← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

من حق، بل كل ذلك حرام عليه، فان لم يجد ما يأكل فليتب مما هو فيه وليمسك عن البغى وليأكل حينئذ وليشرب مما اضطر اليه حلالا له فان لم يفعل فهو عاص لله تعالى فاسق آكل حرام وذلك لقول الله تعالى «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (١) وقوله «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» (٢) فانما أباح الله تعالى ما حرمه بالضرورة لمن لم يتجانف لاثم ومن لم يكن باغيا ولا عاديا (٣). مذهب الزيدية: جاء فى التاج المذهب أن المباح من أكل الميتة عند الضرورة لمن خشى التلف فى الحال أو فى المآل انما هو سد الرمق منها فقط والمراد بسد الرمق أنه متى خشى التلف جاز له أن يسد الجوعة بما لا يتضرر بالنقص منه دون الشبع والمراد بالتلف ذهاب الروح ونحوه فساد عضو من أعضائه أو حاسة من حواسه. ولا بأس على المضطر فى أن يتزود منها اذا خشى أن لا يجدها فان لم يمكنه أن يتزود منها حل الشبع منها ما لم يمكنه أن يترك السفر. ويقدم وجوبا الأخف من ذلك فالأخف عند الاضطرار ولا يعدل الى الأغلظ تحريما مع وجود الأخف فمن أبيح له الميتة قدم ميتة المأكول ثم ميتة غير المأكول ثم فى ميتة غير المأكول يقدم ميتة الكلب ثم ميتة الخنزير ثم ميتة الدب، ثم الحربى حيا المكلف الذكر بعد الذبح بضرب العنق الشرعى أو ميتا، ثم ميتة الذمى ثم ميتة المسلم ثم مال الغير بنية الضمان ثم دابة حية له غير المأكولة بعد ذبحها ثم دابة لغيره بنية الضمان الى بضعة من نفسه حيث لا يخاف من قطعها ما يخاف من الجوع (٤). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية أنه يجوز للانسان عند الاضطرار أن يتناول المحرم من الميتة والخمر وغيرهما عند خوف التلف بدون التناول أو حدوث المرض أو زيادته أو الضعف المؤدى الى التخلف عن الرفقة مع ظهور أمارات العطب على تقدير التخلف. ومقتضى هذا الاطلاق عدم الفرق بين الخمر وغيره من المحرمات فى جواز تناولها عند الاضطرار وهو فى غير الخمر موضع وفاق.

стр. 4972

أما فى الخمر فقد قيل بالمنع مطلقا سواء قام مقام الخمر غيره من المحرمات أم لا. وقيل بالجواز مع عدم قيام غيرها مقامها وظاهر العبارة ومصرح الدروس أنه يجوز استعمالها للضرورة مطلقا حتى للدواء كالنزياق والاكتحال لعموم الآية الدالة على جواز تناول المضطر اليه والأخبار كثيرة فى المنع من استعمالها مطلقا حتى الاكتحال وفى بعضها ان الله تعالى لم يجعل فى شئ مما حرم دواء ولا شفاء وان من اكتحل بميل من مسكر كحله الله بميل من نار (١). وانما يجوز للمضطر اذا كان غير باغ ولا عاد أن يتناول من المحرم ما يحفظ الرمق - وهو بقية الروح - والمراد أنه يجب أن يقتصر على حفظ النفس من التلف ولا يجوز التجاوز الى الشبع مع الغنى عنه ولو احتاج اليه للمشى أو العدو، أو الى التزود منه لوقت آخر جاز وهو حينئذ من جملة ما يسد الرمق وعلى هذا فيختص خوف المرض السابق بما يؤدى الى التلف ولو ظنا لا مطلق المرض، أو يخص هذا بتناوله للغذاء الضرورى، لا للمرض وهو أولى ولو وجد ميتة وطعام الغير فطعام الغير أولى أن بذله مالكه بغير عوض أو بعوض يكون المضطر قادرا عليه فى الحال أو فى وقت طلبه سواء كان بقدر ثمن مثله أم أزيد على ما يقتضيه الاطلاق، وهو أحد القولين. وقيل لا يجب بذل الزائد عن ثمن مثله وان اشتراه به كراهة للفتنة، ولأنه كالمكره على الشراء بل له قتاله لو امتنع من بذله ولو قتل أهدر دمه، وكذا لو تعذر عليه الثمن. والأقوى وجوب دفع الزائد مع القدرة لأنه غير مضطر حينئذ والناس مسلطون على أموالهم. وان لم يبذل الغير طعامه أصلا أو بذله لكن بعوض يعجز عنه المضطر أكل الميتة ان وجدها. وفى حكم أكل المضطر الميتة فى هذه الحالة وجهان. قيل: يحتم عليه أن يأكل الميتة وقيل يخير بين أكل الميتة وبين أكل طعام الغير على تقدير أنه قادر على قهر صاحبه عليه وذلك لاشتراكهما حينئذ فى التحريم. وفى الدروس أنه مع قدرته على قهر الغير على طعامه بالثمن أو بدون الثمن مع تعذره لا يجوز له أن يأكل الميتة بل يأكل الطعام ويضمنه لمالكه فان تعذر عليه قهره أكل الميتة وهو حسن، لأن تحريم مال الغير عرضى بخلاف الميتة

стр. 4973

وقد زال بالاضطرار فيكون أولى من الميتة. وقيل: أنه حينئذ لا يضمن الطعام للاذن فى تناوله شرعا بغير عوض، والأول أقوى جمعا بين الحقين وحين يأكل مال الغير بدون اذنه فاللازم مثله أو قيمته وان كان يجب بذل أزيد لو سمح به المالك والفرق أن ذلك كان على وجه المعاوضة الاختيارية وهذا على وجه اتلاف مال الغير بغير اذنه وموجبه شرعا هو المثل أو القيمة وحيث تباح له الميتة فميتة المأكول أولى من غيره ومذبوح ما يقع عليه الذكاة أولى منهما، ومذبوح الكافر والناصب أولى من الجميع (١). وجاء فى الخلاف أنه اذا وجد المضطر ميتة وصيدا حيا وهو محرم اختلفت أحاديث أصحابنا فيها على وجهين أحدهما أنه يأكل الصيد ويفدى ولا يأكل الميتة. والوجه الآخر يأكل الميتة ويدع الصيد دليلنا على ذلك أن الصيد اذا قتله وأكله فداه فيكون أكل من ماله طيبا وأيضا أكثر أصحابنا على ذلك وأكثر رواياتهم واذا قلنا بالرواية الأخرى - وهو الأصح عندى - أن الصيد اذا كان حيا فذبحه المحرم كان حكمه حكم الميتة ويلزمه الفداء فان يأكل الميتة أولى من غير أن يلزمه فداء. والرواية الأولى نحملها على من وجد لحم الصيد مذبوحا فان الأولى أن يأكله ويفدى ولا يأكل الميتة (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه يجوز لمن خاف من موت أو ذهاب عضو من أعضائه بجوع أو عطش أن ينجى نفسه ولو كان ذلك فى رمضان فى حضر بأكل حلال أو شرب حلال ولا سيما فى صوم غير رمضان أو بأكل أو شرب محرم وان كان فى رمضان فى حضر كلحم ميتة ولبنها ودمها ولحم خنزير قيل: أو بخمر. قيل: ومن جاع بالفعل حتى خاف الموت أخذ من مال الناس ما ينجى به نفسه واذا وجد ضمنه لصاحبه قلت: لا ضمان لأن على صاحب المال أن ينجيه لو حضر. واذا وجد الميتة ومال غيره فانه ينجى نفسه بمال غيره بما يقوته ويضمن، وهذا قول الأكثر وقال غيرهم: يأكل الميتة ويقدم الميتة فالدم فلحم الخنزير، وقيل بل يقدم لحم الخنزير بأن يذبحه فالدم فالميتة، وقيل: ينجى

стр. 4974

نفسه بما شاء. ومن مات وترك الميتة أو الدم أو لحم الخنزير فهو فى النار كما قال ابن عمر رضى الله تعالى عنهما (١). ثانيا: الحيوانات الجلالة مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أنه يكره أكل لحوم الابل الجلالة - وهى التى الأغلب من أكلها النجاسة - لما روى أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الابل الجلالة، ولأنه اذا كان الغالب من أكلها النجاسات يتغير لحمها وينتن فيكره أكله كالطعام المنتن وروى أن رسول الله ﷺ نهى عن الجلالة أن تشرب ألبانها لأن لحمها اذا تغير يتغير لبنها وأما ما روى من أن النبى ﷺ نهى عن أن يحج عليها أو أن يعتمر فذلك محمول على أنها أنتنت فى نفسها فيمتنع من استعمالها حتى لا يتأذى الناس بنتنها كذا ذكره القدورى رحمه الله تعالى فى شرح مختصر الكرخى. وذكر القاضى فى شرح مختصر الطحاوى أنه لا يحل الانتفاع بها من العمل وغيره الا أن تحبس أياما وتعلف فحينئذ تحل. وما ذكره القدورى رحمه الله تعالى أجود لأن النهى ليس لمعنى يرجع الى ذاتها، بل يرجع الى عارض جاورها فكان الانتفاع بها حلالا فى ذاته الا أنه يمنع عنه لغيره. ثم ليس لحبسها تقدير فى ظاهر الرواية، هكذا روى عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال: كان أبو حنيفة عليه رحمه الله تعالى، لا يوقت فى حبسها وقال تحبس حتى تطيب. وهو قولهما أيضا. وروى أبو يوسف عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى أنها تحبس ثلاثة أيام. وروى ابن رستم رحمه الله تعالى عن محمد فى الناقة الجلالة والشاة والبقر الجلال أنها انما تكون جلالة اذا تعفنت وتغيرت ووجد منها ريح منتنة فهى الجلالة حينئذ لا يشرب لبنها ولا يؤكل لحمها وبيعها وهبتها جائز. هذا اذا كانت لا تخلط ولا تأكل الا العذرة غالبا. فان خلطت فليست جلالة فلا تكره لأنها لا تنتن ولا يكره أكل الدجاج المحلى وان كان يتناول النجاسة لأنه لا يغلب عليه أكل النجاسة بل يخلطها بغيرها وهو الحب فيأكل ذا وذا.

стр. 4975

وقيل: انما لا يكره لأنه لا ينتن كما ينتن الابل. والحكم متعلق بالنتن. ولهذا قال أصحابنا رحمهم الله تعالى فى جدى ارتضع بلبن خنزير حتى كبر: انه لا يكره أكله. لأن لحمه لا يتغير ولا ينتن فهذا يدل على أن الكراهة فى الجلالة لمكان التغير والنتن لا لتناول النجاسة ولهذا اذا خلطت لا يكره وان وجد تناول النجاسة لأنها لا تنتن، فدل أن العبرة للنتن لا لتناول النجاسة والأفضل أن يحبس الدجاج حتى يذهب ما فى بطنها من النجاسة لما روى أن رسول الله ﷺ كان يحبس الدجاج ثلاثة أيام ثم يأكله، وذلك على طريق التنزه، وهو رواية أبى يوسف عن أبى حنيفة عليهما رحمة الله تعالى أنها تحبس ثلاثة أيام كأنه ذهب الى ذلك للخبر ولما ذكرنا من أن ما فى جوفها من النجاسة يزول فى هذه المدة ظاهرا وغالبا (١). ولأن العبرة للنتن لا لتناول النجاسة. ذكر صاحب الدر المختار أن السمك المتولد فى ماء نجس يحل (٢). وقال صاحب تنوير الأبصار بأنه لو سقى ما يؤكل لحمه خمرا فذبح من ساعته حل أكله مع الكراهة (٣). مذهب المالكية: جاء فى شرح الخرشى أن الابل والبقر والغنم مباحة ولو كانت جلالة سواء تغير لحمه من ذلك أو لم يتغير وهو المشهور عند اللخمى، وباتفاق عند ابن رشد. وقيل: ان الحيوان الذى يصيب النجاسة لحمه وعرقه ولبنه وبوله نجس (٤). وذكر ابن رشد أن الامام مالكا رحمه الله تعالى كره الجلالة (٥). وذكر الحطاب أنه قد اختلف فى الحيوان الذى يصيب النجاسة هل تنقله عن حكمه قبل أن يصيبها؟ فقيل: هو على حكمه فى الأصل فى أسائرها وأعراقها ولحومها وألبانها وأبوالها. وقيل: تنقله وجميع ذلك نجس، ولم يتبع فى حكايته الاتفاق على اباحة

