← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

فقالوا لا يجوز أن تزيد مدة الاجارة فى الضياع على ثلاث سنين وجاء فى الجوهرة ان الحكم كذلك فى أرض اليتيم وجاء فى حاشية الرملى أنه يجرى أيضا فى أراضى بيت المال وان الفتوى على ذلك صونا لها عن دعوى الملكية فيها استنادا الى طول المدة (١) «وارجع فى تفصيل ذلك وبيان أحكام المذاهب فيه الى مصطلح «اجارة الوقف» مذهب المالكية: وذهب المالكية الى أنه يجوز كراء الدار الى مدة لا تتغير فيها غالبا وينقد الأجرة عليها ذكر ذلك ابن شاش فاما ما لا يؤمن تغيرها فيه لطول المدة أو لضعف البناء وشبه ذلك فيجوز العقد دون نقد الأجرة ما لم يغلب على الظن أنها لا تبقى الى المدة المعينة فلا يجوز كراؤها اليها قال مالك لا بأس باجارة العبد عشر سنين الى خمس عشرة سنة وقال ابن يونس تجوز اجارة الدور الى ثلاثين سنة بنقد وبأجل لأنها مأمونة (٢). مذهب الشافعية: ويرى الشافعية (٣) صحة عقد الاجارة فى العين على مدة تبقى فيها تلك العين بصفاتها المقصودة على ما يظن غالبا كسنة فى نحو ثوب وعشر سنوات فى الدابة ومائة سنة أو أكثر فى الأرض سواء أكانت وقفا أم لا وفى قول لا يزاد فى مدة الاجارة على سنة لأن الحاجة تندفع بذلك وفى قول لا تزيد على ثلاثين سنة لأن الغالب تغير الأشياء بعدها. مذهب الحنابلة: ويرى الحنابلة ان سدة الاجارة لا حد لأكثرها بل يجوز اجارة العين المدة التى تبقى فيها وان طالت وهذا قول كافة أهل العلم وعند الشافعية فى ذلك قولان (٤). مذهب الظاهرية: وفى المحلى لابن حزم: وجائز استئجار الدور والدواب وغير ذلك الى مدة قصيرة أو طويلة اذا كان مما يمكن بقاء المؤجر والمستأجر والشئ المستأجر اليها فان كان لا يمكن بقاء أحدهم اليها لم يجز العقد وكان مفسوخا أبدا (٥). مذهب الزيدية: ويرى الزيدية أنه لا حد لأكثرها أيضا أما أقلها فهو ماله أجرة عرفا أو ما فى حكم ذلك كالأعمال المحصورة المعينة كالخياطة ونحوها (٦). مذهب الإمامية: وفى تحرير الأحكام للشيعة ليس لمدة الاجارة حد لأكثرها بل يجوز على ما يتفق عليه العاقدان سنة أو ثلاثين سنة أو أكثر واذا ذكرت المدة لم يجب تقسيط الأجرة فيها على الأيام أو على الأشهر أو على السنين ولو قسطت جاز. مذهب الإباضية: وجاء فى شرح النيل ومن شرط المدة تحديدها كيوم وجمعة وشهر وسنة لا الى أجل لا يبلغ اليه عادة كخدمة عبد ألف سنة أو

стр. 562

عشرة آلاف سنة مما لا يعاش اليه عادة أو مما يعاش اليه لكن العادة ألا يطيق تلك الخدمة من عاش اليه. المدة فى عقد الاجارة مذهب الحنفية: واذا شرطت المدة فى عمل محدد معين لا يمتد كأن يستأجر شخص آخر ليخيط له هذا الثوب اليوم ونحوه قدم ذكر اليوم أو أخره فالعقد فاسد عند أبى حنيفة وعند صاحبيه العقد جائز وعلى هذا الخلاف اذا استأجر دابة لتوصله الى بلدة كذا فى ثلاثة أيام مثلا وجه قولهما ان المعقود عليه هو العمل لأنه المقصود من العقد وهو معلوم فكان ذكر المدة للتعجيل ولم تكن المدة معقودا عليها فلم يمنع ذكرها من صحة العقد فان وقع العمل فى المدة المبينة وجب الأجر كله وان لم ينته فى المدة المعينة وجب اتمامه بعد المدة بمقتضى العقد غير أنه اذا لم يتم الا بعد المدة المعينة تبين ان استحقاق المسمى لم تتوافر شروطه ووجب بذلك أجر المثل لا يزاد على ما شرط فى العقد ومعنى ذلك أن العقد يتبين فساده بانتهاء المدة قبل تمام العمل اذ أن وجوب أجر المثل دون المسمى دليل صيرورة العقد فاسدا - ووجه قول أبى حنيفة أن المعقود عليه مجهول لأن العقد تضمن أمرين كل منهما يجوز أن يكون معقودا عليه وهما العمل والمدة أما العمل فالأمر فيه ظاهر وأما المدة فلأنه لو استأجر شخصا يوما للخبازة من غير ذكر مدة جاز وحكمها مختلف لأن العقد على المدة يقتضى وجوب الأجر من غير عمل لصيرورته بذلك أجيرا خاصا والعقد على العمل يقتضى وجوب الأجر بالعمل لأنه يصير أجيرا مشتركا واذا صلح كل منهما لأن يكون محلا للعقد وليس أحدهما بأولى من الآخر فى اعتباره محلا له كان المعقود عليه مجهولا وذلك يوجب فساد العقد وليس هذا مثل الاجارة على العمل بشرط أن ينته فى يومه اذا لم يجعل الوقت فى مثل هذا معقودا عليه بل جعل صفة للعمل بدليل انه لو لم يعمل شيئا فى اليوم الأول وعمل فى اليوم الثانى استحق أجر المثل لأنه قام بعمل غير ما تم عليه العقد، ذلك ما ذهب اليه الحنفية (١). مذهب المالكية: ويرى المالكية أنه اذا جمع بين العمل والزمن فان كان الزمن مساويا للعمل بحيث يقضى العرف أو العادة باتمام العمل فيه فقد ذكر ابن رشد ان الاتفاق على المنع وفساد العقد وذكر فيه ابن عبد السّلام أن القول بعدم الجواز أحد قولين مشهورين ثانيهما عدم الفساد، وان كان الزمن أوسع من العمل عادة فقد ذكر فيه ابن عبد السّلام الاتفاق على الجواز وذكر ابن رشد فيه أنه ممنوع على المشهور وجائز على خلافه وعلى القول بالفساد فالواجب باتمام العمل أجر المثل بالغا ما بلغ (٢). مذهب الشافعية: ويرى الشافعية انه اذا جمع بين الزمن والعمل بأن استأجره ليخيط هذا الثوب هذا

стр. 563

اليوم لم يصح العقد فى الأصح للغرر اذ قد يتقدم العمل أو يتأخر كما لو أسلم فى قفيز حنطة على أن يكون وزنه كذا حيث لا يصح السلم لاحتمال زيادته أو نقصه وذهب السبكى الى أن الثوب اذا كان صغيرا يفرغ من خياطته فى الزمن المحدد صح ولا عبرة باحتمال حصول عائق لأنه خلاف الغالب فلا يلتفت اليه وهذا اذا لم يقصد بالزمن الاستعجال بل قصد به التقدير فان قصد به الاستعجال فقط صح العقد لأنه فى هذه الحال يكون غير منظور اليه عند المتعاقدين والقول الثانى يصح العقد (١). مذهب الحنابلة: ويرى الحنابلة أنه اذا جمع بين الزمن والعمل كما لو استأجر أجيرا ليخيط له هذا الثوب فى هذا اليوم لم يصح العقد لأنه قد يفرغ منه قبل انقضاء اليوم فانه استكمل فى بقية اليوم فقد زاد على المعقود عليه وان لم يعمل فقد ترك العمل فى بعض زمنه الذى تضمنه العقد وذلك غرر يفسد به العقد ولكن يصح الجمع بين المدة والعمل جعالة لأنه يفتقر فيها ما لا يفتقر فى الاجارة واذا تم العمل قبل انقضاء المدة لم يلزمه العمل فى بقيتها لأنه وفى ما عليه قبل مدته فلا يلزمه شئ آخر كالمدين يقضى الدين قبل أجله وان مضت المدة قبل تمام العمل كان للمستأجر فسخ العقد لأن الأجير لم يف له بشرطه فان رضى البقاء على العقد لم يملك الأجير الفسخ لأن الاخلال من قبله وعند اختيار امضاء العقد يكون الأجير مطالبا بالعمل لا غير وان فسخ العقد كان للأجير أجر مثل ما عمل (٢). مذهب الزيدية: اذا جمع بين العمل والزمن بأن شرط المستأجر على الأجير عملا معينا فى زمن حدده كأن شرط عليه أن يوصل هذا الحمل الى بلدة كذا فى خمسة أيام فزاد عليها فسدت الاجارة واذا فعل كان له أجر المثل لا يزيد على المسمى وانما فسدت الاجارة فى هذه الحال لأنه لا يعلم محل العقد أهو العمل أم المدة. مذهب الإمامية: جاء فى تحرير الأحكام اذا جمع بين المنفعة والزمن كما لو استأجره ليخيط هذا الثوب فى هذا اليوم قال الشيخ لا يجوز لامكان الفعل فى أقل من ذلك الزمان أو أكثر - ويحتمل الجواز لأن الاجارة وقعت على العمل والمدة انما ذكرت للاستعجال وحينئذ ان انفرد قبل المدة لم يكن له أن يلزمه بالعمل فى باقيها والا كان للمستأجر فسخ العقد فان فسخه قبل البدء فى العمل فلا أجرة وان أتم شيئا منه كان له أجر مثله واذا اختار المستأجر الامضاء كان له الزام الأجير بباقى العمل خارج المدة لا غير وليس للأجير حق الفسخ (٣). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه عند الجمع بين المدة والعمل فى عقد الاجارة اختلاف فقيل

стр. 564

بالجواز وقيل بعدمه لأنه قد يتم العمل قبل الأجل أو بعده (١). الاجارة الصحيحة أنواعها والاجارة ضربان: اجارة ذمة واجارة عين: ذلك لأنها قد تقع على منفعة عين أو شخص ولهذا النوع صورتان: أولهما أن تكون هذه المنفعة مستمرة الى أمد معلوم كاجارة دار للسكنى وثوب للبس وأجير للخدمة وضابطها أن تكون منفعة مستمرة معيارها الزمن لا تقدر الا به وثانيهما أن تكون هذه المنفعة غير مقدرة بالزمن ولا يتوقف تعيينها عليه كاصلاح آلة أو حمل متاع الى مكان كذا أو شق طريق الى جهة كذا أو غزل مقدار من الصوف أو نسج مقدار من الغزل أو هدم جدار معين أو نشر خشبة - والمنفعة فى هاتين الصورتين كما يرى قد تكون منفعة عين وقد تكون منفعة شخص واذا كانت منفعة عين فقد تكون عينا معينة بالاشارة اليها أو بالتسمية والوصف كهذه الدار أو كدارك بجهة كذا وقد تكون غير معينة وانما دل عليها بأوصاف تنطبق على أعيان كثيرة تجمعها وتندرج تحتها - وفى هذه الحال الأخيرة تكون الاجارة اجارة ذمة وذلك لشغل ذمة المؤجر بتقديم هذه العين التى دل عليها بأوصافها ليستوفى منها المستأجر المنفعة التى وقع عليها العقد وذلك بخلاف الحال السابقة عليها اذ لا تشغل ذمة المؤجر بشئ وليس عليه الا أن يمكن المستأجر من العين المستأجرة والفرق بين الحالين واضح ففى الحال السابقة حال اجارة الذمة اذا قدم المؤجر العين الى المستأجر فتلفت قبل تمام المعقود عليه لم تنفسخ الاجارة وكان عليه أن يقدم عينا أخرى وهكذا حتى يستوفى ما تم التعاقد عليه (٢) وفى الحال الأولى اذا مكن المؤجر المستأجر من العين فتسلمها ثم هلكت قبل تمام العمل انفسخت الاجارة لانعدام محلها وهو منفعة هذه العين التالفة بسبب تلفها بخلاف الحالة فى غير التعيين فان محل العقد لا يزول ولا ينعدم بتلف العين فيها اذ محلها منفعة تشغل ذمة المؤجر عليه الوفاء بها بأى عين يقدمها وهذه الحال هى ما تسمى باجارة الأعيان أو الأشياء واذا كانت المنفعة التى وقع عليها العقد منفعة شخص فقد تكون هذه المنفعة مستمرة يتوقف تقديرها على الزمن كالخدمة فى المنازل وحراسة المزرعة ورعى الأغنام وقد تكون منفعة لا يتوقف تقديرها على الزمن كاصلاح آلة وخياطة ثوب وحمل متاع الى جهة كذا وصناعة مكتب ونحو ذلك - وهذه الحال هى ما تسمى باجارة الأشخاص أو العمال والمستأجر فيها يسمى أجيرا وهو اما خاص ويقال له الأجير الواحد اذا ما قصر على العمل للمستأجر فى زمن معين كيوم أو شهر فلم يكن له أن يعمل لغيره فيه أو أجير مشترك وهو ما يجوز له أن يتقبل العمل ممن يطلبه اليه وان تعدد فى وقت واحد ومحل العقد فى الأجير الخاص هو الزمن المعين فى عقد الاجارة ولذا لم يكن عليه الا ان يسلم نفسه فيه سواء عمل أم لم

стр. 565

يمكن من العمل فيه ومحل العقد فى الأجير المشترك هو منفعته التى شغلت ذمته ووجب عليه الوفاء بها ولذا كانت اجارة الأجير المشترك من اجارة الذمة دائما ذلك بيان عام لأنواع الاجارة وفيما يلى بيان أحكامها. اجارة الأعيان مذهب الحنفية: لقد علمت أن الاجارة لا ترد الا على المنافع فهى محل العقد أو المعقود عليه فى عقد الاجارة وهى كما يلاحظ معدومة عند انشاء العقد ولهذا يرى الحنفية اقامة الأعيان مقام منافعها فى عقد الاجارة واعتبر وجودها وجودا لمنافعها حتى يتحقق الارتباط بين المتعاقدين ومن ثم لم تصح اجارة معدوم - وبناء على ذلك اذا وقع عقد الاجارة على منفعة عين من الأعيان فقد يكون من قبيل اجارة الذمة كما قدمنا وقد يكون اجارة لعين معينة غير أن من الأعيان ما لا تتصور فيه اجارة الذمة وهو العقار لوجوب تعيينه فى عقد الاجارة. فان كان من قبيل اجارة الذمة التزم المؤجر بموجبه أن يأتى بالعين التى تؤدى بها المنفعة محل العقد وان تكون على وفق ما تضمنه العقد من شروط وأوصاف فيها والا كان له ان يمتنع من تسلمها وليس للمؤجر أن يمتنع من تسليم العين للمستأجر حتى يؤدى اليه الأجر الا اذا كان قد شرط تعجيله اذ أنه لا يستحق الأجر بالعقد وانما يستحقه بتمكن المستأجر من الانتفاع أو باشتراط تعجيله ولذا لم يكن له الامتناع عن التسليم الا عند اشتراط التعجيل كما يلاحظ ان اشتراط التعجيل لا يصح فى الاجارة المضافة لما قدمنا وأنه يكفى فى التسليم التخلية بين العين وبين المستأجر على وضع لا يوجد معه مانع يمنعه من تسلمها والانتفاع بها وهذا اذا كان العقد خاليا من خيار الشرط أما عند ثبوت خيار الشرط فانما يجب التسليم بعد سقوطه (١) واذا كانت العين المستأجرة دابة وجب مع بيانها بيان من يركبها ان كانت الاجارة للركوب وما سيحمل عليها ان كانت للحمل لأن ذلك مما يتفاوت ويختلف باختلاف الناس وبيان الغاية التى استؤجرت اليها وبيان المدة والمكان الى غير ذلك مما يحدث النزاع بسبب ترك بيانه واذا كانت أرضا وجب بيان ما يزرع فيها والا فسدت الاجارة واذا كانت دارا للسكنى لم يجب بيان الساكن كما سيأتى (٢). واذا مضى بعض مدة الاجارة دون تسليم للعين فأراد المؤجر تسليمها بعد مضى بعضها فليس للمستأجر أن يمتنع من تسلمها فى باقى المدة اذا لم يكن فى المدة المعينة وقت يرغب فيها لغرض فيه قد فات فان فات بتأخير تسليمها كان للمستأجر الخيار فى تسلمها وفسخ العقد لذلك (٣). ويجب أن تكون العين سليمة من العيوب التى تحول دون الانتفاع بها أو تؤدى الى نقصه نقصا يفوت به غرض المستأجر والا بطلت أو كانت غير لازمة وكان للمستأجر

