يترك لذلك الاقبال على صلاته فصلاته تامة ولا شئ عليه.
برهان ذلك قول الله ﵎ «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» (١).
وقول الله : «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» (٢).
فاذ هم غير مكلفين ما لا يقدرون عليه من ستر العورة فهم مخاطبون بالصلاة كما يقدرون وبالامامة فيها فى جماعة فسقط عنهم ما لا يقدرون عليه وما ليس فى وسعهم وبقى عليهم ما يستطيعون عليه لقول رسول الله ﷺ : «اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
وأما من تأمل فى صلاته عورة لا يحل له النظر اليها فان صلاته تبطل، لأنه عمل فيها عملا لا يحل له فلم يصل كما أمر ومن لم يصل كما أمر فلم يأت بالصلاة التى أمره الله تعالى بها قال رسول الله ﷺ :
«من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
فان فعل ذلك ناسيا فعليه سجود السهو، لأنه زاد فى صلاته نسيانا ما لو عمده لبطلت صلاته.
وأما اذا تأمل عورة أبيح له النظر اليها فهى من جملة الأشياء التى لا بد له من وقوع النظر على بعضها فى الصلاة ولا فرق بين مباح ومباح.
فان اشتغل بشئ من ذلك كله عن صلاته عمدا فقد عصى الله تعالى ولم يصل كما أمر.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٣): أن من شروط الصلاة ستر جميع العورة فى جميع الصلاة بحيث أنه لو انكشف منها شئ فى أى حالات الصلاة بطلت.
وقال البعض اذا انكشف بعد أن أدى الواجب من الركن وسترها قبل أن يأخذ فى ركن آخر لم تبطل وهو قول المنصور.
قال ﵇ والعورة تكون بحيث لا ترى الا بتكلف أى يلبس الثوب لبسة يستر بها جميع عورته حتى لو أراد الرائى أن يراها لم يرها الا بتكلف منه.
فعلى هذا لو التحف ثوبا وصلى فى مكان مرتفع على صفة لو مر تحته مار رأى عورته من دون تكلف لم تصح صلاته.
ويجب ستر العورة من الثياب بما لا يصف لون البشرة لرقة فيه فان كان يصف لم تجز.
وقال الأمير ذلك يختلف بالمكان والزمان وهو قول البعض أن الظلمة ساترة وانما تجزئ بثوب صفيق غير خشن وقد قدر واحد الصفاقة أن لا تنفذ من جسد المصلى الشعرة بنفسها فان كانت تنفذ بنفسها لا بمعالجة لم تجز الصلاة به وحده.
والعورة بالنظر الى الصلاة دون سائر الأحوال هى من الرجل ومن لم ينفذ عتقه من المماليك الذكور والاناث فيدخل فى ذلك
стр. 5182
المدبر والكاتب وأم الولد، فهى من الرجل الركبة الى تحت السرة بمقدار الشفة.
فاذا بدا شعرة من هذا القدر فسدت الصلاة.
والعورة من الحرة بالنظر الى الصلاة جميع جسمها وشعرها غير الوجه والكفين.
وزاد القاسم القدمين ذكره البعض عنه فيجب عليها ستر ما عدا هذه.
فلو ظهرت شعرة من رأسها فسدت صلاتها وكذلك سائر جسمها.
وعورة الخنثى المشكل كعورة المرأة ترجيحا لجانب الحظر.
ويجب على المصلى أن يستر من غير العورة ما لا يتم ستر العورة الا بسترة كبعض الساق فيكمل سترة الركبة.
وجاء فى البحر الزخار (١): واذا لم تعلم الامة بالعتق وصلت حاسرة ثم علمت بالعتق اعادت الصلاة فى الوقت لا بعده.
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى (٢):
أنه اذا بدت العورة كلا أو بعضا لريح أو غفلة لم تبطل الصلاة لكن ان علم به فى أثناء الصلاة وجبت المبادرة الى سترها وصحت أيضا.
وان كان الأحوط الاعادة بعد الاتمام خصوصا اذا احتاج سترها الى زمان معتد به.
واذا نسى ستر العورة (٣): ابتداء أو بعد التكشف فى الاثناء فالاقوى صحة الصلاة.
وان كان الأحوط الاعادة.
وكذا لو تركه من أول الصلاة أو فى الأثناء غفلة والجاهل بالحكم كالعامد على الأحوط.
وجاء فى جواهر الكلام (٤): أنه فرق فى التحرير بين استمرار الغفلة الى تمام الصلاة وعدمه فقال لو انكشفت عورته فى الأثناء ولم يعلم صحت صلاته.
ولو علم فى الأثناء سترها سواء طالت المدة قبل علمه أو لم تطل أدى ركنا أولا.
ولو علم به ولم يستره أعاد سواء انكشف ربع العورة أو أقل أو أكثر.
ولو قيل بعدم الاجتزاء بالستر كان وجها لأن الستر شرط وقد فات او يكون قد اكتفى باحتمال عدم الاجتزاء بالستر عن احتمال البطلان مع استمرار الغفلة.
стр. 5183
وجاء فى صحيح على بن جعفر عن أخيه الذى رواه الشيخ وابن ادريس فى المحكى عن مستطر فانه نقلا عن كتاب محمد بن على بن محبوب قال سألته عن الرجل يصلى وفرجه خارج لا يعلم به هل عليه اعادة لصلاته أو ما حاله؟ قال لا اعادة عليه وقد تمت صلاته.
واطلاقه يقتضى عدم الفرق بين انكشاف جميع العورة أو بعضها وبين الخروج فى تمام الصلاة أو بعضها واستمر الى الفراغ وبه ينقطع الأصل المزبور فى ذلك كله وفى غيره مما يندرج فيه خصوصا بعد عدم الخلاف فيه فيما أجد الا ما سمعته من احتمال التحرير ولا ريب فى ضعفه وأنه كالاجتهاد فى مقابلة النص.
وفى الذكرى بعد أن حكى عن ابن الجنيد لو صلى وعورتاه مكشوفتان غير عامد أعاد فى الوقت.
وعن المبسوط فان انكشفت عورتاه فى الصلاة وجب عليه سترهما ولا تبطل صلاته سواء ما انكشف عنه قليلا أو كثيرا بعضه أو كله والمعتبر لو انكشفت العورة ولم يعلم سترها ولم يبطل صلاته تطاولت المدة قبل علمه أو لم تطل كثيرا كان الكشف أو قليلا لسقوط التكليف مع عدم العلم.
وجاء فى مستمسك العروة الوثقى (١):
أن المبعضة كالحرة مطلقا فى وجوب التستر فى الصلاة فلو أعتقت فى أثناء الصلاة وعلمت به ولم يتخلل بين عتقها وستر رأسها زمان صحت صلاتها بل وان تخلل زمان اذا بادرت الى ستر رأسها للباقى من صلاتها بلا فعل مناف وأما اذا تركت سترها حينئذ بطلت صلاتها وكذا اذا لم تتمكن من الستر الا بفعل المنافى.
ولكن الأحوط الاتمام ثم الاعادة.
نعم لو لم تعلم بالعتق حتى فرغت صحت صلاتها على الأقوى بل وكذا لو علمت لكن لم يكن عندها ساتر أو كان الوقت ضيقا.
وأما اذا علمت عتقها لكن كانت جاهلة بالحكم وهو وجوب الستر فالأحوط اعادتها.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٢): أنه تصح الصلاة بلباس وان صلى بدونه ناسيا اعاد عندنا.
وأقل اللباس ثوب طاهر ساتر عورة مصل وظهره وصدره.
وقيل ومنكبيه لقول رسول الله ﷺ : «لا يصلى أحدكم بثوب واسع ليس على منكبيه منه شئ فلا بد أن يستر أعلى صدره الى أسفل العنق من الجوانب وقدام وخلف.
стр. 5184
وقيل يشترط ستر العورة فقط فى القيام والركوع وغيرهما وحد العورة من الرجل والأمة السرة والركبة وما بينهما فمن أسقط الريح أو غيرها ثوبه من جسده فبانت عورته فسدت صلاته وعليه الاعادة.
وقيل يلبسه ويبنى.
وقيل ان بقى على جسده منه شئ مثل أن تبقى متعلقا بكتفه وبانت عورته صحت ويسترها وان لم يبق عليه شئ فسدت وقد شدد (١): بافساد صلاة المرأة وعليها اعادتها فى كشف غير وجهها وكفيها مثل أن تكشف رأسها أو شعرها ولو على الوجه أو ذراعها أو رجلها أو عنقها وغير ذلك.
وقيل لا بد من ستر قدمها فى الصلاة لأمر رسول الله ﷺ بذلك وهو دليل على قول بأن القدم عورة.
وقيل ظاهره عورة وفى باطنه قولان.
والصحيح ان ظاهره عورة كما روى فيه وكما أمرت بارخاء الثوب شبرا أو ذراعا.
ولا بأس ان صلت المرأة بلا خمار فى بيتها.
وان اطلع غير محرم على حال لا يراها فيه فسدت صلاتها ولزمتها الاعادة.
وكذا ان رآها محرمها بحال لا يراها فيه فى غير الصلاة وأنها تفسد وان صلت بحال تستحى بها فى غير بيتها كصحراء ولم يرها أجنبى صحت وقيل لا.
والأمة ليست كالحرة بل كالرجل (٢).
ولا تصلى الحرة وساقها بارز وجوز أن تصلى وهو بارز الى الركبة ان لم يكن معها أحد يراها وجوزت صلاتها ولو انكشف فخذها أو اليتها ما لم ينكشف أحدهما كله وهو خطأ.
وقيل تفسد وعليها الاعادة بقدر ظفر فصاعدا.
وقيل بالربع.
وقيل بأكثر لا به وكذا الرجل.
وقيل ما لم تظهر عورة الرجل الكبرى كلها أو كان الخرق مقابل الدبر أو الذكر فلا بأس وان قابل الخرق ذلك أو خرج الذكر فسدت الصلاة.
والصحيح منع ذلك.
وقيل لا تبرز من يديها أو رجليها الا موضع السوار أو الخلخال فسافلا.
وهل يعيد الرجل صلاته (٣): ان صلى بلا تلح أولا وهو الراجح عند الشيخ والمرجوح عند غيره قولان.
стр. 5185
وفى الديوان ان خرج وسط رأسه فى الصلاة من الكرزية أو العمامة أو الشاشية وغطى ذلك بالثوب أو بغيره فانه يعيد الصلاة فى هذا وفيها رخصة.
وان دخل الصلاة ونسى التلحى فلا يجعله فى صلاته وان جعله فيها أعاد ولا يلزم تلح وتغطية وسطه ان شده بعمامة لمرض أو برد.
وفى اعادة متلثم متنقب وهو مغطى الفم سواء تلثم للحية أو لغيرها لغير عذر قولان.
حكم اعادة الصلاة
لمن لم يستقبل القبلة
مذهب الحنفية:
جاء فى البحر الرائق (١): أن من شرائط الصلاة استقبال القبلة والخائف يصلى الى أى جهة قدر.
والخوف يشمل الخوف من عدو أو سبع أو لص وسواء خاف على نفسه أو على دابته وأراد بالخائف من له عذر فيشمل المريض اذا كان لا يقدر على التوجه الى القبلة.
يشمل كذلك ما اذا كان على لوح فى السفينة يخاف من الغرق اذا انحرف اليها.
ويشمل ما اذا كان فى طين ودغة لا يجد على الأرض مكانا يابسا.
أو كانت الدابة جموحا لو نزل لا يمكنه الركوب الا بمعين.
أو كان شيخا كبيرا لا يمكنه أن يركب الا بمعين ولا يجده فكما تجوز له الصلاة على الدابة ولو كانت فرضا وتسقط عنه الأركان كذلك يسقط هنا التوجه الى القبلة ولا تلزم الاعادة حين القدرة لأن الطاعة بحسب الطاقة.
وجاء فى فتح القدير (٢): أن من اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى، لأن الصحابة رضوان الله عليهم تحروا وصلوا ولم ينكر عليهم رسول الله ﷺ .
فلو صلى من اشتبهت عليه القبلة بلا تحر فعليه الاعادة الا ان علم بعد الفراغ أنه أصاب فلا اعادة عليه.
أما لو تحرى وصلى الى غير جهة التحرى فلا تجزئه وان أصاب مطلقا خلافا لأبى يوسف رحمه الله تعالى.
وان صلى فى الصحراء الى جهة من غير شك ولا تحر فان تبين أنه أصاب أو كان أكبر رأيه أو لم يظهر من حاله شئ حتى ذهب عن
стр. 5186
الموضع فصلاته جائزة وان تبين أنه أخطأ أو كان أكبر رأيه فعليه الاعادة.
ومن تحرى وصلى وعلم أنه أخطأ بعد ما صلى فليس عليه الاعادة لأنه ليس فى وسعه الا التوجه الى جهة التحرى والاستخبار فوق التحرى فيترك به التحرى فان لم يخبره المستخبر حين سأله فصلى بالتحرى ثم أخبره لا يعيد لو كان مخطئا.