стр. 4976

الجلالة قال فى التوضيح عنه: واتفق العلماء على أكل ذوات الحواصل من الجلالة واختلفوا فى ذوات الكرش، فكره جماعة أكل الجلالة منها وشرب ألبانها لما روى عن النبى ﷺ أنه نهى عن لحوم الجلالة وألبانها ولا خلاف فى المذهب فى أن أكل لحوم الماشية والطير الذى يتغذى بالنجاسة حلال جائز وانما اختلفوا فى الألبان والأبوال والأعراق (١). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج أنه اذا ظهر تغير لحم الجلالة (٢) من نعم أو غيره كدجاج ولو يسيرا حرم أكل اللحم كما فى المحرر لأنها صارت من الخبائث وقد صح النهى عن أكلها وشرب لبنها وركوبها كما قاله أبو داود وغيره. والحكم منوط بالتغير على الأصح. وقيل ان كان أكثر علفها النجاسة ثبت والا فلا وهو ظاهر كلام المصنف فى التحرير، وجزم به فى تصحيح التنبيه واطلاقه هنا يشمل الأوصاف الثلاثة وقيداه فى الشرح والروضة بالرائحة قال الزركشى تبعا للأذرعى والظاهر أنه ليس بقيد فان تغير الطعم أشد. وقيل: يكره لنتن لحمها قلت الأصح يكره كما نقله الرافعى رحمه الله تعالى فى الشرح وذلك لأن النهى انما هو لتغير اللحم وهو لا يوجب التحريم كما لو نتن اللحم المذكى وتروح فانه يكره أكله على الصحيح. ولا فرق فى ذلك بين لحمها ولبنها وبيضها فى النجاسة والطهارة والتحريم والتحليل، بل قال البلقينى رحمه الله تعالى ينبغى تعدى الحكم الى شعرها وصوفها المنفصل فى حياتها. وقال الزركشى: الظاهر الحاق ولدها بها اذا ذكيت ووجد فى بطنها ميتا. واذا علفت الحيوانات علفا طاهرا أو متنجسا - كشعير أصابه ماء نجس أو علفا نجس العين كما هو ظاهر كلام التنبيه فطاب لحمها بزوال رائحته حل ما ذكر وان علفت دون أربعين يوما اعتبارا بالمعنى وأما خبر حتى تعلف أربعين يوما - والتقييد بالعلف الطاهر - فجرى على الغالب. أما لو غسلت هى أو لحمها بعد ذبحها أو طبخ لحمها فزال التغير فان الكراهة لا تزول وكذا بمرور الزمان كما قاله البغوى رحمه الله تعالى، وقال غيره تزول قال الأذرعى: وهذا ما جزم به المروزى تبعا للقاضى. وقال شيخنا: وهو نظير طهارة الماء المتغير بالنجاسة اذا زال التغير بذلك.

стр. 4977

قال البلقينى وهذا فى مرور الزمان على اللحم. فلو مر على الجلالة أيام من غير أن تأكل طاهرا أو غيره كما مر حلت وانما ذكر العلف بطاهر لأن الغالب أن الحيوان لا بد له من علف ووافقه الزركشى رحمه الله تعالى على ذلك. ولو روى سخلة بلبن كلبة أو خنزيرة كانت كالجلالة، ولو غذى شاة نحو عشر سنين بمال حرام قال ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى: لم يحرم عليه أكلها ولا على غيره لأن الأعيان لا توصف بحل ولا حرمة. وقال الغزالى رحمه الله تعالى: ترك الأكل من شاة علفت بعلف مغصوب من الورع ولا يحرم ترك الورع ولا تكره الثمار التى سقيت بالمياه النجسة ولا حب زرع نبت فى نجاسة هذا وقيل ان الكلب اذا عض حيوانا وذبح لا يحل أكله لأن من أكل منه كلب (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع: أنه يحرم لحم الجلالة - وهى التى أكثر علفها النجاسة - ولبنها لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: نهى النبى ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها رواه أحمد وأبو داود والترمذى وقال حسن غريب. وفى رواية لأبى داود نهى عن ركوب الجلالة وفى رواية أخرى له: نهى عن ركوب جلالة الابل، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى الله تعالى عنهم أن النبى ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية وعن ركوب الجلالة وأكل لحمها. رواه أحمد وأبو داود والنسائى. وكذا بيضها لأنه متولد من النجاسة ويكره ركوبها لأجل عرقها لما سبق من الأخبار حتى تحبس الجلالة ثلاث ليال بأيامهن لأن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما كان اذا أراد أكلها يحبسها ثلاثا وتطعم الطاهر وتمنع من النجاسة سواء كانت طائرا أو بهيمة اذ المانع من حلها يزول بذلك، ولأن ما طهر حيوانا طهر غيره كما لو كانت النجاسة بظاهره، ومثله ما اذا ارتضع خروف من كلبة ثم شرب لبنا طاهرا أو أكل شيئا طاهرا ثلاثة أيام فيحل أكله. واذا عض كلب شاة ونحوها فكلبت ذبحت دفعا لضررها وينبغى أن لا يؤكل لحمها لضررها أو قياسا على الجلال (٢). وفى رواية أخرى عن الامام أحمد رحمه الله تعالى أن الطائر يحبس ثلاثة أيام أما الشاة فتحبس سبعة أيام وما عدا ذلك من الابل والبقر ونحوهما فى الكبر يحبس أربعين يوما لما روى عن

стр. 4978

عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن الابل الجلالة أن يؤكل لحمها ويشرب لبنها ويحمل عليها الأدم (١) ويركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه لا يحل أكل لحوم الجلالة ولا شرب ألبانها ولا ما تصرف منها لأنه منها وبعضها ولا يحل ركوبها - وهى التى تأكل العذرة من الابل وغير الابل من ذوات الأربع خاصة - فاذا قطع عنها أكلها فانقطع عنها الاسم حل أكلها وشرب ألبانها وركوبها لما روينا من طريق أبى داود. عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهم قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها» وما روينا من طريق أبى داود عن ابن عمر كذلك قال: نهى رسول الله ﷺ عن الجلالة فى الابل أن يركب عليها أو يشرب من ألبانها. ومن طريق ابن وهب كان عطاء ينهى عن جلالة الابل والغنم أن تؤكل فان حبستها وعلفتها حتى تطيب بطونها فلا بأس حينئذ بأكلها. أما الدجاج والطير فلا يسمى شئ منها جلاله وان كانت تأكل العذرة (٣). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أنه يندب حبس الجلالة فان ظهر فى لحمها ريح لم تحل ولو شربت خمرا أو غيره حرمت ولا تطهر بالطبخ والقاء التوابل وان زال الريح، اذ ليس ذلك باستحالة بل هو تغطية والمذهب أنها تطهر بالغسل مع استعمال الحار. وانما ندب حبس الجلالة قبل الذبح أياما حتى تطيب أجوافها فان كانت لا تعلف الا من العذرة كره أكلها قيل ان كان الجل أكثر أو استوى هو والعلف فترك الحبس مكروه وان كان العلف أكثر فتركه غير مكروه. وقال الناصر تحبس الناقة والبقرة أربعة عشر يوما، والشاة سبعة أيام وتحبس الدجاجة ثلاثة أيام. وقال فى الكافى للقاسمية والفقهاء يحبسها مدة على ما يرى ولم يوقتوا. وان لم تحبس الجلالة وجب على الذابح أن يغسل المعاء وفى هذه الحالة يحل أكلها الا أن يبقى أثر النجاسة لأنه يصير مستخبثا، وأما طهارة كرشها وأمعائها فالعبرة فيه بزوال النجاسة

стр. 4979

سواء حبست أم لم تحبس فمهما بقى أثر النجاسة لم يحل أكلها ولو غسلت ما دام الأثر لأنها تستخبث وذلك يكون ان لم يستحل فيه ما حلت استحالة تامة كبيضة الميتة بناء على أنها تؤكل بقشرتها أو خشى التنجيس. وقيل: لا فرق لانه لا يمكن خروجها من قشرتها الا بانفصالها من القشر وكذا بيض البط والدجاج وان كان حيا على قول من حكم بنجاسة زبلهما (١). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية أن الحيوان الجلال - وهو الذى يتغذى عذرة الانسان محضا لا يخلط غيرها الى أن ينبت عليها لحمه ويشتد عظمه عرفا - حرام حتى يستبرأ على الأقوى لما روى عن أبى عبد الله قال: لا تأكلوا لحوم الجلالة - وهى التى تأكل العذرة - فان أصابك من عرقها فاغسله. وقال ابن الجنيد: يكره لحمها وألبانها خاصة استضعافا للمستند أو حملا لها على الكراهة جمعا بينها وبين ما ظاهره الحل وعلى القولين فتستبرأ الناقة بأربعين يوما والبقرة بعشرين وقيل البقرة كالناقة، وتستبرأ الشاة بعشرة أيام وقيل بسبعة ومستند هذه التقديرات كلها ضعيف، والمشهور منها ما ذكره المصنف، وينبغى القول بوجوب الأكثر للاجماع على عدم اعتبار أزيد منه، فلا تجب الزيادة والشك فيما دونه فلا يتيقن زوال التحريم مع أصالة بقائه حيث ضعف المستند فيكون ما ذكرناه طريقا للحكم وكيفية الاستبراء أن يربط الحيوان أو أن يضبط على وجه يؤمن معه أن يأكل النجس ويطعم علفا طاهرا من النجاسة الأصلية والعرضية طول المدة. وتستبرأ البطة ونحوها من طيور الماء بخمسة أيام وتستبرأ الدجاجة وشبهها مما فى حجمها بثلاثة أيام والمستند ضعيف كما تقدم ومع ذلك هو خال عن ذكر الشبيه لهما، وما عدا ذلك من الحيوان الجلال يستبرأ بما يغلب على الظن زوال الجلل به عرفا لعدم ورود مقدر له شرعا، ولو طرحنا تلك التقديرات لضعف مستندها كان حكم الجميع كذلك، ولو شرب الحيوان المحلل لبن خنزيرة واشتد بأن زادت قوته وقوى عظمه ونبت لحمه بسببه حرم لحمه ولحم نسله سواء كان ذكرا أو انثى، أما اذا لم يشتد فانه يكره. هذا هو المشهور ولا نعلم فيه مخالفا والمستند أخبار كثيرة لا تخلو من ضعف ولا يتعدى الحكم الى غير الخنزير عملا بالأصل وان ساواه فى الحكم كالكلب مع احتماله.

стр. 4980

وروى أنه اذا شرب لبن آدمية حتى اشتد كره لحمه ويستحب استبراؤه على تقدير كراهته بسبعة أيام أما بعلف ان كان يأكله أو بشرب لبن طاهر (١). مذهب الإباضية: جاء فى جوهر النظام أنه يحل أكل الحيوانات الجلالة، وذلك اذا كان يستطاب أكلها ويستطعم ولا تنفر منه النفس (٢). ثالثا: صيد المحرم وحيوان الحرم مذهب الحنفية: حكم صيد المحرم: جاء فى بدائع الصنائع أنه لا يحل للمحرم أن يأكل ما ذبحه من الصيد ولا يحل لغيره من المحرم والحلال، وهو بمنزلة الميتة لأنه بالاحرام خرج من أن يكون أهلا للذكاة فلا تتصور منه الذكاة كالمجوسى اذا ذبح وكذا الصيد خرج من أن يكون محلا للذبح فى حقه لقول الله ﵎: «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» (٣) والتحريم المضاف الى الأعيان يوجب أن تخرج عن محلية التصرف شرعا كتحريم الميتة وتحريم الأمهات والتصرف الصادر من غير الأهل وفى غير محله يكون ملحقا بالعدم. فان أكل المحرم الذابح منه فعليه الجزاء وهو قيمته فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى ليس عليه الا أن يتوب ويستغفر لأنه أكل ميتة فلا يلزمه الا التوبة والاستغفار ويدل لأبى حنيفة رحمه الله تعالى: أنه تناول محظور احرامه فيلزمه الجزاء وبيان ذلك أن كونه ميتة لعدم الأهلية والمحلية وعدم الأهلية والمحلية بسبب الاحرام فكانت الحرمة بهذه الواسطة مضافة الى الاحرام فاذا أكله فقد ارتكب محظور احرامه فيلزمه الجزاء. هذا ان أكل المحرم الذابح أما ان أكل غير المحرم الذابح لم يلزمه الا التوبة والاستغفار لأن ما أكله ليس محظور احرامه بل هو محظور احرام غيره (٤). ويستوى فى الحكم المتقدم ما اذا كان المحرم قد تولى صيده بنفسه أو بغيره من المحرمين بأمره أو رمى صيدا فقتله أو أرسل كلبه أو بازيه المعلم فانه لا يحل له فى ذلك لأن صيد غيره بأمره صيده معنى.

