ويستثنى من ذلك: ما اذا أعاره شيئا لينتفع به انتفاعا يلزم من الرجوع فى أثنائه ضرر بالمستعير فلا يجوز للمعير أن يرجع فى الاعارة ويسترد العارية فى مثل ما اذا أعاره سفينة لحمل متاعه، أو أعاره لوحا يرقع به سفينة فرقعها به ولجج فى البحر لم يجز الرجوع ما دامت فى البحر حتى ترسى.
وله الرجوع قبل دخول البحر.
وان أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبة جاز.
وله الرجوع ولو بعد وضعه ما لم يبن المستعير عليه لأنه لا ضرر فيه. فان بنى عليه لم يجز للمعير الرجوع لما فى ذلك من هدم البناء حتى ولو قال للمستعير: أنا أدفع اليك أرش ما نقص بالقلع، لم يلزم المستعير ذلك لأنه اذا قلعه انقلع ما فى ملكه منه.
ولا يجب على المستعير قلع شئ من ملكه بضمان القيمة وان انهدم الحائط وزال الخشب عنه أو ازاله المستعير باختياره، أو سقط الخشب والحائط بحاله، لم يملك المستعير اعادته الا بأذن المعير، لأن الاعارة لا تلزم وانما امتنع الرجوع قبل انهدامه وغيره لما فيه من الضرر بالمستعير بازالة المأذون فى وضعه وقد زال ذلك (١).
وكذلك ان أعاره أرضا لدفن ميت فلا يرجع الى أن يندرس أثره. وان أعاره شيئا وأذن له فى اجازته مدة معلومة فليس للمعير الرجوع بعد عقد الاجارة حتى ينقضى لأن عقد الاجارة لازم.
وحيث كان الرجوع يضر بالمستعير فلا أجرة عليه للمعير منذ رجع الى أن يزول الضرر، لأن بقاء ذلك بحكم الاعارة، ولأنه لا يملك الرجوع فى المنفعة فى حال تضرر المستعير فلا يملك طلب بدلها. الا فى الزرع اذا رجع المعير قبل أوان حصده فله أجرة مثل الأرض - كما سيأتى فى اعارة الأرض للزرع (٢).
مذهب الظاهرية:
للمعير أن يرجع فى اعارته ويأخذ ما أعار متى شاء، سواء عين مدة أو لم يعين، أشهد أو لم يشهد، لأنه لا يحل مال أحد بغير طيب نفس منه إلا بنص، ولا نص فى هذا.
وتعيينه المدة وعد، والوعد لا يلزم الوفاء به - وان كان يكره له ذلك والافضل أن يفى به - لأنه شرط ليس فى كتاب الله، فهو باطل.
أما ارتجاعه العين المعارة متى شاء فلأنه لم يهب الاصل ولا الرقبة. فلا يجوز من ماله الا ما طابت به نفسه، وللمعير أن يأخذ ما أعاره متى أحب بلا تكليف عوض، لقول الرسول ﷺ : (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» (٣).
стр. 5392
مذهب الزيدية:
يصح لمن أعار عينا الرجوع فيها متى شاء وسواء كانت الاعارة مطلقة أو مؤقتة كالاباحة، لأن المنافع المستقبلة غير حاصلة فيصح الرجوع كقبل قبض المستعار.
وللمستعير ردها متى شاء أيضا كالمباح له (١).
ويستثنى من ذلك: ما اذا أدى رجوع المعير واسترداده العين المعارة الى محظور أو ترك واجب نحو أن يستعير ثوبا ليستر عورته فى الصلاة الواجبة، أو ليصلى عليه فى الموضع المتنجس، ونحو أن يستعير سفينة ليعبر عليها. أو خيطا ليربط به جرح محترم، أو آلة من حبل أو غيره لينقذ به محترم الدم فى بئر مثلا، أو ثوبا ليكفن به ميتا (٢). فانه لا يجوز الرجوع بعد الدفن (٣). وتتأبد الاعارة للقبر - ان كان المعار قبرا - بعد الدفن حتى يندرس الميت، اذ لا يحول الميت لقوله ﷺ فى قتلى أحد: «يدفنون حيث صرعوا» فاذا كره التحويل عن المصرع فالتحويل عن القبر أشد كراهة (٤).
وللمعير الرجوع قبل أن ينهال عليه التراب ولو قد وضع فى قبره ويكون آثما.
وتؤبد الاعارة أيضا بعد القاء البذر فى الأرض المستعارة حتى يحصد الزرع ان لم يقصر المستعير كما سيأتى مفصلا فى اعارة الارض للزراعة.
كما تؤبد فى استعارة النار حتى ينضج ما استعيرت لأجل انضاجه ما لم يقصر المستعير.
وللمعير فى كل ذلك أجرة المثل من يوم الرجوع، وللمستعير اتمام عمله ولا يصير غاصبا، وفى المقبرة له أجرة المثل من يوم الرجوع حتى يندرس الميت أو يجتاحه سيل (٥).
مذهب الإمامية:
الاعارة من العقود غير اللازمة لأحد المتعاقدين فلكل منهما فسخه متى شاء، وسواء كانت الاعارة مطلقة أم مؤقتة فى الاصح على خلاف ابن الجنيد حيث حكم بلزومها من طرف المعير ان عين لها مدة، ولكن يستثنى من هذا مواضع:
(الاول): الاعارة للرهن بعد وقوعه، أو للاجارة فيلزم المعير الصبر الى انقضاء المدة.
