← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن الضربة ان كانت فى مؤخر الشاة وعجزها فبان منها شئ وان قل فهو ميتة ويذكى الباقى فان تحرك أكل والا فلا ولو بان الرأس ناحية والرجلان ناحية لكان ذلك كله ميتة ويذكى ما بقى مواليا للمذبح ويؤكل ان تحرك. أما ما قطع من حى لا يشترط ذبحه كسمك فانه حلال وقيل لا يحل لعموم ظاهر قول رسول الله ﷺ : ما قطع من حى ميتة (١). ومن ضرب شاة أو بقرة بسيف أو بمدية فأبان رأسها قبل أن يذبحها فلا بأس بأكلها دون رأسها وان بان هو ومؤخرها وبقى وسطها مع محل الذبح يتحرك ذبح وأكل أن تحرك بعد الذبح، ولا يؤكل ما بان منها من ذلك ولو أكثرها وقيل ان ضربها بذلك غير مريد للذبح فلا تؤكل الا أن أدرك نحرها أو ذبحها ان بقى المنحر أو المذبح الى الجسد ولا يؤكل الرأس الا أن أريد ذبحها ولم يتعمد فصل الرأس وان بقى بعض مذبح متصلا بالرأس ذكى الرأس وأكل وان ذكى الجسد فى بعض المنحر المتصل به أيضا أكل (٢) ومن رمى صيدا فأبان منه عضوا غير رأسه حرم العضو المبان وحل الباقى بالرمية ان وجد الباقى ميتا، والا ذكاه وحل بالتذكية وقيل يحل العضو أيضا ان مات بمجرد الابانة ولم تبق الحياة بعده فى جهة الرأس ولا فى غيرها حملا لقول النبى ﷺ ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة على غير الذكاة والصيد فمن ذبح وأبان الرأس بلا عمد لم تحرم الذبيحة عليه وحل الرأس مع أنه قليل مقطوع من كثير حى بعد القطع. وان أبان رأسه أكل الكل ان وجد ميتا، والا حرم لفقد محل الذكاة (٣). ثانيا: حكم العضو المبان من حيوان مذكى مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن الذى يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول سبعة هى: الدم المسفوح والذكر والانثيان والقبل والغدة والمثانة، والمرارة لقول الله شأنه: «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» (٤) وهذه الأشياء السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة فكانت محرمة وروى عن مجاهد رضى الله تعالى عنه أنه قال: كره رسول الله ﷺ من الشاة الذكر والانثيين

стр. 4937

والقبل والغدة والمرارة والمثانة والدم، فالمراد منه كراهة التحريم بدليل أنه جمع بين الأشياء الست وبين الدم فى الكراهة والدم المسفوح محرم. والمروى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: الدم حرام وأكره الستة فأطلق اسم الحرام على الدم المسفوح وسمى ما سواه مكروها لان الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به. وحرمة الدم المسفوح قد ثبتت بدليل مقطوع به وهو النص المفسر من كتاب الله العزيز قال الله تعالى عز شأنه: ﴿(قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ)﴾ (١) الآية وثبتت بانعقاد الاجماع أيضا على حرمته (٢). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل ان ابن رشد رحمه الله تعالى نقل فى رسم سماع موسى من كتاب الصلاة أنه يجوز أكل المشيمة - وهى بميمين وعاء الولد - وأفتى الصائغ بمنع أكلها وأفتى بعض شيوخ ابن عرفة رحمه الله تعالى ورحمهم بأنه ان أكل الجنين أكلت. وأما الدجاجة فيؤكل ما فى بطنها اذا ذكيت سواء تم خلقه أم لم يتم. قاله الجزولى فى شرح الرسالة (٣). مذهب الشافعية: جاء فى المجموع أنه يحل أكل الكبد والطحال بلا خلاف للحديث الصحيح: «أحل لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك والجراد والدمان الكبد والطحال» وروى البيهقى عن زيد بن ثابت رضى الله تعالى عنه قال: قال: انى لآكل الطحال وما بى اليه حاجة الا ليعلم أهلى أنه لا بأس به. وروى عن مجاهد رضى الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكره من الشاة سبعا: الدم والمرارة والذكر والانثيين والحيا والغدة والمثانة وكان أعجب الشاة اليه مقدمها (٤). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير أنه يكره أكل الغدة وأذن القلب لما روى عن مجاهد رضى الله تعالى عنه قال: كره رسول الله ﷺ من الشاة ستا وذكر هذين ولان النفس تعافهما وتستخبثهما ولا أظن أحمد رحمه الله تعالى كرههما الا لذلك لا للخبر لأنه قال فيه: هذا حديث منكر ولأن فى الخبر ذكر الطحال وقد قال أحمد: لا بأس به ولا أكره منه شيئا (٥).

стр. 4938

مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار أنه يكره أكل الطحال لقول على ﵇: الطحال لقمة الشيطان وكذا تكره المرارة والغدة ومبالة الشاة لعيافتها (١). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية أنه يحرم من الذبيحة خمسة عشر شيئا: الدم والطحال والقضيب والانثيان والفرث والمثانة والمرارة والمشيمة والفرج والعلباء (٢) والنخاع والغدة وذات الأشاجع (٣) وخرزة الدماغ والحدق وتحريم هذه الأشياء اجمع ذكره الشيخ غير المثانة فزادها ابن ادريس رحمه الله تعالى وتبعه جماعة منهم المصنف ومستند الجميع غير واضح لأنه روايات يتلفق من جميعها ذلك، بعض رجالها ضعيف وبعضها مجهول، والمتيقن منها تحريم ما دل عليه دليل خارج كالدم وفى معناها الطحال وتحريمها ظاهر من الآية وكذا ما استخبث منها كالفرث والفرج والقضيب والانثيين والمثانة والمرارة والمشيمة وتحريم الباقى يحتاج الى دليل والأصل يقتضى عدمه والروايات يمكن الاستدلال بها على الكراهة لسهولة خطبها الا أن يدعى استخباث الجميع، وهذا مختار العلامة فى المختلف. وابن الجنيد رحمه الله تعالى أطلق كراهية بعض هذه المذكورات ولم ينص على تحريم شئ نظرا الى ما ذكرناه، أما نحو السمك والجراد فلا يحرم منه شئ من المذكورات للأصل. ويكره أكل الكلا (٤) وأذنا القلب والعروق ولو ثقب الطحال مع اللحم وشوى حرم ما تحته من لحم وغيره دون ما فوقه أو مساوية، ولو لم يكن مثقوبا لم يحرم ما معه مطلقا، هذا هو المشهور، ومستنده رواية عمار الساباطى رحمه الله تعالى عن أبى عبد الله ﵇، وعلل فيها بأنه مع الثقب يسيل الدم من الطحال الى ما تحته فيحرم بخلاف غير المثقوب لأنه فى حجاب لا يسيل منه (٥). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن جميع ما فى الذبيحة يجوز أكله كالجنين اذا تبين أنه لحم والرحم وما يتصل بها والذكر،

стр. 4939

والمبولة بعد ازالة بولها وغسلها وقيل: لا يؤكل الذكر، وقيل: لا تؤكل المبولة ولو أزيل ماؤها وغسلت. وقيل: تؤكل بلا غسل وماؤها طاهر وكره النبى ﷺ المبولة والذكر والفرج من الأنثى. ودم القلب حلال. وقيل: نجس والصحيح ما ذكرت من أنه واضح وعليه الشيخ أبو العباس أحمد اذ قال رحمه الله تعالى وتؤكل الشاة بعد الذبح بجميعها الا موضع النجس منها وان غسل جاز أكله (١). ثالثا: حكم تناول ما انفصل من الحيوان مذهب الحنفية: حكم الجنين . جاء فى بدائع الصنائع أن الجنين اذا خرج بعد ذبح أمه وخرج حيا فذكى فانه يحل وان مات قبل أن يذبح فانه لا يؤكل بلا خلاف أما ان خرج ميتا فان لم يكن كامل الخلق لا يؤكل أيضا فى قولهم جميعا لأنه بمعنى المضغة، وان كان كامل الخلق اختلف فيه. قال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه لا يؤكل وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهم الله تعالى. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: لا بأس بأن يؤكل واحتجا بقول النبى ﷺ : ذكاة الجنين بذكاة أمه فيقتضى أنه يتذكى بذكاة أمه ولأنه تبع لأمه حقيقة وحكما أما حقيقة فظاهر وأما حكما فلأنه يباع ببيع الأم ويعتق بعتقها، والحكم فى التبع يثبت بعلة الأصل ولا يشترط له علة على حدة لئلا ينقلب التبع أصلا، ويدل لأبى حنيفة رحمه الله تعالى قول الله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ» (٢) والجنين ميتة لأنه لا حياة فيه والميتة ما لا حياة فيه فيدخل تحت النص أما ما يقال: بأن الميتة اسم لزائل الحياة. وهذا يستدعى تقدم الحياة وهو أمر لا يعلم فى الجنين، فيجاب عليه بأن تقدم الحياة ليس بشرط لاطلاق اسم الميت قال الله تعالى «وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» (٣) على أنا ان سلمنا ذلك فلا بأس به لأنه يحتمل أنه كان حيا فمات بموت الأم ويحتمل أنه لم يكن فيحرم احتياطا ولأنه أصل فى الحياة فيكون له فى الذكاة والدليل على أنه أصل فى الحياة أنه يتصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم ولو كان تبعا للام فى الحياة لما تصور بقاؤه حيا بعد زوال الحياة عن الأم واذا كان أصلا فى الحياة يكون أصلا فى الذكاة لأن الذكاة تفويت الحياة ولأنه

стр. 4940

اذا تصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم لم يكن ذبح الأم سببا لخروج الدم عنه اذ لو كان لما تصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم اذ الحيوان الدموى لا يعيش بدون الدم عادة فبقى الدم المسفوح فيه ولهذا اذا جرح يسيل منه الدم وأنه حرم لقول الله «أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» (١) وقوله عز شأنه «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ» (٢) ولا يمكن التمييز بين لحمه ودمه فيحرم لحمه أيضا. وأما الحديث فقد روى بنصب الذكاة الثانية معناة كذكاة أمه اذ التشبيه قد يكون بحرف التشبيه وقد يكون بحذف حرف التشبيه (٣). حكم البيضة: جاء فى بدائع الصنائع أنه اذا خرجت من الدجاجة الميتة بيضة تؤكل عندنا سواء اشتد قشرها أو لم يشتد، وذلك لأنه شئ طاهر فى نفسه مودع فى الطير منفصل عنه ليس من أجزائه فتحريمها لا يكون تحريما له كما اذا اشتد قشرها. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: يؤكل ما تصلبت قشرته فقط. هذا اذا خرج بيض من حيوان مأكول بعد موته دون تذكية شرعية وهو مما يحتاج الى الذكاة فان خرج البيض من حيوان مأكول فى حال حياته أو بعد تذكيته شرعا أو بعد موته وهو مما لا يحتاج الى التذكية كالسمك فبيضه مأكول الا اذا فسد. أما ان خرج البيض من حيوان غير مأكول فان كان من ذوات الدم السائل كالغراب الأبقع فبيضه نجس تبعا للحمه فلا يكون مأكولا، وان لم يكن من ذوات الدم السائل كالزنبور فبيضه طاهر تبعا للحمه ومأكول لأنه ليس بميتة (٤). حكم اللبن: جاء فى بدائع الصنائع أنه ان خرج اللبن من حيوان حى فهو تابع للحمه فى اباحة التناول وكراهته وحرمته ويستثنى من المحرم لبن الآدمى فهو مباح وان كان لحمه محرما، لأن تحريمه للتكريم لا للاستخباث وكذا يستثنى الخيل ففى لبنها رأيان. أحدهما أنه تابع للحم فيكون حراما أو مكروها - بناء على الاختلاف فى حكمها بين التحريم والكراهة. ثانيهما أنه مباح، لأن تحريم الخيل