стр. 4981

وكذا صيد البازى والكلب والسهم لأن فعل الاصطياد منه، وانما ذلك آلة الاصطياد والفعل لمستعمل الآلة، لا للآلة ويحل للمحرم أن يأكل صيدا اصطاده الحلال لنفسه عند عامة العلماء. وقال داود بن على الاصفهانى رحمه الله تعالى: لا يحل والمسئلة مختلفة بين الصحابة رضى الله تعالى عنهم. فقد روى عن طلحة وعبيد الله وقتادة وجابر وعثمان فى رواية أنه يحل. وروى عن على وابن عباس وعثمان فى رواية أخرى أنه لا يحل واحتج هؤلاء بقول الله ﵎: «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» حيث أخبر أن صيد البر محرم على المحرم مطلقا من غير فصل بين أن يكون صيد المحرم أو صيد الحلال. وهكذا قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان الآية مبهمة لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأكله. وروى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن الصعب بن جثامة أهدى إلى رسول الله ﷺ لحم حمار وحشى وهو بالأبواء أو بودان فرده فرأى النبى ﷺ فى وجهه كراهة فقال: ليس بنارد عليك ولكنا حرم. وفى رواية: قال: لولا أنا حرم لقبلناه منك. وعن زيد بن أرقم أن النبى ﷺ : نهى المحرم عن لحم الصيد مطلقا. ويدل لنا ما روى عن أبى قتادة رضى الله تعالى عنه أنه كان حلالا وأصحابه محرمون فشد على حمار وحش فقتله فأكل منه بعض أصحابه وأبى البعض فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : إنما هى طعمة أطعمكموها الله هل معكم من لحمه شئ؟ وعن جابر رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : لحم صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم. وهذا نص فى الباب ولا حجة فى الآية لمن يحرم أكل الصيد لأن فيها تحريم صيد البر لا تحريم لحم الصيد، وهذا لحم الصيد وليس بصيد حقيقة لانعدام معنى الصيد - وهو الامتناع والتوحش - على أن الصيد فى الحقيقة مصدر وانما يطلق على المصيد مجازا. وأما حديث الصعب بن جثامة فقد اختلفت الروايات فيه عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما روى فى بعضها أنه أهدى اليه حمارا وحشيا كذا روى

стр. 4982

مالك وسعيد بن جبير وغيرهما عن ابن عباس فلا يكون حجة وحديث زيد ابن أرقم محمول على صيد صاده بنفسه أو غيره بأمره أو باعانته أو بدلالته أو باشارته عملا بالدلائل كلها وسواء صاده الحلال لنفسه أو للمحرم بعد أن لا يكون بأمره عندنا (١). حكم صيد الحرم: جاء فى بدائع الصنائع: أنه لو أرسل كلبا فى الحل على صيد فى الحل فأتبعه الكلب فأخذه فى الحرم فقتله فلا شئ على المرسل ولا يؤكل الصيد لأن فعل الكلب ذبح للصيد وأنه حصل فى الحرم فلا يحل أكله كما لو ذبحه آدمى اذ فعل الكلب لا يكون أعلى من فعل الآدمى (٢). وروى ابن سماعة عن محمد فى رجل أخرج صيدا من الحرم الى الحل أن ذبحه والانتفاع بلحمه ليس بحرام سواء كان أدى جزاءه أو لم يؤد، غير أنى أكره هذا الصنيع وأحب الى أن يتنزه عن أكله أما حل الذبح فلأنه صيد حل فى الحال فلا يكون ذبحه حراما، وأما كراهة هذا الصنيع فلأن الانتفاع به يؤدى الى استئصال صيد الحرم لأن كل من احتاج الى شئ من ذلك أخذه وأخرجه من الحرم وذبحه وانتفع بلحمه وأدى قيمته فان انتفع به فلا شئ عليه لأن الضمان سبب الملك المضمون على أصلنا فاذا ضمن قيمته فقد ملكه فلا يضمن بالانتفاع به (٣). مذهب المالكية: حكم صيد المحرم: جاء فى شرح الخرشى أن المحرم اذا صاد صيدا مما يحرم عليه أن يصيده - أى مات بصيده أو سهمه أو كلبه أو ذبحه - وان لم يصده أو أمر بذبحه أو أعان على صيده باشارة أو مناولة لسوط أو نحو ذلك فانه يكون ميتة وعليه جزاؤه وكذا اذا صاده حلال فى الحرم يكون ميتة لكل أحد، وكذا اذا صاده حلال أو حرام لأجل محرم معين أو غير معين بأمره أو بغير أمره ليباع له أو يهدى له وذبح فى حال احرامه ولو لم يأكل منه المحرم فيكون ميتة على كل أحد عند الجمهور، هذا اذا ذبح فى حال احرامه أما اذا ذبح بعد احرامه فانه يكره أكله ولا جزاء عليه ان فعل. وبيض الطير غير الأوز والدجاج اذا كسره محرم أو شواه أو شوى له فهو

стр. 4983

ميتة لا يأكله حرام ولا حلال لأنهم جعلوا البيض هنا بمنزلة الجنين لأنه لما كان ينشأ عنه نزل منزلته أو لاحتمال أن يكون فيه جنين. وبعبارة أخرى جعلوا البيض له حكم الميتة حكما لا لفقد الذكاة بل تغليظا على المحرم. وبحث سند رحمه الله تعالى خلاف المذهب حيث قال أما منع المحرم من البيض فبين وأما منع غيره ففيه نظر لأن البيض لا يفتقر الى ذكاة حتى يكون بفعل المحرم ميتة ولا يزيد فعل المحرم فيه فى حكم الغير على فعل المجوسى وهو اذا شوى البيض أو كسره لا يحرم بذلك على المسلم بخلاف الصيد فانه يفتقر الى ذكاة مشروعة والمحرم ليس من أهلها. ولو علم المحرم أن هذا الصيد صيد من أجله أو صيد من أجل محرم آخر وأكل منه فانه يلزمه جزاؤه (١). ويجوز لمحرم أن يأكل مصيد حل لحل من حل (٢). ويجوز للمحرم أن يذبح الأوز والدجاج ويأكله لأن أصله لا يطير ويجوز له أيضا أن يأكل بيض الأوز والدجاج وكذلك يجوز للمحرم أن يذبح الغنم والبقر والابل لا البقر الوحشى لأنها صيد، وأما الحمام فانه صيد فلا يؤكل هو ولا بيضه وحشيا كان أو روميا، يتخذ للفراخ أم لا لأنه من أصل ما يطير قاله الامام مالك رحمه الله تعالى فى كتاب محمد. وفى كتاب المدونة وكره الامام مالك أن يذبح المحرم الحمام الوحشى وغير الوحشى والحمامة الرومية التى لا تطير وانما تتخذ للفراخ لأنها من أصل ما يطير (٣). حكم صيد الحرم: جاء فى مواهب الجليل: أنه اذا رمى الصيد فى الحل ولم تنفذ الرمية مقاتله وتحامل حتى مات فى الحرم فالذى اختاره اللخمى رحمه الله تعالى أنه لا جزاء عليه فيه وأنه يؤكل ومقابله قولان أحدهما أنه لا جزاء فيه ولا يؤكل والثانى أن فيه الجزاء ولا يؤكل (٤). مذهب الشافعية: حكم صيد المحرم: جاء فى مغنى المحتاج أن المحرم لو

стр. 4984

ذبح الصيد صار ميتة، وحرم عليه أن يأكله بالاجماع كما فى المجموع. وهل يتأبد عليه التحريم أو يكون ذلك مدة احرامه؟ قولان أظهرهما أنه يتأبد وعليه الجزاء لله تعالى وضمنه لمالكه، ويحرم على غيره أن يأكله سواء كان حلالا أو محرما لأنه ممنوع من الذبح لمعنى فيه كالمجوس ولو كسر المحرم بيض صيد أو قتل جرادا كذلك ضمنه ولم يحرم على غيره كما صححه فى المجموع (١). حكم صيد الحرم: جاء فى مغنى المحتاج أنه يحرم على الحلال فى الحرم اصطياد كل مأكول برى وحشى كبقر وحش ودجاجه وحمامه وكذا المتولد من المأكول البرى والوحشى ومن غيره كمتولد بين حمار وحشى وحمار أهلى أو بين شاة وظبى. أما الأول: فلقول الله تعالى «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» أى حرم أخذ ذلك. وأما الثانى: فللاحتياط وتحريم ذلك يستند الى الاجماع والى خبر الصحيحين أن النبى ﷺ يوم فتح مكة قال: ان هذا البلد حرام بحرمة الله لا يعضد شجره ولا ينفر صيده رواه الشيخان أى لا يجوز تنفير صيده لمحرم ولا حلال فغير التنفير أولى، وقيس بمكة باقى الحرم (٢): فلو ذبح الحلال صيد الحرم صار ميتة وحرم عليه أكله بالاجماع كما فى المجموع (٣). مذهب الحنابلة: حكم صيد المحرم: جاء فى كشاف القناع: أنه يحرم على المحرم أن يأكل ما صاده هو أو غيره من المحرمين أو يأكل ما ذبحه أو ما دل عليه حلالا أو أعانه عليه أو أشار اليه لحديث أبى قتادة رحمه الله تعالى لما صاد الحمار الوحشى وأصحابه محرمون قال النبى ﷺ : هل أشار اليه انسان منكم أو أمره بشئ؟ قالوا: لا. وفيه أبصروا حمارا وحشيا فلم يدلونى وأحبوا لو أنى أبصرته، فالتفت فأبصرته ثم ركبت ونسيت السوط أو الرمح فقلت لهم ناولونى فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشئ انا محرمون فتناولته فأخذته ثم أتيت الحمار من وراء أكمة فعقرته فأتيت به أصحابى فقال بعضهم كلوا وقال بعضهم لا تأكلوا، فأتيت النبى ﷺ فسألته فقال كلوه وهو حلال. متفق عليه ولفظه للبخارى، وكذا يحرم

стр. 4985

على المحرم أن يأكل ما صيد لأجله نقله الجماعة لما فى الصحيحين من حديث الصعب بن جثامة رضى الله تعالى عنه أنه أهدى النبى ﷺ حمارا وحشيا فرده عليه فلما رأى ما فى وجهه قال: أنا لم نرده عليك الا أنا حرم، وروى الامام الشافعى والامام أحمد رحمهما الله تعالى من حديث جابر رضى الله تعالى عنه مرفوعا لحم الصيد للمحرم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم، وعن عثمان رضى الله تعالى عنه أنه أتى بلحم صيد فقال لأصحابه كلوا فقالوا: ألا تأكل أنت فقال: انى لست كهيئتكم انما صيد لأجلى رواه مالك والشافعى. وعلى المحرم الجزاء ان أكل ما صيد لأجله لأنه اتلاف منع منه بسبب الاحرام فوجب عليه الجزاء كقتل الصيد بخلاف ما لو قتل المحرم صيدا ثم أكله فانه يضمنه لقتله لا لأكله نص عليه لأنه مضمون بالجزاء فلم يتكرر كاتلافه بغير أكله، وكصيد الحرم اذا قتله حلال وأكله، ولأنه ميتة وهى لا تضمن ولهذا لا يضمنه بأكله محرم غيره وان أكل المحرم بعض ما صيد لأجله ضمنه بمثله من اللحم من النعم لضمان أصله لو أكله كله بمثله من النعم والفرع يتبع الأصل. ولا يحرم على المحرم أن يأكل غير ما صيد أو ذبح له اذا لم يدل عليه أو نحو ذلك لما تقدم، فلو ذبح محل صيدا لغيره من المحرمين حرم على المذبوح له الأكل لما سبق ولا يحرم على غيره من المحرمين لما مر. وما حرم على محرم لدلالة أو اعانة صيد له أو ذبح له لا يحرم على محرم غير الدال أو المعين أو الذى صيد له أو ذبح له كما لا يحرم على الحلال. وان قتل المحرم صيدا ثم أكله ضمنه لقتله لا لأكله لأنه ميتة يحرم أكله على جميع الناس، والميتة غير متمولة فلا تضمن وكذا ان حرم صيد على المحرم بالدلالة أو الاعانة عليه أو الاشارة اليه فأكل منه لم يضمن ما أكله للأكل بل للسبب من الدلالة ونحوها لأنه مضمون بالسبب فلم يتكرر ضمانه. وبيض الصيد ولبنه مثله فيما سبق لأنه كجزئه، فلا يحل لمحرم أن يأكل بيض الصيد اذا كسره هو أو كسره محرم غيره لأنه جزء من الصيد أشبه سائر أجزائه. وكذا لا يحل شرب لبنه ويحل بيض الصيد الذى كسره محرم كما يحل لبنه الذى حلبه محرم للحلال، لأن حله على المحل لا يتوقف على الكسر أو الحلب ولا يعتبر لواحد منهما أهلية الفاعل فلو كسره أو حلبه مجوسى أو بغير تسمية حل.