стр. 566

خيار الفسخ كما قدمنا فى الخيار بسبب العيب (١) - أما الأجرة وأداؤها فعلى حسب ما اتفق عليه المتعاقدان قدرا وتعجيلا وتأجيلا اذا اختار امضاء العقد وهذه الأحكام كلها لا تختص باجارة العين التى هى من قبيل اجارة الذمة بل تثبت أيضا فى اجارة العين المعينة طلب منفعتها - ذلك ما ذهب اليه الحنفية. مذهب المالكية: ولم يخالف المالكية فيما ذكرنا من أحكام مع مراعاة ما فصلناه فيما سبق خاصا بالأجرة وحلولها وقبضها (٢) ومع ملاحظة أنهم أجازوا كراء دابة أو دار أو سفينة لمدة معينة بأجر معلوم على أن المستأجر ان استغنى فى أثناء هذه المدة أو فى أثناء المسافة المعينة فى العقد كان له حق الفسخ وحاسب المؤجر وأعطاه بنسبة ما انتفع مع مراعاة الصعوبة والسهولة وتصديقه فى استغنائه لأنه أمين - أما ان استأجر ذلك على أنه اذا زاد على ذلك فبحسبانه لم يجز الا اذا عين غاية لما يريد زيادته لاشتمال التعاقد حينئذ على صفقتين فى صفقة (٣). واذا وقعت الاجارة على منافع فى الذمة كأجرتك على فعل كذا فى ذمتك ان شئت فعلته بنفسك أو بغيرك أو على أن تحملنى على دوابك وجب تعجل الأجرة حتى لا يقابل دين بدين (٤). مذهب الشافعية: ويرى الشافعية - أنه يجب فى اجارة الذمة ان عقدت بلفظ سلم أو بلفظ اجارة وجوب تسليم الأجرة فى المجلس كما يجب تسليم رأس مال السلم فى مجلس العقد لأنها تعد حينئذ سلما فى المنافع فيمتنع فيها تأجيل الأجرة سواء تأخر العمل فيها عن وقت العقد أم لا كما يمتنع حينئذ الاستبدال بها والحوالة بها. أما فى اجارة العين كما سيأتى فيجوز فى الأجرة التأجيل والتعجيل غير أنها اذا كانت عينا معينة لم يجز تأجيلها لأن الأعيان لا تقبل التأجيل (٥) ويشترطون فى اجارة الذمة للركوب لا للحمل ذكر جنس نوع الدابة وذكورتها وانوثتها ويوجبون على المؤجر فى اجارة الذمة الخروج مع العين ان كانت دابة ليتعهدها وليعين الراكب فى ركوبه ونزوله بحسب العرف والحاجة وعليه رفع الحمل وحطه وشده وحله وعليه الرعاية والمعونة فى غير الدابة بحسب العرف وليس عليه فى اجارة العين الا التخلية بين العين والمستأجر. ويرون أيضا أن تقدير المنفعة بالزمن لا يتأتى فى اجارة الذمة اذا كانت الاجارة على عمل معين لأن الذى يشغل الذمة هو العمل فلا تصح الاجارة اذا قال له الزمتك خياطة هذا الثوب فى يومين مثلا (٦). مذهب الحنابلة: ويرى الحنابلة - أنه يشترط استقصاء صفات السلم فى عين مستأجرة موصوفة فى

стр. 567

الذمة كما يراعى ذلك فى عين معينة غائبة عن مجلس العقد لكونها غير مشاهدة ويجب قبض الأجرة فى اجارة الذمة بمجلس العقد حتى لا يصير بيع دين بدين وليس لهم أحكام مخالفة فيما سبق متعلقا بوجوب التسليم وخلو العيب من العين ونحوه ووجوب خروج المكرى مع العين كالدابة للمعونة والرعاية بحسب ما يقضى به العرف (١). مذهب الزيدية: يرى الزيدية ما يراه سائر الفقهاء فى اجارة الأعيان مطلقا سواء كانت اجارة ذمة أو اجارة عين فى وجوب تسليم العين على المكرى أو التخلية بينها وبين المكترى بحيث لا يكون هناك مانع من الانتفاع بها واذا كان المستأجر أرضا للزراءة بين ما سيزرعه فيها واذا كان دابة بين ما سيركب ان كانت للركوب وما سيحمل ان كانت للحمل وتنفسخ الاجارة بالتلف اذا كانت لعين معينة ويجب الاستبدال على المكرى ان كانت اجارة ذمة دون أن يكون للمكترى خيار ويصحب المكرى العين المؤجرة بحسب ما يقضى به العرف (٢) ويجوزون تعجيل الأجرة وتأجيلها. مذهب الإمامية: ويرى الإمامية وجوب تسليم العين المستأجرة على المؤجر أو التخلية بينها وبينه واذا كانت مشغولة وجب عليه تفريغها قبل ابتداء مدة الاجارة (٣) كما يجب بيان ما يطلب منها من منفعة يترتب على عدم ذكرها نزاع (٤) وقال الشيخ يجوز السلم فى المنافع فان ذكر العقد بلفظ السلم كان من شرطه قبض الأجرة فى المجلس وان تم العقد بلفظ الاجارة مثل أن يقول استأجرت منك ظهرا صفته كيت وكيت لكذا ففيه وجهان أحدهما اشتراط القبض فى المجلس والثانى عدم اشتراطه ولم يرجح الشيخ أحدهما. مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: الاجارات وجهان: منافع فى معين محسوس، ومنافع بذمة ففى الوجه الأول يجب رؤية ما تعلقت به المنفعة ويكفى الوصف والرؤية المتقدمة كرعى غنم أو حصد زرع أو حرث الأرض فيجب رؤية الغنم والزرع والأرض ونحوه مما يقصد اليه كخياطة هذا الثوب ونسخ هذا الكتاب وفى الثانى يكفى وصف المنفعة وتعيين مدتها ان احتاجته (٥). اجارة الأعيان المعينة مذهب الحنفية: يترتب على استئجار العين المعينة وجوب تسليمها الى مستأجرها عقب العقد أو عند ابتدائه اذا كانت الاجارة مضافة الى زمن مستقبل وليس له أن يحبسها لقبض الأجرة الا عند اشتراط تعجيلها.

стр. 568

واذا كانت العين دارا للسكنى لم يلزم لصحتها بيان من يسكنها بل تصح وان لم يذكر فى العقد بيان ما سيعمل فيها لأن بيان العرف كاف فى ذلك ولأن منافع السكنى غير متفاوته والتفاوت فيها متسامح فيه عرفا ولذا كان له أن يسكن بنفسه وأن يسكن غيره وليس له أن يفعل فيها ما يضر ببنائها كأن يسكن نجارا وحدادا أو يجعلها مدرسة بخلاف ما اذا استأجر أرضا للزراعة فان العقد لا يجوز حتى يبين ما سيزرعه فيها أو ان يشترط أن يزرع فيها ما يشاء لأن منافع الزراعة مختلفة واذا كانت مشغولة بزرع غيره لم تصح الا اذا سلمها فارغة عند ابتداء الاجارة وهذا اذا لم يكن الزرع مستحصدا فسلمها مع أمره بحصده. ولو استأجر دابة ولم يسم ما يحمل عليها لم يجز لأن ذلك مما يتفاوت واذا تنازعا ينفسخ العقد وان مضت المدة وقد حمل عليها وجب المسمى استحسانا لتعين المعقود عليه ما لا ينته فينقلب العقد جائزا وقد كان القياس وجوب أجر المثل (١) ويجب فى هذه الحال رؤية العين عند العقد أو قبله بمدة لا يظن فيها التغيير ويكفى الوصف وصفا كافيا واذا لم تحدث رؤية كان للمستأجر خيار الرؤية واذا شرط فى عقد الاجارة انتفاع شخص معين وجب التقيد به فيما يختلف باختلاف المستعمل ولم يجب فيما لا يختلف بل يبطل الشرط ويصح العقد لأنه لغو من القول لعدم تحقق الغرض الصحيح من اشتراطه. وبقاء الاجارة فى هذه الحال مرتبط ببقاء العين فاذا تلفت انفسخت الاجارة وليس للمستأجر أن يطالب المؤجر باحضار بدل عنها كما هو الحال فى اجارة الذمة - ويصح فيها تأجيل الأجرة وتعجيلها - وجاز استئجار جدار للبناء عليه بشرط بيان قدره طولا وعرضا وبيان مادة البناء بخلاف اجارة الأرض فلا يشترط فى استئجارها للبناء عليها ذلك. مذهب المالكية: المالكية لا يخالفون فى شئ من ذلك غير أنهم يرون فى استئجار العين المعينة اذا لم يكن هناك عرف بتعجيل أجرتها أو كان هناك عرف بتأجيلها انها اجارة فاسدة ما لم يشترط فى عقدها التعجيل سواء عجلت الأجرة فعلا أم لم تعجل فان اشترط صحت الاجارة وان لم يعجل الأجر فعلا (٢). مذهب الشافعية: يرى الشافعية فى استئجار الدار للسكنى أنها تفسد اذا شرط فيها على المستأجر ان يسكنها وحده (٣) ويعلق على ذلك الشبراملسى بأن ذلك اذا كان اشتراطا من المؤجر لا ان كان اشتراطا من المستأجر بأن قال استأجرتها على أن أسكنها وحدى والا صح ويرون أن استئجار الأرض للبناء يجب فيه بيان الموضع الذى سيبنى عليه بطوله وعرضه وسمك الجدار (٤) ويشترط فى اجارة العين

стр. 569

المعينة تعيينها وفى اشتراط رؤيتها الخلاف فى صحة بيع الغائب والأظهر الاشتراط (١) مذهب الحنابلة: ويرى الحنابلة أنه لا يشترط فى الاجارة لركوب الدابة بيان الذكورة والأنوثة أو النوع كعربى أو برذون لأن التفاوت بسبب ذلك يسير ويشترط فى الحمل بيان المحمول وفى الحرث معرفة الأرض (٢). مذهب الظاهرية: جوز ابن حزم اجارة الأشياء والأعيان اذا بين ما يقتضيه العقد من بيان كذكر المدة وبيان الشئ المستأجر وبيان المنفعة (٣) ولا يجوز اجارة الأرض أصلا لا للحرث ولا للغرس ولا للبناء عليها ولا لشئ من الأشياء أصلا لا لمدة قصيرة ولا لمدة طويلة ولا لغير مدة مسماة ولا بدنانير ولا بدراهم ولا بشئ أصلا فمتى وقع فسخ أبدا ولا يجوز فى الأرض الا المزارعة بجزء مسمى مما يخرج منها أو المغارسة كذلك فقط أما ان كان فيها بناء قل أو كثر جاز استئجار ذلك البناء وتكون الأرض تبعا له غير داخلة فى الاجارة أصلا، برهان ذلك ما روى عن رافع أنه قال سمعت عمى وكانا قد شهدا بدرا يحدثان أهل الدار أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض فذكر الحديث وفيه ان ابن عمر ترك كراء الأرض قال: وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين (٤). مذهب الزيدية: وكذلك يرى الزيدية فى اجارة العين المعينة وجوب وجودها فى ملك المؤجر عند العقد لأنه فى الحقيقة بائع أما المؤجر فاذا كان مؤجرا للحمل لم يلزم أن يكون المحمول موجودا فى ملكه يوم العقد اذا لم يعينه أما اذا عينه فلا بد أن يكون موجودا فى ملكه والا لم تصح الاجارة لأن العمل لا يمكن تسليمه عقب العقد واذا تلف المحمول بعد تعيينه بطلت الاجارة، وتعيين المحمول اما بالمشاهدة أو بالوصف بما يتعين به وليس للمكرى استبدال الاعيان المستأجرة الا برضا المستأجر ويجب على المكرى اذا لزم عليه السير مع المكترى عرفا وضع الحمل على الدابة وحطه ونحو ذلك مما يقضى به العرف (٥) وهم يوافقون الحنفية فى بقية الأحكام السابقة. مذهب الإمامية: كل ما صحت اعارته صحت اجارته فكل عين أمكن استيفاء منفعتها مع بقائها صحت اجارتها وتجوز اجارة الأرض للزراعة دون كراهة سواء أكان ذلك بذهب أم بفضة أم بمطعوم غير خارج منها أم من جنس ما يخرج منها أما اذا استأجرها بما يخرج منها فانه لا يجوز ولا خلاف بين العلماء فى جواز استئجار العقار والدواب والأعيان المشاهدة والموصوفة ويجب فى الأعيان المشاهدة رؤية كل ما يتعلق الغرض به فان كانت دارا احتيج الى رؤيتها لتعرف سعتها وضيقها ومرافقها وهكذا (٦).

стр. 570

مذهب الإباضية: جوزوا اجارة الأشياء والأعيان ما عدا الأراضى فقيل لا تجوز اجارتها ولا يجوز فيها الا المزارعة بجزء خارج ولا يجوز اجارتها بخارج منها ولا بغيره ولا بالدنانير ولا بالدراهم وقيل تجوز اجارتها بالعين ذهب أو فضة (١). يد المستأجر على العين يد المستأجر على العين المستأجرة يد أمانة اتفاقا بين المذاهب ما دام لم يتجاوز حقه فى الانتفاع بها بمقتضى العقد وما شرط فيه ولم يخرج فى انتفاعه عن المعروف بالعرف وعلى ذلك اذا تلفت العين فى يده فى هذه الحال بلا تعد ولا تقصير فى المحافظة عليها فلا ضمان عليه أما اذا تعدى أو قصر فى المحافظة عليها فانه يكون ضامنا لما يلحق العين من تلف أو نقصان وكذلك الحكم اذا تجاوز فى الانتفاع بها حقه فيه فتلفت عند ذلك (٢). وجاء فى الشرح الكبير للدردير (٣): والمستأجر أمين فلا ضمان عليه إن ادعى الضياع أو التلف سواء فيما يغاب عليه وما لا يغاب عليه ويحلف ان كان متهما، ولو شرط عليه الضمان - ان لم يأت به ميتا - فلا ضمان، وتفسد الاجارة بهذا الشرط لأنه مناقض لمقتضى العقد وله أجر المثل زاد على المسمى أو نقص. واذا انقضت الاجارة بانتهاء العمل مع السلامة انقلبت الاجارة صحيحة وجاء فى التوضيح من استأجر معونا أو غيره فلا ضمان عليه فى هلاكه فى يده وهو مصدق الا أن يتبين كذبه ويحلف ان كان متهما قاله ابن القاسم وقيل يحلف مطلقا والقول قول المستأجر فى رد الشئ المستأجر الا ان يكون قد قبضه ببينة نص عليه ابن رشد، وقال ابن الحاجب والمستأجر أمين على الاصح والقول قوله فى تلف الذات التى قبضها لاستيفاء منفعتها سواء أكانت مما يغاب عليه أم لا (٤). مذهب الحنابلة: وفى المغنى (٥) - والعين المستأجرة أمانة فى يد المستأجر لا يضمنها الا بتعد أو تفريط ولا يعلم فى هذا خلاف واذا انتهت مدة الاجارة فعليه رفع يده وليس عليه الرد أومأ اليه فى رواية ابن منصور بخلاف العارية اذ يجب عليه الرد بخلاف الاجارة لأنه عقد لا يوجب على المستأجر الرد ولا مؤنته وهذا قول بعض الشافعية واذا شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين فسد العقد لأنه شرط ينافى مقتضاه واذا فسدت الاجارة لم تكن العين مضمونة أيضا اذا تلفت من غير تفريط ولا تعد لان حكم العقود الفاسدة من حيث الضمان حكم الصحيحة. مذهب الزيدية: ويرى الزيدية ان العين أمانة فى يد المستأجر أيضا ولكنها تصير مضمونة فى يده اذا شرط عليه الضمان فيضمن هلاكها ونقصها بغير الاستعمال المعتاد المأذون فيه

стр. 571

ولا يترتب على اشتراط ذلك فساد العقد بل يصح العقد ويلغى شرط التضمين فى ذلك (١). واذا خالف المستأجر فأصبحت يده يد ضمان ثم عدل فرجع عن خلافه وعاد الى الوفاق فهل تعود يده يد أمانة فلا يضمن بعد ذلك بهلاك العين فى يده؟ كان أبو حنيفة يرى أنه يعود الى الوفاق فلا يضمن ثم رجع فذهب الى أنه لا يعود الى الوفاق فيضمن. ما يجب على المؤجر وما يجب على المستأجر فى اجارة الأعيان يجب على المؤجر أن يسلم العين المستأجرة الى المستأجر خالية من العيوب التى تنقص من منفعتها ولا يرضاها المستأجر أو يخلى بينها وبين المستأجر وذلك عند ابتداء عقد الاجارة حتى يتمكن المستأجر من استيفاء حقه فاذا وجد بها المستأجر عيبا ينقص من انتفاعها على ما بينا فى خيار العيب كان له خيار الفسخ ما لم يزل العيب قبل فسخه العقد ولأن المؤجر هو مالك العين المستأجرة كان الاصلاح عليه فيما تلف أو نقص بسبب الاستعمال المأذون فيه وهو ما يستوجبه عقد الاجارة أو كان بسبب سماوى لا يد للمستأجر فيه أما اذا كان بسبب اهمال المستأجر وتقصيره فعليه الضمان لتعديه بذلك وهذا اذا كانت العين المستأجرة دابة فنفقتها مدة الاجارة على مالكها لأن نفقة المملوك على مالكه وليس على المؤجر أن يزيد فى عمارة العين واصلاحها عن الحال التى رضيها المستأجر ورآها عليها عند العقد الا اذا كان ذلك مشروطا فى العقد وقد قالوا فى توابع العقود التى لا يتعرض لها فى العقد أنها تحمل على عادة كل بلد وعرفه لأن المعروف عرفا كالمشروط ولذا يكون الخيط على الخياط وفى الحمال أنه يجب عليه ادخال الحمل الى المنزل متى كانت العادة تقضى بذلك وليس عليه أن يصعد به الا اذا شرط ذلك فى العقد وهكذا (٢) أما المستأجر فيجب عليه ان يكون انتفاعه بالعين المستأجرة فى حدود ما يخوله له العقد أو العرف دون تجاوز لذلك ويجب عليه باعتباره ذا يد عليها وهى فى يده أمانة المحافظة عليها كما يحافظ على أمواله وعلى ذلك يكون حكمه بالنظر الى ذلك حكم الوديع وعلى ذلك يكون ضامنا بالتقصير فى ذلك كما يضمن اذا تجاوز فى انتفاعه ما يخوله له العقد والعرف وكما يلزم بازالة ما أحدثه من الأوساخ أو تسبب من الأذى عن اهماله. وجاء فى التاج المذهب للزيدية: ولا يجب على المستأجر الانفاق على الدابة المستأجرة لا فى مدة الاجارة ولا فى مدة ردها بل كل ذلك على المالك كالحكم فى الوديعة والعارية فان شرط ذلك فسدت الاجارة لجهالة الأجرة حينئذ لاعتبار ذلك من الأجرة الا أن يبين ما ينفق عليها قدرا وجنسا لانتفاء الجهالة حينئذ (٣).