стр. 4941

أو كراهتها لكونها آلة الجهاد لا لاستخباث لحمها واللبن ليس آلة الجهاد. وهذا هو الصحيح. وان خرج اللبن من حيوان مأكول بعد تذكيته فهو مأكول وان خرج من آدمية ميتة فهو طاهر مأكول عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لصاحبيه. أما ان خرج اللبن من ميتة المأكول كالنعجة مثلا فهو طاهر مأكول عند أبى حنيفة. ويرى صاحبا أبى حنيفة أنه حرام لتنجسه بنجاسة الوعاء وهو ضرع الميتة الذى تنجس بالموت. ويدل لأبى حنيفة رحمه الله تعالى قول الله ﵎: «وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ﴾. (١) والاستدلال بالآية من وجوه. أحدها: أنه وصفه بكونه خالصا فيقتضى أن لا يشوبه شئ من النجاسة. والثانى: أنه وصفه بكونه سائغا للشاربين والحرام لا يسوغ للمسلم. والثالث: أنه من علينا بذلك اذ الآية خرجت مخرج المنة. والمنة بالحلال لا بالحرام (٢). حكم الانفحة (٣): يختلف حكم الأنفحة تبعا لحالة الحيوان فان أخذت من حيوان مذكى ذكاة شرعية فهى طاهرة مأكولة، وان أخذت من حيوان ميت أو مذكى ذكاة غير شرعية فهى طاهرة مأكولة عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وقال صاحباه ان كانت صلبة يغسل ظاهرها وتؤكل ظاهرها وان كانت مائعة فهى نجسة لنجاسة وعائها بالموت فلا تؤكل (٤). مذهب المالكية: حكم الجنين: جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أن ذكاة الجنين يوجد ميتا بسبب ذكاة أمه تحقيقا أو شكا حاصلة بذكاة أمه فذكاة أمه ذكاة له وحينئذ فيؤكل بغير ذكاة اكتفاء بذكاة أمه هذا اذا

стр. 4942

كان خلقه قد تم واستوى ولو كان ناقص يد أو رجل - مع نبات شعر جسده ولو بعضه لا شعر عينيه أو رأسه أو حاجبه فلا يعتبر. وفى المشيمة - وهى وعاء الجنين ثلاثة أقوال ثالثها أنها تبع للولد ان أكل الولد أكلت والا فلا. أما ان كان الجنين ميتا من قبل ذكاة أمه فلا يحل. وان خرج الجنين بعد ذكاة أمه تاما بشعره حيا حياة محققة أو مشكوكا فيها ذكى وجوبا وان لم يذك لم يؤكل الا أن يبادر اليه - بفتح الدال - ويسارع الى ذكاته فيسبق بالموت فيؤكل للعلم بأن حياته حينئذ غير معتبرة لضعفها بأخذه فى السياق فهو بمنزلة ما نزل ميتا من بطن أمه بعد ذكاتها فيحكم عليه بأن ذكاته بذكاة أمه. فان لم يبادر حتى مات وكان بحيث لو بودر لم يدرك كره أكله، أما لو كان بحيث لو بودر لأدرك فلا يؤكل. وذكى الجنين المزلق - وهو ما ألقته أمه فى حياتها لعارض - ان كان مثله يعيش بأن كان تام الخلقة مع نبات شعر وكانت حياته محققة أو مظنونة لا مشكوكة، فان كان مثله لا يحيا أو شك فى أمره هل تستمر حياته أم لا لم يؤكل ولو ذكى لأن موته يحتمل أن يكون من الازلاق (١). حكم البيض: جاء فى شرح الخرشى وحاشية العدوى عليه أن أكل البيض الطاهر حلال، لا فرق فى ذلك بين البيض المتصلب أو غيره كما لا فرق أيضا بين بيض الطير أو السباع أو الحشرات اذ لحمها مباح اذا أمن سمها. هذا اذا لم يكن البيض مذرا (٢) فان كان مذرا فهو نجس ويطلق المذر كذلك على ما اختلط صفاره ببياضه لكن هذا الأخير طاهر ما لم يحصل فيه عفن، وأما ما يوجد من نقطة دم فى وسط بياض البيض فمقتضى مراعاة السفح فى نجاسة الدم الطهارة فى هذه كما فى الذخيرة هذا فى بيض الحيوان الحى أما بيض الحيوان الميت فان كان من حيوان ميتته نجسة فهو نجس وان كان من حيوان ميتته طاهرة فان كان هذا الحيوان لا يفتقر الى ذكاة - كالتمساح والترس - فهو طاهر، وان كان يفتقر الى ذكاة كالجراد فيحتمل أن يقال بنجاسته كجنين ما ذكى اذا لم يتم خلقه ولم ينبت شعره ويحتمل أن يقال بطهارته كطهارة ميتة ما خرج منه ولكنه لا يؤكل الا بذكاة (٣).

стр. 4943

حكم اللبن: ذكر الخرشى أن لبن الآدمى طاهر اذا خرج منه وهو حى سواء كان ذكرا أو انثى وسواء كان مسلما أو كافرا مستعملا للنجاسات أم لا لاستحالته الى صلاح ولجواز الرضاع بعد الحولين لأنه لو لم يكن طاهرا لمنع وأما الخارج بعد موته فهو نجس على المنصوص لنجاسة وعائه بناء على نجاسته بالموت، ولبن غير الآدمى تابع للحمه فان كان الحيوان مباح الأكل فلبنه طاهر ولو أكل نجاسة على المشهور. وان كان الحيوان محرم الأكل فلبنه نجس وان كان مكروه الأكل فلبنه مكروه شربه ولبن الجنى كلبن الآدمى لا كلبن البهائم لجواز مناكحتهم وجواز امامتهم ونحو ذلك (١). مذهب الشافعية: حكم الجنين: جاء فى مغنى المحتاج أنه يحل جنين وجد ميتا أو عيشه عيش مذبوح، سواء أشعر أم لا فى بطن مذكاة لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه رواه الترمذى وحسنه ورواه ابن حبان وصححه، بمعنى أن ذكاة امه التى أحلتها أحلته تبعا لها ولأنه جزء من أجزائها وذكاتها ذكاة لجميع أجزائها ولأنه لو لم يحل بذكاة أمه لحرم ذكاتها من ظهور الحمل كما لا تقتل الحامل قودا أما اذا خرج وبه حياة مستقرة فلا يحل بذكاة أمه ولا بد من أن يسكن عقب ذبح أمه فلو اضطرب فى البطن بعد ذبح أمه زمانا طويلا ثم سكن لم يحل كما قاله الشيخ أبو محمد رحمه الله تعالى فى الفروق وأقراه وان خالف فى ذلك البغوى والمروزى وقالا بالحل مطلقا. قال الأذرعى رحمه الله تعالى: والظاهر أن مراد الأصحاب اذا مات بذكاة أمه فلو مات قبل ذكاتها كان ميتة لا محالة لأن ذكاة الأم لم تؤثر فيه والحديث يشير اليه. وعلى هذا لو خرج رأسه ميتا ثم ذبحت أمه قبل انفصاله لم يحل وان خالف فى ذلك البغوى وقال البلقينى رحمه الله تعالى محل الحل ما اذا لم يوجد سبب يحال عليه موته فلو ضرب حاملا على بطنها وكان الجنين متحركا فسكن حتى ذبحت أمه فوجد ميتا لم يحل ولو خرج رأسه وفيه حياة مستقرة لم يجب ذبحه حتى يخرج لأن خروج بعضه كعدم خروجه فى العدة وغيرها فيحل اذا مات عقب خروجه بذكاة أمه وان صار بخروج رأسه مقدورا عليه وشرط حله أن يخرج مضغة مخلقة فان كان علقة لم يؤكل، لأنه دم ولو لم

стр. 4944

تتخطط المضغة لم تحل، بناء على عدم وجوب الغرة فيها وعدم ثبوت الاستيلاد يعنى لو كانت من آدمى ولو كان للمذكاة عضو أشل حل كسائر أجزائها (١). حكم البيض: جاء فى المجموع أن فى حل أكل بيض ما لا يؤكل خلافا فاذا قلنا بطهارته جاز أكله بلا خلاف لأنه غير مستقذر وهل يجب غسل ظاهر البيض اذا وقع على موضع طاهر؟ فيه وجهان حكاهما البغوى وصاحب البيان وغيرهما بناء على أن رطوبة الفرج طاهرة أم نجسة؟ وقطع ابن الصباغ رحمه الله تعالى فى فتاويه بأنه لا يجب غسله. هذا والبيضة الطاهرة اذا استحالت دما ففى نجاستها وجهان الأصح النجاسة كسائر الدماء والثانى الطهارة كاللحم وغيره من الأطعمة اذا تغيرت ولو صارت مذرة - وهى التى اختلط بياضها بصفرتها - فطاهرة بلا خلاف صرح به صاحب التتمة وغيره (٢). أما البيض من مأكول اللحم فطاهر بالاجماع (٣). وحكم اللبن: جاء فى نهاية المحتاج أن لبن ما لا يؤكل غير لبن الآدمى نجس كلبن الأتان لكونه من المستحيلات فى الباطن أما لبن ما يؤكل لحمه كلبن الفرس وان ولدت بغلا فطاهر، وكذا لبن الشاة أو البقرة اذا أولدها كلب أو خنزير فيما يظهر خلافا للزركشى رحمه الله تعالى فى خادمه، ولا فرق بين لبن البقرة والعجلة والثور والعجل خلافا للبلقينى ولا بين أن يكون على لون الدم أو لا يكون ان وجدت فيه خواص اللبن كنظيره فى المنى. أما ما أخذ من ضرع بهيمة ميتة فانه نجس اتفاقا كما فى المجموع، والأصل فى طهارة ما ذكر قول الله ﵎ ﴿(نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشّارِبِينَ﴾. (٤) وأما لبن الآدمى فطاهر أيضا اذ لا يليق بكرامته أن يكون منشؤه نجسا، ولأنه لم ينقل أن النسوة أمرن باجتنابه وسواء كان من ذكر أم من أنثى ولو صغيرة لم تستكمل تسع سنوات أم من خنثى مشكل قياسا على الذكر وأولى،

стр. 4945

وسواء انفصل فى حياته أم بعد موته لأن التكريم الثابت للآدمى الأصل شموله للجميع ولأنه أولى بالطهارة من المنى. قال الصيمرى رحمه الله تعالى: ألبان الآدميين لم يختلف المذهب فى طهارتها وجواز بيعها (١). حكم الأنفحة: جاء فى نهاية المحتاج أن الأنفحة طاهرة - وهى لبن فى جوف نحو سخلة (٢) فى جلدة تسمى أنفحة أيضا - ان كانت من مذكاة لم تطعم غير اللبن وسواء فى اللبن لبن أمها أم غيره، شربته أم سقى لها كان طاهرا أم نجسا ولو من نحو كلبة خرج على هيئته حالا أم لا ولا فرق فى طهارتها عند توفر الشروط بين مجاوزتها زمنا تسمى فيه سخلة أولا فيما يظهر نعم يعفى عن الجبن المعمول بالأنفحة من حيوان تغذى بغير اللبن لعموم البلوى به فى هذا (٣) الزمان. مذهب الحنابلة: حكم الجنين: جاء فى كشاف القناع أنه تحصل ذكاة جنين مأكول خرج من بطن أمه بعد ذبحها بذكاة أمه اذا خرج ميتا أو متحركا كحركة المذبوح سواء نبت شعره أو لم ينبت روى عن على وابن عمر رضى الله تعالى عنهم لحديث جابر مرفوعا قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه. رواه أبو داود باسناد جيد، ورواه الدارقطنى من حديث ابن عمر وأبى هريرة رضى الله تعالى عنهم قال الترمذى رحمه الله تعالى: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبى ﷺ وغيرهم ولأن الجنين متصل بأمه اتصال خلقة يتغذى بغذائها فتكون ذكاته بذكاتها كأعضائها. هذا ويستحب ذبح الجنين وان كان ميتا ليخرج الدم الذى فى جوفه. وان كان فى الجنين حياة مستقرة لم يبح الا ذبحه أو نحره لأنه نفس أخرى، وهو مستقل بحياته. ولو وجأ بطن أم جنين مسميا فأصاب مذبح الجنين المباح فهو مذكى والأم ميتة لفوات شرطها وهو قطع الحلقوم والمرئ، مع القدرة على قطعهما (٤). حكم البيض: جاء فى المغنى أن الدجاجة ان ماتت وفى بطنها بيضة قد صلب قشرها فهى طاهرة لأنها بيضة صلبة القشر طرأت