стр. 4986

وان كسر بيض الصيد - وكذا لو حلب لبنه - حلال فهو كلحم صيد ان كان أخذه لأجل المحرم لم يبح للمحرم أن يأكله كالصيد الذى ذبح لأجله. وان لم يكن الحلال أخذ لأجل المحرم أبيح للمحرم كصيد ذبحه حلال لا لقصد المحرم (١). حكم صيد الحرم: جاء فى الشرح الكبير أن صيد الحرم ونباته حرام على الحلال والمحرم فمن أتلف من صيده شيئا فعليه ما على المحرم فى مثله، والأصل فى تحريمه النص والاجماع أما النص فما روى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لأحد من قبلى ولم يحل لى إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة لا يختلى خلاها ولا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها الا من عرفها، فقال العباس يا رسول الله إلا الأذخر فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال رسول الله ﷺ الا الاذخر» متفق عليه وأجمع المسلمون على تحريم صيد الحرم على الحلال والمحرم (٢). واذا رمى الصائد من الحل صيدا فيه فقتل صيدا فى الحرم فعليه جزاؤه، وبهذا قال الثورى واسحاق وأصحاب الرأى لأنه قتل صيدا حرميا فلزمه جزاؤه كما لو رمى حجرا فى الحرم فقتل صيدا. يحققه ان الخطأ كالعمد فى وجوب الجزاء وهذا لا يخرج عن أحدهما. فأما أن أرسل كلبه على صيد فى الحل فقتله فى الحرم فنص أحمد على أنه لا يضمنه لأنه لم يرسل الكلب على صيد فى الحرم وانما دخل باختيار نفسه فأشبه ما لو استرسل بنفسه وحكى صالح عن أحمد أنه ان كان الصيد قريبا من الحرم ضمنه لأنه فرط بارساله والا لم يضمنه، فان قتل صيدا غيره لم يضمنه لأنه لم يرسل الكلب على ذلك الصيد فأشبه ما لو استرسل بنفسه. وفيه رواية أخرى أنه يضمن ان كان الصيد قريبا من الحرم لأنه مفرط فأشبه المسئلة التى قبلها. اذا ثبت هذا فانه لا يأكل الصيد فى هذه المواضع كلها سواء ضمنه

стр. 4987

أو لم يضمنه لأنه صيد حرمى قتل فى الحرم كما لو ضمنه ولأننا اذا ألغينا فعل الآدمى صار الكلب كأنه استرسل بنفسه فقتله فان رمى الحلال من الحل صيد فى الحل فجرحه فتحامل الصيد حتى دخل الحرم فمات فيه حل أكله ولا جزاء فيه لأن الذكاة حصلت فى الحل فأشبه ما لو جرح صيدا ثم أحرم فمات الصيد بعد احرامه ويكره أكله لموته فى الحرم (١). مذهب الظاهرية: حكم صيد المحرم: جاء فى المحلى أن من تصيد صيدا فقتله وهو محرم بعمرة أو بقران أو بحجة تمتع ما بين أول إحرامه إلى دخول وقت رمى جمرة العقبة فان ذلك الصيد يكون جيفة لا يحل أكله لقول الله «لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ (٢). فقد سمى الله تعالى ذلك الصيد قتلا ونهى عنه ولم يبح لنا أكل شئ من الحيوان الا بالذكاة التى أمر بها ، ولا شك عند كل ذى حس سليم أن الذى أمر الله تعالى به من الذكاة هو غير ما نهى عنه من القتل فاذ هو غيره فالقتل المنهى عنه ليس ذكاة واذ ليس هو ذكاة فلا يحل أكل الحيوان به لا فرق فى ذلك بين ما قتل عن عمد وما قتل عن غير عمد لأن الله تعالى قال «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ» فعم تعالى ولم يخص وسمى اتلاف الصيد فى حال الاحرام قتلا وحرمه ثم قال بعد ذلك: «وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» فأوجب حكم الجزاء على العامد خاصة، بخلاف النهى العام فى أول الآية (٣). وبيض النعام وغيرها من المصيد حلال للمحرم لأن البيض ليس صيداً ولا يسمى صيداً ولا يقتل وإنما حرم الله تعالى على المحرم أن يقتل صيد البر فقط (٤). أما صيد كل ما سكن الماء من البرك أو الأنهار أو البحر أو العيون أو الآبار فحلال للمحرم أن يصيده وأن يأكله لقول الله ﵎: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ﴾

стр. 4988

﴿حُرُماً» وقال تعالى: «وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا» (١) فسمى تعالى كل ماء عذب أو ملح بحرا، وحتى لو لم تأت هذه الآية لكان صيد البر والبحر والنهر وكل ما ذكرنا حلالا بلا خلاف بنص القرآن ثم حرم بالاحرام صيد البر ولم يحرم صيد البحر فكان ما عدا صيد البر حلالا كما كان اذا لم يأت ما يحرمه (٢). حكم صيد الحرم: جاء فى المحلى ان من تصيد صيدا فى الحرم سواء كان محرما أو محلا فان ذلك الصيد يكون جيفة لا يحل أن يأكله (٣) لما روينا من طريق البخارى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم قال قال رسول الله ﷺ يوم افتتح مكة فذكر كلاما فيه: «هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض وهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده» ومن طريق مسلم عن سعد بن أبى وقاص رضى الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: انى أحرم ما بين لابتى المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها» فصح ان كل صيد قتل فى حرم المدينة أو فى حرم مكة فهو غير ذكى (٤). ولو أن كتابيا قتل صيداً فى الحرم لم يحل أكله لقول الله «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ» (٥) فوجب أن يحكم عليهم بحكم الله تعالى على المسلمين (٦). مذهب الزيدية: حكم صيد المحرم: جاء فى شرح الأزهار: أنه يحرم على المحرم أن يأكل صيد البر فقط سواء اصطاده هو أم محرم غيره أم حلال له أم لغيره، فأكله محظور فى ذلك عندنا أما الصيد البحرى فانه يجوز للمحرم أن يقتله وان يأكله، فان كان القاتل حلالا والدال محرما فى الحل فلا شئ على القاتل وعلى الدال الجزاء ولا يحل أكل الصيد لأن الدلالة سبب يؤثر فى تحريم أكله والقياس الحل وهو ظاهر كلام أهل المذهب (٧).

стр. 4989

وجاء فى الروض النضير أن العترة ذهبوا الى تحريم أكله مطلقا سواء صاده المحرم أو صيد لأجله باذنه أو بغير اذنه أو لم يصد له واحتجوا بأدلة منها قول الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» قالوا: والمراد به المصيد لا الحدث الذى هو الاصطياد ولحصول الاستغناء عنه بقوله تعالى «لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ» والتأسيس خير من التأكيد، ولحديث الصعب بن جثامة المتفق عليه أنه أهدى الى النبى ﷺ حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه فلما رأى ما فى وجهه قال انا لم نرده عليك الا أنا حرم وفيه التعليل بمجرد الاحرام وأنه سبب التحريم فيستوى فيه جميع الأحوال (١). حكم صيد الحرم: جاء فى شرح الأزهار أن ما صيد من حرمى مكة والمدينة شرفهما الله تعالى فهو حرام قيل: فلو كان فى الحرم نهر فصيده محرم تغليبا لجانب الحظر وهو ظاهر الأزهار - ولأن قول الله «وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً» (٢) مخصص لقول الله تعالى «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ» كما يخصصه قول رسول الله ﷺ لا يحل صيدهما (٣). وقال زيد بن على والناصر: يجوز صيد حرم المدينة وتسميته حرما مجاز. هذا والعبرة فى التحريم بموضع الاصابة لا بموضع الموت أى لو رمى صيدا فى الحل فأصابه ثم حمل بنفسه الى الحرم فمات فيه فلا يحل أكله اذا دخل وبه رمق، فلو أصابه فى الحرم ومات فى الحل فانه يلزمه القيمة للحرم والجزاء للقتل ان كان محرما والفدية اذا أكل لا قيمة ما أكل (٤). مذهب الإمامية: حكم صيد المحرم: جاء فى الخلاف أن لحم الصيد حرام على المحرم سواء صاده هو أو غيره، قتله هو أو غيره أذن فيه أو لم يأذن أعان عليه أو لم يعن وعلى كل حال، لاجماع الفرقة وطريقة الاحتياط ويمكن أن يستدل بقول الله تعالى «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» والمراد به المصيد عند أهل التفسير واذا ذبح المحرم صيدا فهو ميتة لا يجوز لأحد

стр. 4990

أن يأكله (١). واذا أكل المحرم من صيد قتله لزمه قيمته لاجماع الفرقة (٢). حكم صيد المحرم: وجاء فى الخلاف أن المحرم أو المحل اذا ذبحا صيدا فى الحرم كان ميتة لا يجوز لأحد أكله لاجماع الفرقة (٣). مذهب الإباضية: حكم صيد المحرم: جاء فى شرح النيل أن المحرم ممنوع من اصطياد فى بر ومن أكل صيد البر ولو صاده محل من الحل أيضا، وان أكل من قتيل غيره لزمه قيمة ما أكل لفقراء مكة ورخص فى غيرها وان قتل الصيد بنفسه وأكل منه لزمه قيمة ما أكل وجزاء الصيد قال الله تعالى: «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ» أى تناوله بالقتل أو بالضر أو بالامساك أو بالأكل جميع ذلك حرام فالصيد بمعنى الحيوان. وقيل الصيد بمعنى الاصطياد فهو مصدر وعليه فان المحرم قتله وقبضه وما يؤدى لصيده وعليه فلا جزاء على أكله ويدل للأول أنه ﷺ أهدى اليه حمار وحش وهو محرم فرده الى صاحبه فقال أنا لم نرده عليك الا أنا حرم - بضم الحاء والراء - والمراد بالصيد فى الآية ما يمكن أن يصاد ولو لم يحل أكله شرعا. هذا وقيل: اذا ذبح المحرم الصيد فهو ميتة لا قيمة فى أكله. وقيل: اذا صاده المحل وذبحه جاز للمحرم أن يأكله وهو مروى عن عمر رضى الله تعالى عنه. وقال ابن عباس وجابر بن زيد وعلى وأصحابنا رضى الله تعالى عنهم: لا يجوز له أن يأكله سواء صيد من أجله أو من أجل غيره وسواء ذبح له أو لمحل أو لمحرم غيره وأن دفع محل بيضة لمحرم فشواها وأكلها أو شواها له المحل فأكلها فعليه الجزاء كأنه اصطادها ومن أكل لحم صيد من صيد الحل فعليه الجزاء. وان صاد محرم فى حل لم يجز للمحل أن يأكله وقيل يجوز. وقيل ان ذبحه المحل جاز وعلى أنه لا يجوز يلزمه قيمة ما أكل. وحل صيد بحرى وهو السمك ذو الملوحة وهو الذى من البحر المالح