(الثانى): الاعارة لدفن ميت مسلم ومن بحكمه، فلا يجوز الرجوع بعد تسوية التراب على الميت الى أن تندرس عظامه لتحريم نبشه وهتك حرمته، ولو رجع المعير قبل التسوية
стр. 5393
جاز له ذلك وان كان الميت قد وضع فى القبر على الأقوى.
(الثالث): اذا حصل بالرجوع ضرر على المستعير لا يستدرك كما لو أعاره لوحا رقع به سفينته ولجج فى البحر فلا رجوع للمعير الى أن يمكن للمستعير الخروج الى الشاطئ أو اصلاحها مع نزعه من غير ضرر فلو رجع قبل دخول السفينة أو بعد خروجها فلا اشكال فى عدم جوازه، ويحتمل جواز رجوع المعير مطلقا وان كان يجب عليه الصبر باسترداد المعار وقبضه حتى يزول الضرر (١).
مذهب الإباضية:
من أعار أحدا عارية لوقت معين حرم عليه أخذها قبل انقضائه ديانة، أى فيما بينه وبين الله سبحانه والمراد بالوقت المعين الحد المعين زمانا كان أو مكانا كالحمل الى موضع كذا، أو فعلا كخياطة الثوب بابرة مستعارة.
وأما فى القضاء فانه يحكم برد العين المعارة ان طلبها المعير ولو قبل المدة أو الحد المستعارة لأجله (٢).
حكم الاعارة - أثرها:
أختلف الفقهاء فى الاثر المترتب على الاعارة
أهو تمليك، أم اباحة؟ على النحو الآتى:
مذهب الحنفية:
يترتب على عقد الاعارة بعد تمامه عند عامة مشايخ المذهب أن يملك المستعير - بغير عوض - منفعة العين المعارة أو ما هو ملحق بالمنفعة عرفا وعادة كلبن الشاة المعارة للحلب (٣).
وقال الكرخى: يترتب عليه اباحة الانتفاع بملك الغير لا تملكه، لأن الاعارة تنعقد بلفظ الاباحة والتمليك لا ينعقد بلفظ الاباحة، ولا يشترط فيها تعيين المدة والتمليك يقتضى أن تكون المنافع المملكة معلومة ولا تعلم الا ببيان المدة وبيان المدة ليس بشرط هنا فكان تمليكا للمجهول، ولأن المعير يملك نهى المستعير عن الانتفاع ولو كانت تمليكا لما ملكه كالمؤجر لا يملك نهى المستأجر عن الانتفاع، وكذلك المستعير لا يملك الاجارة لغيره ولو كانت الاعارة تمليكا للمنافع كالاجارة لجاز للمستعير أن يؤجر المستعار ولكن لا يصح منه ذلك (٤).
واستدل عامة الحنيفة.
(أولا): بأن المعير سلط المستعير على تحصيل المنافع وصرفها الى نفسه على وجه زالت يده عنها والتسليط على هذا الوجه يكون تمليكا لا اباحة كما فى الاعيان (٥).
стр. 5394
(ثانيا): بأن الاعارة تنعقد بلفظ التمليك مثل أن يقول: ملكتك منفعة دارى هذه شهرا، وما ينعقد بلفظ التمليك فهو تمليك.
وانعقادها بلفظ الاباحة مجاز كما أن الاجارة تنعقد بلفظ الاباحة ولا نزاع فى كونها تمليكا، والجهالة المفضية الى النزاع هى المانعة من التمليك أما الجهالة فى باب الاعارة فلا تقضى اليه. وعمل النهى فى الاعارة لأن الاعارة عقد غير لازم فكان للمعير الرجوع فى أى وقت شاء (١).
وامتناع اجارة المستعير للعين المعارة له لبس لأن المستعير لا يملك المنفعة بل لأن المعير ملكه المنافع على وجه لا ينقطع حقه عنها متى شاء، فلو جاز له أن يؤجرها لتعلق بالاجارة استحقاق المستأجر فيقطع حق المعير فى الاسترداد فى أى وقت شاء (٢).
مذهب المالكية:
عقد الاعارة يفيد تمليك منفعة العين للمستعير تمليكا مؤقتا، وملك المنفعة فى هذا العقد أعم من ملك الانتفاع فى بعض العقود مثل أن يوقف بيت على طلبة العلم يسكنونه ففيه تمليك انتفاع وليس فيه تمليك منفعة، لأن الانتفاع يكون بنفس المنتفع فقط وليس له أن يؤاجره ولا أن يعيره لغيره، أما ملك المنفعة فأعم من ذلك لأن له فيها الانتفاع بنفسه أو بغيره كأن يعيره أو يؤاجره (٣).
مذهب الشافعية:
يترتب على تمام عقد الاعارة اباحة الانتفاع للمستعير بالعين المستعارة ولذا صحت بلفظ الاباحة والاباحة لا تفيد نقل اليد بدليل أن الضيف لا يمكنه أن يتصرف فيما قدم له (٤).
قال الامام السيوطى:
المستعير يملك - بعقد الاعارة - الانتفاع دون المنفعة، ومن ملك الانتفاع فليس له الاجارة قطعا ولا الاعارة فى الاصح، أما من ملك المنفعة كالمستأجر فله الاجارة والاعارة (٥).
