← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

طعامهما فليس لمن خص بنوع أن يطعم غيره منه وظاهره المنع سواء أخص بالنوع العالى أم بالسافل وهو محتمل، ويحتمل تخصيصه بمن خص بالعالى، ونقل الأذرعى هذا عن مقتضى كلام الأصحاب رحمهم الله تعالى. قال: وهو ظاهر. ويكره لصاحب الطعام أن يفاضل بين الضيفان فى الطعام لما فى ذلك من كسر الخاطر (١). وللضيف أن يأخذ ما يعلم رضا المضيف به - والمراد بالعلم ما يشمل الظن - لأن مدار الضيافة على طيب النفس فاذا تحقق ولو بالقرينة رتب عليه مقتضاه، ويختلف ذلك باختلاف الأحوال وبمقدار المأخوذ وبحال المضيف وبالدعوة، فان شك فى وقوعه فى محل المسامحة فالصحيح فى أصل الروضة التحريم. قال فى الأحياء: واذا علم رضا المضيف ينبغى له مراعاة النصفة مع الرفقة فلا ينبغى أن يأخذ الا ما يخصه أو يرضون به عن طوع لا عن حياء (٢). وتسن التسمية قبل الأكل والشرب ولو من جنب وحائض للأمر بها فى الأكل ويقاس به الشرب. ولو سمى مع كل لقمة فهو حسن وأقلها بسم الله وأكملها بسم الله الرحمن الرحيم وهى سنة كفاية للجماعة ومع ذلك تسن لكل منهم. فان تركها أول الطعام أتى بها فى أثنائه فان تركها فى أثناء الطعام أتى بها فى آخره فان الشيطان يتقايأ ما أكله أو شربه. ويسن الحمد بعد الفراغ من ذلك ويجهر بهما ليقتدى به فيهما. ويسن غسل اليد قبل الطعام وبعده لكن المالك يبتدئ به فيما قبله ويتأخر به فيما بعده ليدعو الناس الى كرمه. ويسن أن يأكل بثلاث أصابع للاتباع وتسن الجماعة والحديث غير المحرم كحكاية الصالحين على الطعام وتقليل الكلام أولى. ويسن أن يأكل الطعام الساقط الذى لم يتنجس أو تنجس ولم يتعذر تطهيره وطهر. ويسن أن يواكل الرجل عبيده وصغاره وزوجاته، وأن لا يخص نفسه بطعام الا لعذر كدواء بل يؤثرهم على نفسه ولا يقوم المالك عن الطعام وغيره بأكل ما دام يظن به حاجة الى الأكل ومثله من يقتدى به، وان يرحب بضيفه ويكرمه وأن يحمد الله على حصوله ضيفا عنده.

стр. 5007

ويكره أن يأكل متكئا (١)، ومثله المضطجع كما فهم بالأولى، ويكره أن يأكل مما يلى غيره أو أن يأكل من الأعلى والوسط، ونص الشافعى رحمه الله تعالى على تحريمه محمول على المشتمل على الايذاء. ويستثنى من ذلك نحو الفاكهة مما يتنفل به فيأخذ من أى جانب شاء، ويكره تقريب فمه من الطعام بحيث يقع من فمه اليه شئ. ويكره أن يذم الطعام، أما أن يقول: لا أشتهيه أو ما اعتدت أكله فلا كراهة، ويكره أن ينفض يده فى القصعة وأن يشرب من فم القربة، وأن يأكل بالشمال، وأن يتنفس أو ينفخ فى الاناء، ويكره البزاق والمخاط حال أكلهم ويكره أن يقرن تمرتين ونحوهما كعنبتين بغير اذن الشركاء. ويسن للضيف - وان لم يأكل - أن يدعو للمضيف كأن يقول أكل طعامكم الأبرار وأفطر عندكم الصائمون وصلت عليكم الملائكة وذكركم الله فيمن عنده. ويسن أن يقرأ سورة الاخلاص وسورة قريش ذكره الغزالى وغيره رحمهم الله تعالى. ويندب أن يشرب بثلاثة أنفاس بالتسمية فى أوائلها وبالحمد فى أواخرها ويقول فى آخر الأول الحمد لله ويزيد فى الثانى رب العالمين وفى الثالث الرحمن الرحيم. وأن ينظر فى الكوز قبل الشرب ولا يتجشأ فيه بل ينحيه عن فمه بالحمد ويرده بالتسمية والشرب قائما خلاف الأولى. ومن آداب الأكل أن يلتقط فتات الطعام وأن يقول المالك لضيفه ولغيره كزوجته وولده اذا رفع يده من الطعام: كل ويكرره عليه ما لم يتحقق أنه اكتفى منه، ولا يزيد على ثلاث مرات. وأن يتخلل ولا يبتلع ما يخرج من أسنانه بالخلال بل يرميه ويتمضمض بخلاف ما يجمعه بلسانه من بينها فانه يبلعه، وأن يأكل قبل أكله اللحم لقمة أو لقمتين أو ثلاثة من الخبز حتى يسد الخلل وأن لا يشم الطعام ولا يأكله حارا حتى يبرد. ومن آداب الضيف أن لا يخرج الا باذن صاحب المنزل وأن لا يجلس فى مقابلة حجرة النساء وسترتهن وأن لا يكثر النظر الى الموضع الذى يخرج منه الطعام ومن آداب المضيف أن يشيع الضيف عند خروجه الى باب الدار وينبغى للآكل أن يقدم الفاكهة ثم اللحم ثم الحلاوة وانما قدمت الفاكهة لأنها أسرع استحالة فينبغى أن تقع أسفل المعدة ويندب أن يكون على المائدة بقل (٢).

стр. 5008

مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى والشرح الكبير أنه تستحب التسمية عند الطعام وحمد الله عند آخره. لما روى عمر بن أبى مسلمة رحمه الله تعالى قال: أكلت مع النبى ﷺ فجالت يدى فى القصعة فقال: سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» قال فما زالت أكلتى بعد رواه ابن ماجة بمعناه ورواه أبو داود، وروى الامام أحمد رحمه الله تعالى باسناده عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال لا أعلمه الا عن النبى صلى ﷺ أنه قال: «للطاعم الشاكر مثل ما للصائم الصابر» قال أحمد رحمه الله تعالى: معناه اذا أكل وشرب يشكر الله ويحمده على ما رزقه فقد روى عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: اذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله فان نسى أن يذكر اسم الله فى أوله فليقل باسم الله أوله وآخره» رواه أبو داود، عن معاذ بن أنس رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من أكل طعاما فقال الحمد لله الذى أطعمنى هذا ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه، وعن أبى سعيد رضى الله تعالى عنه قال كان النبى ﷺ اذا أكل طعاما قال: الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين. وعن أبى أمامة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ كان اذا رفع طعامه أو ما بين يديه قال: الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه غير مكفى ولا مودع» رواهن ابن ماجة. ويسن أن يأكل بيمينه ويشرب بها لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما عن النبى ﷺ قال: اذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه واذا شرب فليشرب بيمينه فان الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة. ويستحب أن يأكل بثلاث أصابع لما روى كعب بن مالك رضى الله تعالى عنه قال كان رسول الله ﷺ يأكل بثلاث أصابع ولا يمسح يده حتى يلعقها رواه الامام أحمد، وذكر له حديث ترويه ابنة الزهرى رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ كان يأكل بكفه كلها فلم يصححه ولم ير الا ثلاث أصابع، وروى عن أحمد رضى الله تعالى عنه أنه أكل خبيصا بكفه كلها. وروى عن عبد الله بن بريده رضى الله تعالى عنه أنه كان ينهى بناته أن يأكلن بثلاث أصابع وقال لا تشبهن بالرجال. قال مهنا سألت أحمد رحمه الله تعالى عن حديث عائشة رضى الله

стр. 5009

تعالى عنها عن النبى ﷺ أنه قال: لا تقطعوا اللحم بالسكين فان ذلك صنيع الأعاجم» فقال ليس بصحيح، لا نعرف هذا، وقال: حديث عمرو بن أمية الضمرى خلاف هذا كان النبى ﷺ يحتز من لحم الشاة فقام الى الصلاة وطرح السكين، وحديث مسعر عن جامع بن شداد عن المغيرة اليشكرى عن المغيرة بن شعبة رضى الله تعالى عنهم: ضفت برسول الله ﷺ ذات ليلة فأمر بجنب فشوى ثم أخذ الشفرة فجعل يحز فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فألقى الشفرة. وروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال: لم يكن رسول الله ﷺ ينفخ فى طعام ولا شراب ولا يتنفس فى الاناء وعن أنس رضى الله تعالى عنه قال: ما أكل النبى ﷺ على خوان ولا فى سكرجة قال قتادة: فعلام كانوا يأكلون؟ قال على السفر. وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ نهى أن يقام على الطعام حتى يرفع. وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ اذا وضعت المائدة فلا يقم رجل حتى ترفع المائدة ولا يرفع يده وان شبع حتى يفرغ القوم وليعذر فان الرجل يخجل جليسه فيقبض يده، وعسى أن يكون له فى الطعام حاجة. وسئل عن الرجل يأتى القوم وهم على طعام فجأة لم يدع اليه فلما دخل اليهم دعوه هل يأكل؟ قال: نعم وما بأس وسئل عن حديث النبى ﷺ أنه ادخر لأهله قوت سنة هو صحيح؟ قال: نعم ولكنهم يختلفون فى لفظه. وعن أنس رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ جاء الى سعد ابن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبى ﷺ : أفطر عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة. وعن جابر رضى الله تعالى عنه قال صنع أبو الهيثم ابن التيهان للنبى ﷺ طعاما فدعا النبى ﷺ وأصحابه فلما فرغوا قال ﷺ : أثيبوا أخاكم. قالوا يا رسول الله وما اثابته؟ قال: ان الرجل اذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه فدعوا له فذلك اثابته رواه أبو داود (١). وعلى المضيف أن لا يحرم ضيفه فقد روى أن رسول الله ﷺ

стр. 5010

قال: أيما رجل ضاف قوما فأصبح الضيف محروما فان نصره على كل مسلم حتى يأخذ بحقه من زرعه وماله. والواجب يوم وليلة والكمال ثلاثة أيام لما روى أبو شريح الخزاعى رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة ولا يحل لمسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه. قالوا يا رسول الله كيف يؤثمه؟ قال: يقيم عنده وليس عنده ما يقريه» متفق عليه. قال الامام أحمد رحمه الله تعالى: جائزته يوم وليلة كأنه أوكد من سائر الثلاثة ولم يرد يوما وليلة سوى الثلاثة لأنه يصير أربعة أيام، وقد قال: وما زاد على الثلاثة فهو صدقة فان امتنع من اضافته فللضيف بقدر ضيافته. قال أحمد رحمه الله تعالى له أن يطالبهم بحقه الذى جعله له النبى ﷺ ، ولا يأخذ شيئا الا بعلم أهله. وعنه رواية أخرى أن له أن يأخذ ما يكفيه بغير اذنهم لما روى عقبة بن عامر رضى الله تعالى عنه قال: قلنا يا رسول الله انك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا. قال: اذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا فان لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذى ينبغى لهم» متفق عليه. وقال أحمد رحمه الله تعالى فى تفسير قول النبى ﷺ : «فله أن يعقبهم بمثل قراه» يعنى أن يأخذ من أرضهم وزرعهم وضرعهم بقدر ما يكفيه بغير اذنهم (١). قال المروذى رحمه الله تعالى: رأيت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده وان كان على وضوء. وقال مهنا: ذكرت ليحيى بن معين حديث قيس بن الربيع عن هاشم عن زاذان عن سلمان رضى الله تعالى عنهم عن النبى ﷺ قال: بركة الطعام الوضوء قبله وبعده» فقال لى يحيى: ما أحسن الوضوء قبله وبعده، وذكرت الحديث لأحمد رحمه الله تعالى فقال ما حدث بهذا الا قيس ابن الربيع، ويكره أن يكون الرغيف تحت القصعة، روى عن عقيل قال: حضرت مع ابن شهاب وليمة ففرشوا المائدة بالخبز فقال: لا تتخذوا الخبر بساطا. وقال المروذى قلت لأبى عبد الله أن أبا معمر قال: ان أبا أسامة قدم اليهم خبزا فكسره، قال: هذا لئلا تعرفوا كم تأكلون. ويكره الأكل متكئا لقول النبى ﷺ : لا آكل متكئا» رواه أبو داود، وعن شعيب بن عبد الله بن