стр. 4946

النجاسة عليها فأشبه ما لو وقعت فى ماء نجس وليست جزءا من النجاسة - كما قيل - انما هى مودعة فيها غير متصلة بها فأشبهت الولد اذا خرج حيا من الميتة، أما كراهة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لها فهى محمولة على كراهة التنزيه استقذارا لها فان لم تكمل البيضة قال بعض أصحابنا: ما كان قشره أبيض فهو طاهر، وما لم يبيض قشره فهو نجس لأنه ليس عليه حائل حصين واختار ابن عقيل رحمه الله تعالى أنه لا ينجس لأن البيضة عليها غاشية رقيقة كالجلد وهو القشر قبل أن يقوى فلا ينجس منها الا ما كان لاقى النجاسة (١). وذكر صاحب كشاف القناع أن بيض الجلالة تابع لأصله، فان كانت النجاسة أكثر علف الجلالة حرمت هى وحرم بيضها لتولده منها وان لم يكن أكثر علفها النجاسة لم تحرم هى ولم يحرم بيضها (٢). حكم اللبن والأنفحة: جاء فى الشرح الكبير: أن لبن الميتة نجس لأنه مائع فى وعاء نجس فتنجس به وكذلك أنفحتها فى ظاهر المذهب لما ذكرنا. وروى أن الأنفحة طاهرة لأن الصحابة رضى الله تعالى عنهم أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن وهو يعمل بالأنفحة وذبائحهم ميتة لأنهم مجوس. والقول الأول أولى لأنه مائع فى اناء نجس (٣). مذهب الظاهرية: حكم الجنين: جاء فى المحلى أن كل حيوان ذكى فوجد فى بطنه جنين ميت وقد كان نفخ فيه الروح بعد فهو ميتة لا يحل أكله فلو أدرك حيا فذكى حل أكله فلو كان لم ينفخ فيه الروح بعد فهو حلال الا ان كان بعد دما لا لحم فيه ولا معنى لاشعاره ولا لعدم اشعاره وذلك لقول الله ﵎ «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ» (٤) وقال تعالى: «إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ» (٥) وبالعيان ندرى أن ذكاة الأم ليست ذكاة للجنين الحى لأنه غيرها وقد يكون ذكرا وهى أنثى، فأما اذا كان لحما لم ينفخ فيه الروح بعد فهو بعضها ولم يكن قط حيا فيحتاج الى ذكاة (٦).

стр. 4947

حكم البيض: جاء فى المحلى أنه لو خرجت بيضة من دجاجة ميتة أو طائر ميت مما يؤكل لحمه لو ذكى فان كانت ذات قشر فأكلها حلال وان لم تكن ذات قشر بعد فهى حرام لأنها اذا صارت ذات قشر فقد باينت الميتة وصارت منحازة عنها واذا لم تكن ذات قشر فهى حينئذ بعض حشوتها ومتصلة بها فهى حرام (١). حكم اللبن: جاء فى المحلى أن كل ما حرم أكل لحمه فحرام لبنه لأنه بعضه ومنسوب اليه الا ألبان النساء فهى حلال (٢) ولا يحل شرب ألبان الجلالة لأنه منها وبعضها فاذا قطع عنها أكل العذرة حل لبنها لما روينا من طريق أبى داود عن مجاهد عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهم قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها (٣). حكم الأنفحة: جاء فى المحلى أنه لا يحل أكل جبن عقد بأنفحة ميتة لأن أثرها ظاهر فيه وهو عقدها له (٤). مذهب الزيدية: حكم الجنين: جاء فى شرح الأزهار: أنه لا تغنى تذكية ذات الجنين عن تذكيته، فلو ذبحت شاة أو نحوها فخرج من بطنها جنين فان تذكيتها لا تغنى عن تذكيته فان خرج حيا ذكى وان خرج ميتا حرم هذا اذا كان قد حلت فيه الحياة فان لم تكن حلت فيه الحياة فهو لحمة كجزء من أمه وقال زيد بن على رحمه الله تعالى: ان الجنين اذا خرج ميتا جاز أكله لكن بشرط أن يكون قد أشعر (٥). حكم البيض: جاء فى البحر الزخار ان بيضة الميتة تحل مثل صوفها وتغسل لمجاورتها النجاسة، وذكر الامام الناصر انها تكره لشبهها ببضعة من الميتة (٦). حكم اللبن: جاء فى الروض النضير أنه لا يسوغ للانسان أن يشرب من لبن البدنة الا ما فضل عن ولدها (٧).

стр. 4948

وذكر صاحب البحر الزخار أن لبن الميتة يحرم تناوله لمجاورته النجاسة وهو مترطب (١). مذهب الإمامية: حكم الجنين: جاء فى الروضة البهية أن ذكاة الجنين ذكاة أمه اذا تمت خلقته وتكاملت أعضاؤه وأشعر وأوبر كما دلت على ذلك الأخبار سواء ولجته الروح أو لم تلجه، وسواء خرج ميتا أو خرج حيا غير مستقر الحياة لأن غير مستقر الحياة بمنزلة الميت ولاطلاق النصوص بحله اذا كان تاما (٢). حكم البيض: جاء فى الروضة البهية أنه يحل بيض الميتة اذا اكتسى القشر الأعلى الصلب والا كان بحكمها (٣). وبيض السمك تابع له فى الحل والحرمة. ولو اشتبه بيض المحلل ببيض المحرم أكل الخشن دون الأملس وأطلق كثير ذلك من غير اعتبار التبعية (٤)، وكذلك بيض الطير تابع له فى الحل والحرمة فكل طائر يحل أكله يؤكل بيضه وما لا يحل أكله فلا يحل بيضه فان اشتبه الأمر أكل ما اختلف طرفاه واجتنب ما اتفق (٥). حكم اللبن: جاء فى الروضة البهية أنه يحل اللبن فى ضرع الميتة على قول مشهور بين الأصحاب مستنده روايات منها صحيحة زرارة عن أبى عبد الله ﵇ قال سألته عن اللبن يكون فى ضرع الشاة وقد ماتت قال: لا بأس به وقد روى نجاسته صريحا فى خبر آخر ولكنه ضعيف السند الا أنه موافق للأصل من نجاسة المائع بملاقاة النجاسة، وكل نجس حرام. وفى الدروس جعل القول بالحل أصح وضعف رواية التحريم وجعل القائل به نادرا وحمله على التقية (٦). حكم الأنفحة: جاء فى الروضة البهية أن أنفحة الميتة حلال سواء أريد بها اللبن المستحيل فى جوف السخلة فتكون من جملة ما لا

стр. 4949

تحله الحياة أو كانت كرش الحمل أو الجدى ما لم يأكل فاذا أكل فهى كرش فتكون من جملة ما تحله الحياة وبذلك الحكم تصبح مستثناة فهى طاهرة وان لاصقت الجلد الميت للنص (١). مذهب الإباضية: حكم الجنين: جاء فى شرح النيل أن ذكاة الجنين ذكاة أمه لا يحتاج فيه الى ذكاة أن تمت خلقته ووجد ميتا فى بطنها وعلامة تمام خلقته وجود الشعر فى جميع جسده. وقيل: ولو فى بعض جسده. وقيل: أن ينبت ثلاث شعرات. وقيل: شعره كله. وقيل: شعرة واحدة. وقيل: حتى ينبت ويتحرك قبل موت أمه وبعد الذبح. وقيل حتى يتحرك بعد موتها وينزع ويذبح على أن معنى الحديث: ذكاته كذكاة أمه. وقيل: تعتبر الحياة بالحركة فى بطن أمه بعد ذبحها أو نحرها وعليه فمن ذبح شاة وبها ولد أكل ان تحرك فى بطنها بعد الذبح والا فلا يؤكل بناء على اشتراط تحرك الذبيحة بعد الذبح فانه لما اكتفينا عن ذبحه بذبحها أبقينا شرط الحركة فيه بعد ذبحه الذى هو ذبح أمه. وقيل: يؤكل اذا تبين أنه حى قبل ذبح أمه ولو لم يتحرك فى بطنها بعد ذبحها بناء على عدم اشتراط حركة الذبيحة بعد الذبح، وجوز الأكل مطلقا سواء تحرك أو لم يتحرك كقطعة لحم منها. وقيل: يؤكل سواء تمت خلقته أو لم تتم كانت فيه الحياة أم لم تكن كان فيه الشعر أم لم يكن، تحرك أم لم يتحرك. وقيل بجواز أكله ان كان به شعر وان قل وتكفى ذكاة أمه (٢). ومن شق بطن شاة بعد الذبح ظانا موتها فنزع ولدا حيا صح ذبحه وجاز أكله وحرمت أمه لظهور أنها كانت عند الشق حية والا لم يوجد ولدها حيا، ولما وجد ولدها حيا علم أنه شق بطنها وهى حية فيكون الموت بالذبح والشق، لا بالذبح وحده فتحرم

стр. 4950

وكذا كل بهيمة وجد جنينها حيا بعد الشق الا الأرنب فتؤكل وان وجد حيا بعد الشق لصحة حياته فى بطنها بعد موتها وان رأى أمارة الحياة فى الأرنب وشق بطنها حرمت وحل جنينها ان حيى وذبح وهكذا مثلها وان أخرج الجنين حيا وبادره الموت قبل امكان ذبحه فلا يحل ومن شق بطن بهيمة قبل الذبح ونزع منها جنينا حيا وذبحه وذبح أمه أكلا معا، وان لم تدرك ذكاة أحدهما لم يؤكل وأكل الآخر، وان خرج رأسه أو رأسه وعنقه منها بالولادة ثم ذبحت وذبح بعدها أو قبلها أو معها بأن ذبحها انسان وذبحه آخر فى حال واحدة أكلت دونه لأنه يعين على موته الضيق الذى هو فيه. ويؤكل ان خرج صدره أو أكثر. وفى التاج: ان أخرج من نتاجها ولم يستتم خروجه وذبحت وخرج من بعد أو ماتت فلا بأس بأكله وما لم يخرج كله فحكمه حكمها (١). ٥ - حكم تناول الحيوان الذى لم تعرفه العرب مذهب الحنفية: جاء فى حاشية ابن عابدين نقلا عن معراج الدراية أن العلماء أجمعوا على أن المستخبثات حرام بالنص وهو قول الله «وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» (٢) وما استطابه العرب حلال لقول الله ﵎ «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ» (٣) وما استخبثه العرب فهو حرام بالنص، والذين يعتبر استطابتهم أهل الحجاز من أهل الأمصار لأن الكتاب نزل عليهم وخوطبوا به ولم يعتبر أهل البوادى لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما يجدون. وما وجد فى أمصار المسلمين مما لا يعرفه أهل الحجاز رد الى أقرب ما يشبهه فى الحجاز فان كان مما يشبه شيئا منها فهو مباح لدخوله تحت قول الله تعالى «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ» (٤) الآية ولقول النبى ﷺ : ما سكت الله عنه فهو مما عفا الله عنه (٥). مذهب المالكية: يرى المالكية أن كل ما لم يرد فيه نص على أنه حرام فهو حلال، وبناء على ذلك فهم لا يعتبرون استطابة العرب من أهل الحجاز ولا استخباثهم كما لا يعتبرون المشابهة بين حيوان مجهول