стр. 572

وجاء فى الشرح الكبير للدردير: ولا يجبر مؤجر كمالك دار على اصلاح احتاجت اليه الدار سواء أضر تركه بالساكن أم لا حدث بعد العقد أم لا وانما يكون للساكن الخيار وهو مذهب ابن القاسم ولو أنفق المستأجر فى ذلك حمل على التبرع واذا انقضت المدة خير المالك فى دفع قيمته منقوضا أو أمره بنقضه وهذا بخلاف ما لو تم ذلك بأذنه فيأخذه بقيمته قائما ان لم يقل فى اذنه ما صرفته عليه فعلى فيأخذ ما صرف عليه (١). كيف ينتفع المستأجر يجب أن يكون انتفاع المستأجر على وفق ما بين فى العقد وتم الاتفاق عليه فيه مع مراعاة العرف لأن الأمر المعروف كالمشروط ويلاحظ أن الرضا بما تم عليه العقد يعد رضا بما هو مثله وما هو خير منه وأقل ضررا بالعين المستأجرة وأن الاذن بالشئ اذن بما هو مثله أو دونه وهذا محل اتفاق بين المذاهب فى الجملة وبيان الحكم فى ذلك على التفصيل فيما يلى: مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن خلاف ما دل عليه العقد غير جائز وهو سبب لوجوب الضمان لأن مباشرته تعد غصبا وهو اما فى الجنس واما فى القدر واما فى الصفة واما فى المكان واما فى الزمان والخلاف من هذه الوجوه قد يكون فى استئجار الدواب وقد يكون فى استئجار العمال كالحائك والصباغ والخياط ما عدا المكان فان الخلاف فيه بالنسبة اليه لا يعد خلافا معتبرا. أما استئجار الدواب فالمعتبر فيه الخلاف فى الجنس والقدر والصفة فان كان الخلاف فى الجنس وكان ضرر الدابة فيه بالخفة والثقل اعتبر هذا الخلاف فاذا أدى الى ضرر أكثر ضمن القيمة اذا عطبت الدابة لأنه يصير غاصبا لها وان أدى الى ضرر مثل الضرر الأول أو دونه لم يضمن لأن الاذن بالشئ اذن بما هو مثله أو دونه فكان مأذونا بهذا الانتفاع دلالة. أما ان كان ضرر الدابة الناشئ عن الخلاف من وجه آخر كالخلاف فى القدر اعتبر هذا الخلاف من حيث الزيادة والنقص والجنس والثقل وأسس ضمانه على ذلك فاذا استأجر دابة لحمل عشرة أرادب من الشعير فحمل عليها عشرة أرادب من الحنطة فعطبت ضمن قيمتها لأن الحنطة أثقل من الشعير وهى من جنس آخر فلم يكن مأذونا فى ذلك أصلا وصار بذلك متعديا فيضمن كل قيمتها ولا أجر عليه لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان وبالعكس لا يضمن لما هو ظاهر من خفة الشعير وثقل الحنطة وقد استثنوا من عدم اجتماع الأجر والضمان مال اليتيم والمال الموقوف والمعد للاستغلال واذا استأجرها ليحمل عليها اردبين من الحنطة فحمل عليها مكيلا آخر ثقله كثقل الحنطة وضرره كضررها فعطبت لم يضمن لتساوى الوزن وتماثل الجنس واذا استأجر أرضا ليزرع فيها نوعا سماه فزرع غيره مساويا له فى الضرر بالأرض لم يضمن وهذا كله استحسان وهو قول أصحابنا الثلاثة والقياس ضمانه وهو قول زفر لأنه بالخلاف خرج عن الاذن فتحقق الغصب ووجه قول

стр. 573

الأئمة أن الخلاف الى المثل أو الى ما هو أدنى ضررا ليس خلافا معنى لأن الرضا بالشئ رضا بما هو مثله أو دونه ولو استأجر الدابة ليحمل عليها عشرة أرادب حنطة فحمل عليها اثنى عشر وسلمت فعليه ما سمى من الأجر ولا ضمان عليه وان عطبت ضمن جزأين من اثنى عشر جزءا من قيمة الدابة وهو قول عامة العلماء وقال زفر وابن أبى ليلى يضمن القيمة كلها لأن التلف حصل بالزيادة وهو فيها مخالف ووجه قول الأئمة أن التلف نتيجة الثقل وبعضه مأذون فيه وبعضه غير مأذون فيه فوجب قسمة القيمة على هذه النسبة ولو استأجر دابة ليحمل عليها مائة رطل من قطن فحمل عليها مثل وزنه حديدا أو أقل من ذلك فعطبت الدابة يضمن قيمتها لأن ما يصيب الدابة هاهنا من الضرر ليس بسبب الثقل بل بسبب الانبساط والاجتماع فالقطن ينبسط على ظهر الدابة والحديد لا ينبسط فكان الضرر به أشد فوجب الضمان ولو استأجرها ليركبها فحمل عليها أو ستأجرها ليحمل عليها فركبها حتى عطبت ضمن لأن الجنس قد اختلف وقد يكون الضرر فى أحدهما أكثر ولو استأجرها ليركبها فأركبها من هو مثله فى الثقل أو أخف منه ضمن لأن الخلاف هاهنا ليس من وجهة الخفة والثقل بل من حيث الحذق والعلم فان خفيف البدن اذا لم يحسن الركوب يضر بالدابة والثقيل الذى يحسن الركوب لا يضر بالدابة والثقيل الذى يحسن الركوب لا يضر بها فاذا عطبت علم أن التلف حصل من عدم حذقه بالركوب فضمن ولا أجر عليه لما قلنا .. ولو استأجرها ليركبها بنفسه فأركب معه غيره فعطبت فهو ضامن لنصف قمتها ولا يعتبر الثقل ها هنا لأن تلف الدابة ليس من ثقل الراكب بل من قلة معرفته بالركوب فصار تلفها بركوبها بمنزلة تلفها بجراحتها وركوب أحدهما مأذون فيه وركوب الآخر غير مأذون فيه فيضمن نصف قيمتها. وعليه الأجر لأنه استوفى المعقود عليه وزيادة على ذلك وهو اركاب غيره غير أن الزيادة استوفيت من غير عقد فلا يجب بها أجر وهذا اذا كانت الدابة تطيق اثنين فان كانت لا تطيقهما فعليه جميع قيمتها لأنه أتلفها باركاب غيره وأما الخلاف فى المكان فنحو أن يستأجر دابة للركوب أو للحمل الى مكان معلوم فيجاوزه وحكمه أنه بمجاوزته دخلت الدابة فى ضمانه حتى لو عطبت قبل العود الى المكان المأذون فيه ضمن كل القيمة ولو عاد الى المكان المأذون فيه وهى سليمة هل يبرأ عن الضمان ويعود الى الوفاق؟ كان أبو حنيفة أولا يقول يبرأ ويعود الى الوفاق كالمودع اذا خالف ثم عاد الى الوفاق وهو قول زفر ثم رجع أبو حنيفة عن ذلك وقال لا يبرأ حتى يسلمها الى صاحبها سليمة كالعارية بخلاف الوديعة. واذا استأجرها ليركبها الى مكان عينه فركبها الى مكان آخر ضمن اذا هلكت وان كان الثانى أقرب من الأول لأنه صار مخالفا لاختلاف الطرق فكان بمنزلة اختلاف الجنس ولا أجر عليه لما قلنا ولو ركبها الى ذلك المكان الذى عينه من طريق آخر فان كان الناس يسلكونه لا يضمن لأنه لا يصير بذلك مخالفا لاعتياد الناس سلوكه وان كانوا لا يسلكونه ضمن اذا هلكت لصيرورته غاصبا بسلوكه واذا لم تهلك وبلغ الموضع المعلوم ثم رجع وسلم الدابة الى صاحبها فعليه الأجر.

стр. 574

وأما الخلاف فى الزمان فكأن يستأجر دابة ليركبها أو يحمل عليه مدة معلومة فزاد عليه فعطبت فى يده فانه يضمن لأنه يصير غاصبا بالزيادة عن المدة. ذلك فى استئجار الأعيان أما استئجار العمال فالخلاف ان كان فى الجنس بأن دفع ثوبا الى صباغ ليصبغه لونا فصبغه لونا آخر فصاحب الثوب بالخيار ان شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض وسلم الثوب للأجير وان شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد الصبغ فيه ان كان الصبغ مما يزيد. أما خيار التضمين فلفوات غرضه لأن الأغراض تختلف باختلاف الألوان فله أن يضمنه قيمة ثوب أبيض لأنه فوت عليه منفعة مقصودة فصار متلفا للثوب عليه فكان له أن يضمنه وله أن يأخذ الثوب ان شاء لأن الضمان وجب حقا له فكان له أن يسقطه ولا أجر له لأنه لم يأت بما وقع عليه العقد رأسا حيث لم يوف بالعمل المعقود عليه فلا يستحق الأجر كالغاصب اذا صبغ الثوب المغصوب أخذه المغصوب منه وأعطى ما زاد الصبغ فيه ان كان الصبغ مما يزيد لأنه عين مال قائم بالثوب فلا سبيل الى أخذه بالمجان وان كان الصبغ مما لا يزيد فيه لم يعطه شيئا بل يضمنه نقصان الثوب ان ترتب على ذلك نقص فى قول أبى حنيفة، ولو دفع الى خياط ثوبا ليخيطه قميصا بدرهم فخاطه قباء فان شاء ضمنه قيمة الثوب وان شاء أخذ القباء وأعطاه أجر مثله لا يجاوز به المسمى وذلك لأن القباء والقميص مختلفان فى الانتفاع فصار مفوتا لمنفعة مقصودة وذلك يعد اتلافا للثوب فكان له التضمين بسبب ذلك وله أن يأخذه ويعطيه أجر مثله. وان كان الخلاف فى الصفة بأن دفع الى صباغ ثوبا ليصبغه بصبغ مسمى فصبغه بصبغ آخر من نفس لون المسمى فلصاحب الثوب أن يضمنه قيمته أبيض ويترك له الثوب وأن يأخذ الثوب ويعطيه أجر مثله لا يجاوز به ما سمى. أما ثبوت الخيار فلما ذكرنا من الخلاف فى الجنس وانما وجب الأجر ها هنا لأنه خلاف فى الصفة وذلك لا يخرج العمل من أن يكون معقودا عليه فقد أتى بأصل المعقود عليه الا أنه لم يأت بوصفه فمن حيث أنه لم يأت بوصفه المأذون فيه لم يجب المسمى ومن حيث أنه أتى بالأصل وجب أجر المثل لا يجاوز به المسمى لأن هذا شأن أجر المثل. وهكذا عند ثبوت الخلاف فى الصفة دون الأصل. وان كان الخلاف فى القدر وذلك نحو ما ذكره محمد فى الأصل. فى رجل دفع غزلا الى حائك لينسجه له سبع أذرع فى أربع فخالف بالزيادة أو بالنقصان فان خالف بالزيادة فان صاحب الغزل بالخيار ان شاء ضمن النساج مثل غزله وترك له الثوب وان شاء أخذ الثوب وأعطاه الأجر المسمى. وان كان الخلاف بالنقصان ففيه روايتان ذكر فى الأصل أن له أن يأخذه ويعطيه من الأجر بحسابه لأن العقد وقع على عمل مقدر ولم يأت الا ببعضه وذكر فى رواية أخرى أن عليه أجر المثل لأنه لما نقص فى القدر فقد فوت الغرض المطلوب من الثوب فصار كأنه عمل باجارة فاسدة (١).

стр. 575

مذهب المالكية: ويرى المالكية أنه يجوز للمستأجر فعل المستأجر عليه ومثله ودونه قدرا وضررا لا أكثر ولو كان أقل ضررا كما لا يجوز له أن يفعل ما كان دونه قدرا ولكنه أكثر ضررا فان خالف ضمن وهذا فى الحمل والركوب - أما فى المسافة فلا يفعل المساوى مسافة لاختلاف الطرق وكذا لا يفعل ما هو أقل مسافة لاختلاف الطرق كما لا يجوز أن يركبها لبلد آخر وان كانت مسافتها مساوية فى البعد والسهولة والصعوبة لما فى ذلك من فسخ ما فى الذمة وهو الأجرة المستحقة بالعقد فى مؤخر وهو السير الى بلد آخر ولأن أحوال الطرق تختلف بالنظر الى ما قد يلابسها من خوف الأعداء والغصاب وقد يكون الاعتداء موجها الى رب الدابة فان فعل شيئا من ذلك عد غاصبا فيضمن بالتلف ولو لأمر سماوى، والفرق بين المخالفة فى الحمل والمسافة اذ عد فعل المساوى فى المسافة تعديا دون الحمل هو أن المسافة تختلف فيها الاغراض ورب مسافة تظن فيها السلامة وهى فى الواقع ليست كذلك - على أن فعل ما هو أقل مسافة لا يعد مخالفة ولا تعديا عند بعض المالكية (١). وخلاصة القول فى أحكام التعدى والمخالفة ما ذكره الباجى فى شرحه على الموطأ فى كراء الدابة يتعدى فيه المكترى عقد الكراء أن لرب الدابة أن يأخذ كراء دابته الى الموضع الذى تعدى اليه مع الكراء المسمى المتفق عليه فيكون له الكراء المسمى مع كراء الزيادة فى المسافة بالغا ما بلغ ويسترد دابته ان أحب وان أحب كانت له قيمة دابته من المكان الذى تعدى منه المكترى مع الكراء الأول ذلك لأنه لما تعدى بالدابة وتجاوز المكان الذى اكترى اليه الى مكان بعيد عنه لا يتساهل فيه عرفا ثبت له حكم التعدى ولحقه الضمان وذلك على قسمين: أحدهما أن يرد الدابة على حالها - ثانيهما - ان يردها وقد تغيرت. فان ردها على حالها وقد أمسكها فى تعديه امساكا يسيرا - اليوم ونحوه أو البريد والبريدين فلا ضمان عليه وانما لمالكها كراؤها فى أيام التعدى مع الكراء الأول قاله مالك وأكثر أصحابه لأن الدابة اذ لم يؤثر فيها التعدى لا فى عين ولا فى قيمة ولا فى فوات أسواق لم يلزمه ضمانها وعليه قيمة كرائها فى الأيام الزائدة رواه ابن القاسم عن مالك فى المدونة وان حبسها الأيام الكثيرة شهرا ونحوه كما فى الواضحة. وقال اصبغ كحول - فصاحبها مخير بين الكراء المسمى مع كراء ما تعدى بحبسها فيه من الزمن وبين الكراء المسمى مع قيمة دابته قاله ابن حبيب فى الواضحة وقاله ابن القاسم فى المدونة ذلك لأنه قد غصبه منافع الدابة ومن منافعها بيعها فى أسواقها وقد فات ذلك عليه فيها فكان عليه قيمتها لأن ذلك بمنزلة بيعها. وان رد الدابة وقد تغيرت فان كان التغير شديدا ولم يمسكها الا أياما يسيرة فلا شئ لرب الدابة غير كرائها فى تلك الأيام وهو مخير بين أخذ كرائها المسمى وبين أخذ قيمتها - ذلك حكم التعدى فى المسافة أما التعدى فى زيادة الثقل والحمل فعلى وجهين

стр. 576

أحدهما الزيادة فيه من جنسه وثانيهما حمل غير الجنس ففى الحال الأولى اذا كانت الزيادة يسيرة لا تعطب بمثلها الدابة عادة فلا ضمان عند عطبها اذ لا يعد مثل هذا مخالفة وان كانت عظيمة بمثلها يحصل العطب فلصاحب الدابة الكراء المسمى وكراء الزيادة بالغا ما بلغ أو قيمة الدابة يوم التعدى فقط دون الكراء فهو مخير فى ذلك وان كان لا يعطب بمثلها فليس له الا الكراء المسمى وكراء الزيادة وقال سحنون اذا زاد فى الحمل ولو رطلا واحدا ضمن وفى الحال الثانية فان كانت مضرة المخالفة كمضرة ما تكارى عليه فلا ضمان اذ الرضى بما تكارى عليه يعد رضا بمثله وبما دونه وان كانت أشد ضررا فعطبت الدابة ضمن - وفى الركوب يعد مخالفا متعديا اذا أركب من هو أثقل منه أو غير مأمون وبذلك يصير ضامنا وعلى هذا الأساس يمكن التطبيق فى غير ذلك من صور المخالفة مع ملاحظة أن ذلك هو الحكم فى كل اجارة غير صحيحة وأن الأجر الواجب فيها هو أجر المثل بالغا ما بلغ (١). مذهب الشافعية: يعتبر فى الاستيفاء العرف فتستوفى المنفعة التى بينت فى العقد مع مراعاة العرف فى صفتها وفيما تقيد به فاذا استأجر ثوبا يلبسه لم يلبسه وقت نومه اذ العرف يقضى بهذا وللمكترى استيفاء المنفعة لنفسه وبغيره الأمين لأنه قد ملكها بالعقد فلو شرط عليه المكرى استيفاءها بنفسه فسد العقد كما لو شرط على المشترى ألا يبيع ما اشتراه وعلى ذلك له الركوب والسكنى ويركب ويسكن مثله فى الضرر الذى يلحق العين ومن كان دونه فى ذلك من طريق أولى لأن ذلك يعد استيفاء للمنفعة من غير زيادة وليس له أن يسكن فى الدار حدادا ولا قصارا اذا لم يكن قد استأجرها لذلك لنفسه دون شرط منه بذلك وعليه لا يجوز ابدال ركوب بحمل ولا حديد بقطن ولا قصار بحداد وكذلك العكس وان قال أهل الخبرة بعدم تفاوت الضرر لأن جواز ذلك عند اتحاد الجنس لا عند اختلافه ولذا يضمن المستأجر لو اكترى لحمل مائة رطل حنطة فحمل مائة من الشعير أو عكس لاختلافهما حجما لسبب اختلافهما كثافة فيختلف محلهما فكان الضرر مختلفا وكذلك حكم كل مختلف الضرر كحديد وقطن ويضمن لو اكترى لحمل مقدار من الشعير كيلا فحمل مثله حنطة لأنها أثقل دون العكس أو اكترى لحمل مائة فحمل مائة وعشرين وحينئذ يلزمه المسمى مع أجر مثل الزائد (٢). ويجوز الابدال فيما تستوفى به المنفعة كثوب يخاط بدل ثوب آخر مثله فى الأصح وان امتنع الأجير لأن ذلك وسيلة الى الاستيفاء وليس معقودا عليه حتى يكون له حق الامتناع فأشبه الراكب فى الدابة والمتاع فى الحمل والقول الثانى. المنع ومحل الخلاف فى الابدال بلا اتفاق على معاوضة أما بطريق المعاوضة فجائز قطعا كما يجوز لمستأجر دابة أن يعاوض عنها بسكنى دار - وابدال المستوفى فيه كطريق بمثلها مسافة وسهولة وصعوبة وأمنا جائز بشرط ألا