стр. 5011

عمرو، عن أبيه رضى الله تعالى عنهم قال: ما رئى رسول الله ﷺ يأكل متكئا قط رواه أبو داود. وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ أن يأكل الرجل وهو منبطح رواه أبو داود (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أن تسمية الله تعالى فرض على كل آكل عند ابتداء أكله، ولا يحل لأحد أن يأكل بشماله الا أن لا يقدر فيأكل بشماله لأمر النبى ﷺ عمر بن أبى سلمة رضى الله تعالى عنه بالتسمية والأكل باليمين. وروى من طريق الليث عن أبى الزبير عن جابر رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ : «لا تأكلوا بالشمال فان الشيطان يأكل بالشمال وهذا عموم فى النهى عن شماله وشمال غيره فان عجز فالله تعالى يقول «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» (٢) وقال النبى ﷺ : «اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم (٣). ولا يحل الأكل فى آنية أهل الكتاب حتى تغسل بالماء اذا لم يجد غيرها لما رويناه من طريق مسلم عن أبى ثعلبة الخشنى رضى الله تعالى عنه، قال: قلت يا رسول الله انا بأرض قوم من أهل الكتاب نأكل فى آنيتهم؟ فقال ﷺ أما ما ذكرت من أنكم بأرض قوم أهل كتاب تأكلون فى آنيتهم فان وجدتم غير آنيتهم فلا تأكلوا فيها وان لم تجدوا فاغسلوها وكلوا (٤). ولا يحل الأكل من وسط الطعام ولا أن تأكل مما لا يليك سواء كان الطعام صنفا واحدا أو أصنافا شتى، فلو أن المرء أخذ شيئا مما يلى غيره ثم جعله أمام نفسه وتركه ثم أخذه فأكله فلا حرج عليه فى ذلك لما روينا من طريق سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى عن سعيد بن جبير قال سمعت ابن عباس رضى الله تعالى عنهم يقول قال رسول الله ﷺ : البركة تنزل وسط الطعام فكلوا من نواحيه ولا تأكلوا من وسطه» وروى من طريق البخارى عن عمر بن أبى سلمة المخزومى رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: كل مما يليك (٥). ومن أكل وحده فلا يأكل الا مما يليه لما ذكرنا آنفا

стр. 5012

فان أدار الصحفة فله ذلك لأنه لم ينه عن ذلك فان كان الطعام لغيره لم يجز له أن يدير الصحفة لأن واضعها أملك بوضعها، ولم يجعل له ادارتها انما جعل له أن يأكل مما يليه فقط، فان كانت القصعة والطعام له فله أن يديرها كما يشاء وأن يرفعها اذا شاء لأنه ماله، وليس له أن يأكل الا مما يليه لأن أمر النبى ﷺ بذلك عموم، وقال الله : «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ،﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢). ولا يحل (٣) القران (٤) فى الأكل الا باذن المؤاكل الا أن يكون الشئ كله لك فافعل فيه ما شئت لما روينا من طريق البخارى عن جبلة بن سحيم أنه سمع ابن عمر رضى الله تعالى عنهم يقول وهو يمر بهم وهم يأكلون - لا تقارنوا فان رسول الله ﷺ نهى عن القران الا أن يستأذن الرجل أخاه. قال ابن شعبة: الاذن من قول ابن عمر (٥). ولا يحل الأكل ولا الشرب فى آنية الذهب أو الفضة لا لرجل ولا لامرأة فان كان مضببا بالفضة جاز الأكل والشرب فيه للرجال والنساء، لأنه ليس اناء فضة فان كان مضببا بالذهب أو مزينا به حرم على الرجال لأن فيه استعمال ذهب وحل للنساء لأنه ليس اناء ذهب لما روينا من طريق مسلم عن أم سلمة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها أن رسول الله ﷺ قال: الذى يأكل أو يشرب فى آنية الذهب والفضة انما يجرجر فى بطنه نار جهنم» فهذا عموم يدخل فيه الرجال والنساء، وصح عن النبى ﷺ ان الذهب حرام على ذكور أمته حل لأناثها، وروينا عن على رضى الله تعالى عنه أنه أتى بفالوذج فى اناء فضة فأخرجه وجعله على رغيف وأكله (٦). ولا يحل أكل ما ذبح أو نحر فخرا أو مباهاة لقول الله : ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ» (٧) وهذا مما أهل لغير الله به، وقد روينا من طريق أحمد بن شعيب ان على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: لعن الله من لعن والده ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا

стр. 5013

ولعن الله من غير منار الأرض (١). والسرف حرام - وهو النفقة فيما حرم الله تعالى قلت أو كثرت ولو أنها جزء من قدر جناح بعوضة أو هو التبذير فيما لا يحتاج اليه ضرورة مما لا يبقى للمنفق بعده غنى، أو هو اضاعة المال وان قل برميه عبثا، فما عدا هذه الوجوه فليس سرفا وهو حلال وان كثرت النفقة - لقول الله (٢) «وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» وما سقط (٣) من الطعام ففرض أن يؤكل، وروى من طريق حماد بن سلمة عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنهم أن النبى ﷺ قال: اذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان وأمرنا أن نسلت (٤) القصعة قال فانكم لا تدرون فى أى طعامكم البركة (٥). ويكره الأكل متكئا ولا نكرهه منبطحا على بطنه وليس شئ من ذلك حراما لانه لم يأت نهى عن شئ من ذلك وما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال وقد روينا من طريق البخارى باسناده عن على بن الأقمر قال سمعت أبا جحيفة رضى الله تعالى عنهم يقول: قال النبى ﷺ : انى لا آكل متكئا» فليس هذا نهيا فى الأصل لكنه ﷺ آثر الأفضل فقط. أما عن الأكل منبطحا فان ما رويناه فى ذلك من طريق أبى داود باسناده عن جعفر بن يرقان عن الزهرى عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضى الله تعالى عنهم عن النبى ﷺ أنه نهى عن أن يأكل الرجل منبطحا على بطنه» خبر لم يسمعه جعفر من الزهرى، فسقط (٦)، وغسل اليد قبل الطعام وبعده حسن لما روينا من طريق أبى داود باسناده عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : من نام وفى يده غمر (٧) ولم يغسله فأصابه شئ فلا يلومن الا نفسه، قال أبو محمد: فهذا ندب لا أمر، والجرذ (٨) ربما عض أصابع المرء اذا شم فيها رائحة الطعام. أما غسل اليد قبل الطعام فلم يأت نهى عنه (٩). وحمد الله تعالى

стр. 5014

عند الفراغ من الأكل حسن ولو بعد كل لقمة لانه فعل خير وبر وفى كل حال. وقطع اللحم بالسكين للأكل حسن ولا نكره قطع الخبز بالسكين للأكل أيضا وتستحب المضمضمة من الطعام لما روينا من طريق البخارى باسناده عن سويد بن النعمان أن رسول الله ﷺ أكل سويقا ثم دعا بماء فتمضمض، وروى من طريق الليث عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم أن النبى صلّى الله وسلم شرب لبنا ثم تمضمض بالماء وقال ان له دسما. وصح أنه ﷺ شرب لبنا ولم يتمضمض فلم يأت بها أمر ولا نهى فهى فعل حسن ومباح. وروى من طريق البخارى باسناده عن جعفر بن عمرو بن أمية أن أباه أخبره أنه رأى رسول الله ﷺ يحتز من كتف شاة فدعى الى الصلاة فألقاها والسكين التى يحتز بها ثم قام فصلى ولم يتوضأ ولم يأت نهى عن قطع الخبز وغيره بالسكين فهو مباح (١). واكثار المرق حسن وتعاهد الجيران منه ولو مرة فرض، وذم ما قدم الى المرء من الطعام مكروه لكن ان اشتهاه فليأكله وان كرهه فليدعه وليسكت. والأكل معتمدا على يسراه مباح: لما روينا من طريق شعبة عن أبى ذر رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ قال: اذا طبختم اللحم فأكثروا المرق وأطعموا الجيران، وقد صح عن النبى ﷺ أنه قال «فان كان الطعام مشفوها (٢) فليناوله منه أكلة أو أكلتين» يعنى صانعه وروينا من طريق أبى داود باسناده عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط ان اشتهاه أكله وان كرهه تركه (٣). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار وحواشيه أنه ندب فى الأكل سننه العشر المأثورة عن النبى ﷺ : الأولى غسل اليد قبل أكل الطعام وبعده قيل: وهو بعده آكد، ولعل المراد الطعام المأدوم.

стр. 5015

وقيل: لا فرق بين الطعام المأدوم وغيره وهو ظاهر الأخبار، فقد روى أن النبى ﷺ قال: الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر وبعده ينفى اللمم - وهو الجنون - ويصحح النظر. وقيل: يكفى من الطعام المأدوم غسل الأصابع فى الابتداء وبعد الفراغ الى الكف يعنى الرسغين والثانية: أن يسمى الله تعالى فى الابتداء قيل: ويكون ذلك جهرا ليذكر من نسى، وان ترك التسمية فى أوله سمى فى اثنائه وقال بسم الله أوله وآخره، ويستحب أن لا يصلى على النبى ﷺ عند الأكل لما روى عنه ﷺ أنه قال: موطنان لا أذكر فيهما وان ذكر الله فيهما: عند الأكل والجماع. وينبغى أن يسمى كل واحد من الآكلين، فان سمى واحد منهم أجزأ عن الباقين، وقيل لا تجزئ لأنها سنة على الأعيان. والثالثة: أن يحمد الله سرا قال ﵇: فان فرغوا جميعا فلا بأس بالجهر بالحمد لارتفاع العلة المقتضية للاسرار، روى عن الناصر عن النبى ﷺ أنه كان اذا رفع يده من الطعام قال: الحمد لله الذى كفانا المؤنة وأسبغ علينا الرزق الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين، الحمد لله الذى سوغه وجعل له مخرجا، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا واجعلنا شاكرين. الرابعة: الدعاء من بعد لنفسه وللمضيف. الخامسة: أن يبرك على الرجلين فى حال القعود وأن ينزع نعله لقول النبى ﵌: اذا قرب الى أحدكم طعام فلينزع نعليه. قال فى الانتصار: كان رسول الله ﷺ يجلس على حالين الأولى أن يجعل ظهر قدميه الى الأرض ويجلس على بطونهما، الحال الثانية أن ينصب قدمه اليمنى ويفترش فخذه اليسرى. السادسة: أن يأكل بيمينه وبثلاث أصابع منها لأن الأكل بالأربع حرص، وبالخمس شره، وبالثنتين كبر، وبالواحدة مقت. وروى عن الصادق فى أنه يكره الأكل بالثلاث وكان يأكل بخمس وقرره الامام القاسم بن محمد وولده المتوكل على الله ورواه عن النبى ﵌: كذا روى عن على ﵇، وأما الحديث المروى أن الأكل بالأربع حرص وبالخمس شره وبالثنتين كبر .. الخ فقال ابن بهران: لا أصل له فى الحديث. السابعة: أن يصغر اللقمة حيث لا يمقت على صغرها.

