الى بيان مكان ايفائه عند أبى حنيفة (١)، وعند أبى يوسف ومحمد لا يشترط ذلك، ويتعين مكان العقد للايفاء فاذا لم يبين مكان الايفاء فسد العقد عند الامام، أما عند صاحبيه فلا يفسد، وانما يكون مكان الايفاء مكان العقد حيث تكون العين المستأجرة كالدار والأرض، أما فى الاجارة على العمل فحيث يوفى العمل، وفى الحمل حيث استوفى المؤجر، فكلما حمل له مسافة أخذ حصته من الأجر مع مراعاة أن تكون هذه المسافة مما يستأجر عليها عادة، وهذا اذا لم يعين للوفاء مكان، فاذا تضمن العقد تعيينه وجب أن يكون الوفاء فيه واذا كان الأجر مما ليس له حمل ولا مئونة فان المؤجر يطلبه من المستأجر حيث وجده بعد أن يكون قد استحقه، واذا كان الأجر عينا معينة أشير اليها أو وصفت بما يعينها كأن تستأجر دار للسكنى سنة نظير هذه الدابة وجب تسليمها عند استحقاقها، أما اذا كان دينا فانه يثبت فى الذمة بالعقد وذلك كالنقود أو المثليات أو المنافع وحينئذ فقد يكون حالا واجب الوفاء عند استحقاقه، وقد يكون مؤجلا اذا شرط فى العقد تأجيله الى أجل معين وعندئذ يوفى عند حلول أجله ويصح حينئذ تعجيله وذلك بدفعه قبل أجله كما يصح اشتراط تعجيله فى العقد وعندئذ يجب أداؤه قبل الانتفاع والتمكن منه، غير أن ذلك لا يصح الا اذا كانت الاجارة منجزة أما اذا كانت مضافة فان شرط التعجيل يكون شرطا فاسدا مفسدا للعقد (٢) لأنه يتنافى مع مقتضاه فان مقتضاه ارجاء آثاره الى الوقت الذى أضيف اليه، ومن آثاره تملك الأجرة وأداؤها فيكونان مرجأين الى ذلك الوقت فلا يصح مخالفة هذا المقتضى باشتراط تعجيلها لأنه الغاء لمقتضى العقد، ولاشتراط تعجيل الأجرة وتأجيلها أثر فى حكم الاجارة يبين فى حكمها، والأجر المسمى هو ما تم الاتفاق عليه فى العقد بين المتعاقدين ويستحق فى العقد الصحيح بانتفاع المستأجر أو بتمكنه من الانتفاع، وأجر المثل هو ما تقوم به المنفعة فى عرف الناس وتعاملهم، ويجب بالانتفاع فعلا فى الاجارة الفاسدة بسبب جهالة التسمية أو جهالة المنفعة كما يجب لوصى مقابل عمله اذا لم يقدر له أجر ولا يعمل مثله الا بأجر، وللمضارب فى المضاربة الفاسدة بسبب مشاركة رب المال له فى العمل (٣)، ومن القواعد التى ذهب اليها الحنفية لا يجتمع أجر وضمان فلا أجر على المستأجر اذا انتفع بالعين المستأجرة انتفاعا خلاف ما تم عليه العقد لأنه بمخالفته العقد لم يصر أمينا وكانت يده على العين يد ضمان.
مذهب المالكية:
يشترط المالكية فى الأجر ما يشترطونه فى الثمن وهو أن يكون ما لا متقوما طاهرا منتفعا به مقدورا على تسليمه معلوما ذاتا وأجلا أو حلولا على وضع لا يؤدى الى النزاع، وعلمه ذاتا يكون اما بوصفه وذلك ببيان جنسه ونوعه وقدره واما برؤيته والاشارة اليه، وعلمه أجلا يكون ببيان
стр. 527
أجله أو حلوله وبناء على ما ذكر لا يصلح النجس أجرا وكذلك المتنجس الذى لا يقبل التطهير ولا مالا ينتفع به انتفاعا مباحا شرعا كآلة اللهو ولا البعير الشارد لعدم القدرة على تسليمه وللاكتفاء فيه بالعلم الذى لا يكون معه نزاع عادة.
وأجاز مالك أن يؤجر الخياط على خياطة ما يحتاج اليه المؤاجر هو وأهله من الثياب فى السنة وان يؤجر الخباز على خبز ما يحتاج اليه المؤاجر من الخبز فيها اذا ما عرف حال المؤاجر وما يحتاج اليه من ذلك مع جهالة المنفعة المعقود عليها وذلك لجريان العرف بذلك ولهذا أجيزت اجارة الظئر بنفقتها مع ما فى النفقة من الجهالة لأنها جهالة لا تؤدى الى النزاع، وقال أصبغ فى استئجار العامل للعمل فى الكرم على النصف مما يخرج منه لا بأس فيه ومثله الأجير يستأجر لحراسة الزرع وله بعضه لتعارف الناس ذلك ولذا قال سحنون: لو حملت أكثر الاجارات على القياس لبطلت وأصاب الناس حرج (١)، ولذلك جاز كراء دابة بعلفها أو بطعام صاحبها كما جاز كراء دابة بدراهم معلومة على أن يكون طعام المكترى على صاحبها مدة ركوبه (٢).
واذا كانت الأجرة دينا تشغل به ذمة المستأجر بالعقد كدينار وجب تعجيلها ان شرط فى العقد تعجيلها أو جرى العرف بذلك سواء أكانت المنفعة المعقود عليها دينا فى الذمة كحمل متاع الى جهة معينة واصلاح آلة أم لم تكن دينا كسكنى دار معينة غير أنه اذا كانت المنفعة المعقود عليها دينا وجب تعجيل الأجرة لحق الله تعالى حتى لا يترتب على ذلك ابتداء دين بدين وهو منهى عنه لأنه ان لم تعجل كانت دينا فى مقابلة منفعة هى دين أيضا فى ذمة الأجير ولكون التعجيل فى هذه الحال حقا لله تعالى لا يجوز التنازل عنه ممن يكون منه التنازل وتفسد الاجارة اذا لم تعجل الأجرة، أما اذا لم تكن المنفعة دينا فان تعجيل الأجرة فى هذه الحال يجب حقا لمستحقها تنفيذا للشرط الصريح أو المعروف عرفا وله حينئذ أن يتنازل عنه ولا يترتب على ذلك فساد الاجارة كمن يستأجر دارا من آخر شهرا ليسكنها بثلاثة دنانير مثلا فلا يجب لصحتها عندئذ تعجيل الأجرة واذا شرط التعجيل أو كان ذلك مقتضى العرف وجب على المستأجر التعجيل لذلك بخلاف ما اذا استأجر شخصا عاملا ليصلح له آلة بدينار فان المنفعة فى هذا المثال دين تشغل به ذمة العامل والأجر كذلك دين تشغل به ذمة المستأجر فيجب لكى يتجنب ابتداء الدين بالدين اشتراط تعجيل الأجر أو جريان العرف بذلك ثم تعجيله فعلا مراعاة لحق الله تعالى حتى اذا لم يشرط التعجيل ولم يكن عرف فسدت الاجارة وان عجل فعلا ذلك لأن الاجارة حين تنعقد فى هذه الحال تنعقد على ابتداء دين بدين اذ لا يقتضى عقد الاجارة بحسب طبيعته الا تأخير الأجر الى وقت العمل وذلك ما يصير به الأجر دينا ويلاحظ أن ذلك مشروط بألا تكون المنفعة قد شرع فيها أو لم يتأخر الشروع فيها الى ثلاثة أيام والا كانت الاجارة صحيحة حينئذ لعدم ترتب
стр. 528
المحظور وهو ابتداء الدين بالدين اذ تعد المنفعة حينئذ مقبوضة جميعها بناء على ما ذهبوا اليه من أن قبض الأوائل يعد قبضا للأواخر وقيل لا بد من التعجيل أيضا فى هذه الحال وذلك على رأى من يرى أن قبض الأوائل لا يعد قبضا للأواخر ولا يكفى فى تعجيل الأجرة عند وجوبه تعجيل بعضها بل لا بد من تعجيلها كلها الا عند الضرورة فعند ذلك يكفى تعجيل البعض ومثلوا لذلك بعقد كراء الحاج مع جمال فى مصر فى رمضان أو أوائل شوال على أن يحمله الى مكة فانه يكفى فى هذه الحال تعجيل اليسير من الأجرة لأن تعجيلها كلها يؤدى الى ضياع الأموال بسبب هرب الجمالين اذا قبضوا الأجر كله فان لم تكن المنفعة دينا سواء شرع فيها أم لا أو كانت دينا وقد شرع فيها فلا يجب تعجيل الأجر بل يجوز تأخيره، وأما اذا كانت الأجرة عينا معينة كهذه الدابة أو هذا الثوب ونحو ذلك فانه يجب لصحة الاجارة فى هذه الحال اشتراط تعجيلها فى العقد أو جريان العرف بذلك حتى لا يترتب على العقد بدون ذلك بيع معين يتأخر قبضه وذلك غير جائز اذ أن الأجرة فى هذه الحال هى عين قوبلت بمنفعة وقد جعلت عوضا عنها وبها تملكها المؤجر فتكون كمبيع معين لا يقبل التأخير فى قبضه فان لم يكن شرط بالتعجيل ولم يكن العرف قد جرى بذلك كانت الاجارة فاسدة، ولو عجلت الأجرة فعلا لأن عقد الاجارة بحسب وضعه وطبيعته لا ينعقد موجبا لقبض الأجرة فى الحال وانما يقتضى تأخير قبضها الى استيفاء المنفعة التى قوبلت بها ولا يلزم المستأجر فيه من الأجر الا بقدر ما انتفع ألا ترى أنه اذا حال بين المستأجر وبين انتفاعه فى أثناء مدة الاجارة مانع لم يلزم من الأجر الا بقدر انتفاعه وذلك بخلاف عقد البيع فانه يوجب نقد الثمن فى الحال اذا لم يشترط تأجيله لما يترتب عليه من قبض المبيع حتى تتحقق المعادلة بين البدلين فى القبض أما الركوب والسكنى مثلا فى عقد الاجارة فلا يقبضان دفعة واحدة فلم يجب لذلك قبض بدلهما دفعة واحدة فى الحال وبذلك يتضح أن عقد الاجارة بدون اشتراط تعجيل نصا أو عرفا ينعقد على تأخير قبض ما يجب قبضه فى الحال وهو الأجرة المعينة وذلك ما يوجب فساده ولا فرق فى هذه الحال بين أن تكون المنفعة المعقود عليها دينا فى الذمة كنقل متاع أو ليست بدين كسكنى دار، وقد نصوا على أنه يغتفر التأخير الى ثلاثة أيام، وبناء على ما تقدم اذا لم يكن الأجر معينا ولم يكن فى العقد شرط بتعجيله ولم يجر العرف بتعجيله ولم تكن المنفعة التى هى محل العقد دينا ثابتا فى الذمة لم يجب تعجيل الأجر وكان على المستأجر منه ما يعادل ما استوفاه من المنفعة، فكلما تمكن من استيفاء مقدار منها لزمه أجره فيدفعه مياومة أو مشاهرة عند عدم المشاحة فى التعجيل والتأخير وهو الأصل فى الاجارة فى مثل اجارة العقار والرواحل والآدمى للخدمة والأوانى للاستعمال (١) أما فى مثل اجارة الصناع والأجراء فليس لهم الأجر الا بعد تمام العمل الا عن تراض بدفعه قبل ذلك أو عن شرط بتعجيل دفعه قبل ابتداء العمل أو شرط بتأجيله الى ما بعد العمل
стр. 529
وذلك هو الأصل فى الاجارة، وفى المدونة:
اذا أراد الصانع أو الأجير تعجيل الأجر قبل الفراغ وامتنع رب الشئ حملوا على المتعارف بين الناس فان لم يكن لهم سنة لم يقض لهم بشئ الا بعد الفراغ وأما فى الأكرية فى دار أو راحلة أو فى اجارة بيع السلع ونحوها فبقدر ما مضى وليس لخياط خاط نصف القميص أخذ نصف أجرته اذا لم يأخذه على ذلك بل حتى يتمه، ومقتضى هذا أن ذلك انما يكون عند المشاحة والا فليس على رب الشئ من حرج أن يعجل للأجير أجرته، وذكر الدسوقى أن ذلك فيما اذا بقى العقد الى اتمام العمل فان انفسخ قبل اتمامه لم يكن للأجير أو الصانع من الأجر الا بحساب ما عمل، ثم ذكر الدردير فرقا بين ما يسمى أجيرا وصانعا فذكر أن بائع منفعة يده ان كان لا يحوز ما فيه عمله كالبناء والنجار فهو أجير وان كان يحوز ما يعمل فيه فان كان لم يدخل فيه شيئا من عنده كالحداد والخياط فصانع وان كان يدخل فيه شيئا من عنده كالصباغ فبائع صانع.
ولا يستحق المؤجر أن يعجل له شئ من الأجر الا بتمكن المستأجر كما لا يستحق الأجير شيئا من أجره الا باتمام عمله فمستأجر الدار لا يلزمه أن ينقد الا بقدر ما سكن ما لم يكن شرط بتعجيل الأجر وكذلك الأجير (١).
واذا ردد المؤجر بين أجرين فى زمنين فسدت الاجارة وذلك نحو أن يقول للأجير الخائط ان خطت ثوبى هذا اليوم فلك نصف دينار وان خطته غدا فلك ربع دينار وذلك للجهل بقدر الأجر فان خاطه لم يكن له الا أجر مثله بالغا ما بلغ ومحل ذلك اذا وقع العقد ملزما ولو لأحدهما فان وقع على الخيار لكل منهما جاز العقد اذ لا عبرة بالغرر مع الخيار فاذا تم الاتفاق على أحد الأمرين كان هو المعقود عليه (٢).
مذهب الشافعية:
يشترط الشافعية فى الأجرة ما يشترط فى ثمن المبيع فيجب أن تكون معلومة جنسا وقدرا وصفة اذا لم تكن معينة فان كانت معينة كفت رؤيتها والاشارة اليها فلا تصح اجارة دار بعمارتها ولا دابة بعلفها ولا سلخ شاة بجلدها ولا طحن بر ببعض دقيقه كثلثه للجهل بثخانة الجلد وسلامته وبنعومة الدقيق وقدره ولعدم القدرة على تسليم الأجرة فى الحال.
والأجرة فى اجارة الذمة كرأس المال فى السلم لأنها فى واقع الأمر سلم فى المنافع، ولذا يجب قبضها فى المجلس ولا يصح الابراء منها ولا أن يستبدل بها غيرها ولا يحال بها ولا يحال عليها ولا تؤجل.
أما فى اجارة العين فهى كالثمن فلا يجب قبضها فى مجلس العقد سواء أكانت دينا أم عينا معينة، واذا كانت دينا جاز الابراء منها والاستبدال بها والحوالة بها وعليها وجاز فيها التعجيل والتأجيل بالشرط واذا أطلقت عن ذكر ذلك وجبت معجلة كثمن المبيع المطلق
стр. 530
لأن المؤجر يملكها بالعقد ولكن لا يستحق استيفاءها الا بالتمكين من العين فان تنازعا فيمن يبدأ به فالحكم فى ذلك حكم البيع واذا كانت الأجرة معينة لم يجز تأجيلها لأن الأعيان لا تقبل التأجيل وملكت فى الحال بنفس العقد كما يملك المستأجر المنفعة به فى اجارة العين ويكون ملك الأجرة ملكا مراعى فكلما مضى جزء من الزمان على السلامة ظهر أن ملك المؤجر قد استقر على ما يقابل ذلك ولا يستقر ملكها كلها الا باستيفاء المنافع كلها أو تفويتها ومتى قبض المكترى العين المكتراة وأمسكها حتى مضت مدة الاجارة استقرت الأجرة عليه وان لم ينتفع ولو لعذر منعه من الانتفاع كخوف أو مرض وذلك لتلف المنفعة تحت يده حقيقة أو حكما، وكذلك لو كان الأجير حرا وسلم نفسه حتى مضت مدة الاجارة استقر له الأجر على مؤجره وان لم يعمل (١) ويتعين محل العقد مكانا لتسليم الأجرة الى المؤجر عينا كانت أم دينا (٢).