стр. 577

يختلف محل التسليم اذ لا بد من بيان موضعه لصحة الاجارة ولو استأجر دابة ليركبها الى محلة ليس عليه ردها حيث تسلمها بل يسلمها فى المحلة اليه أو الى وكيله أو الحاكم أو الأمين فان لم يجد ردها للضرورة وحاصل ما مر أنه يجوز ابدال المستوفى كالراكب والمستوفى به كالمحمول والمستوفيه كالطريق بمثلها أو دونها ما لم يشترط عدم الابدال فى المحمول والطريق بخلاف الأول لأنه من المكرى يفسد العقد لا من المكترى (١). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى. أن من استأجر عقارا للسكنى فله أن يسكنه وأن يسكن فيه من شاء ممن يقوم مقامه فى الضرر أو دونه وأن يضع فيه ما جرت عادة الساكن بوضعه فيه مما لا يضر به ولا يسكن ما يضر به كحداد وقصار ولا يجعله حظيرة للدواب ولا أن يرفع على سقفه شيئا ثقيلا وهكذا يجتنب كل ما يعده العرف مخالفة والى هذا ذهب الشافعى وأصحاب الرأى ولا نعلم فيه خلافا واذا اكترى دارا جاز فيها اطلاق العقد دون حاجة الى ذكر السكنى وصفتها وهذا قول الشافعى وأصحاب الرأى وقال أبو ثور لا يجوز حتى يبين من يسكنها ولنا أن الدار لا تكترى الا للسكنى فاستغنى عن ذكرها بما هو معروف والتفاوت فى السكنى يسير فلم يحتج الى ضبطه. واذا اكترى ظهرا ليركبه فله ان يركبه مثله ومن هو أخف منه دون من هو أثقل منه لأن العقد اقتضى استيفاء منفعة مقدرة بذلك الراكب فلا يزاد عليها لا يملك أكثر مما عقد عليه ولا يشترط التساوى فى الطول والقصر ولا الحذق فى الركوب وقال القاضى يشترط التساوى فى هذه الأوصاف كلها لأن قلة المعرفة بالركوب تضر بالدابة ولنا أن التفاوت فى هذه الأمور بعد التساوى فى الثقل يعد يسيرا معفوا عنه ولهذا لا يشترط ذكره فى الاجارة فان شرط ألا يستوفى المنفعة بمثله ولا بمن هو دونه فقياس قول أصحابنا صحة العقد وبطلان الشرط ويحتمل أن يصح الشرط والعقد لأن المستأجر انما يملك المنفعة من جهة المؤجر فلم يملك ما لم يرض به وقد يكون له غرض فى هذا التخصيص وقالوا فى الوجه الآخر أن الشرط يبطل لمنافاته لموجب العقد اذ موجبه ملك المنفعة وذلك يقتضى استيفاءها بنفسه وبغيره وهل يبطل العقد بهذا الشرط فيه وجهان أصحهما أن لا يبطله لأنه لا يؤثر فى حق المؤجر نفعا ولا ضررا فألغى لذلك وبقى العقد على مقتضاه والآخر يبطل به لأنه ينافى مقتضاه فأشبه ما لو شرط على المستأجر أن لا ينتفع وكل عين استأجرها لمنفعة فله أن يستوفى مثل تلك المنفعة أو ما دونها فى الضرر قال أحمد اذا استأجر دابة ليحمل عليها تمرا فحمل عليها حنطة أرجو ألا يكون فيه بأس اذا كان الوزن واحدا فان كانت المنفعة التى يستوفيها أكثر ضررا أو مخالفة للمعقود عليها فى الضرر لم يجز لأنه يستوفى حينئذ أكثر من حقه أو غير ما يستحقه فاذا اكترى دابة ليحمل عليها قطنا لم يحمل عليها حديدا وكذلك العكس. وان اكتراها للركوب لم يجز له الحمل وان اكتراها للحمل لم يجز له الركوب لأن الراكب يقعد

стр. 578

فى موضع واحد فيشتد على الظهر والمتاع يتفرق على جنبيه وان اكترى دابة ليركبها فى مسافة معلومة أو يحمل عليها فى مسافة معينة فأراد العدول بها الى ناحية أخرى مثلها فى القدر هى أضر منها أو تخالفها ضررا بأن تكون احداهما آمن والأخرى أخوف لم يجز وان كانت مثلها فى السهولة والصعوبة والأمن فاذا كانت التى يعدل اليها أقل ضررا فقد ذكر القاضى أنه يجوز فأشبه المحمول اذا تغير نوعه والراكب ويقوى عندى أنه متى كان للمكترى غرض فى تلك الجهة المعينة لم يجز العدول الى غيرها مثل أن يكرى جمله الى مكة ليحج معه فلا يجوز للمكترى أن يذهب به الى غيرها ثم ذكر فروعا أخرى عديدة طبق الحكم فيها على الأصل السابق (١). مذهب الزيدية: يرى الزيدية أنه يجوز للمستأجر فعل المساوى ضررا والأقل ضررا وان عين غيره فمن استأجر عينا لمنفعة معينة فله أن يستعملها فى غير تلك المنفعة اذا كانت المضرة التى يؤدى اليها ذلك الاستعمال مثل مضرة ما عين من المنفعة أو دونها فان شرط فيها ألا يستوفى الا تلك المنفعة دون ما يساويها وما هو دونها فسدت الاجارة اذا كان ذلك الشرط من المؤجر حال العقد ولا تفسد اذا كان من المستأجر أو كان بعد العقد مطلقا والمذهب أن العقد يصح ويلغو الشرط ويجوز للمستأجر أن يستعمل الدار مراعيا العرف فى ذلك دون ما يقضى العرف بتجنبه (٢). وجاء فى التاج المذهب أيضا (٣) ما خلاصته. واذا حمل المستأجر على الدابة المستأجرة غير الحمل الذى ذكره فى العقد أو سلك بها طريقا آخر غير المعين فى العقد فانه لا يضمن بالمخالفة اذا كانت الدابة متعينة أما اذا عين المحمول فلا يحمل على الدابة غيره ولو دونه وذلك لأنه لم يملك بالعقد الا منفعة معينة هى منفعة حمل هذا المحمول وانما لم يضمن للمخالفة بحمل مثل الحمل الذى بين فى العقد وزنا أو يسير مثل المسافة التى بين فى العقد قدرها اذا تحققت المماثلة فى الصفة كالخشونة والصلابة والصعوبة والسهولة والخوف والأمن لعدم اعتبار ذلك مخالفة عرفا أما اذا زاد فى القدر أو الصفة بما يؤثر فى الدابة عادة فتلفت فى يده بعد الحمل ضمن قيمتها كلها ولزمه الأجرة المتفق عليها أيضا سواء تلفت بالزيادة أم بغيرها اذ قد صار بالمخالفة متعديا فلا يعد بعد ذلك أمينا ولو زاد التعدى ويلزم المستأجر مع المخالفة المؤثرة أجرة ما زاد مراعى فى ذلك أجرة المثل فى تلك الزيادة - ويلاحظ أن محل ذلك اذا كان الذى فعل ذلك هو المستأجر أما اذا فعله المالك أو فعل بأمره فلا ضمان على المستأجر ولو كان المالك جاهلا بالزيادة، واذا حملها المالك ولكنه لم يسق الدابة وانما ساقها المستأجر أو ساقاها معا فالضمان على المستأجر ولو شارك المالك المستأجر فى التحميل كان الضمان عليهما مناصفة وكذلك أجر الزيادة.

стр. 579

مذهب الإمامية: أجازوا لمن استأجر عينا أن يؤجرها غيره ممن يساويه أو هو دونه فى استيفاء المنفعة ما لم يشترط عليه المالك عدم ذلك قبل تسليم العين وسواء فى ذلك أن يكون للمؤجر أو غيره ولو شرط المؤجر عليه استيفاء المنفعة بنفسه لم يجز له أن يستوفيها بغيره وضمن اذا ما فعل واذا استأجر دارا جاز اطلاق العقد ولا يجب ذكر السكنى ولا صفتها عملا بالعرف وجاز أن يسكنها بنفسه وعياله وان لم يذكر ذلك فى العقد وأن يسكنها غيره ممن يقوم مقامه فى الضرر أو دونه على الوضع الذى تجرى به العادة ولا يسكنها من هو أضر منه كالحداد ولو اكترى ظهرا ليركبه جاز له أن يركبه غيره ممن هو أخف منه ولا يركبه الأثقل ولا يشترط التساوى فى الطول والقصر والمعرفة بالركوب وليس للمالك منعه من ذلك ولو شرط فى العقد اختصاص المستأجر باستيفاء المنفعة لزم الشرط (١) - وذكروا أيضا أنه اذا استأجر دابة لمنفعة كان له أن يستوفى تلك المنفعة أو ما يساويها أو ما هو دونها فلو استأجرها لحمل شئ معلوم جاز له أن يحملها ما يساويه فى المقدار والضرر ولو استأجر دابة لحمل حديد لم يجز له أن يحمل قطنا وكذلك العكس ولو استأجرها للركوب أو للحمل فى مسافة معينة لم يجز أن يسلك بها اليها فى غيرها سواء كان أكثر ضررا اما لخوف وصعوبة أو أقل ولو فعل ضمن وهل يجب الأجر المسمى مع الزيادة ان كانت أو يجب أجر المثل؟ فيه نظر. ولو استأجرها للركوب أو للحمل الى غاية فتجاوزها كان عليه المسمى وأجر المثل على الزائد ويضمن من حين التعدى ولا خيار للمالك مع بقائها بين مطالبته بالأجرة وبالقيمة يوم التعدى وان بعدت مسافة التجاوز ولا فرق فى الضمان بين أن يكون التلف فى الزيادة أو بعد ردها الى المسافة المتفق عليها وهذا اذا كان صاحبها غائبا فان كان حاضرا ولم يعترض حتى تعدى فيها لم تكن مضمونة لبقاء يد صاحبها عليها ولو استأجرها لحمل شئ فزاد عليه وجب المسمى وأجر المثل للزائد ويلزمه الضمان (٢). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل: انه اذا اكترى دابة لعمل مخصوص فلا يعمل غيره وكذا ان عين مقدار ما يحمل عليها كهذا الطعام (٣) وجاء فيه أيضا ومن أكرى دابة ليركبها أحد فلا يجوز الا اذا سماه وقيل يجوز ويركب عليها المكترى من أراد صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى وان كراها ليركبها هو فلا يجوز له أن يركب عليها غيره وقيل يركب عليها من كان مثله أو أقل منه وان كراها لركوب رجل مقصود اليه فسمن فزاد فى الثقل أو مرض فخف وزنه فله الكراء وليس له أن يقاتل عليها ولا أن يصيد بها ولا أن يقف عليها ولا أن يضطجع (٤).

стр. 580

وجاء فى الايضاح (١). واذا اكترى رجل دابة ليحمل عليها متاعا معروفا الى بلد معين فأراد صاحب المتاع أن يحمل عليها غيره بقدره فله أن يحمل عليها مثل متاعه بالمكيل ان كان مما يكال أو بالوزن ان كان مما يوزن وما أشبه ذلك ولو اختلف العوض والمعوض كالقطن والرصاص لم يجز حتى يكون البدل مما يماثله أو أسهل منه أو أخف منه ضررا وكذلك الحال فى الركوب. رد العين المستأجرة الى مالكها مذهب الحنفية: اذا انتهت مدة الاجارة وجب على المستأجر أن يسلم العين المستأجرة الى مؤجرها عند طلبه فاذا منعها عنه بعد طلبها وبعد انتهاء مدة الاجارة كان بمنعه هذا متعديا وعد غاصبا فاذا هلكت ضمن قيمتها سواء أكان هلاكها بتعد منه أم لم يكن له يد فيه. أما اذا لم يطلبها مالكها من المستأجر فلا ضمان عليه ببقائها تحت يده وهلاكها عنده فى هذه الحال الا اذا كان هلاكها لتعد أو لتقصير منه ذلك لأن رد العين المستأجرة وما يتطلبه من نفقات لا يجب على المستأجر ولكنه يجب على المالك فعليه أن يحضر بعد انتهاء مدة الاجارة ليتسلمها من المستأجر وذلك أمر يقتضيه ملكه. واذا كانت العين المستأجرة أرضا مشغولة بالزرع ولم يحن أوان استحصاده أو بشجر مثمر لم ينضج ثمره. وانتهت مدة الاجارة كان للمستأجر استبقاؤها الى ان يستحصد الزرع وينضج الثمر وكان عليه أجر المثل فى مدة استبقائها دفعا للضرر عن الطرفين أما اذا كانت مشغولة ببناء أو بشجر غير مثمر فانه يجب على المستأجر هدم البناء وقلع الشجر ان لم يضر ذلك بالأرض فان أضر بها كان لمالكها أن يتملكه جبرا عن المستأجر بقيمته مستحق القلع. واذا استأجر دابة من موضع مسمى فى المصر ليركبها الى مكان معلوم ذاهبا وآيبا كان على المستأجر أن يأتى بها الى ذلك الموضع الذى تسلمها فيه لأن انتهاء الاجارة يكون بوصوله الى هذا الموضع فعليه أن يأتى بها اليه ليتسلمها فيه المؤجر فان أتى بها الى غير ذلك المكان وأمسكها فيه كان ضامنا اذ ليس على المؤجر أن يذهب الى غير مكان العقد لتسلمها وانما عليه أن يتسلمها فى مكان العقد ولو قال المؤجر للمستأجر اذا انتهت الاجارة فرد العين الى منزلى وعلى نفقات ردها لم يجب ذلك على المستأجر واذا قام به كان متفضلا (٢). مذهب المالكية: فى التبصرة (٣) ما نصه: ويضمن مستأجر الدابة ان حبسها عن صاحبها بعد مدة الاجارة مثل أن يحبسها الشهر ونحوه لا ان حبسها شيئا يسيرا وربها مخير حين حبسها الشهر ونحوه بين أخذ كرائها مدة حبسها أو أخذ قيمتها يوم التعدى بحبسها اذا هلكت واذا ضاعت أو ضلت فأدى المستأجر جعلا لمن جاء بها فالجعل على صاحبها - وهذا