وجاء فى الفتاوى الهندية (١): أنه ان كان بحضرة المصلى من يسأله عنها فلم يسأله وتحرى وصلى فان أصاب القبلة جازت صلاته والا فلا.
ولو صلى الى جهة من غير أن يشك فى أمر القبلة ثم شك بعد ذلك فهو على الجواز حتى يعلم فساده بيقين فيجب عليه الاعادة كذا فى الخلاصة.
ولو دخل رجل مسجدا لا محراب له وقبلته مشكلة فصلى بالتحرى، ثم ظهر أنه أخطأ كان عليه الاعادة، لأنه قادر على السؤال من الأهل وان تبين أنه أصاب جازت صلاته كذا فى فتاوى قاضيخان.
ومن اشتبهت عليه القبلة بمكة بأن كان محبوسا ولم يكن بحضرته من يسأله فصلى بالتحرى ثم تبين أنه أخطأ روى عن محمد رحمه الله تعالى أنه لا اعادة عليه وهو أقيس وكذلك اذا كان بالمدينة هكذا فى الظهيرية.
وجاء فى البدائع (٢): أنه ان كان وجه المريض الى غير القبلة وهو لا يجد من يحول وجهه الى القبلة ولا يقدر على ذلك بنفسه فانه يصلى كذلك لأنه ليس فى وسعه الا ذلك.
وهل يعيدها اذا برئ؟
روى عن محمد بن مقاتل الرازى رحمه الله تعالى أنه يعيدها.
وأما فى ظاهر الجواب فلا اعادة عليه لأن العجز عن تحصيل الشرائط لا يكون فوق العجز عن تحصيل الأركان والعجز عن تحصيل الأركان لا يوجب الاعادة فها هنا أولى.
وجاء فى المبسوط (٣): أن المريض اذا اشتبهت عليه القبلة فتحرى الى جهة وصلى اليها ثم تبين أنه أخطأ القبلة تجوز صلاته وان تعمد لا تجوز لحديث على رضى الله تعالى عنه أنه قال قبلة المتحرى جهة قصده.
مذهب المالكية:
جاء فى الحطاب (٤): أن من شروط الصلاة مع الأمن والقدرة والذكر استقبال عين الكعبة.
стр. 5187
قال ابن عرفة واستقبال الكعبة فرض فى الفرض الا لعجز قتال أو مرض أو ربط أو هدم أو خوف لصوص أو سباع.
قال ابن بشير فان عجز المريض عن استقبال القبلة بنفسه حول اليها فان عجز عن تحويله سقط حكم الاستقبال فى حقه كالمسايف.
وفى الكتاب اذا صلى لغير القبلة أعاد فى الوقت بمنزلة الصحيح.
وأما من صلى وهو قادر على التحول والتحويل فينبغى أن يعيد صلاته أبدا.
وأما من لم يقدر على ذلك لفقد من يحوله فينبغى أن يختلف فى اعادته كما اختلف فى المريض يعدم من يناوله الماء فيتيمم ثم يجد من يناوله، وفى الواضحة اذا لم يجد المريض من يحوله للقبلة صلى على حاله.
ومن المدونة وليصل المريض بقدر طاقته ولا يصلى الا الى القبلة فان عسر تحويله اليها احتيل فيه فان صلى الى غيرها أعاد فى الوقت اليها.
فال ابن يونس ووقته فى الظهر والعصر الغروب كمن صلى بثوب نجس لا يجد غيره.
قال اصبغ فى الواضحة هذا اذا لم يستطع التحويل الى القبلة ولم يجد من يحوله فيصلى كما هو فاذا قدر أو وجد من يحوله أعاد فى الوقت قال ابن يونس يريد ولو كان واجدا من يحوله فتركه وصلى الى غير القبلة أعاد أبدا كالناسى.
وجاء فى التاج والاكليل (١): روى عن المدونة أنه ان علم بعد الصلاة أنه استدبر القبلة أو شرق أو غرب أعاد فى الوقت ووقته فى الظهرين اصفرار الشمس وفى العشاءين طلوع الفجر وفى الصبح طلوع الشمس.
وهل يعيد الناسى أبدا داخل الوقت وخارج الوقت؟
قال ابن رشد المشهور اعادة من استدبر أو شرق أو غرب باجتهاد أو نسيان بغير مكة فى الوقت من أجل أنه يرجع الى اجتهاد من غير يقين بخلاف من صلى لغبر القبلة بموضع فعاينها فيعيد أبدا لأنه رجع الى يقين وقال القابسى الناسى يعيد أبدا بخلاف المجتهد.
وجاء فى موضع آخر (٢): أنه روى عن المدونة أن من صلى فى الكعبة فريضة ناسيا أعاد فى الوقت قال ابن يونس رحمه الله تعالى لأنه جعله كمن صلى لغير القبلة وبالاطلاق.
قال اللخمى اختلف بعد القول بالمنع من الصلاة فى الكعبة فى وقت الاعادة ان فعل ففى المدونة يعيد ما دام فى الوقت وبطل الفرض على ظهر الكعبة.
قال ابن عرفة الفرض على ظهرها ممنوع.
стр. 5188
قال الباجى فان صلاه أعاد أبدا قاله مالك وأشهب وابن حبيب.
قال الجلاب ولا بأس بنفله عليها.
وقال ابن حبيب ان النفل عليها ممنوع.
وأما استقبال القبلة بالنسبة لصلاة الخوف.
قال ابن عرفة صلاة الخوف حين قتال العدو بقدر الطاقة دون ترك ما يحتاج اليه من قول أو فعل ان دهمهم فيها العدو والا فلا.
قال ابن حبيب ومحمد كذلك آخر وقتها قال محمد وكذلك بالبحر.
وعبارة ابن يونس يؤخرون الصلاة لآخر الوقت ثم يصلون حينئذ على خيولهم يومئون مقبلين ومدبرين ان احتاجوا الى الكلام فى ذلك لم يقطع الكلام صلاتهم.
وعن المدونة قال مالك من خاف ان نزل من سباع أو غيرها صلى على دابته ايماء أينما توجهت به فان أمن فى الوقت فأحب الى أن يعيد بخلاف العدو قال ابن يونس ووقته وقت الصلاة المفروضة وان لغيرها.
ثم قال (١): وعن المدونة اذا أشتد الخوف صلوا على قدر طاقتهم يركعون ايماء مستقبلين القبلة أو غيرها ويقرأون وان أمن أعاد الخائف بوقت.
واذا اجتهد فى مكة (٢): فأخطأ القبلة لزمته الاعادة لوجود النص واذا اجتهد فى غير مكة لم يعد لأن الاجتهاد لم ينقض بالاجتهاد.
مذهب الشافعية:
جاء فى المجموع (٣): أن الأعمى يعتمد المحراب بمس اذا عرفه بالمس حيث يعتمده البصير وكذا البصير فى الظلمة وفيه وجه أن الأعمى انما يعتمد محرابا رآه قبل العمى ولو اشتبه على الأعمى مواضع لمسها صبر حتى يجد من يخبره فان خاف فوت الوقت صلى على حسب حاله وتجب الاعادة.
ولو صلى بالاجتهاد (٤): ثم حضرت صلاة أخرى فاجتهد لها سواء أوجبنا الاجتهاد ثانيا أم لا فتغير اجتهاده يجب أن يصلى الصلاة الثانية الى الجهة الثانية بلا خلاف ولا يلزم اعادة شئ من الصلاتين حتى لو صلى أربع صلوات الى أربع جهات باجتهادات فلا اعادة فى شئ منهن هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور.
وحكى الخراسانيون وجها أنه يجب اعادتهن.
стр. 5189
قال القاضى حسين هو قول الأستاذ أبى اسحاق الاسفرايينى.
وحكوا وجها ثالثا أنه تجب اعادة غير الأخيرة.
والصواب الأول.
ولو تغير اجتهاده فى أثناء الصلاة ففيه وجهان مشهوران وقيل قولان ذكر المصنف دليلهما.
أحدهما يجب استئناف الصلاة الى الجهة الثانية.
وأصحهما عند الأصحاب لا يستأنف بل ينحرف الى الجهة الثانية ويبنى.
قال أصحابنا وعلى هذا الثانى لو صلى أربع ركعات من صلاة واحدة الى أربع جهات باجتهادات صحت صلاته ولا اعادة كالصلوات.
وخص صاحب التهذيب الوجهين بما اذا كان الدليل الثانى أوضح من الأول قال فان استويا أتم صلاته الى الجهة الأولى ولا اعادة.
والمشهور اطلاق الوجهين واذا دخل فى الصلاة باجتهاد ثم شك فيه ولم يترجح له شئ من الجهات أتم صلاته الى جهته ولا اعادة نص عليه فى الأم واتفقوا عليه.
قال المصنف (١): وان صلى، ثم تيقن الخطأ ففيه قولان.
قال فى الأم يلزمه أن يعيد لأنه تعين له يقين الخطأ.
وان صلى الى جهة ثم رأى القبلة فى يمينها أو شمالها لم يعد لأن الخطأ فى اليمين والشمال لا يعلم قطعا فلا ينتقض به الاجتهاد.
أما حكم الفصل فقال أصحابنا رحمهم الله تعالى: اذا صلى بالاجتهاد ثم ظهر له الخطأ فى الاجتهاد فله أحوال.
أحدها أن يظهر الخطأ قبل الشروع فى الصلاة.
فان تيقن الخطأ فى اجتهاده أعرض عنه واعتمد الجهة التى يعلمها أو يظنها الآن.
وان لم يتيقن بل ظن أن الصواب جهة أخرى فان كان دليل الثانى عنده أوضح من الأول اعتمد الثانى وان كان الأول أوضح اعتمده وان تساويا فوجهان.
أصحهما يتخير فيهما.
والثانى يصلى الى الجهتين مرتين.
الحال الثانى ان يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة فان تيقنه قولان.
أصحهما عند الأصحاب تجب الاعادة.
والقولان جاريان سواء تيقن مع الخطأ جهة الصواب أم لا.
وقيل القولان اذا تيقن الخطأ ولم يتيقن الصواب.
فأما اذا تيقنهما فتلزمه الاعادة قولا واحدا.
стр. 5190
وقيل القولان اذا تيقن الخطأ وتيقن الصواب.
أما اذا لم يتيقن الصواب فلا اعادة قولا واحدا.
والمذهب الأول.
ولو تيقن خطأ الذى قلده الأعمى فهو كما لو تيقن المجتهد خطأ نفسه.
أما اذا لم يتيقن الخطأ ولكن ظنه فلا اعادة حتى لو صلى أربع صلوات الى أربع جهات فلا اعادة على المذهب كما سبق.
الحال الثالث: أن يظهر الخطأ فى أثنائها وهو ضربان.
أحدهما يظهر الخطأ ويظهر الصواب مقترنا به فان كان الخطأ متيقنا بنيناه على تيقن الخطأ بعد الفراغ فان قلنا بوجوب الاعادة بطلت صلاته والا فوجهان.
وقيل قولان.
أصحهما ينحرف الى جهة الصواب ويبنى.
والثانى: تبطل صلاته وان لم يكن الخطأ متيقنا بل مظنونا ففيه هذان الوجهان أو القولان كما سبق.
واذا خفيت الأدلة (١) على المجتهد لغيم أو ظلمة أو تعارض الأدلة أو غيرها ففيه أربع طرق أصحها فيه قولان.
أصحهما لا يقلد.
والثانى يقلد.
والطريق الثانى يقلد قطعا.
والثالث لا يقلد قطعا والرابع ان ضاق الوقت قلد والا فلا، وذكر المصنف دليل الجميع.
فان قلنا لا يقلد صلى على حسب حاله ووجبت الاعادة لأنه عذر نادر.
وان قلنا يقلد فقلد وصلى فلا اعادة عليه على الصحيح وبه قطع الجمهور.
ثم قال (٢): والمريض الذى يعجز عن استقبال القبلة ولا يجد من يحوله الى القبلة لا متبرعا ولا بأجرة مثله وهو واجدها يجب عليه أن يصلى على حسب حاله وتجب الاعادة لأنه عذر نادر.
والمربوط على خشبة والغريق ونحوهما تلزمهما الصلاة بالايماء حيث أمكنهم وتجب الاعادة لندوره وفيه خلاف سبق والصحيح وجوب الاعادة.
стр. 5191
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير (١): أنه اذا صلى بالاجتهاد الى جهة ثم أراد صلاة أخرى لزمه اعادة الاجتهاد فان تغير اجتهاده عمل بالثانى ولم يعد ما صلى بالأول كما لو تغير اجتهاد الحاكم عمل بالثانى فى الحادثة الثانية ولم ينقض حكمه الأول وهذا لا نعلم فيه خلافا.
فان تغير اجتهاده فى الصلاة استدار الى الجهة الثانية وبنى على ما مضى من صلاته، نص عليه أحمد فى رواية الجماعة.
وقال ابن أبى موسى والآمدى لا ينتقل ويمضى على اجتهاده الأول لئلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد.