стр. 4951

الحكم وحيوان معروف الحكم أساسا فى اباحته أو تحريمه (١). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج أن الحيوان الذى لا نص فيه من كتاب أو سنة أو اجماع لا خاص ولا عام بتحريم ولا تحليل ولا ورد فيه أمر بقتله ولا بعدمه ان استطابه أهل ثروة وخصب وأهل طباع سليمة من أكثر العرب سكان بلاد أو قرى فى حال رفاهية حل وان استخبثوه فلا يحل لأن الله أناط الحل بالطيب والتحريم بالخبيث وعلم بالعقل أنه لم يرد ما يستطيبه ويستخبثه كل العالم لاستحالة اجتماعهم على ذلك عادة لاختلاف طبائعهم، فتعين أن يكون المراد بعضهم والعرب بذلك أولى لأنهم أولى الأمم اذ هم المخاطبون أولا، ولأن الدين عربى أما غير أهل اليسار - وهم المحتاجون - وغير ذوى الطباع السليمة - وهم أجلاف البوادى - الذين يأكلون مادب ودرج من غير تمييز فلا عبرة بهم وكذا لا عبرة بالاستطابة فى حال الضرورة. ويرجع فى كل زمان الى العرب الموجودين فيه، فان استطابته فحلال أو استخبثته فحرام وذلك اذا لم يسبق فيه كلام العرب الذين كانوا فى عهد النبى ﷺ فمن بعدهم فان ذلك قد عرف حاله واستقر أمره، فان اختلفوا فى استطابته اتبع الأكثر فان استووا فقريش لأنهم قطب العرب، فان اختلفت ولا ترجيح أو شكوا أو لم نجدهم ولا غيرهم من العرب اعتبرنا قرب الحيوان شبها به صورة أو طبعا أو طعما فان استوى الشبهان أو لم يوجد ما يشبهه فحلال لقول الله ﵎ «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً» (٢) الآية ولا يعتمد فيه شرع من قبلنا لأنه ليس شرعا لنا فاعتماد ظاهر الآية التى تقتضى الحل أولى من استصحاب الشرائع السالفة. وان جهل اسم حيوان سئل العرب عن ذلك الحيوان وعمل بتسميتهم له مما هو حلال أو حرام لأن المرجع فى ذلك الى الاسم وهم أهل اللسان وان لم يكن له اسم عندهم اعتبر بالأشبه به من الحيوان فى الصورة أو الطبع أو الطعم فى اللحم فان تساوى الشبهان أو فقد ما يشبهه حل على الأصح فى الروضة والمجموع (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى الشرح الكبير أن ما استطابته العرب فهو حلال لقول الله ﵎: «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ» يعنى ما يستطيبونه،

стр. 4952

وما استخبثه العرب فهو محرم لقول الله ﵎ «وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ» والذين تعتبر استطابتهم واستخباثهم هم أهل الحجاز من أهل الأمصار لأنهم الذين نزل عليهم الكتاب وخوطبوا به - وبالسنة فرجع فى مطلق ألفاظهما الى عرفهم دون غيرهم ولم يعتبر أهل البوادى لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون فقال: ما دب ودرج الا أم حبين. وما وجد فى أمصار المسلمين مما لا يعرفه أهل الحجاز رد الى أقرب ما يشبهه فى الحجاز فان لم يشبهه شئ منها فهو مباح لدخوله فى عموم قول الله «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ» الآية ولقول النبى ﷺ «ما سكت الله عنه فهو مما عفى عنه (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن كل حيوان لم يرد فيه نص بأنه محرم الأكل ولم يأمر النبى ﷺ بقتله ولم تسخبثه الطباع السليمة فهو مباح لقول الله تعالى: «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ.» (٢) مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار أن ما استخبثه العرب يحرم تناوله والعبرة فى ذلك بأهل الترف والسعة لا ذوى الفاقة وما اختص به بلاد العجم من الحيوان ألحق بشبهه فى العرب، فان التبس فوجهان، قيل: يحرم اذ هو الأصل، وقيل: لا يحرم لعموم قول الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً … » الآية (٣) مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية أن أبا جعفر ﵇ سئل عن سباع الطير والوحش حتى ذكر القنافذ والوطواط والحمير والبغال والخيل فقال: ليس الحرام الا ما حرم الله تعالى فى كتابه وروى حماد عن عثمان عن أبى عبد الله ﵇ قال: كان رسول الله ﷺ عزوف النفس، وكان يكره الشئ ولا يحرمه فأتى بالأرنب مكرها ولم يحرمها (٤).

стр. 4953

٦ - ما يشترط فى حله التذكية من الحيوان وما لا يشترط مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أنه يشترط الذكاة فى حل الأكل من الحيوان المأكول البرى -، فلا يحل أكله بدون الذكاة لقول الله ﵎: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ» (١) فقد استثنى المذكى من المحرم، والاستثناء من التحريم اباحة (٢). وأما أحكام التذكية وأنواعها وما يتبع فى الحيوان المصيد والناد ونحوه فينظر ذلك كله فى موطنه فى بحث ذكاة - تذكية. مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل أنه صرح فى التنبيهات بأن الصحيح من المذهب أن الخشاش لا يؤكل الا بذكاة (٣). وجاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أنه يفتقر على المشهور نحو الجراد من كل ما ليس له نفس سائلة للذكاة بنية وتسمية لكن ذكاته بأى فعل يموت به ان عجل الموت كقطع الرقبة بل ولو لم يعجل كقطع جناح أو رجل أو القاء فى ماء بارد. ولا يؤكل ما قطع منه ولكن لابد من تعجيل الموت فان لم يحصل تعجيل فانه بمنزلة العدم ولا بد من ذكاة أخرى بنية وتسمية (٤). وقال الامام مالك رحمه الله تعالى لا بأس فى أن يقطع الحوت قبل أن يموت لأنه لا ذكاة فيه، وأنه لو وجد ميتا فلا بأس به (٥). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج (٦) أنه لا يحل شئ من الحيوان المأكول البرى بغير ذكاة شرعية لقول الله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ» الى قوله تعالى: «وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ.» (٧) وتحل ميتة (٨) السمك والجراد بالاجماع لخبر أحلت لنا.

стр. 4954

ميتتان» ولخبر: هو - أى البحر - الطهور ماؤه الحل ميتته، ولأن ذبحهما لا يمكن عادة، فسقط اعتباره، سواء ماتا بسبب أم بغير سبب. مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه لا يباح شئ من الحيوان المقدور عليه من الصيد والأنعام والطير الا بالذكاة ان كان مما يعيش فى البر لقول الله ﵎ «إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ» ولأن الله تعالى حرم الميتة وهى ما زهقت نفسه بسبب غير مباح أو ليس بمقصود، وما لم يذك فهو ميتة فيحرم لذلك الا الجراد وشبهه كالجندب (١) فيحل ولو مات بغير سبب من كبس وتفريق. فأما السمك وشبهه من حيوانات البحر مما لا يعيش الا فى الماء فيباح بغير ذكاة سواء صاده انسان أو نبذه البحر أو جزر عنه الماء أو حبس فى الماء بحظيرة حتى يموت لعموم حديث ابن عمر مرفوعا رضى الله تعالى عنهما قال: «أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال. وما كان مأواه البحر وهو يعيش فى البر ككلب الماء وغيره وسلحفاة وسرطان ونحو ذلك لم يبح المقدور عليه منه الا بالتذكية لأنه لما كان يعيش فى البر ألحق بحيوان البر احتياطا (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه لا يحل أكل ما يعيش فى الماء وفى البر الا بذكاة كالسلحفاة وكلب الماء والسمور ونحو ذلك لأنه من صيد البر ودوابه (٣) ولا يحل أكل حيوان مما يحل أكله ما دام حيا لقول الله تعالى «إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ» فحرم علينا أكل ما لم نذك والحى لم يذك بعد (٤). مذهب الزيدية: جاء فى الروض النضير أن الحيوان المأكول الذى لا تحل ميتته ضربان مقدور على ذبحه ومتوحش، فالمقدور على ذبحه لا يحل الا بالذبح فى الحلق واللبة وهذا مجمع عليه وسواء فى هذا الانسى والوحشى اذا قدر على ذبحه بأن أمسك الصيد أو كان متأنسا، أما المتوحش كالصيد فجميع أجزائه تذبح ما دام متوحشا فاذا رماه بسهم أو أرسل عليه جارحة فأصاب شيئا منه ومات به حل بالاجماع وأما اذا توحش أنسى، بأن ند بعير أو بقرة أو فرس أو شاة أو غيرها فهو كالصيد فيحل بالرمى الى غير

стр. 4955

مذبحه وبارسال الكلب وغيره من الجوارح عليه (١). وجاء فى التاج المذهب أن ما أخذ من البحر حيا فانه يحل ولا يحتاج الى تذكية ولو كان من جنس ما يذكى، ومثله ما أخذ ميتا بسبب آدمى نحو أن يعالج الصيد فيموت بسبب ذلك فانه يحل حينئذ، وكذا ما مات من ذلك لأجل جزر الماء وانحساره عنه أو قذفه بأن يرمى البحر به الى موضع جاف أو نضوب البحر عنه فمتى مات لأجل هذه الأسباب فقط ولم يكن من جنس ما يحرم حل، وأما اذا مات بغير شئ من ذلك نحو أن يموت بحر الماء أو برده أو بأن يقتل بعضه بعضا أو وجد طافيا أو خرج بنفسه ثم مات بسبب الخروج فانه لا يحل أكله (٢). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية أن الذكاة انما تقع على حيوان طاهر العين غير آدمى ولا حشار - وهى ما سكن الأرض من الحيوانات كالفأر والضب وابن عرس - ولا تقع على الكلب والخنزير اجماعا ولا على الآدمى وان كان كافرا اجماعا ولا على الحشرات على الأظهر للأصل اذ لم يرد بها نص وقيل تقع وهو شاذ (٣). وذكاة السمك المأكول اخراجه من الماء حيا، بل اثبات اليد عليه خارج الماء حيا وان لم يخرجه منه، وعلى ذلك فيجوز أكل السمك حيا لكونه مذكى باخراجه من غير اعتبار موته بعد ذلك بخلاف غيره من الحيوان فان تذكيته مشروطة بموته بالذبح أو النحر أو ما فى حكمهما. وقيل لا يباح أكله حتى يموت كباقى ما يذكى ومن ثم لو رجع الى الماء بعد اخراجه فمات فيه لم يحل، فلو كان مجرد اخراجه كافيا لما حرم بعده (٤). وذكاة الجراد أخذه حيا باليد أو الآلة ولو كان الآخذ له كافرا اذا شاهده المسلم وذلك اذا كان الجراد مستقلا بالطيران والا لم يحل وبناء على ذلك فلو أحرقه قبل أن يأخذه حرم، وكذا لو مات فى الصحراء أو فى الماء قبل أخذه وان أدركه بنظره، ويحل أكله حيا وبما فيه كالسمك (٥).