стр. 5016

الثامنة: أن يطيل المضغ. التاسعة: أن يلعق أصابعه اذا كان الطعام مما يلعق بالأصابع بعد كل فعل الا أن يكره الحاضرون فلا يندب بل يكره. العاشرة أن يأكل - من تحته ان اختلف الطعام الا الفاكهة ونحوها فله أن يتخير قال الدوارى: حيث لا يلحق الآكل على هذه الهيئة مذمة فان لحقته مذمة فى جولان يده أكل مما يليه، أو لحقته مذمة فى الأكل مما يليه أكل من أى الجوانب شاء اذا كان منفردا فان كان معه غيره أكل مما تحت يده الى وسط الاناء ولا يأكل من تحت يد صاحبه. وعلى الجملة حيث يخشى المذمة بهيئة الأكل تركها وان كان سنة لأن الذم مضرة وهو يجوز ترك السنن للمضرة. وقيل: بل يجب ترك السنن للمضرة. وندب تقديم الطعام الشهى لقول النبى ﷺ : من لذذ أخاه بما يشتهيه كتب الله له ألف ألف حسنة ورفع له ألف ألف درجة فان رفعها الى فيه فأكلها بنى له بيتا فى الجنة طوله أربعة فراسخ وعرضه أربعة فراسخ وعمقه أربعة فراسخ ذكره فى الشفاء. وروى عن النبى ﷺ أنه قال اذا قدم اليكم الخبز فكلوا ولا تنتظروا غيره. وندب أن لا يجمع النوى والتمر تشريفا للتمر، وأن يأكل ما سقط لقول النبى ﷺ : إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط ما فيها ويأكلها ولا يدعها للشيطان. ومن آداب الأكل: الخلال بعده، ولا يأكل ما أخرجه الخلال الا ما كان حول أسنانه فلا بأس فى ابتلاعه وروى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه ما تجشأ رسول الله ﵌ من شبع قط، وروى أنه ﵌ ما مدح طعاما ولا ذمه الا بالحرارة، ولا أكل رغيفا محورا بل بنخالته وأنه ﷺ قال: كل شر بين السماء والأرض من الشبع وكل وخير بين السماء والأرض من الجوع أما أنه ﵌ لم يذم طعاما فالمراد بذلك فى الضيافات مخافة أن يغير قلب صاحب الضيافة وذلك أدب من جهته ﵌ ورحمة ورفق بالخلق واحسان النصيحة والسياسة فأما فى غير الضيافة فيجوز المدح بما لا يؤدى الى الكذب، ويجوز الذم بما لا يؤدى الى الاساءة وقد جرت العادة من جهة السلف الصالح أن يقال هذا طعام جيد وهذا طعام ردئ وهذا متوسط، وهذا نئ وهذا مطبوخ وهذا حلو وهذا

стр. 5017

حامض الى غير ذلك من الصفات وقد قال فى حديث الماء «هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ.» (١) وندب المأثور فى الشرب وهو أمور منها التسمية ومنها أخذ الاناء بيمينه ومنها أن يشرب ثلاثة أنفاس، ومنها أن يمصه مصا ولا يعبه عبا والعكس فى اللبن. ومنها اذا شرب الانسان وأراد أن يسقى أصحابه فانه يبدأ بمن عن يمينه ثم يدير الاناء حتى ينتهى الى من عن شماله الا أن يكون عنده صبى قدمه لقول النبى ﷺ من شرب وعنده صبى يريد أن يشرب قطع الله عنقه. هذا ويدل على البدء بمن على اليمين ما رواه يحيى بن سهل الساعدى رضى الله تعالى عنه أنه ﷺ أتى اليه بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ فقال ﷺ للغلام: أتأذن لى أن أعطى هؤلاء الأشياخ؟ فقال الصبى: لا والله لا أوثر بنصيبى منك أحدا فناوله رسول الله ﵌ ما فى يده. وندب فى الأكل والشرب أن يترك المكروهات فيهما اما المكروهات فى الأكل فأمور منها الأكل باليسار، ومنها الأكل مستلقيا أو منبطحا أو متكئا على يده ومنها أكل ذروة الطعام. ويكره نظر الجليس وكثرة الكلام وكثرة السكوت ويكره استخدام العيش بأن يمسح به يده أو شفتيه أو يضع عليه شيئا. ويكره استخدام الضيف ولو كان أدنى من المضيف وأما المكروه فى الشرب فهو نقيض المندوب. وكذا يكره الشرب حال كونه قائما والوجه فى ذلك ما رويناه عن زيد بن على عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال رجل يا أمير المؤمنين ما ترى فى سؤر الابل ومشى الرجل فى النعل الواحدة، وشرب الرجل وهو قائم قال فدخل الرحبة ثم دعا بماء واناء معه والحسن قائم ودعى بناقة له فسقاها من ذلك الماء ثم تناول ركوة فغرف من فضلها فشرب وهو قائم ثم انتقل بأحد نعليه حتى خرج من الرحبة، ثم قال للرجل قد رأيت فان كنت بنا تقتدى فقد رأيت ما فعلنا (٢). مذهب الإمامية: جاء فى الروضة البهية أنه يستحب غسل اليدين معا وان كان الأكل

стр. 5018

باحداهما قبل الطعام وبعده فقد روى عن النبى ﵌ أنه قال: أوله ينفى الفقر وآخره ينفى الهم. وقال على ﵇: غسل اليدين قبل الطعام وبعده زيادة فى العمر واماطة للغمر (١) عن الثياب ويجلو البصر. وقال الصادق ﵇ من غسل يده قبل الطعام وبعده عاش فى سعة وعوفى من بلوى الجسد. ويستحب مسح اليدين بالمنديل ونحوه فى الغسل الثانى وهو ما بعد الطعام دون الغسل الأول فانه لا تزال البركة فى الطعام ما دامت النداوة فى اليد. ويستحب أن يسمى عند الشروع فى الأكل، فقد روى عن النبى ﵌ أنه قال: اذا وضعت المائدة حفها أربعة آلاف ملك فاذا قال العبد بسم الله قالت الملائكة بارك الله عليكم فى طعامكم، ثم يقولون للشيطان: اخرج يا فاسق لا سلطان لك عليهم، فاذا فرغوا فقالوا: الحمد لله قالت الملائكة: قوم أنعم الله عليهم فأدوا شكر ربهم، فاذا لم يسموا قالت الملائكة للشيطان ادن يا فاسق فكل معهم، فاذا رفعت المائدة ولم يذكروا الله قالت الملائكة: قوم أنعم الله عليهم فنسوا ربهم. ولو تعددت ألوان المائدة سمى على كل لون منها روى ذلك عن على ﵇، وروى أنه يستحب التسمية على كل اناء على المائدة وان اتحدت الألوان ولو نسى التسمية فى ابتداء الأكل تداركها فى الأثناء عند ما يذكرها وروى أن الناسى يقول بسم الله على أوله وآخره. ولو قال فى الابتداء مع تعدد الألوان والأوانى: بسم الله على أوله وآخره أجزأ عن التسمية عن كل لون وآنية. وروى أن تسمية واحدة من الحاضرين على المائدة تجزئ عن الباقين. ويستحب أن يأكل باليمين فى حالة الاختيار ولا بأس بأن يأكل باليسرى ما دام مضطرا فقد روى عن الصادق أنه قال: لا تأكل باليسرى وأنت تستطيع. وفى رواية أخرى لا يأكل بشماله ولا يشرب بها ولا يتناول بها شيئا. ويستحب أن يبدأ صاحب الطعام بالأكل لو كان معه غيره، وأن يكون آخر من يأكل ليأنس القوم ويأكلوا روى ذلك من فعل النبى ﵌ معللا بذلك. ويبدأ صاحب الطعام اذا أراد غسل أيديهم فى الغسل الأول بنفسه ثم بمن عن يمينه دورا الى الآخر. وفى الغسل الثانى بعد رفع الطعام يبدأ بمن على يساره ثم يغسل هو أخيرا روى ذلك الصادق ﵇ معللا البدءة أولا بقوله: لئلا يحتشمه أحد وعلل

стр. 5019

التأخير آخرا بأن صاحب الطعام أولى بالصبر على الغمر - وهو بالتحريك ما على اليد من سهك الطعام وزهمته. وفى رواية أنه يبدأ بعد الفراغ بمن على يمين الباب حرا كان أو عبدا ويجمع غسالة الأيدى فى اناء واحد لأنه يورث حسن أخلاق الغاسلين. والمروى عن الصادق ﵇: اغسلوا أيديكم فى اناء واحد تحسن أخلاقكم ويمكن أن يدل على ما هو أعم من جمع الغسالة فيه. ويستحب أن يستلقى بعد الأكل على ظهره ويجعل رجله اليمنى على رجله اليسرى. ويكره أن يأكل متكئا ولو على كفه لأن النبى ﵌ لم يأكل متكئا منذ بعثه الله تعالى الى أن قبضه، روى ذلك عن الصادق ﵇ وروى الفضيل بن يسار عن الصادق ﵇ عدم كراهة الاتكاء على اليد فى حديث طويل آخره لا والله ما نهى رسول الله ﷺ عن هذا قط - يعنى الاتكاء على اليد حالة الأكل وحمل على أنه لم ينه عنه لفظا والا فقد روى ﵇ أن رسول الله ﷺ لم يفعله كما سلف، وحمل فعل الصادق ﵇ على بيان جوازه وكذا يكره التربع حالة الأكل بل فى جميع الأحوال قال أمير المؤمنين ﵇: اذا جلس أحدكم على الطعام فليجلس جلسة العبد ولا يضعن أحدكم احدى رجليه على الأخرى ويتربع فانها جلسة يبغضها الله ويمقت صاحبها وكذا يكره التملى من المأكل قال الصادق ﵇: ان البطن ليطغى من أكلة وأقرب ما يكون العبد من الله تعالى اذا خف بطنه، وأبغض ما يكون العبد الى الله اذا امتلأ بطنه وربما كان الافراط فى التملى حراما اذا أدى الى الضرر فان الأكل على الشبع يورث البرص وامتلاء المعدة رأس الداء، والأكل على الشبع وباليسار اختيارا مكروهان. ويحرم الأكل على مائدة يشرب عليها شئ من المسكرات سواء كان خمرا أو غيره ومثل المسكرات فى ذلك الفقاع وذلك لقول النبى ﷺ : ملعون من جلس على مائدة يشرب عليها الخمر وفى خبر آخر زيادة: طائعا. وباقى المسكرات بحكمه، وفى بعض الأخبار تسميتها خمرا، وكذا الفقاع. وباقى المحرمات يمكن الحاقها بذلك كما ذهب اليه العلامة لمشاركتها لها فى معصية الله تعالى، ولما فى القيام عنها من النهى عن المنكر فانه يقتضى الاعراض عن فاعله. وحرم ابن ادريس الأكل من طعام يعصى الله به أو عليه ولا ريب فى أنه أحوط، ولا فرق بين وضع المحرم

стр. 5020

أو فعله على المائدة فى ابتدائها واستدامتها فمتى عرض المحرم فى الاثناء وجب القيام حينئذ كما أنه لو كان ابتداء حرم الجلوس عليها وابتداء الأكل منها والأقوى أن كل واحد من الأكل منها والجلوس عليها محرم برأسه وان انفك عن الآخر (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: أن من الاسراف فى الطعام عدم التقاط ما سقط من أيدى الصبيان وغيرهم من الطعام وان أطعم ذلك حيوانا أو نملا أو طائرا فلا اسراف، ومنه الأكل فوق الشبع الا لأجل الضيف حتى لا يخجل أو لصوم غد. قال بعض المخالفين: ومنه الأكل فى اليوم مرتين روى البيهقى - منهم - عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: رآنى رسول الله ﷺ وقد أكلت فى اليوم مرتين فقال: يا عائشة أما تحبين أن لا يكون لك شغل الا جوفك. الأكل فى اليوم مرتين من الاسراف والله لا يحب المسرفين» أراد مرتين غير العشاء ثم ان المراد والله أعلم التشبيه بالسرف، أو الأكل فوق الشبع، أو قبل الهضم لا سيما فى الأيام القصيرة بلا عمل شاق، ومنه أكل ما تشتهى. قال رسول الله صلى عليه وسلم: «من الاسراف أن تأكل كل ما اشتهيت» رواه ابن ماجة والبيهقى وابن أبى الدنيا، وحمله بعض على أكل كل ما يشتهى فى مجلس واحد لأنه يفضى الى الزيادة على الشبع، أو أراد التشبيه بالاسراف. ومن الاسراف اكثار أنواع الطعام الا عند الحاجة مثل أن يمل الطعام فيأكل من كل واحد فيجتمع ما يتقوى به على الطاعة أو يدعو الأضياف اليها، ولا بأس بالتنعم والتلذذ بأنواع الأطعمة والفواكه بلا تضييع ولا نية فساد، قال الله تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (٢) وقال تعالى: «لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ .. » الآية (٣) وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطاك سرف ومخيلة وقد قيل فى نفائس الأطعمة واللباس الفاخر والبناء الرفيع أنه ليس اسرافا على الصحيح، وكذا ما أشبه ذلك الا أن قصد الكبر والفخر أو كان من حرام

