان كامل الخلق اختلف فيه.
قال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه لا يؤكل وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهم الله تعالى.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: لا بأس بأن يؤكل واحتجا بقول النبى ﷺ : ذكاة الجنين بذكاة أمه فيقتضى أنه يتذكى بذكاة أمه ولأنه تبع لأمه حقيقة وحكما أما حقيقة فظاهر وأما حكما فلأنه يباع ببيع الأم ويعتق بعتقها، والحكم فى التبع يثبت بعلة الأصل ولا يشترط له علة على حدة لئلا ينقلب التبع أصلا، ويدل لأبى حنيفة رحمه الله تعالى قول الله تعالى:
«حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ» (٢) والجنين ميتة لأنه لا حياة فيه والميتة ما لا حياة فيه فيدخل تحت النص أما ما يقال: بأن الميتة اسم لزائل الحياة. وهذا يستدعى تقدم الحياة وهو أمر لا يعلم فى الجنين، فيجاب عليه بأن تقدم الحياة ليس بشرط لاطلاق اسم الميت قال الله تعالى «وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» (٣) على أنا ان سلمنا ذلك فلا بأس به لأنه يحتمل أنه كان حيا فمات بموت الأم ويحتمل أنه لم يكن فيحرم احتياطا ولأنه أصل فى الحياة فيكون له فى الذكاة والدليل على أنه أصل فى الحياة أنه يتصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم ولو كان تبعا للام فى الحياة لما تصور بقاؤه حيا بعد زوال الحياة عن الأم واذا كان أصلا فى الحياة يكون أصلا فى الذكاة لأن الذكاة تفويت الحياة ولأنه
стр. 4940
اذا تصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم لم يكن ذبح الأم سببا لخروج الدم عنه اذ لو كان لما تصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم اذ الحيوان الدموى لا يعيش بدون الدم عادة فبقى الدم المسفوح فيه ولهذا اذا جرح يسيل منه الدم وأنه حرم لقول الله «أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» (١) وقوله عز شأنه «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ» (٢) ولا يمكن التمييز بين لحمه ودمه فيحرم لحمه أيضا. وأما الحديث فقد روى بنصب الذكاة الثانية معناة كذكاة أمه اذ التشبيه قد يكون بحرف التشبيه وقد يكون بحذف حرف التشبيه (٣).
حكم البيضة:
جاء فى بدائع الصنائع أنه اذا خرجت من الدجاجة الميتة بيضة تؤكل عندنا سواء اشتد قشرها أو لم يشتد، وذلك لأنه شئ طاهر فى نفسه مودع فى الطير منفصل عنه ليس من أجزائه فتحريمها لا يكون تحريما له كما اذا اشتد قشرها.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: يؤكل ما تصلبت قشرته فقط.
هذا اذا خرج بيض من حيوان مأكول بعد موته دون تذكية شرعية وهو مما يحتاج الى الذكاة فان خرج البيض من حيوان مأكول فى حال حياته أو بعد تذكيته شرعا أو بعد موته وهو مما لا يحتاج الى التذكية كالسمك فبيضه مأكول الا اذا فسد. أما ان خرج البيض من حيوان غير مأكول فان كان من ذوات الدم السائل كالغراب الأبقع فبيضه نجس تبعا للحمه فلا يكون مأكولا، وان لم يكن من ذوات الدم السائل كالزنبور فبيضه طاهر تبعا للحمه ومأكول لأنه ليس بميتة (٤).
حكم اللبن:
جاء فى بدائع الصنائع أنه ان خرج اللبن من حيوان حى فهو تابع للحمه فى اباحة التناول وكراهته وحرمته ويستثنى من المحرم لبن الآدمى فهو مباح وان كان لحمه محرما، لأن تحريمه للتكريم لا للاستخباث وكذا يستثنى الخيل ففى لبنها رأيان.
أحدهما أنه تابع للحم فيكون حراما أو مكروها - بناء على الاختلاف فى حكمها بين التحريم والكراهة.
ثانيهما أنه مباح، لأن تحريم الخيل