стр. 4956

مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن كل حيوان يباح أكله انما يحل اذا ذكى الذكاة المشروعة والا فهو ميتة يحرم تناولها لقوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» واستثنى من ذلك السمك والجراد فانه لا يشترط تذكيتهما (١)». ٧ - حكم تناول أطعمة أهل الكتاب مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أنه تؤكل ذبيحة أهل الكتاب لقول الله ﵎: «وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ» (٢) والمراد منه ذبائحهم، اذ لو لم يكن المراد ذلك لم يكن للتخصيص بأهل الكتاب معنى لأن غير الذبائح من أطعمة الكفرة مأكول، ولأن مطلق اسم الطعام يقع على الذبائح كما يقع على غيرها لأنه اسم لما يتطعم والذبائح مما يتطعم فيدخل تحت اطلاق اسم الطعام فيحل لنا أكلها. ويستوى فيه أهل الحرب منهم وغيرهم لعموم الآية الكريمة. وكذا يستوى فيه نصارى بنى تغلب وغيرهم، لأنهم على دين النصارى الا أنهم نصارى العرب فيتناولهم عموم الآية الشريفة. وقال سيدنا على رضى الله تعالى عنه: لا تؤكل ذبائح نصارى العرب لأنهم ليسوا بأهل الكتاب. وقرأ قول الله عز شأنه: «وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ.» (٣) وقال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: تؤكل وقرأ قوله : «وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ.» (٤) والآية الكريمة التى تلاها سيدنا على رضى الله عنه دليل على أنهم من أهل الكتاب لأن الله قال: «وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ.» (٣) أما الصابئون ففى حكم أطعمتهم خلاف، قال الامام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تؤكل ذبائحهم. ويقول أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى: لا تؤكل. واختلاف الحكم يرجع الى اختلافهم فى تفسير المقصود بالصابئين وأنهم ممن هم؟ ثم انما تؤكل ذبيحة الكتابى اذا

стр. 4957

لم يشهد ذبحه ولم يسمع منه شئ أو سمع وشهد منه تسمية الله تعالى وحده لانه اذا لم يسمع منه شيئا يحمل على أنه قد سمى الله ﵎ وجرد التسمية تحسينا للظن به كما بالمسلم ولو سمع منه ذكر اسم الله تعالى لكنه عنى بالله المسيح ﵊ قالوا: تؤكل لأنه أظهر تسمية هى تسمية المسلمين، الا اذا نص فقال بسم الله الذى هو ثالث ثلاثة فلا تحل. وقد روى عن سيدنا على رضى الله عنه تعالى عنه أنه سئل عن ذبائح أهل الكتاب وهم يقولون ما يقولون؟ فقال رضى الله تعالى عنه قد أحل الله ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. فأما اذا سمع عنه أنه سمى المسيح ﵊ وحده، أو سمى الله وسمى المسيح فان هذا لا تؤكل ذبيحته كذا روى عن سيدنا على رضى الله تعالى عنه ولم يرو عن غيره خلافه فيكون اجماعا ولقول الله «وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ» (١) وهذا أهل لغير الله فلا يؤكل ومن أكلت ذبيحته ممن ذكرنا أكل صيده الذى صاده بالسهم أو بالجوارح ومن لا فلا (٢). مذهب المالكية: جاء فى حاشية الشيخ حجازى على حاشية الأمير أنه تؤكل ذبيحة الكتابى وان كان أصله مجوسيا كالسامرى ولا يشترط فى ذبيحة الكتابى حضور مسلم يعرفها أو يصفها لمن يعرفها الا أن يأكل الميتة فيكفى الحضور بناء على عدم اعتبار النية من الكافر اذ شرطها الاسلام، بل فى بعض شراح الرسالة أن غير الكتابى اذا ذكى بحضرة مسلم وسمى أكلت هذا ولكن نية فعل الذكاة لا بد منه ولو من الكافر والا لأكلت موقوذته ان صادفت الذكاة نعم لا يشترط نية التحليل وان لم يكن حلاله حرم أكله وذلك ان ثبت تحريمه بشرعنا. هذا ويكره شحم اليهودى لأنه جزء مذكى تابع والنظر للتحريم عليه انما هو فى جميع الذات لكنه اعتبر فى الجملة للكراهة وانما لم يحرم مع أنه ثبت تحريمه بشرعنا لما علمت أنه جزء مذكى والذكاة لا تتبعض، ويكره قبول صدقة موتاهم لأنه تعظيم لشركهم، وينخرط فى هذا قبول ما يهدونه للمسلمين فى أعيادهم من الرقاق والبيض، وأما مهاداتهم فى غير ذلك فلا بأس بها ما لم تصل الى حد الصداقة (٣).

стр. 4958

وجاء فى حاشية الأمير على شرح مجموعه الفقهى ان ما ذبحه الكتابيون لنحو عيسى وصليب وصنم ان ذكروا عليه اسم الله أكل ولو قدموا غيره لأنه يعلو ولا يعلى عليه. والا فان قصدوا اهداء الثواب من الله فكذلك يؤكل بمنزلة الذبح للولى وان قصدوا التقرب والتبرك بالألوهية أو تحليلها بذلك حرم أكله (١). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج أن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب بقول الله ﵎: «وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ» (٢) وهم لا يسمون غالبا فدل على أن التسمية غير واجبة، وبقول السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها ان قوما قالوا يا رسول الله ان قومنا حديثو عهد بالجاهلية يأتون بلحام لا ندرى أذكروا اسم الله عليها أم لم يذكروا أنأكل منها، فقال ﷺ : اذكروا اسم الله وكلوا» رواه البخارى. ولو كان ذكر اسم الله تعالى واجبا لما أجاز ﷺ الأكل مع الشك (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أنه لا بأس فى أكل جبن المجوسى وغيرهم من الكفار ولو كانت أنفحته من ذبائحهم وكذا الدروز والنصيرية فقد سئل الامام أحمد رحمه الله تعالى عن الجبن فقال: يؤكل من كل أحد، فقيل له عن الجبن الذى يصنعه المجوسى فقال: ما أدرى وذكر أن أصح حديث فيه حديث عمر رضى الله تعالى عنه أنه سئل عن الجبن وقيل له: يعمل فيه أنفحة الميتة قال: سموا اسم الله وكلوا (٤). والمفهوم من قول الله ﵎ «وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ» أن طعام غير أهل الكتاب من الكفار حرام وانما أخذت من المجوسى الجزية لأن شبهة الكتاب تقتضى التحريم لدمائهم، فلما غلب التحريم فى دمائهم وجب أن يغلب عدم الكتاب فى تحريم ذبائحهم ونسائهم احتياطا للتحريم فى الموضعين ويؤكل من طعام المرتدين والمجوس والوثنيين والزنادقة والدروز والنصيرية غير اللحم والشحم والكوارع والرؤوس ونحوها من أجزاء الذبيحة لأنها ميتة، وكل أجزائها ميتة (٥) وان ذبح الكتابى باسم المسيح أو غيره لم تبح الذبيحة لقول الله تعالى: «وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ» (٦) واذا

стр. 4959

لم يعلم أسمى الذابح أم لم يسم أو لم يعلم أذكر اسم غير الله أم لم يذكر فالذبيحة حلال لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها: قالوا يا رسول الله ان قوما حديثو عهد بشرك يأتوننا بلحم لا ندرى أذكروا اسم الله أم لم يذكروا فقال: سموا أنتم وكلوا» رواه البخارى (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه لا يحل أكل ما ذبح أو نحر لغير الله تعالى، ولا ما سمى عليه غير الله تعالى متقربا بتلك الذكاة اليه، سواء ذكر اسم الله تعالى معه أو لم يذكره وكذلك ما ذكى من الصيد لغير الله تعالى: فلو قال باسم الله وصلّى الله على المسيح أو قال: وصلّى الله على محمد أو ذكر سائر الأنبياء فهو حلال، لأنه لم يهل به لهم قال الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ» (٢) فسواء ذكر الله تعالى عليه أو لم يذكر هو مما أهل لغير الله تعالى به فهو حرام سواء ذبحه مسلم أو كتابى (٣). مذهب الزيدية: جاء فى الروض النضير (٤) أنه يباح طعام اليهود لما ثبت من أن النبى ﷺ أضافه يهودى على خبز شعير وأهالة سنخة والخبر المشهور من حديث أنس رضى الله تعالى عنه أن يهودية أهدت لرسول الله ﷺ شاة مسمومة فأكل منها، وكذلك الحكم فى ذبائح النصارى، فقد روى عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم قال: كلوا ذبائح بنى تغلب وتزوجوا نساءهم فان الله تعالى يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» فلو لم يكونوا منهم الا بالولاية منهم لكانوا منهم. هذا وقد ذهبت القاسمية والمؤيد بالله أحمد بن الحسين الهارونى ومحمد ابن عبد الله النفس الزكية الى تحريم ذبيحة الكتابى كالوثنى قال فى البحر: وهو احدى الروايتين عن زيد بن على. أما المحلون فقد احتجوا بقول الله تعالى: «وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾

стр. 4960

﴿حِلٌّ لَكُمْ» (١) حيث تشير هذه الآية الى أن ذبيحتهم حلال وكأنهم لا يذكرون عيسى وعزيزا فى مقام الذبح أو ينذر منهم فلم يعبأ بذلك وجعلت ذبيحتهم كذبيحة المسلم. أما ذبائح المجوس فان مذهب الجمهور المنع مطلقا. قال البيهقى رحمه تعالى: واجماع أكثر المسلمين عليه ونقل الحربى الاجماع على المنع الا عن أبى نور وأخرج ابن أبى شيبة من طريقه جواز التسرى من المجوس باسناد صحيح واذا جاز التسرى جاز أكل ذبائحهم اذ هما قرينان فى الحكم وذلك انهم أهل كتاب لحديث: «انما المجوس طائفة من أهل الكتاب» واسناده حسن، فحكمهم كحكم أهل الكتاب فى جميع الأحكام وقد صح أن النبى صلى عليه وسلم أخذ منهم الجزية ولم يأذن الله فى أخذها الا من أهل الكتاب (٢). مذهب الإمامية: جاء فى شرائع الاسلام أن ذبيحة الوثنى ميتة وفى الكتابى روايتان أشهرهما المنع فلا يؤكل ذباحة اليهودى ولا النصرانى ولا المجوسى، وفى رواية ثالثة تؤكل ذباحة الذمى اذا سمعت تسميته وهى مطروحة (٣). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أن الذبيحة لا تؤكل على الصحيح ان ذبحها أو نحرها مشرك غير كتابى أو كتابى محارب. وتجوز ذبيحة أهل الكتاب كلهم من الرجال والنساء والأحرار والعبيد ممن اختتن منهم ومن لم يختتن ما داموا فى العهد والذمة، واذا حاربوا فلا تؤكل ولا تؤكل ذبيحة من ارتد الى أهل الكتاب من أهل الاقرار، وتؤكل ذبيحة الطفل والطفلة الكتابيين ان لم يحارب أبواهما (٤). وقد ورد فى الأثر أنه يجوز أكل ذبيحة نصرانى ذكر عليها ثلاثة آلهة منهم الله. ولا يؤكل ما ذبح لغير الله تعالى ولو لغير الأصنام وسئل على وابن عباس رضى الله تعالى عنهم كيف حلت ذكاة أهل الكتاب وهم يذكرون غير الله تعالى فقالا ان الله حين أحل لنا ذبائحهم قد علم ما يقولون (٥).

стр. 4961

٨ - حكم تناول السمك المملح مذهب الحنفية: جاء فى البحر الرائق أن دم السمك معفو عنه لأنه ليس بدم على التحقيق وانما هو دم فى الصورة لأنه اذا يبس يبيض والدم اذا يبس يسود، وأيضا لأن الحرارة خاصية الدم والبرودة خاصية الماء فلو كان للسمك دم لم يدم سكونه فى الماء. وعلى ذلك فالحكم يشمل السمك الكبير اذا سال منه شئ فان ظاهر الرواية أن دم السمك مطلقا طاهر. وروى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه نجس مطلقا وأنه مقدر بالكثير الفاحش، وروى عنه أن دم الكبير نجس وما روى عن أبى يوسف ضعيف (١). مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ترتيبا على ما جاء من الخلاف فى طهارة الدم المسفوح من السمك: أنه يترتب على ذلك الخلاف الخلاف فى جواز أكل السمك الذى يوضع بعضه على بعض ويسيل دمه من بعضه الى بعض وعدم جواز أكله: فعلى القول بأن الدم المسفوح من السمك نجس. لا يجوز أن يؤكل من هذا السمك الا الصف الأعلى وعلى القول بأن ذلك الدم طاهر - وممن قال بذلك ابن العربى رحمه الله تعالى - يجوز أن يؤكل هذا السمك كله. ومذهب الحنفية أن الخارج من السمك ليس بدم بل هو رطوبة، وحينئذ فهو طاهر. ولو شك على القول باباحة الأكل من الصف الأعلى منه فقط - هل هذا السمك كان من الصف الأعلى أو من غيره أكل لأن الطعام لا يطرح بالشك (٢). وجاء فى مواهب الجليل نقلا عن المدونة أن من ملح حيتانا فوجد فيها ضفادع ميتة أكلت. قيل: الضمير يعود الى الضفادع يعنى أكلت الضفادع، وقيل الضمير يعود الى الحيتان يعنى أكلت الحيتان. والجميع يؤكل (٣). وجاء فى بلغة السالك أن الدردير رضى الله تعالى عنه كان يقول: الذى أدين الله به أن الفسيخ طاهر لأنه لا يملح ولا يرضخ الا بعد الموت والدم المسفوح