стр. 581

بظاهره يدل على أن مذهب المالكية يتفق مع مذهب الحنفية فى حكم رد العين المستأجرة الى مالكها بعد المدة فى أنه على المالك بدليل وجوب الجعل عليه وبدليل تعبيرهم بحبسها اذ لا يتحقق الحبس الا مع طلب المالك. مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج: لو اكترى دابة ليركبها الى محل معين فليس عليه ردها بل يسلمها الى وكيل المالك هناك والا فعلى الحاكم ثم الى الابن فان لم يجده ردها للضرورة وليس لمستأجر العين أن يسافر بها بعد انتهاء الاجارة وسفره بها بعد انتهائها يوجب ضمانه ان لم تدع اليه الضرورة كما فى سفر الوديع بالوديعة وهى أمانة فى يده بعد انتهاء الاجارة كما كانت أثناءها على الأصح استصحابا لحكمها ولأنه لا يلزمه بعد انتهاء الاجارة الا التخلية بينها وبين مالكها ولا يلزمه الرد ولا مؤنته ومقابل الأصح أنه يضمن لأن الاذن له بالامساك كان مقيدا بالعقد وقد زال وكان قبضها لمصلحة نفسه فأشبه المستعير وعلى القول الأول لا يجب على المكترى اعلام المكرى بتفريغ العين كما هو مقتضى كلامهم بل الشرط ألا يستعملها ولا يحبسها وان لم يطلبها صاحبها فلو أغلق الدار أو الحانوت بعد تفريغه لزمته أجرة المثل فيما يظهر فقد صرح البغوى فيمن استأجر حانوتا شهرا فأغلق بابه وغاب شهرين لزمه المسمى للشهر الأول وأجرة المثل للشهر الثانى وذلك لأن امساكها مع الاغلاق يعد استعمالا لها حيث حال بين الحانوت ومالكه باغلاقه وقد قال الشيخ القفال فيمن استأجر دابة يوما فبقيت عنده ولم ينتفع بها ولا حبسها عن مالكها لا يلزمه أجرة المثل لليوم الثانى لأن الرد ليس واجبا عليه وانما عليه التخلية اذا طلبها مالكها بخلاف الحانوت لأن احتباس مفتاحه مع غلقه حبس له فوجب عليه الأجر (١). وفى هذا دليل على أن حكم رد العين الى مالكها عند الشافعية كحكمه عند الحنفية والمالكية. مذهب الحنابلة: أنه اذا انقضت مدة الاجارة أو استوفى العمل من العين المستأجرة وجب رفع المستأجر يده عنها ولم يلزمه ردها ولا مؤنته كالوديع على المذهب. لأن عقد الاجارة لا يقتضى الضمان ولا يقتضى الرد ولا مؤنته وهو كمرتهن أدى دينه فلا يلزمه رد الرهن الى ربه ولا مؤنته وتكون العين بعد انقضاء مدة الاجارة أمانة فى يد المستأجر كما كانت كذلك قبل انتهائها فان تلفت قبل ردها فلا ضمان الا اذا كان التلف بتعد أو تفريط (٢). مذهب الزيدية: يجب رد العين المستأجرة بعد انقضاء مدة الاجارة على من استأجرها الى موضع قبضها لا الى موضع العقد الا اذا شرط ذلك فيه وهذا اذا كانت منقولة فان كانت عقارا فالواجب التخلية فورا ليتمكن المالك من ملكه ومثل الأجير المستعير فى وجوب الرد ما لم يشترط عدمه لا الوديع فلا يجب عليه الرد واذا لم يرد المستأجر العين المستأجرة

стр. 582

ان كانت منقولة أو يخليها ان كانت دارا بعد انتهاء الاجارة ضمنها ولزمه أجر مثلها من يوم انقضاء المدة وان لم ينتفع لأنه صار غاصبا الا أن يترك الرد لعذر فانه لا يضمن العين ولا أجرتها ومؤنة الرد على المستأجر وعليه تفريغ الأرض من جذور زرعه ليردها فارغة (١). مذهب الإمامية: جاء فى تحرير الأحكام (٢) العين المستأجرة أمانة فى يد المستأجر لا يضمنها الا بتعديه أو بتقصيره واذا انقضت مدة الاجارة وجب عليه رفع يده وليس عليه الرد الا مع المطالبة ولا يضمنها بعد المدة بدون تفريط ولو طلبها صاحبها بعد المدة وجب عليه ردها مع المكنة فان امتنع ضمنها وعليه أجرة المثل مدة الامساك وان لم يستعملها - ولو شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين لم يصح الشرط. مذهب الإباضية: على المستأجر أن يسعى فى ايصال العين الى ربها ان لم يكن لها حمل ولا مؤونة والا لم يجب عليه ذلك وانما يجب عليه الحفظ حتى يحضر ربها لأخذها فان ضاع بلا تضييع لم يلزمه ضمانه قال شارح النيل وعندى أنه لا يضمن ان تلف بلا تضييع ولو لم يكن له مؤونة اذ لا يلزمه ايصاله الا ان كان ربه لا يعلم انه قد تم عمل المستأجر (٣). التصرف فى العين المستأجرة التصرف فى العين المستأجرة قد يكون تصرفا فيها بالبيع والهبة والوصية والوقف والرهن وقد يكون تصرفا فى منفعتها وذلك بالاجارة والاعارة والوصية. والتصرف فيها بالبيع والهبة والوصية والوقف والرهن انما يعتمد الملك ولذا لا يملكه الا مالكها وذلك ما ليس محلا للخلاف بين المذاهب وعليه اذا صدر من مستأجرها أى تصرف من هذه التصرفات فانه يكون صادرا من غير ذى ولاية وكان المستأجر فيه فضوليا يطبق عليه أحكام الفضولى راجع مصطلح «فضولى». أما اذا صدر من مالك العين فباع العين المستأجرة مالكها فان هذا البيع يمس ما تعلق به من حق لازم هو حق المستأجر وعلى ذلك لا يستطيع تسليمها الى مشتريها دون مساس بحق المستأجر ولذا يقع العقد صحيحا موقوفا على اجازة المستأجر أو سقوط حقه بانتهاء الاجارة فان أجازه نفذ وكذلك اذا انتهت الاجارة بسبب من أسباب انتهائها فان لم يوجد شئ من ذلك لم يكن للمستأجر ولا للبائع حق فسخه وانما يجوز للمشترى فى هذه الحال أن يفسخه عند أبى حنيفة ومحمد سواء أقدم على الشراء وهو عالم بالاجارة أم أقدم عليه وهو غير عالم بها وذهب أبو يوسف الى أنه ان أقدم على الشراء عالما بالاجارة لم يكن له حق الفسخ ولزمه أن ينتظر حتى تنته مدة الاجارة وان أقدم عليه غير عالم كان له الخيار فى الفسخ وفى الانتظار الى انتهاء مدة الاجارة (٤).

стр. 583

وان كان البيع للمستأجر انفسخت الاجارة بتمامه لتملكه ما يستأجر وكذلك الحكم فى الهبة فاذا وهب المالك ما أجره وكانت هبته للمستأجر انفسخت الاجارة بقبوله الهبة لتمامها لأن العين فى يده وان كانت لآخر لم يكن من الميسور تسليمها اليه لتعلق حق المستأجر بها وهو حق لازم فيتوقف تمامها ونفاذها على تسليمها الى الموهوب له بعد انتهاء الاجارة ولأنها عقد غير لازم فلكل من الواهب والموهوب له فسخها. أما التصرف فيها بالوصية فهو تصرف صحيح لا يمس حق المستأجر اذ ليس للوصية أثر الا بقبول الموصى له بعد وفاة الموصى وفى هذا الوقت تكون الاجارة قد انتهت بوفاة المؤجر الموصى. واقدام المالك على وقف العين المستأجرة لا يحول دون صحة وقفها ولزومه عند أبى يوسف لأنه لا يتوقف عنده على التسليم وانما يتوقف استحقاق المستحق على اجازة المستأجر أو انتهاء الاجارة خلافا لمحمد اذ يتوقف لزوم الوقف عنده على تسليم العين الموقوفة الى المولى وذلك ما يمنع منه حق المستأجر فلا بد من الانتظار حتى تنته الاجارة أو يجيز المستأجر ثم تسلم العين ليلزم الوقف - وكذلك الحكم فى رهن المالك ما أجره للغير لتوقف لزوم الرهن على تسليم العين المرهونة الى المرتهن وذلك ما يمنع منه حق المستأجر فلا بد من اجازته أو انتهاء الاجارة ثم تسليم العين المرهونة الى المرتهن واذا افتكها الراهن وجب عليه التسليم الى المشترى ويلاحظ أن الهبة أو الرهن اذا كانا للمستأجر فان الاجارة تنفسخ بقبوله الهبة أما الرهن له فلا يمس حقه وليس ما يمنع أن تكون لديه مرهونة مستأجرة (١) - أما تصرف مالك العين المستأجرة فى منفعتها فان كان بالوصية فانه لا يمس حق المستأجر لأنه لا أثر له الا بعد انتهاء الاجارة بوفاة المؤجر الموصى ولذلك ينفذ بقبول الموصى له الوصية وان كان بالاجارة أو بالاعارة فان نفاذه يتوقف على اجازة المستأجر لمساسه بحقه فاذا أجاز انتهت الاجارة والا بقيت الاجارة الى انتهاء مدتها دون أن يكون لتصرف المالك بذلك أثر فى استمرارها وأما اذا كان التصرف فى منفعة العين المستأجرة صادرا من المستأجر فان الحكم فيه يختلف باختلاف حال المنفعة التى هى محل عقد الاجارة ذلك لأن من المنافع ما يختلف باختلاف المنتفع بها كركوب الدابة ولبس الثياب ومنها ما لا يختلف باختلاف المنتفع كالقراءة فى الكتب وركوب القطار وعند تملك هذين النوعين بعقد الاجارة قد ينص فيه على المنتفع فيهما وقد ينص على التعميم وعدم التقيد بمنتفع مخصوص وقد لا يتعرض للنص فيه لشئ من ذلك. ويرى الحنفية أنه اذا نص فى عقد الاجارة على المنتفع وكانت المنفعة مما تختلف باختلافه فاستؤجرت الدابة على أن يركبها فلان فان المستأجر يتقيد به فليس له أن يمكن غيره من ركوبها سواء أكان ذلك باجارة أم باعارة أم باباحة واذا فعل ذلك كان مخالفا وعد غاصبا فاذا هلكت الدابة عند ذلك كان ضامنا وليس عليه أجر لقاء هذا الانتفاع وان سلمت الدابة الا أن يكون قد انتفع

стр. 584

انتفاعا مأذونا فيه وصاحبه ما لم يؤذن به بأن أردف من يستمسك بنفسه مثلا وهلكت الدابة بعد ذلك فان عليه الأجر المسمى لقاء ما انتفع وعليه ضمان نصف قيمة الدابة لخروجه عن الأمانة بمخالفته وانما لم يلزمه أجر فى الحال الأولى لأنه قد صار غاصبا بانتفاعه وهو مخالف. ومنافع المغصوب غير مضمونة وان لم يترتب على ذلك هلاكها لأنه يصير فى هذه الحال ضامنا ولا يجتمع عند الحنفية أجر وضمان وانما لزمه الأجر فى الحال الثانية لانتفاعه بمقتضى العقد ووجب ضمان نصف القيمة لركوب غيره معه فان ضمن المالك المستأجر لم يرجع بشئ على الرديف لأنه جزاء مخالفته وان ضمن الرديف رجع على المستأجر اذا كان مستأجرا من المستأجر لأنه قد غره ولا يرجع عليه بشئ اذا كان ركوبه بطريق الاعارة أو الاباحة اذ لم يكن بينهما عقد يقتضى السلامة، واذا كان الهلاك قبل بلوغ الغاية لم يجب عليه من الأجر المسمى الا بحسب ما انتفع (١). وان نص فى العقد على التعميم أو أطلق تعين المنتفع بأول من ينتفع بها وكأنه قد شرط فى العقد ألا ينتفع بها سواه وعليه فالحكم كما تقدم ووجه ذلك انه عند الاطلاق تكون الاجارة فاسدة ففى الثانى اذا استأجر دابة للركوب ولم يسم من يركبها لا تصح الاجارة كما اذا استأجر ثوبا للبس ولم يبين من يلبسه أو قدرا للطبخ ولم يسم ما سيطبخ فيه أو أرضا للزراعة ولم يسم ما سيزرع فيها كما جاء ذلك فى شرح الطحاوى وذلك لاختلاف المنفعة باختلاف الناس فتتعدد المنافع بتعددهم فيكون المعقود عليه مجهولا فلا يصح العقد فاذا عين المنتفع عملا قبل الفسخ التحق ذلك بالعقد وصحت الاجارة بذلك وهذا استحسان وفى القياس يجب أجر المثل لفساد الاجارة لاستبقاء المنفعة بعقد فاسد ووجه الاستحسان أن المفسد هو الجهالة المفضية الى المنازعة وقد زال ذلك بجعل التعيين فى الانتهاء كالتعيين فى الابتداء ولذا لا ضمان عند هلاك العين فى هذه الحال - واذا عمم فقال على أن أركب من أشاء فأركب نفسه أو غيره فان الأمر يصبح مرده الى مشيئة المستأجر وتتعين مشيئته بأول راكب وكأنه نص عليه فى الابتداء فلا يجوز له أن يركب غيره، نص على ذلك فى الكافى (٢). واذا كانت المنفعة لا تختلف باختلاف المستعمل لم يتقيد المستأجر بمنتفع خاص سواء أشرط ذلك عليه فى العقد أم لم يشرط والشرط بذلك باطل وعلى ذلك له أن يؤجر العين لغيره وأن يعيرها اياه لأنه مالك للمنفعة ومتقضى الملك جواز التصرف فيها وليس فى التقييد فائدة غير أنه اذا أراد أن يؤجر العين وجب أن تكون الاجارة لغير مالكها اذ لا يجوز أن يستأجر الانسان ملك نفسه لأن المنافع حين تنشأ تنشأ على ملك مالك العين وعنه تنتقل الى المستأجر كما يجب ألا تزيد الأجرة فى عقد الاجارة الصادر من المستأجر لغيره على الأجرة الواجبة عليه بعقد اجارته مع المالك الا فى حالتين، الأولى

стр. 585

أن تكون الأجرة من جنس خلاف جنس الأجرة الواجبة عليه للمالك - الثانية أن يكون المستأجر قد أصلح فى العين أو زاد فيها زيادة لها انتفاع - ووجه ذلك أن المنافع قد تقومت بعقد الاجارة الأول على المستأجر بقيمة معينة فاذا أجرها بأكثر منها كانت الزيادة بلا مقابل فلا تحل له وكانت من أكل المال الباطل - واذا انتهت مدة الاجارة الأولى أو انفسخت الاجارة الأولى بسبب من الأسباب قبل انتهاء مدة الاجارة الثانية ولم يجز مالك العين استمرار الاجارة الثانية انفسخت فى باقى المدة ولا يكون المستأجر الثانى مطالبا بالأجرة للمالك بل يعد مطالبا للمستأجر الأول والمستأجر الأول هو المطالب للمالك (١). مذهب المالكية: جاء فى المواق عن المدونة قال ابن القاسم وان استأجرت ثوبا تلبسه الى الليل فلا تعطه لغيرك يلبسه لاختلاف اللبس والأمانة فان هلك بيدك لم تضمنه وان دفعته الى غيرك ضمنته ان تلف. وقد كره مالك لمكترى الدابة لركوبه أن يكريها لغيره وان كان أخف منه فان أكراها لم أفسخه وان تلفت لم يضمن اذا كان قد أكراها فيما اكتراها فيه من مثله فى حالته وخفته وأمانته ولو بدا له السفر أو مات أكريت من مثله وكذلك الثياب فى الحياة والممات وليس ذلك ككراء الحمولة والسفن والدور فان للمكترى أن يكريها من مثله فى مثل ما اكتراها له، أى من غير كراهة بدليل ما جاء فى الشرح الكبير: وكره ايجار مستأجر دابة لركوبه أن يؤجرها لمثله خفة وأمانة ولا ضمان عليه ان ضاعت بلا تفريط أو ماتت أما لو كان قد استأجرها للحمل عليها فيجوز كراؤها لمثله اذ للمستأجر أن يفعل مثل المأذون فيه لا الأكثر ضررا وقال الحسن عن ابن يونس فى ذلك يعنى من غير كراهة ومال اللخمى الى اشتراط اذن المالك فى كراء المستأجر ما اكتراه الى شخص آخر قال فى العمدة ويجب فى الاجارة تعيين المركوب لا الراكب وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه أو بمثله خفة وحذقا بالمسير ثم قال ومن اكترى دارا فله أن يسكنها أو يسكنها غيره أو يؤجرها سواء أأجرها لأجنبى أو لمؤجرها له بمثل الأجرة أو بأقل أو بأكثر وقال مثل هذا فى كتاب الارشاد وجاء أيضا فى العمدة محل استيفاء المنفعة لا يتعين وان عين بل للمستأجر أن يستوفى المنفعة بنفسه وبغيره وله أن يؤجر مؤجره وغيره بمثل الأجرة أو بأقل منها أو بأكثر وجاء فى شرحه أن له ذلك ولو عين نفسه للركوب أو للسكنى لأنه قد ملك المنفعة فكان له أن يملكها لمن شاء كسائر أملاكه ولهذا يكون له اجارة ما استأجره ممن شاء وبما شاء قال ابن الحاجب لا يتعين راكب الدابة وان عين لم يلزم تعينه (٢) - وجاء فى الحطاب: ويجوز للمالك أن يستأجر ما أجره لغيره منه أو من وارثه بعد موته ما لم يؤد ذلك الى دفع قليل فى كثير بأن يؤجر بأجر مؤجل ويستأجر بأجر أقل حالا فيأخذ المستأجر أجرة حالة ليدفعها الى المالك بعد مدة مضاعفة فان ذلك ممنوع كما فى بيوع الآجال (٣) - وجاء فى