يدل لنا أنه مجتهد أداه اجتهاده الى جهة فلم يجز له الصلاة الى غيرها، كما لو أراد صلاة أخرى، ولأنه أداه اجتهاده الى غير هذه الجهة فلم يجز له الصلاة اليها كسائر محال الوفاق وليس هذا نقضا للاجتهاد وانما يعمل به فى المستقبل كما فى الصلاة الأخرى.
وانما يكون نقضا للاجتهاد لو ألزمناه اعادة ما مضى من صلاته ولم نعتد له به فان لم يبن اجتهاده وظنه الى الجهة الاولى، ولم يؤده اجتهاده الى الجهة الأخرى فانه يبنى على ما مضى من صلاته، لأنه لم يظهر له أخرى يتوجه اليها.
فان بان له تعين الخطأ فى الصلاة بمشاهدة أو خبر عن يقين استدار الى جهة الصواب وبنى كأهل قباء لما أخبروا بتحويل القبلة استداروا اليها وبنوا.
وان شك فى اجتهاده لم يزل عن جهته لأن الاجتهاد ظاهر فلا يزول عند الشك.
وان بان له الخطأ ولم يعرف جهة القبلة كرجل كان يصلى الى جهته فرأى بعض منازل القمر فى قبلته ولم يدر أهو فى المشرق أو المغرب واحتاج الى الاجتهاد بطلت صلاته لأنه لا يمكنه استدامتها الى غير القبلة وليست له جهة يتوجه اليها فبطلت لتعذر اتمامها.
واذا اختلف المجتهدان (٢): ففرض كل واحد منهما الصلاة الى الجهة التى يؤديه اجتهاده اليها أنها القبلة لا يسعه تركها ولا تقليد صاحبه سواء كان أعلم منه أو لم يكن كالعالمين يختلفان فى الحادثة.
ولو أن أحدهما اجتهد فأراد الآخر تقليده من غير اجتهاد لم يجز له ذلك ولا يسعه الصلاة حتى يجتهد سواء اتسع الوقت أو كان ضيقا يخشى خروج وقت الصلاة كالحاكم لا يسوغ له الحكم فى حادثة بتقليد غيره.
وقال القاضى ظاهر كلام أحمد فى المجتهد الذى يضيق الوقت عن اجتهاده أن له تقليد غيره وأشار الى قول أحمد فيمن هو فى مدينة فتحرى فصلى لغير القبلة فى بيت يعيد، لأن
стр. 5192
عليه أن يسأل قال: فقد جعل فرض المحبوس السؤال وهذا غير صحيح.
وكلام أحمد انما يدل على أنه ليس لمن فى المصر الاجتهاد لأنه يمكنه التوصل الى القبلة بطريق الخبر والاستدلال بالمحاريب بخلاف المسافر.
وليس فيه دليل على أنه يجوز له تقليد المجتهدين فى محل الاجتهاد عند ضيق الوقت.
ألا ترى أن أبا عبد الله لم يفرق بين ضيق الوقت وسعته مع اتفاقنا على انه لا يجوز له التقليد مع سعة الوقت ولأن الاجتهاد فى حقه شرط لصحة الصلاة فلم يسقط بضيق الوقت مع امكانه كسائر الشروط.
والمجتهد اذا صلى بالاجتهاد (١) الى جهة ثم بان أنه صلى الى غير جهة الكعبة يقينا لم يلزمه الاعادة.
وكذلك المقلد الذى صلى بتقليده لما روى عامر بن ربيعة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ فى سفر فى ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله ﵌ فنزل «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ» (٢): رواه ابن ماجه والترمذى، وقال حديث حسن الا أنه من حديث أشعث السمان وفيه ضعف.
وعن عطاء عن جابر رضى الله تعالى عنهما قال: كنا مع رسول الله ﵌ فى مسيرة فأصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا فى القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ فلم يأمر بالاعادة وقال: «قد أجزأتكم صلاتكم» رواه الدارقطنى وقال رواه محمد بن سالم عن عطاء.
ويروى أيضا عن محمد بن عبد الله العمرى عن عطاء وكلاهما ضعيف وقال العقيلى لا يروى هذا الحديث من وجه يثبت.
وروى مسلم فى صحيحه أن رسول الله ﵌ كان يصلى نحو بيت المقدس فنزلت: «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (٣). فمر رجل ببنى سلمة وهم ركوع فى صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى ألا ان القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو البيت ومثل هذا لا يخفى على النبى ﵌ ولا يترك انكاره الا وهو جائز، وقد كان ما مضى من صلاتهم بعد تحويل القبلة الى الكعبة وهو صحيح، ولأنه أتى بما أمر فخرج عن العهدة، كالمصيب، ولأنه صلى الى غير الكعبة للعذر فلم تجب عليه الاعادة كالخائف يصلى الى غيرها، ولأنه شرط عجز عنه فأشبه سائر الشروط.
стр. 5193
وأما المصلى قبل الوقت فانه لم يؤمر بالصلاة وانما أمر بعد دخول الوقت ولم يأت بما أمر بخلاف مسألتنا فانه مأمور بالصلاة بغير شك ولم يؤمر الا بهذه الصلاة وسائر الشروط اذا عجز عنها سقط كذا ها هنا.
وأما اذا ظن وجودها فأخطأ فليست فى محل الاجتهاد فنظيره اذا اجتهد فى مسألتنا فى الحضر فأخطأ.
ولا فرق بين أن تكون الأدلة ظاهرة مكشوفة فأشبهت أو مستورة بغيم أو شئ يسترها عنه بدليل الأحاديث التى رويناها فان الأدلة استترت عنهم بالغيم فلم يعيدوا ولأنه أتى بما أمر به فى الحالين وعجز عن استقبال القبلة فى الموضعين فاستويا فى عدم الاعادة.
أما البصير (١): اذا صلى الى غير الكعبة فى الحضر ثم بان له الخطأ فعليه الاعادة سواء صلى بدليل أو غيره لأن الحضر ليس محلا للاجتهاد، لأن من فيه يقدر على المحاريب والقبل المنصوبة ويجد من يخبره عن يقين غالبا فلا يكون له الاجتهاد كالقادر على النص فى سائر الأحكام.
فان صلى من غير دليل فأخطأ لزمته الاعادة لتفريطه.
وان أخبره مخبر فأخطأ فقد غره وتبين أن خبره ليس بدليل.
فان كان محبوسا لا يجد من يخبره فقال أبو الحسن التميمى هو كالمسافر يتحرى فى محبسه ويصلى من غير اعادة لأنه عاجز عن الاستدلال بالخبر والمحاريب فهو كالمسافر.
وأما الأعمى فان كان فى حضر فهو كالبصير لأنه يقدر على الاستدلال بالخبر والمحاريب فان الأعمى اذا لمس المحراب وعلم أنه محراب وأنه متوجه اليه فهو كالبصير.
وكذلك اذا علم أن باب المسجد الى الشمال أو غيرها من الجهات جاز له الاستدلال به ومتى أخطأ فعليه الاعادة.
وحكم المقلد حكم الأعمى فى هذا وان كان الأعمى أو المقلد مسافرا ولم يجد من يخبره ولا مجتهد يقلده فظاهر كلام الخرقى أنه يعيد سواء أصاب أو أخطأ لأنه صلى من غير دليل فلزمته الاعادة.
وان أصاب كان كالمجتهد اذا صلى من غير اجتهاد.
وقال أبو بكر يصلى على حسب حاله وفى الاعادة روايتان سواء أصاب أو أخطأ.
احداهما: يعيد لما ذكرنا.
الثانية: لا اعادة عليه لأنه أتى بما أمر فأشبه المجتهد ولأنه عاجز عن غير ما أتى به فسقط عنه كسائر العاجزين عن الاستقبال ولأنه عادم للدليل فأشبه المجتهد فى الغيم والحبس.
وقال ابن حامد ان أخطأ أعاد وان أصاب فعلى وجهين.
стр. 5194
وحكم المقلد لعدم بصيرته كعادم بصره فأما ان وجد من يقلده أو من يخبره فلم يستخبره ولم يقلد أو خالف المخبر والمجتهد فصلاته باطلة بكل حال وكذلك المجتهد اذا صلى من غير اجتهاد فأصاب أو أداه اجتهاده الى جهة فصلى الى غيرها فان صلاته باطلة بكل حال سواء أخطأ أو أصاب لأنه لم يأت بما أمر به فأشبه من ترك التوجه الى الكعبة مع علمه بها.
وجاء فى كشاف القناع (١): أنه ان اشتبهت عليه القبلة فى السفر وكان عالما بأدلتها ففرضه الاجتهاد فى معرفتها فاذا اجتهد وغلب على ظنه جهة صلى اليها فان تركها وصلى الى غيرها أعاد ما صلاه الى غيرها وان أصاب.
وان تعذر عليه الاجتهاد لغيم ونحوه كما لو كان مطمورا أو كان به مانع من الاجتهاد كرمد ونحوه أو تعادلت عنده الأمارات صلى على حسب حاله بلا اعادة كعادم الطهورين.
وكل من صلى من هؤلاء قبل فعل ما يجب عليه من استخبار أو اجتهاد أو تقليد أو تحر فعليه الاعادة وان أصاب.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٢): أن استقبال جهة الكعبة بالوجه والجسد فرض على المصلى حاشا المتطوع راكبا.
فمن كان مغلوبا بمرض أو بجهد أو بخوف أو باكراه فتجزيه صلاته كما يقدر وينوى فى كل ذلك التوجه الى الكعبة.
ولا خلاف بين أحد من الامة فى أن امرءا لو كان بمكة بحيث يقدر على استقبال الكعبة فى صلاته فصرف وجهه عامدا عنها الى أبعاض المسجد الحرام من خارجه أو من داخله فان صلاته باطلة.
وأما المريض والجاهل والخائف والمكره فان الله تعالى يقول: «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» (٣). وقال رسول الله ﷺ : «اذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
ومن صلى الى غير القبلة (٤) ممن يقدر على معرفة جهتها - عامدا أو ناسيا بطلت صلاته ويعيد ما كان فى الوقت ان كان عامدا ويعيد أبدا ان كان ناسيا لأن هذين مخاطبان بالتوجه الى المسجد الحرام فى الصلاة فصليا بخلاف ما أمرا به ولا يجزئ ما نهى الله تعالى عنه عما أمر به.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٥) أنه لا يضر المتحرى اذا انكشف له خلاف متحراه بأن يفرغ وفى الوقت بقية فانه لا يضره بقاء الوقت
стр. 5195
مع بقاء العذر فلا يلزمه الاعادة، لأنا لو أوجبنا عليه الاعادة لم يأمن أن يفرغ أيضا قبل الوقت فيعيده مرة أخرى ثم كذلك قال على بن يحيى.
هذا اذا عرف بقاء الوقت بعد الفراغ من الصلاة.
فأما لو عرفه قبل الفراغ لزمه الخروج والاعادة ولو أدى الى اعادة واعادة الاعادة لأنه بمنزلة تغير الاجتهاد قبل العمل به وكما أنه يرفضه ويعمل بالثانى كذلك هنا.
ومن خشى (١): فوت الوقت بالتحرى عمل باجتهاد غيره ومن عمل باجتهاد غيره عالما بوجوب التحرى عليه أعاد فى الوقت وبعده فأما الجاهل والناسى فيعيدان فى الوقت لا بعده.
وجاء فى شرح الأزهار وحواشيه (٢): أنه لو حصل له ظن بالتحرى بعد أن صلى وانكشف فى الوقت بقية فقيل يعيد، لأن الظن فرض من كان فى جهتها فتجب الاعادة اذا حصل كمن وجد الماء.
واذا لم يحصل ظن بالاصابة رأسا (٣):
وجب الخروج واعادة التحرى فان حصل له ظن عمل به والا انتظر الى آخر الوقت وصلى الى أى الجهات شاء.
هذا حيث لم ييأس من امكان التحرى.
فان أيس أتم صلاته الى حيث يشاء ولا تفسد عليه بنحو اقعاد مأيوس ولا يعيد المتحرى المخطئ الا فى الوقت ان تيقن الخطأ.
أما من صلى بغير تحر فانه يعيد فى الوقت وبعده الا أن يعلم الاصابة فانها تجزئه عند من اعتبر الانتهاء لا عند من اعتبر الابتداء وهو الأظهر من قولى المؤيد بالله (٤).
وأما المتحرى المصيب فانه لا يعيد ولو صلى الى غير متحراه ان تيقن الاصابة عند البعض لا عند المؤيد بالله فان انكشف له الخطأ بعد خروج الوقت فانه لا ينقض ولو تيقن الخطأ.
واذا صلى الأعمى (٥): الى جهة بقول غيره ثم رجع اليه بصره فى حال الصلاة فان حصل له العلم بصحة قوله أتمها وان لم يحصل واحتاج الى التحرى أعادها والمذهب أنه يتحرى ويبنى.
стр. 5196
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك العروة الوثقى (١):
أنه اذا ظن بعد الاجتهاد أن القبلة فى جهة فصلى الظهر مثلا اليها ثم تبدل ظنه الى جهة أخرى وجب عليه اتيان العصر الى الجهة الثانية.