стр. 5021

ولكنه شبيه بالاسراف ويعد منه مجازا أو مكروها تنزيها لأن اللائق أن يقنع ويتصدق والآخرة خير وأبقى (١). ومن الاسراف قيل: أكل ما انتفخ من الخبز أو وسطه الا أن كان من يأكل الباقى، وكذا اكثار الخبز على المائدة أى أن أراد الرئاء أو نحوه أو يضيع ما يفضل من الكسرات، ولا يأكله أحد (٢). ويؤدب الصبى عن شره الطعام أولا ويقال له: لا تأخذ الطعام الا بيمينك، وقل: بسم الله الرحمن الرحيم وكل مما يليك (٣). ويجوز عند بعض العلماء للضيف - سواء كان ذلك بعد الشروع فى الأكل وقبل الفراغ أو بعد الفراغ أو قبل الشروع اذا فضل عنه ماء أو لبن طلبه لشرب أن يعطى منه لمن يصاحبه فى الأكل ان لم يقف به عليهم رب البيت أو غيره ممن يجوز له، ومنع بعض العلماء ذلك الا باذن أو يكون الطلب للعموم أو يقول قائل من أراد الشراب فليطلب فانه حينئذ يجوز الطلب من القائل ومن الطالب لنفسه أيضا. هذا اذا لم يقف رب البيت بالشراب - ماء كان أو لبنا - عليهم فان وقف رب البيت به عليهم فلا خلاف فى جواز مناولة بعض لبعض. وجاز لبعضهم أن يعطى شيئا من لحم لقاعد من الضيوف معهم، وسائر أصحابه بعد الذى يعطى له، ومعنى الاعطاء له أنه يجوز أن يعطى له قبل القسمة اذا أراد الذهاب قبلها أو عندها بأن يضرب له بسهم معه أو بعد ذلك من سهمه، فلا يتوقف ذلك على اذن صاحب اللحم ولا يجوز ذلك مع غير القاعد منهم لأنه وان كان منهم غير أنه لم يقعد معهم الا أن يمنعه الزحام ولم يكن له سهم يحرز له. ورخص أن يعطى بعض للبعض الذى لم يقعد معهم ان كان الطعام موضوعا لواحد ليأكله أو يأكل منه. ولا يعطى كلهم ولا بعضهم من اللحم أو من غيره مما يقسم لعيال رب البيت وان كان لكلب أو قط أو بعير أو دابة أو عبد. وان قسم لهم اللحم رب الطعام أو قسم لهم غير اللحم أو أمر قاسما لهم فعل كل فى سهمه ما شاء من أكله أو رفعه واعطائه من شاء من العيال وغيرهم أو أكل بعض وابقاء بعض، فلو شاءوا قالوا له أقسم لنا أو مر قاسما ولو منا ليفعلوا ما شاءوا فى سهامهم ولا يحمل واحد سهمه الا باذنه ان قسموه بأنفسهم أو بعضهم، بل يأكلون ويتركون ما يبقى وذلك فى عرف من يأكلون من اللحم ويبقون أما فى

стр. 5022

عرف من يقسمون فلهم الحمل. ورخص فى رفع قدر ما يأكله مطلقا، يرفعه لنفسه أو ليعطيه لغيره سواء قسموه هم أو قسمه صاحبه أو مأموره، ويترك ما زاد على قدر ما يأكل. وقيل: يحمل منابه ليأكله سواء قل أو كثر ولو كان أكثر مما يأكل - لا ليعطى منه غيره. وقيل يجوز أن يرفع منابه ولو كان أكثر مما يأكل ولو ليعطيه غيره ولو قسموه بأنفسهم وان أتاهم طعام بفحص (١) فعلوا فيه ما شاءوا من قسمة كله وأكل واعطاء ورفع وان لم يقعد معهم هناك آت به لأن المحل ليس محل حرز وردوا اليه القصعة أو نحوها والمنديل ونحوه. وان قعد معهم من أتى بالطعام فليس لهم الا ما يأكلون ولا يرفعون منه شيئا لأن قعوده أمارة أنه يريد أن يأكلوا ويرجع بالباقى وان كان فيه لحم فقسموه فعلى الخلاف السابق آنفا فى اللحم. واذا أحضر الطعام أو الشراب للضيف أو غيره فى البيت ونحوه أو فى الفحص فلهم أكله أو شربه كله الا أن جرت العادة بترك قليل فليتركوا قليلا لقمة أو جرعة فصاعدا. وجاز لكل واحد رديده فى الطعام بعد رفعها منه - وكذا يجوز رد يده فى الشراب - ولو رفعوه من بينهم ولا يردها فى عرمة أو شجرة أو نخلة أو نحو ذلك مما ليس وعاء يرفع - بعد رفع ان ناداهم للأكل منها، فمن رفع منهم يده فلا يردها لأن ذلك لم يكن الحد فيه رفعه بل حده رفع اليد لترك الأكل. وفى الأثر اذا أكل الناس عند أحد فتولى رجل قسمة اللحم بينهم وفضل بعضا على بعض فلمن فضله أن يأخذ لاحتمال أن صاحب الطعام أمره بذلك ومن يأكل مع الناس فوجد بضعة لحم فله أن يأكلها لأن الله رزقه ذلك وليس عليه أن يطلب الحل، وان وضعت قدام قوم قصعة عليها اللحم والبيض والعدس وقال لهم صاحبها كلوا الخبز فانهم يأكلون ما عليها كله. ولا يقل بعض الضيوف لبعض كل أو زد الأكل وانما يقول ذلك رب الطعام. وجاز لهم مسح يد أو معلاق وفم بمنديل من طعام أو شراب أكلوه أو شربوه ومعه منديل، فقد صح النهى عن أن يبيت الانسان وفى يده ريح غمر، وقد جاء الأثر فى غسل اليد قبل الطعام وبعده (٢). ويأكلون أن وضع الانسان

стр. 5023

لهم الطعام ونزع عنه الغطاء ووقف ولو لم يقل لهم كلوا وكذا الشراب - وأن مضى لأنه يمكن أن يكون قد مضى فى أمر ويرجع لهم ويأمرهم بالأكل ولو أبطأ فانهم لا يأكلون أو يشربون حينئذ ولو نزع الغطاء الا أن قال كلوا أو اشربوا ورخص مطلقا ولو لم يقف ولو مضى وأبطأ أو لم ينزع غطاء واذا نزع غطاء أو أغطية وبقى غطاء فكمن لم ينزع وان وضع لهم أصنافا فقال: كلوا أكلوا مما شاءوا أو أكلوا منها جميعا أو من متعدد أو أكلوها كلها، وكذا ان وضع ألوانا من شراب فقال اشربوا وان عين لهم صنف كذا أو صنفين أو أكثر فكل ما سمى أكلوه أو أكلوا بعضه أو شربوه أو شربوا بعضه لا غيره، فان وضع لهم طعاما وشرابا فقال: كلوا فلا يشربوا وان وضعهما فقال اشربوا فلا يأكلوا، وان وضع طعاما فقال اشربوا أو وضع شرابا فقال كلوا فليكفوا ولهم أن يستأذنوه فى مناولة ما لم يسم، وان سمى لهم الأكثر أكلوا الكل أو أكلوا من الكل ما سمى وما لم يسم سواء كان ذلك فى وعاء أو أوعية أما ان سمى الأقل أو النصف فانهم لا يأكلون الا ما سمى أو مما سمى، أما الأقل فواضح، وأما المساوى فلأنه لا مرجح لأحد المتساويين هنا. ورخص فى أكل الكل والأكل من الكل مطلقا سواء سمى لهم شيئا أو لم يسم سمى الأكثر أو الأقل أو المساوى لأن الكل قد أحضر عندهم وجرت العادة بالاختصار بأن لا يذكروا كل واحد والنفس تسكن الى ذلك وذلك واقع فى الجملة فاذا لم تعرف عادة القوم أو المحل حملت على عادة أكل الكل أو من الكل مطلقا فى هذا الترخيص وسواء كان ذلك فى وعاء أو أوعية (١).

стр. 5024

إطلاق التعريف اللغوى: اطلاق مصدر فعله أطلق المزيد بالهمزة فى أوله، فأصل مادته «طلق». فقد ذكر صاحب لسان العرب أنه يقال طلق الرجل امرأته وطلقت هى - بالفتح - تطلق طلاقا، وطلقت بالضم - أكثر وأطلق المرأة بعلها وطلقها. وأطلق الناقة من عقالها وطلقها فطلقت هى بالفتح. قال أبو نصر: الطالق التى تنطلق الى الماء. ويقال التى لا قيد عليها. ونعجة طالق: مخلاة ترعى وحدها. وحبسوه فى السجن طلقا اى بغير قيد ولا كبل. وأطلقه فهو مطلق وطليق: سرحه. والاطلاق فى القائمة: أن لا يكون فيها وضح. والتطليق التخلية والارسال وحل العقد. ويكون الاطلاق بمعنى الترك والارسال. قال وطلق أعطى. والطلق والطليق غير المقيد. ويقال على الاطلاق أو مطلقا - أى على وجه لا استثناء فيه والمطلق ضد المقيد (١). التعريف عند الاصوليين: جاء فى شرح (٢) المنار لابن ملك: أذ المطلق هو الشائع فى جنسه بمعنى أنه حصة من الحقيقة محتملة لحصص كثيرة مندرجة تحت أمر مشترك من غير شمول ولا تعيين نحو قول الله ﵎ «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» (٣). والمقيد هو اللفظ الدال على الماهية من حيث ما يشخصها، أو هو الذى أخرج عن الشيوع بوجه ما نحو قول الله «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» (٤). وبعضهم فرق بين المطلق والنكرة بأن الدال على الماهية مع وحدة متعينة هو النكرة والدال على الماهية فقط هو المطلق. والأظهر أنه لا فرق بين النكرة والمطلق فى اصطلاح الأصوليين، لأن تمثيل جميع

стр. 5025

العلماء المطلق بالنكرة فى كتبهم يشعر بعدم الفرق. الا أن صاحب طلعة الشمس (١): ذكر أن ابن السبكى فرق بينهما. فعرف المطلق بأنه الدال على الماهية بلا قيد. ثم قال: وعلى الفرق بين المطلق والنكرة أسلوب المنطقيين والاصوليين. وكذا الفقهاء حيث اختلفوا فيمن قال لامرأته ان كان حملك ذكرا فأنت طالق فكان ذكرين. قيل لا تطلق نظرا للتنكير المشعر بالتوحيد. وقيل تطلق حملا على الجنس. وقال ابن الحاجب (٢): المطلق عبارة عن النكرة فى سياق الاثبات، وذلك كقوله فى معرض الأمر اعتق رقبة أو مصدر الأمر كقوله «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» أو الاخبار عن المستقبل كقوله سأعتق رقبة. ولا يتصور الاطلاق فى معرض الخبر المتعلق بالماضى كقوله رأيت رجلا ضرورة تعينه من اسناد الرؤية اليه. وفى روضة الناظر (٣): أن المطلق هو المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه وهى النكرة فى سياق الأمر كقوله الله ﵎ «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ». وقد يكون فى الخبر لقول النبى ﷺ «لا نكاح الا بولى». ثم قال: وقد يكون اللفظ مطلقا مقيدا بالنسبة كقوله تعالى «رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» فقيدت الرقبة بالايمان وأطلقت بالنسبة الى السلامة وسائر الصفات مثل الصحة والسقم والطول والقصر والنسب والبلد. ويسمى الفعل مطلقا نظرا الى ما هو من ضرورته من الزمان والمكان والمصدر والمفعول به والآلة فيما يفتقر الى الآلة والمحل للافعال المتعدية. وقد يقيد الفعل ببعض مفاعيله دون بعض كقولهم صم يوم الاثنين فالصوم مقيد من جهة ظرف الزمان. وذكر فى طلعة الشمس (٤) ان المطلق يخالف العام لأن المطلق يصدق على كل فرد من أفراد

стр. 5026

جنسه وصالح لأن يصدق عليه وليست دلالته على جميع الأفراد دفعة واحدة، وانما دلالته على ذلك باعتبار شيوع لفظه فى جميع الافراد. وبهذا الاعتبار يختلف المطلق عن العام، لأن العام انما يتناول افراد الموضوع دفعة واحدة على سبيل الجمع والاستغراق لها. وهل يحمل المطلق على المقيد أو لا يحمل عليه؟ قال ابن الحاجب (١): اذا ورد مطلق ومقيد فان اختلف حكمهما فلا خلاف فى امتناع حمل أحدهما على الآخر سواء كانا مأمورين أو منهيين أو أحدهما مأمورا والآخر منهيا، وسواء اتحد السبب أو اختلف، لعدم المنافاة فى الجمع بينهما، مثل أطعم فقيرا واكس فقيرا تميميا، الا فى صورة واحدة وهى ما اذا قال مثلا فى كفارة الظهار: اعتقوا رقبة، ثم قال: لا تعتقوا رقبة كافرة فانه لا خلاف فى مثل هذه الصورة أن المقيد يوجب تقييد الرقبة المطلقة بالرقبة المسلمة. وفى كشف الأسرار (٢) اذا اطلق الحكم ثم ورد بعينه مقيدا فى موضع آخر فلا خلاف أنه يجب الحكم بتقييده لأن التقييد زيادة لا يفيدها الاطلاق كقول الله ﵎ فى موضع «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ» (٣) الآية. وقال فى موضع آخر: «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ» (٤). وكذلك قول الله «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ» (٥). وقوله «أَوْ دَماً مَسْفُوحاً» (٦). وهكذا ذكر فى عامة نسخ أصحابنا وعامة نسخ أصحاب الشافعى من القواطع والمستصفى والمحصول وغيرها. فتبين أن الحمل فى حكم واحد فى حادثة واحدة واجب. وفى ذلك تفصيل كثير من حيث اختلاف الحكم، أو عدم اختلافه، واتحاد السبب أو اختلافه، وكون اللفظ دالا على الاثبات أو النفى وينظر ذلك فى مصطلح مطلق ومقيد. والاطلاق (٧) يكون فى الأمر الذى هو طلب الفعل.