стр. 586

المواق (١) - ويجوز لمن استأجر أجيرا يعمل له أن يؤاجره من غيره لأنه قد استحق منافعه ذكر ذلك عن سماع عيسى وجاء فى الشرح الكبير والدسوقى عليه (٢) - وضمن المكترى ان أكرى الدابة أو العين المستأجرة لغير أمين أو أقل أمانة أو لأثقل منه أو أشد ضررا ولو كان دونه فى الثقل فيضمن القيمة عند التلف والنقص عند التعيب وللمالك الرجوع على الثانى ان علم بتعدى الأول فان كان ممنوعا من كرائها وعلم ذلك، وان لم يعلم فقولان ويجوز لمؤجر العين أن يبيعها فان باعها من مكتريها جاز وانفسخت الاجارة فيما تفى من مدتها ويرى الشيخ أبو عمرو أن بقية الكراء يضاف الى ثمن الدار فيجعل كله ثمنا للدار وذهب غيره الى خلافه فيتم البيع بما وقع عليه فقط وصوبه ابن سهل وان باعها لغير مكتريها فالمستأجر لها أولى ان بقى من مدة الاجارة اليوم أو اليومان فان زادت فسخ البيع الا اذا رضى المشترى البقاء على البيع الى انتهاء مدة الاجارة واختلف رأيهم فيمن يستحق أجر المدة الباقية عند بقاء العقد ذهب بعضهم الى أنها للبائع وذهب آخرون الى أنها للمشترى (٣). مذهب الشافعية: يجوز لمالك العين المستأجرة فى مدة الاجارة أن يبيعها لمستأجرها ولا تنفسخ الاجارة بسبب ذلك على الأصح لاختلاف محل العقدين فعقد البيع يرد على رقبة العين وعقد الاجارة وارد على منفعتها فلا تعارض بين العقدين ولا منافاة والقول الثانى تنفسخ الاجارة بذلك لأن المستأجر اذا ملك الرقبة بعقد الشراء حدثت المنافع على ملكه فلا يستوفيها بالاجارة وهى ملكه ولو باعها المالك لغير المستأجر أو وقفها أو وهبها أو أوصى بها وذلك فى مدة الاجارة جاز فى الأظهر وان لم يأذن المستأجر لما مر من اختلاف موردى العقدين ويد المستأجر لا تعد حائلة فى الرقبة لأن يده عليها يد أمانة ومن ثم لم يمنع المشترى من تسلمها لحظة لطيفة ليستقر ملكه ثم ترجع الى المستأجر ويغتفر ذلك القدر اليسير للضرورة - والقول الثانى لا يجوز ذلك لأن يد المستأجر تحول دون التسليم وعلى القول الأول لا تنفسخ الاجارة قطعا بل تبقى العين فى يد المستأجر الى انقضاء أمد الاجارة فان جهل المشترى أنها مؤجرة خير بين الفسخ والانتظار واذا أجاز المشترى لم يستحق أجر المدة الباقية من الاجارة (٤). وجاء فى النهاية: وللمستأجر أن يستوفى المنفعة بنفسه وبغيره الأمين لأنها ملكه فلو شرط عليه أن يستوفيها بنفسه فسد العقد كما لو شرط على المشترى ألا يبيع فيركب ويسكن ويلبس مثله فى الضرر اللاحق بالعين وفيما دونه بالأولى لأن ذلك يعد استيفاء للمنفعة فلا يسكن حدادا أو نحوه. وجاء فى مغنى المحتاج: وللمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة لغيره وهذا باطلاقه يشمل تأجيرها

стр. 587

للمؤجر دون تقييد بنقص أو زيادة فى الأجرة الواجبة باجارته لغيره (١). مذهب الحنابلة: واذا تصرف المؤجر فيما أجره فقد يتصرف فى رقبته وقد يتصرف فى منفعته - فاذا تصرف فى رقبته فباع العين التى أجرها صح بيعه سواء أباعها لمستأجرها أم لغيره نص على ذلك أحمد وبه قال الشافعى فى أحد قوليه أحدهما ان باعها لغير المستأجر لم يصح بيعه لأن يد المستأجر حائلة فيها تمنع تسليمها الى المشترى فمنعت صحة البيع كما فى بيع المغصوب. وللحنابلة أن الاجارة عقد على المنافع والبيع عقد على الرقبة فاختلف موردهما ويد المستأجر انما هى على المنافع فلا يمنع ثبوتها من تسليم الرقبة لمشتريها بقدر ما يستقر البيع ولئن منعت من التسليم فى الحال فلا تمنع منه فى الوقت الذى يجب فيه التسليم وهو وقت انقضاء الاجارة وزوال يد المستأجر والمشترى فى هذه الحال انما يملك العين مسلوبة المنفعة الى حين انقضاء عقد الاجارة ولا يستحق تسلم العين الا عند انقضائها حيث يبدأ حقه فى الانتفاع بها اما اذا باعها لمستأجرها فان بيعه يصح أيضا اذا العين فى يده وفى انفساخ الاجارة بهذا البيع وجهان أحدهما لا تنفسخ لأن المستأجر تملك المنفعة بعقد ثم ملك الرقبة مسلوبة المنفعة بعقد آخر فلم يتنافيا كمن يملك ثمرة شجرة بشرائها ثم يملك بعد ذلك رقبتها ولذا لو أجر الموصى له بالمنفعة العين الموصى له بمنفعتها لمالك رقبتها صحت الاجارة وكذلك تصح اجارة العين المستأجرة لمالكها - وعلى ذلك يجب على المشترى ثمنها وأجر انتفاعه بها مدة الاجارة. وثانيهما: ان الاجارة تنفسخ فيما بقى من مدتها لأنها عقد على منفعة العين وهى تابعة للعين فى التملك فاذا تملك المستأجر العين بعقد البيع تملك منفعتها فلم تصح أن تكون محلا لملك جديد لمالكها وذلك بواسطة الاجارة فتبطل الاجارة لذلك وعلى هذا يسقط عن المشترى أجر المدة الباقية واذا كان قد دفعه لمالكها احتسب من الثمن واذا ورث المستأجر العين كان الحكم فى ذلك هو الحكم فيما لو اشتراها فى بطلان الاجارة أو بقائها وعلى هذا لو استأجر انسان من أبيه دارا ثم مات أبوه عنه وعن أخ له كانت الدار بينهما نصفين وكان المستأجر منهما أحق بها لأن النصف الذى ورثه أخوه لا تزال الاجارة فيه باقية والنصف الذى ورثه المستأجر قد استحقه اما بحكم الملك واما بحكم الاجارة بالنظر الى منفعته وما عليه من الأجر يكون بينهما نصفين فان كان الأجر قد أدى الى المورث لم يرجع المستأجر بأجر نصفه على أخيه ولا على التركة لأنه لو رجع بشئ أفضى ذلك الى اختلاف الأخوين فى الميراث أحدهما قد ورث النصف بمنفعته وهو المستأجر لبطلان الاجارة فى نصفه فقط والآخر قد ورث النصف مسلوب المنفعة لبقاء الاجارة فيه والله قد سوى بينهما فى الميراث (٢). واذا اشترى المستأجر العين المستأجرة فردها بعيب على مالكها فى المدة فان قلنا لا

стр. 588

تنفسخ بذلك فالاجارة باقية بعد رد العين كما كانت قبله وان قلنا قد انفسخت بشراء المستأجر العين فلا تعود بردها وان كان المشترى أجنبيا فرد المستأجر العين المستأجرة على مؤجرها بعيب فينبغى أن تعود المنفعة فى باقى المدة الى بائعها لا الى مشتريها لأنه يستحق عوضا على المستأجر فاذا سقط عاد اليه بدله. أما تصرف مالك العين المستأجرة فى منفعتها مدة اجارتها فغير جائز لأنها صارت مملوكة لغيره وهو المستأجر فان تصرف نظرنا فى ذلك - فان كان تصرفه فى حال بدا للمستأجر فيها أن يتركها وكان ذلك قبل انقضاء المدة مثل أن يكترى دارا سنة فيسكنها شهرا ويتركها فيؤجرها المالك لغيره احتمل أن ينفسخ عقد المستأجر الأول فيما تصرف فيه المالك لأنه قد تصرف فيه قبل قبض المستأجر له لانعقاد المبادلة فى الاجارة آنا فآنا ويكون على المستأجر أجر ما مضى فلو كانت العين دارا فسكن المستأجر شهرا وتركها شهرا وأجرها المالك عشرة أشهر لزم المستأجر أجر شهرين فقط (١). وللمستأجر أن يؤجر العين لغيره ممن يساويه فى الانتفاع بها أو يكون دونه فى ذلك ويجوز أن يؤجرها لمالكها مطلقا لرضاه ذلك باقدامه على استئجارها وانما جاز له ذلك لأنه قد ملك منفعة العين بالاجارة فجاز له أن يستوفيها وأن يتصرف فيها وعلى هذا اذا اكترى دابة ليركبها كان له أن يركبها بنفسه وأن يركبها غيره ممن هو مثله أو أخف منه لأن العقد انما اقتضى استيفاء منفعة مقدرة بذلك الراكب فله أن يستوفيها بنفسه أو بنائبه وله أن يستوفى أقل منها لأنه استيفاء لبعض ما يستحقه فان شرط عليه المالك ألا يستوفى الا لنفسه فقياس قول أصحابنا أن العقد صحيح والشرط باطل فقد ذكروا فيمن شرط عليه أن يزرع فى الأرض حنطة ولا يزرع فيها غيرها أن الشرط يبطل ويصح العقد ويحتمل أن يصح الشرط وهو أحد وجهين لأصحاب الشافعى. أحدهما يبطل الشرط لأنه ينافى مقتضى العقد - وانما يجوز للمستأجر أن يؤجر العين لغير مؤجرها اذا تسلمها نص على ذلك أحمد وهو قول سعيد بن المسيب وأصحاب الرأى، وذكر القاضى فيه رواية أخرى مقتضاها عدم جواز اجارة العين المستأجرة لأنها تمليك لما لم يدخل فى ضمان المملك اذ المنافع قبل استيفائها معدومة فلم تدخل فى ضمان المستأجر لذلك وقد نهى النبى ﷺ عن ربح ما لم يضمن والرواية الأولى أصح لأن قبض العين يقوم مقام قبض منافعها بدليل جواز التصرف فيها وكذلك اجارة المنافع قبل قبض العين لا تجوز من غير مؤجرها فى أحد وجهين لأن المنافع مملوكة بعقد معاوضة فاعتبر فى جواز العقد عليها القبض كالأعيان - والوجه الآخر يجوز - اما اجازتها لمؤجرها قبل القبض ففيه أيضا وجهان عند من يرى عدم جواز الاجارة لغير المؤجر. اما عند من يرى جوازها فان ذلك يجوز عنده لثبوت يد المؤجر فى هذه الحال واما بعد القبض فجائزة واليه ذهب الشافعى (٢).

стр. 589

وجاء فى اغاثة اللهفان لابن القيم أنه يجوز للمستأجر ان يؤجر ما استأجره لغيره مؤجرا كان أم غيره خلافا لأبى حنيفة فى المؤجر (١) ولم يقيد ذلك بقيد من القيود السابقة واذا جاز للمستأجر ان يؤجر العين المستأجرة كان له اجارتها بمثل الأجرة التى أجرها بها وبزيادة عليها نص على ذلك أحمد وعن أحمد أنه ان أحدث زيادة فى العين جاز له أن يكريها بزيادة والا لم يجز فان فعل تصدق بالزيادة. ووجه الرواية الأولى أنه ملك المنفعة فيملك أن يملكها بما يشاء كالعين يشتريها فيملكها غيره بما يشاء ونقل الاثرم عن أحمد أنه سأله عن الرجل يتقبل العمل من الأعمال فيقبله غيره بأقل مما تقبله به أيجوز له الفضل؟ قال ما أدرى هى مسألة فيها بعض الشئ (٢). مذهب الظاهرية: يرى ابن حزم ان اقدام مالك العين المستأجرة على بيعها أو اخراجها من ملكه بأى وجه كل ذلك يبطل الاجارة فيما بقى من مدتها وينفذ تصرفه بالبيع والاخراج عن الملك بالهبة والاصداق والصدقة فان كل ذلك تصرف فيما يملكه فينفذ واذا نفذ فقد خرجت العين عن ملكه واذا خرج عن ملكه بطل عقده فيه اذ لا حكم له فى مال غيره ولا يحل للمستأجر منافع حادثة فى ملك غير مؤاجرة (٣). وقال فى مسألة ١٣١٤. ومن استأجر دارا أو دابة أو شيئا تم أجره بأكثر مما استأجره به أو بأقل أو بمثله فهو حلال جائز وكذلك الصانع المستأجر لعمل شئ فيستأجر هو غيره ليعمله بأقل أو بأكثر أو بمثله فكل ذلك حلال والفضل جائز لهما الا ان تكون المعاقدة وقعت على ان يسكنها بنفسه أو يركبها بنفسه أو يعمل العمل بنفسه فلا يجوز غير ما وقعت عليه الاجارة (٤). مذهب الزيدية: اجاز الزيدية للمستأجر ان يؤجر العين المستأجرة بشروط ثلاثة: أحدها: أن يكون ذلك بعد قبضها فليس له أن يؤجرها قبل أن يتسلمها. والثانى: ان تكون الاجارة لغير مؤجرها سواء أكان هو المالك أم غيره. الثالث: أن تكون الاجارة لمثل العمل الذى استأجرها لأجله أو لما هو دونه وبمثل الأجرة التى استأجرها بها أو بما هو دون ذلك - ذلك هو المذهب وهو قول الهادى وأكثر العلماء وقيل لا يجوز ذلك الا باذن مالك العين مطلقا سواء أكانت الاجارة بمثل الأجرة أم بدونها أم بأكثر منها ولمثل العمل أو لأكثر منه أو لما هو دونه - اما اعارة المستأجر العين المستأجرة فجائزة من غير اذن المالك اجماعا - واذا لم يكن المستأجر قد تسلم العين المستأجرة أو أراد أن يؤجرها لمالكها أو لعمل أكثر من العمل الذى استأجرها لأجله أو بأجرة أكثر مما استأجرها به ولو بعد قبضها فلا يجوز ذلك الا باذن من المالك أو باجازته فيما اذا أجر لأكثر مما استأجر لأجله وذلك باجماع الآراء أو أجر بأكثر مما استأجر به من الأجرة وذلك هو المذهب فقال

стр. 590

المؤيد بالله يجوز ذلك من غير اذن كما يجوز ذلك فى المذهب اذا زاد المستأجر فى العين المستأجرة زيادة ترغب فيها كبناء أو اصلاح اذ فى هذه الحال تطيب له الزيادة وان لم يأذن المالك لأنها فى مقابلة زيادته - أما قبل قبض العين المستأجرة فلا يجوز للمستأجر اجارتها من المالك ولو مع اذنه (١). مذهب الإمامية: اذا باع المؤجر العين المستأجرة فى مدة الاجارة صح البيع ولا يقف على اجازة المستأجر سواء أباعها للمستأجر أم لغيره واذا حدث البيع والمشترى يعلم بالاجارة لزم البيع ولا يخير المشترى بين الفسخ والامضاء - واذا لم يكن عالما فاختار الامضاء أو كان عالما ملك العين المستأجرة مسلوبة المنفعة الى حين انتهاء مدة الاجارة ولا يستحق تسلم العين الا بانقضاء من الاجارة واذا فسخ المستأجر الاجارة فى المدة لحدوث عيب مثلا فالأقرب رجوع المنفعة الى انتهاء المدة للبائع لا الى المشترى - واذا كان المشترى هو مستأجر العين صح البيع بتمام العقد والأقرب حينئذ عدم بطلان الاجارة بشرائه فيكون عليه الأجر فى باقى المدة كما يلزم بالثمن واذا ردها المشترى «المستأجر» فى هذه الحال بعيب انفسخ البيع له برده والاجارة على حالها - ولو قيل اذا كان المشترى للعين هو المستأجر انفسخت الاجارة ولم يكن للمشترى ان يرجع بالأجرة على البائع اذا عجلها لكان وجها - واذا ورث المستأجر العين المستأجرة فان قلنا أن موت المؤجر يبطل الاجارة بطلت الاجارة فى باقى المدة - ورجع المستأجر على التركة بما له من الأجر عن المدة الباقية ان كان قد دفعه. وان قلنا بعدم الابطال على ما اخترناه فالأقرب فى هذه الحال عدم البطلان وان أصبح المستأجر هو المالك ولو مات المؤجر وترك ابنين أحدهما المستأجر كانت رقبة العين المستأجرة بينهما نصفين والمستأجر أحق بوضع يده عليها بسبب عقد الاجارة الى أن تنته مدتها وعليه نصف الأجرة لأخيه اذا لم يكن قد أداها فان كان قد أداها الى المورث لم يرجع بشئ على أخيه ولا على التركة. ويجوز للمستأجر ان يؤجر العين المستأجرة بشرطين: أحدهما أن يؤجرها لمثله أو لمن هو دونه فى الاستعمال. والثانى الا يكون عقد الاجارة الذى صدر له من المالك قد شرط فيه ما يمنع تأجيرها أو ما يقضى بتخصيصه باستعمالها. فلو أجره المالك بشرط الا يسكن غيره أو لا يركبه لم يجز المخالفة (٢) وجاء فيه بعد ذلك - ولو استأجر انسان عينا جاز له أن يؤجرها غيره ممن يساويه أو يكون دونه فى استيفاء المنفعة التى اجرت لها العين ما لم يشترط عليه المالك عدم ذلك قبل قبضه العين سواء فى ذلك المؤجر وغيره - ثم ان المستأجر ان أحدث فى العين حدثا كحفر نهر أو بناء حائط أو عمل باب أو غير ذلك، وان قل العمل جاز ان يؤجرها بأكثر مما استأجرها به سواء أكان من جنسه