والأقوى وجوب اعادة الظهر اذا كان مقتضى ظنه الثانى وقوع الأولى مستدبرا أو الى اليمين أو اليسار واذا كان مقتضاه وقوعها ما بين اليمين واليسار لا يجب الاعادة.
واذا انقلب ظنه فى أثناء الصلاة الى جهة أخرى انقلب الى ما ظنه الا اذا كان الأول الى الاستدبار أو اليمين واليسار بمقتضى ظنه الثانى فيعيد بل الاعادة فى الفرض الثانى أولى للعلم بفساد الثانية هنا على كل حال.
ومن وظيفته التكرار (٢) الى الجهات اذا علم أو ظن بعد الصلاة الى جهة أنها القبلة لا يجب عليه الاعادة لموافقتها للتحرى المأمور به الجاهل مع أنه لو أعاد لأعاد اليها بلا فائدة.
ولو علم أو ظن بعد الصلاة الى جهتين أو ثلاث أن كلها الى غير القبلة فان كان فيها ما هو ما بين اليمين واليسار كفى والا وجبت الاعادة.
واذا صلى من دون الفحص عن القبلة (٣):
الى جهة غفلة أو مسامحة يجب اعادتها الا اذا تبين كونها القبلة مع حصول قصد القربة منه.
ولو أخل بالاستقبال (٤): عالما عامدا بطلت صلاته مطلقا وان أخل بها جاهلا أو ناسيا أو غافلا أو مخطئا فى اعتقاده أو فى ضيق الوقت فان كان منحرفا عنها الى ما بين اليمين واليسار صحت صلاته ولو كان فى الأثناء مضى ما تقدم وأستقام فى الباقى من غير فرق بين بقاء الوقت وعدمه لكن الأحوط الاعادة فى غير المخطئ فى اجتهاده مطلقا.
وان كان منحرفا الى اليمين واليسار أو الى الاستدبار فان كان مجتهدا مخطئا أعاد فى الوقت دون خارجه أما الاعادة فى الوقت فمما لا اشكال فيه ولا خلاف اذ يقتضيها مضافا الى أدلة الشرطية والى حديث لا تعاد الصلاة ونحوه.
وان كان الأحوط (٥): الاعادة مطلقا لا سيما فى صورة الاستدبار بل لا ينبغى أن يترك فى هذه الصورة وكذا ان كان فى الأثناء.
стр. 5197
وان كان جاهلا أو ناسيا أو غافلا فالظاهر وجوب الاعادة فى الوقت وخارجه.
وجاء فى شرائع الأسلام (١): أن الأعمى يرجع الى غيره فى تحديد القبلة لقصوره عن الاجتهاد فان عول على رأيه مع وجود المبصر لأمارة وجدها صح والا فعليه الاعادة.
واذا صلى الى جهة اما لغلبة الظن أو لضيق الوقت ثم تبين خطأه فان كان منحرفا يسيرا فالصلاة ماضية والا أعاد فى الوقت.
وقيل ان بان أنه استدبرها أعاد وان خرج الوقت، والأول أظهر.
فأما ان تبين الخلل وهو فى الصلاة فانه يستأنف على كل حال الا أن يكون منحرفا يسيرا فانه يستقيم ولا اعادة.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٢): أن من صلى لغير القبلة خطأ مثل أن يدخل بيتا أو دارا لغيره فظن أن القبلة فى جهة فصلى اليها فتبين خلاف ذلك وما أشبه ذلك فانه يعيد أبدا داخل الوقت وخارجه.
وقيل يعيد ان تبين فى الوقت.
وقيل لا يعيد أصلا.
وان تحير اجتهد وصلى وهل يعيدها ان بان خطؤه أقوال.
أولها أن يعيد فى الوقت أو بعده.
وثانيها أنه لا يعيد فى الوقت أو بعده.
وثالثها المختار أن يعيد ان لم يخرج الوقت لا ان خرج، لأن رسول الله ﷺ لم يأمر المخطئ بالاعادة اذ سأله بعد خروج الوقت.
ورابعها: أن يعيد ان استدبر القبلة ولو بعد الوقت وان شرق أو غرب لم يعد بعده وينحرف عن غير القبلة ان بان خطؤه فيها أى الصلاة بلا اعادة.
وقيل يقطعها ويستأنف وهو الصحيح كما بينته فى الشامل.
وان بان خطؤه بأمين واحد.
وقيل وان بغيره ويقطعها ويستأنف اجماعا ان اختار اجتهادا آخر من نفسه فاتبعه وانحرف.
ومعرفة أدلة القبلة فرض كفاية على الصحيح.
وقيل فرض عين.
وعلى الأول يعذر ما لم يخط القبلة.
وعلى الثانى لا يعذر الا أن علم ولا يكفيه أن يقلد غيره بلا ادراك لدليل الكعبة.
وقيل الا المحاريب فيقلدها.
فمن أمكنه أن يجتهد بأدلة القبلة وظهرت فقيل لا بد له من أن يجتهد.
стр. 5198
وقيل يكفى نظر غيره ويقتدى متحير بمهتد وان كان غير أمين فى أحواله لكنه مأمون فى القبلة.
وقيل لا يعيد ان وافقها وان أخطأها أعاد اتفاقا.
وانما يتم هذا الاتفاق نظرا الى الأقوال المصرح بها، والا فمن قالوا أن الامين الواحد لا يكون حجة يختلفون فيقول بعض أنه يعيد نظرا لخطئه.
ويقول بعض لا يعيد نظرا الى أنه يؤمر بالاجتهاد فقد اجتهد وعذر فلم يضره بيان المخالفة.
وان خالف اجتهاده وصلى ولا مرشد له فكالخلاف مع الأمين حيث خالفه باجتهاده.
وظاهر الديوان اختيار الاعادة هنا وعدمها فى مخالفة الأمين.
وان خالف غير الأمين لم يعد ان لم يتبين خطأه.
وقيل يعيد بناء على أن غير الامين هنا حجة وأن حكمه حكم الأمين والمتحير ولا مرشد له يصلى الصلاة الواحدة أربع مرات لأربع نواح كل ناحية باستقبال وسقط الاستقبال قيل بشدة خوف وان كان الخوف على مال أو نفس لغيره ان خاف ضمان مال الغير وذلك بحيث لو استقبل قتل أو ضرب أو أخذ المال وان لم يمكنه الا احرام اليها أحرم وأعاد كما أمكن.
حكم اعادة الصلاة
لعدم دخول الوقت
مذهب الحنفية:
جاء فى حاشية ابن عابدين (١): انه يشترط لصحة الصلاة دخول الوقت واعتماد دخوله كما فى نور الايضاح وغيره فلو شك فى دخول وقت العبادة فأتى بها فبان أنه فعلها فى الوقت لم يجزه كما فى الأشباه فى بحث النية.
ويكفى فى الاخبار بدخول الوقت أذان الواحد لو عدلا والا تحرى وبنى على غالب ظنه.
وجاء فى حاشية الطحاوى (٢): أنه يشترط اعتقاد دخول وقت الصلاة لتكون عبادته بنية جازمة لأن الشاك ليس بجازم حتى لو صلى وعنده أن الوقت لم يدخل فظهر أنه كان قد دخل لا تجزيه صلاته، لأنه لما حكم بفساد صلاته بناء على دليل شرعى وهو تحريه لا ينقلب جائزا اذا ظهر خلافه ويخاف عليه فى دينه.
وجاء فى بدائع الصنائع (٣) أنه لو صلى
стр. 5199
الصبى الفرض فى أول الوقت ثم بلغ تلزمه الاعادة عندنا.
والمسلم اذا صلى ثم ارتد عن الاسلام والعياذ بالله ثم أسلم فى الوقت فعليه اعادة الصلاة عندنا.
لقول الله ﵎: «وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» (١).
وقول الله : «وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (٢).
علق حبط العمل بنفس الاشراك بعد الايمان.
وجاء فى بدائع الصنائع (٣): أن من صلى العشاء على غير وضوء وهو لا يعلم ثم توضأ فأوتر ثم تذكر أعاد صلاة العشاء بالاتفاق ولا يعيد الوتر فى قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لأن الوتر لما كان واجبا عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى كان أصلا بنفسه فى حق الوقت لا تبعا للعشاء فكلما غاب الشفق دخل وقته كما دخل وقت العشاء الا أن وقته بعد فعل العشاء الا أن تقديم أحدهما على الآخر واجب حالة التذكر، فعند النسيان يسقط كما فى العصر والظهر التى لم يؤدها حتى دخل وقت العصر يجب ترتيب العصر على الظهر عند التذكر ثم يجوز تقديم العصر على الظهر عند النسيان كذا هذا.
والدليل على أن وقته ما ذكرنا لا ما بعد فعل العشاء أنه لو لم يصل العشاء حتى طلع الفجر لزمه قضاء الوتر كما يلزمه قضاء العشاء ولو كان وقتها ذلك لما وجب قضاؤها اذ لم يتحقق وقتها لاستحالة تحقق ما بعد فعل العشاء بدون فعل العشاء.
وعند أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يعيد لأنه لما كان سنة كان وقته ما بعد وقت العشاء لكونه تبعا للعشاء كوقت ركعتى الفجر.
ولهذا قال النبى ﷺ فى ذلك الحديث زادكم صلاة وجعلها لكم ما بين العشاء الى طلوع الفجر ووجود ما بين شيئين سابقا على وجودهما محال.
والجواب أن اطلاق الفعل بعد العشاء لا ينفى الاطلاق قبله.
وعلى هذا الاختلاف اذا صلى الوتر على ظن أنه صلى العشاء ثم تبين أنه لم يصل العشاء يصلى العشاء بالاجماع ولا يعيد الوتر عنده.
وعندهما يعيد.
مذهب المالكية:
جاء فى الحطاب (٤): أن المصلى ان شك فى دخول الوقت لم تجز صلاته ولو وقعت فيه.
стр. 5200
قال فى الارشاد ومن شك فى دخول الوقت لم يصل وليجتهد ويؤخر حتى يتحقق أو يغلب على ظنه دخوله وان تبين الوقوع قبله أعاد.
وما ذكره من العمل على غلبة الظن لم نقف عليه لغيره لكن مسائلهم تدل على اعتبار الظن الذى فى معنى القطع.
وفى الجواهر ما يدل عليه ثم مع التحقيق أو فى معناه فان كشف الغيب عن خلافه بطلت كما اذا صلى شاكا ولو صادف.
ولو صلى الصبى (١): ثم بلغ فى الوقت لما يدرك فيه ركعة بعد الطهارة لزمه اعادة الصلاة كما صرح به فى الارشاد وغيره.
وقال أبو الحسن الصغير فى الصبى:
اذا صلى الصلاة فى أول الوقت ثم احتلم فى آخر الوقت أنه اختلف هل عليه أن يعيد الصلاة أم لا على قولين.
قال ابن عرفة وسمع عيسى ابن القاسم من احتلم بعد العصر صلى الظهر والعصر وان كان قد صلاهما.
قال ابن رشد لأنهما قبل بلوغه نفل.
قال ابن عرفة قال الحطاب نقل ابن بشير عدم اعادتهما عن المذهب لا أعرفه قال الحطاب ونقله ابن شاس عن السليمانية فلينظر.
وجاء فى التاج والاكليل (٢): أن وقت الوتر بعد الشفق وصلاة العشاء الى الفجر وفعله قبل صلاة العشاء ولو سهو الغو.
قال فى المدونة (٣): ومن أوتر قبل أن يصلى العشاء أو بعد أن صلاها على غير وضوء أعاده بعدها ونقل البرزلى عن مسائل ابن قداح من ذكر الظهر بعد أن صلى العشاء وأوتر صلاها وأعاد المغرب والعشاء وفى اعادة الوتر قولان.
وقال فيمن سلم من الوتر ثم ذكر أنه سلم من ثلاث فى صلاة النهار فانه يعيد الظهر والعصر ويعيد العشاء الآخرة للترتيب.
وفى اعادة الشفع والوتر قولان لسحنون ويحيى بن عمر.
سبيه تعارض عمومين قوله اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا وقوله لا وتران فى ليلة ولم يذكر اعادة المغرب.
والظاهر انه يعيدها أيضا.
واذا كان جالسا فى الوتر فذكر سجدة ولا يدرى من أى الصلوات هى أعاد الصلوات كلها ويشفع ويوتر.
وفى النوادر فى باب اعادة الصلاة فى جماعة قال ابن القاسم ومن صلى العشاء فى بيته وأوتر فلا يعيدها فى جماعة.
стр. 5201
قال ابن عبدوس قال سحنون فان فعل فليعد الوتر.
وقال يحيى بن عمر لا يعيد الوتر.
قال ابن القاسم ومن ذكر المغرب بعد أن صلى العشاء وأوتر فليصل المغرب ثم يعيد العشاء والوتر فانظره لم يحك فى مسألة اعادة الصلاة لأجل الترتيب الا أنه يعيد الوتر.