стр. 5027

وعلى ذلك اختلف الاصوليون. هل الأمر المطلق يوجب التكرار أو لا يوجبه فقد فهم أقرع بن الحابس - وهو من أهل اللسان - فهم التكرار من الأمر بالحج حيث قال أكل عام مرة يا رسول الله. واختلف الأصوليون كذلك هل الأمر المطلق عن الوقت يوجب الفور أو لا يوجبه. ويرجع الى ذلك فى مصطلح «أمر». التعريف عند الفقهاء: جاء فى كتاب الشرح الصغير (١): أن المطلق هو ما دل على الماهية بلا قيد، كاسم الجنس وهو فى المعنى كالعام وتقييده كالتخصيص فيعمل بمقتضى التقييد، الا أن العام يتناول جميع الأفراد الصالح لها ذلك اللفظ دفعه، والمطلق لا يتناول ما يصلح له دفعة، بل على سبيل البدل، فعموم العام شمولى وعموم المطلق بدلى. واللفظ فى المطلق والنكرة واحد، ويفرق بينهما بالاعتبار. فان اعتبر فى اللفظ دلالته على الماهية بلا قيد فهو المطلق واسم الجنس وان اعتبر مع قيد الوحدة الشائعة سمى نكرة واستعمالات الفقهاء للفظ الاطلاق يسير على هذا المعنى. ومن ذلك ما جاء فى المهذب (٢). من باب الاجارة: ان استأجر منفعة فى الذمة وأطلق وجبت المنفعة حالة كما اذا أسلم فى شئ وأطلق وجب حالا. وما جاء فى الاقناع (٣) فى باب البيوع: ان أمر المالك الوكيل بدفع ثوب الى قصار معين فدفعه ونسيه لم يضمنه. وان اطلق المالك فدفعه الوكيل الى من لا يعرف عينه ولا اسمه ولا دكانه ضمنه الوكيل لتفريطه. والامثلة فى ذلك كثيرة منتشرة فى أبواب الفقه ويرجع اليها فى مواضعها والبحث بتفصيله يرجع اليه فى مصطلح مطلق ومقيد. وتبين مما تقدم أن تعريف معنى الاطلاق فى استعمالات الاصوليين والفقهاء يكون عن طريق معرفة استعمالاتهم للفظ مطلق فى مواضعه المختلفة.

стр. 5028

إعادة التعريف فى اللغة: الاعادة مصدر فعله أعاد المزيد بالهمزة فى أوله، فأصل مادته عاد. قال الجوهرى يقال: عاد فلان الى مكانه يعود عودة وعودا اذا رجع اليه، وقد عاد له بعد ما كان أعرض عنه، وعاد اليه عودا وعيادا وأعاده هو. ومن ذلك قول الله «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ، ثُمَّ يُعِيدُهُ» (١). ويقال استعاده اياه سأله اعادته. وقال الأزهرى: قال بعضهم العود تثنية الأمر عودا بعد بدء، يقال بدأ ثم عاد، ويقال أعاد الشئ واستعاده واعتاده وتعوده وعاده وعاوده معاودة وعوادا أى صار عادة له. ومن ذلك قول ابى كبير الهذلى بصف الذئاب: الا عواسل كالمراط معيدة: بالليل مورد أيم متغضف. أى وردت مرات فليس تنكر الورود. ويقال استعدت فلانا الشئ فأعاده اذا سألته أن يفعله ثانيا. والمعاودة الرجوع الى الأمر الأول، يقال للشجاع بطل معاود، لأنه لا يمل المراس. وقد يرد بمعنى صار، ومنه حديث معاذ رضى الله عنه قال له النبى ﷺ : أعدت فتانا يا معاذ؟ أى صرت. ومنه حديث كعب وددت أن هذا اللبن يعود قطرانا، أى يصير، والمعاد والمعادة المأتم يعاد اليه. وأعاد فلان الصلاة يعيدها. والمعيد: المطلق للشئ يعاوده. ويقال هو معيد لهذا الشئ أى مطيق له، لأنه قد اعتاده (٢). التعريف فى اصطلاح الفقهاء: لا يكاد الفقهاء يخرجون بالاعادة على المعنى اللغوى فهى بمعنى فعل الشئ مرة ثانية وبمعنى الرجوع الى الشئ وهذا داخل فى المعنى اللغوى.

стр. 5029

الفرق بين القضاء والأداء والاعادة قال صاحب الدر المختار (١): الأداء فعل الواجب فى وقته، وبالتحريمة فقط بالوقت يكون أداء عندنا وبركعة عند الشافعى. قال ابن عابدين: اعلم أنهم صرحوا بأن الأداء والقضاء من أقسام المأمور به. والأمر قد يراد به لفظه أعنى ما تركب من مادة أم ر. وقد يراد به الصيغة كأقيموا الصلاة وهى عند الجمهور حقيقة فى الطلب الجازم مجاز فى غيره. وأما لفظ الأمر فقد أختلفوا فيه أيضا. والتحقيق هو مذهب الجمهور أنه حقيقة فى الطلب الجازم أو الراجح، فاطلاق لفظ أمر على الصيغة المستعملة فى الوجوب أو الندب حقيقة. فالمندوب مأمور به حقيقة وان كان استعمال الصيغة فيه مجازا. وبهذا الاعتبار يكون المندوب أداء وقضاء. لكن لما كان القضاء خاصا بما كان مضمونا والنفل لا يضمن بالترك اختص القضاء بالواجب. ومنه ما شرع فيه من النفل فأفسده، فانه صار بالشروع واجبا فيقضى. وبهذا ظهر ان الاداء يشمل الواجب والمندوب، والقضاء يختص بالواجب. ولهذا عرفهما صدر الشريعة بأن الأداء تسليم عين الثابت بالأمر، والقضاء تسليم مثل الواجب به. والمراد بالثابت بالأمر ما علم ثبوته بالأمر فيشمل النفل، لا ما ثبت وجوبه به، ولم يقيد بالوقت ليعم أداء غير المؤقت كأداء الزكاة والأمانات والمنذورات، وتمام تحقيق ذلك فى التلويح. ثم قال ابن عابدين: وما ذكره الشارح من أنه بالتحريمة فقط بالوقت يكون أداء عندنا هو ما جزم به فى التحرير، وذكر شارحه أنه المشهور عند الحنفية. ثم نقل عن المحيط أن ما فى الوقت أداء والباقى قضاء. أما الاعادة فقد عرفها صاحب الدر المختار فقال: الاعادة فعل مثله فى وقته لخلل غير الفساد لقولهم: كل صلاة أديت مع كراهة التحريم تعاد أى وجوبا فى الوقت وأما بعده فندبا. قال ابن عابدين: والأولى اسقاط قوله فى وقته، لأنه خارج الوقت يكون اعادة أيضا بدليل قوله: وأما بعده فندبا أى فتعاد ندبا. وقوله غير الفساد زاد فى البحر، وعدم صحة الشروع يعنى وغير عدم صحة الشروع. وتركه الشارح، لأنه أراد بالفساد ما هو الأعم من أن تكون منعقدة ثم تفسد أو لم تنعقد أصلا.

стр. 5030

ومنه قول الكنز: وفسد اقتداء رجل بامرأة. ثم أن ما ذكر هنا فى تعريف الاعادة هو ما مشى عليه فى التحرير. وذكر شارحه أن التقييد بالوقت قول البعض، والا ففى الميزان الاعادة فى عرف الشرع اتيان بمثل الفعل الأول على صفة الكمال بأن وجب على المكلف فعل موصوف بصفة الكمال فأداه على وجه النقصان وهو نقصان فاحش يجب عليه الاعادة، وهو اتيان مثل الأول ذاتا مع صفة الكمال. وهذا التعريف يفيد أن ما يفعل خارج الوقت يكون اعادة ايضا، كما قال صاحب الكشف. وأن الاعادة لا تخرج عن أحد قسمى الأداء والقضاء. قال ابن عابدين أقول: لكن صريح كلام الشيخ أكمل الدين فى شرحه على أصول فخر الاسلام البزدوى عدم تقييدها بالوقت، ويكون الخلل غير الفساد، وبأنها قد تكون خارجة عن القسمين. لأنه عرفها بأنها فعل ما فعل أولا مع ضرب من الخلل ثانيا، ثم قال: ان كانت واجبة بأن وقع الأول فاسدا فهى داخلة فى الأداء أو القضاء. وان لم تكن واجبة بأن وقع الأول ناقصا لا فاسدا فلا تدخل فى هذا التقسيم، لأنه تقسيم الواجب، وهى ليست بواجبة وبالأول يخرج عن العهدة وان كان على وجه الكراهة على الأصح فالفعل الثانى بمنزلة الجبر كالجبر بسجود السهو. ثم قال ابن عابدين: وقول الشارح لقولهم كل صلاة أديت مع كراهة التحريم تعاد: تعليل عليل اذ قولهم ذلك لا يفيد أن ما كان فاسدا لا يعاد، ولا أن الاعادة مختصة بالوقت. بل صرح بعده بأنها بعد الوقت اعادة أيضا على أن ظاهر قولهم: تعاد، وجوب الاعادة فى الوقت وبعده. فالمناسب ما فعله فى البحر، حيث جعل قولهم ذلك نقضا للتعريف، حيث قيد فى التعريف بالوقت، مع أن قولهم بوجوب الاعادة مطلق. قلت: ويؤيده ما قدمناه عن شرح التحرير وعن شرح أصول البزدوى من التصريح بوقوعها بعد الوقت. وقال ابن عابدين وقول الشارح: تعاد أى وجوبا فى الوقت لم أر من صرح بهذا التفصيل سوى صاحب البحر، حيث استنبطه من كلام القنية. حيث ذكر فى القنية عن الوبرى: أنه اذا لم يتم ركوعه ولا سجوده يؤمر بالاعادة فى الوقت لا بعده. ثم ذكر عن الترجمانى ان الاعادة أولى فى الحالين. قال فى البحر: فعلى القولين لا وجوب بعد الوقت.

стр. 5031

فالحاصل أن من ترك واجبا من واجباتها أو ارتكب مكروها تحريما لزمه وجوبا أن يعيد فى الوقت، فان خرج أثم، ولا يجبر جبر النقصان بعده، فلو فعل هذا فهو أفضل. قال ابن عابدين ما فى القنية مبنى على الاختلاف فى أن الاعادة واجبة أولا. وقدمنا عن شرح اصول البزدوى التصريح بأنها اذا كانت لخلل غير الفساد لا تكون واجبة. وعن الميزان التصريح بوجوبها. وقال فى المعراج: وفى جامع التمرتاشى لو صلى فى ثوب فيه صورة يكره وتجب الاعادة. قال أبو اليسر: هذا هو الحكم فى كل صلاة أديت مع الكراهة. وفى المبسوط ما يدل على الأولوية والاستحباب، فانه ذكر أن القومة غير ركن عندهما فتركها لا يفسد والأولى الاعادة. وقال فى شرح التحرير: وهل تكون الاعادة واجبة؟ فصرح غير واحد من شراح أصول فخر الاسلام بأنها ليست بواجبة وأنه بالأول يخرج من العهدة وان كان على وجه الكراهة على الأصح وأن الثانى بمنزلة الجبر. والأوجه الوجوب كما اشار اليه فى الهداية وصرح به النسفى فى شرح المنار، وهو موافق لما روى عن السرخسى وأبى اليسر: من ترك الاعتدال تلزمه الاعادة: زاد أبو اليسر ويكون الفرض هو الثانى. وقال شيخنا المصنف يعنى ابن الهمام: لا اشكال فى وجوب الاعادة اذ هو الحكم فى كل صلاة أديت مع كراهة التحريم ويكون جابرا للأول، لأن الفرض لا يتكرر، وجعله الثانى يقتضى عدم سقوطه بالأول. وفيه أنه لازم ترك الركن لا الواجب. الا أن يقال المراد أن ذلك امتنان من الله تعالى اذ يحتسب الكامل وان تأخر عن الفرض لما علم الله أنه سيوقعه. ومن هذا يظهر أنا اذا قلنا الفرض هو الأول فالاعادة قسم آخر غير الأداء والقضاء. وان قلنا الثانى فهى احدهما. قال ابن عابدين أقول: فتلخص من هذا كله أن الأرجح وجوب الاعادة. وقد علمت أنها عند البعض خاصة بالوقت وهو ما مشى عليه فى التحرير، وعليه فوجوبها فى الوقت ولا تسمى بعده اعادة، وعليه يحمل ما مر عن القنية عن الوبرى. وأما على القول بأنها تكون فى الوقت وبعده كما قدمناه عن شرح التحرير وشرح البزدوى فانها تكون واجبة فى الوقت وبعده أيضا على القول بوجوبها.