مذهب الحنابلة:
يشترط فى الأجر أن يكون معلوما لأنه عوض فى عقد معاوضة فلزم أن يكون معلوما كالثمن فى البيع ان كان يثبت دينا فى الذمة وكالمبيع ان كان أجرا وأن يكون معلوما بوصفه الكاشف عنه ان كان منفعة وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: من استأجر أجيرا فليعلمه أجره والعلم يكون بالرؤية مع الاشارة أو بالصفة وذلك بذكر الجنس والنوع والقدر واذا علم بالمشاهدة وكان ذا أجزاء كالصبرة - أى كونه القمح ونحوه - ولم يعلم قدره ففيه وجهان أشبههما الجواز لأنه عوض معلوم فجازت به الاجارة كما جاز به البيع، والثانى لا يجوز لأن العقد قد ينفسخ بعد تلف الصبرة فلا يدرى بكم يرجع فوجب معرفة القدر لذلك والأول أولى، وكل ما جاز ثمنا فى البيع جاز عوضا فى الاجارة ولذا جاز أن يكون الأجر عينا أو منفعة، واذا كان منفعة جاز أن يكون من جنس المنفعة المعقود عليها كسكنى دار بسكنى دار أخرى وجاز أن يكون من غير جنسها كسكنى دار بزراعة أرض وجازت الاجارة بطعام موصوف ولم تجز الاجارة على سلخ بهيمة بجلدها لأنه لا يدرى أيخرج سليما أم معيبا ثخينا أم رقيقا فان سلخت وجب أجر المثل، ولو استأجر راعيا لرعى غنم بثلث لبنها أو صوفها لم يجز نص عليه أحسد لأن الأجر غير معلوم وليس هذا كدفع دابة الى من يعمل عليها بنصف ربحها لأنه انما جاز تشبيها بالمضاربة لأنها عين تنمى بالعمل فجاز اشتراط جزء من النماء لمالكها، والأمر فى الغنم ليس كذلك لأن النماء الحاصل فى الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها فلم يجز الحاقه بذلك ولكن ان استأجره على رعيها مدة معلومة بنصفها صح لأن العمل والأجر كلاهما معلوم ويكون النماء بينهما بحكم الملك لأنه ملك الجزء الذى جعل أجرا منها فى الحال فكان له نماؤه، واختلفت الرواية عن أحمد فيمن استأجر أجيرا بطعامه وكسوته أو جعل له أجرا وشرط معه طعامه وكسوته فقد روى عنه جواز ذلك وهو مذهب مالك واسحاق وروى عن أبى بكر وعمر وأبى موسى رضى الله عنهم أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم وروى عنه أيضا أن ذلك انما يجوز
стр. 531
فى الظئر فقط دون غيرها واختاره القاضى وروى عنه رواية ثالثة هى أن ذلك لا يجوز بحال لا فى الظئر ولا فى غيرها للجهالة، وفى اغاثة اللهفان (١): يجوز استئجار الدابة بعلفها والمرضع بنفقتها وهو مذهب مالك ومنعه الشافعى وجوزه أبو حنيفة فى المرضع دون غيرها، ولا بأس فى الاستئجار على حصد الزرع بجزء مشاع منه وتجوز الاجارة اذا كان الأجر معلوما بالعرف والعادة وان لم يذكر فى العقد، فمن دفع ثوبه الى خياط ليخيطه أو قصار ليقصره من غيره عقد بلفظ ولا شرط ولا تعريض بأجر مثل أن يقول له خذ هذا فخطه أو اقصره وأنا أعلم أنك انما تعمل ذلك بالأجر وكان الخياط أو القصار محترفين لذلك ففعلا فلهما الأجر المعتاد لأن العرف الجارى بذلك يقوم مقام القبول فصار كما لو دخل حماما أو جلس فى سفينة فنقلته اذ شاهد الحال يقتضيه فحل ذلك محل الاتفاق بالعبارة، فأما اذا لم يكونا محترفين لذلك لم يستحقا الأجر الا بالشرط أو بالتعريض به لأنه لم يجر عرف يقوم مقام العقد فكان العمل تبرعا نص على ذلك احمد، واذا قال شخص لخياط: ان خطت هذا الثوب اليوم فلك ربع دينار وان خطته غدا فلك نصف ذلك لم تصح الاجارة لأن العقد واحد تردد العوض فيه بين أمرين فثبتت فيه الجهالة وتجب الأجرة بنفس العقد فتثبت فى الذمة وان تأخرت المطالبة بها كالثمن والصداق سواء أكانت فى اجارة عين أم فى اجارة ذمة ويجوز اشتراط تأجيلها أو تعجيلها اذا كانت دينا كما يجوز العقد دون اشتراط تأجيل أو تعجيل (٢).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم فى المحلى: وتجوز الاجارة بكل ما يحل ملكه وان لم يحل بيعه كالكلب والهر والماء والثمرة التى لم يبد صلاحها والسنبل الذى لم ييبس فتستأجر الدار بكلب معين أو كلب موصوف فى الذمة أو بثمرة قد ظهرت ولم يبد صلاحها وبماء موصوف فى الذمة أو معين محرز أو بهر كذلك، وقياس الاجارة على البيع فى ذلك باطل (٣) واجارة المنفعة بالمنفعة جائزة كمن أجر سكنى دار بسكنى دار أخرى أو خدمة عبد بخدمة عبد آخر أو سكنى بخدمة أو بخياطة فكل ذلك جائز اذ لم يأت نص بالنهى عن ذلك وهو قول مالك خلافا لأبى جنيفة الا أن تختلف المنفعتان وكذلك الدواب ويستحق من الكراء بقدر ما قطع من الطريق لأن العمل الذى هو محل العقد محدود، وقال مالك: لاكراء الا أن يبلغ الغاية وهذا خطأ لأنه تسخير بلا أجرة وبلا طيب نفس وهذا لا يعضده قرآن ولا سنة ولا قياس وليس له وجه، ولا تجوز الاجارة الا بمضمون مسمى محدود فى الذمة أو بعين معينة متميزة معروفة الحد والمقدار وقال مالك: يجوز كراء الأجير بطعامه واحتج بخبر أبى هريرة: كنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطنى وعقبة رجلى.
стр. 532
قال أبو محمد: وهذا لا دليل فيه فقد يكون هذا تكارما من غير عقد والا فمقدار الأجر ها هنا مجهول لاختلاف الناس فى الأكل اختلافا متفاوتا.
مذهب الزيدية:
ويشترط فى الأجرة العلم بها ويكون العلم بها بالاشارة اليها أو ببيان جنسها ونوعها وقدرها وكل ما يعلم به الثمن فى البيع ويصح أن تكون عينا معينة وأن تكون دينا فى الذمة ويصح أن تكون منفعة مثل أن يستأجر دارا سنة بزراعة قطعة أرض معينة سنة، فان اختلفت المنفعتان فذلك جائز باتفاق أئمة الزيدية وان كانت من جنس واحد كسكنى دار بسكنى دار أخرى فالمذهب جواز ذلك وهو قول القاسم ويحيى، وجاء فى الكافى عن أكثر الأصحاب: أن ذلك لا يجوز وما يصلح أن يكون ثمنا فى البيع يصلح أن يكون أجرة فى الاجارة وما لا يصلح ثمنا لا يصلح أجرة وقال الصادق والناصر:
لا تصح اجارة الأراضى بالطعام وتملك الأجرة فى الاجارة الصحيحة بالعقد، وجاء فى شرح الابانة أنها لا تملك بالعقد بل لا بد من القبض وسيأتى تفصيل ذلك، ويصح الاستئجار على حمل طعام ببعض المحمول كنصفه أو ثلثه وعلى رعى الغنم بثلثها نص على ذلك الهادى، وروى عن على فى المنتخب وقال زيد بن على والناصر: لا يصح لأنها اجارة على حمل ملك نفسه وملك غيره، أما لو استأجره على حمل نصف هذا الطعام بنصفه فلا خلاف فى صحة ذلك، ولو استأجر من ينسج له غزلا بنصف المنسوج بعد العمل لم يصح، ذكره الهادى وعلى (١).
الشيعة الإمامية:
الأجرة لازمة فى عقد الاجارة وركن فيه ويشترط أن تكون معلومة بالوزن أو الكيل فيما يدخلانه بعد معرفة جنسها ونوعها أو المشاهدة مع الاشارة وفى الاكتفاء بالمشاهدة عن بيان مقدارها بالكيل أو بالوزن فيما يدخلانه اشكال وجزم الشيخ بجواز الاكتفاء بها وما جاز أن يكون ثمنا فى البيع جاز عوضا فى الاجارة فجاز أن تكون الاجارة عينا أو منفعة اختلف جنسها مع المنفعة المعقود عليها أو اتفق كسكنى دار بسكنى دار أخرى وكاستخدام بسكنى وجاز فيها الاطلاق بشرط وصفها وصفا يرفع الجهالة، وأن تكون معينة موصوفة معلومة المقدار، وجازت بطعام موصوف، واستئجار دار بعمارتها جائز مع التعيين والا فلا، واستئجار سلخ شاة بجلدها لا يجوز، وقال الشيخ:
يجوز، واستئجار على رعى غنم مدة معينة بنصفها أو بشاة معلومة منها جائز، والنماء بين العاقدين من حين العقد على النسبة، وفسدت لو استأجر بلبنها أو نسلها كما يفسد استئجار الأجير بطعامه وكسوته سواء أكان ظئرا أم غيرها، ولو عين الطعام والكسوة بما يرفع الجهالة جاز بشرط تعيين وقت الدفع، واستئجار الدابة بعلفها جائز ان عين والا لا، ولو استأجره لحصد الزرع بجزء معلوم منه كالسدس
стр. 533
جاز وكذلك اذا استأجر الطحان بالنخالة أو بقفيز منها فان ذلك جائز، واذا استأجر الخياط لخياطة ثوب بدرهم ان خاطه اليوم وبنصف درهم ان خاطه الغد فللشيخ فى صحة هذه الاجارة قولان أحدهما الجواز، وله المسمى، وثانيهما الجواز فى اليوم الأول والفساد فى اليوم الثانى فله فيه أجر المثل لا يزاد على درهم ولا ينقص عن نصف درهم، ولو قيل بالبطلان فيهما وثبوت أجر المثل كان وجيها (١).
مذهب الإباضية:
يشترط الإباضية لصحة الاجارة العلم بالأجرة كما يشترطون العلم بالمنفعة المعقود عليها لأنهما عوضان فى عقد معاوضة يعتمد على التراضى ويجوز أن يكون الأجر عملا على عمل من جنسه أو من غير جنسه كاجارة على حرث أرض بحرث أرض أخرى فى زمن آخر واجارة على حرث أرض بحفر بئر، ومنع أصحاب الديوان أن يكون الأجر منفعة وقالوا لا يجوز الكراء الا بكيل معلوم مما يكال أو يوزن أو يعد أو يمسح كالأرض أو بما يشاهد وان جهل كيله أو وزنه أو عدده أو مساحته مع العلم بنوعه والا لم يجز، وكل ما يجوز البيع به تجوز به الاجارة ويجوز فى الأجر أن ينقد وقت العقد وأن يؤخر نقده عنه، واذا كان على عمل كان نقده بعد الفراغ منه الا اذا كان منجما فعلى نجومه كأن يقول المؤجر: كل يوم بكذا أو كل شهر أو كل متعدد من ذلك فاذا تمت مدة نقدت أجرتها، ولا تجوز الاجارة بالمجهول غير الحاضر كالثياب والأوانى (٢)، ومن الإباضية من أجاز بيع المنافع ومن استؤجر بعمل معين على أنه ان عمله اليوم فأجره دينار وان عمله غدا فأجره نصف دينار سواء اقتصر على ذلك أم زاد فقال وان عملته بعد غد فلك ربع دينار أو قال له المؤجر ان عملته اليوم فلك هذه الدابة، وان عملته غدا فلك هذه الدابة مشيرا الى أخرى أو قال له المؤجر: ان ركبت هذه الدابة الى بلدة كذا فالأجر نصف دينار وان ركبتها الى بلدة كذا وهى أبعد من الأولى فالأجر دينار ففى جواز ذلك وعدم جوازه قولان كما هو حكم ذلك فى البيع يخير فيه بين سلعتين بثمنين والمختار المنع كما فى البيع.
تأجيل الأجر وتعجيله
اذا كان عقد الاجارة خاليا مما يدل على وجوب تعجيل الأجر أو تأجيله ولم يكن عرف يوجب تأجيلا أو تعجيلا فان استحقاق المؤجر للأجرة لا يثبت الا عند استيفاء المستأجر المنفعة المعقود عليها عند الحنفية على الوضع الذى سنبينه ولكن اذا عجلها المستأجر فى هذه الحال فدفعها الى المؤجر فانه يتملكها فى جميع الأحوال دون انتظار لاستيفائه المنفعة ولم يكن له حينئذ أن يستردها وذلك محل اتفاق بين جميع المذاهب، واذا شرط فى عقد الاجارة تعجيل الأجرة صح هذا الشرط ولزم ووجب
стр. 534
الوفاء به اذا كان العقد منجزا وعندئذ يكون للمؤجر أن يمتنع من تسليم العين المستأجرة الى أن تؤدى اليه الأجرة المشترط تعجيلها سواء أكانت دينا أم عينا معينة فان لم تؤد اليه كان له حق طلب فسخ الاجارة بسبب ذلك ويتملكها المستأجر حينئذ بالشرط فتكون ملكا له منذ انشاء العقد، ولا يعد هذا الشرط منافيا لمقتضى العقد بالنظر الى أنه عقد معاوضة يقتضى المساواة بين البدلين فى ثبوت الملك فى كل منهما فى وقت واحد لأن ذلك انما يكون عند خلوه من شرط التعجيل، أما عند اشتراطه فمقتضاه معاوضة بشرط التعجيل اعتبارا بشرطهما لقوله ﷺ : المسلمون عند شروطهم ويكون اشتراط التعجيل اسقاطا لحقه فى المساواة بين البدلين كاشتراط تأجيل الثمن فى البيع يعتبر اسقاطا لحقه فى قبض الثمن حالا ويكون للمؤجر حينئذ أن يحتبس ما وقع عليه العقد حتى يستوفى الأجر وهذا ما ذكره الكرخى فى جامعه اعتبارا بحق البائع فى حبس المبيع الى أن يستوفى الثمن لأن المنافع فى الاجارة كالمبيع فى البيع، والأجر فى الاجارة كالثمن فى البيع، ولا يقال: لا فائدة فى هذا الحبس لأن الاجارة اذا وقعت على مدة وحبس المؤجر العين بطلت الاجارة فيها أو فى مدة حبسها اذ أن حبسها وسيلة الى أدائها، فاذا أصر المستأجر على عدم الأداء كان للمؤجر الفسخ ويلاحظ أن هذا لا يجرى فى الاجارة على المسافة فيما اذا أجر دابة مسافة معلومة لأنه لا يترتب على حبس الدابة انتهاء مدة تبطل بفواتها الاجارة وانما يترتب عليه اتخاذه حاملا على أداء الأجرة على وفق الشرط والا كان للمؤجر حق الفسخ وكذلك يكون للأجير اذا لم تسلم اليه الأجرة فى هذه الحال أن يمتنع عن العمل المعقود عليه حتى يستوفى أجرته طبقا للشرط ويكون له حق الفسخ اذا لم تؤد اليه أما فى الاجارة المضافة فان اشتراط تعجيل الأجر فيها غير صحيح ولا يترتب عليه أثر لأنه فى هذه الحال يتنافى مع ما صرح به فى العقد بالنظر الى اضافته اذ معنى اضافته ارجاء آثاره ومن آثاره قبض الأجرة واستحقاقها فيكونان مرجأين باضافته الى وقت الاضافة واشتراط التعجيل مخالفة لذلك المعنى والغاء له ولأن العقد المضاف الى وقت لا يكون موجودا بالنظر الى آثاره قبل حلول ذلك الوقت ولا يجوز أن يتغير معناه هذا بالشرط فيعد موجودا موجبا لتعجيل الأجرة فى حين أنه غير موجود فلا يصح الشرط لذلك والشروط الفاسدة تفسد عقد الاجارة وعند عدم الاضافة لا يجب تعجيل الأجر لاقتضاء العقد المساواة بين العوضين وهو فى هذه الحال ليس بمضاف صريحا فيبطل هذا عند التصريح بخلافه وذلك باشتراط التعجيل واذا شرط تأجيل الأجرة صح ذلك الشرط سواء أكانت الاجارة منجزة أم مضافة غير أنه يلاحظ ألا يكون مع اشتراط تأجيلها حال اضافتها ما يستوجب تعجيلها الى وقت قبل الوقت الذى أضيفت اليه لما نقدم بيانه ويجوز فى هذه الحال أن يكون تأجيلها الى ما بعد انقضاء مدة الاجارة اذ أن ذلك يتسق مع مقتضى العقد فيما ذهب اليه الامام لأن الأجرة لا تجب عنده الا فى آخر المدة فلا حرج أن تؤجل الى ذلك الوقت أو بعده وكذلك الوضع على القول بأنها انما تجب شيئا فشيئا لأنها فى وضعها كالثمن فى
стр. 535
البيع يجوز فيه التأجيل الى الوقت الذى يتم الاتفاق عليه ومقتضى قولهم أن الأجرة فى الاجارة اذا كانت عينا كانت كالمبيع فى البيع أنها لا تقبل التأجيل فى هذه الحال الى ما بعد استحقاقها واذا عجلت الأجرة فى هذه الحال صح ذلك لأن التأخير فى أدائها انما ثبت حقا للمستأجر باشتراطه فيملك ابطاله بالتعجيل كما لو كان عليه دين مؤجل فعجله ولأن العقد سبب لاستحقاق الأجرة فاذا ما استحقت بالتعجيل فقد استحقت بعد انعقاد سبب الاستحقاق وتعجيل الحكم قبل الوجوب وبعد وجود سبب الاستحقاق جائز واذا لم يكن شرط وكان عرف وجب اتباع العرف فاذا اقتضى تأجيلا أو تعجيلا كان الأمر كما يقتضى (١)، وقد سبق بيان مذهب المالكية عند كلامنا على الأحكام المتعلقة بالاجارة اذا ما كانت الأجرة دينا أو عينا.
مذهب الشافعية:
ذهب الشافعية الى وجوب قبض الأجرة فى مجلس العقد فى اجارة الذمة وهى اجارة موصوف من دابة ونحوها لحمل أو ركوب ونحو ذلك أو عامل لالزامه فى ذمته بعمل من الأعمال كخياطة وبناء لأن الأجرة فى هذه الحال كرأس مال فى سلم اذ أن الاجارة فى مثل ذلك تعد سلما فى المنافع فيجب قبضها فى المجلس ولا يصح الابراء منها ولا أن يستبدل بها ولا يحال بها ولا عليها ولا يجوز تأجيلها سواء تأخر العمل فيها عن العقد أم لا وأما فى اجارة العين كما فى اجارة معين من عقار أو حيوان ونحوها فهى فى الحكم كثمن فى البيع فلا يجب قبضها فى المجلس معينة كانت أو دينا ويجوز أن تشغل بها الذمة كما يجوز حينئذ الابراء منها والاستبدال عنها والحوالة بها وعليها واشتراط تعجيلها واشتراط تأجيلها ان كانت دينا اذ أنها فى حكم الثمن فان كانت معينة لم يجز تأجيلها لأن الأعيان لا تقبل التأجيل (٢).