وذكر البرزلى عن ابن قداح وبعض العصريين القولين ولم يحكهما فى النوادر الا فى اعادة العشاء فى الجماعة.
وابن الحاجب وابن عرفة لم يحكيا القولين الا فى اعادة العشاء فى جماعة.
وكذلك حكاهما ابن رشد فى آخر مسألة من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة.
وعلل قول سحنون بأنه لما احتمل أن تكون الثانية فرضه فقد بطل فرضه فيعيد احتياطا.
وعلل قول يحيى بن عمر بأنه لما احتمل أن تكون الأولى صلاته لم تبطل بالشك ولئلا يقع وتران فى ليلة.
والحاصل أن ابن القاسم نص على أنه يعيد الوتر اذا أعاد العشاء لأجل الترتيب ولم يذكروا له مخالفا الا ما تقدم من كلام ابن قداح ومن معه ومثله من أعاد العشاء لصلاته اياها بنجاسة.
قال سحنون (١): ومن ذكر صلاة بعد أن ركع الفجر صلاها وأعاد ركعتى الفجر وقبله ابن يونس.
وقال المازرى فى قضاء الفوائت قال سحنون فيمن ذكر صلاة نسيها بعد أن ركع الفجر فانه يعيد ركعتى الفجر اذا صلى المنسية كما يعيد الصبح اذا صلاها فأعطى ركعتى الفجر حكم صلاة الصبح فى الترتيب كما لو كانت متعلقة بها وذكره الجزولى فى شرح الرسالة أيضا ولم يذكر خلافه.
وذكر أيضا أن من صلى الفجر ثم ذكر الوتر أنه يصلى الوتر ويعيد الفجر قال لأنه حال بينه وبين صلاة الصبح بصلاة سنة.
وقال التلمسانى فى شرح الجلاب الظاهر من المذهب أنه لا يعيدها لأن الترتيب انما يقع بين الفرائض.
مذهب الشافعية:
جاء فى المجموع (٢): أنه اذا اشتبه وقت الصلاة لغيم أو حبس فى موضع ظلم أو غيرهما لزم المصلى الاجتهاد فيه.
واذا وجب الاجتهاد وصلى بغير اجتهاد لزمه اعادة الصلاة وان صادف الوقت لتقصيره وتركه الاجتهاد الواجب.
قال فى التتمة لو ظن دخول الوقت فصلى بالظن بغير علامة ظهرت فصادف الوقت
стр. 5202
لا تصح صلاته لتفريطه بترك الاجتهاد والعلامة.
واذا لم تكن له دلالة أو كانت فلم يغلب على ظنه شئ لزمه الصبر حتى يظن دخول الوقت والاحتياط أن يؤخر الى أن يتيقنه أو يظنه ويغلب على ظنه أنه لو أخر خرج الوقت نص عليه الشافعى رحمه الله تعالى واتفق الأصحاب عليه.
واذا قدر على الصبر الى استيقان دخول الوقت جاز له الاجتهاد على الصحيح وهو قول جمهور أصحابنا.
وفيه وجه اختاره أبو اسحاق الاسفرايينى وهو نظير مسألة الأوانى اذا اشتبه اناءان ومعه ثالث يتيقن طهارته.
ولو كان فى بيت مظلم وقدر على الخروج لرؤية الشمس فهل له الاجتهاد فيه وجهان حكاهما صاحب التتمة وغيره.
احداهما: لا لقدرته على اليقين.
والصحيح الجواز كما للصحابى اعتماد رواية صحابى وفتواه وان كان قادرا على سماعه من رسول الله ﷺ وتحصيل العلم القطعى بذلك.
وحيث جاز الاجتهاد فصلى به ان لم يتبين الحال فلا شئ عليه.
وان بان وقوع الصلاة فى الوقت أو بعده فلا شئ عليه وقد أجزأته صلاته لكن الواقعة فيه أداء والواقعة بعده قضاء على أصح الوجهين.
فعلى هذا لو كان مسافرا وقصرها وجبت اعادتها تامة اذا قلنا لا يجوز قصر المقضية.
وان بان وقوعها قبل الوقت وأدركه وجبت الاعادة بلا خلاف.
وان لم يدركه فقولان.
الصحيح وجوب الاعادة وبه قطع الشيخ أبو حامد والقاضى أبو الطيب فى تعليقهما والبندينجى.
والثانى: لا يجب وهذا الخلاف والتفصيل كنظيره فيمن اشتبه عليه شهر رمضان.
ولو أخبره ثقة أن صلاته وقعت قبل الوقت فان أخبره عن علم ومشاهدة وجبت الاعادة كالحاكم اذا وجد النص بخلاف حكمه فانه يجب نقض حكمه، وان أخبره عن اجتهاد فلا اعادة بلا خلاف.
ولو علم المنجم الوقت بالحساب حكى صاحب البيان أن المذهب أنه يعمل به نفسه ولا يعمل به غيره.
واذا صلى المسلم (١) ثم ارتد ثم أسلم ووقت تلك الصلاة باق لم يجب اعادتها واحتج أصحابنا بقول الله ﵎: «وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ» (٢). فعلق الحبوط بشرطين
стр. 5203
الردة والموت عليها والمعلق بشرطين لا يثبت بأحدهما.
قال الشافعى والأصحاب يلزم المرتد اذا أسلم أن يقضى كل ما فاته فى الردة أو قبلها وهو مخاطب فى حال الردة بجميع ما يخاطب به المسلم واذا أسلم لا يلزمه اعادة ما كان فعله قبل الردة من حج وصلاة وغيرهما.
ثم قال (١): ان الجنون والاغماء وما فى معناهما مما يزيل العقل بغير معصية يمنع وجوب الصلاة ولا اعادة سواء كثر زمن الجنون والاغماء ونحوهما أم قل حتى لو كان لحظة أسقط فرض الصلاة ويتصور اسقاط الفرض بجنون لحظة واغماء لحظة فيما اذا بلغ مجنونا وقد بقى من وقت الصلاة لحظة ثم زال الجنون عقب خروج الوقت.
واذا بلغ الصبى (٢): فى أثناء الصلاة بالسن فثلاثة أوجه الصحيح الذى عليه الجمهور وهو ظاهر النص أنه يلزمه اتمام الصلاة ويستحب اعادتها ولا يجب وهو الظاهر من المنصوص.
والدليل عليه أن صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب وهو فيها فلزمه الاتمام ولا يلزمه أن يعيد، لأنه صلى الواجب بشر وطه فلا يلزمه الاعادة.
وعلى هذا لو صلى فى أول الوقت ثم بلغ فى آخره أجزأه ذلك عن الفرض، لأنه صلى صلاة الوقت بشروطها فلا يلزمه الاعادة.
وحكى عن أبى العباس ابن سريج مثل قولى أبى اسحاق والثانى يستحب الاتمام وتجب الاعادة.
فعلى هذا لو صلى فى أول الوقت وبلغ فى آخره لزمه أن يعيد لأن ما صلى قبل البلوغ نفل فاستحب اتمامه فيلزمه أن يعيد لأنه أدرك وقت الفرض ولم يأت به فيلزمه أن يأتى به.
والثالث: قاله الاصطخرى ولم يذكره المصنف ان بقى من الوقت ما يسع تلك الصلاة وجبت الاعادة.
ولو صلى وفرغ منها وهو صبى ثم بلغ فى الوقت مثلا فثلاثة أوجه الصحيح تستحب الاعادة ولا تجب والثانى: تجب سواء قل الباقى من الوقت أم كثر، والثالث: قاله الاصطخرى ان بقى من الوقت ما يسع تلك الصلاة بعد بلوغه وجبت الاعادة والا فلا.
وقد ذكر المصنف توجيه الجميع.
هذا كله فى غير الجمعة.
أما اذا صلى الظهر يوم الجمعة ثم بلغ وأمكنه ادراك الجمعة فان قلنا فى سائر الايام تجب الاعادة وجبت الجمعة والا فوجهان مشهوران حكاهما المصنف فى باب صلاة الجمعة.
أحدهما: وبه قال ابن الحداد يجب أيضا لأنه كان مأمورا بالجمعة.
والصحيح لا تجب كالمسافر والعبد اذا صليا الظهر ثم زال عذرهما وأمكنهما لا يلزمها بلا خلاف والله أعلم.
стр. 5204
ومذهبنا المشهور المنصوص أن الصبى اذا بلغ فى أثناء الوقت وقد صلى لا يلزمه الاعادة.
وجاء فى نهاية المحتاج (١): أنه ان أوتر ثم تهجد أو عكس أو لم يتهجد أصلا لم يعده أى لا تطلب اعادته.
فان أعاده بنية الوتر عامدا عالما حرم عليه ذلك ولم ينعقد، كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى لخبر «لا وتران فى ليلة» وهو خبر بمعنى النهى وقد قال فى الاحياء: صح النهى عن نقض الوتر ولأن حقيقة النهى التحريم، ولأن مطلق النهى يقتضى فساد المنهى عنه ان رجع الى عينه أو جزئه أو لازمه، والنهى هنا راجع الى كونه وترا وللقياس على ما لو زاد فى الوتر على احدى عشرة كما صرح ببطلان الزيادة فى العزيز والأنوار.
نعم ان اعاده جاهلا أو ناسيا وقع نفلا مطلقا كاحرامه بالظهر قبل الزوال غالطا.
ولا يكره التهجد بعد الوتر لكن ينبغى أن يؤخر عنه قليلا.
وقيل يشفعه بركعة أى يصلى ركعة ليصيره شفعا ثم يعيده ليقع الوتر آخر صلاته كما فعله جمع من الصحابة ويسمى نقض الوتر.
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع (٢): أن من شروط صحة الصلاة دخول الوقت فمن شك فى دخول الوقت لم يصل حتى يغلب على ظنه دخوله، لأن الأصل عدم دخوله فان صلى مع الشك فعليه الاعادة وان وافق الوقت لعدم صحة صلاته كما لو صلى من اشتبهت عليه القبلة من غير اجتهاد.
فان غلب على ظنه دخول الوقت بدليل من اجتهاد أو تقليد عارف أو تقدير الزمان بقراءة أو صنعة كمن جرت عادته بقراءة شئ الى وقت الصلاة أو بعمل شئ مقدر من صنعته الى وقت الصلاة جاز له أن يصلى ان لم يمكنه اليقين بمشاهدة الزوال ونحوه أو اخبار عن يقين، لأنه أمر اجتهادى فاكتفى فيه بغلبة الظن كغيره ولأن الصحابة كانوا يبنون أمر الفطر على غلبة الظن والأولى تأخيرها قليلا احتياطا حتى يتيقن دخول الوقت ويزول الشك الا أن يخشى خروج الوقت أو تكون صلاة العصر فى يوم غيم فيستحب التكبير.
لحديث بريدة قال كنا مع رسول الله ﷺ فى غزوة فقال بكروا بصلاة
стр. 5205
العصر فى اليوم الغيم فان من فاتته صلاة العصر حبط عمله رواه البخارى.
قال الموفق ومعناه والله أعلم التبكير بها اذا حل فعلها بيقين أو غلبة ظن وذلك، لأن وقتها المختار فى زمن الشتاء ضيق فيخشى خروجه.
وقال فى الانصاف فعلى المذهب يستحب التأخير حتى يتيقن دخول الوقت قاله ابن تميم وغيره.
والأعمى ونحوه كالمطمور يقلد العارف فى دخول الوقت.
وفى الجامع للقاضى والأعمى يستدل على دخول وقت الصلاة كما يستدل البصير فى يوم الغيم لأنه يساويه فى الدلالة وهو مرور الزمان وقراءة القرآن والرجوع الى الصنائع الراتبة.
فاذا غلب على ظنه دخول الوقت جاز له أن يصلى.
والاحتياط التأخير كما تقدم فى البصير.
ويفارق التوجه الى القبلة حيث قالوا لا يجتهد له، لأنه ليس معه الآلة التى يدركها بها وهى حاسة البصر وليس كذلك دخول الوقت لأنه يستدل عليه بمضى المدة ومعناه فى المبدع.
فان عدم الأعمى ونحوه من يقلده وصلى أعاد ولو تيقن أنه أصاب كمن اشتبهت عليه القبلة فيصلى بغير اجتهاد.
وقال فى المنته وشرحه ويعيد أعمى عاجز عن معرفة وقت تلك الصلاة.
فان اخبر الجاهل: بالوقت سواء أعمى كان أو غيره مخبر عارف بدخول الوقت عن يقين لا ظن قبل قوله وجوبا ان كان ثقة لانه خبر دينى فقبل فيه قول الواحد كالرواية أو سمع أذان ثقة عارف، لأن الأذان شرع للاعلام بدخول وقت الصلاة، فلو لم يجز تقليد المؤذن لم تحصل الحكمة التى شرع الأذان لها ولم تزل الناس يجتمعون للصلاة فى مساجدهم، فاذا سمعوا الأذان قاموا الى الصلاة وبنوا على قول المؤذن من غير مشاهدة للوقت، ولا اجتهاد فيه من غير نكير، فكان اجماعا.