مذهب الحنابلة:
الاعارة اباحة لمنفعة العين المعارة وليست تمليكا لها، فلا يجوز للمستعير أن يبيحها غبره كاباحة الطعام، لأن المستعير لم يملك المنافع انما ملك استيفاءها على الوجه الذى أذن له فيه. ويحتمل أن يكون تمليك المنفعة للمستعير مذهبا للامام أحمد فى الاعارة
стр. 5395
المؤقتة بناء على كونه اذا أعاره أرضه سنة ليبنى فيها لم يحل الرجوع للمعير قبل السنة، لأن المستعير قد ملك المنفعة فجازت له اعارتها كالمستأجر بعقد لازم، وقد حكى هذا صاحب المجرد وقال: انه قول لأحمد (١).
مذهب الظاهرية:
الاعارة اباحة للمنافع وليست تمليكا لها، لأنها معروف وفعل حسن من المعير لا عقد (٢).
مذهب الزيدية:
الاعارة اباحة للمنافع وليس هبة لها ولذا لا يجوز للمستعير أن يعير العين المستعارة الا لعرف فانه يعتبر اذنا له بالاعارة (٣).
مذهب الإمامية:
المنافع فى عقد الاعارة ليست مملوكة للمستعير وان كان له استيفاؤها، فلا يجوز له اعارة العين المستعارة الا باذن المالك وكذلك لا يجوز له اجارتها (٤).
مذهب الإباضية:
الاعارة هبة للمنافع أى تمليك لها وليست باباحة، لأنها - عندهم - عقد فى نقضه معصية (٥).
١٣ - اعارة الارض للزراعة:
مذهب الحنفية:
اذا استعار أرضا للزراعة فزرعها، ثم أراد المعير لها أن يأخذها لم يكن له ذلك حتى يصير الزرع صالحا للحصاد سواء وقت الاعارة أو لم يوقتها، بل تترك الأرض فى يد المستعير الى وقت الحصاد بأجر المثل استحسانا. وفى القياس: يكون له ذلك كما فى استعارة الأرض للبناء والغرس. ووجه الفرق للاستحسان ان النظر للجانبين ورعاية الحقين واجب عند الامكان، وذلك ممكن فى الزرع لأن الزرع له نهاية معلومة وفى الترك اليها مراعاة الجانبين جانب المستعير حيث لم تقف منفعة زرعه وجانب المالك بالترك الى وقت الحصاد بالأجر (٦). بخلاف الغرس لأنه ليس لادراكه غاية معلومة فلو ابقيناه لعطلنا على المعير منفعة أرضه حتى لو كان الغرس للبيع والنقل لا للاستبقاء كان الحكم فيه كالحكم فى الزرع (٧).
стр. 5396
مذهب المالكية:
اعارة الأرض لزرعها بطنا أو أكثر مما لا يخلف كقمح، أو مما يخلف كبرسيم وقصب تكون لازمة الى انقضاء ذلك الأجل، وان لم تكن مقيدة بذلك كقول المعير: أعرتك هذه الأرض فانها تلزم الى انقضاء مدة ينتفع بمثلها عادة (١)، وتحمل على زراعتها مرة واحدة عند الاطلاق.
والظاهر: أنه لا رجوع للمعير فى اعارة الأرض اعارة مطلقة للزراعة حتى ولو قبل أن يزرعها المستعير فليس للمعير منعه، لأن مقدار الزراعة معلوم فهو كالأجل المعلوم (٢).
مذهب الشافعية:
اذا أعاره أرضا لزراعة مطلقا ورجع المعير قبل ادراك الزرع فالصحيح أن عليه الابقاء الى الحصاد ان كان القلع قبل الادراك ينقصه لأنه محترم وله أمد ينتظر.
ومقابل الأصح وجهان:
أحدهما: له القلع ويغرم أرش نقصه.
وثانيهما: له التملك بالقيمة فى الحال.
أما اذا لم ينقص بالقلع وان لم يعتد قطعه أو نقص بالقلع ولكن العادة قطعه أخضر كالبقول، فان المستعير يجبر على قلعه حينئذ.
والصحيح على القول الأول: أن للمعير الاجرة من وقت رجوعه الى حصاد الزرع، لأن الاباحة انقطعت بالرجوع.
وقيل: لا أجرة له، لأن منفعة الأرض الى الحصاد كالمستوفاة بالزرع.
وكذلك تلزم تبقية الزرع بالأجر الى الحصاد كما فى الاعارة المطلقة لو عين المعير مدة ولم يدرك الزرع فيها بدون تقصير من المستعير بتأخير الزراعة.
سواء كان عدم الادراك لنحو برد أو مطر أم لقصر المدة التى عينها المعير.
أما ان كان عدم ادراك الزرع فى المدة يرجع الى تقصير المستعير بتأخير الزراعة فلا يلزم المعير ابقاء الزرع، وعلى المستعير قلعه مجانا ويلزمه تسوية الأرض. وكذلك الحكم ان قصر المستعير بالزرع ولم يقصر بالتأخير كأن كان على الارض سيل أو ثلج أو نحو ذلك مما لا يمكن الزرع معه ثم زرع بعد زواله ما لا يدرك فى بقية المدة.
وكذلك اذا ابدل المستعير الزرع المعين المتعاقد عليه بغيره مما يبطئ أكثر منه كان كالتقصير بالتأخير (٣).
ولو أعاره أرضا للزرع لم يزرع الا مرة واحدة (٤).