مذهب الحنابلة:
ذهب الحنابلة الى أن المؤجر يملك الأجرة كاملة فى وقت العقد الا أن يكون شرط بتأجيلها، جاء فى المغنى فى كلامه على أحكام الاجارة: الحكم السادس: اذا شرط تأجيل الأجر فهو الى أجله وان شرط منجما يوما يوما أو نحو ذلك فهو على ماتم الاتفاق عليه لأن اجارة العين كبيعها وبيعها يصح بثمن حال أو مؤجل فكذلك اجارتها (٣).
مذهب الزيدية:
ويرى الزيدية جواز اشتراط تعجيل الأجرة فى الاجارة واشتراط تأجيلها (٤)، واذا لم يشترط فيها تأجيل ولا تعجيل وجبت باستيفاء المنفعة.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم: ولا يجوز اشتراط تعجيل الأجرة ولا تعجيل شئ منها ولا اشتراط تأخيرها الى أجل ولا تأخير شئ منها كذلك ولا يجوز أيضا اشتراط تأخير الشئ المستأجر ولا تأخير العمل المستأجر له طرفة عين فما فوق ذلك لأنه شرط ليس فى
стр. 536
كتاب الله فهو باطل ومن هذا استئجار دار مكتراة أو عبد مستأجر أو دابة مستأجرة أو عمل مستأجر أو غير ذلك كذلك قبل تمام الاجارة التى هو مشغول فيها لأن فى هذا العقد اشتراط تأخير قبض الشئ المستأجر أو العمل المستأجر له وقد أجاز بعض الناس اجارة ما ذكرنا قبل انقضاء مدته باليومين ومنع عند الأكثر وهذا تحكم فاسد ودعوى باطلة بلا برهان وليس الا حراما فيحرم جملة أو الا حلالا فيحل جملة، وقالوا: هو فى المدة الطويلة غرر، فقلنا: وهو أيضا فى الساعة غرر، ولا فرق اذ لا يدرى أحد ما سيحدث بعد طرفة عين الا الله تعالى وأيضا فيكلفون الى تحديد المدة التى لا غرر فيها والمدة التى فيها غرر وأن يأتوا بالبرهان على ذلك والا فهم قائلون فى الدين ما لا علم لهم به فان تأخر كل ذلك بلا شرط فلا بأس به (١).
مذهب الشيعة الإمامية:
يملك المؤجر الأجرة بمجرد العقد مع خلوه من شرط التعجيل أو التأجيل كما يملكها كذلك بالعقد مع اشتراط التعجيل سواء أكان محل العقد منفعة فى الذمة أو منفعة عين معينة ولا يشترط فى ذلك استيفاء المنفعة ولا مضى وقتها، واذا كانت الاجارة على عمل ملك المؤجر الأجر بالعقد أيضا وفى استحقاق قبضه قبل العمل نظر، واذا اشترط تأجيل الأجر صح الشرط أن يكون الأجل مضبوطا ولو شرطه منجما يوما بيوم أو شهرا بشهر مثلا جاز ولو خالف فى توقيت النجوم صح أيضا بشرط الضبط (٢).
مذهب الإباضية:
ذهب الإباضية الى جواز تأجيل الأجر بشرط أن يكون الأجل معلوما كما ذهبوا الى جواز الاجارة على أن يكون العمل والأجر الى أجل معلوم أو على أن يكون العمل الى أجل معلوم وأن يكون الأجر غير مؤجل بل ينقد فكل ذلك جائز على ما اتفق عليه العاقدان (٣) وجاء فى شرح النيل أيضا أن ما قيل من أن عدم قبض الأجر فى مجلس العقد يؤدى الى الشبه ببيع الدين بالدين، وأن ذلك يوجب بطلان العقد حينئذ نظر ضعيف للاجماع على جواز الاجارة بلا قبض ولم نر أحدا منعها أو أبطلها اذا لم يحدث فى المجلس قبض وفى الأثر من عمل بالاجارة الى أجل جاز ولو عمل ذهبا أو فضة بوزن من الذهب أو الفضة لأنه عمل لا يدخله الربا (٤):
٥ - الاجارة - صفتها - حكمها:
الاجارة قد تكون صحيحة، وقد تكون غير صحيحة - فالصحيحة هى ما توافرت فيها جميع شروط انعقادها وصحتها وكذلك شروط نفاذها على ما ذهب اليه الشافعية ومن رأى رأيهم وغير الصحيحة خلافها، ومرد ذلك الى اختلاف اصطلاح الفقهاء فيما يعد صحيحا من العقود وما يعد غير صحيح منها فالحنفية ومن يرى رأيهم يرون أن العقد الصحيح هو ما كان سببا صالحا لترتب آثاره الشرعية عليه، وذلك عند ما يتحقق معناه وتسلم أركانه ومحله ولم يعرض له من الأوصاف ما يجعله منهيا عنه شرعا، وغير الصحيح ما كان على خلاف ذلك فأصابه الخلل بنقص بعض أركانه أو لعدم وجود
стр. 537
محله أو لانتفاء معناه أو لعدم سلامته مما اقتضى كراهة الشارع له فنهى عنه، غير أن الحنفية يقسمون غير الصحيح قسمين: فاسد وباطل فان كان عدم صحته لخلل فى أركانه أو محله أو لانتفاء معناه كان هو الباطل وان كان لصفة فيه كرهها الشارع فنهى عنه فهو الفاسد ويقولون أنه ما شرع بأصله لا بوصفه وغير الحنفية لا يفرقون فى الحكم بين الحالين، وعلى هذا الأساس ذهب الحنفية الى أن الاجارة قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة وقد تكون باطلة ولكل نوع من هذه الأنواع حكمه وذهب غيرهم الى أنها اما صحيحة واما غير صحيحة ولكل من هذين النوعين حكمه «راجع مصطلح عقد».
الاجارة الصحيحة:
صفتها:
جمهور الفقهاء على أنها عقد لازم ما عدا بعض الإباضية وشريح وغيرهم ممن سيأتى ذكرهم فقد كان شريح يرى أنه يفيد اباحة لا ملكا والاباحة لا توصف باللزوم ولذا كان يرى جواز فسخها بلا عذر من أحد طرفيها أما من يرى لزومه من الفقهاء فيرى أنه لا يجوز لأحد عاقديه أن يستبد بفسخه وانما يفسخ باتفاقهما وهذا ما يسمى بالاقالة، ويكون لازما اذا ما خلا من الخيارات التى تجيز فسخه كخيار الشرط والرؤية والعيب انظر مصطلح «خيار» وفيما يلى بيان المذاهب فى ذلك.
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن عقد الاجارة عقد لازم فاذا اقترن القبول فيه بالايجاب تم العقد ولزم ولم يجز لأحد العاقدين أن ينفرد بفسخه متى كان خاليا من خيار الشرط أو خيار الرؤية أو خيار العيب أو غيرها من الخيارات وما يستوجب فسخه من الأعذار التى سيأتى بيانها غير أنه اذا كان مضافا كأن يؤجره داره التى فى جهة كذا ابتداء من السنة التى تلى سنة العقد فقد اختلف الحنفية فى لزومها قبل مجئ وقت اضافتها، ذهب بعضهم الى أنها تكون لازمة فلا يملك المؤجر أن يتصرف فى العين المستأجرة بمجرد تمام العقد باخراجه عن ملكه وذهب آخرون الى عدم لزومها فأجاز أن يتصرف فى العين المؤجرة بما يخرجها عن ملكه والقولان مصححان كما جاء فى الدر المختار ونقل ابن عابدين عن الخانية «لو كانت الاجارة مضافة الى الغير ثم باع من غيره قال فى المنتقى فيه روايتان والفتوى على أنه يجوز البيع وتبطل الاجارة المضافة وهو اختيار الحلوانى ثم قال: والظاهر عدم لزومها من الجانبين لا من جانب المؤجر فقط فلكل فسخها كما هو مقتضى اطلاقهم» (١).
مذهب المالكية:
ويرى المالكية أنها عقد لازم كالبيع متى كان العاقد لها رشيدا مكلفا سواء أكانت منجزة أم مضافة (٢) فقد جاء فى الشرح الصغير وشرط لزومها التكليف والرشد والطوع (٣).
مذهب الشافعية:
ويرى الشافعية أنها عقد لازم كذلك فلا يستقل أحد العاقدين بفسخها.
стр. 538
مذهب الحنابلة:
يرى الحنابلة - أنها عقد لازم أيضا فقد جاء فى المغنى: والاجارة عقد لازم من الطرفين ليس لواحد منهما فسخها لأنها عقد معاوضة كالبيع سواء أكان له عذر أم لا (١) - ولذا يلزم مؤجر العين بتسليمها الى مستأجرها ويلزم الأجير بالعمل الذى استؤجر عليه فاذا هرب الأجير أو شردت الدابة أو هرب بها المؤجر لم تنفسخ الاجارة وانما يثبت للمستأجر خيار الفسخ فان فسخ فلا كلام وان لم يفسخ وعادت العين فى أثناء المدة كان له أن ينتفع بها ليستوفى ما بقى له واذا كانت الاجارة على عمل فى الذمة استؤجر من مال الأجير من يقوم به فان تعذر كان للمستأجر الفسخ (٢).
مذهب الظاهرية:
ويرى ابن حزم من أهل الظاهر - أنها عقد لازم كذلك فقد جاء فى المحلى: وقد روى عن شريح والشعبى وصح عنهما أن كل واحد من طرفيها ينقض الاجارة اذا شاء قبل تمام المدة وان كره الآخر وكانا يقضيان بذلك ولا نقول بهذا لأنه عقد عقداه فى مال يملكه المؤاجر فهو مأمور بانفاذه وكذلك معاقده ما داما حيين وما دام ذلك الشئ فى ملك من أجره (٣).
مذهب الزيدية:
ويرى الزيدية - أنها عقد لازم يجبر الممتنع عنه على المضى فيه والوفاء لصاحبه بما يستحقه ولا ينفسخ بموت أحدهما (٤).
وجاء فى شرح الأزهار: - ان الأصم وابن علية والنهروانى والقاسانى يرون أنها عقد غير لازم (٥).
مذهب الإمامية:
يرى الشيعة الإمامية - أنها عقد لازم أيضا فقد جاء فى تحرير الأحكام (٦): وهى عقد لازم من الطرفين ولا يبطل الا بالتقايل أو أحد الأسباب الموجبة للفسخ كوجود عيب فى الأجر المعين أو فى العين المستأجرة أو افلاس المستأجر له ولا تنفسخ بالأعذار.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: هل عقد الاجارة لازم كالبيع والرهن سواء قبضت الأجرة أم لم تقبض شرع فى العمل أم لم يشرع فيجبر لذلك الأجير على العمل والمستأجر على نقد الأجرة؟ هذا هو الظاهر بالنظر الى القياس على سائر العقود وللأمر بالوفاء بالعهود، وقيل هو جائز - أى غير لازم - ولكل من العاقدين الرجوع فيه ولو بعد قبض الثمن والدخول فى العمل ما لم يتمه وهو ظاهر قول أبى زكريا فى كتاب الأحكام وقيل اذا قبضت الأجرة لزم العقد ولو لم يدخل فى العمل ويجبر حينئذ على العمل وقيل اذا دخل فى العمل لزم العقد ولو لم ينقد الأجرة وقيل اذا دخل فى العمل ونقد الأجرة لزم.
وفى الديوان: فتحصل فى عقد الاجارة انه لازم مطلقا أو جائز مطلقا وهو المعمول به فى بلادنا أو لازم بالشروع فى العمل أو
стр. 539
بالشروع فى العمل مع قبض الأجر أو لازم بالقبض ولو بلا شروع أقوال ثم قال والصحيح عندى القول باللزوم مطلقا (١).
حكمها:
مذهب الحنفية:
الاجارة اما صحيحة واما فاسدة واما باطلة.
حكم الصحيحة:
اذا ما استوفت الاجارة شروط نفاذها فنفذت ترتب عليها آثارها الآتية، وقبل ذكر هذه الآثار نلخص ما ذكره الحنفية فى حكم الاجارة المطلقة فقد قالوا ان حكمها لا يثبت بنفس العقد لأن العقد فى حق الحكم ينعقد على حسب حدوث المنافع فكان العقد فى حقه مضافا الى حين حدوث المنفعة فيثبت حكمه عند ذلك، ولأن المنفعة لا تحدث فى وقت واحد بل تحدث متجددة بتجدد الزمن كان ثبوت الحكم أيضا على هذا الوضع وكان عقد الاجارة بمثابة عقود متجددة بتجدد المنافع والزمن ومن ثم لم يكن لمستأجر العين اذا ما أخر مالكها تسليمها اليه فلم يسلمها الا بعد مضى بعض المدة أن يمتنع عن تسلمها فى باقى المدة للانتفاع بها الا اذا ترتب على ذلك ضرر بأن كان له غرض صحيح فى انتفاعه بالعين فى الجزء المنقضى من المدة (٢).
أما الآثار التى وعدنا بذكرها فهى.
أولا - تسليم البدلين - المنفعة والأجر - أما تسليم المنفعة التى هى محل العقد فانه يتم بتسليم العين التى وقع عليها العقد أو التى تطلب منها المنفعة فى اجارة الأعيان كما فى اجارة الدور والدواب والآلات والثياب وتقوم التخلية بين العين وبين المستأجر مقام تسليمها اليه حيث لا يكون مانع من أن يتسلمها تسلما يؤدى الى الانتفاع بها كما يتم أيضا بتسليم العين محل العمل المستأجر عليه منفذا فيها العمل فى اجارة الأجراء المشتركين وبتسليم الأجير الخاص نفسه فى اجارة الأجراء الوحديين - أى الخاصين - ويجب أن يتم ذلك اثر العقد اذا ما كانت الاجارة منجزة ولم يكن فيها خيار شرط فان كانت مضافة وجب ذلك الأثر عند مجئ الوقت الذى أضيفت اليه وان كان فيها خيار شرط وجب عند انتهاء الخيار ويكون تسليم محل العقد وهو المنفعة ابتداء على الوجه الذى شرحناه متى لم يكن هناك شرط بتعجيل الأجرة أما اذا شرط تعجيل الأجرة فلا يحق ذلك التسليم الا بدفع الأجرة فعلا (٣).
وأما تسليم الأجرة فان كان هناك شرط بتعجيلها أو بتأجيلها لزم فلا تسلم الا فى موعدها على حسب الشرط فاذا شرط تعجيلها وجب البدء بتسليمها الى المؤجر وكان له أن يمتنع من تسليم العين المطلوبة منفعتها كما يكون للأجير أن يمتنع من العمل حتى تؤدى الأجرة اليهما تنفيذا للشرط لأنهما لما شرطا تعجيل
стр. 540
الأجرة لزم اعتبار شرطهما لحديث: المسلمون عند شروطهم، وتملك المؤجر أو الأجير البدل كما قدمنا وجاز تصرفه فيه بالهبة والابراء والشراء وبكل تصرف يملكه البائع فى الثمن واذا شرط تأجيلها صح الشرط ووجب على المؤجر أن يسلم الى المستأجر ما وقع العقد عليه دون أن يكون له حق فى طلب الأجرة الا حين يحل وقت دفعها كما يجب على الأجير العمل كذلك دون طلب للأجرة ويلاحظ أن شرط التعجيل فى الاجارة المضافة شرط فاسد على ما بيناه سابقا لمخالفته لمقتضى العقد وانه لذلك يكون مفسدا للعقد، اما اذا لم يكن فى العقد شرط يقضى ذلك فكان العقد مطلقا فان الأجرة يجب تسليمها حينئذ عند استحقاقها للمؤجر أو للأجير وهى لا تستحق الا بتملكها وذلك ما سيأتى بيانه فيما يلى. وعندئذ يجب البدء بتسليم ما وقع عليه العقد فيجب على المؤاجر تسليم العين المستأجرة ويجب على الأجير تسليم نفسه أو الوفاء بالعمل المطلوب منه وهذا اذا كانت الاجارة منجزة أما اذا كانت مضافة فلا يتأتى فيها اشتراط التعجيل للأجرة لما مر وانما يصح فيها التأجيل الى ما بعد انتهاء الاجارة أو الاطلاق وفى هذين الحالين يكون حكم تسليمها هو نفس الحكم فى الاجارة المنجزة عند التأجيل أو الاطلاق.
ثانيا - ملك المنفعة والأجرة، أما ملك المنفعة فلا يجب بالعقد وحده لأن المنافع معدومة والمعدوم لا يملك وانما يتحقق بالعقد عند استيفائها لأن ذلك هو وقت وجودها فكلما استوفى المستأجر قدرا من المنافع تملكه ولهذا كان حكم عقد الاجارة بالنسبة للتملك مرجأ الى وقت الاستيفاء سواء فى المنجزة والمضافة - أما ملك الأجرة فانما يثبت عند تملك المنفعة أو عند تعجيلها أو عند اشتراط تعجيلها فالأجرة عند الحنفية لا تملك بالعقد الا بأحد معان ثلاثة، أحدها: شرط تعجيلها فى العقد ثانيها: تعجيلها من غير اشتراط ثالثها: استيفاء ما يقابلها وهو المعقود عليه.