وان كان الاخبار بدخول الوقت عن اجتهاد لم يقبله، لأنه يقدر على الصلاة باجتهاد نفسه وتحصيل من ظنه أشبه حال اشتباه القبلة.
زاد ابن تميم وغيره اذا لم يتعذر عليه الاجتهاد فان تعذر عليه الاجتهاد عمل بقول المخبر عن اجتهاد.
ومتى اجتهد (١): من اشتبه عليه الوقت وصلى فبان أنه وافق الوقت أو ما بعده أجزأه ذلك فلا اعادة عليه، لأنه أدى ما خوطب وفرض عليه.
وان وافق ما قبل الوقت لم يجزه عن فرضه لأن المكلف انما يخاطب بالصلاة عند
стр. 5206
دخول وقتها ولم يوجب بعد ذلك ما يزيله ولا ما يبرئ الذمة منه فبقى بحاله وكانت صلاته نفلا وعليه الاعادة - أى فعل الصلاة اذا دخل وقتها.
واذا بلغ الصغير (١): فى أثناء الصلاة فى وقتها لزمه اعادة الصلاة أو بلغ بعد الصلاة فى وقتها لزمه اعادتها لأنها نافلة فى حقه فلم يجزئه عن الفرض كما لو نواها نفلا ويلزمه اتمام الصلاة اذا بلغ فيها قدمه أبو المعالى فى النهاية وتبعه ابن عبيدان.
وقال فى الفروع وغيره وحيث وجبت لزمه اتمامها والا فالخلاف فى النفل، أى ان قلنا تجب الصلاة على ابن عشر فبلغ فيها لزمه اتمامها واعادتها.
وجاء فى الشرح الكبير والمغنى (٢):
ان وقت الوتر ما بين صلاة العشاء الى طلوع الفجر كذلك ذكره شيخنا فى كتاب المغنى.
وذكر فى الكافى أنه الى صلاة الصبح لقول رسول الله ﵌:
«ان الله زادكم صلاة فصلوها ما بين العشاء الى صلاة الصبح» رواه الامام أحمد فى المسند.
ووجه الأول ما روى عن معاذ قال سمعت رسول الله ﵌ يقول:
«زادنى ربى صلاة وهى الوتر ووقتها ما بين العشاء الى طلوع الفجر» رواه الامام أحمد فان أوتر قبل العشاء لم يصح وتره.
وقال الثورى: ان صلاه قبل العشاء ناسيا لم يعد.
والأول أولى لما ذكرنا من الحديثين، ولأنه صلاة قبل الوقت أشبه ما لو صلاه نهارا.
وان أخره حتى طلع الفجر احتمل أن يكون أداء لحديث أبى نصرة، وهو قول على وابن مسعود رضى الله تعالى عنهما.
قال شيخنا والصحيح أن يكون قضاء لحديث معاذ، ولقول رسول الله ﵌: «فاذا خشى أحدكم الصبح يصلى ركعة فأوترت له ما قد صلى» وقال:
«واجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» متفق عليه.
وقال: «أوتروا قبل أن تصبحوا» رواه مسلم.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٣): أنه لا يحل لأحد أن يقدم صلاة قبل وقتها ولا يجزئه ان فعل (٤).
فكل من قدم صلاة قبل وقتها الذى حده الله تعالى لها وعلقها به وأمر بأن تقام فيه ونهى عن التفريط فى ذلك أو أخرها عن
стр. 5207
ذلك الوقت فقد تعدى حدود الله تعالى فهو ظالم عاص.
وهذا لا خلاف فيه من أحد من الحاضرين من المخالفين.
ومن كبر لصلاة فرض (١) وهو شاك هل دخل وقتها أم لا لم تجزه، سواء وافق الوقت أم لم يوافقه، لأنه صلاها بخلاف ما أمر، وانما أمر أن يبتدئها فى وقتها.
وقد قال رسول الله ﵌: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
فلو بدأها وهو عند نفسه موقن بأن وقتها قد دخل فاذا بالوقت لم يكن دخل لم تجزه أيضا لأنه لم يصلها كما أمر، ولا يجزئه حتى يوقن أنه الوقت ويكون الوقت قد دخل.
وجاء فى المحلى (٢): ان من كان فى صلاة الصبح: فذكر أنه نسى الوتر تمادى فى صلاته تلك حتى يتمها ثم يصلى التى ذكر فقط لا تجوز له غير ذلك ولا يعيد التى ذكرها فيها قال الله ﵎: «وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ» (٣): فهذا فى عمل قد نهى عن ابطاله.
وقال ابن حزم (٤): والوتر فى آخر الليل أفضل ومن أوتر فى أوله فحسن والصلاة بعد الوتر جائزة ولا يعيد وترا آخر ولا يشفع بركعة.
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار (٥): أن المصلى يتحرى فى الغيم ولو بأوراد ونحوها.
ومن أعوزه الاجتهاد قلد.
قال البعض: فان صلى دونهما أعاد ولو أصاب.
قلت: المذهب لا يلزم مع تيقن الاصابة.
ويقلد المؤذن العارف فى الصحو لا الغيم فان وقت بتسيير الفلك لم يقبل اذ ليس شرعيا قال البعض الا لنفسه.
وجاء فى شرح الأزهار وهامشه (٦):
أنه اذا أخبر المؤذن بدخول الوقت ثم بان خلافه وجب على مقلده الاعادة ولو بعد الوقت، لأنه لا تجوز الصلاة قبل دخول الوقت بالاجماع.
стр. 5208
وجاء فى البحر الزخار (١): أنه لا يكلف الصبى الصلاة حتى يبلغ لقول رسول الله ﵌: «رفع القلم» الحديث.
قال البعض أمر بها.
قلنا: تمرينا فيلزم الولى الأمر.
قالوا: تصح كالوضوء.
قلنا: لا نسلم الأصل سلمنا فهو شرط لا أصل فاغتفر فيه ولا يصح اسلامه وعبادته فيعيدها ان بلغ وأسلم فى الوقت.
قال البعض مأمور فيصحان.
قلنا لا نسلم ما لم يكمل عقله وان كمل ولا امارة شرعية كلف بالعقليات فحسب
وجاء فى البحر الزخار (٢): أن الوتر بعد فعل العشاء الى الفجر لقول رسول الله ﷺ : «من صلاة العشاء الى طلوع الفجر».
الخبر ونحوه عن خارجة بن حذافة قال:
خرج علينا رسول الله ﵌ فقال: قد أمركم الله بصلاة هى خير لكم من حمر النعم، وهم الوتر فجعلها لكم فيما بين العشاء الآخرة الى طلوع الفجر أخرجه أبو داود والترمذى.
وعن أبى سعيد رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﵌ قال:
«أوتروا قبل أن تصبحوا» أخرجه مسلم والترمذى والنسائى ونحوه.
وقال البعض: بعد دخول وقت العشاء وان قدم.
وقال البعض: بعد الثلث قلنا معارض بما ذكرنا.
قال البعض: فان قدمه على العشاء أعاد.
قلنا: كالفرض والأفضل تأخيره لمن يتهجد والا فالتقديم لقوله من خاف الخبر فان قدمه ثم تهجد لم يعده لقول رسول الله ﵌: «لا وتران».
وقال البعض يعيد لقوله فليوتر آخر الليل.
قلنا يعنى ان لم يقدمه.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (٣): أنه يعول فى الوقت على الظن المستند الى ورد يصنعه أو درس ونحوهما مع تعذر العلم أما مع امكانه فلا يجوز الدخول بدونه.
فان صلى بالظن حيث يتعذر العلم ثم انكشف وقوعها فى الوقت أو دخل وهو فيها أجزأه على أصح القولين.
стр. 5209
وان تقدمت عليه بأجمعها أعاد وهو موضع وفاق.
وجاء فى جواهر الكلام: (١): أنه ان انكشف له فساد الظن حتى بان أن صلاته تماما وقعت قبل دخول الوقت استأنف الصلاة اجماعا محصلا ومنقولا ونصوصا.
منها صحيح زرارة عن أبى جعفر ﵇ فى رجل صلى الغداة بليل غره من ذلك القمر ونام حتى طلعت الشمس فأخبر أنه صلى بليل قال يعيد الصلاة بناء على عدم الفرق بين انكشاف فساد الظن وبين الجهل المركب وعلى أنه تبين له ذلك بحيث علم أن صلاته وقعت بليل.
والا فلا عبرة بالشك فى مثل الوقت بعد الفراغ، بل ولا الظن.
اللهم الا أن يدعى أن مخبر العدل فضلا عن شهادة العدلين كاف فى ذلك مع فرض كون المخبر فى الفرض عدلا.
وجاء فى مستمسك العروة الوثقى (٢):
أنه لا تجوز الصلاة قبل دخول الوقت فلو صلى قبله بطلت صلاته بلا خلاف ولا اشكال.
ويقتضيه مضافا الى ما دل على اعتبار الوقت رواية أبى بصير عن أبى عبد الله ﵇ من صلى فى غير وقت فلا صلاة له وحديث لا تعاد الصلاة الا من خمسة الذى هو أحدها واطلاق الجميع يقتضى عدم الفرق بين الكل والجزء.
ثم قال (٣): اذا شك بعد الدخول فى الصلاة فى أنه راعى الوقت وأحرز دخوله أم لا؟
فان كان حين شكه عالما بالدخول فلا يبعد الحكم بالصحة والا وجبت الاعادة بعد الاحراز.
واذا شك بعد الفراغ من الصلاة فى أنها وقعت فى الوقت أولا.
فان علم عدم الالتفات الى الوقت حين الشروع وجبت الاعادة.
وان علم أنه كان متلفتا ومراعيا له ومع ذلك شك فى أنه كان داخلا أم لا بنى على الصحة.
وكذا ان كان شاكا فى أنه كان ملتفتا أم لا.
هذا كله اذا كان حين الشك عالما بالدخول والا لا يحكم بالصحة مطلقا.
وجاء فى مستمسك العروة الوثقى (٤):
ان وقت نافلة العشاء وهو الوتيرة يمتد بامتداد وقتها والأولى كونها عقيبها من غير فصل معتد به.
стр. 5210
واذا أراد فعل بعض الصلوات الموظفة فى بعض الليالى بعد العشاء جعل الوتيرة خاتمتها ووقت نافلة الصبح بين الفجر الأول وطلوع الحمرة المشرقية.
ويجوز دسها فى صلاة الليل قبل الفجر ولو عند النصف بل ولو قبله اذا قدم صلاة الليل عليه.
الا أن الأفضل اعادتها فى وقتها.
واذا صلى نافلة الفجر فى وقتها أو قبله ونام بعدها يستحب اعادتها.
ووقت نافلة الليل وهى الوتر ما بين نصفه والفجر الثانى.
والأفضل اتيانها فى وقت السحر وهو الثلث الأخير من الليل وأفضله القريب من الفجر.
واذا قدم ركعة الوتر (١): قبل وقتها ثم اتنبه فى وقتها فليس عليه الاعادة.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٢): أن من فرائض الصلاة دخول الوقت فمن صلى ثم تبين له بعد ما فرغ من الصلاة أنه صلى قبل دخول الوقت أعاد صلاته.
واذا لم يقدر على الوقت لنوم أو نسيان فيصلى بعده أو كان حيث لا يقدر على الوقت فتحين جهده فصلى وتبين له بعد خروج الوقت أنه صلى قبل الوقت وجبت عليه الاعادة لفساد صلاته.
ومن أحرم قبل الوقت (٣): ولم يعلم حتى خرج الوقت فهى بذمته وتلزمه اعادتها.
وان بلغ طفل (٤): أو أفاق مجنون أو طهرت حائض أو نفساء فى وقت لا يدركونها فيه بوظائفها فغير مدركين لها فلا تلزمهم ولا يقصرونها كغيرهم لأنهم خوطبوا فى وقت لا يسعها.
أى صيروا بحال من يخاطب وهو البلوغ والطهارة عن الحيض والنفاس والصحو والا فهم غير مخاطبين بتلك الصلاة والخطاب يتعلق بالممكن اجماعا وبغير الممكن عند بعضهم.
وقيل لم يخاطبوا بها.
وقيل خوطبوا ولزمتهم فليقصروها كلما أمكنهم أو يتموها.
وجاء فى شرح النيل (٥): أنه سن الوتر بوجوب وقيل بتأكيد وهو الصحيح لقول رسول الله ﵌: «الوتر واجب على دونكم» ووقته ما بين العشاء والفجر.
стр. 5211
وأجازه بعضهم بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الفجر فناسيه يصليه اذا ذكره. قال رسول الله ﵌:
«من نسى الوتر فليوتر اذا ذكرها» وهذا يعضد القول بوجوب الوتر.
لكن لا يقاوم أدلة عدم الوجوب فهو سنة غير واجبة تستدرك اذا ذكرت.
فان ذكره بعد طلوع الفجر صلاه وقيل اذا طلع لم يلزمه وقيل يصليه بعد طلوع الشمس وقيل فى الليلة المقبلة.