стр. 5397
مذهب الحنابلة:
اذا أعاره الأرض للزرع فله الرجوع ما لم يزرع فاذا زرع المستعير لم يملك المعير الرجوع فيها الى أن ينته الزرع (١).
فاذا رجع فعلا قبل أوان حصاده وهو لا يحصد أخضر فله مثل أجرة الأرض المعارة من حين رجع الى حين الحصاد، لوجوب تبقيته فى أرض المعير الى أوان حصاده قهرا عليه لأنه لم يرض بذلك بدليل رجوعه.
وان بذل المعير للمستعير قيمة الزرع ليملكه لم يكن له ذلك نص عليه أحمد، لأن له وقتا ينته اليه.
وهو قصير بالنسبة الى الغرس فلا داعى اليه.
وكذلك لا يملك المعير أن يقلع الزرع ويضمن نقصه، لأنه لا يمكن نقله الى أرض أخرى بخلاف الغرس وآلات البناء، والمستعير اذا اختار قلع زرعه ربما يفوت على المعير الانتفاع بأرضه ذلك العام فيتضرر به فيتعين ابقاء الزرع بأجرته الى الحصاد جمعا بين الحقين.
وفى المسألة وجه آخر مفاده: أنه يحتمل ألا يجب الأجر، لأن حكم الاعارة باق فى الزرع لكونها صارت لازمة للضرر اللاحق بفسخها بالرجوع، والاعارة تقتضى الانتفاع بغير عوض.
واختاره صاحب المحرر فى الفقه، والذى عليه العمل عند الجميع هو الأول (٢).
هذا اذا كان الزرع مما لا يحصد أخضر فان كان مما يحصد أخضر قبل أوان حصاده فعلى المستعير قطعه فى وقت جرت العادة بقطعه فيه اذا رجع المعير، لعدم الضرر فيه.
مذهب الظاهرية:
اذا أعاره أرضا للزراعة فله أن يستردها متى شاء بلا تكليف عوض، سواء عين مدة أو لم يعين.
وسواء أشهد أو لم يشهد (٣)، وقد سبق تفصيل ذلك فى «لزوم عقد الاعارة وعدم لزومه».
مذهب الزيدية:
اذا استعار أرضا للزرع فرجع المعير بعد أن زرعها المستعير فلا يخلو اما أن يكون من المستعير تقصير أولا، فان لم يكن فللمستعير الخيار فان شاء طلب من المعير قيمته قائما ليس له حق البقاء. وان شاء قلع زرعه وأخذ أرش النقص. وان شاء أبقى الزرع الى أن يصير صالحا للحصاد، وعليه أجرة المثل
стр. 5398
للمعير. من غير فرق فيما اذا كان ذلك بعد انقضاء الوقت المعين فى الاعارة المؤقتة أو بعد انقضاء الوقت المعتاد فى المطلقة، أو قبل انقضاء الوقت فى كل منهما.
وقيل: بل المذهب انه اذا اختار الرفع فلا شئ له. وان كان من المستعير تقصير فى القاء البذر ونحوه فله الخيارات الثلاثة أيضا اذا كان رجوع المعير قبل انقضاء الوقت المعين فى المؤقتة أو الوقت المعتاد فى المطلقة.
وأما اذا كان رجوع المعير بعد انقضاء ذلك فلا خيار للمستعير بل يأمره المعير بالقلع أو يضرب عليه من الاجرة ما شاء.
وقال فى المعيار: من أعار أرضا للزرع أو الغرس فحرث المستعير الأرض وسقاها ثم رجع فانه تلزمه تلك الصفة، لاستهلاكها على المستعير حيث لا يمكن فصلها (١).
مذهب الإمامية:
ان أعاره أرضا واذن له فى زراعتها ثم رجع وأمره بقلع الزرع فان كان الزرع قد بلغ حد القطع وجب قطعه وحصاده مجانا لانتفاء الضرر. وان كان الزرع لم يبلغ ذلك وجب للمستعير على المعير - على الأشبه - أرش النقصان وهو الفرق بين كون الزرع قائما الى انقضاء المدة، ومقلوعا قبل انقضائها وليس للمعير المطالبة بقلع الزرع بدون هذا الارش، للضرر.
وقيل: ليس للمعير الرجوع قبل حصاد الزرع، لأن له مدة فينتظر لانقضائها.
ولو شرط المعير على المستعير قلع الزرع مجانا وتسوية الحفر - عند الرجوع - ألزم المستعير الوفاء ولا ارش وان شرط عليه القلع فقط لم يكلف المستعير تسوية الحفر.
وان لم يشترط عليه القلع فأراده المستعير فله ذلك، وهل عليه التسوية؟ اشكال (٢).
ولو أذن له فى الزرع مرة لم يكن له التكرار ولو أطلق فالأقرب الجواز.
مذهب الإباضية:
اذا انقضت مدة الاعارة قبل ادراك الزرع فلا يجبر المستعير على قلعه حتى يدرك حد الحصاد وعليه أجرة نقصان الأرض من حين انقضاء المدة المحددة فى عقد الاعارة.
وان أذن المعير للمستعير أن يزرع بمائه فلا يملك المعير أن يمنعه من الماء بعد القاء البذر - وله ذلك قبل القاء البذر حتى ولو كان المستعير قد سقى الأرض بمائه.