فأما تملكها باستيفاء ما يقابلها من المعقود عليه فلأن عقد الاجارة عقد معاوضة ومقتضى المعاوضة المطلقة عدم ثبوت الملك فى أحد العوضين دون الآخر فاذا لم يثبت فى أحدهما لم يثبت فى الآخر اذ لو ثبت فيه لم تكن المعاوضة حقيقة اذ لا يقابله حينئذ عوض والمساواة فى عقود المعاوضات مطلوبة للعاقدين ولا مساواة الا بثبوت الملك فى العوضين فى وقت واحد ولما كانت المنفعة معدومة عند انشاء العقد ولم يثبت الملك فيها عند انشائه لذلك لم يثبت أيضا فى الأجرة فى الحال كدين فى ذمة المستأجر ان كان الأجر غير عين كما يثبت فيها فى الحال ان كانت عينا تحقيقا للمساواة التى هى مقتضى المعاوضة - وقد كان أبو حنيفة يقول أولا ان الأجرة لا تجب الا بعد مضى مدة الاجارة ان كان هناك مدة أو بعد استيفاء المنفعة ان لم تكن مدة وهو قول زفر ثم رجع فقال انها تجب يوما فيوما عند وجود مدة أو حالا فحالا عند الاستئجار على قطع المسافات وهكذا، وذكر الكرخى أنه تسلم أجرة كل مرحلة اذا انته اليها فى قطع المسافات وهو قول الصاحبين ووجه قول الامام الأول أن منافع المدة أو المسافة من حيث أنها معقود عليها شئ واحد فما لم يستوفها كلها لا يجب شئ
стр. 541
من بدلها كمن يستأجر خياطا ليخيط له ثوبا فخاط بعضه فلا يستحق الأجر حتى يخيطه كله ووجه قوله الثانى وهو المشهور أن ملك البدل وهو المنفعة انما يحدث على حسب حدوثها شيئا فشيئا فكذلك ما يقابله وهو الأجر ومقتضى هذا أن تسليم الأجر يجب ساعة فساعة الا أن ذلك متعذر فاستحسن فقال يوما فيوما ومرحلة فمرحلة لأنه أيسر وعن أبى يوسف فيمن استأجر بعيرا الى مكة أنه عليه من الأجر ثلث الطريق أو نصفه اذا بلغ ذلك استحسانا ووجهه أن السير الى ثلث الطريق أو نصفه منفعة مقصودة فى الجملة فاذا وجد ذلك القدر لزمه تسليم بدله وعلى هذا يخرج ما اذا أبرأ المؤاجر المستأجر من الأجر أو وهبه له فانه لا يجوز فى قول أبى يوسف عينا كان الأجر أو دينا وقال محمد ان كان دينا جاز ووجه قول أبى يوسف ان الأجر لم يملكه المؤاجر بمطلق العقد الخالى من شرط التعجيل ولا ابراء عما ليس بمملوك للمبرئ وكذلك لا تصح الهبة اذ هبة غير المملوك للواهب غير صحيحة ووجه قول محمد ان الابراء لا يصح الا بقول من المبرأ فاذا قبل المستأجر فقد قصدا صحة الابراء ولا صحة له الا بثبوت الملك فيثبت له الملك بمقتضى التصرف تصحيحا له وأيضا الابراء اسقاط واسقاط الحق بعد وجود سبب الوجوب جائز كالعفو عن القصاص بعد الجرح المؤدى الى الموت وسبب الوجوب هنا موجود وهو العقد ولو أبرأه عن بعض الأجرة جاز فى قولهما أما على أصل محمد فانه يجوز ابراء الكل فأولى أن يجوز الابراء من البعض وأما على أصل أبى يوسف فلأن ذلك حط من الأجرة فيلحق بأصل العقد وحط الكل لا يمكن الحاقه بأصل العقد ولا سبيل الى تصحيحه للحال لعدم الملك واذا كانت الأجرة عينا من الأعيان ووهبها المؤجر للمستأجر قبل استيفاء المنافع لم يكن ذلك نقضا لعقد الاجارة عند أبى يوسف وذلك لعدم صحة الهبة لعدم الملك فالتحقت بالعدم وقال محمد ان قبل المستأجر الهبة بطلت الاجارة وان ردها لم تبطل ذلك لأن الأجرة اذا كانت عينا كانت فى حكم المبيع وما يقابلها فى حكم الثمن والمشترى اذا وهب المبيع قبل القبض من البائع فقبله يبطل البيع كذا هنا أما اذا رد المستأجر الهبة لم تبطل الاجارة لعدم تمام الهبة فاذا ردت التحقت بالعدم هذا اذا وقع العقد خاليا عن شرط تعجيل الأجرة فاما اذا شرط فيه تعجيلها فانها تملك بالشرط ووجب التعجيل وذلك لأن ثبوت الملك فى العوضين فى زمن واحد واجب لتحقق معنى المعاوضة المطلقة وتحقيق المساواة التى هى مطلوب العاقدين فاذا شرط التعجيل لم تكن المعاوضة المطلقة هى المطلوبة بل المطلوب معاوضة معتبرة بشرط التعجيل فيجب اعتبار شرطها لقوله ﷺ . المسلمون عند شروطهم فثبت الملك فى العوض قبل ثبوته فيما يقابله وللمؤجر حينئذ حبس ما وقع عليه العقد حتى يستوفى الأجرة ذكره الكرخى فى جامعه لأن المنافع فى باب الاجارة كالمبيع فى باب البيع والأجرة فى الاجارة كالثمن فى البيع وللبائع حبس المبيع الى أن يستوفى الثمن فكذلك للمستأجر حبس المنفعة الى أن يستوفى الأجرة المعجلة فان قيل لا فائدة فى هذا الحبس لأن الاجارة اذا وقعت على مدة فحبست فيها المنفعة بطلت الاجارة فى تلك المدة ولا شئ فيها من الأجر
стр. 542
فلم يكن الحبس مفيدا فالجواب ان الحبس يفيد من ناحية أنه مصاحب بطلب الأجرة فاما أن يعجل واما فسخ العقد على أن هذا لا يلزم عند ما تكون الاجارة على المسافة اذ لا يبطل العقد هنا بالحبس واذا شرط فى عقد الاجارة أن لا تسلم الأجرة الا بعد انقضاء مدة الاجارة أو بعد الاستيفاء فهو جائز لأنه شرط صحيح موافق لمقتضى العقد أما اذا عجل الأجرة من غير شرط فلأنه لما عجل فقد غير مقتضى مطلق العقد وله هذه الولاية لأن تأخيرها ثبت حقا له فيملك ابطاله بتعجيلها كما لو كان عليه دين مؤجل فعجله وبالاضافة الى هذا فان تعجيل الحكم قبل الوجوب وبعد وجود سببه جائز كتعجيل الكفارة بعد الجرح المؤدى الى الموت.
وعلى الجملة فعقد الاجارة ان كان مطلقا عن شرط التعجيل والتأجيل وجب على المؤجر تسليم العين ابتداء وعلى الأجير الخاص تسليم نفسه وعلى الأجير المشترك الوفاء بالعمل لأن الأجرة لا تجب بالعقد المطلق أما ان تضمنت شرطا بتعجيل الأجرة أو تأجيلها فانه يلزم ذلك وعند اشتراط التعجيل يكون للمؤجر أن يمتنع عن تسليم العين المستأجرة حتى يستوفى الأجرة وللأجير الخاص أن يمتنع عن تسليم نفسه وللأجير المشترك أن يمتنع عن ايفاء العمل حتى تؤدى الأجرة وعند شرط التأجيل لا يجب تسليم الأجرة الا عند انقضاء الأجل (١).
واذا حدث بعد ابتداء الاجارة ما يحول بين المستأجر وبين انتفاعه بمقتضى عقد الاجارة بسبب ليس من قبله كغصب العين أو مرض الأجير أو انقطاع ماء رى الأرض فان الأجرة تسقط مدة عدم الانتفاع فضلا عن أن ذلك يعد عيبا يوجب خيار الفسخ لمن أصابه الضرر وهذا أصل عام عند الحنفية ومحل اتفاق بينهم وبين غيرهم من الفقهاء (٢).
مذهب المالكية:
يرى المالكية أن عقد الاجارة انما يفيد معاوضة بين المنافع وبدلها وان المنافع لا تحدث مرة واحدة بل تحدث جزءا فجزءا بحسب ما يقبض منها وما يحدث بحدوث الزمن وعلى ذلك فلا تتحقق المعاوضة بين المنافع وبدلها الا على هذا الأساس ولذا لا يملك الأجر الا على حسب ما يقبض من المنافع الا أن يكون هناك ما يوجب تقديم قبض عن شرط أو غيره.
وعلى ذلك فمذهب المالكية يقارب مذهب الحنفية فيما يترتب على عقد الاجارة من الملك فى البدلين وفى الشرح الكبير للدردير ان الأصل فى ثمن المبيع هو الحلول والأصل فى الأجرة التأجيل الا فى مسائل قاله ابن القاسم وقد ذكرنا فيما مضى ان الأجر قد يكون معينا وقد يكون غير معين وفى كلا الحالين قد يكون فى مقابلة منافع معينة أو مضمونة فى الذمة وفى كل اما أن يحدث من المستأجر أو الأجير شروع فيها أم لا وفى كل اما أن يشترط فى العقد تعجيل
стр. 543
الأجر أو لا يشترط واذا لم يشترط فقد يكون العرف جاريا بتعجيله أو لا يكون فيه عرف فهذه أحوال بينا فيها جميعها الحكم بالنظر الى صحة العقد وفساده بناء على تعجيل الأجرة وعدم تعجيلها وذلك فيما سبق وذكرنا أنه اذا لم يكن الأجر معينا ولم يشترط تعجيله ولم يجر بذلك عرف ولم تكن المنفعة التى تقابله مضمونة لم يجب فى هذه الحال تعجيله واذن فيجب مياومة فى مثل كراء العقار والرواحل والأوانى والأدوات والعمال للخدمة فكلما استوفيت منفعة يوم أو جزء من الزمن معين أو تمكن من استيفائها لزم ما يقابلها من الأجر.
أما فى الصانع والأجير على عمل فلا يستحقان الأجرة ولا يملكانها الا بالتمام فقد جاء فى المدونة اذا أراد الصناع أو الأجراء تعجيل أجورهم قبل الفراغ من العمل وامتنع المؤجر حملوا على المتعارف بين الناس فى ذلك فان لم يكن للناس سنة ولا عرف لم يقض لهم بشئ الا بعد الفراغ من العمل أما فى غير ذلك فيقضى بقدر ما مضى وقد تقدم تفصيل ذلك وبيانه ونتيجة ذلك أن عقد الاجارة عند المالكية عند ما يكون صحيحا يفيد ملك الأجرة فى الحال وذلك فى الأحوال التى يجب لصحة العقد فيها تعجيل الأجرة سواء أكان ذلك نتيجة شرط أو عرف وكذلك فيما تعجل فيه الأجرة فعلا ولا يترتب عليه فى غير هذه الأحوال عند ما يكون صحيحا الا أجرة ما بقى من عمل أو زمن وذلك فى غير الصناع والأجراء أما فى عقودهم فان الأجرة لا تملك ولا تستحق الا بتمام العمل ما لم يكن شرط أو عرف بالتعجيل فيفيد العقد الملك عند ذلك فيما شرط أو تعورف تعجيله وعلى أساس ملك الأجرة تملك المنفعة (١).
مذهب الشافعية:
يرى الشافعية أن عقد الاجارة يفيد ملك المنفعة المعقود عليها والأجر فى الحال بمجرد انعقاده وبه يملك المؤجر الأجر فى الحال سواء أكان الأجر دينا أم عينا وسواء أكان الدين مؤجلا أم غير مؤجل غير أن المؤجر لا يستحق استيفاء الأجر الا بتمكين المستأجر من الانتفاع أو بانتفاعه فعلا ويتحقق التمكين بتسليم العين المستأجرة الى المستأجر فاذا تسلمها وظلت تحت يده الى انتهاء مدة الاجارة ان كان لها مدة أو بقيت معه المدة التى تمكنه من الانتفاع بها الانتفاع المعقود عليه استقرت الأجرة دينا فى ذمته وان لم ينتفع فعلا وكذلك الوضع فى استئجار الأجير تثبت الأجرة دينا فى ذمة المؤجر بمجرد العقد ولا يستحق الأجير قبضها الا بمضى المدة ان كان خاصا أو ما يعمل ان كان مشتركا وهذا اذا لم تكن الأجرة عينا فان كانت عينا تملكها المستأجر أو الأجير فى الحال أيضا ويكون ملك الأجرة ملكا مراعى، بمعنى أنه كلما مضى جزء من الزمن على وجه السلامة بأن بدلها من الأجر قد استقر باستيفاء ما يقابلها. وكما تملك الأجرة بالعقد وتستقر فى ذمة المستأجر بتمكنه من الانتفاع وان لم ينتفع فعلا تملك المنفعة أيضا به فى اجارة العين واذا نص فى العقد على تعجيل الأجرة أو تأجيلها لزم ذلك واذا لم ينص على ذلك
стр. 544
ولم يكن عرف كانت معجلة كالتى فى البيع - ويلاحظ أن الأجرة اذا كانت عينا لم تقبل التأجيل واذا كانت الأجرة دينا بدأ المؤجر بتسليم العين الى المستأجر (١) كما فى البيع.
(انظر مصطلح: بيع)
ووجه ما ذهب اليه الشافعية ان عقد الاجارة انما هو عقد معاوضة كعقد البيع المنفعة فيه كالمبيع فى البيع والأجر فيه كالثمن فاذا ما انعقد انعقد على المعاوضة بين البدلين فأفاد الملك فيهما كما فى البيع.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى لابن قدامة ان الاجارة اذا تمت وكانت على مدة فان المستأجر يملك المنافع المعقود عليها الى تلك المدة ويكون حدوثها على ملكه وبهذا قال الشافعى وقال أبو حنيفة تحدث المنافع على ملك المؤجر ولا يملكها المستأجر بمجرد العقد واستدل لمذهب الحنابلة بأن الملك عبارة عن حكم يترتب عليه تصرف مخصوص وقد كانت هذه المنفعة المستقلة ملكا لمالك العين يتصرف فيها كتصرفه فى العين فلما أجرها صار المستأجر مالكا للتصرف فيها كما كان يملكه المؤجر فثبت أنها كانت ملكا لمالك العين ثم انتقلت الى المستأجر - وكذلك يملك المؤجر الأجرة بمجرد العقد اذا أطلق ولم يشترط المستأجر أجلا كما يملك البائع الثمن بالبيع وقال مالك وأبو حنيفة لا يملكها بالعقد ولا يستحق المطالبة بها الا يوما فيوما أو اذا اشترط تعجيلها وجه قولنا أن الأجر عوض أطلق ذكره فى عقد معاوضة فيستحق بمطلق العقد كالثمن والصداق وأما اذا كانت الاجارة على عمل فان الأجر يملك بالعقد أيضا ولكن لا يستحق تسليمه الا عند تسليم العمل قال ابن أبى موسى، من استؤجر لعمل معلوم استحق الأجر عند ايفاء العمل وان استؤجر فى كل يوم بأجر معلوم فله أجر كل يوم عند تمامه وقال أبو الخطاب الأجر يملك بالعقد ويستحق بالتسليم ويستقر بمضى المدة وانما توقف استحقاق تسليم الأجر على العمل لأنه عوض فلا يستحق الا مع تسليم المعوض كالثمن فى المبيع وهذا بخلاف الاجارة على الأعيان لأن تسليمها جرى مجرى تسليم منافعها ومتى كان العقد على منفعة فى الذمة لم يحصل تسليم المنفعة ولا ما يقوم مقامها فتوقف استحقاق تسليم الأجر على تسليم العمل (٢).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم فى المحلى ان الاجارة عقد لازم الوفاء به واجب (٣) وهو عقد يقتضى مقابلة المنفعة بالأجر فكل ما عمل الأجير شيئا مما استؤجر عليه من العمل استحق من الأجر بقدر ما عمل فله طلب ذلك وأخذه وله تأخيره بغير شرط حتى يتم عمله أو يتم منه جملة لأن الأجر انما هو على العمل فلكل جزء من العمل جزء من الأجر وكذلك كل ما استغل المستأجر الشئ الذى استأجره فعليه من الأجرة بقدر ذلك أيضا (٤).
مذهب الزيدية:
ذهب الزيدية الى أن الأجر يملك بالعقد ولكنه يستقر بمضى المدة أو ما فى حكمها
стр. 545
من تسليم العمل ومعنى استقراره أنه لا ينقضى ويصير حقا تصح المطالبة به بأحد أمور ثلاثة: أحدها تعجيله قبل الوفاء بالعمل فاذا عجل صار حقا للمؤجر مستقرا لا يجوز استرداده ما لم يفسخ العقد من أصله - ثانيها اشتراط تعجيله فاذا اشترط ذلك فى العقد لزم وكان للمؤجر أن يطالب بأدائه، ثالثها تسليم العمل فى الاجارة على الأعمال أو التمكين من الاستيفاء فاذا مكن المستأجر من أن يستوفى المنفعة من دون مانع من الانتفاع استحق المؤجر الأجرة واذا استوفى المستأجر المنفعة فعلا استحق المؤجر الأجرة بالأولى (١) وكما تملك الأجرة بالعقد تملك به المنفعة أيضا عند الزيدية ويجبر الحاكم كلا من العاقدين على الوفاء بما تعاقد عليه لأنه قد لزمه بالعقد.