стр. 591

أم من غيره فان لم يحدث فيها حدثا ففى جواز اجارتها بأكثر مما استأجر به من جنس أجرتها قولان أقربهما المنع ولو أجرها بغير الجنس جاز سواء أكان ذلك بزيادة أم بنقص ولو أجرها من جنس أجرتها بأزيد مما استأجرها به ففى بطلان العقد حينئذ نظر ومع القول بصحته تطيب الزيادة ولو سكن بعض الدار وأجر الباقى بغير جنس جاز بالزيادة ولو كان من الجنس لم يجز أن يؤجر بالزيادة الا ان يحدث فى العين حدثا يستوجبها فعند ذلك تجوز الزيادة. والصانع اذا تقبل عملا بشئ معلوم لم يجز له أن يقبله غيره بأقل من ذلك ما لم يحدث حدثا مما استؤجر له كتفصيله الثوب أو خياطة شئ منه أو اعطائه خيوطا أو ابرا فعند ذلك يجوز أن يقبله بأقل مما أخذ من الجنس وغيره. وليس له ذلك اذا شرط عليه أن يعمل لنفسه (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل ما خلاصته: من أجر دابة هى له أو دارا أو غيرها فلا يجوز له أن يخرجها عن ملكه ببيع أو اصداق أو هبة أو تصدق أو بوجه من الوجوه كما لا يجوز له أن يرهنها ولا يفعل بها ما تفوت به منافعها أو بعضها عن مستأجرها ولا يقسمها ولا يتصرف فيها تصرفا ما الا لاصلاحها وتحسينها على وضع لا يعطل المستأجر الى أن تنته مدة الاجارة فاذا انتهت فعل ذلك الا أن يتعلق بالعين شئ فات على المستأجر وثبت له حق استدراكه بحكم الشرع فيها فان مالكها لا يفعل شيئا مما سبق حتى يستدركه المستأجر - واذا فعل شيئا من هذه التصرفات معلقا جاز مثل ان يكريها لسنة مستقبلة أو يبيعها مؤجلة الى سنة أو يصدقها كذلك وذلك على القول بان العين تقبلها الذمة، ولكن الصحيح انها لا تقبلها. ومثال ذلك ان يكريها لسنة فيقول لانسان آخر اذا انتهت السنة فهى لك صدقة أو هى لك بكذا من بيع أو اصداق أو غيره أو فهى لك رهن. كما يجوز له ان يفعل ذلك بشرط اتمام مدة الاجارة على القول بصحة ذلك بناء على قوله ﷺ : المسلمون عند شروطهم الا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، وباعتبار ذلك يجوز فيها كل تصرف باخراجها عن ملك مالكها ولا سيما الهبة مثل ان يقول أعطيتها لك بشرط الا تتصرف فيها حتى تتم مدة الاجارة أو رهنتها لك بشرط ذلك وان أجاز المكترى بيع ما اكتراه أو اخراجه من ملك مالكه بوجه من الوجوه أو رهنه أو نحو ذلك جاز قطعا (٢). وكذلك لا يجوز للمؤجر ان يتصرف فى الأجرة ببيع أو هبة أو اصداق أو صدقة أو اخراج من الملك وان قبضها حتى يتم العمل الذى استؤجر لأجله وقيل يجوز له التصرف قبل الاتمام وعليه اتمامه وهذا على القول بان عقد الاجارة غير لازم. واما على القول بلزومه فيجوز له التصرف فيها بقدر ما قابل ما اتمه من عمل وهذا هو المختار. وللمستأجر أن يؤجر العين التى استأجرها بمثل ما أجرها به لا بأكثر فاذا كراها بأكثر

стр. 592

لم تحل له الزيادة بل هى لمالك العين الا ان يكون قد زاد فى العين شيئا من مال نفسه على الا يحسبه على صاحب العين وان له نزعه عند تمام المدة أو العمل وعند ذلك تكون الزيادة للمستأجر وقيل تكون أيضا للمؤجر فى هذه الحال - وجاء فى الديوان: وان كرى دارا أو بيتا من رجل فلا يجوز له ان يكريه لغيره بأقل من الكراء الأول أو بأكثر وكل ما كراها به من قليل أو كثير فهو لصاحبها زاد فيها شيئا أم لم يزد - وقيل يجوز له أن يؤجرها لغيره بما أراد ان زاد فيها شيئا نحو الباب والبناء وقيل جائز ذلك ولو لم يزد فيها شيئا وقيل لا يكريها لغيره فان فعل فالكراء له ويؤدى للمالك ما اتفقا عليه أولا وكذلك العمال لا يجوز لهم أن يعطوا لغيرهم ما أخذوه على الأجرة فان فعلوا فليؤدوا الأجرة لمن استأجروه ان سلم الشئ ويأخذوا من صاحبه ما اتفقوا عليه (١). الاجارة على الأعمال وأحكامها: مذهب الحنفية: أ) قد يكون محل الاجارة عمل عامل كما يكون منفعة عين وقد سبق بيان ذلك فاذا كان محلها عمل عامل كالخياطة والنسج والرعى والخدمة والحمل والبناء والهدم وغير ذلك من الأعمال فان العقد يتم بين من يطلب العمل وينتفع به وهو المؤجر أو المستأجر وبين من سيقوم بهذا العمل وهو الأجير وهذا العمل قد يكون مما لا يتحدد ولا يتقدر الا بالزمن وفيه يجب بيان مدته لتحديده وتقديره كالخدمة والرعى والحراسة وقد يكون مما يتحدد ويتعين بذكر نوعه وصفته كالحمل والبناء والكتابة والخياطة والنسج وفى هذا لا يجب ذكر مدة معه واذا ذكرت معه المدة كان ذكرها للاستعجال وقد سبق الحكم فى ذلك. والأجير الذى سيقوم بالعمل بمقتضى عقد الاجارة ان وقع العقد معه على مدة معينة لكى يقوم فيها بالعمل الذى تم التعاقد عليه سواء أكان له امتداد مع الزمن كالرعى والحراسة أم لم يكن له امتداد كاصلاح الآلات وكى الثياب على ألا يقوم فيها بعمل لغير مؤجره واحدا كان أو أكثر بل يكون مختصا به فلا يتقبل من غيره عملا كالطاهى تستأجره ليطهى لك شهرا بمرتب شهرى هو كذا والموظف فى شركة أو مؤسسة لمدة يقوم فيها بما يكلف به فيها من أعمال يسمى بالأجير الخاص أو الأجير الوحد وان وقع العقد معه على أن يقوم بعمل معين سواء أجعل الزمن معيارا له أم لا وكان له أن يتقبل من أى شخص ما يطلبه منه من أعمال ولو فى زمن قيامه بالعمل الذى تعاقد عليه فهو الأجير المشترك ومقتضى ذلك أن الأجير المشترك كل أجير هو يجوز له أن يتقبل العمل من كثير من الناس فى وقت واحد سواء أعمل لشخص واحد فعلا أم عمل لكثير وسواء أجعل الزمن معيارا له عند الحاجة الى ذلك بأن كان ضروريا لتحديده كالحراسة والرعى أم لم يجعل الزمن معيارا له كاصلاح آلة معينة وذلك كالمهندس والمحامى والطبيب اذا لم يقصروا على العمل لشخص معين أو أشخاص معينين ولم يمنعوا من أن يعملوا لكل من يطلب منه عملا وعلى ذلك فالراعى الذى

стр. 593

تستأجره لرعى غنمك شهرا بكذا اذا كان يرعى لغيرك أيضا فى هذا الوقت أو لم يكن ممنوعا من ذلك كان أجيرا مشتركا. ب) والمعقود عليه فى اجارة الأجير المشترك هو العمل أو الأثر والوصف الذى يحدثه العامل فى العين محل عمله بعمله ويستحق المؤجر الذى تعاقد معه هذا العمل عليه ويثبت دينا فى ذمته كثبوت الدين فى ذمة المدين ولهذا لا تزدحم ذمته بكثرة الأعمال كما لا تزدحم ذمة المدين بكثير من الديون ويجب عليه الوفاء بالقيام به نتيجة للعقد ويستوجب الأجر بالوفاء به ولذا يجب لصحة العقد معه بيان محل العمل اما بالاشارة اليه واما بوصفه بما يتعين به مع بيان مدته فيما يمتد ويكون الزمن معيارا له ويثبت للأجير فيه خيار الرؤية فى كل عمل يختلف باختلاف محله اذا لم ير المحل قبل العقد كالخياطة والحفر فله الفسخ والامضاء عند رؤيته محل عمله أما اذا كان لا يختلف باختلاف محله فلا يكون له بعدم رؤيته خيار بل يلزم العقد بتمامه كالكيل فانه لا يختلف باختلاف الحنطة مثلا واذا جمع فى هذه الحال بين المدة والعمل كأن يستأجر حائكا ليخيط له هذا لثوب اليوم كان ذكر المدة للتعجيل ويرى الامام فساد الاجارة فى هذه الحال وقد تقدم بيان ذلك. أما المعقود عليه فى اجارة الأجير الوحد فهو عمله أو منفعته هو فى المدة المبينة بالعقد وبذلك أصبحت منافعه فى تلك المدة ملكا للمستأجر والمناط فى ذلك استعداده فى هذه المدة وتمكين المؤجر من الانتفاع به فيها فى سبيل تحقيق المنفعة التى تم التعاقد عليها ولذا كان فى معنى التعاقد على تسليم نفسه فى تلك المدة تسليما لا يصاحبه مانع من العمل وكان لا بد لصحة العقد فى هذه الحال من بيان العمل والمدة والا فسد العقد ولذا يستحق الأجرة المسماة بتسليم نفسه فى المدة وان لم يعمل شيئا لعدم ما يعمل فيه أو ما يعمله كالموظف يستحق مرتبه اذا ما ذهب الى محل عمله مستعدا له قادرا عليه ولم يجد عملا يقوم به وكالطاهى يستحق أجرته وان لم يحضر له مؤجره ما يطهيه من الطعام واستحقاق هذا الأجير لأجرته يكون بحسب المدة لا بحسب العمل الذى يقوم به فيها ويمتنع عليه - لما تقدم بيانه من أن منفعته فى المدة ملكا للمستأجر - أن يعمل فى مدة الاجارة لغير مستأجرة فان عمل فيها لغيره نقص من أجرته بقدر ما أضاع من الزمن فى العمل لغيره كما لا يجوز له أن يعمل فيها شيئا لنفسه الا ما يقضى العرف بالتسامح فيه وهذا بخلاف الأجير المشترك اذ لا يستحق أجرا الا بالعمل (١). وعلى ذلك اذا أضاع فى العمل للغير ربع المدة نقص من أجره ربعه. ج) ضمانهما لما فى أيديهما. الأجير الوحد أمين فيما يسلم اليه من الأشياء التى هى محل لعمله فاذا كان قصارا أو خياطا فهلك ما فى يده من الثياب لا يصنعه لم يضمن اجماعا وكذلك لو تخرقت الثياب بصنعه الذى يعد من عمله المأذون فيه فلا ضمان عليه (٢) - ويضمن اذا تعمد

стр. 594

الفساد كالوديع وكذلك ان أمره بعمل فعمل غيره ضمن. أما الأجير المشترك فهو بمقتضى أن يده على محل العمل يد محقة مأذون فيها لا يضمن الا عند تعديه أو تقصيره لكنه رؤى فى زمن الصحابة والتابعين أن المصلحة تستوجب ضمانه حتى لا تتخذ أمانته وسيلة لضياع أموال الناس واستلابها لكثرة العمال واختلاف أخلاقهم وحتى لا يؤدى ذلك الى خوف أرباب الأموال على أموالهم من الصناع فيحجمون عن استئجارهم للعمل فيها وفى ذلك مضرة بهم ولهذا انته الحنفية الى تفصيل الحكم فى ضمانه على الوضع الآتى الذى ذكره ابن عابدين. أولا: اذا كان هلاك المحل بفعل الأجير سواء أكان نتيجة تعديه أم كان بغير تعديه فلا ضمان عليه اتفاقا بين الامام وصاحبيه. ثانيا: اذا كان هلاكه بغير فعل الأجير وكان بسبب لا يمكن الاحتراز عنه كحريق غالب ونحوه فلا ضمان عليه اتفاقا أيضا. ثالثا: اذا كان الهلاك بسبب يمكن الاحتراز عنه لم يضمن عند الامام لأنه أمين وعندهما يضمن. وذهب المتأخرون بالصلح على نصف القيمة وذهب آخرون الى أنه ان كان معروفا بالصلاح لم يضمن وان كان معروفا بغير ذلك ضمن وان كان مستور الحال كان الحكم هو الصلح على نصف القيمة. قال فى الخيرية: فهذه أربعة أقوال كلها مصححة ومفتى بها وأحسنها التفصيل الأخير والأول قول أبى حنيفة وهو قول عطاء وطاووس وهو قول عمر وعلى (١). د) استحقاقهما الأجرة: اذا سلم الأجير الخاص نفسه فى مدة الاجارة استحق أجره وان لم يعمل متى كان متمكنا من أن يقوم بعمله وان منعه منه المستأجر فاذا سلم نفسه مريضا لا يستطيع عملا فلا يستحق بذلك أجره. وليس للمستأجر أن يمتنع عن اعطائه أجر المدة كلها حسب العقد وان استغنى عنه فيها بل يجب عليه أن يؤديها اليه متى لم يكن بالأجير عذر يمنعه من العمل المطلوب منه فيها. أما الأجير المشترك فلا يستحق أجره الا بالعمل وعلى حسبه كما تقدم ولا بد لاستحقاقه الأجر من تسليم العمل وذلك يكون بانتهاء مدة الاجارة وهو يعمل أو الفراغ من العمل حتى قالوا فى الحمال أن الأجر لا يجب له ما لم يحط المتاع عن رأسه لأن الحط من تمام العمل فكل جزء من العمل غير مقصود اذ لا ينتفع ببعضه دون بعض فكان الكل كشئ واحد تقابله الأجرة كلها اذا تم واذا تضمن عقد الاجارة بين المستأجر والأجير شرطا يقضى بأداء الأجرة فى وقت معين اتبع ذلك الشرط فان اتفقا على دفعها فى أول المدة أو آخرها ان كانت مدة أو قبل تمام العمل أو بعده لزم ذلك وان لم يشترطا

стр. 595

ففى الأجير الوحد تعطى له الأجرة عند انتهاء كل مدة. ذلك لأن الأجر فى الواقع مقابل لها وفى الأجير المشترك يكون له طلب الأجرة لما تم من عمل ان كان هذا الأجير يعمل فى منزل المستأجر ولعمله أثر ظاهر فى العين اذ أن العين حينئذ تعد فى يد صاحبها فكلما أتم جزءا من العمل يصير بسبب ذلك مسلما الى المستأجر فيجب عليه ما يقابله من الأجر وان لم يكن قد تم العمل وان لم يكن العمل فى منزل المستأجر ولم تكن العين فى يد صاحبها فليس للأجير أن يطلب شيئا من الأجرة المسماة الا بعد تمام العمل وتسليم محله الى المستأجر وقيل لا يستحق الأجر فى الحالين الا بعد تمام العمل لأنه لا ينتفع ببعضه قبل الاتمام كما فى الخياطة ولكن لو عجل له المستأجر الأجر جاز وتملكه الأجير وان لم يكن لعمله أثر ظاهر فى العين كالحمال فانه يعتبر مسلما لكل جزء يقوم به من العمل لحصوله فى ملك المستأجر فبقدر ما يعمله يصير مسلما الى صاحب العين فيستحق عليه الأجرة وان لم يسلم العين الى صاحبها. هـ) حبس الأجير محل العمل لأخذ الأجرة: واذا أراد الأجير حبس العين بعد الفراغ من العمل لاستيفاء الأجرة كان له ذلك ان كان لعمله أثر فى العين ظاهر كالخياط والصباغ اذ أن ذلك الأثر هو المعقود عليه فى هذه الحال والأجر يقابله فكان كالمبيع يحبس لاستيفاء الثمن فكذلك هنا تحبس العين لاستيفاء الأجرة اذ فى حبسها حبس للأثر واذا هلكت العين قبل التسليم سقطت الأجرة كهلاك المبيع قبل التسليم يسقط به الثمن ولا يجب على الأجير ضمان عند أبى حنيفة خلافا لهما أما اذا لم يكن لعمله أثر ظاهر فى العين كالحمال لم يكن له حبس العين المحمولة لاستيفاء الأجرة لأن ما لا أثر له فى العين ظاهرا فالبدل فيه مقابل بالعمل فاذا فرغ منه حصل العمل فى يد المستأجر بحصوله فى العين المملوكة له فلا يملك بعد ذلك حبسه عن المؤجر كالمبيع يسلم الى المشترى قبل القبض لا يعود البائع بعد ذلك الى حبسه لاستيفاء الثمن ولو حبسه فهلك قبل تسليمه فعلا لم يسقط الأجر لأنه حين وقع العمل وتم حصل مسلما الى المستأجر لوقوعه فى يده فتقررت عليه الأجرة بذلك فلا تحتمل السقوط بالهلاك ثم يضمن مع ذلك لأن حبسه كان بغير حق فصار به غاصبا وهذا كله اذا كان محل العمل فى يد الأجير أما اذا كان فى يد المؤجر فان أى جزء يتم من العمل يصير مسلما الى يده فكان للأجير حق المطالبة بأجره الذى يقابله اذا كان ينتفع بهذا الجزء دون اتمام فاذا استأجره لحفر قناة فى أرضه فحفر بعضها كان له أن يطالبه بما يقابل ذلك البعض من الأجر نصفا أو ثلثا وعلى ذلك اذا استأجر خياطا ليخيط له قميصا فى منزله فان خاط له بعضه لم يكن له أجر على ما فعل لأن هذا العمل لا ينتفع ببعضه قبل الاتمام فلا تلزم له أجرة اذ أنه غير مقابل بشئ منها ولا يستحق الأجر الا باتمام خياطته وبما أن العمل حصل فى منزل المؤجر فاذا فرغ منه ثم هلك فله الأجرة فى قول أبى حنيفة لأن العمل قد صار مسلما اليه بعمله فى داره والعين غير مضمونة على قوله لأنه أمين أما على قولهما فالعين مضمونة ولا يبرأ عن