стр. 4962

لا يحكم بنجاسته الا بعد أن يخرج وبعد موت السمك ان وجد فيه دم يكون كالبامى فى العروق بعد الذكاة الشرعية فالرطوبات الخارجة منه بعد ذلك طاهرة لا شك فى ذلك (١). مذهب الشافعية: جاء فى حاشية البجيرمى على شرح منهج الطلاب نقلا عن الجواهر: أن كل سمك مملح ولم ينزع ما فى جوفه فهو نجس. ثم قال صاحب الحاشية ومن ذلك يعلم حرمة أكل الفسيخ المعروف خلافا لما اشتهر على الألسنة (٢). وجاء فى حاشية البجيرمى على الاقناع نقلا عن الجواهر: أن الأصحاب من الشافعية رحمهما الله تعالى يرون أنه لا يجوز أكل السمك الذى ملح ولم ينزع ما فى جوفه من المستقذرات، وظاهر ذلك أنه لا فرق فى التحريم بين صغير السمك وكبيره لكن ذكر الشيخان - الرافعى والنووى - أنه يجوز أكل الصغير من السمك مع ما فى جوفه لعسر تنقية ما فيه وان كان الأصح أنه نجس (٣). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أن دم السمك طاهر اذ يؤكل بدمه كالعروق بعد الذبح والا لنجست ميتته ولزمت تذكيته ليذهب دمه كالشاة (٤). ٩ - الأطعمة التى يتغير حكم تناولها بسبب عارض أولا: طعام المضطر: مذهب الحنفية: جاء فى الفتاوى الهندية أنه لا بأس بأن يأكل الانسان الميتة فى حالة المخمصة قدر ما يدفع به الهلاك عن نفسه. واختلفوا فى حكم أكله. قيل: أكله حرام الا أنه وضع الاثم عنه. وقيل: هو حلال لا يسعه أن يتركه كذا فى الغرائب. ولو خاف الانسان على نفسه الموت من الجوع ومع رفيق له طعام ذكر فى الروضة أنه يجوز له أن يأخذ من

стр. 4963

الطعام قدر ما يدفع جوعه على شرط الضمان، كذا فى الخلاصة ومن أصابته مخمصة وعنده طعام رفيقه فلم يأخذ منه كرها بالقيمة بل صبر حتى مات جوعا يثاب كذا فى القنية. وان اضطر الى طعام والمالك يمنعه وسعه أن يأخذ منه ولا يقاتله عليه ولو ترك حتى مات كان فى سعة. ولو أن مضطرا لم يجد ميتة وخاف الهلاك فقال له رجل اقطع يدى وكلها أو قال اقطع منى قطعة وكلها فانه لا يسعه أن يفعل ذلك ولا يصح أن يؤمر به، كما لا يسع للمضطر أن يقطع قطعة من نفسه فيأكل كذا فى فتاوى قاضيخان ومن امتنع عن أكل الميتة حالة المخمصة أو صام ولم يأكل حتى مات يأثم كذا فى الاختيار شرح المختار، ولو جاع ولم يأكل مع قدرته حتى مات يأثم كذلك (١). وذكر صاحب الفتاوى الهندية أنهم تكلموا فى حد الاضطرار الذى يحل له الميتة فقيل: يكون الشخص مضطرا اذا كان بحال يخاف فيها على نفسه التلف روى عن ابن المبارك رحمه الله تعالى أنه قال اذا كان بحال لو دخل السوق لا ينظر الى شئ سوى الحرام. وقيل: يكون مضطرا اذا كان يضعف عن أداء الفرائض. وقيل: بعد ثلاثة أيام. والصحيح أنه غير مؤقت لأنه يختلف باختلاف طبائع الناس (٢). وفى حد الاضطرار وصفاته تفصيل وتفريع يطلب فى بحث اضطرار. مذهب المالكية: جاء فى شرح الخرشى أن الانسان اذا خاف على نفسه الهلاك بأن علم ذلك أو ظنه فانه يباح له فى هذه الحالة أن يأكل من الميتة بقدر ما يسد الرمق ولا يشبع، وبه قال ابن حبيب وابن الماجشون وأبوه فيما اذا كانت الضرورة نادرة أما ان كانت دائمة فلا خلاف فى جواز الشبع قاله ابن العربى. وأما جنس الطعام المباح فى هذه الحال فهو كل ما يرد جوعا أو عطشا برفع الضرورة أو تخفيفها كالأطعمة النجسة والميتة من كل حيوان غير الآدمى، قال ابن القاسم: ولا يقرب المضطر ضوال الابل قال العدوى رحمه الله تعالى: الا أن تتعين طريقا لنجاته

стр. 4964

وقاله ابن وهب. وقال ابن العربى رحمه الله تعالى: ولا يأكل ابن آدم وان مات قاله علماؤنا. ولا فرق بين ميتة المسلم والكافر فى الحرمة. وهل هى تعبد - وهو المشهور - أو للأذية لما قيل: انها اذا جافت صارت سما (١). ويقدم المضطر فى التناول للضرورة الميتة التى لم تتغير ويخشى من أكلها على الخنزير لأن لحمه حرام لذاته والميتة حرام لوصفها فهى أخف، ولأن الميتة تحل حية - ولو على قول فى مذهبنا أو غيره - والخنزير لا يحل مطلقا. وكذا يقدم الميتة على ما صاده المحرم وان ذبحه غيره أو ذبحه المحرم وان صاده حلال وهذا حيث كان المضطر محرما. وأما ان كان حلالا وصاد المحرم صيدا وذبحه الحلال فانه يقدمه على الميتة لأن التحريم فيه من جهة واحدة. ويفهم من كلامه تقديم صيد المحرم على الخنزير، وكذا يقدم ما اختلف فى تحريمه كالبغال والحمير على ما أتفق على تحريمه كالخنزير. واذا وجد المضطر ما صاده محرم آخر أو ما صيد له بعد ما ذبح فانه يقدمه على الميتة وجوبا على الراجح، وقيل ندبا وسواء ذكاه محرم أو حلال (٢). واذا وجد المضطر الميتة وطعام الغير من تمر أو زرع أو غنم مما ليس مضطرا اليه ربه فانه يقدم طعام الغير على أكل الميتة. هذا ان لم يخف أن تقطع يده بسبب ذلك فيما فيه قطع كتمر الجرين وغنم المراح، ولم يخف أن يؤذى أو يضرب فيما لا قطع فيه كالتمر المعلق فان خاف ما ذكر قدم الميتة على طعام الغير. أما ان لم يخف القطع والايذاء فان له أن يقاتل عليه جوازا بعد أن يعلمه أنه ان لم يعطه قاتله ثم بعد ذلك ان قتله المضطر فهدر وان قتل رب الطعام المضطر فالقصاص (٣). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج: أن من خاف من عدم الأكل على نفسه موتا أو مرضا مخوفا أو زيادته أو طول مدته أو انقطاعه عن رفقته أو خوف ضعف عن مشى أو ركوب ولم يجد طعاما حلالا يأكله ووجد محرما كميتة ولحم خنزير وطعام الغير لزمه أن يأكله لأن تاركه ساع فى هلاك نفسه، كما يجب أن يدفع الهلاك بأكل الحلال، وقد قال الله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً.» (٤) قال الزركشى رحمه الله تعالى: وينبغى أن يكون خوف حصول الشين الفاحش

стр. 4965

فى عضو ظاهر كخوف طول المرض كما فى التيمم ولا يشترط مما يخاف منه تحقق وقوعه لو لم يأكل بل يكفى فى ذلك الظن كما فى الاكراه على أكل ذلك فلا يشترط فيه التيقن ولا الاشراف على الموت بل لو انتهى الى هذه الحالة لم يحل له أن يأكله فانه غير مفيد كما صرح به فى أصل الروضة. وقيل لا يلزم المضطر أن يأكل المحرم بل يجوز أن يتركه وأن يأكله كما يجوز له الاستسلام للصائل. هذا ويتخير المضطر بين أنواع الطعام المحرم كميتة شاة وحمار، لكن لو كانت الميتة من حيوان نجس فى حياته كخنزير وميتة حيوان طاهر فى حياته كحمار وجب تقديم ميتة الطاهر كما صححه فى المجموع. قال فى المهمات: وهذا التفصيل الذى صححه ليس وجها ثابتا فضلا عن تصحيحه واعترض بأنه وجه ثابت وجزم به فى الحاوى. فان توقع مضطر طعاما حلالا على قرب لم يجز قطعا غير سد الرمق لاندفاع الضرورة به، وقد يجد بعده الحلال، ولقول الله ﵎: «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (١) قيل: أراد به الشبع وان لم يتوقع طعاما حلالا على قرب ففى قول يجوز له أن يشبع لاطلاق الآية ولأن له تناول قليلة فجاز له الشبع كالمذكى وليس المراد بالشبع أن يملأ جوفه حتى لا يجد للطعام مساغا فان هذا حرام قطعا صرح به القاضى أبو الطيب والبندنيجى وغيرهما، بل المراد كما قاله الامام رحمه الله تعالى أن يأكل حتى يكسر سورة الجوع بحيث لا يطلق عليه اسم جائع - والأظهر أنه لا يشبع بل يجب سد الرمق فقط فى الأصح لأنه بعد ذلك يكون غير مضطر فلا يباح لانتفاء الشرط، الا أن يخاف تلفا أو حدوث مرض أو ريادته ان اقتصر على سد الرمق فتباح له الزيادة بل تلزمه لئلا يهلك نفسه. ويجوز للمضطر أن يتزود من الأطعمة المحرمة ولو رجا الوصول الى الحلال ويبدأ وجوبا بلقمة حلال ظفر بها فلا يجوز له أن يأكل مما ذكر حتى يأكلها لتتحقق الضرورة واذا وجد الحلال بعد تناوله الميتة ونحوها لزمه القئ اذا لم يضره كما هو قضية نص الأم. ولو عم الحرام جاز استعمال ما يحتاج اليه ولا يقتصر على الضرورة قال الامام: بل على الحاجة، قال ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى: هذا ان توقع معرفة المستحق اذ المال عند اليأس منها للمصالح العامة. ولو وجد مضطر طعام غائب ولو محرزا ولم يجد طعاما غيره أكل منه ابقاء لمهجته وغرم بدل ما أكله

стр. 4966

من قيمة فى المتقوم ومثل فى المثلى لحق الغائب سواء قدر على البدل أم كان عاجزا عنه، لأن الذمم تقوم مقام الأعيان. ولو وجد المضطر طعام حاضر مضطر اليه لم يلزمه بذله لغيره ان لم يفضل عنه. بل هو أحق به لحديث: أبدأ بنفسك، وابقاء لمهجته، نعم ان كان غير المالك نبيا وجب على المالك أن يبذله له وان لم يطلبه. فان آثر على نفسه فى هذه الحالة مضطرا مسلما معصوما جاز بل يسن وان كان أولى به كما فى الروضة لقول الله تعالى، «وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.» (١) ولو وجد المضطر طعام حاضر مضطر له لزم غير المضطر أن يطعم مضطرا معصموما مسلما كان أو ذميا أو نحوه كمعاهد ولو كان يحتاج اليه فى ثانى الحال على الأصح للضرورة الناجزة بخلاف غير المعصوم كالحربى، فان امتنع هو أو وليه غير مضطر فى الحال من بذله بعض لمضطر محترم فللمضطر أن يقهره على أخذه وان احتاج اليه المانع فى المستقبل وان قتله، ويجب قتاله كالصائل، بل أولى (٢). ولو وجد مضطر ميتة وطعام غيره الغائب أو وجد مضطر محرم ميتة وصيدا مأكولا غير مذبوح ولم يجد حلالا يذبحه فالمذهب يجب أكلها. أما فى الأولى: فلأن اباحة الميتة للمضطر بالنص واباحة مال الغير بالاجتهاد والنص أقوى ولأن حق الله تعالى أوسع. وأما فى الثانية: فلأن فيها تحريم ذبح الصيد وتحريم أكله وفى الميتة تحريم واحد، وما خف تحريمه أولى. والرأى الثانى: يأكل الطعام والصيد. والرأى الثالث: التخيير بين الاثنين فى المسألتين لأن الأول نجس لا ضمان فيه والثانى طاهر فيه الضمان، أما اذا كان مالك الطعام حاضرا وامتنع من البيع أصلا أو امتنع من البيع الا بأكثر مما يتغابن به فانه يجب عليه أن يأكل الميتة فى الأولى ويجوز له فى الثانية، وسن له أن يشترى بالزيادة ان قدر على ذلك. ومثل الميتة فى ذلك صيد الحرم - كما فى الكفاية - فان ذبح المحرم الصيد أو ذبح الحلال صيد الحرم صار ميتة فيتخير المضطر بينه وبين الميتة لأن كلا منهما ميتة ولا مرجح، ولا قيمة للحمه كسائر الميتات. وفى الصيد وطعام الغير وجوه أحدها - وهو الظاهر - يتعين الصيد لبناء حق الله تعالى على المسامحة، ثانيها يتعين