مذهب الإمامية:
الاجارة عقد لازم من الطرفين لا يبطل الا بالتقايل أو بأحد الأسباب المستوجبة للفسخ ويملك المستأجر المنفعة المعقود عليها بالعقد ويزول ملك المؤجر عنها ويلزمه الأجر بالتمكن من الانتفاع ولو لم ينتفع. واذا تمت الاجارة بأركانها ملك المستأجر المنافع المعقود عليها الى المدة ويكون حدوثها على ملكه لا على ملك المؤجر ويملك المؤجر الأجرة بمجرد العقد مع الاطلاق أو اشتراط التعجيل ولا يشترط فى ذلك استيفاء المنفعة ولا مضى وقتها سواء أكانت معينة كالثوب أو غير معينة واذا كانت الاجارة على عمل ملك الأجير الأجر بالعقد أيضا وهل يستحق تسلمه قبل أن يسلم العمل؟ فيه نظر فان قلنا بذلك وكان العمل فى ملك الصانع لم يبرأ من العمل ولا يستحق الأجر حتى يسلم العين محل العمل وان كان فى ملك المستأجر استحق الأجر بنفس العمل ولو استؤجر كل يوم بأجر معلوم استحق أجر كل يوم فيه واذا استوفى المستأجر المنفعة استقر الأجر وكذلك اذا سلمت العين الى المستأجر ومضت المدة من غير مانع استقر الأجر وأن لم ينتفع وكذلك اذا استؤجر للعمل ومضت مدة يمكن استيفاؤه فيها مثل أن يستأجر دابة ليركبها الى موضع معين ومضت مدة يمكن ركوبها فيها وكذلك لو بذل المؤجر العين فامتنع المستأجر من أخذها مع امكانه ومضت مدة الاستيفاء، استقرت الأجرة ففى كل ذلك يستقر الأجر (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن عقد الاجارة يفيد مقابلة الأجرة جميعها بالمنفعة المعقود عليها جميعها لا مقابلة جزء من الأجرة بجزء من المنفعة ومن ثم لا يملك المؤجر الأجرة الا بتمام استيفاء المنفعة وعلى الأجير الاتيان بالعمل أول الوقت واذن فلا يجوز أن يتصرف المؤجر فى الأجرة الا بعد تمام استيفاء المنفعة ولا الأجير فى أجرته الا بعد تمام العمل ولا يجوز أن يتصرف كل منهما فى جزء منها مقابل استيفاء جزء من المنفعة فلعل المستأجر لا يصل الى تمام الاستيفاء فكيف يجوز التصرف فى أجرة ما لم يستوف ذلك مقتضى العقد ومن الإباضية من جوز للمؤجر التصرف فى كل الأجرة قبل العمل وعندئذ يجب على المستأجر الاستيفاء وذلك
стр. 546
قول من قال أن عقد الاجارة لازم وان الأجرة تملك بالعقد كما يملك الثمن بالبيع واستيفاء المنفعة لازم للمستأجر بالعقد ويجبر على أداء الأجرة بالعقد كما يجبر الأجير على العمل به واختار الشيخ جواز تصرف المؤجر فيما يقابل ما تم استيفاؤه من المنفعة على أساس أن الأجرة مقابل المنفعة وانه كلما حصل جزء من الاستيفاء حصل جزء من الأجرة يجبر المستأجر على أدائه (١) ويجوز له التصرف فى الأجرة كلها سواء دخل فى العمل أم لم يدخل ان أخذها بضمان العمل كأن يقول ان العمل فى ذمتى التزم به ولا أعدل عنه. ومن هذا يتبين رأى الإباضية فيما يفيده عقد الاجارة من حكم.
الاجارة: الخيارات فيها:
بينا أن عقد الاجارة من عقود المعاوضات كالبيع ومن ثم كان قابلا لما يقبله البيع من الخيارات فيقبل خيار الشرط وخيار الرؤية وخيار العيب وخيار التعيين وخيار فوات الوصف على ما بين فى الخيارات (ارجع الى مصطلح خيار) غير أننا نذكر هنا ما تقتضيه طبيعة عقد الاجارة من الأحكام.
خيار الشرط:
يجوز لأى من العاقدين منفردا ولهما جميعا اشتراط الخيار فى امضاء العقد وفسخه وتفصيل القول فى ذلك يرجع فيه الى مصطلح «خيار الشرط» واشتراطه يمنع انعقاد العقد فى حق حكمه ما دام الخيار قائما لحاجة من اشترطه لنفسه الى دفع الغبن عن نفسه وعلى هذا يكون لمن له حق الخيار أن يفسخ العقد فى مدته أو أن يمضى فيه وذلك بأن يصدر منه ما يدل على ذلك من قول أو فعل أو تصرف فاذا مضت المدة دون أن يصدر منه ما يدل على فسخ أو امضاء لزم العقد وقد علمت ما ذهب اليه الحنفية من أن عقد الاجارة لا يفيد ملكا فى الأجرة ولا فى المنفعة بمجرد صدوره على الوجه الذى شرحناه وعليه فليس يترتب على العقد فى مدة الخيار الا عدم لزومه بالنظر الى من شرطه لنفسه فلا يكون لأى منهما ملك بمقتضاه واذا كان مشروطا للأجير فان خياره يسقط بشروعه فى العمل كما يسقط كذلك بالنظر الى المستأجر الذى شرط لنفسه الخيار بشروعه فى الانتفاع واذا كان مشروطا للمؤجر سقط خياره بتمكين المستأجر أو الأجير من الانتفاع أو من العمل وليس لاشتراط تعجيل الأجرة أثر عند اشتراط خيار الشرط لعدم انعقاد العقد حينئذ فى حق الحكم الا أن يسقط الخيار فيظهر أثره وتبدأ مدة العقد من وقت سقوط الخيار، ذلك ما ذهب اليه الحنفية وفى تفصيل ذلك وبيانه فى المذاهب يرجع الى مصطلح خيار الشرط. غير أن مما يختص بعقد الاجارة من أحكام خيار الشرط ما ذكره الزيدية.
فى شرح الأزهار وحاشيته ما حاصله (٢) أن عقد الاجارة اذا تضمن اشتراط الخيار فقد تجعل مدته من مدة الاجارة وقد تجعل قبل ابتداء مدة الاجارة وقد لا ينص على شئ من ذلك فاذا جعلت مدته قبل مدة الاجارة كأن يستأجر شخص دارا شهر كذا وله الخيار ثلاثا من آخر الشهر السابق عليه
стр. 547
فعلى رأى من يرى صحة اضافة الاجارة صح العقد والشرط. وعلى رأى من يرى عدم صحة الاجارة المضافة لم يصح العقد.
واذا جعلت مدته من مدة الاجارة بان جعلت مدة الخيار ثلاثة الأيام الأولى من مدة العقد وكان شرط الخيار للمؤجر فصدر من المؤجر فيها ما يدل على فسخه العقد انفسخ كأن يسكن المؤجر الدار فى المدة وذلك لاعراضه عن العقد بذلك. وان كان شرط الخبار فيها للمستأجر صح العقد والشرط وكان له الخيار فى تلك المدة ويسقط خياره بسكناه فيها على قول لدلالة ذلك على امضائه العقد وقيل لا يسقط خياره بذلك لأن الخيار قد جعل له ليتروى ولا بد له من مدة يتروى فيها قبل امضائه العقد والتزامه به ولم يجعل له هذا الحق الا فى مدة العقد التى جعل له فيها حق الانتفاع بمقتضاه وعلى ذلك يكون اقدامه على السكنى أمرا متفقا عليه نتيجة اشتراط الخيار فلا يعد دليلا على الرضا فاذا أمضى العقد مع ذلك كان عليه أجر المدة كلها وان فسخ لم يلزمه الا أجر مدة انتفاعه ان انتفع.
وان أطلق اعتبرت الثلاث من مدة الاجارة لابتدائها عقب العقد ان سكن فيها المستأجر وان لم يسكن لم يبدأ العقد الا بعدها قيل وفى هذا نظر اذ يلزم من ذلك فساد الاجارة لجهالة المدة اذ عند انشاء العقد لا يعلم هل ابتدأت مدته اثره أم بعد أيام الخيار ويحتمل أن يقال انه عند الاطلاق تكون مدة الخيار من مدة العقد كما يحتمل أن يقال ان العقد لا يستقر حتى تمر مدة الخيار فتبدأ المدة من آخر مدة الخيار.
خيار الرؤية
يرى الحنفية أنه يمنع لزوم العقد بعد تمامه ولا يحول دون نفاذه وترتب أثره عليه ولا يحتاج الفسخ بسببه الى قضاء أو رضا ويترتب عليه أثره بقول صاحبه فسخت ويثبت فى عقد الاجارة للمستأجر اذا استأجر من الأعيان ما لم ير كما يثبت كذلك للأجير المشترك فى كل عمل يختلف باختلاف المحل اذا لم ير المحل قبل العقد (١) فيكون له بعد تمام العقد أن يفسخه بما يفيد ذلك من قول أو فعل. ذلك ما ذهب اليه الحنفية والشيعة الجعفرية وفى بيان أحكامه على التفصيل وثبوته فى عقد الاجارة اختلاف فى المذاهب بيانها فى مصطلح خيار الرؤية.
خيار العيب
يثبت للمستأجر خيار الفسخ بسبب العيب باتفاق المذاهب سواء أكان العيب قديما قبل انشاء عقد الاجارة أم حدث بعده قبل ابتداء الانتفاع أم بعد ابتدائه اذ أنه فى هذه الأحوال جميعها يفوت به غرض المستأجر وبفوات غرضه يزول ما يجب فى المعاوضة من توافر التراضى المبنى على التعادل بين البدلين فى زعم الطرفين ورأيهما ولما لو حظ فى عقد الاجارة من تجدد المبادلة واستمرارها طيلة مدته وما يتبع ذلك من استمرار التعادل والتكافؤ بين البدلين كان انعدامها بالعيب الحادث سببا فى ثبوت الخيار بخلاف البيع لانتهاء المبادلة فيه بانتهاء الايجاب والقبول. والمراد بالعيب ما يوجب
стр. 548
نقص أجر مثل العين المستأجرة أو ما يفوت به غرض المستأجر والغالب عدمه فى العادة (١) مما يضر بالانتفاع. والعيب فى عقد الاجارة نوعان: نوع يترتب عليه انعدام الانتفاع كلية. ونوع يترتب عليه نقصه.
وما يترتب عليه انعدام الانتفاع سواء أكان قبل ابتدائه وقبل التمكن منه أم حدث بعد ابتداء العقد وفى أثناء الانتفاع ينفسخ به العقد دون حاجة الى قيام المستأجر بفسخه كما تفيدها بعض الروايات عند الحنفية فقد جاء فى اجارة الأصل لمحمد بن الحسن اذا سقطت الدار كلها كان لمستأجرها أن يخرج منها سواء أكان صاحب الدار شاهدا أم غائبا. فان هذا الحكم دليل الانفساخ حيث أجاز للمستأجر الخروج من الدار مع غيبة المؤجر ولو لم تنفسخ توقف جواز خروجه والفسخ على حضوره ووجه ذلك الحكم أن المنفعة المطلوبة من الدار قد بطلت بالسقوط اذ المطلوب منها الانتفاع بالسكنى وقد بطل ذلك وبذلك انعدم المعقود عليه فيبطل بانعدامه العقد. وجاء فى روايات أخرى ما يدل على أن العقد لا ينفسخ ولكن يثبت للمستأجر حق الخيار فى الفسخ فقد ذكر فى كتاب الصلح من الأصل اذا صالح على سكنى دار فانهدمت لم ينفسخ الصلح وروى هشام عن محمد فيمن استأجر بيتا فقبضه ثم انهدم فبناه المؤجر فقال المستأجر بعد بنائه: لا حاجة لى فيه، أنه قال: ليس للمستأجر ذلك، وكذلك لو أراد المستأجر أخذه وأبى عليه المؤجر لم يكن للمؤجر ذلك اذ أن هذا يدل على أن الاجارة لم تنفسخ ووجهه ان الدار بعد انهيارها لم تنعدم منفعتها به اذ بقى لها الانتفاع بسكناها بواسطة خيمة تضرب فيها فلم يفت بانهدامها المنفعة المعقود عليها رأسا فلم ينفسخ العقد على أنه ان فات نهائيا فقد فات على وجه يتصور عوده ولو باعادة البناء وهذا يكفى لبقاء العقد والأصل فى ذلك أن العقد المنعقد بيقين يبنى ما دام لم يفقد فائدته نهائيا بيقين اذ اليقين لا يزول بالشك. وقال القدورى: الصحيح أن العقد ينفسخ فى مثل هذه الحال لأن المنفعة المطلوبة من الدار قد بطلت وضرب الخيمة فى الدار ليس بالمنفعة المطلوبة منه ولا من الدار عادة فلا يعتبر بقاؤها لبقاء العقد.
وقال محمد فيمن استأجر رحى ماء سنة فانقطع الماء بعد ستة أشهر وأمسك الرحى حتى مضت المدة فعليه أجر ستة أشهر مدة وجود الماء ولا شئ عليه لما مضى بعد ذلك لأن منفعة الرحى قد بطلت فيه فانفسخ العقد.
وفى الأشباه أن الأجرة للأرض كالخراج على المعتمد فاذا استأجر الأرض للزراعة فأهلك الزرع آفة وجب من الأجرة ما قابل المدة قبل الاهلاك وسقط ما بعد ذلك وهذا ما اعتمده صاحب الولواجية لكن جزم فى الخانية برواية عدم سقوط شئ من الأجرة حيث قال: أصاب الزرع آفة فهلك أو غرق ولم ينبت لزم الأجر كله لأنه قد زرع فعلا ولو غرقت قبل أن يزرع فلا أجر عليه.
وذلك لانفساخ الاجارة بذلك (٢).
стр. 549
وأما ما يترتب عليه نقص الانتفاع من العيوب فان العقد به يصير غير لازم فيكون للمستأجر حق الفسخ بخيار العيب فلو استأجر دابة يركبها أو دارا يسكنها فعرجت الدابة أو انهدم بعض بناء الدار فالمستأجر بالخيار ان شاء مضى على الاجارة وان شاء فسخ اذ الاجارة بيع المنافع وهى تحدث شيئا فشيئا فكان كل جزء من أجزاء المنافع معقودا عليه فاذا حدث العيب كان هذا عيبا قد حدث بعد العقد وقبل القبض فأوجب الخيار لذلك واذا أمضى المستأجر العقد فلم يفسخ كان عليه كمال الأجرة لأنه رضى بالمعقود عليه مع العيب فيلزمه البدل جميعه واذا زال العيب قبل أن يفسخ العقد بأن شفيت الدابة أو بنى المؤجر ما سقط من البناء بطل خيار المستأجر لأن الموجب للخيار قد زال والعقد قائم فيزول الخيار.
واذا كان العيب مما لا يترتب عليه اخلال ولا ضرر بالانتفاع لم يكن للمستأجر بسببه خيار اذ أن ذلك لم يمس المعقود عليه وهو المنفعة بنقص ولا يثبت الخيار الا عند نقصها وليس للمستأجر ان يفسخ عند ثبوت الخيار له الا بحضرة المؤجر لأن فسخ العقد لا يجوز الا بحضرة عاقديه أو من يقوم مقامهما فان لم يتمكن من ذلك فى حضرته رفع أمره الى القضاء (١).
مذهب المالكية:
تنفسخ الاجارة بتلف العين المستأجرة ومثله فى الحكم زوال الانتفاع المعقود عليه منها وذلك لانعدام محل العقد فان نقص الانتفاع بها لعيب طرأ سواء أكان ذلك قبل ابتداء الانتفاع أم فى أثنائه كان للمستأجر خيار الفسخ بالعيب (٢) ومن العيوب أن تكون الدابة عضوضا أو لا تبصر ومثل ذلك كل ما ينقص الانتفاع عن القدر المعتاد وفقه المسألة أن الضرر اذا كان يسيرا لم يكن له اعتبار كسقوط شرفات منزل السكنى اذ لا تنقص به السكنى واذا زاد عن ذلك بحيث يمس السكنى كقلع البلاط وسقوط البياض لزم العقد وحط من الأجر بقدر ذلك واذا ضر ضررا غير معتاد خير المستأجر بين الامضاء والفسخ.
مذهب الشافعية:
الأصح عند الشافعية أن الاجارة تنفسخ بزوال المنفعة المعقود عليها نهائيا كما فى انهدام الدار المستأجرة ولو بفعل المكترى غير أنه يلزم بالعوض وسواء فى الحكم أن يحدث ذلك قبل تسلم العين المستأجرة أم بعده واذا حدث بعد التسلم ومضى مدة يجب لمثلها أجرة انفسخت فيما يأتى بعدها من الزمن ووجب على المستأجر أجرة ما انتفع أما اذا ترتب على العيب نقص الانتفاع لا زواله لم تنفسخ الاجارة وانما يكون للمستأجر خيار الفسخ وهو على التراخى ان لم يبادر المؤجر بالاصلاح فان قام به قبل الفسخ سقط الخيار ومن العيوب الموجبة للخيار غصب العين المستأجرة وانما يكون الخيار على التراخى اذا لم يترتب عليه تفريق الصفقة والا وجب أن يكون على الفور ولا
стр. 550
يثبت خيار العيب فى اجارة الذمة اذ يجب فيها الاتيان بالبدل فلا يترتب على العيب نقص الانتفاع (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى من استأجر عينا مدة فحيل بينه وبين الانتفاع بها فذلك على ثلاث صور:
احداها أن تتلف العين فان كان ذلك قبل قبضها انفسخت الاجارة بغير خلاف نعلمه لتلف المعقود عليه قبل تسليمه وان كان عقب قبضها انفسخت أيضا فيما بقى من مدتها ويجب الأجر فيما مضى ان كان لمثله أجر ويسقط أجر ما بقى من المدة، ثانيا أن يحدث للعين ما يمنع نفعها فان لم يبق لها نفع أصلا فالحكم كما تقدم فى الصورة الأولى وان بقى لها نفع خلاف ما استؤجرت لأجله كدار انهدمت فان من الممكن الانتفاع بعرصتها فى وضع أحطاب أو نصب خيمة فالحكم انفساخ العقد كما تقدم أيضا لأن المنفعة التى وقع العقد عليها قد انعدمت فانفسخت لذلك الاجارة لزوال محلها وخالف القاضى فى الأرض المستأجرة ينقطع ماؤها وأثبت للمستأجر خيار الفسخ وهو منصوص الشافعى لأن المنفعة لم تبطل جملة اذ يمكن الانتفاع بعرصتها فاشبه ذلك ما لو نقص نفعها.