وان أخرج المعير الماء من ملكه ببيع أو غيره فلا يمنعه عن المستعير من انتقلت اليه ملكية الماء حتى يدرك الزرع حد الحصاد (٣).
стр. 5399
١٤
- اعارة الارض للبناء والغرس:
مذهب الحنفية:
اذا استعار ارضا ليبنى عليها أو ليغرس فيها ثم بدا للمعير أن يخرجه فله ذلك.
سواء كانت الاعارة مطلقة أم مقيدة.
الا أنها ان كانت مطلقة له أن يجبر المستعير على قلع الغرس ونقض البناء، لأن فى الترك ضررا بالمعير لأنه لا نهاية له. ولا يضمن المعير شيئا من قيمة الغرس والبناء، لأنه لو وجب عليه الضمان لوجب بسبب الغرور ولا غرور من جهته حيث أطلق العقد ولم يوقت فيه وقتا فأخرجه قبل الوقت، والمستعير ملتزم غير مغرور حيث اعتمد اطلاق العقد من غير أن يسبق من المعير وعد بذلك.
وان كانت مؤقتة ورجع المعير قبل انتهاء الوقت صح رجوعه، ولكن يكره ذلك لما فيه من خلف الوعد (١)، والمستعير بالخيار بين أمرين.
الأول: ان شاء ضمن صاحب الأرض قيمة غرسه وبنائه قائما سليما، وترك ذلك له لأن المعير لما وقت للاعارة وقتا ثم أخرجه قبل الوقت فقد غره فصار كفيلا عنه فيما يلزمه من العهدة، اذ ضمان الغرور ضمان كفالة، فكان له أن يرجع عليه بالضمان، ويملك المعير البناء والغرس بأداء الضمان، وتعتبر قيمتهما يوم الاسترداد.
الثانى: ان شاء أخذ غرسه وبناءه ولا شئ على المعير. ومحل ثبوت الخيار للمستعير اذا لم يكن قلع الغرس أو نقض المبناء مضرا بالأرض فان كان مضرا بها فالخيار للمالك لأن الأرض أصل والبناء أو الغرس تابع لها، فكان المعير صاحب أصل والمستعير صاحب تبع، فكان اثبات الخيار لصاحب الأصل أولى ان شاء أمسك الغرس والبناء، وان شاء رضى بالقلع وللنقض (٢).
وقال زفر: لا ضمان على المعير لأن المستعير لما علم أن للمعير ولاية الأخذ فقد رضى بذلك (٣).
مذهب المالكية:
اذا أعاره أرضه يبنى فيها بنيانا أو يغرس فيها غرسا فلما غرس أو بنى أراد المعير اخراجه والحال انه لم يحصل تقييد بأجل فله اخراجه ولو بقرب الاعارة قبل المعتاد وهذا أحد قولين عندهم، لتفريط المستعير بعدم التقييد بالأجل ويملك المعير اخراج المستعير بشرط أن يدفع للمستعير كل ما انفقه وكلفه على ذلك البنيان والغرس.
وقيل: له أن يخرجه ان دفع للمستعير قيمة ما أنفق، والقولان لمالك فى المدونة، فمحل اعطاء القيمة ان كان ما غرسه المستعير أو بنى به من آجر وخشب من ملكه ولم يشتره، أو اشتراه بغبن كثير، أو طال زمن البناء
стр. 5400
والغرس. ومحل دفع ما أنفق أن اشتراه للعمارة بدون غبن أصلا أو بغبن يسير، أو لم يطل الزمن.
أما اذا أعاره أرضا ليبنى فيها أو يغرس الى مدة معلومة ثم انقضت المدة المشترطة أو المعتادة فان المستعير يصير حكمه حكم الغاصب.
فان شاء المعير أمر المستعير بقلع غرسه ونقض بنائه وتسوية الأرض كما كانت.
وان شاء أمره بابقاء كل ذلك ويدفع له قيمته منقوضا ومقلوعا ان كان له قيمة بعد أن يحاسبه بأجرة من يسوى الأرض ويسقطها من القيمة الا أن يكون المستعير من شأنه تولى هدم أو قلع ذلك بنفسه أو بخدمه أو نحو ذلك فانه يأخذ قيمة ما ذكر كاملة من غير اسقاط أجرة من يسوى الأرض وانما كان المستعير كالغاصب مع أنه مأذون له فى البناء والغرس، لأنه دخل على ذلك لتحديده بزمن قد أنقضى ولو اشترط المستعير أن المدة اذا انقضت لا يكون كالغاصب فالظاهر أنه يعمل بالشرط (١).
هذا اذا انقضت المدة أما اذا لم تنقض فليس للمعير أخذ الأرض قبل ذلك على ما سبق بيانه عند الكلام فى «لزوم عقد الاعارة».
مذهب الشافعية:
اذا أعار شخصا أرضا للبناء أو الغرس ولم يذكر مدة بأن أطلق ثم رجع بعد أن بنى المستعير أو غرس.
فان كان المعير شرط القلع أو الهدم بلا عوض لنقصه فان المستعير يلزمه ذلك عملا بالشرط.
فان امتنع فللمعير قلعه مجانا - أى بلا عوض يلزمه -
ويلزم المستعير أيضا تسوية الحفر ان شرطت والا فلا.
وان لم يشترط عليه القلع فان اختار المستعير القلع والهدم قلع وهدم بلا عوض، لأنه ملكه وقد رضى بنقضه.