стр. 4991

وذلك جرى على الغالب لا قيد، وقد نصوا على جواز الصيد من البحر المالح والعذب والعيون والآبار وغدران المطر ومن كل ماء ولو فى دلو وكره بعض للمحل والمحرم أن يأكل ما أشبه الانسان أو الخنزير وطعام البحر حلال - وهو ما طفا على الماء ميتا أو قذفه الماء أو نضب عنه. ولا بأس للمحرم فى أن يأكل عسل النحل وان كان فيه فراخه وأن يذبح الشاة والبقرة والبعير لحاجته أو حاجة غيره ويأكل لحوم الأنعام، وانما منع المحرم من صيد البر وأبيح له صيد البحر لأن فى صيد البر تلذذ يخرج اليه الأكابر تترفا ولعبا، ولأن كل ما فى البحر مذبوح كما جاء به الحديث على معنى أنه لا يحتاج الى الذكاة فهو كالطعام. هذا ومن الحيوان البرى الفكرون (١) والضفدع وطير الماء والسلاحف وكل ما يعيش فى الماء والأرض فعليه الفداء ولو صادهن من البحر. وقيل: السلاحف ليست برية، وقال عطاء: طير الماء بحرى. وقيل: ما يعيش فى الماء والأرض ينظر ان كان يفرخ فى الماء فبحرى أو فى الأرض فبرى والحوطة ما تقدم (٢). حكم صيد الحرم: جاء فى شرح النيل: أنه يمنع الانسان من صيد الحرم سواء كان محلا أو محرما، ولو كان ذلك من ماء مطر أو عين أو غيره تولد منه الحيوان (٣). وان رمى محل طيرا على غصن متدل فى حل وأصل شجرته فى الحرم لم يلزمه جزاء ولزمه بعكسه بأن يرمى طائرا على غصن متدل فى حرم من شجرة فى حل. ومن دخل الحرم بصيد أطلقه على الصحيح، وان دخل بلحم صيد دفنه عند بعض، وأجاز بعض له ولغيره أن يأكله. وعلى القول بمنع أكله ان أطعمه أحدا لزم قبل آكله جزاءه ان علم أنه لحم صيد وكان محرما، وكذا ان أطعم أحدا صيد الحرم يلزم آكله جزاءه ان علم أنه صيد الحرم سواء كان محرما أو محلا، وان لم يعلم لزم الذى أطعمه اياه.

стр. 4992

والذى عندى أنه يلزم فى هذه المسائل قيمة ما أكل. وقيل: يأثم من أطعمه غيره فقط ولا كفارة عليه ولا على من أكل بلا علم أنه صيد الحرم. وعلى القول بأن الكفارة تلزم بالاطعام فيلزم مطعمه كفارتان، جزاء الصيد وقيمة ما أطعم منه انسانا (١). رابعا: موطوء الآدمى من الحيوانات مذهب الحنفية: جاء فى تبيين الحقائق وحاشية الشلبى عليه: أن البهيمة اذا وطئها آدمى نظر فان كانت الدابة مما لا يؤكل لحمها تذبح وتحرق لما روى عن عمر رضى الله عنه انه أتى برجل وقع فى بهيمة فعزر الرجل وأمر بالبهيمة فأحرقت قال الاتقانى وقال شمس الأئمة السرخسى الاحراق جائز وليس بواجب، وان كانت الدابة مما يؤكل لحمها تذبح وتؤكل ولا تحرق بالنار على قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى. وقال أبو يوسف: تحرق هذه أيضا بالنار. هذا كله اذا كانت البهيمة للفاعل. أما اذا كانت البهيمة لغير الفاعل يطالب صاحبها ان يدفعها الى الفاعل بقيمتها ثم يذبح. هكذا ذكروا، ولا يعرف ذلك الا سماعا فيحمل عليه (٢). مذهب المالكية: جاء فى حاشية الدسوقى على الشرح الكبير أن البهيمة الموطوءة كغير الموطوءة فى جواز الذبح والأكل فلا يحرم أكلها ولا يكره اذا كانت البهيمة مباحة (٣). وجاء فى التاج والاكليل نقلا عن الطرطوشى أن مذهب الامام مالك رحمه الله تعالى لا يختلف فى أن البهيمة الموطوءة من آدمى لا تقتل (٤). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج أن البهيمة المفعول بها فيها أوجه أصحها لا تذبح. وقيل: تذبح ان كانت مأكولة. وقيل تذبح مطلقا لظاهر قول النبى ﷺ من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه رواه الحاكم وصحح اسناده. واختلفوا فى علة ذلك. فقيل: لاحتمال أن تأتى بولد مشوه الخلق فعلى هذا لا تذبح الا اذا كانت أنثى وقد أتاها فى الفرج.

стр. 4993

وقيل ان فى بقائها تذكارا للفاحشة فيعير بها وهذا هو الأصح فعلى هذا لا فرق بين الذكر والأنثى وان كانت تلك البهيمة مأكولة وذبحت حل أكلها على الأصح. وحيث وجب الذبح والبهيمة لغير الفاعل لزمه لمالكها ان كانت مأكولة ما بين قيمتها حية وقيمتها مذبوحة وان كانت غير مأكولة لزمه جميع القيمة. وقيل: لا شئ لصاحبها لأن الشرع أوجب قتلها للمصلحة (١). مذهب الحنابلة: جاء فى كشاف القناع أن البهيمة اذا وطئها الآدمى تقتل سواء كانت مملوكة له أو لغيره وسواء كانت مأكولة أو غير مأكولة لما روى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما مرفوعا قال: من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة رواه أحمد وأبو داود والترمذى، وقال الطحاوى: هو ضعيف، وقد صح عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: من أتى بهيمة فلا حد عليه فان كانت البهيمة المأتية ملك الآتى لها فهى هدر لأن الانسان لا يضمن مال نفسه وان كانت البهيمة ملك غير الآتى ضمنها لربها لأنها أتلفت بسببه أشبه ما لو قتلها، ويحرم أكلها وان كانت من جنس ما يؤكل روى عن ابن عباس لأنها وجب قتلها لحق الله تعالى فأشبهت سائر المقتولات لحق الله تعالى (٢). مذهب الظاهرية: يرى الظاهرية أن موطوء الآدمى من البهائم لا يقتل ولا يحرم أكل لحمها ولا كراهة فيه، لضعف ما روى فى ذلك الشأن من الآثار، وبذلك فهى مما لا يحتج به على أصولنا، وأما من وطئ البهيمة فانه يعزر لأنه قد أتى منكرا والله يقول: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ.» (٣) ولا خلاف بين أحد من الأمة أنه لا يحل أن تؤتى البهيمة أصلا ففاعل ذلك فاعل منكر، وقد أمر رسول الله ﷺ بتغيير المنكر باليد (٤). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار: أن البهيمة التى وطئت من الآدمى يكره أكلها وأكل لبنها (٥).

стр. 4994

وجاء فى البحر الزخار أنه يكره أكلها تنزيها فقط وروى عن الامام على رضى الله تعالى عنه أنها تحرم وتذبح ولما روى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه «قيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول الله ﷺ فى ذلك شيئا ولكن أراه كره أن يؤكل لحمها أو ينتفع بها وقد فعل بها ذلك» أخرجه أبو داود والترمذى وكذلك الحكم لو كانت البهيمة غير مأكولة لئلا تأتى بولد مشوه، ولا يعارض ذلك بأن النبى ﷺ نهى عن ذبح البهيمة لغير أكلها لحمل ذلك هنا على أنه أراد عقوبته بذبحها اذا كانت له وهى مأكولة. فاذا التبست بغيرها من البهائم فلا ضمان على الواطئ ولا يلزمه الفحص اجماعا (١). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية أنه يحرم من الحيوان ذوات الأربع وغيرها على الأقوى الذكور والاناث موطوء الانسان ونسله المتجدد بعد الوط ء لقول الصادق ﵇ أن أمير المؤمنين ﵇ سئل عن البهيمة التى تنكح قال حرام لحمها ولبنها وخصه العلامة بذوات الأربع اقتصارا فيما خالف الأصل على المتيقن ويجب ذبح هذا الحيوان وحرقه بالنار ان لم يكن المقصود منه ظهره، سواء كان الانسان الذى وطئه صغيرا أو كبيرا عاقلا أو مجنونا ولو اشتبه هذا الحيوان بحيوان محصور قسم نصفين وأقرع بينهما بأن يكتب رقعتان فى كل واحدة اسم نصف منهما ثم يخرج على ما فيه المحرم فاذا خرج فى أحد النصفين قسم كذلك وأقرع وهكذا حتى تبقى واحدة فيعمل بها ما عمل بالمعلومة ابتداء (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه يلزم بالفعل ببهيمة مملوكة مما تؤكل أو مما لا تؤكل قيمتها لصاحبها مع الكفر، وتذبح ولو خفية وان ذبحها مع علم صاحبها جاز ولكن يخاف الفتنة وعلى كل حال لا يذكر زناه، وله أن يفرض له بالشراء تعويضا لا حقيقة لأنها لا ثمن لها لأنها حرام لا تؤكل ولا ينتفع بها كما يدل له الدفن ويدل الأمر بقتلها فى الحديث وانما القيمة لافساده اياها. وتدفن أو تلقى فى البحر بعد الذبح أو حيث لا ينتفع بها والذبح كالنحر لا يحل لبنها ولا لحمها ولا نباتها من شعر أو صوف أو غيره ولا جزءا من أجزائها فصارت كالآدمى فى الحرمة.

стр. 4995

ولا يحل الانتفاع أيضا بالحمل عليها والخدمة فان علم صاحبها بذلك فلا اشكال وان لم يعلم ذبحها الزانى ودفنها وأعطاه قيمتها من حيث لا يخبره بالزنا وان لم يجد الى ذبحها سبيلا أخبره بأنها حرام عليه وأنها تذبح وتدفن وأعطاه قيمتها ولا يخبره بالزنا وان شاء أخبره بأن أحدا زنى بها ولا يذكر نفسه. وقيل: لا يحرم لبنها ولا نباتها ولا لحمها ولا شئ منها ولا الحمل عليها والخدمة وعليه فلا تذبح ويعطى صاحبها ما نقصها ذلك. والقولان أيضا فيما اختلف فيه هل يحل لحمه كالحمار والفرس والبغل؟ فقيل: تذبح وتدفن كذلك ويعطى القيمة لحرمة الانتفاع به. وقيل: لا ويرجم فاعل ذلك. وقيل: يقتل بالسيف ولو لم يكن محصنا. وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﵌ قال: من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ومن وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة (١). خامسا: الطير اذا أوت الى أوكارها مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى أن أحمد رحمه الله تعالى قال لا بأس بصيد الليل فقيل له: قول النبى ﷺ : «أقروا الطير على وكناتها» فقال هذا كان أحدكم يريد الأمر فيثير الطير حتى يتفاعل ان كان عن يمينه قال كذا وان جاء عن يساره قال كذا، فقال النبى ﷺ أقروا الطير على وكناتها» قال يزيد بن هارون: وما علمت أن أحدا كره صيد الليل. وقال يحيى بن معين ليس به بأس وسئل هل يكره للرجل صيد الفراخ الصغار مثل الورشان وغيره يعنى من أوكارها فلم يكرهه (٢). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار أنه يحرم أخذ الطير من وكره وعن قوم ويحرم لحمه لقول النبى ﷺ الطير آمنة فى أوكارها بأمان الله فاذا طار فانصب له فخك وارمه بسهمك رواه الصادق عن أبيه الباقر. وهذا مخصص بالاجماع على الاباحة وكذلك حكم البيض لافزاعها بأخذه، وقيل: لا (٣).