واذا كان النفع الباقى فى الأعيان مما لا يباح استيفاؤه بالعقد كدابة استأجرها لركوب فصارت لا تصلح الا للحمل أو بالعكس انفسخ العقد وجها واحدا لأن المنفعة الباقية لا يملك استبقاؤها مع سلامتها فلا يملك تعيبها وأما اذا أمكن الانتفاع بالعين فيما اكتراها له على ضرب من القصور مثل أن يمكنه زرع الأرض بغير ماء لم تنفسخ الاجارة لأن المنفعة المعقود عليها لم تزل بالكلية فأشبه ما لو تعيبت وكان للمستأجر خيار الفسخ الا فى الدار اذا انهدمت فان فيها وجهين أحدهما لا تنفسخ الاجارة وثانيهما تنفسخ لزوال اسمها بهدمها وذهاب المنفعة المقصودة منها، ثالثها: أن تغصب العين المستأجرة وعند ذلك يثبت للمستأجر خيار الفسخ فاذا مضت المدة ولم يفسخ كان له مطالبة الغاصب بأجر المثل عوضا عن حقه وذلك قيمة ما كان يملك بالعقد، وعلى القول بعدم ضمان منافع الغصب ينفسخ العقد بالغصب دون حاجة الى فسخه من المستأجر.
وعلى الجملة اذا اكترى عينا فوجد بها عيبا لم يكن له علم به فله فسخ العقد بغير خلاف نعلمه وان رضى به ولم يفسخ لزمه جميع الأجر ومما يوجب الخيار ان يحدث خوف عام يمنع من سكنى الدار المستأجرة أو أن تحصر البلد فيمتنع الذهاب الى الأرض المستأجرة للزرع أو انقطع الطريق فى استئجار دابة لركوبها الى محل معين وكان هو الطريق اليه أو نحو ذلك مما يحول بين المستأجر وبين الانتفاع مما لا يد له فيه (٢) (راجع مصطلح خيار العيب فى بقية الأحكام).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى لابن حزم أنه تنفسخ الاجارة بهلاك المستأجر أو بخروجه عن ملك
стр. 551
مؤاجره بالبيع أو بالهبة أو بأى وجه من الوجوه وينفذ البيع والهبة والاخراج عن الملك بأى سبب يقتضى ذلك فكل ذلك مبطل للاجارة ان حدث قبل القبض وفيما يبقى من المدة ان حدث بعده وان هذا هو قول الشعبى والحسن البصرى والثورى وغيرهم (١).
مذهب الزيدية:
اذا ذهب العيب بمنفعة العين كلها كخراب الدار المستأجرة وغصبها بطل العقد قولا واحدا اذا حدث ذلك قبل القبض، وفى حدوثه بعد القبض قولان أحدهما يبطل وثانيهما يكون للمستأجر الخيار فلا يبطل الا بالفسخ وانما يبطل العقد بزوال الانتفاع بالعين لانعدام محل العقد واذا حدث بعد القبض ثم زال قبل الفسخ لم يبطل العقد على أحد القولين وعلى المستأجر الاستمرار فيه لزوال موجب الفسخ وعليه أجرة المدة التى انتفع فيها واذا أخل العيب ببعض الانتفاع كان للمستأجر فسخ العقد وعليه ترك الانتفاع فورا اذ الاستمرار فيه بعد ظهوره يعد رضا بالعيب فيبطل به الخيار وانما يجب عليه الترك فورا اذا لم يكن هناك خوف على نفسه فان خيف على النفس من الترك فورا كان له الترك على التراخى دون أن يعد ذلك رضا حتى يتمكن منه. وقيل اذا ترتب على الترك خوف ضرر بالنفس أو بالمال لم يجب فورا وانما يجب اذ يؤمن عدم الضرر بهما فاذا استأجر دابة لركوبها فظهر له عيب فيها فى أثناء الطريق وخاف على نفسه ان ترك ركوبها أو على ماله فلا يلزمه ترك ركوبها فورا فى هذه الحال بل حتى يصل بها الى حيث يأمن على نفسه وماله على القول الثانى ويجب عليه أجر انتفاعه عن مدته بعد حدوث العيب وحصة ما انتفع قبل حدوثه من الأجر المسمى وتقدير الأجر الواجب بعد حدوث العيب ان ينظر الى أجرة العين سليمة والى أجرتها معيبة وينسب الفرق بين الأجرتين الى أجرتها سليمة وعلى هذا الأساس ينقص الأجر المسمى فاذا كانت الأجرة وهى سليمة ثلاثين والأجرة وهى معيبة عشرين كان الفرق عشرة وهو ثلث الأجرة سليمة فينقص الثلث من الأجرة المسماه وعلى هذا الأساس تقدر الأجرة الواجبة (٢).
مذهب الشيعة الجعفرية
جاء فى تحرير الأحكام اذا استأجر دارا أو أرضا للزراعة فانهدمت الدار أو غرقت الأرض أو انقطع ماؤها فى أثناء المدة فان لم يبق فيها نفع أصلا فهى كالتالفة فتنفسخ الاجارة فيما بقى وليس للمستأجر الفسخ فيما مضى وبناء عليه اذا حدث ذلك قبل ابتداء الانتفاع انفسخ العقد ولا أجر على المستأجر وان لم يذهب العيب بجميع الانتفاع فالأقرب ثبوت الخيار للمستأجر بين الفسخ والامضاء بالجميع ولا تبطل الاجارة بدون فسخ واذا لم يختر أحدهما لجهله أو لغير ذلك كان له الفسخ بعد ذلك. ولو كان
стр. 552
النفع الباقى لا يجوز له استيفاؤه بالعقد كما لو استأجر دابة للركوب فصارت لا تصلح الا للحمل أو بالعكس انفسخت الاجارة من غير فسخ واذا أمكن الانتفاع مع نقصه كأن يمكنه الزرع بغير ماء أو كان الماء ينحسر عن الأرض التى غرقت على وجه يمنع معه بعض الزرع فيخير المستأجر بين الفسخ والامضاء ولا ينفسخ العقد من تلقاء نفسه واذا كان الحادث لا يضر لم يكن للمستأجر الخيار ولو حدث العيب ببعض العين المستأجرة دون بعض خير المستأجر بين الفسخ فى الجميع أو فى البعض مع امساك الباقى بحصته من الأجرة لا بكل الأجرة.
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل وشرحه (١) ما يدل على أن من استأجر أجيرا فهلك أثناء مدة اجارته بمرض أو هرب أو بأية آفة بعد أن قام المستأجر بدفع أجره الى ربه عن مدة الاجارة كلها فليس للمستأجر استرداد ما يقابل بقية مدة الاجارة من الأجر المدفوع وكان عطب الأجير عليه كمن اشترى دابة فتسلمها ثم عطبت بعد تسلمها فانها تهلك عليه، وقيل: له أن يسترد من الأجرة ما يقابل المدة الباقية بحسابها واذا لم يحصل قبض للأجرة فعلى قدر العمل ان وقع من العيوب ما يمنع منه ولو بحبس ظالم كما يجب الرد ان كان امتناع العمل من جهة المؤجر، واذا انهدمت الدار المستأجرة قبل تمام مدة الاجارة وقد قبضت أجرتها أجبر ربها على بنائها واصلاحها ويسقط عنه من الأجرة ما يقابل مدة عدم الانتفاع بها ويعوض عنها أياما أخرى فان امتنع رد ما يقابل باقى مدة الاجارة على قول من الأقوال فى لزوم عقد الاجارة واذا تم البناء بعد انقضاء المدة وجب رد ما يقابل الفائت أو الاتفاق على أن يسكن مدة أخرى وقيل ان له أن يسكن مدة أخرى وليس له الاسترداد لما يقابل تلك المدة ان لم يتفقا واذا لم تقبض الأجرة فللمؤجر أجرة مدة الانتفاع فقط وترد الأعيان المستأجرة بعيب اذا كان العيب من المؤجر الا أن يشاء المستأجر فيمضى الاجارة بلا نقض وبذلك يكون له خيار العيب الا أن يرضى بالعيب فيلزمه الأجر بتمامه وقيل اذا ثبت الخيار لأحد العاقدين ثبت للآخر منهما فلا يمضى العقد الا برضاهما جميعا والا وجب فسخه وقيل ليس للمستأجر فسخ العقد بالعيب فى العين المستأجرة وانما ينقص الأجر بقدر ما يقابل العيب (ويرجع الى باقى أحكام الخيار بالعيب فى مصطلح خيار العيب.)
خيار التعيين
أجاز الحنفية فى الاجارة خيار التعين كما أجازوه فى البيع خلافا لزفر وأحمد والشافعى وذلك بأن يخير المؤجر المستأجر فى اجارة احدى عينين كما يخير البائع المشترى فى شراء احدى عينين وانما أجازوا ذلك فى اثنين أو فى ثلاثة لا أكثر مع بيان ثمن كل عين فى حال البيع - وقد اختلفوا فى اشتراط توقيته وفى اشتراط الخيار فيه حال البيع فاشترط بعضهم ذلك لصحته وخالف آخرون - راجع مصطلح (خيار التعيين فى البيع).
стр. 553
وقياسا على ذلك أجاز الحنفية التخيير فى الاجارة بين عينين أو ثلاث لا أكثر استحسانا كأن يقول أجرتك احدى هاتين الدارين بعشرة جنيهات لكل منهما شهريا أو هذه بعشرة والأخرى بتسعة كما أجازوا التخيير فيها بين مسافتين مختلفتين بأجرين مثل أجرتك هذه الدابة الى قليوب بخمسين قرشا أو الى امبابة بعشرين قرشا أو بين عملين كأجرتك لخياطة هذا الثوب بعشرة قروش أو هذا الثوب بخمسة عشر قرشا لا يزيد فى ذلك على أن يخيره بين ثلاثة ووجه جواز ذلك أن المؤجر خير المستأجر بين عقدين معلومين فى محلين متقومين ببدلين معلومين فكان له قبول أحد العقدين كما لو قال له ان رددت بعيرى من موضع كذا فلك خمسة قروش وان رددته من موضع كذا فلك عشرة قروش وكما لو قال له ان سرت بدابتى هذه الى موضع كذا فبثلاثين قرشا وان سرت عليها الى موضع كذا فبثلاثين درهما والمسافة واحدة وقد أجازوا هذا التخيير فى الاجارة دون خلاف بينهم فى عدم اشتراط الخيار فى العقد معه وعدم اشتراط التوقيت بخلاف البيع لأن باب الاجارة أوسع من باب البيع وكذلك أجازوا التخيير فى صفة العمل كأن يقول المؤجر ان خطت هذا الثوب بصفة كذا فلك عشرة دراهم وان خطته بصفة كذا فلك عشرون درهما كما أجازوا التخيير فى الصباغة مثل أن يقول ان صبغت هذا الثوب بكذا فلك عشرون قرشا وان صبغته بكذا فلك خمسة وعشرون فكل ذلك جائز عند الحنفية لا ضير فيه لأن الجهالة فيه لا تفضى الى منازعة وانما يفسد العقود من الجهالة ما يفضى الى المنازعة وخالف زفر فى ذلك فذهب الى فساد العقد لما فيه من الجهالة.
ولو قال المؤجر للمستأجر أجرتك هذه الدار شهرا على أنك ان عملت فيها حدادة فباربعة جنيهات وان سكنتها فبثلاثة فالاجارة جائزة فى قول أبى حنيفة خلافا لصاحبيه، وجه قولهما ان الأجر لا يجب بالانتفاع فعلا وانما يجب بالتمكين والتخلية وعند ذلك لا يدرى أيستعملها للحدادة أو للسكنى فكان البدل مجهولا بخلاف ما اذا كانت الاجارة على العمل اذ يجب الأجر به وعند البدء فيه يتعين فيتعين الأجر عندئذ وترتفع الجهالة ووجه قوله أن التخيير فى هذا العقد بين منفعتين معلومتين فيجوز كما فى التخيير بين عملين والغالب هو تعيين احدى المنفعتين عند التمكين والتخلية فكان المدار على الغالب على أنه لا جهالة فى الأجرة عند التمكين اذا لم تعين المنفعة اذ الواجب حينئذ أقل البدلين وعلى هذا الخلاف كل ما كان أجره يجب بالتسليم ولا يعلم الواجب به وقت التسليم فهو فاسد عندهما صحيح عنده وأى المنفعتين استوفى وجب أجرها واذا امسك الدار ولم ينتفع حتى مضت المدة فعليه أقل المسميين واذا خير فى العامل فقال ان خطته أنت فالأجر عشرون وان خاطه تلميذك فالأجر خمسة عشر فهو جائز وقد تقدم حكم ما اذا ردد فى الأجر فى زمنين (١).
مذهب المالكية:
جاء فى الحطاب ان أجرت خياطا يخيط لك ثوبا على أنه ان خاطه اليوم فبدرهم وان
стр. 554
خاطه غدا فبنصف درهم، أو قلت له ان خطته على صفة كذا فبدرهم وان خطته على صفة كذا فبنصف درهم لم يجز اذ هو من وجه بيعتان فى بيعة فان خاطه فله أجر مثله زاد على التسمية أم نقص وقال بعض المالكية فى المسألة الأولى الا أن يزيد أجر المثل على الدرهم أو ينقص عن نصف درهم فلا يزاد ولا ينقص. وهذا كما يرى يدل على أن التخيير فى جميع صوره غير جائز فى الاجارة لأنه بيعتان فى بيعة. لكن جاء فى الدسوقى تعليقا على القول بفساد الاجارة فى الصورة الأولى: اعلم أن محل الفساد فى هذه الصورة اذا وقع العقد على الالزام ولو لاحد المتعاقدين فان وقع على أن الخيار فيه لكل منهما جاز وذلك لأن الغرر لا يعتبر مع الخيار لأنه اذا اختار أمرا فكأنه ما عقد الا عليه اذ عقد الخيار منحل.
أما دفع دراهم بعد العقد زيادة على المسمى ليسرع فى العمل فذلك جائز. وظاهر هذا أن التخيير على الحيلة فى عقد الاجارة جائز اذا لم يكن هناك الزام لاحد المتعاقدين بالعقد بل كان لكل منهما الخيار فى امضائه ومقتضى هذا أنه جائز عند المالكية مع اشتراط الخيار لكل منهما فى العقد (١).
مذهب الشافعية:
نص الشافعية على أن الأجرة تملك بالعقد فاذا حصل فى العقد تخيير وترديد فأية أجرة تملك به.
وهذا يفيد عدم جواز خيار التعيين فى الاجارة عندهم ويؤيد هذا ما نقله الكاسانى عنهم (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى - ان قال ان خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وان خطته غدا فلك نصف درهم فعن أحمد فيه روايتان:
احداهما لا تصح الاجارة وله أجر المثل ان خاط وهذا مذهب مالك والثورى والشافعى واسحاق وأبى ثور، ثانيهما - تصح الاجارة لأنه سمى لكل عوضا معلوما فصح - ولو قال ان خطته روميا فلك درهم وان خطته فارسيا فلك نصف درهم ففيه وجهان بناء على التى قبلها والخلاف فيها كالخلاف فيما قبلها (٣).
مذهب الزيدية:
ذهب الزيدية الى أن التخيير للعامل اما فى العمل مثل أن يقول على أن تخيط هذا الثوب قميصا أو قباء واما فى العين مثل أن يقول على أن تزرع هذه الأرض أو هذه، أو فى الأجرة مثل أن تقول على أن تخيط هذا الثوب بخمسة أو هذا الثوب بعشرة واما فى نوع الاستعمال فى العين المؤجرة مع الأجرة مثل أن تقول أجرتك هذا الدكان على أنك ان عملت فيه حدادا فالأجرة عشرة وان بعت فيه قماشا فالأجرة خمسة فان مضت المدة مع التخلية والخيار فيها للمستأجر ولم يفعل أيهما لزمه الأقل من الأجرين لأنه المتيقن والأصل براءة الذمة من الزائد فان فعلهما معا فالمختار أنه يلزمه أجر الثوب الأول ولا شئ له على الثوب الثانى لأن الشروع فى الأول اختيار له فلم يكن له أن يعمل الثانى. وفى مسألة الدكان يلزمه أجر ما شرع فيه من الاستعمالين
стр. 555
لتعيينه بالاختيار وفى الاستعمال الثانى أجر المثل وفى الثوبين يستحق أكثر الثمنين ولا شئ للآخر لأنه متبرع وقد يكون التخيير فى المسافة مثل أن يستأجر الدابة الى موضع كذا بكذا أو الى موضع كذا بكذا فالاجارة فى هذه الصور كلها صحيحة وان لم يشترط لأحدهما خيار فى مدة معلومة ويكون عليه أجر ما قطعه من المسافتين. أما الخيار فى الأعمال والأعيان فهو للاجير وفى مسألة الركوب ونحوه للمستأجر ولا بد من ذكر الخيار لأحدهما مدة معلومة نحو أن يقول أكريتك هذه الحانوت أو هذه ولى الخيار ثلاثة أيام أو لك فان لم يذكر خيارا معلوما فسدت الاجارة كالبيع (١).
مذهب الإمامية:
اذا استأجر احدى الدارين لم يجز (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٣) ومن استؤجر لعمل معين ان عمله فى يومه فبأربعة دراهم وان فى غيره فبثلاثة دراهم وان استأجر الدابة الى مكان كذا فبعشرة دراهم والى مكان كذا فبثمانية دراهم فقولان والمختار المنع لشبه ذلك ببيعتين فى بيعة.
(راجع مصطلح خيار).