ولا يلزمه تسوية الأرض فى الأصح، لأن الاعارة مع العلم بأن للمستعير أن يقلع رضا بما يحدث ويترتب على القلع.
وقيل: بل الأصح أنها تلزمه، لأنه قلع باختياره، ولو امتنع منه لم يجبر عليه فيلزمه اذا قلع رد الأرض الى ما كانت عليه - أى بأن يعيد التراب الذى أزيل بالقلع الى مكانه فقط ولا يكلف ترابا آخر لو كان ترابها لا يكفيها ليرد كما أخذ.
وان لم يختر المستعير القلع لم يقلع المعير مجانا، لأنه موضوع بحق فهو محترم.
بل للمعير الخيار بين أن يبقيه بأجرة مثله، وبين أن يقلع أو يهدم ويضمن أرش
стр. 5401
نقصه، وهو قدر التفاوت ما بين قيمته قائما ومقلوعا.
وقيل: للمعير أيضا فى الأصح أن يتملكه بعقد مشتمل على ايجاب وقبول بقيمته حال التملك مستحق القلع أو الهدم.
ومحل تخيير المعير بين الثلاث اذا كان فى القلع أو الهدم نقص للأرض، وكان المعير غير شريك. ولم يكن على الغرس ثمر لم يبد صلاحه، والا فيتعين القلع فى الأول والتبقية بأجرة المثل فى الثانى وتأخير التخيير الى ما بعد قطع التمر فى الثالث لأن له أمدا ينتظر.
فان لم يختر المعير واحدة من الخصال التى خير فيها فليس له أنه يقلع أو يهدم مجانا ان التزم المستعير دفع الاجرة لانتفاء الضرر وكذا ان لم يلتزمها فى الأصح، لتقصير المعير بترك الاختيار مع رضاه باتلاف منافعه.
واذا لم يختر المعير ولم يلتزم المستعير الاجرة فقيل يبيع القاضى الأرض وما فيها من بناء وغرس ويقسم بينهما، فصلا للخصومة.
والأصح أن القاضى يعرض عنهما حتى يختار المعير ما له اختياره ويوافقه المستعير عليه لينقطع النزاع بينهما.
وللمعير حينئذ دخول الأرض والانتفاع بها فى مدة المنازعة، لأنها ملكه أما المستعير فلا يدخلها بدون حاجة الا باذن من المعير، ويجوز دخوله لسقى الغرس أو اصلاحه أو اصلاح البناء صيانة لملكه عن الضياع.
ولو تعطل نفع الأرض على المعير بدخوله لم يلزمه أن يمكنه من دخولها الا بأجرة (١).
مذهب الحنابلة:
ان أعار أرضه لغرس أو بناء وشرط على المستعير القلع أو الهدم فى وقت معين أو عند رجوعه ثم رجع المعير فانه يلزم المستعير القلع فى الوقت المعين أو عند رجوع المعير ولو لم يأمره المعير بالقلع، لقوله ﷺ : «المؤمنون عند شروطهم» ولأن المستعير دخل فى الاعارة راضيا بالتزام الضرر الداخل عليه بالقلع أو الهدم.
ولا يلزم المعير ضمان نقص الغرس والبناء، كما لا يلزم المستعير تسوية الأرض اذا حصل فيها حفر الا بشرط المعير عليه ذلك وان لم يشترط المعير على المستعير القلع أو الهدم فلا يلزم المستعير ذلك الا أن يضمن له المعير النقض. فان قلع المستعير أو هدم باختياره فعليه تسوية الأرض من الحفر، وان أبى القلع أو الهدم - فى الحال التى لا يجبر فيها - فللمعير تملك البناء والغرس بقيمته جبرا على المستعير، أو قلع الغرس وهدم البناء ويضمن نقصه للمستعير ولو دفع المستعير قيمة الأرض ليتملكها لم يكن له ذلك، لأنها أصل والغرس والبناء تابع بدليل تبعهما لها فى البيع فان أبى المعير الأخذ بالقيمة، والقلع مع ضمان النقص،
стр. 5402
وامتنع المستعير من دفع أجرة البناء أو الغرس أو من قلعه فلا يجبران على ذلك وتباع الأرض بما فيها من غرس أو بناء ان رضيا به أو رضى به أحدهما ويجبر الآخر على البيع بطلب من رضى به، لأنه طريق لتخلص كل منهما من مضارة الآخر وتحصيل ماله ولكل منهما بيع ماله منفردا من صاحبه وغيره ويثبت للمشترى ما كان للبائع فيما تقدم.
ولا أجرة للمعير على المستعير من حين رجوعه فى نظير بقاء الغرس والبناء الى تملكه بقيمته. أو قلعه مع ضمان نقصه لأن المعير اذا أبى أخذ الغراس أو البناء بقيمته أو قلعه وضمان نقصه فابقاؤه فى الآرض من جهته فلا أجرة له كما كان قبل الرجوع.
وان غرس المستعير أو بنى فيما استعاره لذلك بعد رجوع المعير أو بعد انقضاء الوقت المعين فى الاعارة ولو لم يصرح المعير بعد انقضائه بالرجوع فهو غاصب يلزمه ازالة ما غرسه أو بناه مجانا، لتصرفه فى مال غيره بغير اذنه لزوال الاعارة بالرجوع وبانتهاء الوقت فى المؤقتة (١).