стр. 4996

مذهب الإباضية: جاء فى جوهر النظام أنه يكره أن تصاد الطيور النائمة فى حال نومها ولا نرى أن ذلك مما يحرم صيده. وقيل: يحل أن يخرج الصائد أفراخ الطير من أوكارها وليس فى هذا الفعل ضير على من يقوم به (١). آداب الطعام وما يستحب فيه ويكره مذهب الحنفية: جاء فى الفتاى الهندية: أن الأكل على مراتب. احداها أن يكون فرضا وهو ما يندفع به الهلاك - فان ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصى. وثانيها: مأجور عليه وهو ما زاد عليه ليتمكن به من الصلاة قائما ويسهل عليه الصوم. وثالث المراتب: مباح وهو ما زاد على ذلك الى الشبع لتزداد قوة البدن ولا أجر فيه ولا وزر عليه ويحاسب عليه حسابا يسيرا ان كان من حل. ورابع المراتب: حرام وهو الأكل فوق الشبع الا اذا قصد به التقوى على صوم الغد أو اذا قصد به أن لا يستحى الضيف وحينئذ فلا بأس بأن يأكل فوق الشبع. ولا تجوز الرياضة بتقليل الأكل حتى يضعف عن أداء الفرائض فأما تجويع النفس على وجه لا يعجز عن أداء العبادات معه فهو مباح وفيه رياضة النفس وبه يصير الطعام مشتهى بخلاف الأول فانه اهلاك النفس وكذا الشاب الذى يخاف الشبق لا بأس فى أن يمتنع عن الأكل ليكسر شهوته بالجوع على وجه لا يعجز معه عن أداء العبادات كذا فى الاختيار شرح المختار. وان أكل الرجل مقدار حاجته أو أكثر لمصلحة بدنه فلا بأس به كذا فى الحاوى للفتاوى. واذا أكل الرجل أكثر من حاجته ليتقيأ قال الحسن رحمه الله تعالى: لا بأس به وقال رأيت أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه يأكل ألوانا من الطعام ويكثر ليتقيأ وينفعه ذلك كذا فى فتاوى قاضيخان. ومن السرف الاكثار فى الباجات (٢) الا عند الحاجة بأن يمل من باجة فيستكثر حتى

стр. 4997

يستوفى من كل نوع شيئا فيجتمع له قدر ما يتقوى به على الطاعة أو قصد أن يدعو الأضياف قوما بعد قوم الى أن يأتوا الى آخر الطعام فلا بأس به كذا فى الخلاصة، واتخاذ ألوان الأطعمة ووضع الخبز على المائدة أكثر من الحاجة سرف الا أن يكون من قصده أن يدعو الأضياف قوما بعد قوم حتى يأتوا على آخره لأن فيه فائدة ومن الاسراف أن يأكل وسط الخبز ويدع حواشيه أو يأكل ما انتفخ منه ويترك الباقى لأن فيه نوع تجبر الا أن يكون غيره يتناوله فلا بأس به كما اذا اختار رغيفا دون رغيف كذا فى الاختيار شرح المختار. ومن الاسراف كذلك ترك اللقمة الساقطة من اليد، بل يرفعها أولا ويأكلها قبل غيرها - على ما ذكره الكردى فى الوجيز - ومن اكرام الخبز أن لا ينتظر الادام اذا حضر .. والسنة غسل الأيدى قبل الطعام وبعده. وأداب غسل الأيدى قبل الطعام أن يبدأ بالشبان ثم بالشيوخ. أما بعد الطعام فالأمر على العكس من ذلك - كذا فى الظهيرية. وقال نجم الأئمة البخارى وغيره: غسل اليد الواحدة أو أصابع اليدين لا يكفى لسنة غسل اليدين قبل الطعام لأن المذكور غسل اليدين وذلك انما يكون الى الرسغين كذا فى القنية. ولا يمسح يده قبل الطعام بالمنديل ليكون أثر الغسل باقيا وقت الأكل ويمسحها بعده ليزول أثر الطعام بالكلية، وذكر فى التتارخانية نقلا عن اليتيمة أن غسل الفم عند الأكل ليس سنة كغسل اليد. ولو غسل يده أو رأسه بالنخالة أو أحرقها فلا بأس به ان كانت بحيث لم يبق فيها شئ من الدقيق وبحيث تعلف بها الدواب. وفى نوادر هشام رحمه الله تعالى سألت محمدا رحمه الله تعالى عن غسل اليدين بالدقيق والسويق بعد الطعام مثل الغسل بالأشنان (١) فأخبرنى أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم ير بأسا فى ذلك وأبو يوسف رحمه الله تعالى كذلك وهو قولى فى الذخيرة. ويكره للجنب رجلا كان أو امرأة أن يأكل طعاما أو أن يشرب قبل غسل اليدين والفم ولا يكره ذلك للحائض.

стр. 4998

والمستحب تطهير الفم فى جميع المواضع كذا فى فتاوى قاضيخان. وينبغى أن يصب الماء من الآنية على يده بنفسه ولا يستعين بغيره. وقد حكى عن بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى أنه قال هذا كالوضوء ونحن لا نستعين بغيرنا فى وضوئنا كذا فى المحيط. وسنن الطعام البسملة فى أوله والحمدلة فى آخره، فان نسى البسملة فى أوله فليقل اذا ذكر بسم الله على أوله وآخره، واذا قلت بسم الله فارفع صوتك حتى تلقن من معك، وذكر فى القنية أنه يبدأ باسم الله تعالى فى أوله ان كان الطعام حلالا. وبالحمد لله فى آخره كيفما كان ولا ينبغى أن يرفع صوته بالحمد لله الا أن يكون جلساؤه قد فرغوا عن الأكل. وجاء فى الخلاصة أن من السنة أن يبدأ بالملح ويختم بالملح. وجاء فى النوادر أن فضل بن غانم قال: سألت أبا يوسف رحمه الله تعالى عن النفخ فى الطعام هل يكره؟ قال لا يكره الا ما له صوت مثل أف. ولا يؤكل طعام حار ولا يشم ولا ينفخ فى الطعام والشراب. ومن السنة أن لا يأكل الطعام من وسطه فى ابتداء الأكل قاله فى الخلاصة وقال وكذا من السنة أن يلعق القصعة. ويكره الأكل على الطريق ولا بأس فى أن يأكل وهو مكشوف الرأس وهو المختار. ولا بأس بالأكل متكئا أو واضعا شماله على الأرض أو مستندا كذا فى الفتاوى العتابية (١). ثم ذكر صاحب الفتاوى الهندية نقلا عن الغيائية أنه لا بأس فى الشرب قائما ولا يشرب ماشيا، ورخص للمسافرين ذلك، ولا يشرب بنفس واحد ولا من فم السقاء والقربة لأنه لا يخلو عن أن يدخل حلقه ما يضره، وجاء فى الخلاصة أن شرب الماء من السقاية جائز للغنى والفقير. ويكره رفع الجرة من السقاية وحملها الى منزله لأنه وضع للشرب لا للحمل. وحمل ماء السقاية الى أهله ان كان مأذونا للحمل يجوز والا فلا. هذا ولا يجوز وضع القصاع على الخبز والسكرجة (٢) كذا فى القنية.

стр. 4999

لا ينبغى للناس أن يأكلوا من أطعمة الظلمة لتقبيح الأمر عليهم وزجرهم عما يرتكبون وان كان يحل (١). واذا كان الرجل على مائدة فتناول غيره من طعام المائدة فان كان يعلم أن صاحب الطعام لا يرضى به لم يحل له ذلك وان كان يعلم بأنه يرضى به فلا بأس عليه، وان اشتبه عليه فلا يناول ولا يعطى سائلا. وان كانوا على مائدتين لا يناول بعضهم بعضا الا اذا تيقنوا رضا رب البيت. ولو كانت ضيافة فيها موائد فأعطى بعضهم بعض من على مائدة أخرى طعاما ليأكل أو على هذه المائدة فانه يجوز وان ناول الضيف شيئا من الطعام الى من كان ضيفا معه على الخوان تكلموا فيه قال بعضهم: لا يحل له أن يفعل ذلك ولا يحل لمن أخذ أن يأكل ذلك بل يضعه على المائدة ثم يأكل من المائدة، وأكثرهم جوزوا ذلك لأنه مأذون له ذلك عادة ولا يجوز لمن كان على المائدة أن يعطى انسانا دخل هناك لطلب انسان أو لحاجة أخرى كذا فى فتاوى قاضيخان. والصحيح فى هذا أنه ينظر الى العرف والعادة دون التردد، وكذا لا يدفع الى ولد صاحب المائدة وعبده وكلبه وسنوره، واذا ناول الضيف من المائدة هرة لصاحب الدار أو لغيره شيئا من الخبز أو قليلا من اللحم فانه يجوز استحسانا لأنه اذن فى العادة. ولو كان عندهم كلب لصاحب الدار أو لغيره لا يسعه أن يناوله شيئا من اللحم أو الخبز الا باذن صاحب البيت لأنه لا اذن فيه عادة. ولو ناول العظام أو الخبز المحترق وسعه. ولو أن رجلا دعا قوما إلى طعام وفرقهم على أخونة فليس لأهل هذا الخوان أن يتناول من طعام خوان آخر لأن صاحب الطعام انما أباح لأهل كل خوان أن يأكل ما كان على خوانه لا غير، وقال الفقيه أبو الليث رحمه الله تعالى: القياس كذلك. وفى الاستحسان: اذا أعطى من كان فى ضيافة تلك جاز وان أعطى بعض الخدم الذى هناك جاز أيضا، وكذا لو ناول الضيف من المائدة شيئا من الخبز أو قليلا من اللحم جاز استحسانا وان ناول الطعام الفاسد أو الخبز المحترق فذلك جائز عندهم لأنه مأذون بذلك. ولو كان رجل يأكل خبزا مع أهله

стр. 5000

فاجتمع كسرات الخبز ولا يشتهيها أهله فله أن يطعم الدجاجة والشاة والبقر وهو أفضل ولا ينبغى القاؤها فى النهر أو فى الطريق الا اذا كان الالقاء لأجل النمل ليأكل النمل فحينئذ يجوز هكذا فعله السلف (١). ويكره السكوت حالة الأكل لأنه تشبه بالمجوس كذا فى السراجية. وجاء فى الغرائب أنه لا يسكت على الطعام ولكن يتكلم بالمعروف وحكايات الصالحين، واذا دعوت قوما الى طعامك فان كان القوم قليلا فجلست معهم فلا بأس لأن خدمتك اياهم على المائدة من المروءة، وان كان القوم كثيرا فلا تجلس معهم واخدمهم بنفسك ولا تغضب على الخادم عند الأضياف ولا ينبغى أن تجلس معهم من يثقل عليهم فاذا فرغوا من الطعام واستأذنوا فينبغى أن لا يمنعهم واذا حضر القوم وأبطأ آخرون فالحاضر أحق أن يقدم من المتخلف. وينبغى لصاحب الضيافة أن لا يقدم الطعام ما لم يقدم الماء لغسل الأيدى، وكان القياس أن يبدأ بمن هو فى آخر المجلس ويؤخر صاحب الصدر ولكن الناس قد استحسنوا بالبداية بصاحب الصدر فان فعل ذلك فلا بأس به، واذا أرادوا غسل أيديهم بعد الطعام فقد كرهوا أن يفرغ الطست فى كل مرة وقال بعضهم لا بأس به لأن الدسومة اذا سالت فى الطست فربما تنتضح على ثيابه فتفسد عليه ثيابه، وكان فى الأمد الأول غالب طعامهم الخبز والتمر أو الطعام قليل الدسومة وأما اليوم فقد أكلوا الباجات والألوان ويصيب أيديهم بذلك فلا بأس بصبه فى كل مرة. قال الفقيه اذا تخلل الرجل فما خرج من بين أسانه فان ابتلعه جاز وان ألقاه جاز، ويكره الخلال بالريحان وبالآس وبخشب الرماه. ويستحب أن يكون الخلال من الخلاف الأسود، ولا ينبغى له أن يرمى بالخلال وبالطعام الذى خرج من بين أسنانه عند الناس لأن ذلك يفسد ثيابهم ولكنه يمسكه فاذا أتى بالطست لغسل اليد ألقاه فيه ثم يغسل يده فان ذلك من المروءة (٢). مذهب المالكية: جاء فى بلغة السالك أنه يسن عينا لآكل وشارب ولو كان صبيا أن يسمى، ويندب الجهر بها لينبه الغافل ويتعلم الجاهل وان نسيها فى أول الأكل أتى