стр. 5032

وأما على القول باستحبابها الذى هو المرجوح تكون مستحبة فيهما، وعليه يحمل ما مر عن القنية عن الترجمانى. وأما كونها واجبة فى الوقت مندوبة بعده كما فهمه فى البحر وتبعه الشارح فلا دليل عليه. وقد نقل الخير الرملى فى حاشية البحر عن خط العلامة المقدسى أن ما ذكره فى البحر يجب أن لا يعتمد عليه لاطلاق قولهم كل صلاة أديت مع الكراهة سبيلها الاعادة، لأنه يشمل وجوبها فى الوقت وبعده أى بناء على أن الاعادة لا تختص بالوقت، وظاهر ما قدمناه عن شرح التحرير ترجيحه. وقد علمت أيضا ترجيح القول بالوجوب فيكون المرجح وجوب الاعادة فى الوقت وبعده. ويشير اليه ما قدمناه عن الميزان من قوله يجب عليه الاعادة وهو اتيان مثل الأول ذاتا مع صفة الكمال، أى كمال ما نقصه منها، وذلك يعم وجوب الاتيان بها كاملة فى الوقت وبعده. ثم هذا حيث كان النقصان بكراهة تحريم. لما فى مكروهات الصلاة من فتح القدير: أن الحق التفصيل بين كون تلك الكراهة كراهة تحريم فتجب الاعادة أو تنزيه فتستحب؟ أى تستحب فى الوقت وبعده أيضا. ثم نبه ابن عابدين الى أنه يؤخذ من لفظ الاعادة ومن تعريفها أنه ينوى بالثانية الفرض، لأن ما فعل أولا هو الفرض فاعادته فعله ثانيا. أما على القول بأن الفرض يسقط بالثانية فظاهر. وأما على القول الآخر فلأن المقصود من تكريرها ثانيا جبر نقصان الأولى. فالأولى فرض ناقص. والثانية فرض كامل مثل الأولى ذاتا مع زيادة وصف الكمال. ولو كانت الثانية نقلا لزم أن تجب القراءة فى ركعاتها الأربع وأن لا تشرع الجماعة فيها ولم يذكروه. ولا يلزم من كونها فرضا عدم سقوط الفرض بالأولى، لأن المراد أنها تكون فرضا بعد الوقوع، أما قبله فالفرض هو الأولى. وحاصله توقف الحكم بفرضيته الأولى على عدم الاعادة. وله نظائر كسلام من عليه سجود السهو يخرجه خروجا موقوفا. وكفساد الوقتية مع تذكر الفائتة. وكتوقف الحكم بفرضية المغرب فى طريق المزدلفة على عدم اعادتها قبل الفجر. وبهذا ظهر التوفيق بين القولين، وأن الخلاف بينهما لفظى، لأن القائل أيضا بأن الفرض هو الثانية أراد به بعد الوقوع، والا لزم الحكم ببطلان الاولى بترك ما ليس بركن ولا شرط.

стр. 5033

وعرف صاحب الدار المختار القضاء بأنه فعل الواجب بعد وقته واطلاقه على غير الواجب كالتى قبل الظهر مجاز وقيل: القضاء فعل مثله بناء على المرجوح من أنه يجب بسبب جديد لا بما يجب به الاداء. وجاء فى فواتح الرحموت (١): شرح مسلم الثبوت: أن الواجب قسمان أداء وقضاء. أما الأداء ففعل الواجب فى وقته المقدر له شرعا، ودخل فيه المؤدى فى الآخر من الوقت وغير الآخر فيشمل الواجب بنفس الوجوب وواجب الأداء فهذا معنى الاداء غير ما سبق. وقيل الأداء فعل ابتدائه كالتحريمة عند الحنفية وركعة عند الشافعية فى وقته المقدر شرعا، ليدخل ما شرع فى الوقت وأتم خارجه. ومن الأداء الاعادة وهو الفعل فيه أى فى وقته المقدر شرعا ثانيا لخلل واقع فى الفعل الأول غير الفساد، وكترك الفاتحة على مذهبنا. واختلف فيه، فقيل مندوب، لأن الصلاة الواجبة قد تمت فلا جهة للوجوب مرة أخرى والأصح أنه واجب اذا كان الخلل أداءها مع كراهية تحريم كثرك الواجب، لأن الذمة بقيت مشغولة بهذا الواجب المتروك فلا بد من أدائه واذا لم يعرف قربة الا فى ضمن صلاة فوجبب الصلاة ليكون الواجب مؤدى، فتكون هذه جابرة للأولى التى وقعت فرضا. خلافا لأبى اليسر فانه يقول: الثانى يصير فرضا هذا وله وجه أيضا. والقضاء فعل الواجب بعد الوقت المقدر شرعا استدراكا لما فات عمدا او سهوا تمكن من فعله كالمسافر أو لم يتمكن لمانع شرعا كالحيض أو عقلا كالنوم. فعلى هذا العبادة الغير المؤقتة ليست أداء ولا قضاء اذ لا وقت مقدر هناك. فتسمية الحج الصحيح بعد الفاسد قضاء مجاز فانه وان كان فعلا فى غير وقته الذى وجب اتمامه فيه بالاحرام لكن ليس ذلك وقته المقدر شرعا. ومن جعل الاداء والقضاء فى غير الواجب بدل الواجب فى التعريف بالعبادة وقال: الأداء فعل العبادة فى وقته، والقضاء فعل العبادة فى غير وقتها. ثم أن هذين التفسيرين للأداء والقضاء لا يشملان الحقوق العبادية، وكذا تفسير القضاء للقضاء بمثل غير معقول. والتفسير الجامع ما قال الامام فخر الاسلام البزدوى: الأداء تسليم عين الثابت

стр. 5034

بالأمر كالعبادة فى وقتها، وتسليم عين المغصوب، والقضاء تسليم مثل الثابت بالأمر كالصوم للصوم أو الفدية له فى حق الشيخ الفانى، وتسليم قيمة الغرس المغصوب. وجاء فى مختصر المنتهى (١): أن الأداء ما فعل فى وقته المقدر له شرعا أولا. والقضاء ما فعل بعد وقت الأداء استدراكا لما سبق له وجوب مطلقا، سواء أخره عمدا أو سهوا، وسواء تمكن من فعله كالمسافر أو لم يتمكن لمانع من الوجوب شرعا، كالحائض أو عقلا كالنائم. وقيل: لما سبق وجوبه على المستدرك ففعل الحائض والنائم قضاء على الأول لا الثانى، الا فى قول ضعيف. والاعادة ما فعل فى وقت الأداء ثانيا لخلل، وقيل لعذر. أقول تقسيم آخر للحكم وهو أن الفعل قد يوصف بكونه أداء وقضاء واعادة. فالأداء ما فعل فى وقته المقدر له شرعا أولا. فخرج ما لم يقدر له وقت كالنوافل، أو قدر لا شرعا كالزكاة يعين له الامام شهرا وما وقع فى وقته المقدر له شرعا ولكن غير الوقت الذى قدر له أولا كصلاة الظهر، فان وقته الأول هو الظهر. والثانى اذا ذكرها بعد النسيان فاذا اوقعها فى الثانى لم تكن أداء. وليس قوله أولا متعلقا بقوله فعل فيكون معناه فعل أولا لتخرج الاعادة، لأن الاعادة قسم من الأداء فى مصطلح القوم، وان وقع فى عبارات بعض المتأخرين خلافه. والقضاء ما فعل بعد وقت الأداء وهو المقدر له شرعا أولا استدراكا لما سبق له وجوب مطلقا. فخرج ما فعل فى وقت الأداء واعادة المؤداة خارج وقتها، وما لم يسبق له وجوب كالنوافل. وقيد الواجب بقوله مطلقا تنبيها على انه لا يشترط الوجوب عليه. ثم لا فرق بين تأخيره عن وقت الأداء سهوا أو عمدا مع التمكن من فعله أولا، أو مع عدم التمكن لمانع من الوجوب شرعا، كالحيض أو عقلا كالنوم. وقيل: هو ما فعل بعد وقت الأداء استدراكا لما سبق له وجوب على المستدرك. والفرق بين التعريفين أن فعل النائم والحائض قضاء على الأول اذ سبق له وجوب فى الجملة. وليس بقضاء وعلى الثانى اذ لم يجب على المستدرك لقيام المانع من الوجوب، الا فى قول، فان قول الله ﵎ «فَمَنْ شَهِدَ﴾

стр. 5035

﴿مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (١)، وهو ضعيف، لأن جواز الترك مجمع عليه وهو ينفى الوجوب قطعا. والاعادة ما فعل فى وقت الأداء ثانيا لخلل، وقيل لعذر. فالمنفرد اذا صلى ثانية مع الجماعة كانت اعادة على الثانى، لأن طلب الفضيلة عذر، دون الأول اذا لم يكن فيها خلل. والحاصل أن الفعل لا يقدم على وقته، فان فعل فيه فأداء أو بعدها، فان وجد سبب وجوبه فقضاء، والا فغيرهما، ومن الأداء الاعادة لخلل أو عذر. وجاء فى روضة الناظر (٢): أن الاعادة هى فعل الشئ مرة أخرى، وان الأداء هو فعله فى وقته المقدر له شرعا بخلاف ما ربط الأمر بفعله بوجود سببه، وذلك كانكار المنكر اذا ظهر. وانقاذ غريق اذا وجد. وكالجهاد اذا تحرك العدو، أو حصر البلد. فان هذا كله فعل مأمور به، ولا يوصف بالأداء فى الاصطلاح، لعدم تقدير وقته. وان كان قد يقال فى فاعله أنه أدى الواجب، بمعنى أنه امتثل أمر الله تعالى. وبخلاف المقدر من العرف والعقل، فانهما لا تصرف لهما فى تقدير الأوقات فى العبادات الشرعية ولا غيرهما من أحكام الشرع. والقضاء فعل الشئ بعد خروج وقته المعين شرعا. فلو غلب على ظنه فى الواجب الموسع أنه يموت قبل آخر الوقت لم يجز له التأخير. فان أخره وعاش لم يكن قضاء لوقوعه فى الوقت. والزكاة واجبة، على الفور، فلو أخرها ثم فعلها لم تكن قضاء، لأنه لم يعين وقتها بتقدير وتعيين. ومن لزمه قضاء صلاة على الفور فأخر لم نقل أنه قضاء القضاء. فاذن اسم القضاء مخصوص بما عين وقته شرعا ثم فات الوقت قبل الفعل. ولا فرق بين فواته بغير عذر أو لعذر، كالنوم والسهو والحيض فى الصوم والمرض والسفر. وقال قوم: الصيام من الحائض بعد رمضان ليس بقضاء، لأنه ليس بواجب اذ فعله حرام ولا يجب فعل الحرام فكيف تؤمر بما تعصى به، ولا خلاف فى انها لو ماتت لم تكن عاصية. وقيل فى المريض والمسافر لا يلزمهما الصوم أيضا.