أحوال الصيغة
قد تكون الصيغة منجزة وقد تكون مضافة وقد تكون معلقة وعلى كل قد تقترن بشروط وقد لا تقترن.
التنجيز:
تكون الصيغة لعقد الاجارة منجزة اذا لم يضف الايجاب فيها الى زمن مستقبل ولم يعلق على شرط غير موجود محتمل الوقوع كأجرتك هذه السيارة شهرا أو هذه الدار شهرا فتنشأ الاجارة عند قبول الايجاب اثر الانتهاء منه، وهو ما يراد بالتنجيز وليس ينافى ذلك ما يلاحظ فى عقد الاجارة من أنه عقد على المنافع ومن أن المنافع لا تحدث دفعة واحدة مما يستوجب أن يكون استيفاء المستأجر لحقه فى أزمان متعاقبة تجئ بعد تمام عقد الاجارة فان ذلك لا يعد اضافة فى العقد وانما هو من طبيعته وليس فى صحة الاجارة على التنجيز خلاف بين المذاهب فذلك هو الأصل فى العقود ما عدا الوصية والايصاء.
الاضافة:
تكون صيغة الاجارة مضافة اذا أضيف الايجاب فيها الى زمن مستقبل كأجرتك هذه الدار ابتداء من السنة المقبلة أو بعد يومين مثلا أو نحو ذلك فصحة الاجارة مع الاضافة محل اختلاف بين الفقهاء.
مذهب الحنفية:
فالحنفية يرون جواز اضافة عقد الاجارة فاذا أضيف الى زمن معين ابتدأ العقد بحلول ذلك الزمن ولذا يجب أن تكون بدايته معلومة فاذا كانت مجهولة فسد العقد للجهالة مثل أن يقول شخص لآخر أجرتك هذه الدار يوم ينزل المطر أو يوم تهب الرياح أو استأجرتك لعمل كذا فى أرض كذا يوم أملكها اذ لا يعلم متى يبتدئ العقد وهو
стр. 556
من عقود التمليكات والجهالة تفسدهما.
وفى جامع الفصولين لو قال أجرتك غدا فيه اختلاف والمختار الجواز وفيها اذا باع المؤجر أو وهب قبل مجئ الوقت المضاف اليه يفتى بجواز ما صنع وتبطل الاجارة ثم لورد المبيع على البائع بقضاء أو رجع الواهب فى هبته قبل الوقت عادت الاجارة ولكن لو عادت اليه بملك جديد لا تعود (١).
مذهب المالكية:
كذلك أجازوا اضافتها فقد جاء فى الشرح الكبير للدردير (٢) يفيد جواز استئجار أى شئ من حيوان أو غيره مدة تلى مدة أخرى باجارة سابقة لنفس الشئ المستأجر لمن استأجره ولغيره مثل أن يكون قد أجر شخص دارا لفلان مدة سنة معينة ثم يؤجرها له فى أثناء المدة سنة أخرى تلى هذه السنة أو يؤجرها لغيره مدة تلى هذه السنة.
مذهب الشافعية:
يفرقون بين اجارة الذمة واجارة الأعيان فيجوزون اضافة اجارة الذمة الى زمن مستقبل. كأن يؤجر شخص آخر ليحمل متاعه من بلدة كذا الى بلدة أخرى أول الشهر الآتى وذلك لثبوت الالتزام فى ذمة الأجير دينا عليه والدين يقبل التأجيل. أما اجارة الأعيان فلم يجوزوا فيها الاضافة فلا تجوز اجارة عين لمنفعة مستقبلة كأجرتك هذه الدار السنة المقبلة أو الشهر الآتى بعد أيام مثلا وهذا كما يرى من قبيل اضافة العقد الى زمن مستقبل. وقد استثنوا من هذا المنع بعض صور منها أن تكون الاجارة ليلا لمنفعة فى النهار التالى له ووجه الاستثناء فى هذا ظاهر اذ الليل تابع للنهار كما أجازوا اجارة أرض لزراعتها قبل ريها اذ المعنى فى ذلك تسكين المستأجر من اعدادها للزراعة وكذلك أجازوا اجارة شخص للحج عن الغير مع خروج قافلة بلده وهذا كما يظهر عن اجارة الذمة فى الواقع وكذلك أجازوا اجارة دار ببلد غير بلد العاقدين أو مشغولة بأمتعة اثر اخراجها منها بشرط عدم مضى مدة لها أجر والوجه فى هذا ظاهر أيضا وكذلك استثنوا اجارة عين لمستأجر مدة تلى مدة أخرى لو استأجر فيها هذه العين أو لموصى له بمنفعتها اذا كانت المدة تلى مدة انتفاعه بالوصية وذلك لاتصال المدتين فاشبه ما لو استأجرها مدة واحدة تساوى مجموع المدتين وقيل لا يصح ذلك أيضا كما لو أجرت لغيره. ولو قال شخص لآخر أجرتك هذه الدار سنة فاذا انقضت فقد أجرتكها سنة أخرى لم يصح لأن ذلك تعليق والاجارة لا تصح مع التعليق كما لو علق اجارتها بمجئ الشهر الآتى ولو استأجر شخص دارا من مستأجرها كان للمالك أن يؤجره للمستأجر الثانى مدة تلى مدته لأنه المستحق لمنفعتها وبه جزم صاحب الأنوار وهو مقتضى كلام القاضى والبغوى واليه مال صاحب الروضة. وفى اجارة الوارث الدار لمستأجر استأجرها من مورثه فى حياته مدة تلى مدة اجارته تردد والأقرب الجواز لأن الوارث نائب عن المورث قال الزركشى وهذا كله بشرط اتصال المدتين والا لم يصح (٣).
стр. 557
مذهب الحنابلة:
يرون جواز اضافة الاجارة الى زمن مستقبل مطلقا سواء أكانت اجارة ذمة أم اجارة عين (١).
وفى المغنى: ولا يشترط فى مدة الاجارة أن تلى عقدها بل لو أجره سنة خمس وهم فى سنة ثلاث صح العقد وقال الشافعى لا يصح كما ذهب الى أنه لا يجوز أن يكترى بعيرا بعينه الا عند خروجه لذلك ولنا أن هذه اجارة يصح العقد عليها مع غيرها فجاز العقد عليها مفردة مع عموم الناس كالتى تلى العقد وانما تشترط الأجرة على تسليم العين عند وجوب تسليمها كالمسلم فيه ولا فرق بين كونها مشغولة وغير مشغولة عند العقد الا ترى أنه يجوز أن يؤجرها من المكترى مدة تلى اجارته ولا تلى العقد واذا صح ذلك فلا بد من بيان ابتداء المدة كما لا بد من بيانه نهائيا فاذا أطلق ابتدأت من حين العقد (٢)
مذهب الظاهرية:
ويرى ابن حزم الظاهرى انه لا يجوز اشتراط تأخير الشئ المستأجر ولا تأخير العمل المستأجر له طرفة عين فما فوق ذلك لأنه شرط ليس فى كتاب الله تعالى فهو باطل ومن هذا استئجار دار مكتراة أو عبد مستأجر أو دابة مستأجرة أو عامل مستأجر أو غير ذلك. كذلك قبل تمام الاجارة التى هو مشغول فيها لأن فى هذا العقد اشتراط تأخير قبضه الشئ المستأجر أو العمل المستأجر له وهذا صريح فى عدم جواز اضافة الاجارة وعدم جواز تعليقها أيضا (٣).
مذهب الزيدية:
والزيدية يذهبون الى عدم جواز اجارة الأعيان فى زمن مستقبل سواء أكانت مؤجرة أم لا ويرى المؤيد بالله والناصر أنها تصح مع الاضافة وقيل ان كانت مؤجرة فعلا لم تصح والا جازت اضافتها أما اجارة الذمة وهى الاجارة على الأعمال فتصح اضافتها الى وقت مستقبل (٤).
مذهب الإمامية:
والشيعة الإمامية أجازوا اضافة الاجارة بدليل أنهم أجازوا السلم فيها وليس الاضافة (٥) ولكن جاء قبل ذلك فى تحرير الأحكام ولو شرط فى عقد الاجارة مدة متأخرة عن العقد قال الشيخ لم يجز العقد وقال صاحب التحرير وعندى فيه نظر وجاء فى موضع آخر فى الصفحة نفسها لا يشترط فى مدة الاجارة اتصالها بالعقد ولو أجره عن شهر المحرم وهما فى رجب صحت والخلاصة أن عندهم فى جواز اضافتها قولين كما فى شرائع الاسلام (٦) وفى اجارة الذمة يجوز التعجيل والتأجيل لأن الالتزام فيها دين ولكن لو استأجره لخياطة ثوب فى خمسة أيام بعد شهر لم يجز ولو استأجره هذا الوقت شهرا بكذا وما زاد فبحسابه صح فى شهر فقط.
стр. 558
مذهب الإباضية:
ويرى الإباضية كما جاء فى شرح النيل (١) ما يدل صراحة على جواز اضافة البيع والهبة والرهن والصدقة والاصداق بل وعلى جواز تعليقها. ومن السائغ أن يجعل ذلك دليلا على أنهم يجوزون اضافة الاجارة وتعليقها.
التعليق
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية عدم جواز تعليق الاجارة على الشرط لأنها تمليك والتعليق عندهم مفسد للتمليكات سواء أكانت فى الأعيان أم فى المنافع لأنها انما شرطت لافادة آثارها فى الحال واستثنوا من ذلك الوصية لأنها بطبيعتها عقد مضاف وذلك ما يجعله قابلا للتعليق اذ هو فى الحقيقة ضرب من الاضافة وبناء على هذا اذا أجر شخص آخر أرضه فى جهة كذا ان زوجه ابنته مثلا فالعقد فاسد (٢).
مذهب المالكية:
ويرى المالكية عدم جواز تعليق الاجارة فقد نص القرافى فى فروقه على أن الاجارة فاسدة مع التعليق كان قدم زيد فقد أجرتك كذا (٣).
مذهب الشافعية:
وكذلك يرى الشافعية عدم جواز تعليقها كما نص على ذلك فى نهاية المحتاج (٤).
مذهب الحنابلة:
جاء فى مطالب أولى النهى ولا يشترط أن تلى مدة الاجارة العقد فتصح اجارة عين لسنة خمس فى سنة أربع. وهذا ما يدل على جواز اضافة الاجارة لمعرفة ابتداء مدتها ولا يدل على جواز تعليقها لجهالة ابتداء المدة بسبب جهالة حدوث الشرط المعلق عليه ولكن جاء فى الاختيارات لابن القيم (٥): ومن الحكام من يرى أن الاجارة لا تجوز الا اذا أمكن الانتفاع بالعين المستأجرة عقب العقد فان أراد أن يستأجر أرضا للازدراع ذكر أنه يستأجرها مقيلا ومراحا ومزدرعا ونحو ذلك حتى تكون المنفعة ممكنة أثر العقد. وهذا يدل على عدم جواز اضافة الاجارة وتعليقها وعلى ذلك يكون فى جواز اضافتها رأيان عندهم وفى تعليقها رأى واحد هو عدم الجواز.
مذهب الظاهرية:
ويرى ابن حزم الظاهرى: عدم جواز تعليق الاجارة كما أشير الى ذلك فى حكم اضافتها عنده (٦).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار: ان عقد الاجارة على وقت مستقبل لا يصح سواء أكانت العين مؤجرة أم لا وفى الابانة ان كانت مؤجرة لم تجز والا جاز وهذا فى غير الأعمال فانه يصح عقدها على وقت مستقبل مطلقا وهذا يدل على عدم صحة تعليقها اذا التعليق اجارة فى وقت مستقبل فى غير الأعمال
стр. 559
ولكن جاء فى حاشية شرح الأزهار: ولعل التعليق يدخل الاجارة الصحيحة فيكون الحكم لما وقع به الشرط (١).
مذهب الإمامية:
مقتضى ما نقل عن الشيخ فى الاضافة عدم جواز تعليقها عنده (٢).
مذهب الإباضية:
مقتضى ما أشير اليه فى اضافتها أنهم يجوزون تعليقها أيضا (٣).
الاشتراط فى الاجارة
لكل عقد آثار شرعية رتبها الشارع عليه دون حاجة الى النص عليها عند انشائه وهذه الآثار قد لا تفى برغبات العاقدين وأغراضهما وعندئذ يحتاجان الى اشتراط فى العقد عند انشائه ما يحقق لهما ما يرغبان فيه من انشاء العقد غير أن هذه الشروط التى يرى العاقدان اضافتها اليه عند انشائه تحقيقا لغرضهما شروط متعددة مختلفة ومنها ما يتفق وما شرع لأجله العقد ومنها ما يخالف مقتضاه ويتعارض مع آثاره الشرعية لذلك لم يترك أمر الاشتراط فى العقود فوضى بدون ضوابط بل حددت لها حدود يجب ألا يتجاوزها الاشتراط وهذه الحدود تختلف سعة وضيقا باختلاف أنظار الفقهاء فأوسعهم حدودا الحنابلة والشيعة وأضيقهم حدودا الظاهرية وفيما بين ذلك سائر المذاهب على اختلاف بينها وقد جعل الحنفية منها شروطا صحيحة ومنها شروطا فاسدة ومنها شروطا باطلة. وعرفوا الشرط الصحيح بأنه ما جاء به شرع أو جرى به عرف أو جاء مؤكدا لمقتضى العقد كما عرفه الشافعية بانه ما كان فى مصلحة العقد اشتراطه وأريد به غرض صحيح واقتران عقد الاجارة وغيره من العقود بالشرط الصحيح لا يؤثر فى صحته بل يلزم الوفاء به مع العقد أما اقترانه بغير الصحيح فانه يفسده عند الحنفية اذا كان الشرط فاسدا وهو ما لم تتوفر فيه شروط الصحيح وفيه منفعة لأحد العاقدين أو لآخر غيرهما.
وجاء فى الدر المختار أن الاجارة تفسدها الشروط المخالفة لمقتضى العقد وان كل ما يفسد البيع يفسدها كجهالة المستأجر أو الأجرة أو المدة وكاشتراط اصلاح محل المنفعة أو القيام بمغارمه كما تفسد بعدم التسمية ولكن اذا كان باطلا بطل وصح العقد وفى بيان الشروط الصحيحة وغير الصحيحة وبيان أثرها اذا اقترنت بعقد الاجارة خلاف بين المذاهب يرجع اليه فى مصطلح «اشتراط أو شرط» (٤).
المدة فى عقد الاجارة
ذكرنا فيما سبق أن محل عقد الاجارة اذا كان منفعة ممتدة تستمر مع سير الزمن وجب لصحتها بيان مدتها لتكون معيارا وتقديرا لمحل العقد سواء أكانت تلك المنفعة عملا يقوم به عامل كالخدمة فى منزل وحراسة المنازل ورعى الأغنام ونحو ذلك وكذلك الحكم اذا كان محل الاجارة مجرد انتفاع
стр. 560
ممتد يبغيه المستأجر من العين التى استأجرها كالسكنى فى المنازل والركوب فى الدواب اذا لم يقيد بمسافة معينة واللبس فى الثياب وما الى ذلك. وأما اذا كان المحل منفعة معينة محددة كاصلاح آلة ونسخ كتاب وشق طريق وبناء منزل والتوصيل الى مكان معين فلا تحتاج الاجارة الى ذكر مدة لها لتعين محلها بوصفه. ويلاحظ أنه لا فرق فى ذلك بين أن تتعلق المنفعة بعين كدار ودابة وبين أن تتعلق بشخص من الأشخاص سواء أكان أجيرا خاصا كموظف فى مصلحة أو أجيرا مشتركا كحداد وخياط وراع للغنم وحارس للمزارع غير أنه بالنسبة الى الأجير الخاص لا تعرى الاجارة عن المدة لأن العقد يقع عليها فى الواقع وبالنسبة الى الأجير المشترك قد يجب فيها ذكر المدة كما فى الراعى يرعى الغنم بكل من يطلب اليه ذلك وقد لا يجب فيها ذكر المدة كالحداد والنجار وما الى ذلك أما الأعيان فالكثير الغالب فى استئجارها أنها تستأجر بمنفعة لها تمتد مع الزمن ولذا لا تعرى اجارتها عن مدة اللهم الا اذا استأجر قلما لنسخ كتاب ففى مثل ذلك لا تتوقف صحة الاجارة على مدة واذا ما لزم فى عقد الاجارة وجب أن تكون محددة حتى تصلح معيارا ووجب بيان بدايتها فان لم يذكر لها بداية ابتدأت من وقت العقد وعند بيان بدايتها فان العقد يبتدئ من ذلك الوقت مع ملاحظة ما سبق ذكره بالنسبة الى الشافعية ومن ذهب مذهبهم وهو وجوب ابتداء الوقت فى الاجارة من وقت العقد دائما وعدم صحة اضافتها وأقل مدة تصح بها الاجارة هو ماله أجر عرفا فاما مالا يعطى فيه أجر عرفا لقصره كاستئجار دار للسكنى خمس دقائق فلا تصح معه الاجارة. ولا حد لأكثرها عند الحنفية. جاء فى الفتاوى الهندية (١) ويصح عقد الاجارة على مدة معلومة أية مدة كانت قصرت المدة كاليوم ونحوه أم طالت كالسنين كذا فى المضمرات واذا وقع عقد الاجارة على أشهر مثلا معدودات فان كان فى غرة الشهر وقع على الأهلة بلا خلاف حتى اذا نقص الشهر يوما كان عليه كمال الأجرة وان وقع فى أثناء الشهر احتسب ثلاثين يوما بالاجماع وكمل من أيام الشهر التالى ان كانت المدة شهرا واحدا فان كانت أشهرا معدودات ففى احتساب المدة حينئذ روايتان عن أبى حنيفة احداهما تقضى باعتبار الشهور كلها بالأيام وثانيتهما تقضى باكمال الشهر الأول من أيام آخر الشهور مع احتساب ما بين ذلك بالأشهر الهلالية وهذا اذا لم يقض العرف بخلاف ذلك فان كان العرف يقضى بارادة الأشهر الشمسية لا القمرية اعتمد العرف وارجع فى تفصيل هذه الأحكام وبيانها فى المذاهب الى مصطلح «أجل».