стр. 5001

بها حيث ذكرها فيقول بسم الله فى أوله وفى وسطه وفى آخره فان الشيطان يتقابأ ما أكله خارج الاناء. والاقتصار على بسم الله أحد قولين راجحين والآخر منهما أن لا يقتصر بل يكملها وهو المعتمد لأن التكميل تذكار نعمة المنعم. وقد ورد فى الحديث زيادة على التسمية: «وبارك لنا فيما رزقتنا». وان كان الطعام لبنا يزيد على ذلك وزدنا منه. وندب لمن يأكل ومن يشرب أن يتناول باليمين لخبر «اذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه واذا شرب فليشرب بيمينه فان الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله. وكذا يندب أن يحمد الله تعالى بعد الفراغ من طعامه أو شرابه لما روى أن رسول الله ﷺ كان يقول عند فراغه: الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» ويندب أن يكون ذلك سرا خوفا من حصول الخجل للغير قبل أن يشبع، ويندب الصلاة والسّلام على الواسطة فى كل نعمة سيدنا محمد ﷺ . ويندب غسل اليدين بنحو أشنان لأن بقاء الغمر (١) يورث الجنون أو البرص أو أذية الهوام له - وأما غسلهما قبل الطعام له فالمشهور عندنا أنه مكروه قال الامام مالك رحمه الله تعالى: وليس العمل على قول النبى ﷺ الغسل قبل الطعام ينفى الفقر، وبعده ينفى اللمم أى ليس عمل أهل المدينة عليه، ومذهبه تقديم العمل على الحديث الصحيح لعلمهم بحال النبى ﷺ فما خالفوا الحديث الا لكون النبى ﷺ فعل خلافه، وقد غسل أمامنا مالك رضى الله تعالى عنه وعنا به قبل الطعام فيحمل ذلك على ما اذا كان باليد شئ أو كانت نفوس الحاضرين تأنف من ترك الغسل أو يكون من فى المجلس يده تحتاج الى الغسل ويقتدى به. وبالجملة: غسل اليد قبل الطعام وان لم يكن سنة عندنا فهو بدعة حسنة ويجوز بلع ما بين الأسنان الا لخلطه بدم، فليس مجرد التغير يصيره نجسا خلافا لما قيل. ويندب تنظيف الفم بالمضمضة والسواك وان لم يكن فى الطعام دسم لما تقدم من أنه ليس أضر على الملائكة من بقايا ما بين الأسنان، ويتأكد ذلك عند ارادة الصلاة. ويطلب تخفيف المعدة بتقليل الطعام والشراب على قدر لا يترتب عليه ضرر ولا كسل عن عبادة فقد يكون الشبع سببا فى عبادة واجبة فيجب وقد يترتب

стр. 5002

عليه ترك واجب فيحرم، أو يترتب عليه ترك مستحب فيكره وان لم يترتب عليه شئ فيباح، قال فى الرسالة ومن أدب الأكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس وذلك لاعتدال الجسد وخفته لأنه يترتب على الشبع ثقل البدن، وهو يورث الكسل عن العبادة ولأنه اذا أكثر من الأكل لما بقى للنفس موضع الا على وجه يضر به ولما ورد: المعدة بيت الداء والحمية (١) رأس الدواء أى وأصل كل داء البردة (٢). ويندب لك أن تأكل مما يليك ان أكلت مع غيرك من غير ولد وزوجة ورفيق الا فى نحو فاكهة مما هو أنواع اذ لا يطالب بالأدب معهم وهم يطالبون به وقد أمر رسول الله ﷺ عمر بن أم سلمة زوج النبى ﷺ حين أكل معه من نواحى الصفحة بقوله ﷺ له: كل مما يليك فيكره أن يأكل من غير ما يليه لأنه ينسب للشره وقد قال النبى ﷺ لعكرش رضى الله تعالى عنه حين أكل معه ثريدا: كل من موضع واحد فانه طعام واحد». ثم أتى ﷺ بطبق فيه ألوان من الرطب فجعل يأكل من بين يديه فقال ﷺ : «كل من حيث شئت فانه غير لون واحد». ويندب أن لا يأخذ لقمة الا بعد أن يبلع ما فى فيه فأخذها قبل ذلك مكروه لئلا ينسب للشره. ويندب أن ينوى بالأكل نية حسنة لحسن متعلقها كاقامة البينة والتقوى على الطاعة وشكر المنعم، ويندب تنعيم المضغ حتى يصير الممضوغ ناعما يلتذ به ويسهل بلعه ويخف على المعدة، ويندب أن يمص الماء اذ العب مكروه لقول النبى ﷺ إذا شرب أحدكم فليمص مصا ولا يعب عبا فان الكباد من العب (٣). ومثل الماء فى ذلك كل مائع كلبن. ويندب أن يبعد القدح حين التنفس حالة الشرب ثم يعيد القدح لفيه مسميا عند وضعه على فيه حامدا عند ابانته، يفعل ذلك ثلاثا وهذا هو الراجح. وقيل يجوز أن يشرب فى مرة على حد سواء والراجح أنه خلاف الأولى أو مكروه لقول النبى ﷺ إذا شرب أحدكم فليتنفس ثلاث مرات فانه أهنأ وأمرأ. ويندب أن يناول من على يمينه وأن تعدد ان كان على يمينه أحد قبل أن يناول من على يساره ولو كان من على يمينه مفضولا فقد ناول النبى صلّى الله

стр. 5003

عليه وسلم الأعرابى الذى كان على يمينه قبل أبى بكر الذى كان جالسا على يساره، وورد أيضا أن رسول الله ﷺ أتى بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال ﷺ للغلام: أتأذن لى أن أعطى هؤلاء فقال: لا والله يا رسول الله لا أوثر بنصيبى منك أحدا قال: فتله رسول الله ﷺ فى يده - يعنى أعطاه وليس لمن على اليمين أن يؤثر غيره بل ان لم يشرب سقط حقه فان كانوا جالسين أمام الشارب فيبدأ بأكابرهم. ويكره النفخ فى الطعام لما فيه من اهانة الطعام بما يخرج من الريق وعليه يكره ولو أكل وحده سواء كان فى يده أو فى الاناء وخصه بعض بالطعام الذى فى الاناء. وقيل: العلة أذية الآكل معه وعليه فلا يكره لمن كان وحده. وكما يكره النفخ فى الطعام يكره النفخ فى الشراب لما ورد من النهى عن ذلك فيهما عن النبى ﷺ . ويكره التنفس فى الاناء حال الشرب فقد يكون نفسه كريها فيغير الاناء حتى يصير ذا رائحة كريهة يعرفها حتى النساء ويتكلمون بقبح فى الشارب كما قرره شيخنا الأمير. ويكره أن يتناول المأكول والمشروب باليد اليسرى حيث أمكن أن يتناوله باليمنى. ويكره أن يتكئ حال الأكل على جنبه فقد سئل مالك رحمه الله تعالى عن الرجل يأكل وهو واضع يده على الأرض فقال: انى لا أبتغيه ولا أكره وما سمعت فيه شيئا والسنة الأكل جالسا على الأرض على هيئة مطمئن عليها. ولا يأكل مضطجعا على بطنه ولا متكئا على ظهره لما فيه من البعد عن التواضع ووقت الأكل وقت تواضع وشكر لله على نعمه، وكذا يكره الافتراش - وهو التربع - بل المطلوب أن يجلس كجلوس النبى ﷺ وذلك بأن يقيم ركبته اليمنى أو مع اليسرى أو يجلس كالصلاة، وجثا ﷺ مرة على ركبته حين أهديت له شاة فقيل له: ما هذه الجلسة؟ فقال: النبى ﷺ : ان الله جعلنى عبدا كريما ولم يجعلنى جبارا عنيدا، وقال انما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد لأن السيادة والعظمة انما تكون لله تعالى. ويكره أن يأكل من رأس الثريد (١) لأن البركة تنزل على وسطه، وفى رواية اذا أكل أحدكم طعاما من أعلى الصحفة -

стр. 5004

وهذه تشمل غير الثريد ولا ينبغى أن يقسم الرغيف بالخنجر بل يكون ذلك باليد، ولا يقسم من وسطه بل من حواشيه والسنة فى اللحم أن يؤكل بعد الطعام وأن ينهش، قال النبى ﷺ : خير ادامكم اللحم، وقال ﷺ : سيد ادام الدنيا والآخرة اللحم. ويكره أن يغسل اليد بالطعام كدقيق الحنطة وكذا يكره أن يمسح اليد به - وهذا هو المعتمد ومثل دقيق الحنطة فى ذلك نخالة القمح لما فيها من الطعام بخلاف نخالة الشعير فلا كراهة فى الغسل بها ولا فرق فى الكراهة بين أن يكون ذلك فى زمن المسغبة وغيرها ويكره القران فى نحو التمر فيكره أن يأخذ اثنين فى مرة واحدة ولو كان ملكه حيث أكل مع غيره لئلا ينسب الى الشره، فان كان الغير شريكا بشراء أو غير ذلك فيحرم للاستبداد بزائد ان استووا فى الشركة، أما ان كان وحده أو مع عياله فلا يكره. قال النفراوى، اختلف هل النهى للأدب أو لئلا يأخذ كل واحد أكثر من حقه فعلى الأول يكون نهى كراهة وعلى الثانى يكون النهى للحرمة (١). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج أن ترك التبسط فى الطعام المباح مستحب فانه ليس من أخلاق السلف. هذا اذا لم تدع اليه حاجة كقرى الضيف وأوقات التوسعة على العيال من نحو يوم عاشوراء ويومى العيد، ولم يقصد بذلك التفاخر والتكاثر بل قصد به تطييب خاطر الضيف والعيال وقضاء وطرهم مما يشتهونه. وقد حكى الماوردى رحمه الله تعالى مذاهب فى اعطاء النفس شهواتها المباحة. فبعض المذاهب تمنع النفس من ذلك وتقهرها لئلا تطغى. وبعضها يعطيها تحيلا على نشاطها وبعثها على روحانيتها. قال الماوردى، والأشبه التوسط بين الأمرين لأن فى اعطاء النفس كل ما تشتهى سلاطة عليه وفى منعه اياها من ذلك بلادة. ويسن الحلو من الأطعمة، وكثرة الأيدى على الطعام واكرام الضيف، والحديث الحسن على الأكل، ويسن تقليله ويكره ذم الطعام اذا كان الطعام لغيره لما فيه من الايذاء أما ان كان الطعام له فلا كراهة. ويسن أن يأكل من أسفل الصحفة ويكره أن يأكل من أعلاها أو من وسطها.

стр. 5005

ويسن أن يحمد الله تعالى عقب الأكل فيقول: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه وفى صحيح البخارى أن رسول الله ﷺ كان اذا رفع مائدته قال: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفى ولا كفور ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا وروى أبو داود باسناد صحيح أن النبى ﷺ كان اذا أكل وشرب قال: الحمد لله الذى أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا (١). ويأكل الضيف مما قدم له بلا لفظ من مالك الطعام اكتفاء بالقرينة العرفية كما فى الشرب من السقايات فى الطرق، وما ورد فى الأحاديث الصحيحة من لفظ الاذن فى ذلك محمول على الاستحباب. نعم ان كان ينتظر حضور غيره فلا يأكل الا باذن لفظا أو بحضور الغير لاقتضاء القرينة عدم الأكل بدون ذلك هذا وليس للأراذل أن يأكلوا مما بين أيدى الأماثل من الأطعمة النفيسة المخصوصة بهم وبه صرح الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى قال: اذ لا دلالة على ذلك بلفظ ولا عرف، بل العرف زاجر عنه. ولا يأكل الضيف جميع ما قدم له وبه صرح ابن الصباغ. قال ابن شهبة وفيه نظر اذا كان قليلا يقتضى العرف أكل جميعه. وهذا ظاهر اذا علم رضا مالكه بذلك. وصرح الماوردى بتحريم الزيادة على الشبع أى اذا لم يعلم رضا مالكه وأنه لو زاد لم يضمن. قال الأذرعى رحمه الله تعالى: وفيه وقفة - وحد الشبع أن لا يعد جائعا - وأما الزيادة على الشبع من مال نفسه الحلال فمكروه وكذا الزيادة على الشبع من مال غيره اذا علم رضا مالكه. قال ابن عبد السّلام ولو كان الضيف يأكل كعشرة مثلا وكان مضيفه جاهلا بحاله لم يجز له أن يأكل فوق ما يقتضيه العرف فى المقدار. قال: ولو كان الطعام قليلا فأكل لقما كبارا مسرعا حتى يأكل أكثر الطعام ويحرم أصحابه لم يجز له ذلك ويحرم التطفل وهو حضور الوليمة من غير دعوة - الا اذا علم رضا المالك به لما بينهما من الأنس والانبساط وقيد ذلك الامام بالدعوة الخاصة، أما العامة كأن فتح الباب ليدخل من شاء فلا تطفل. ولا يتصرف الضيف فى الطعام ببيع ولا غيره الا بأكل لأن الأكل هو المأذون فيه عرفا، فلا يطعم سائلا ولا هرة الا أن علم رضا مالكه به وللضيف تلقيم صاحبه الا أن يفاضل المضيف