مذهب الظاهرية:
من أعار أرضا للبناء فيها، أو حائطا للبناء عليه، فله أخذه بهدم بناء المستعير - متى شاء بلا تكليف عوض وسواء فى ذلك أكانت الاعارة مؤقتة ورجع قبل انقضاء الوقت، أو مطلقة، لأنه لا يحل مال أحد بغير طيب نفس منه والمعير لم يهب الأصل ولا الرقبة فيرجع فيهما متى شاء، وتعيينه المدة وعد لا يلزمه الوفاء به (٢).
مذهب الزيدية:
اذا رجع المعير فى اعارته الأرض للغرس والبناء ونحوهما كموضع الجذع فى وسط الجدار أو الفص فى الخاتم فللمستعير فى كل ذلك خياران:
ان شاء طلب من المعير قيمة البناء والغرس قائما ليس له حق البقاء
وان شاء قلع غرسه وهدم بناءه، ولا يلزمه تسوية الأرض.
وهذا اذا لم يشترط المعير على المستعير القلع أو الهدم ونحوه عند الرجوع، فاذا اشترطه فلا خيار للمستعير.
وسواء فى كل ذلك أكانت الاعارة مطلقة أو مؤقتة ورجع المعير قبل انقضاء الوقت.
وللمعير أجرة المثل من يوم الرجوع، كما أن له دخول الارض المستعارة والاستظلال بأشجارها وغروسها لا الاتكاء عليها، اذ هو استعمال ملك الغير.
وفى دخول المستعير لسقى الشجر واصلاحه وبعد رجوع المعير وجهان:
стр. 5403
أصحهما له ذلك اذا كان لغرسه أو بنائه استحقاق البقاء (١).
مذهب الإمامية:
لو أعاره للغرس مدة معينة فله الرجوع قبل انقضائها مع الارش، وهو التفاوت بين كون الغروس قائمة الى نهاية المدة ومقلوعة قبل انقضائها (٢).
فاذا طالب المعير المستعير بقلع ما اذن له فى غراسه من غير أن يضمن له أرش النقصان وأبى ذلك المستعير لم يجبر عليه، لما روت عائشة عن النبى ﷺ : «من بنى فى رباع قوم باذنهم فله قيمته (٣).
ولو رجع المعير بعد انقضاء المدة فله الزام المستعير بالقلع مجانا.
ولو رجع المعير قبل الغرس فلم يعلم المستعير حتى غرس جاز له القلع مجانا على أشكال وفى استحقاق الاجرة قبل القلع نظر.
ولو شرط المعير على المستعير القلع، عند الرجوع مجانا وتسوية الحفر ألزم المستعير الوفاء ولا أرش له
وان شرط القلع مجانا فقط لم يكلف المستعير تسوية الحفر. ولو لم يشترط المعير القلع فأراده المستعير فله ذلك.
وهل عليه التسوية؟ أشكال.
ولو اذن فى غرس شجرة بأرضه فانقلعت جاز أن يغرس غيرها استصحابا للاذن الأول.
وقيل: يفتقر الى اذن مستأنف وهو الاشبه (٤).
ولو تصرف المستعير بعد المدة كان غاصبا وعليه الاجرة فان كان قد غرس فعليه قلعه وعليه تسوية الحفر (٥): ونقص الأرض ويجوز للمعير الاستظلال بالشجر المذكور، وان كان ملكا لغيره، لأنه جالس فى ملكه كما لو جلس فى غيره من أملاكه فاتفق له التظلل بشجر غيره.
وكذا يجوز له الانتفاع بأرضه بكل ما لا يستلزم التصرف فى الشجر.
وليس للمستعير دخول الارض لغرض يتعلق بغير الشجر فيجوز له الدخول اليها لسقيه وحرثه وحراسته وغيرها، كما يجوز له الاستظلال بالشجر الذى غرسه وان استلزم التصرف فى الارض بغير الغرس، لقضاء العادة به (٦).
مذهب الإباضية:
ان اذن المعير للمستعير أن يبنى ويسكن لأجل معين، ثم رجع فأخرجه قبل تمام الاجل
стр. 5404
فللمستعير أجرة تعبه وما تجشمه فى سبيل البناء، وقيمة ما جلبه من مستلزمات البناء كآجر وخشب من خارج الارض لأنه لم يتم له الاجل الذى شرطه.
وان أخرجه بعد الاجل.
فقيل: له أجرة تعبه.
وقيل: ليس له ذلك، وليس له قيمة مواد البناء التى جلبها له من خارج الارض.
وان أعاره الأرض اعارة مطلقة عن الأجل ثم رجع فأخرجه فللمستعير كذلك أجرة تعبه وقيمة مواد البناء المجلوبة له من خارج الارض.
وفى الاثر: ان أعار أرضا للبناء لم يكن للمعير اخراج المستعير منها حتى يعطيه قيمة النقض.
وان أجل الاعارة بأجل لم يكن له اخراجه قبل الاجل، ويقول له: انقض بناءك، فالبناء للمستعير على هذا وعليه نقله الا أن اتفقا.
وعلى القول الاول: البناء للمعير للأجل.
وهذا فى اعارة الارض للبناء.
أما ان اعاره الأرض لغرس الودى وهو النخل الصغير لأجل معين وشرط عليه أن يكون بعد نهاية الاجل للمعير، ألزم المستعير بما اشترطه وان لم يشترط عليه ذلك، فالنخل للمستعير فى الارض بلا قيمة للأرض لأنه غرس بأمر صاحبها وان غرس غير النخل فللمستعير أجرة تعبه وقيمة غرسه اذا رجع المعير وأخرجه من الأرض المعارة له للغرس اعارة مطلقة (١).