стр. 596

ضمانها الا بتسليمها الى مالكها بعد تمام الخياطة فاذا هلك الثوب فان شاء ضمنه قيمته صحيحا ولا أجر له وان شاء ضمنه قيمته مخيطا وله الأجر (١). انابة الأجير غيره فى العمل لا يجوز للأجير الواحد فى جميع أحواله انابة غيره فيما تم التعاقد عليه معه من الأعمال ذلك لأن العقد وقع على عمله بنفسه لا على عمل غيره والعملان مختلفان ولكن يجوز للأجير المشترك اذا لم يشترط عليه أن يعمل بنفسه أن ينيب غيره بعمل ما استؤجر عليه لأن العقد وقع على العمل ذاته لا على عمله ولذلك فسواء قام به هو أم قام به نائبه جاز ذلك واستحق الأجر بذلك ويكون حينئذ ضامنا لما يتلف فى يد من أنابه اذا شرط عليه أن يعمل بنفسه اذ لا يجوز له حينئذ انابة غيره لأن العقد وقع على عمله وهو يتعين بنسبته اليه والتعيين هنا مفيد لا لتفاوت العمال فى صلاحية العمل واتقانه. أما اذا لم يشترط عليه ذلك فيجوز له انابة غيره فى العمل من معينيه وتلاميذه وهم يضمنون ما أتلفوه اذا كان التلف نتيجة عمل منهم غير مأذون فيه بمقتضى عقد الاجارة كما اذا تخرق الثوب من وطئهم له اذ أنهم غير مأذونين فى ذلك واذا وقع السراج من يد أحدهم فأحرق الثوب فالضمان على الأستاذ الأجير لأن الذهاب بالسراج عمل مأذون فيه اذ يقتضيه العمل فينتقل الى الأستاذ وكأنه فعله بنفسه فيجب الضمان عليه عند وجوبه عليه ولو حصل خرق الثوب حين العمل بطريق الخطأ نسب ذلك أيضا الى الأستاذ لأن ذلك مضاف الى العمل ولا يخلو منه العمل عادة وهكذا تراعى الأحوال فى بيان من يجب عليه الضمان (٢). مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير ما خلاصته: ليس لراع استؤجر على رعى غنم أن يتقبل رعى غنم أخرى معها اذا لم يكن ذا قوة وكفاية لرعيها معا ولكن يكون له ذلك اذا قدر عليه بمشارك يشاركه فى الرعى - وهذا ذا لم يشترط عليه رب الغنم الأولى أن لا يرعى غيرها معها فاذا اشترط عليه ذلك لم يرع غيرها معها مطلقا فان خالف فرعى غيرها كان أجره على ذلك لمستأجره صاحب الغنم الأولى وان شاء نقص من أجره المسمى ما نقص بسبب مخالفته وطريق معرفة هذا النقص أن يتعرف على مقدار أجرة رعى الأولى وحدها بحسب العرف فاذا قيل عشرة مثلا نظر الى أجرة رعيها مع غيرها فاذا قيل ثمانية فقد نقص الخمس وعندئذ يخير مستأجره بين أن ينقصه خمس المسمى له فى العقد الأول وبين أخذ ما أجر به فى العقد الثانى ويدفع له أجره المسمى بتمامه ومثل ذلك فى الحكم أجير الخدمة اذا أجر نفسه لغير مخدومه الذى استأجره حتى فوت عليه بعض ما استأجره مخدومه عليه أو كله فان اجرته تكون لمستأجره الأول ان شاء وان شاء أسقط عن نفسه أجرة ما فوته عليه بالطريقة التى شرحت فان لم يفوت عليه

стр. 597

شيئا مما استأجره عليه بل وفى بكل ما يطلب منه فلا كلام لمستأجره الأول عليه ولو عمل مجانا سقط من كرائه بقدر قيمة أجر مثل ما عمل (١) - وجاء فى المدونة أن المستأجر يخير بين ذلك وبين أن يسقط حصة الزمن الذى شغله بالعمل للآخر ونصها: وكذلك أجيرك للخدمة يؤاجر نفسه من غيرك يوما أو أكثر فلك أخذ أجره على ذلك أو تركه له واسقاط حصة ذلك اليوم من الأجر عنك وهذا اذا شغل الزمن بعقد اجارة أما اذا شغله بغير ذلك فليس للمؤجر الا اسقاط حصة ذلك الزمن (٢). ومن هذا يفهم أن الأجير الخاص له العمل لغير مستأجره على ما نقله الدردير اذا لم يفوت على مستأجره غرضا له خلافا للحنفية وان كان المفهوم مما نقله الحطاب أن ليس له العمل لغير مستأجره مطلقا لاطلاق عبارته الا أن يحمل المطلق على المقيد. والأجير سواء أكان أجيرا لا يعمل الا لمستأجر واحد أو كان يعمل لكثير أمين بالنسبة الى ما تحت يده من الأعيان التى جعلت محلا لعمله فلا ضمان عليه إن ادعى الضياع أو التلف سواء أكانت العين مما يغاب عليه كالثوب أم لا كالدابة غير أنه ان كان متهما حلف على أنه قد ضاع أو تلف وما كان ذلك بتفريط أو تعد وقيل أنه يحلف عند ادعاء التلف أما الضياع فيصدق فيه من غير يمين لأنه لا ينشأ الا عن تفريط غالبا وسواء فى هذا الحكم أن يكون قد شرط عليه الضمان اذا لم يأت بسمة ما تلف أم لم يشترط عليه ذلك غير أن العقد يفسد عند ذكر هذا الشرط لأنه مناقض لمقتضى العقد ولذا يكون له أجر مثل عمله فيه سواء أزاد على المسمى أم لا عند ابن القاسم الا أن يسقط هذا الشرط بالتنازل عنه قبل الفوات والا صح العقد، والفوات يكون بانتهاء العمل واسقاط الشرط قبل الانتهاء له حكم اسقاطه قبل العمل وبناء على ما ذكر فان الأجير على حمل دهن أو طعام أو آنية اذا عثر أو عثرت الدابة الحاملة فانكسر المحمول أو تلف ولم يكن ذلك نتيجة لتعد من الأجير بفعل أو بسوق الدابة سوقا غير معتاد لا ضمان عليه على المعتمد فى المذهب وهذا الحكم لا ينافى المقرر فى المذهب من أن العمد والخطأ فى أموال الناس سواء فى الحكم لأنه مقيد بما اذا لم يكن المخطئ أمينا وهو هنا أمين الا ترى أن من أذن له فى تقليب شئ فسقط من يده لا ضمان عليه وان سقط على شئ فانكسر ضمن ما سقط عليه لا ما سقط لأنه لم يؤذن بعمل فيما سقط عليه عندئذ وفى حاشية السيد ان السقاء الذى استؤجر على ملء الزير اذا سقط الغطاء من يده فانكسر الغطاء والزير ضمن الزير دون الغطاء لأنه مأذون برفع الغطاء وكذلك لا ضمان عليه اذا كان التلف نتيجة انقطاع الحبل المشدود به المتاع وكذلك لا ضمان على الخياط اذا أتى بقطعة قماش وقيل له هل تكفى فأجاب نعم وفصلها فظهر أنها غير كافية فلا ضمان عليه اذا لم يشرط عليه عدم تفصيلها اذا رأى أنها لا تكفى ومحل هذا اذا لم يكن الأجير متهما بأن صدقه رب المتاع أو كان التلف بحضرته أو بحضرة وكيله أو قامت بينة على صدقه

стр. 598

أو كان قد صاحبه فى بعض الطريق وان فارقه فى باقيها والا ضمن كما نصوا كذلك على أنه لا يعد أمينا فى حمل ما تتسارع اليه الأيدى كالطعام بخلاف البز والعروض اذ القول له فيها ثم قال الدسوقى وحاصل فقه المسألة أن المستأجر للأعيان أمين مصدق فى دعواه التلف أو الضياع سواء أكان ما استأجره منها دابة أو ثوبا أو غير ذلك. أما الأجير ففيه تفصيل فاذا كان المستأجر عليه غير طعام كالعروض والدواب للرعى أو طعاما لا تتسارع اليه الأيدى كالقمح فانه يصدق فى دعواه التلف أو الضياع ما لم يقم دليل على كذبه أما اذا كان المستأجر عليه طعاما تتسارع اليه الأيدى كالسمن والعسل فلا يصدق ويحمل على الخيانة حتى يثبت صدقه بدليل. واذا ما حصل التلف أثناء العمل أو فى أثناء الطريق فى حال الاستئجار على الحمل هل يكون للأجير أجر ما عمل بحسابه أولا أجر له؟ ذكروا أنه اذا ضمن ما تلف كان له الأجر كله على أظهر القولين وعليه اقتصر ابن رشد فى البيان والقول الآخر له بحساب ما عمل أو سار وهو ما ذكر فى التوضيح وفى الشرح الكبير ان الأجير اذا ضمن له من الأجر بحساب ما سار ككل متعد فى المحمولات فان لم يضمن فلا كراء له قال الدسوقى وحاصل القول أن الأجير فى حمل متاع اذا تعدى على المحمول وضمن فان له من الأجر بحساب ما سار أما اذا لم يضمن فلا كراء له قال النباتى وهذا كلام غير صحيح اذا لم يوافق قولا من الأقوال الأربعة التى ذكرها فى المقدمات فى مسألة تلف المحمولات وهى: له الكراء مطلقا ويلزمه حمل مثله من موضع الهلاك سواء هلك بسبب حامله أم بسبب سماوى وهذا هو المشهور عند ابن رشد، الثانى له بحساب ما سار مطلقا الثالث ان هلك بسبب حامله فله بحساب ما سار وان هلك بسبب سماوى فله الكراء كله ويلزمه حمل مثله من محل الهلاك، والرابع مذهب المدونة وهو ان هلك بسبب حامله فلا كراء له وان هلك بسبب سماوى فله الكراء كله ويلزمه حمل مثله والظاهر فى جميع هذه الأقوال أنها فى الحالين حال الضمان وحال عدمه سواء كان المحمول طعاما أو غيره. ولا ضمان على الحراس لدار أو بستان أو طعام أو ثياب أو غيرها لأنهم أمناء الا بالتعدى أو بالتفريط ولا عبرة بالشرط عليهم من الضمان وفى الدسوقى ان ذلك هو أصل المذهب ولكن استحسن بعض المتأخرين تضمينهم نظرا للمصلحة العامة. ولا ضمان على أجير الصانع الذى استأجره لمعونته عمل بحضرته أم لا ما ظهر خيره بأن كان معروفا بالصلاح على الأظهر وفى المدونة يضمن القصار ما أفسده أجيره ولا شئ على الأجير الا أن يتعدى أو يفرط وفى سماع أصبغ من تضمين الصناع فى الغسال يكثر عليه المتاع فيستأجر الأجراء يبعثهم الى البحر بالثياب انهم ضامنون، وفى هذا قال ابن رشد ان هذا لا يخالف ما فى المدونة من أنه لا ضمان على أجير القصار لأنهم لما انقلبوا بالثياب يعملون وغابوا عليها كانوا كالصناع سواء

стр. 599

أخذ ذلك من التجار أو من الصناع مثلهم (١) تضمين الصناع، وضمان القيمة عند الضمان يوم التلف فى موضعه الصناع أجراء كغيرهم من العاملين الذين يستأجرون لأعمالهم ولذا كان الأصل فيهم كما قال ابن رشد أن لا ضمان عليهم وانهم مؤتمنون لأنهم اجراء وقد أسقط رسول الله ﷺ الضمان عن الأجير ولكن العلماء قد خصوا ذلك بالصناع فلم يتناولهم هذا الحكم نظرا واجتهادا مراعاة للمصلحة العامة وضرورة الناس ولهذا قال مالك أنهم ضامنون لما غابوا عليه وادعوا تلفه ولم يعلم ذلك الا منهم ولكن لا ضمان عليهم فيما ثبت ضياعه ببينة من غير تضييع وتابعه على ذلك جميع أصحابه الا أشهب فانه قد ضمنهم وان قامت البينة على التلف ولقوله حظ من النظر لأنه كما وجب أن يضمنوا للمصلحة العامة لم يسقط الضمان عنهم بالبينة حسما للذريعة لأن ما طريقه المصالح وقطع الذرائع لا يخصص فى موضع دون موضع وقول مالك أصح (٢). وانما يضمن الصانع ما كان له فيه صنعة لا غيره ولو كان فى حاجة الى حضوره معه كالكتاب ينسخ منه الناسخ. وقال ابن شاس قال محمد: يضمن الصانع أيضا ما لا صنعة له فيه اذا كان مما لا يستغنى عن حضوره عند الصانع كالكتاب الذى ينسخ منه لا ما يستغنى عنه كأحد زوجى الحذاء اذا أحضره مع الآخر الذى يريد اصلاحه والى هذا ذهب أشهب فى سماعه. وقال سحنون لا ضمان عليه فى ذلك كله. وقد اختلف الشيوخ فى طريقة تقويم الذى يجب عليه ضمان هل يقوم وحده على أنه لا صاحب له أو يقومان معا ثم يقوم الباقى منهما وحده والفرق قيمة الضمان. وسياق فى هذا الحكم أن يكون عمل الصانع فى بيته أو فى حانوته وان يكون عمله بأجر أم بغير أجر وسواء كان التلف بصنعته فيه أم بغير صنعته ما لم يكن فى صنعته تغرير أى تعريض للاتلاف. كنقش الفصوص ونقش اللؤلؤ فلا ضمان الا أن يتعدى فى ذلك فيضمن هذا ويشترط لضمان الصانع مصنوعه شروط منها أن ينصب نفسه فى صنعته هذه لعامة الناس. قال اللخمى وانما يعد كذلك اذ أقام معيشته التى امتهنها واستعملها سواء أكان يعمل فى سوقها أم فى داره اما من لم يقم نفسه عليها ولا منها معاشه فلا يعد أنه ينصب نفسه عليها. وبناء على ذلك اذا كان أجيرا خاصا فى هذا العمل لشخص أو لجماعة مخصوصين فلا ضمان عليه ومنها أن يغيب على الذات المصنوعة اما اذا لم يغب عليها بأن عملها فى بيت ربها بحضرته أو غائبا أو فى غير بيته بحضرته فلا ضمان وعلى ذلك فالمراد بالغيبة عليها الا يعملها بحضرة ربها أو فى بيته ومنها أن يكون مصنوعه مما يغاب عليه أما لو دفع شخص غلامه لمن يعلمه وقد نصب نفسه لذلك وغاب عليه وادعى هربه لم يكن عليه ضمان ومنها ألا يكون فى الصنعة تغرير أى تعريض للاتلاف فاما ان كان فيها تغرير كثقب اللؤلؤ فلا ضمان عليه واذا ضمن الصانع فانما يضمن ذلك الشئ الذى تلف عنده

стр. 600

بقيمته يوم دفعه ربه اليه وليس لربه ان يقول أنا أدفع الاجرة وآخذ قيمته مصنوعا الا أن يقر الصانع أنه تلف بعد العمل واذا كان الضمان بقيمته يوم دفعه فذلك يستلزم عدم لزوم الأجرة لأنه انما ضمن القيمة قبل الصنع. والضمان هنا أصلى ولذا كان بالنظر الى يوم القبض لا الى يوم التلف. واذا شرط عدم الضمان فى هذه الأحوال فسد العقد والشرط لمنافاة الشرط مقتضى العقد وله ان عمل وسلم أجر المثل. ويضمن الصانع بالتلف ولو سبقه دعاء ربه لتسلمه اذا لم يكن الصانع قد قبض أجره أما اذا كان قد قبض أجره فلا ضمان لأنه صار كالمودع حينئذ ولا ضمان ان قامت بينة على التلف وحينئذ تسقط الأجرة سواء شهدت البينة بالتلف قبل العمل أم بعده. وقال بعضهم ان شهدت به بعد العمل لم تسقط الأجرة والا سقطت واذا أحضر الصانع مصنوعه الى ربه مصنوعا على الصفة التى طلبت منه وتسلم الأجرة ثم تركه ربه لديه فهلك فلا ضمان لانتهاء الاجارة وصيرورته وديعة بذلك الترك (١). قال فى الكافى: الصانع تضيع عنده السلعة فيضمن قيمتها ثم توجد بعد ذلك تكون له لا لصاحبها وكذلك المكترى تضل عنده الدابة لتعديه عليها بالضرب ونحوه فيغرم قيمتها ثم توجد تكون له. ومما تقدم يرى أن الأجير أمين عند المالكية لا يضمن الا بالتعدى أو التفريط وان مالكا قد استثنى الصناع من الاجراء مراعاة للمصلحة العامة ولما تقتضيه ضرورة الناس (٢) واذا ما استأجر الصانع أجيرا ليعينه فى عمله فلا ضمان عليه لا للصانع ولا لرب الشئ المصنوع الذى تلف لأنه أمين للصانع وذلك ما لم يفرط وليس عليه ضمان سواء غاب على مصنوعه أم لا وقال اشهب فى الغسال تكثر عنده الثياب فيؤاجر آخر يبعثه الى البحر بشئ منها يغسله فيدعى تلفه أنه ضامن وكلام التوضيح والمواق عن ابن رشد يفيد أن كلام اشهب تقييد للمشهور لا مقابل له وحينئذ فيقيد القول السابق بما اذا لم يغب الأجير عن الصانع بالشئ المصنوع خلافا لمن ذهب من المالكية الى ان كلام أشهب قول آخر مقابل للمشهور وهو عدم ضمان أحد من الصناع مطلقا (٣). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج ولو تلف المال فى يد أجير بلا تعد كثوب استأجر خياطا لخياطته أو صباغا لصبغه لم يضمن الخياط ولا الصباغ اذا لم ينفرد أحدهما باليد بان حدث العمل فى منزل رب الثوب أو حضرة ربه وكذلك لو صاحبه أو مشى خلفه فتلف - وكذلك لا يضمن ان انفرد الأجير باليد بان انتفى ما ذكر فى اظهر الاقوال لان يده انما
следующие страницы →