стр. 5036

وحاصل هذا القول: أن المأمور به ان كان فواته فى وقته لا لعذر، ففعله بعد الوقت يكون قضاء. وان كان لعذر لم يكن فعله بعد الوقت قضاء كالحائض والمريض والمسافر يفوتهم صوم رمضان لعذر الحيض والسفر والمرض فيستدركونه بعد، فلا يكون ما يفعلونه بعد رمضان قضاء، وهذا فاسد لوجوه ثلاثة: أحداها ما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت: كنا نحيض على عهد رسول ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة، والآمر بالقضاء انما هو النبى ﷺ . ثانيها: أنه لا خلاف بين أهل العلم فى أن الحائض والمريض والمسافر ينوون القضاء. وتقريره ان المذكورين اذا صاموا بعد زوال عذرهم تجب عليهم نية القضاء بالاجماع، وكل ما وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء اذ لو كان أداء لم يجز أن ينووا القضاء، لأنهم حينئذ ينوون غير الواجب عليهم، فلا يكون لهم عملا بقوله ﷺ «وإنما لكل امرئ ما نوى». ثالثها: أن العبادة متى أمر بها فى وقت مخصوص فلم يجب فعلها فيه لا يجب بعده. ولا يمتنع وجوب العبادة فى الذمة بناء على وجود السبب مع تعذر فعلها كما فى النائم والناسى. وكما فى المحدث تجب عليه الصلاة مع تعذر فعلها منه فى الحال. وديون الآدميين تجب على المعسر مع عجزه عن ادائها. وحاصل هذا أن ثبوت العبادة فى الذمة غير ممتنع. كما أن ثبوت دين الآدمى فى الذمة غير ممتنع. واذا كان ثبوتها فى الذمة جائزا كان فعلها خارج وقتها بعد ثبوتها فى الذمة قضاء كدين الآدمى. ومنشأ الخلاف أن شرط القضاء هل هو تقدم وجوب الفعل أو تقدم سببه فقط؟ فعلى الاول لا يكون فعل الحائض للصوم بعد رمضان قضاء، لأنه لم يكن واجبا عليها، فانتفاء القضاء لانتفاء شرطه. وعلى الثانى يكون قضاء، لأن حقيقة الوجوب وان انتفت لكن سبب الوجوب موجود، وهو اهليتها للتكليف. ثم تقدم السبب قد يكون مع الاثم بالترك كالتارك المتعمد المتمكن من الفعل، وقد لا يكون مع الاثم كالنائم والحائض. ثم المزيل للاثم قد يكون من جهة العبد كالسفر وقد لا يكون كالحيض. ثم قد يصح معه الاداء كالمرض وقد لا يصح، اما شرعا كالحيض او عقلا كالنوم. قال المحقق الطوفى: التحقيق أن التزام العبادة واجب حال العذر عملا بالخطاب السابق. وايقاعها حينئذ غير واجب لأجل العذر.

стр. 5037

حكم اعادة الطهارة من وضوء وغسل ومسح وتيمم مذهب الحنفية: تجب اعادة الطهارة (١) بخروج النجس من بدن الانسان الحى لأن خروجه ينقض الطهارة كيفما كان عندنا. وقيد بالخروج، لأن نفس النجاسة غير ناقضة ما لم توصف بالخروج، والا لما حصلت الطهارة لشخص ما. والمراد بالبدن بدن الحى فانها ان خرجت من بدن الميت بعد غسله لا توجب اعادة الغسل بل توجب غسل ذلك الموضع. وجاء فى الهداية وفتح القدير (٢): المعانى الناقضة للوضوء كل ما يخرج من السبيلين. لقول الله ﵎ «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» (٣). وقيل لرسول الله ﷺ ما الحدث؟ قال: ما يخرج من السبيلين، وكلمة ما عامة تتناول المعتاد وغيره. وروى البيهقى فى الخلافيات عن رسول الله ﷺ انه قال: يعاد الوضوء من سبع: من أقطار البول، والدم السائل والقئ، ومن دسعة تملأ الفم، ونوم المضطجع، وقهقهة الرجل فى صلاته، وخروج الدم. قال صاحب الفتح: ولأن خروج النجاسة مؤثر فى زوال الطهارة شرعا. وجاء فى الدر المختار (٤): أن مسح ربع الرأس مرة فرض فى الوضوء، وكذلك غسل جميع اللحية فرض على المذهب الصحيح المفتى به. ولا يعاد الوضوء، بل ولا يعاد غسل المحل بحلق رأسه ولحيته، لأن المسح على شعر الرأس ليس بدلا عن المسح عن البشرة لأنه يجوز مع القدرة على مسح البشرة، ولو كان بدلا لم يجز. اهـ بحر. أما بالنسبة للحية، فان كانت كثيفة فظاهر ما فى الدرر ان غسلها بدل عما تحتها، وذلك يقتضى اعادة غسله بحلق الشعر. وما ذكر فى البحر الرائق يفيد أنه ليس ببدل وكذلك لا يعاد غسل المحل، ولا يعاد الوضوء بحلق شاربه وحاجبه وقلم ظفره وكشط جلده،

стр. 5038

وكذا لو كان على أعضاء وضوئه قرحة كالدملة وعليها جلدة رقيقة فتوضأ وأمر الماء عليها ثم نزعها فلا يلزمه اعادة غسل على ما تحتها، وان تألم بالنزع على الأشبه، لعدم البدلية. ونقل ابن عابدين (١) فى حاشيته عن التتارخانية وغيرها انه ان نزع الجلدة بعد ما برئ بحيث لم يتألم فعليه اعادة الغسل. وان نزعها قبل البرء بحيث يتألم فلا اعادة. قال ابن عابدين: والأشبه أنه لا يلزمه اعادة الغسل فيهما جميعا وهو المأخوذ به. ثم قال: فحالة التألم لا خلاف فيها. ولو كان فى رجله شق فجعل فيه الدواء يكفيه امرار الماء فوقه ولا يكفيه المسح. ولو أمرة فسقط الدواء فان كان عن برء أعاد والا فلا. وجاء فى الدر المختار (٢): وحاشية ابن عابدين عليه أن من شك فى ترك عضو من أعضاء وضوئه أعاد ما شك فيه لو كان فى خلال الوضوء ولم يكن الشك عادة له. وان لم يكن الشك فى خلال الوضوء بل كان بعد الفراغ منه. وان كان اول ما عرض له الشك أو كان الشك عادة له. وان كان فى خلاله فلا يعيد شيئا قطعا للوسوسة عنه كما فى التتارخانية وغيرها. وجاء فى بدائع الصنائع (٣): أنه لو توضأ ثم رأى البلل سائلا من ذكره أعاد الوضوء لوجود الحدث وهو سيلان البول. وانما قال: رآه سائلا، لأن مجرد البلل يحتمل أن يكون من ماء الطهارة. فان علم أنه بول ظهر فعليه الوضوء وان لم يكن سائلا وان كان الشيطان يريه ذلك كثيرا ولم يعلم أنه بول أو ماء مضى على صلاته ولا يلتفت الى ذلك، لأنه من باب الوسوسة فيجب قطعها. وقال النبى ﷺ ان الشيطان يأتى أحدكم فينفخ بين اليتيه، فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. وجاء فى حاشية ابن عابدين (٤) اذا فرغ من الوضوء ثم استأنف الوضوء فلا يكره بالاتفاق، ومثله فى الخلاصة.

стр. 5039

وعارض فى البحر دعوى الاتفاق بما فى السراج من أنه مكروه فى مجلس واحد. وأجاب فى النهر بأن ما مر فيما اذا أعاده مرة واحدة وما فى السراج فيما اذا كرره مرارا. ولفظه فى السراج لو تكرر الوضوء فى مجلس واحد مرارا لم يستجب بل يكره لما فيه من الاسراف. لكن فى شرح المنية الكبير قال: وفيه أشكال، لا طباقهم على أن الوضوء عبادة غير مقصودة لذاتها، فاذا لم يؤد به عمل مما هو المقصود من شرعيته كالصلاة وسجدة التلاوة ومس المصحف ينبغى أن لا يشرع تكراره قربة لكونه غير مقصود لذاته فيكون اسرافا محضا. قال فى شرح المصابيح: انما يستحب الوضوء اذا صلى بالوضوء الأول صلاة كذا فى الشرعة والقنية. وكذا ما قاله المناوى فى شرح الجامع الصغير للسيوطى عند حديث «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» من أن المراد بالطهر الوضوء الذى صلى به فرضا أو نفلا كما بينه فعل راوى الخبر وهو ابن عمر فمن لم يصل به شيئا لا يسن له تجديده. قال ابن عابدين: ومقتضى هذا كراهته وان تبدل المجلس ما لم يؤد به صلاة أو نحوها. لكن ذكر سيدى عبد الغنى النابلسى أن المفهوم من اطلاق الحديث مشروعيته ولو بلا فصل بصلاة أو مجلس آخر ولا اسراف فيما هو مشروع. أما لو كرره ثالثا أو رابعا فيشترط لمشروعيته الفصل بما ذكر والا كان اسرافا محضا. وجاء فى البحر الرائق (١): ذكر محمد رحمه الله تعالى فى نوادر الصلاة: لو توضأ بسؤر الحمار وتيمم ثم أصاب ماء نظيفا ولم يتوضأ به حتى ذهب الماء ومعه سؤر الحمار فعليه اعادة التيمم، وليس عليه اعادة الوضوء بسؤر الحمار، لأنه اذا كان مطهرا فقد توضأ به. وان كان نجسا فليس عليه الوضوء لا فى المرة الاولى، ولا فى الثانية كذا فى النهاية. وفى الخلاصة: ولو تيمم وصلى ثم أراق سؤر الحمار يلزمه اعادة التيمم والصلاة، لأنه يحتمل أن سؤر الحمار كان طهورا. وجاء فى البحر الرائق (٢): ان المجامع اذا أغتسل قبل أن يبول أو ينام ثم سال منه بقية المنى من غير شهوة يعيد الغسل عند أبى حنيفة

стр. 5040

ومحمد رحمهما الله تعالى ولا يعيده عند أبى يوسف رحمه الله تعالى. فلو خرج بقية المنى بعد البول أو النوم أو المشى لا يجب اعادة الغسل اجماعا، لأنه مذى وليس بمنى، لأن البول والنوم والمشى يقطع مادة الشهوة. ولو جومعت المرأة (١) فاغتسلت ثم خرج منها منى الرجل لا يجب اعادة الغسل. وجاء فى بدائع الصنائع (٢): أنه يجوز المسح على الجرموقين اذا لبسهما على الخف قبل أن يحدث. ولو مسح على الجرموقين ثم نزع أحدهما مسح على الخف البادى وأعاد المسح على الجرموق الباقى فى ظاهر الرواية. وقال الحسن بن زياد وزفر: يمسح على الخف البادى ولا يعيد المسح على الجرموق الباقى. وروى عن أبى يوسف أنه ينزع الجرموق الباقى ويمسح على الخفين، واعتبر أبو يوسف الجرموق بالخف، ولو نزع أحد الخفين ينتزع الآخر ويغسل القدمين كذا هذا. ووجه قول الحسن وزفر أنه يجوز الجمع بين المسح على الجرموق والمسح على الخف ابتداء بأن كان على أحد الخفين جرموق دون الآخر، فكذا بقاء، واذا بقى المسح على الجرموق البافى فلا معنى للاعادة. ووجه ظاهر الرواية أن الرجلين فى حكم الطهارة بمنزلة عضو واحد لا يحتمل التجزى، فاذا انتقضت الطهارة فى احداهما بنزع الجرموق الباقى فلا معنى للاعادة. وجاء فى موضع آخر (٣): الجبائر التى توضع على الجروح اذا سقطت عن الجرح فأما أن تسقط لا عن برء أو عن برء. وكل ذلك لا يخلو من أن يكون فى الصلاة، أو خارج الصلاة. فان سقطت لا عن برء فى الصلاة مضى عليها ولا يستقبل. وان كان خارج الصلاة يعيد الجبائر الى موضعها ولا يجب عليه أعادة المسح. وكذا اذا شدها بجبائر أخرى غير الاولى. ولو مسح على الجبائر وصلى أياما ثم برأت جراحته لا يجب عليه اعادة ما صلى بالمسح. وهذا قول أصحابنا، لما روينا من حديث على رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ أمره بالمسح على الجبائر ولم يأمره باعادة الصلاة مع حاجته الى البيان.