وكذا من نام عنه فيه الخلاف وان تركه عمدا حتى خرج الوقت لم يعده.
وقال من قال بفرضه يعيده.
وركعتا الفجر (١) وقتهما دخول النصف الآخر من الليل ولكن ان صلاهما قبل الفجر ونام أو جامع قيل ولو بعده أعادهما الا أن أحدث بغير نوم أو جماع.
وأجاز أبو الحوارى النفل بينهما وبين الغرض قبل الفجر ما لم ينم أو يوتر ومن صلاهما بعد طلوع الفجر فى ظنه أعادهما بعده.
وقيل لا يعيدهما.
والصحيح الأول.
حكم اعادة الصلاة
لمن ترك الاقامة لها
مذهب الحنفية:
جاء فى المبسوط (٢): أنه ان صلى أهل المصر بجماعة بغير أذان ولا اقامة فقد أساءوا لترك سنة مشهورة وجازت صلاتهم لأداء أركانها والأذان والاقامة سنة ولكنهما من أعلام الدين فتركهما ضلالة.
هكذا قال مكحول: السنة سنتان سنة أخذها هدى وتركها لا بأس به وسنة أخذها هدى وتركها ضلالة كالأذان والاقامة وصلاة العيدين.
وعلى هذا قال محمد رحمه الله تعالى اذا أصر أهل المصر على ترك الأذان والاقامة أمروا بهما فان أبوا قوتلوا على ذلك كما يقاتلون عند الأصرار على ترك الفرائض والواجبات.
وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: المقاتلة بالسلاح عند ترك الفرائض والواجبات فأما فى السنن فيؤدبون على تركها ولا يقاتلون على ذلك ليظهر الفرق بين الواجب وغير الواجب.
ومحمد رحمه الله تعالى يقول ما كان من أعلام الدين فالاصرار على تركه استخفافا بالدين فيقاتلون على ذلك لهذا.
وجاء فى بدائع الصنائع (٣): أن عامة
стр. 5212
المشايخ قالوا: انهما سنتان لما روى أبو يوسف رحمه الله تعالى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى: أنه قال فى قوم صلوا الظهر أو العصر فى المصر بجماعة بغير أذان ولا اقامة فقد أخطئوا السنة وخالفوا وأثموا.
ومما ذكر فى مذهب الحنفية يستفاد منه أن من صلى بدون اقامة فلا اعادة عليه.
مذهب المالكية:
جاء فى الحطاب (١): أن الاقامة سنة ولا خلاف أعلمه فى عدم وجوبها وان وقع الاستغفار لتاركها.
وقال ابن ناجى فى شرح المدونة قال فى الاكمال روى عندنا اعادة الصلاة لمن تركها عمدا.
ووجه من يقول بعدم الاعادة أنها سنة منفصلة لا تفسد بفسادها الصلاة فوجب أن لا تفسد بتركها.
بينما قال الآخرون أنها سنة من سنن الصلاة كالتى من صلب الصلاة فتركها عمدا لعب بالصلاة فوجب أن لا يجزئه.
ولم يعزه اللخمى الا لابن كنانة ونصه ومن ترك الاقامة عمدا أو سهوا أجزأته صلاته.
وقال ابن كنانة يعيد الصلاة اذا تركها عمدا.
والأول أحسن.
مذهب الشافعية:
جاء فى المجموع (٢): أن المشهور من مذهبنا أن الأذان والاقامة سنة لكل الصلوات فى الحضر والسفر للجماعة والمنفرد لا يجبان بحال فان تركا صحت صلاة المنفرد والجماعة.
وقال ابن المنذر ان الأذان والاقامة فرض فى حق الجماعة فى الحضر والسفر.
وعن الأوزاعى رواية أنه يعيد ما دام الوقت باقيا.
وقال مجاهد ان نسى الاقامة فى السفر أعاد الصلاة.
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير (٣): انه يكره ترك الأذان للصلوات الخمس، لأن رسول الله ﷺ كانت صلاته بأذان واقامة والأئمة بعده وأمر به.
قال مالك بن الحرث أتيت النبى ﵌ أنا ورجل نودعه فقال: «اذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما» متفق عليه.
وظاهر كلام الخرقى أن الأذان سنة مؤكدة وليس بواجب لأنه جعل تركه مكروها، لأنه دعاء الى الصلاة فأشبه قوله الصلاة جامعة.
стр. 5213
وقال أبو بكر بن عبد العزيز هو من فروض الكفايات وهذا قول أكثر أصحابنا.
وقال عطاء ومجاهد والأوازعى: هو فرض، لأن رسول الله ﵌ أمر به مالكا وصاحبه وداوم عليه هو وخلفاؤه وأصحابه والأمر يقتضى الوجوب ومداومته على فعله دليل وجوبه ولأنه من شعائر الاسلام الظاهرة فكان فرضا كالجهاد.
فعلى قول أصحابنا اذا قام به من تحصل به الكفاية سقط عن الباقين، لأن بلالا رضى الله تعالى عنه كان يؤذن للنبى ﵌ فيكتفى به.
وان صلى مصل بغير أذان ولا اقامة فالصلاة صحيحة على القولين، لما روى عن علقمة والأسود أنهما قالا دخلنا على عبد الله فصلى بنا بلا أذان ولا اقامة رواه الأثرم ولا أعلم أحدا خالف فى ذلك الا عطاء.
قال ومن نسى الاقامة يعيد.
والأوزاعى قال مرة يعيد ما دام فى الوقت فان مضى الوقت فلا اعادة عليه وهذا شذوذ.
والصحيح قول الجمهور لما ذكرنا أن الاقامة أحد الأذانين فلم تفسد الصلاة بتركها كالآخر.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١): قال ابن حزم:
لا تجزئ صلاة فريضة فى جماعة - اثنين فصاعدا - الا بأذان واقامة سواء كانت فى وقتها أو كانت مقضية لنوم عنها أو لنسيان متى قضيت السفر والحضر سواء فى كل ذلك.
فان صلى شيئا من ذلك بلا أذان ولا اقامة فلا صلاة لهم حاشا الظهر والعصر بعرفة والمغرب والعتمة بمزدلفة فانهما تجمعان بأذان لكل صلاة واقامة للصلاتين معا للأثر فى ذلك.
وروى عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله ﵌ فذكر الحديث وفيه أن ﵇ قال لهم «ارجعوا الى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وصلوا كما رأيتمونى أصلى، فاذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم».
فصح بهذا وجوب الأذان ولا بد وأنه لا يكون الا بعد حضور الصلاة فى وقتها عموما لكل صلاة ودخلت الاقامة فى هذا الأمر.
وروينا عن عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: صليت لنفسى الصلاة فنسيت أن أقيم لها قال: عد لصلاتك، أقم لها ثم أعد.
وروينا من طريق محمد ابن المثنى: حدثنا ابن فضيل عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد قال: اذا نسيت الاقامة فى السفر فأعد الصلاة.
стр. 5214
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (١): أن الأذان والاقامة واجبان على الرجال دون النساء فانه لا يجب عليهن اجماعا وتردد البعض فى الاستحباب.
وكلام أبى جعفر فى شرح الابانة يدل على أنه لا يستحب.
وروى فى الكافى عن زيد بن على والناصر أن الأذان والاقامة سنة.
نعم ولا يجب الأذان لكل صلاة وانما يجب فى الخمس المكتوبة فقط.
وجاء فى الروض النصير (٢): أن المسافر اذا ترك الأذان عامدا أو ناسيا أجزأته صلاته.
وكذلك لو ترك الاقامة عندهم لم تكن عليه اعادة صلاته وقد أساء ان تركها عامدا قاله ابن عبد البر.
ومثله فى الجامع الكافى عن محمد ابن منصور.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (٣): أن الأذان والاقامة يجبان فى الجماعة لا يمضى اشتراطهما فى الصحة بل فى ثواب الجماعة على ما صرح به الشيخ فى المبسوط.
ولو نسيهما المصلى ولم يذكر حتى افتتح الصلاة تداركهما ما لم يركع فى الأصح.
وقيل يرجع العامد دون الناسى - فلو لم يرجع حتى أتم صلاته فعليه الاعادة.
وجاء فى جوهر الكلام (٤): ان من ترك الأذان أو الاقامة أو كليهما عمدا حتى أحرم للصلاة لم يجز له قطعها لتداركها.
نعم اذا كان عن نسيان جاز له القطع ما لم يركع، وذلك لخبر زرارة عن أبى عبد الله ﵇ قلت له رجل ينسى الأذان والاقامة حتى يكبر قال ﵇ يمضى على صلاته ولا يعيد.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (٥): أن الاقامة سنة مؤكدة.
وقيل فرض.
وقيل نفل مسنون حتى أنه على هذا القول لا يلزم العبد.
قال فى الديوان وليس على النساء اقامة وكذا العبيد.
وفى العبيد قول آخر.
ومن أوجبها ألزم تاركها اعادة الصلاة باقامة وهى شرط كالوضوء على هذا.
стр. 5215
ولا يعيد الصلاة عند من لم يوجبها.
وعند بعضهم ان لم يتعمد تركها بأن نسى حتى كبر تكبيرة الاحرام لا يعيد.
ومن فسدت عليه الصلاة باخلال شرط فأراد اعادتها بوقتها أقام لا ان خرج الوقت.
وان دخلها باكمال ثم انتقضت الصلاة دون الوضوء اعادها بدونها أى أعاد الصلاة بدون الاقامة ولو فى الوقت.
وقيل يعيد الصلاة باقامة.
حكم اعادة الصلاة لترك شئ منها
مذهب الحنفية:
جاء فى متن كنز الدقائق (١): أن فرائض الصلاة هى التحريمة والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعود الأخير قدر التشهد والخروج بصنعه.
قال صاحب البحر: ثم اعلم أن هذه الفرائض اذا أتى بها نائما فانها لا تحتسب ولا يعتد بها بل يعيدها كما اذا قرأ نائما أو ركع نائما.
والحاصل أنهم أختلفوا فى قراءة النائم فى صلاته فقيل يعتد بها واختاره الفقيه أبو الليث، لأن الشرع جعل النائم كالمستيقظ فى الصلاة تعظيما لأمر المصلى.
واختار فخر الاسلام وصاحب الهداية وغيرهما أنها لا تجوز.
ونص فى المحيط والمبتغى على أنه الأصح، لأن الاختيار شرط لأداء العبادة ولم يوجد حالة النوم.
قال فى فتح القدير: والأوجه اختيار الفقيه والاختيار المشروط قد وجد فى ابتداء الصلاة وهو كاف ألا يرى أنه لو ركع وسجد ذاهلا عن فعله كل الذهول أنه يجزئه.
وهذا يفيد أنه لو ركع وسجد حالة النوم يجزئه وقد نصوا على أنه لا يجزئه.
قال فى المبتغى ركع وهو نائم لا يجوز اجماعا.
وفرقهم بين القراءة والركوع والسجود بأن كلا من الركوع والسجود ركن أصلى بخلاف القراءة لا يجدى نفعا.
وعرف من هذا ايضا جواز القيام حالة النوم أيضا وان نص بعضهم على عدم جوازه.
أما القعدة الأخيرة نائما ففى منية المصلى اذا نام فى القعدة الأخيرة كلها فلما انتبه عليه أن يقعد قدر التشهد وان لم يقعد فسدت صلاته.
ويخالفه ما فى جامع الفتاوى أنه لو قعد قدر التشهد نائما يعتد بها.
وفى المحيط لو نام فى ركوعه وسجوده لا يعيد شيئا لأن الرفع والوضع حصل بالاختيار.
стр. 5216
وجاء فى حاشية ابن عابدين (١): أن القيام فى الصلاة فرض فى الفرض لقادر عليه وعلى السجود فلو قدر عليه دون السجود ندب ايماؤه قاعدا وكذا من يسيل جرحه لو سجد.
وقد يتحتم القعود كمن يسيل جرحه اذا قام أو يسلس بوله أو يبدو ربع عورته أو يضعف عن القراءة أصلا، فانه فى ذلك يتحتم عليه القعود أى يلزمه الايماء قاعدا لخلفيته عن القيام الذى عجز عنه حكما اذ لو قام لزم فوت الطهارة أو الستر أو القراءة بلا خلف حتى لو لم يقدر على الايماء قاعدا كما لو كان بحال لو صلى قاعدا يسيل بوله أو جرحه ولو صلى مستلقيا لا يسيل منه شئ فانه يصلى قائما بركوع وسجود كما نص عليه فى المنية.
قال شارحها لأن الصلاة بالاستلقاء لا تجوز بلا عذر كالصلاة مع الحدث فيترجح ما فيه الاتيان بالأركان.
وعن محمد أنه يصلى مضطجعا ولا اعادة عليه فى شئ مما تقدم اجماعا (٢).
وتعاد الصلاة وجوبا بترك الواجبات أو ترك واحد منها وينبغى تقييد وجوب الاعادة بما اذا لم يكن الترك لعذر كالأمى أو من أسلم فى آخر الوقت فصلى قبل أن يتعلم الفاتحة فلا تلزمه الاعادة.