стр. 5006

طعامهما فليس لمن خص بنوع أن يطعم غيره منه وظاهره المنع سواء أخص بالنوع العالى أم بالسافل وهو محتمل، ويحتمل تخصيصه بمن خص بالعالى، ونقل الأذرعى هذا عن مقتضى كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى. قال: وهو ظاهر. ويكره لصاحب الطعام أن يفاضل بين الضيفان فى الطعام لما فى ذلك من كسر الخاطر (١). وللضيف أن يأخذ ما يعلم رضا المضيف به - والمراد بالعلم ما يشمل الظن - لأن مدار الضيافة على طيب النفس فاذا تحقق ولو بالقرينة رتب عليه مقتضاه، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال وبمقدار المأخوذ وبحال المضيف وبالدعوة، فان شك فى وقوعه فى محل المسامحة فالصحيح فى أصل الروضة التحريم. قال فى الأحياء: واذا علم رضا المضيف ينبغى له مراعاة النصفة مع الرفقة فلا ينبغى أن يأخذ الا ما يخصه أو يرضون به عن طوع لا عن حياء (٢). وتسن التسمية قبل الأكل والشرب ولو من جنب وحائض للأمر بها فى الأكل ويقاس به الشرب. ولو سمى مع كل لقمة فهو حسن وأقلها بسم الله وأكملها بسم الله الرحمن الرحيم وهى سنة كفاية للجماعة ومع ذلك تسن لكل منهم. فان تركها أول الطعام أتى بها فى أثنائه فان تركها فى أثناء الطعام أتى بها فى آخره فان الشيطان يتقايأ ما أكله أو شربه. ويسن الحمد بعد الفراغ من ذلك ويجهر بهما ليقتدى به فيهما. ويسن غسل اليد قبل الطعام وبعده لكن المالك يبتدئ به فيما قبله ويتأخر به فيما بعده ليدعو الناس الى كرمه. ويسن أن يأكل بثلاث أصابع للاتباع وتسن الجماعة والحديث غير المحرم كحكاية الصالحين على الطعام وتقليل الكلام أولى. ويسن أن يأكل الطعام الساقط الذى لم يتنجس أو تنجس ولم يتعذر تطهيره وطهر. ويسن أن يواكل الرجل عبيده وصغاره وزوجاته، وأن لا يخص نفسه بطعام الا لعذر كدواء بل يؤثرهم على نفسه ولا يقوم المالك عن الطعام وغيره بأكل ما دام يظن به حاجة الى الأكل ومثله من يقتدى به، وان يرحب بضيفه ويكرمه وأن يحمد الله على حصوله ضيفا عنده.

стр. 5007

ويكره أن يأكل متكئا (١)، ومثله المضطجع كما فهم بالأولى، ويكره أن يأكل مما يلى غيره أو أن يأكل من الأعلى والوسط، ونص الشافعى رحمه الله تعالى على تحريمه محمول على المشتمل على الايذاء. ويستثنى من ذلك نحو الفاكهة مما يتنفل به فيأخذ من أى جانب شاء، ويكره تقريب فمه من الطعام بحيث يقع من فمه اليه شئ. ويكره أن يذم الطعام، أما أن يقول: لا أشتهيه أو ما اعتدت أكله فلا كراهة، ويكره أن ينفض يده فى القصعة وأن يشرب من فم القربة، وأن يأكل بالشمال، وأن يتنفس أو ينفخ فى الاناء، ويكره البزاق والمخاط حال أكلهم ويكره أن يقرن تمرتين ونحوهما كعنبتين بغير اذن الشركاء. ويسن للضيف - وان لم يأكل - أن يدعو للمضيف كأن يقول أكل طعامكم الأبرار وأفطر عندكم الصائمون وصلت عليكم الملائكة وذكركم الله فيمن عنده. ويسن أن يقرأ سورة الاخلاص وسورة قريش ذكره الغزالى وغيره رحمهم الله تعالى. ويندب أن يشرب بثلاثة أنفاس بالتسمية فى أوائلها وبالحمد فى أواخرها ويقول فى آخر الأول الحمد لله ويزيد فى الثانى رب العالمين وفى الثالث الرحمن الرحيم. وأن ينظر فى الكوز قبل الشرب ولا يتجشأ فيه بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية والشرب قائما خلاف الأولى. ومن آداب الأكل أن يلتقط فتات الطعام وأن يقول المالك لضيفه ولغيره كزوجته وولده اذا رفع يده من الطعام: كل ويكرره عليه ما لم يتحقق أنه اكتفى منه، ولا يزيد على ثلاث مرات. وأن يتخلل ولا يبتلع ما يخرج من أسنانه بالخلال بل يرميه ويتمضمض بخلاف ما يجمعه بلسانه من بينها فانه يبلعه، وأن يأكل قبل أكله اللحم لقمة أو لقمتين أو ثلاثة من الخبز حتى يسد الخلل وأن لا يشم الطعام ولا يأكله حارا حتى يبرد. ومن آداب الضيف أن لا يخرج الا باذن صاحب المنزل وأن لا يجلس فى مقابلة حجرة النساء وسترتهن وأن لا يكثر النظر الى الموضع الذى يخرج منه الطعام ومن آداب المضيف أن يشيع الضيف عند خروجه الى باب الدار وينبغى للآكل أن يقدم الفاكهة ثم اللحم ثم الحلاوة وانما قدمت الفاكهة لأنها أسرع استحالة فينبغى أن تقع أسفل المعدة ويندب أن يكون على المائدة بقل (٢).

стр. 5008

مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير أنه تستحب التسمية عند الطعام وحمد الله عند آخره. لما روى عمر بن أبى مسلمة رحمه الله تعالى قال: أكلت مع النبى ﷺ فجالت يدى فى القصعة فقال: سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» قال فما زالت أكلتى بعد رواه ابن ماجة بمعناه ورواه أبو داود، وروى الامام أحمد رحمه الله تعالى باسناده عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال لا أعلمه الا عن النبى صلى ﷺ أنه قال: «للطاعم الشاكر مثل ما للصائم الصابر» قال أحمد رحمه الله تعالى: معناه اذا أكل وشرب يشكر الله ويحمده على ما رزقه فقد روى عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: اذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله فان نسى أن يذكر اسم الله فى أوله فليقل باسم الله أوله وآخره» رواه أبو داود، عن معاذ بن أنس رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من أكل طعاما فقال الحمد لله الذى أطعمنى هذا ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه، وعن أبى سعيد رضى الله تعالى عنه قال كان النبى ﷺ اذا أكل طعاما قال: الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين. وعن أبى أمامة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ كان اذا رفع طعامه أو ما بين يديه قال: الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه غير مكفى ولا مودع» رواهن ابن ماجة. ويسن أن يأكل بيمينه ويشرب بها لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما عن النبى ﷺ قال: اذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه واذا شرب فليشرب بيمينه فان الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة. ويستحب أن يأكل بثلاث أصابع لما روى كعب بن مالك رضى الله تعالى عنه قال كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يده حتى يلعقها رواه الامام أحمد، وذكر له حديث ترويه ابنة الزهرى رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ كان يأكل بكفه كلها فلم يصححه ولم ير الا ثلاث أصابع، وروى عن أحمد رضى الله تعالى عنه أنه أكل خبيصا بكفه كلها. وروى عن عبد الله بن بريده رضى الله تعالى عنه أنه كان ينهى بناته أن يأكلن بثلاث أصابع وقال لا تشبهن بالرجال. قال مهنا سألت أحمد رحمه الله تعالى عن حديث عائشة رضى الله

стр. 5009

تعالى عنها عن النبى ﷺ أنه قال: لا تقطعوا اللحم بالسكين فان ذلك صنيع الأعاجم» فقال ليس بصحيح، لا نعرف هذا، وقال: حديث عمرو بن أمية الضمرى خلاف هذا كان النبى ﷺ يحتز من لحم الشاة فقام الى الصلاة وطرح السكين، وحديث مسعر عن جامع بن شداد عن المغيرة اليشكرى عن المغيرة بن شعبة رضى الله تعالى عنهم: ضفت برسول الله ﷺ ذات ليلة فأمر بجنب فشوى ثم أخذ الشفرة فجعل يحز فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فألقى الشفرة. وروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: لم يكن رسول الله ﷺ ينفخ فى طعام ولا شراب ولا يتنفس فى الاناء وعن أنس رضى الله تعالى عنه قال: ما أكل النبى ﷺ على خوان ولا فى سكرجة قال قتادة: فعلام كانوا يأكلون؟ قال على السفر. وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ نهى أن يقام على الطعام حتى يرفع. وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ اذا وضعت المائدة فلا يقم رجل حتى ترفع المائدة ولا يرفع يده وان شبع حتى يفرغ القوم وليعذر فان الرجل يخجل جليسه فيقبض يده، وعسى أن يكون له فى الطعام حاجة. وسئل عن الرجل يأتى القوم وهم على طعام فجأة لم يدع اليه فلما دخل اليهم دعوه هل يأكل؟ قال: نعم وما بأس وسئل عن حديث النبى ﷺ أنه ادخر لأهله قوت سنة هو صحيح؟ قال: نعم ولكنهم يختلفون فى لفظه. وعن أنس رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ جاء الى سعد ابن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبى ﷺ : أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة. وعن جابر رضى الله تعالى عنه قال صنع أبو الهيثم ابن التيهان للنبى ﷺ طعاما فدعا النبى ﷺ وأصحابه فلما فرغوا قال ﷺ : أثيبوا أخاكم. قالوا يا رسول الله وما اثابته؟ قال: ان الرجل اذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه فدعوا له فذلك اثابته رواه أبو داود (١). وعلى المضيف أن لا يحرم ضيفه فقد روى أن رسول الله ﷺ

стр. 5010

قال: أيما رجل ضاف قوما فأصبح الضيف محروما فان نصره على كل مسلم حتى يأخذ بحقه من زرعه وماله. والواجب يوم وليلة والكمال ثلاثة أيام لما روى أبو شريح الخزاعى رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قالوا يا رسول الله كيف يؤثمه؟ قال: يقيم عنده وليس عنده ما يقريه» متفق عليه. قال الامام أحمد رحمه الله تعالى: جائزته يوم وليلة كأنه أوكد من سائر الثلاثة ولم يرد يوما وليلة سوى الثلاثة لأنه يصير أربعة أيام، وقد قال: وما زاد على الثلاثة فهو صدقة فان امتنع من اضافته فللضيف بقدر ضيافته. قال أحمد رحمه الله تعالى له أن يطالبهم بحقه الذى جعله له النبى ﷺ ، ولا يأخذ شيئا الا بعلم أهله. وعنه رواية أخرى أن له أن يأخذ ما يكفيه بغير اذنهم لما روى عقبة بن عامر رضى الله تعالى عنه قال: قلنا يا رسول الله انك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا. قال: اذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا فان لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى لهم» متفق عليه. وقال أحمد رحمه الله تعالى فى تفسير قول النبى ﷺ : «فله أن يعقبهم بمثل قراه» يعنى أن يأخذ من أرضهم وزرعهم وضرعهم بقدر ما يكفيه بغير اذنهم (١). قال المروذى رحمه الله تعالى: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وان كان على وضوء. وقال مهنا: ذكرت ليحيى بن معين حديث قيس بن الربيع عن هاشم عن زاذان عن سلمان رضى الله تعالى عنهم عن النبى ﷺ قال: بركة الطعام الوضوء قبله وبعده» فقال لى يحيى: ما أحسن الوضوء قبله وبعده، وذكرت الحديث لأحمد رحمه الله تعالى فقال ما حدث بهذا الا قيس ابن الربيع، ويكره أن يكون الرغيف تحت القصعة، روى عن عقيل قال: حضرت مع ابن شهاب وليمة ففرشوا المائدة بالخبز فقال: لا تتخذوا الخبر بساطا. وقال المروذى قلت لأبى عبد الله أن أبا معمر قال: ان أبا أسامة قدم اليهم خبزا فكسره، قال: هذا لئلا تعرفوا كم تأكلون. ويكره الأكل متكئا لقول النبى ﷺ : لا آكل متكئا» رواه أبو داود، وعن شعيب بن عبد الله بن
следующие страницы →