стр. 5041

وجاء فى الدر المختار (١): يجوز التيمم قبل الوقت لاكثر من فرض، وجاز التيمم لغير فرض كالنفل. وجاز لخوف فوت صلاة جنازة أى كل تكبيراتها ولو جنبا او حائضا. ولو جئ بأخرى فان أمكنه التوضؤ بينهما ثم زال تمكنه أعاد التيمم والا لا وبه يفتى كما فى المضمرات. وعند محمد يعيد على كل حال كما فى القهستانى. مذهب المالكية: اختلف فى الموالاة فى الوضوء هل هى واجبة مع الذكر والقدرة؟ قال ابن يونس: الظاهر من قول مالك أن الموالاة مع الذكر واجبة. وقال ابن رشد (٢): المشهور أن الفور فى الوضوء سنة، فان فرق وضوءه ناسيا فلا شئ، وان فرقه عامدا أعاد أبدا لتهاونه. وذكر خليل فى حكم الموالاة قولين: الأول: أنها واجبة مع الذكر والقدرة، ساقطة مع العجز والنسيان. قال بن ناجى فى شرح المدونة وهو المشهور وعزاه ابن الفاكهانى لمالك وابن القاسم وشهره أيضا. والقول الثانى: أنها سنة. قال فى التوضيح وشهره فى المقدمات. وقال الحطاب لكنه وافق فى التفريع عليه القول الأول فجعل التفريق عمدا يبطل الوضوء على قول ابن القاسم، قال فيها وأما الفور قفيه ثلاثة أقوال. فرض على الاطلاق وهو قول عبد العزيز ابن أبى سلمة. وسنة على الاطلاق وهو المشهور فى المذهب. والثالث: فرض فيما يغسل سنة فيما يمسح، وهو أضعف الاقوال. فعلى الأول يجب اعادة الوضوء والصلاة على من فرقه ناسيا أو عامدا. وعلى الثانى أن فرقه ناسيا فلا شئ عليه. وان فرقه عامدا ففى ذلك قولان. أحدهما: أنه لا شئ عليه وهو قول محمد ابن عبد الحكم. والثانى: أنه يعيد الوضوء والصلاة لترك سنة من سننها عامدا، لأنه كاللاعب المتهاون، وهذا مذهب ابن القاسم.

стр. 5042

ومن أصحابنا من يعبر على مذهبه هذا فى الفور أنه فرض بالذكر يسقط بالنسيان. قال ابن ناجى وزعم عياض فى الاكمال أن القول بالسنية هو المشهور. وجاء فى موضع آخر (١): قال: لما ذكر أن الموالاة واجبة مع الذكر والقدرة أخذ يبين حكم ما اذا ترك الموالاة نسيانا أو عجزا. وبدأ بالنسيان فقال: وبنى بنية أن نسى مطلقا. يعنى أن من نسى عضوا من أعضائه أو لمعة منه فانه يبنى على وضوئه المتقدم ويغسل ذلك العضو أو اللمعة مطلقا، طال أو لم يطل. يريد ويعيد ما بعد ذلك العضو أو تلك اللمعة من أعضاء وضوئه مفروضة كانت أو مسنونه. قاله فى النوادر ونقله الجزولى وغيره. وهذا اذا كان بالقرب قبل جفاف أعضائه. وان ذكر بعد الطول بجفاف أعضائه لم يعد ما بعد ذلك العضو ولا ما بعد تلك اللمعة. قال فى الرسالة ومن ذكر من وضوئه شيئا مما هو فريضة منه فان كان بالقرب منه أعاد ذلك وما يليه. وان تطاول ذلك أعاده فقط، وحد الطول الجفاف قاله فى المدونة. وحكم المنكس والمنسى فى الاعادة سواء عند ابن القاسم، فان اعادة ما بعده انما هى لأجل الترتيب، فلو لم يعد ما بعده لم يكن عليه شئ، كما صرح بذلك ابن ناجى فى شرح الرسالة، والشيخ زروق والجزولى، والشيخ يوسف بن عمر. واذا كانت اعادة ما بعد المنسى انما هى لأجل حصول الترتيب فتكون الاعادة سنة. وهذا هو الذى يفهم من كلام الشيخ زروق. وانما يعيد ما يليه اذا كان بالقرب للترتيب. والمشهور أن الترتيب بين الفرائض سنة. فلو ترك اعادة ما يليه لم يكن عليه شئ واعادة ما بعد المتروك مستحبة للترتيب ونحوه للجزولى، والشيخ يوسف بن عمر. والظاهر عندى أن مرادهم بالاستحباب ما يقابل الوجوب فهو شامل للسنة. وليس مرادهم بالمستحب الذى هو أحط رتبة من السنة بدليل قوله للترتيب. ثم قال (٢): وحكم من ترك الموالاة عجزا كمن عجز ماؤه وقام لطلبه أنه يبنى ما لم يطل.

стр. 5043

وظاهره سواء أعد من الماء ما يكفيه فأهريق أو غصب أو ابتدأ الوضوء بما يظن أنه يكفيه فتبين عدم كفايته، وهو ظاهر المدونة عند الباجى وجماعة، واستظهره الفاكهانى. قال فى المدونة ومن توضأ بعض وضوئه فعجز ماؤه فقام لطلبه فان قرب بنى وان تباعد وجف وضوؤه ابتدأ وضوءه. قال عياض ذهب بعض الشيوخ الى أن معناه أنه لم يعد من الماء ما يكفيه فكان كالمفرط والمغرر ولو أعد ما يكفيه فأهريق له أو غصب لكان حكمه كالناسى. وعلى هذا تحمل رواية ابن وهب انه يبنى اذا عجز وان طال. وحمله الباجى على الخلاف. وقال غيره وقد يحتمل أنهما سواء على قول من قال من أصحابنا أن الموالاة واجبة مع الذكر وهذا اذا ذكر نقله فى التوضيح واذا قلنا (١): انه يبنى فى النسيان مطلقا فتجب عليه المبادرة عند ذكره. فان أخر ذلك عامدا بطل وضوؤه ان تفاحش، وان لم يتفاحش لم يبطل. قال بن الحاجب فان أخر حين ذكره فكالمتعمد. وقال فى النكت ولو أنه حين ذكر اللمعة لم يغسلها فى الوقت ثم غسلها بالقرب. فان كان انما تراخى المقدار الذى لو فرق فيه طهارته لم يبتدئ الطهارة لقرب ذلك لم يبتدئ جميع طهارته، والا فعليه ابتداء طهارته من أولها، ونقله فى الطراز. وان ذكر اللمعة أو العضو فى موضع لم يجد فيه ما يغسلها به فحكى فى النكت عن غير واحد من شيوخه ان حكمه حكم من عجز ماؤه ان طال طلبه للماء ابتدأ جميع طهارته ونقله فى التوضيح واقتصر عليه. وحكى عبد الحق فى تهذيب الطالب له قولين. أحدهما للابيانى أنه يبنى مطلقا وجد الماء قريبا أو بعيدا اذا لم يفرط ومضى مبادرا. ثم قال (٢): ان من نسى عضوا أو لمعة ثم ذكر ذلك ثم نسى فهل يبنى فى النسيان الثانى كالأول أم لا؟ قولان ذكرهما الجزولى والشيخ يوسف بن عمر. وقال ابن ناجى ظاهر المدونة انه لا يعذر بالنسيان الثانى. قال فى المدونة: ومن ترك بعض فروض الوضوء أو بعض الغسل أو لمعة عامدا حتى صلى أعاد الوضوء والغسل والصلاة، فان ترك ذلك سهوا حتى طاول غسل ذلك الموضع

стр. 5044

فقط وأعاد الصلاة، فان لم يغسله حين ذكره استأنف الغسل أو الوضوء. قال ابن ناجى: ظاهره ترك ذلك بعد ذكره ناسيا أو عامدا فلم يعذر بالنسيان الثانى. ومثله فى الصيام المتتابع اذا أفطر ناسيا فانه يقضيه ويصله بآخر صومه، فان لم يصله ابتدأ، ظاهره ولو سهوا. واذا كانت اللمعة من مغسول الوضوء غسل موضعها ثلاثا. وكذلك ان نسى عضوا غسله ثلاثا. فان كان ذلك بالقرب وأعاد ما بعده غسل ذلك مرة مرة. وان ذكره بعد البعد غسل موضع اللمعة فقط ثلاثا قاله: عبد الحق فى تهذيبه، والفاكهانى فى شرح الرسالة، والجزولى والشيخ يوسف بن عمر والشبيبى. قال الجزولى: الا أن يكون انما غسل تلك الأعضاء أولا مرة مرة فانه يعيدها مرتين مرتين. واذا تحقق موضع اللمعة غسلها خاصة. وان لم يتحقق موضعها غسل العضو كله. ومن ذكر لمعة من غسله أو عضوا فحكمه حكم من ذكر ذلك من وضوئه. الا أنه لا يعيد ما بعد ذلك، لأن الغسل لا ترتيب فيه، صرح بذلك الجزولى وغيره ولا يغسلها ثلاثا، لأن التثليث غير مستحب فى الغسل كما يفهم ذلك من كلام ابن بشير وغيره. قال فى النوادر وأعرف (١): لبعض أصحابنا فيمن ذكر لمعة من الوضوء من أحدى يديه لا يدرى من أى يد هى الا أنه يعلم موضعها من احدى اليدين، فان كان بحضرة الماء غسل ذلك الموضع من يده اليمنى، ثم غسل يده اليسرى وأعاد بقية وضوئه، وان طال غسل ذلك الموضع من اليدين جميعا. فان ذكر مسح رأسه لم يجزه أن يمسحه بما فى ذراعيه أو لحيته من بلل لقلة ما يتعلق بذلك من الماء، الا أن تكون لحيته عظيمة بحيث يكون فيها من الماء ما فيه كفاية المسح، فأجاز ذلك ابن الماجشون. ومنعه مالك فى المدونة. وخرج ابن رشد وصاحب الطراز ذلك على حكم الماء المستعمل. قال مالك فى المدونة: وان ذكر فى صلاته أنه نسى مسح رأسه قطع ولم يجزه مسحه بما فى لحيته من بلل. ويستأنف مسحه ويبتدئ الصلاة. ولا يعيد غسل رجليه ان كان وضوؤه قد جف قال ابن ناجى: ظاهره أنه لو فعل أعاد أبدا وهو كذلك عزاه العتبى لابن القاسم وعزاه غيره لمالك.

стр. 5045

وجاء فى موضع آخر (١): قال ابن عرفة ولا يشترط طهارة المحل قبل ورود الماء لغسل الوضوء خلافا للجلاب، وأخذا من قول ابن مسلمة فى اشتباه الآنية ويغسل أعضاءه فما قبله يرد بكونه لاحتمال قصور وضوءه الثانى عن محل الأول. واخذه من قول الباجى رأيت لابن مسلمة من كان بذراعه نجاسة فتوضأ ولم ينقها أعاد أبدا يرد بأن نصها فى النوادر بزيادة فكأنه لم يغسل محلها. ولو كانت النجاسة برأسه أعاد فى الوقت، لأن ترك بعضه لا شئ فيه. فهذا بين فى أن اعادته لترك محلها اذا كانت فى الرأس فى الوقت، لأنها فيه كصلاته بنجاسة. وقال الأبى فى شرح مسلم فى شرح حديث ميمونة فى الغسل وان شاء نوى الجنابة عند غسل الأذى ولا يعيد غسل محله على المشهور فى أن طهارة الحدث ليس من شرطها أن ترد على الاعضاء وهى طاهرة. وقال بن الجلاب: شرطها ذلك، واختاره جماعة. وقال فى الخطاب (٢): قال فى الطراز فى باب ترتيب الوضوء وموالاته أما حكم اللمعة فالصحيح المشهور من المذهب وجوب ألا يعاب، وأنه ان ترك لمعة من مفروضاته لم يجزه. وحكى الباجى عن محمد بن دينار فيمن لصق بذراعيه قدر الخيط من العجين وغيره فلا يصل الماء الى ما تحته فيصلى بذلك لا شئ عليه. قال وقال ابن القاسم عليه الاعادة. ووجه المذهب قول الله ﵎ «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» (٣): وهذا لم يغسل وجهه وانما غسل وجهه الا لمعة. وقول رسول الله ﷺ «اسبغوا الوضوء». وقوله ﷺ لمن ترك قدر ظفر على رجله أعد الوضوء والصلاة. ووجه القول الثانى أن اسم الغسل بثبت بدون ذلك، لأنه لو سقط من الرأس فى مسحه هذا القدر لأجزأه فكذلك الوجه فان الكل من أعضاء الطهارة واغتفار ذلك القدر بين الأصابع والخاتم. وما ذكره من ترك اليسير من المسح على خلاف المشهور. وقال ابن ناجى فى شرح الرسالة: واختلف المذهب اذا كانت لمعة يسيره كالخيط الرقيق من العجين.
следующие страницы →