стр. 4967

الطعام. ثالثها يتخير بينهما. وان وجد المريض طعاما له أو لغيره يضره ولو بزيادة فى مرضه فله أن يأكل الميتة دونه. والأصح حيث لم يجد المضطر شيئا يأكله - تحريم قطع بعضه كجزء من فخذه لأكله لأنه قد يتولد من ذلك الهلاك، قال صاحب المنهاج - أخذا من الرافعى فى الشرح - الأصح أنه يجوز لأنه اتلاف بعضه لاستبقاء كله فأشبه قطع اليد بسبب الأكلة، وشرط الجواز أمران. أحدهما: فقد الميتة ونحوها مما مر. والأمر الثانى: أن يكون الخوف فى قطعه أقل من الخوف فى ترك الأكل فان كان مثله أو أكثر حرم جزما ويحرم على مضطر أيضا أن يقطع لنفسه قطعة من حيوان معصوم (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع: أن من اضطر الى محرم - سوى سم ونحوه مما يضر - بأن خاف على نفسه التلف أما من جوع أو يخاف ان ترك الأكل عجز عن المشى وانقطع عن الرفقة فيهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك وجب عليه سواء كان فى الحضر أو السفر - أن يأكل من المحرم ما يسد رمقه ويأمن معه الموت لقول الله ﵎: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.» (٢) وقوله عز شأنه: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.» (٣) وليس للمضطر أن يشبع من المحرم لأن الآية دلت على تحريم الميتة واستثنى ما اضطر اليه فاذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل كحالة الابتداء، كما يحرم ما فوق الشبع اجماعا ذكره فى الشرح والمبدع. وقال الموفق وتبعه جماعة ان كانت الضرورة مستمرة جاز الشبع وان كانت الحاجة مرجوة الزوال فلا يشبع لعدم الحاجة وللمضطر أن يتزود من المحرم ان خاف الحاجة ان لم يتزود لأنه لا ضرر فى استصحابها ولا فى اعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته ولا يأكل منها الا عند ضرورته فان تزود فلقيه مضطر آخر لم يجز له بيعه منه لأنه ليس بمال كبيعه من غيره، ويلزمه اعطاؤه منه بغير عوض ان لم يكن المتزود مضطرا فى الحال الى ما معه فلا يعطى غيره لأن الضرر لا يزال بالضرر ويجب على المضطر تقديم السؤال على أكله نص عليه وقال الشيخ رحمه الله تعالى: لا يجب تقديم السؤال ولا يأثم

стр. 4968

بعدمه وانه ظاهر المذهب لظاهر نقل الأثرم. وان وجد المضطر من يطعمه ويسقيه لم يحل له أن يمتنع لأنه يلقى بنفسه الى الهلاك ولا يحل له أن يعدل الى الميتة لأنه غير مضطر اليها الا أن يخاف أن يسمه فى الطعام أو يكون الطعام مما يضره ويخاف أن يهلكه أو يمرضه فيمتنع منه ويعدل الى الميتة لاضطراره اليها وان وجد طعاما مع صاحبه وميتة وامتنع رب الطعام من بذله للمضطر أو بيعه منه ووجد المضطر ثمنه لم يجز له مكابرة رب الطعام عليه وأخذه منه لعدم احتياجه اليه بالميتة، ويعدل المضطر الى الميتة وان بذل الطعام ربه للمضطر بثمن مثله وقدر المضطر على الثمن لم يحل له أن يأكل الميتة لاستغنائه عنها بالمباح وان بذل الطعام ربه بزيادة لا تجحف لزمه شراؤه كالرقبة فى الكفارة. وان كان المضطر عاجزا عن الثمن فهو فى حكم العادم لما يشتريه فتحل له الميتة. وان امتنع رب الطعام من بذله للمضطر الا بأكثر من ثمن مثله فاشتراه المضطر بذلك كراهة أن يجرى بينهما دم أو عجزا عن قتاله لم يلزم المضطر أكثر من ثمن مثله لأنه وجب على ربه بذله بقيمته فلا يستحق أكثر منها فان أخذ أكثر رده والا سقط. وليس للمضطر فى سفر المعصية كقاطع الطريق والقن الآبق أن يأكل من الميتة ونحوها من المحرمات لقول الله تعالى «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ» (١) الا أن يتوب من المعصية فيأكل من المحرم لأنه صار بالتوبة من أهل الرخصة. وان وجد المضطر طعاما جهل مالكه وميتة أكل من الميتة ان أمكن رد الطعام الى ربه بعينه لأن حق الله تعالى مبنى على المسامحة والمساهلة بخلاف حق الآدمى فانه مبنى على الشح والضيق وحقه يلزمه غرامته بخلاف حق الله تعالى: وفى الفنون قال الامام حنبل رحمه الله تعالى: الذى يقتضيه مذهبنا خلاف هذا فان تعذر رده الى ربه بعينه كالمغصوب قدم أكلها على أكل الميتة على ما ذكره فى الاختيارات. ولو وجد المضطر صيدا حيا وهو محرم وميتة أكل الميتة لأن ذبح الصيد جناية لا تجوز له حال الاحرام. وان وجد المضطر صيدا وطعاما جهل مالكه بلا ميتة والمضطر محرم أكل الطعام لاضطراره اليه وفيه جناية واحدة وان وجد المضطر لحم صيد ذبحه محرم وميتة أكل لحم الصيد قاله القاضى وجزم به فى المنتهى وقال فى التنقيح وهو أظهر.

стр. 4969

وقال أبو الخطاب رحمه الله تعالى: يأكل من الميتة ولو وجد بيض صيد سليما وميتة فظاهر كلام القاضى يأكل الميتة ولا يكسره لأن كسره جناية لا تجوز له حال الاحرام وجزم به فى المنتهى. وان لم يجد المحرم المضطر الا صيدا ذبحه وكان ذكيا طاهرا وليس بنجس ولا ميتة فى حقه لاباحته له اذن، ويتعين عليه ذبحه فى محل الذبح وتعتبر شروط الذكاة فيه، وله أن يشبع منه لأنه ذكى لا ميتة ولا يجوز له قتله اذن مع تمكنه من ذكاته كالأهلى المأكول وهو ميتة فى حق غيره فلا يباح الا لمن تباح له الميتة وكذا لو اضطر الى صيد بالحرم. ولو وجد المضطر ميتتين مختلف فى أحدهما فقط أكلها دون المجمع عليها، لأن المختلف فيها مباحة على قول بعض المسلمين فاذا وجدها كان واجدا للمباح على ذلك القول فتحرم عليه الأخرى، ولأنها أخف وان لم يجد المضطر شيئا مباحا ولا محرما لم يبح له أن يأكل بعض أعضائه لأنه يتلفه لتحصيل ما هو موهوم ومن لم يجد الا طعاما لم يبذله مالكه أو لم يجد الا ما لم يبذله مالكه فان كان صاحبه مضطرا اليه ولو فى المستقبل بأن كان خائفا أن يضطر فصاحبه أحق به لأنه ساواه فى الضرورة وانفرد بالملك. وليس للمضطر الايثار بالطعام الذى معه فى حال اضطراره لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. (١) ولا يجوز لأحد أن يأخذ من المضطر طعامه المضطر اليه فان أخذه فمات صاحبه جوعا لزم الآخذ ضمانه، وان لم يكن صاحبه مضطرا اليه لزمه بذله للمضطر بقيمته فان أبى رب الطعام بذله أخذه المضطر بالأسهل من شراء أو استرضاء ولا يجوز قتاله حيث أمكن أخذ بدون قتال لعدم الحاجة اليه كدفع الصائل فان أبى رب الطعام أن يبذله بالأسهل أخذه المضطر قهرا لأنه يستحقه دون مالكه ويعطى المضطر عوضه فان منع رب الطعام المضطر من أخذه فله أن يقاتله على ما يسد رمقه لأنه منعه من الواجب عليه فأشبه ما نعى الزكاة. فان قتل صاحب الطعام لم يجب ضمانه لأنه ظالم بقتاله أشبه الصائل وان قتل المضطر فعلى صاحب الطعام ضمانه لأنه قتله ظلما. ويلزم المضطر عوض الطعام فى كل موضع أخذه ولو بذل الطعام ربه للمضطر بثمن مثله لزمه قبوله ولو كان معسرا ولو امتنع المالك للطعام من البيع للمضطر الا بعقد ربا جاز للمضطر أن يأخذه منه قهرا فى ظاهر كلام جماعة لاطلاقهم

стр. 4970

تحريم الربا فان لم يقدر المضطر على قهره دخل معه فى العقد صورة وعزم على أن لا يتم عقد الربا فان لم يجد المضطر الا آدميا محقون الدم لم يبح له قتله ولا اتلاف عضو منه مسلما كان المحقون أو كافرا ذميا كان أو مستأمنا لأن المعصوم الحى مثل المضطر فلا يجوز له ابقاء نفسه باتلاف مثله، وان وجد المضطر آدميا معصوما ميتا لم يبح أكله لأنه كالحى فى الحرمة لقول النبى ﷺ : كسر عظم الميت ككسر عظم الحى (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن كل ما حرم الله من المآكل والمشارب من خنزير أو صيد حرام أو ميتة أو دم أو لحم سبع أو طائر أو ذى أربع أو حشرة أو خمر، أو غير ذلك فهو كله حلال عند الضرورة، حاشا لحوم بنى آدم وما يقتل من تناوله فلا يحل من ذلك شئ أصلا لا بضرورة ولا بغيرها. فمن اضطر الى شئ مما ذكرنا قبل ولم يجد مال مسلم أو ذمى فله أن يأكل حتى يشبع وله أن يتزود حتى يجد حلالا، فاذا وجده عاد الحلال من ذلك حراما كما كان عند ارتفاع الضرورة وحد الضرورة أن يبقى يوما وليلة لا يجد فيها ما يأكل أو ما يشرب فان خشى الضعف المؤذى الذى ان تمادى أدى الى الموت أو قطع به عن طريقه وشغله حل له الأكل والشرب فيما يدفع به عن نفسه الموت بالجوع أو العطش وكل ما ذكرنا سواء لا فضل لبعضها على بعض أن وجد منها نوعين أو أنواعا فيأكل ما شاء منها فلا معنى للتذكية فيها. أما تحليل كل ذلك للضرورة فلقول الله ﵎: «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» (٢) فأسقط تعالى تحريم ما فصل تحريمه عند الضرورة فعم ولم يخص فلا يجوز تخصيص شئ من ذلك. وأما استثناء لحوم بنى آدم فللأمر بمواراتها فلا يحل غير ذلك وأما ما يقتل فانما أبيحت المحرمات خوف الموت أو الضرر فاستعجال الموت لا يحل لقول الله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» (٣) وأما تحديدنا ذلك ببقاء يوم وليلة بلا أكل فلتحريم النبى ﷺ الوصال يوما وليلة (٤). ولا يحل شئ مما ذكرنا لمن كان فى طريق بغى على المسلمين أو ممتنعا