وهل تجب الاعادة بترك سجود السهو لعذر كما لو نسيه أو طلعت الشمس فى الفجر؟ لم أره والذى يظهر الوجوب.
وجاء فى البحر الرائق (٣): ومن واجبات الصلاة قراءة الفاتحة ولا تفسد الصلاة بتركها عامدا أو ساهيا بل يجب عليه سجود السهو جبرا للنقصان الحاصل بتركها سهوا والاعادة فى العمد والسهو اذا لم يسجد لتكون مؤداة على وجه لا نقص فيه فاذا لم يعدها كانت مؤداة أداء مكروها كراهة تحريم (وهذا هو الحكم فى كل واجب تركه عامدا أو ساهيا).
وبهذا ظهر ضعف ما فى المجتبى من قوله قال أصحابنا: اذا ترك الفاتحة فى الصلاة يؤمر باعادة الصلاة ولو ترك قراءة السورة لا يؤمر بالاعادة. اذ لا فرق بين واجب وواجب الا أن يقال انه ترك السورة وقرأ ثلاث آيات وهو بعيد جدا.
وجاء فى موضع آخر (٤): ويقرأ المصلى اذا كان اماما أو منفردا على وجه الوجوب الفاتحة وسورة أو ثلاث آيات لكن الفاتحة أوجب حتى يؤمر بالاعادة بتركها دون السورة كذا ذكره الشارح وقد تبع فيه الفقيه.
وفيه نظر لأن كلا منهما واجب اتفاقا وبترك الواجب تثبت كراهة التحريم.
стр. 5217
وقد قالوا كل صلاة أديت مع كراهة التحريم يجب اعادتها.
فتعين القول بوجوب الاعادة عند ترك السورة وما يقوم مقامها كترك الفاتحة.
نعم الفاتحة آكد فى الوجوب من السورة للاختلاف فى ركنيتها دون السورة.
والآكدية لا تظهر فيما ذكره لأن وجوب الاعادة حكم ترك الواجب مطلقا لا الواجب المتأكد وانما يظهر فى الاثم لأنه قول بالتشكيك.
ثم قال (١): ومن واجباتها تعديل الاركان وهو تسكين الجوارح فى الركوع والسجود حتى تطمئن مفاصله وأدناه مقدار تسبيحة وهو واجب على تخريج الكرخى وهو الصحيح، كما فى شرح المنية.
والذى نقله الجم الغفير أنه واجب عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى.
فرض عند ابى يوسف رحمه الله تعالى مستدلين له ولمن وافقه بحديث المسئ صلاته حيث قال: أرجع فصل فإنك لم تصل ثلاث مرات وأمره له بالطمأنينة فالأمر بالاعادة لا يجب الا عند فساد الصلاة ومطلق الأمر يفيد الافتراض.
ولهما قوله تعالى: «اِرْكَعُوا وَاسْجُدُوا» (٢): واللفظان خاصان معلوم معناهما فلا تجوز الزيادة عليهما بخبر الواحد، لأنه لا يصلح ناسخا للكتاب ويصلح مكملا فيحمل بأمره بالاعادة والطمأنينة على الوجوب ونفيه للصلاة على نفى كمالها.
وعن السرخسى من ترك الاعتدال تلزمه الاعادة.
ومن المشايخ من قال تلزمه الاعادة ويكون الفرض هو الثانى، ولا اشكال فى وجوب الاعادة «اذ هو الحكم فى كل صلاة أديت مع كراهة التحريم».
وجاء فى حاشية ابن عابدين (٣): أنه قد شدد القاضى الصدر فى شرحه فى تعديل الأركان جميعها تشديدا بليغا فقال: واكمال كل ركن واجب عند أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فيمكث فى الركوع والسجود وفى القومة بينهما حتى يطمئن كل عضو منه.
هذا هو الواجب عند أبى حنيفة ومحمد حتى لو تركها أو شيئا منها ساهيا يلزمه السهو ولو عمدا يكره أشد الكراهة ويلزمه أن يعيد الصلاة وتكون معتبرة فى حق سقوط الترتيب ونحوه كمن طاف جنبا تلزمه الاعادة، وكل صلاة أديت (٤): مع كراهة التحريم تجب اعادتها والمختار أنه جابر للأول لأن الفرض لا يتكرر.
والظاهر أن ذلك يشمل نحو مدافعه الاخبثين مما لم يوجب سجود أصلا وأن
стр. 5218
النقص اذا دخل فى صلاة الامام ولم يجبر وجبت الاعادة على المقتدى ايضا.
وانه يستثنى منه الجمعة والعيد اذا أديت مع كراهة التحريم الا اذا أعادها الامام والقوم جميعا.
وفد ذكر فى الامداد بحثا أن كون الاعادة بترك الواجب واجبة لا يمنع أن تكون الاعادة مندوبة بترك سنة ونحوه فى القهستانى.
بل قال فى فتح القدير والحق التفصيل بين كون تلك الكراهة كراهة تحريم فتجب الاعادة أو تنزيه فتستحب.
قال ابن عابدين بقى هنا شئ وهو أن صلاة الجماعة واجبة على الراجح فى المذهب أو سنة مؤكدة فى حكم الواجب وصرحوا يفسق تاركها وتعزيره وأنه يأثم.
ومقتضى هذا أنه لو صلى منفردا يؤمر باعادتها بالجماعة وهو مخالف لما صرحوا به فى باب ادراك الفريضة من أنه لو صلى ثلاث ركعات من الظهر ثم أقيمت الجماعة يتم ويقتدى متطوعا فانه كالصريح فى أنه ليس له اعادة الظهر بالجماعة مع أن صلاته منفردا مكروهة تحريما أو قريبة من التحريم فيخالف تلك القاعدة.
الا أن يدعى تخصيصها بأن مرادهم بالواجب والسنة التى تعاد بتركه ما كان من ماهية الصلاة وأجزائها فلا يشمل الجماعة لأنها وصف لها خارج عن ماهيتها أو يدعى تقييد قولهم يتم ويقتدى متطوعا بما اذا كانت صلاته منفردا لعذر كعدم وجود الجماعة عند شروعه فلا تكون صلاته منفردا مكروهة.
والأقرب الأول ولذا لم يذكروا الجماعة من جملة واجبات الصلاة، لأنها واجب مستقل بنفسه خارج عن ماهية الصلاة.
ويؤيده أيضا انهم قالوا: يجب الترتيب فى سور القرآن فلو قرأ منكوسا أثم لكن لا يلزمه سجود السهو لأن ذلك من واجبات القراءة لا من واجبات الصلاة لكن قولهم (١):
كل صلاة أديت مع كراهة التحريم يشمل ترك الواجب وغيره.
ويؤيده ما صرحوا به من وجوب الاعادة بالصلاة فى ثوب فيه صورة بمنزلة من يصلى وهو حامل الصنم.
وقال صاحب البحر الرائق (٢): ومن واجبات الصلاة التشهد قال فى البحر:
لأنهم جعلوا التشهد واجبا وعينوه فى تشهد ابن مسعود ولا يزيد عليه.
قال فى السراج الوهاج: ويكره أن يزيد فى التشهد حرفا أو يبتدئ بحرف قبل حرف.
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لو نقص من تشهده أو زاد فيه كان مكروها لأن أذكار الصلاة محصورة فلا يزاد عليها.
стр. 5219
واذا قلنا بتبعية للوجوب كانت الكراهة تحريمية وهى المحمل عند اطلاقها ولا يزيد على تشهد ابن مسعود فى القعدة الأولى فلا يأتى بالصلاة على النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها وهو قول أصحابنا.
قال الطحاوى: من زاد على هذا فقد خالف الاجماع فان زاد فيها فان كان عامدا فهو مكروه ولا يخفى وجوب اعادتها.
وان كان ساهيا فقد اختلفت رواية المشايخ.
والمختار أنه يجب سجود السهو.
وجاء فى بدائع الصنائع (١): أن الترتيب فى أفعال الصلاة ليس بشرط عند أصحابنا الثلاثة.
وعند زفر شرط.
وعلى ذلك لو تذكر سجدة فى الركوع وقضاها أو سجدة فى السجدة وقضاها فالأفضل أن يعيد الركوع أو السجود الذى هو فيهما ولو اعتد بهما ولم يعد أجزأه عندنا.
وعند زفر لا يجوز له أن يعتد بهما وعليه اعادتهما.
ووجه قول زفر أن المأتى به فى هذه المواضع وقع فى غير محله فلا يقع معتدا به كما اذا قدم السجود على الركوع وجب عليه اعادة السجود لما قلنا كذا هذا.
ولنا قول رسول الله ﷺ ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا فان الرسول ﷺ أمر بمتابعة الامام فيما أدرك بحرف الفاء المقتضى للتعقيب بلا فصل ثم أمر بقضاء الفائتة والأمر دليل الجواز.
وكذلك جمع رسول الله ﵌ بينهما فى الأمر بحرف الواو وأنه للجمع المطلق فأيهما فعل يقع مأمورا به فكان معتدا به.
وجاء فى فتح القدير (٢): ان الأصل عندنا أن المشروع فرضا فى الصلاة أربعة أنواع: ما يتحد فى كل الصلاة كالقعدة أو فى كل ركعة كالقيام والركوع وما يتعدد فى كلها كالركعات أو فى كل ركعة كالسجود.
والترتيب شرط بين ما يتحد فى كل الصلاة وجميع ما سواه مما يتعدد فى كلها كالركعات أو فى كل ركعة وما يتحد فى كل ركعة حتى لو تذكر بعد القعدة قبل السّلام أو بعده قبل أن يأتى بمفسد - ركعة أو سجدة صلبية أو للتلاوة فعلها وأعاد القعدة وسجد للسهو.
وكذا يشترط الترتيب بين ما يتحد فى كل ركعة كالقيام والركوع.
стр. 5220
أما قول النهاية بأن الترتيب ليس بشرط بين ما يتعدد فى كل الصلاة يعنى الركعات:
أو يتحد فى كل ركعة وبين ما يتعدد فى كل ركعة فليس على اطلاقه بل بين السجود والمتحد فى كل ركعة تفصيل.
ان كان سجود ذلك الركوع بأن يكون ركوعا وسجودا من ركعة واحدة فالترتيب شرط.
وان كان ركوعا من ركعة وسجودا من أخرى بأن تذكر فى سجدة ركوع ركعة قبل هذه السجدة قضى الركوع مع سجدتيه وان تذكر على القلب بأن تذكر فى ركوع أنه لم يسجد فى الركعة التى قبلها سجدها.
وهل يعيد الركوع والسجود المتذكر فيه؟
ففى الهداية أنه لا يجب اعادته بل يستحب معللا بأن الترتيب ليس بفرض بين ما يتكرر من الأفعال.
والذى فى فتاوى قاضيخان وغيره انه يعيده معللا بأنه ارتفض بالعود الى ما قبله من الأركان، لأنه قبل الرفع منه يقبل الرفض.
ولهذا ذكر هو فيما لو تذكر سجدة بعد ما رفع من الركوع أنه يقضيها ولا يعيد الركوع لأنه بعد ما تم بالرفع لا يقبل الرفض.
فعلم أن الاختلاف فى اعادتها ليس بناء على اشتراط الترتيب وعدمه بل على أن الركن المتذكر فيه هل يرتفض بالعود الى ما قبله من الأركان أولا.
وقال فى الدر المختار (١): ولو ترك سورة أوليى العشاء ولو عمدا قرأها وجوبا وقيل ندبا مع الفاتحة جهرا فى الأخريين لأن الجمع بين جهر ومخافتة فى ركعة شنيع ولو تذكر أى السورة فى ركوعه قرأها بعد عودته الى القيام وأعاد الركوع.
قال ابن عابدين لأن ما يقع من القراءة فى الصلاة يكون فرضا فيرتفض الركوع ويلزمه اعادته، لأن الترتيب بين القراءة والركوع فرض حتى لو لم يعده تفسد صلاته.
بل لو قام لأجل القراءة ثم بدا لم فسجد ولم يقرأ ولم يعد الركوع قيل تفسد وقيل لا والفرق بين القراءة وبين القنوت حيث لا يعود لأجله لو تذكره فى ركوعه ولو عاد لا يرتفض هو ما ذكرنا أن القراءة تقع فرضا أما القنوت اذا أعيد فيقع واجبا.
ولو ترك الفاتحة فى الأوليين لا يقضيها فى الأخريين للزوم تكرارها ولو تذكر قرأها وأعاد السورة.
ولا بأس أن يقرأ سورة (٢) فى ركعة ويعيدها فى الثانية غير أنه يكره تنزيها هذا اذا لم يضطر فان اضطر بأن قرأ فى الأولى قل أعوذ برب الناس أعادها فى الثانية ان لم يختم، لأن التكرار أهون من القراءة منكوسا أما لو ختم القرآن فى ركعة فانه يقرأ فى الثانية من البقرة.