واذا وجب لصحة عقد الاجارة ذكر مدة له كان الشرط فيها أن تكون مدة للعمل الذى تم عليه العقد فيها أجر عرفا فان لم يكن له فيها أجر عرفا لم تصح الاجارة لفوات شرط تقويم المنفعة محل العقد وهذا ما يحد به أقلها ولا حد لأكثرها عند الحنفية فيجوز أن تقع على سنين معدودة تعجل أجرتها أو لا تعجل على حسب ما يتم عليه العقد واستثنوا اجارة الأعيان الموقوفة
стр. 561
فقالوا لا يجوز أن تزيد مدة الاجارة فى الضياع على ثلاث سنين وجاء فى الجوهرة ان الحكم كذلك فى أرض اليتيم وجاء فى حاشية الرملى أنه يجرى أيضا فى أراضى بيت المال وان الفتوى على ذلك صونا لها عن دعوى الملكية فيها استنادا الى طول المدة (١) «وارجع فى تفصيل ذلك وبيان أحكام المذاهب فيه الى مصطلح «اجارة الوقف»
مذهب المالكية:
وذهب المالكية الى أنه يجوز كراء الدار الى مدة لا تتغير فيها غالبا وينقد الأجرة عليها ذكر ذلك ابن شاش فاما ما لا يؤمن تغيرها فيه لطول المدة أو لضعف البناء وشبه ذلك فيجوز العقد دون نقد الأجرة ما لم يغلب على الظن أنها لا تبقى الى المدة المعينة فلا يجوز كراؤها اليها قال مالك لا بأس باجارة العبد عشر سنين الى خمس عشرة سنة وقال ابن يونس تجوز اجارة الدور الى ثلاثين سنة بنقد وبأجل لأنها مأمونة (٢).
مذهب الشافعية:
ويرى الشافعية (٣) صحة عقد الاجارة فى العين على مدة تبقى فيها تلك العين بصفاتها المقصودة على ما يظن غالبا كسنة فى نحو ثوب وعشر سنوات فى الدابة ومائة سنة أو أكثر فى الأرض سواء أكانت وقفا أم لا وفى قول لا يزاد فى مدة الاجارة على سنة لأن الحاجة تندفع بذلك وفى قول لا تزيد على ثلاثين سنة لأن الغالب تغير الأشياء بعدها.
مذهب الحنابلة:
ويرى الحنابلة ان سدة الاجارة لا حد لأكثرها بل يجوز اجارة العين المدة التى تبقى فيها وان طالت وهذا قول كافة أهل العلم وعند الشافعية فى ذلك قولان (٤).
مذهب الظاهرية:
وفى المحلى لابن حزم: وجائز استئجار الدور والدواب وغير ذلك الى مدة قصيرة أو طويلة اذا كان مما يمكن بقاء المؤجر والمستأجر والشئ المستأجر اليها فان كان لا يمكن بقاء أحدهم اليها لم يجز العقد وكان مفسوخا أبدا (٥).
مذهب الزيدية:
ويرى الزيدية أنه لا حد لأكثرها أيضا أما أقلها فهو ماله أجرة عرفا أو ما فى حكم ذلك كالأعمال المحصورة المعينة كالخياطة ونحوها (٦).
مذهب الإمامية:
وفى تحرير الأحكام للشيعة ليس لمدة الاجارة حد لأكثرها بل يجوز على ما يتفق عليه العاقدان سنة أو ثلاثين سنة أو أكثر واذا ذكرت المدة لم يجب تقسيط الأجرة فيها على الأيام أو على الأشهر أو على السنين ولو قسطت جاز.
مذهب الإباضية:
وجاء فى شرح النيل ومن شرط المدة تحديدها كيوم وجمعة وشهر وسنة لا الى أجل لا يبلغ اليه عادة كخدمة عبد ألف سنة أو
стр. 562
عشرة آلاف سنة مما لا يعاش اليه عادة أو مما يعاش اليه لكن العادة ألا يطيق تلك الخدمة من عاش اليه.
المدة فى عقد الاجارة
مذهب الحنفية:
واذا شرطت المدة فى عمل محدد معين لا يمتد كأن يستأجر شخص آخر ليخيط له هذا الثوب اليوم ونحوه قدم ذكر اليوم أو أخره فالعقد فاسد عند أبى حنيفة وعند صاحبيه العقد جائز وعلى هذا الخلاف اذا استأجر دابة لتوصله الى بلدة كذا فى ثلاثة أيام مثلا وجه قولهما ان المعقود عليه هو العمل لأنه المقصود من العقد وهو معلوم فكان ذكر المدة للتعجيل ولم تكن المدة معقودا عليها فلم يمنع ذكرها من صحة العقد فان وقع العمل فى المدة المبينة وجب الأجر كله وان لم ينته فى المدة المعينة وجب اتمامه بعد المدة بمقتضى العقد غير أنه اذا لم يتم الا بعد المدة المعينة تبين ان استحقاق المسمى لم تتوافر شروطه ووجب بذلك أجر المثل لا يزاد على ما شرط فى العقد ومعنى ذلك أن العقد يتبين فساده بانتهاء المدة قبل تمام العمل اذ أن وجوب أجر المثل دون المسمى دليل صيرورة العقد فاسدا - ووجه قول أبى حنيفة أن المعقود عليه مجهول لأن العقد تضمن أمرين كل منهما يجوز أن يكون معقودا عليه وهما العمل والمدة أما العمل فالأمر فيه ظاهر وأما المدة فلأنه لو استأجر شخصا يوما للخبازة من غير ذكر مدة جاز وحكمها مختلف لأن العقد على المدة يقتضى وجوب الأجر من غير عمل لصيرورته بذلك أجيرا خاصا والعقد على العمل يقتضى وجوب الأجر بالعمل لأنه يصير أجيرا مشتركا واذا صلح كل منهما لأن يكون محلا للعقد وليس أحدهما بأولى من الآخر فى اعتباره محلا له كان المعقود عليه مجهولا وذلك يوجب فساد العقد وليس هذا مثل الاجارة على العمل بشرط أن ينته فى يومه اذا لم يجعل الوقت فى مثل هذا معقودا عليه بل جعل صفة للعمل بدليل انه لو لم يعمل شيئا فى اليوم الأول وعمل فى اليوم الثانى استحق أجر المثل لأنه قام بعمل غير ما تم عليه العقد، ذلك ما ذهب اليه الحنفية (١).
مذهب المالكية:
ويرى المالكية أنه اذا جمع بين العمل والزمن فان كان الزمن مساويا للعمل بحيث يقضى العرف أو العادة باتمام العمل فيه فقد ذكر ابن رشد ان الاتفاق على المنع وفساد العقد وذكر فيه ابن عبد السّلام أن القول بعدم الجواز أحد قولين مشهورين ثانيهما عدم الفساد، وان كان الزمن أوسع من العمل عادة فقد ذكر فيه ابن عبد السّلام الاتفاق على الجواز وذكر ابن رشد فيه أنه ممنوع على المشهور وجائز على خلافه وعلى القول بالفساد فالواجب باتمام العمل أجر المثل بالغا ما بلغ (٢).
مذهب الشافعية:
ويرى الشافعية انه اذا جمع بين الزمن والعمل بأن استأجره ليخيط هذا الثوب هذا
стр. 563
اليوم لم يصح العقد فى الأصح للغرر اذ قد يتقدم العمل أو يتأخر كما لو أسلم فى قفيز حنطة على أن يكون وزنه كذا حيث لا يصح السلم لاحتمال زيادته أو نقصه وذهب السبكى الى أن الثوب اذا كان صغيرا يفرغ من خياطته فى الزمن المحدد صح ولا عبرة باحتمال حصول عائق لأنه خلاف الغالب فلا يلتفت اليه وهذا اذا لم يقصد بالزمن الاستعجال بل قصد به التقدير فان قصد به الاستعجال فقط صح العقد لأنه فى هذه الحال يكون غير منظور اليه عند المتعاقدين والقول الثانى يصح العقد (١).
مذهب الحنابلة:
ويرى الحنابلة أنه اذا جمع بين الزمن والعمل كما لو استأجر أجيرا ليخيط له هذا الثوب فى هذا اليوم لم يصح العقد لأنه قد يفرغ منه قبل انقضاء اليوم فانه استكمل فى بقية اليوم فقد زاد على المعقود عليه وان لم يعمل فقد ترك العمل فى بعض زمنه الذى تضمنه العقد وذلك غرر يفسد به العقد ولكن يصح الجمع بين المدة والعمل جعالة لأنه يفتقر فيها ما لا يفتقر فى الاجارة واذا تم العمل قبل انقضاء المدة لم يلزمه العمل فى بقيتها لأنه وفى ما عليه قبل مدته فلا يلزمه شئ آخر كالمدين يقضى الدين قبل أجله وان مضت المدة قبل تمام العمل كان للمستأجر فسخ العقد لأن الأجير لم يف له بشرطه فان رضى البقاء على العقد لم يملك الأجير الفسخ لأن الاخلال من قبله وعند اختيار امضاء العقد يكون الأجير مطالبا بالعمل لا غير وان فسخ العقد كان للأجير أجر مثل ما عمل (٢).
مذهب الزيدية:
اذا جمع بين العمل والزمن بأن شرط المستأجر على الأجير عملا معينا فى زمن حدده كأن شرط عليه أن يوصل هذا الحمل الى بلدة كذا فى خمسة أيام فزاد عليها فسدت الاجارة واذا فعل كان له أجر المثل لا يزيد على المسمى وانما فسدت الاجارة فى هذه الحال لأنه لا يعلم محل العقد أهو العمل أم المدة.
مذهب الإمامية:
جاء فى تحرير الأحكام اذا جمع بين المنفعة والزمن كما لو استأجره ليخيط هذا الثوب فى هذا اليوم قال الشيخ لا يجوز لامكان الفعل فى أقل من ذلك الزمان أو أكثر - ويحتمل الجواز لأن الاجارة وقعت على العمل والمدة انما ذكرت للاستعجال وحينئذ ان انفرد قبل المدة لم يكن له أن يلزمه بالعمل فى باقيها والا كان للمستأجر فسخ العقد فان فسخه قبل البدء فى العمل فلا أجرة وان أتم شيئا منه كان له أجر مثله واذا اختار المستأجر الامضاء كان له الزام الأجير بباقى العمل خارج المدة لا غير وليس للأجير حق الفسخ (٣).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه عند الجمع بين المدة والعمل فى عقد الاجارة اختلاف فقيل
стр. 564
بالجواز وقيل بعدمه لأنه قد يتم العمل قبل الأجل أو بعده (١).
الاجارة الصحيحة أنواعها
والاجارة ضربان: اجارة ذمة واجارة عين:
ذلك لأنها قد تقع على منفعة عين أو شخص ولهذا النوع صورتان: أولهما أن تكون هذه المنفعة مستمرة الى أمد معلوم كاجارة دار للسكنى وثوب للبس وأجير للخدمة وضابطها أن تكون منفعة مستمرة معيارها الزمن لا تقدر الا به وثانيهما أن تكون هذه المنفعة غير مقدرة بالزمن ولا يتوقف تعيينها عليه كاصلاح آلة أو حمل متاع الى مكان كذا أو شق طريق الى جهة كذا أو غزل مقدار من الصوف أو نسج مقدار من الغزل أو هدم جدار معين أو نشر خشبة - والمنفعة فى هاتين الصورتين كما يرى قد تكون منفعة عين وقد تكون منفعة شخص واذا كانت منفعة عين فقد تكون عينا معينة بالاشارة اليها أو بالتسمية والوصف كهذه الدار أو كدارك بجهة كذا وقد تكون غير معينة وانما دل عليها بأوصاف تنطبق على أعيان كثيرة تجمعها وتندرج تحتها - وفى هذه الحال الأخيرة تكون الاجارة اجارة ذمة وذلك لشغل ذمة المؤجر بتقديم هذه العين التى دل عليها بأوصافها ليستوفى منها المستأجر المنفعة التى وقع عليها العقد وذلك بخلاف الحال السابقة عليها اذ لا تشغل ذمة المؤجر بشئ وليس عليه الا أن يمكن المستأجر من العين المستأجرة والفرق بين الحالين واضح ففى الحال السابقة حال اجارة الذمة اذا قدم المؤجر العين الى المستأجر فتلفت قبل تمام المعقود عليه لم تنفسخ الاجارة وكان عليه أن يقدم عينا أخرى وهكذا حتى يستوفى ما تم التعاقد عليه (٢) وفى الحال الأولى اذا مكن المؤجر المستأجر من العين فتسلمها ثم هلكت قبل تمام العمل انفسخت الاجارة لانعدام محلها وهو منفعة هذه العين التالفة بسبب تلفها بخلاف الحالة فى غير التعيين فان محل العقد لا يزول ولا ينعدم بتلف العين فيها اذ محلها منفعة تشغل ذمة المؤجر عليه الوفاء بها بأى عين يقدمها وهذه الحال هى ما تسمى باجارة الأعيان أو الأشياء واذا كانت المنفعة التى وقع عليها العقد منفعة شخص فقد تكون هذه المنفعة مستمرة يتوقف تقديرها على الزمن كالخدمة فى المنازل وحراسة المزرعة ورعى الأغنام وقد تكون منفعة لا يتوقف تقديرها على الزمن كاصلاح آلة وخياطة ثوب وحمل متاع الى جهة كذا وصناعة مكتب ونحو ذلك - وهذه الحال هى ما تسمى باجارة الأشخاص أو العمال والمستأجر فيها يسمى أجيرا وهو اما خاص ويقال له الأجير الواحد اذا ما قصر على العمل للمستأجر فى زمن معين كيوم أو شهر فلم يكن له أن يعمل لغيره فيه أو أجير مشترك وهو ما يجوز له أن يتقبل العمل ممن يطلبه اليه وان تعدد فى وقت واحد ومحل العقد فى الأجير الخاص هو الزمن المعين فى عقد الاجارة ولذا لم يكن عليه الا ان يسلم نفسه فيه سواء عمل أم لم
стр. 565
يمكن من العمل فيه ومحل العقد فى الأجير المشترك هو منفعته التى شغلت ذمته ووجب عليه الوفاء بها ولذا كانت اجارة الأجير المشترك من اجارة الذمة دائما ذلك بيان عام لأنواع الاجارة وفيما يلى بيان أحكامها.
اجارة الأعيان
مذهب الحنفية:
لقد علمت أن الاجارة لا ترد الا على المنافع فهى محل العقد أو المعقود عليه فى عقد الاجارة وهى كما يلاحظ معدومة عند انشاء العقد ولهذا يرى الحنفية اقامة الأعيان مقام منافعها فى عقد الاجارة واعتبر وجودها وجودا لمنافعها حتى يتحقق الارتباط بين المتعاقدين ومن ثم لم تصح اجارة معدوم - وبناء على ذلك اذا وقع عقد الاجارة على منفعة عين من الأعيان فقد يكون من قبيل اجارة الذمة كما قدمنا وقد يكون اجارة لعين معينة غير أن من الأعيان ما لا تتصور فيه اجارة الذمة وهو العقار لوجوب تعيينه فى عقد الاجارة.
فان كان من قبيل اجارة الذمة التزم المؤجر بموجبه أن يأتى بالعين التى تؤدى بها المنفعة محل العقد وان تكون على وفق ما تضمنه العقد من شروط وأوصاف فيها والا كان له ان يمتنع من تسلمها وليس للمؤجر أن يمتنع من تسليم العين للمستأجر حتى يؤدى اليه الأجر الا اذا كان قد شرط تعجيله اذ أنه لا يستحق الأجر بالعقد وانما يستحقه بتمكن المستأجر من الانتفاع أو باشتراط تعجيله ولذا لم يكن له الامتناع عن التسليم الا عند اشتراط التعجيل كما يلاحظ ان اشتراط التعجيل لا يصح فى الاجارة المضافة لما قدمنا وأنه يكفى فى التسليم التخلية بين العين وبين المستأجر على وضع لا يوجد معه مانع يمنعه من تسلمها والانتفاع بها وهذا اذا كان العقد خاليا من خيار الشرط أما عند ثبوت خيار الشرط فانما يجب التسليم بعد سقوطه (١) واذا كانت العين المستأجرة دابة وجب مع بيانها بيان من يركبها ان كانت الاجارة للركوب وما سيحمل عليها ان كانت للحمل لأن ذلك مما يتفاوت ويختلف باختلاف الناس وبيان الغاية التى استؤجرت اليها وبيان المدة والمكان الى غير ذلك مما يحدث النزاع بسبب ترك بيانه واذا كانت أرضا وجب بيان ما يزرع فيها والا فسدت الاجارة واذا كانت دارا للسكنى لم يجب بيان الساكن كما سيأتى (٢).
واذا مضى بعض مدة الاجارة دون تسليم للعين فأراد المؤجر تسليمها بعد مضى بعضها فليس للمستأجر أن يمتنع من تسلمها فى باقى المدة اذا لم يكن فى المدة المعينة وقت يرغب فيها لغرض فيه قد فات فان فات بتأخير تسليمها كان للمستأجر الخيار فى تسلمها وفسخ العقد لذلك (٣).
ويجب أن تكون العين سليمة من العيوب التى تحول دون الانتفاع بها أو تؤدى الى نقصه نقصا يفوت به غرض المستأجر والا بطلت أو كانت غير لازمة وكان للمستأجر