стр. 4971

من حق، بل كل ذلك حرام عليه، فان لم يجد ما يأكل فليتب مما هو فيه وليمسك عن البغى وليأكل حينئذ وليشرب مما اضطر اليه حلالا له فان لم يفعل فهو عاص لله تعالى فاسق آكل حرام وذلك لقول الله تعالى «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (١) وقوله «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» (٢) فانما أباح الله تعالى ما حرمه بالضرورة لمن لم يتجانف لاثم ومن لم يكن باغيا ولا عاديا (٣). مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب أن المباح من أكل الميتة عند الضرورة لمن خشى التلف فى الحال أو فى المآل انما هو سد الرمق منها فقط والمراد بسد الرمق أنه متى خشى التلف جاز له أن يسد الجوعة بما لا يتضرر بالنقص منه دون الشبع والمراد بالتلف ذهاب الروح ونحوه فساد عضو من أعضائه أو حاسة من حواسه. ولا بأس على المضطر فى أن يتزود منها اذا خشى أن لا يجدها فان لم يمكنه أن يتزود منها حل الشبع منها ما لم يمكنه أن يترك السفر. ويقدم وجوبا الأخف من ذلك فالأخف عند الاضطرار ولا يعدل الى الأغلظ تحريما مع وجود الأخف فمن أبيح له الميتة قدم ميتة المأكول ثم ميتة غير المأكول ثم فى ميتة غير المأكول يقدم ميتة الكلب ثم ميتة الخنزير ثم ميتة الدب، ثم الحربى حيا المكلف الذكر بعد الذبح بضرب العنق الشرعى أو ميتا، ثم ميتة الذمى ثم ميتة المسلم ثم مال الغير بنية الضمان ثم دابة حية له غير المأكولة بعد ذبحها ثم دابة لغيره بنية الضمان الى بضعة من نفسه حيث لا يخاف من قطعها ما يخاف من الجوع (٤). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية أنه يجوز للانسان عند الاضطرار أن يتناول المحرم من الميتة والخمر وغيرهما عند خوف التلف بدون التناول أو حدوث المرض أو زيادته أو الضعف المؤدى الى التخلف عن الرفقة مع ظهور أمارات العطب على تقدير التخلف. ومقتضى هذا الاطلاق عدم الفرق بين الخمر وغيره من المحرمات فى جواز تناولها عند الاضطرار وهو فى غير الخمر موضع وفاق.

стр. 4972

أما فى الخمر فقد قيل بالمنع مطلقا سواء قام مقام الخمر غيره من المحرمات أم لا. وقيل بالجواز مع عدم قيام غيرها مقامها وظاهر العبارة ومصرح الدروس أنه يجوز استعمالها للضرورة مطلقا حتى للدواء كالنزياق والاكتحال لعموم الآية الدالة على جواز تناول المضطر اليه والأخبار كثيرة فى المنع من استعمالها مطلقا حتى الاكتحال وفى بعضها ان الله تعالى لم يجعل فى شئ مما حرم دواء ولا شفاء وان من اكتحل بميل من مسكر كحله الله بميل من نار (١). وانما يجوز للمضطر اذا كان غير باغ ولا عاد أن يتناول من المحرم ما يحفظ الرمق - وهو بقية الروح - والمراد أنه يجب أن يقتصر على حفظ النفس من التلف ولا يجوز التجاوز الى الشبع مع الغنى عنه ولو احتاج اليه للمشى أو العدو، أو الى التزود منه لوقت آخر جاز وهو حينئذ من جملة ما يسد الرمق وعلى هذا فيختص خوف المرض السابق بما يؤدى الى التلف ولو ظنا لا مطلق المرض، أو يخص هذا بتناوله للغذاء الضرورى، لا للمرض وهو أولى ولو وجد ميتة وطعام الغير فطعام الغير أولى أن بذله مالكه بغير عوض أو بعوض يكون المضطر قادرا عليه فى الحال أو فى وقت طلبه سواء كان بقدر ثمن مثله أم أزيد على ما يقتضيه الاطلاق، وهو أحد القولين. وقيل لا يجب بذل الزائد عن ثمن مثله وان اشتراه به كراهة للفتنة، ولأنه كالمكره على الشراء بل له قتاله لو امتنع من بذله ولو قتل أهدر دمه، وكذا لو تعذر عليه الثمن. والأقوى وجوب دفع الزائد مع القدرة لأنه غير مضطر حينئذ والناس مسلطون على أموالهم. وان لم يبذل الغير طعامه أصلا أو بذله لكن بعوض يعجز عنه المضطر أكل الميتة ان وجدها. وفى حكم أكل المضطر الميتة فى هذه الحالة وجهان. قيل: يحتم عليه أن يأكل الميتة وقيل يخير بين أكل الميتة وبين أكل طعام الغير على تقدير أنه قادر على قهر صاحبه عليه وذلك لاشتراكهما حينئذ فى التحريم. وفى الدروس أنه مع قدرته على قهر الغير على طعامه بالثمن أو بدون الثمن مع تعذره لا يجوز له أن يأكل الميتة بل يأكل الطعام ويضمنه لمالكه فان تعذر عليه قهره أكل الميتة وهو حسن، لأن تحريم مال الغير عرضى بخلاف الميتة

стр. 4973

وقد زال بالاضطرار فيكون أولى من الميتة. وقيل: أنه حينئذ لا يضمن الطعام للاذن فى تناوله شرعا بغير عوض، والأول أقوى جمعا بين الحقين وحين يأكل مال الغير بدون اذنه فاللازم مثله أو قيمته وان كان يجب بذل أزيد لو سمح به المالك والفرق أن ذلك كان على وجه المعاوضة الاختيارية وهذا على وجه اتلاف مال الغير بغير اذنه وموجبه شرعا هو المثل أو القيمة وحيث تباح له الميتة فميتة المأكول أولى من غيره ومذبوح ما يقع عليه الذكاة أولى منهما، ومذبوح الكافر والناصب أولى من الجميع (١). وجاء فى الخلاف أنه اذا وجد المضطر ميتة وصيدا حيا وهو محرم اختلفت أحاديث أصحابنا فيها على وجهين أحدهما أنه يأكل الصيد ويفدى ولا يأكل الميتة. والوجه الآخر يأكل الميتة ويدع الصيد دليلنا على ذلك أن الصيد اذا قتله وأكله فداه فيكون أكل من ماله طيبا وأيضا أكثر أصحابنا على ذلك وأكثر رواياتهم واذا قلنا بالرواية الأخرى - وهو الأصح عندى - أن الصيد اذا كان حيا فذبحه المحرم كان حكمه حكم الميتة ويلزمه الفداء فان يأكل الميتة أولى من غير أن يلزمه فداء. والرواية الأولى نحملها على من وجد لحم الصيد مذبوحا فان الأولى أن يأكله ويفدى ولا يأكل الميتة (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه يجوز لمن خاف من موت أو ذهاب عضو من أعضائه بجوع أو عطش أن ينجى نفسه ولو كان ذلك فى رمضان فى حضر بأكل حلال أو شرب حلال ولا سيما فى صوم غير رمضان أو بأكل أو شرب محرم وان كان فى رمضان فى حضر كلحم ميتة ولبنها ودمها ولحم خنزير قيل: أو بخمر. قيل: ومن جاع بالفعل حتى خاف الموت أخذ من مال الناس ما ينجى به نفسه واذا وجد ضمنه لصاحبه قلت: لا ضمان لأن على صاحب المال أن ينجيه لو حضر. واذا وجد الميتة ومال غيره فانه ينجى نفسه بمال غيره بما يقوته ويضمن، وهذا قول الأكثر وقال غيرهم: يأكل الميتة ويقدم الميتة فالدم فلحم الخنزير، وقيل بل يقدم لحم الخنزير بأن يذبحه فالدم فالميتة، وقيل: ينجى

стр. 4974

نفسه بما شاء. ومن مات وترك الميتة أو الدم أو لحم الخنزير فهو فى النار كما قال ابن عمر رضى الله تعالى عنهما (١). ثانيا: الحيوانات الجلالة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أنه يكره أكل لحوم الابل الجلالة - وهى التى الأغلب من أكلها النجاسة - لما روى أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الابل الجلالة، ولأنه اذا كان الغالب من أكلها النجاسات يتغير لحمها وينتن فيكره أكله كالطعام المنتن وروى أن رسول الله ﷺ نهى عن الجلالة أن تشرب ألبانها لأن لحمها اذا تغير يتغير لبنها وأما ما روى من أن النبى ﷺ نهى عن أن يحج عليها أو أن يعتمر فذلك محمول على أنها أنتنت فى نفسها فيمتنع من استعمالها حتى لا يتأذى الناس بنتنها كذا ذكره القدورى رحمه الله تعالى فى شرح مختصر الكرخى. وذكر القاضى فى شرح مختصر الطحاوى أنه لا يحل الانتفاع بها من العمل وغيره الا أن تحبس أياما وتعلف فحينئذ تحل. وما ذكره القدورى رحمه الله تعالى أجود لأن النهى ليس لمعنى يرجع الى ذاتها، بل يرجع الى عارض جاورها فكان الانتفاع بها حلالا فى ذاته الا أنه يمنع عنه لغيره. ثم ليس لحبسها تقدير فى ظاهر الرواية، هكذا روى عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال: كان أبو حنيفة عليه رحمه الله تعالى، لا يوقت فى حبسها وقال تحبس حتى تطيب. وهو قولهما أيضا. وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنها تحبس ثلاثة أيام. وروى ابن رستم رحمه الله تعالى عن محمد فى الناقة الجلالة والشاة والبقر الجلال أنها انما تكون جلالة اذا تعفنت وتغيرت ووجد منها ريح منتنة فهى الجلالة حينئذ لا يشرب لبنها ولا يؤكل لحمها وبيعها وهبتها جائز. هذا اذا كانت لا تخلط ولا تأكل الا العذرة غالبا. فان خلطت فليست جلالة فلا تكره لأنها لا تنتن ولا يكره أكل الدجاج المحلى وان كان يتناول النجاسة لأنه لا يغلب عليه أكل النجاسة بل يخلطها بغيرها وهو الحب فيأكل ذا وذا.

стр. 4975

وقيل: انما لا يكره لأنه لا ينتن كما ينتن الابل. والحكم متعلق بالنتن. ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله تعالى فى جدى ارتضع بلبن خنزير حتى كبر: انه لا يكره أكله. لأن لحمه لا يتغير ولا ينتن فهذا يدل على أن الكراهة فى الجلالة لمكان التغير والنتن لا لتناول النجاسة ولهذا اذا خلطت لا يكره وان وجد تناول النجاسة لأنها لا تنتن، فدل أن العبرة للنتن لا لتناول النجاسة والأفضل أن يحبس الدجاج حتى يذهب ما فى بطنها من النجاسة لما روى أن رسول الله ﷺ كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يأكله، وذلك على طريق التنزه، وهو رواية أبى يوسف عن أبى حنيفة عليهما رحمة الله تعالى أنها تحبس ثلاثة أيام كأنه ذهب الى ذلك للخبر ولما ذكرنا من أن ما فى جوفها من النجاسة يزول فى هذه المدة ظاهرا وغالبا (١). ولأن العبرة للنتن لا لتناول النجاسة. ذكر صاحب الدر المختار أن السمك المتولد فى ماء نجس يحل (٢). وقال صاحب تنوير الأبصار بأنه لو سقى ما يؤكل لحمه خمرا فذبح من ساعته حل أكله مع الكراهة (٣). مذهب المالكية: جاء فى شرح الخرشى أن الابل والبقر والغنم مباحة ولو كانت جلالة سواء تغير لحمه من ذلك أو لم يتغير وهو المشهور عند اللخمى، وباتفاق عند ابن رشد. وقيل: ان الحيوان الذى يصيب النجاسة لحمه وعرقه ولبنه وبوله نجس (٤). وذكر ابن رشد أن الامام مالكا رحمه الله تعالى كره الجلالة (٥). وذكر الحطاب أنه قد اختلف فى الحيوان الذى يصيب النجاسة هل تنقله عن حكمه قبل أن يصيبها؟ فقيل: هو على حكمه فى الأصل فى أسائرها وأعراقها ولحومها وألبانها وأبوالها. وقيل: تنقله وجميع ذلك نجس، ولم يتبع فى حكايته الاتفاق على اباحة
следующие страницы →