أما ان كانت الاعارة مؤقتة وأخرجه بعد الاجل فلا شئ له، وان أخرجه قبل الاجل فله أجرة تعبه وقيمة غروس أدخلها فى الارض من خارجها.
والفرق بين النخل وغيره من الغروس، أن النخل معين لصاحبه لأن له عروقا فهو لصاحبه اذا أخرجه صاحب الارض، أما الغروس فغير معينة، لأنها تنقل وتسمى بخلاف الاسم الأول فهى تابعة للأرض (٢).
وان أعار أرضه لمن يبنى أو يغرس فيها فلا يفعل ذلك الا مرة واحدة فلا يبنى ما انهدم بعضه.
ولا يغرس فى موضع الميتة التى لها خلف، بل ينتفع بالباقى فقط.
وقيل له ذلك: اذا كان من جنسه أو أخف وان أعاره أرضا للبناء والغرس، ثم رجع فأخرجه منها فلا أجرة له ولا قيمة لغرسه أو بنائه اذا كان ذلك من الارض.
وقيل: ينظر الى ما انتفع به من الارض والى تعبه، فان لم يتم له تعبه فى انتفاعه أتمه المعير له من ماله.
وان زاد انتفاعه على تعبه رد الزائد للمعير.
وان كان ذلك من خارج الارض اعطاه المعير قيمته وقت الغرس والبناء.
стр. 5405
وقيل: وقت الاخراج وورثة كل واحد منهما أو خليفته يقوم مقامه ولمن انتقلت الأرض اليه اخراج المستعير ان أراد، وأجرة تعبه على الاول. وللمستعير أن يبيع بناءه وغرسه (١).
١٥ - يد المستعير على العاربة:
مذهب الحنفية:
العارية أمانة فى يد المستعير فان هلكت فى يده من غير تعد لم يضمنها، وان فرط فيها أو تعدى ضمنها بالاجماع لقوله ﷺ : «وليس على المستعير غير المغل ضمان» ولأنه لم يوجد من المستعير سبب لوجوب الضمان فلا يجب عليه الضمان كالوديعة والاجارة لان الضمان لا يجب على المرء بدون فعله، وفعله الموجود منه ظاهرا هو العقد والقبض وكل واحد منهما لا يصلح سببا لوجوب الضمان عليه أما العقد فلأنه عقد تبرع بالمنفعة تمليكا أو اباحة وما وضع لذلك لا يتعرض للعين حتى يوجب الضمان عند هلاكها (٢).
وأما القبض فانما يوجب الضمان اذا وقع تعديا والقبض بموجب عقد الاعارة ليس كذلك لكونه مأذونا فيه فلا يرفع يد المالك.
وأما ما روى فى حديث صفوان من قوله ﵊: «بل عارية مضمونة» فقد اختلفت الرواية فيه، فقد روى أن صفوان هرب من رسول الله ﷺ فأرسل اليه فأمنه وكان الرسول يريد حنينا فقال: «هل عندك شئ من السلاح».؟
فقال صفوان: عارية أم غصبا؟ فقال ﵊ (عارية) فأعاره ولم يذكر فيه الضمان والحادثة، حادثة واحدة مرة واحدة فلا يكون الثابت الا احداهما فتعارضت الروايتان فسقط الاحتجاج على ما أنه ان ثبت فيحتمل ضمان الرد - ونحن نقول به - فلا يحمل على ضمان العين مع الاحتمال يؤيد ذلك ما روى عن رسول الله ﷺ انه قال: «العارية مؤداة» (٣): «ولأن صفوان كان حربيا فى ذلك الوقت ويجوز من الشروط بين الحربى والمسلم ما لا يجوز بين المسلمين (٤).
وأما الذى يغير حال المستعار - وهو فى يد المستعير - من الأمانة الى الضمان فأنواع.
منها الأتلاف حقيقة، لأن اتلاف مال الغير بغير اذنه سبب لوجوب الضمان لما فيه من اعجاز المالك عن الانتفاع بماله.
ومنها الاتلاف معنى بالمنع بعد الطلب أو بعد انقضاء المدة المحددة فى عقد الاعارة حتى لو حبس المستعير المستعار بعد انقضاء المدة أو بعد رجوع المعير ومطالبته برد المستعار قبل انقضاء المدة فانه يدخل فى ضمانه لأنه واجب الرد فى هاتين الحالتين لقوله
стр. 5406
عليه الصلاة والسّلام: «العارية مؤداة»، «على اليد ما أخذت حتى ترده» ولأن حكم العقد انته بانقضاء المدة والطلب فصارت العين فى يده كالمغصوب والمغصوب مضمون الرد حال قيامه ومضمون القيمة حال هلاكه.
وسواء استعمله بعد الوقت أم لا.
وقيل: انما يضمن المستعير اذا انتفع بعد مضى الوقت.
ومنها التقصير فى حفظ المستعار فلو فصر المستعير فى الحفظ حتى ضاع المستعار ضمنه لأنه بعقد الاعارة التزم حفظه.
ومنها جحود المستعار وانكاره فى وجه المالك عند طلبه. حتى لو قامت البينة على اعارته أو نكل المستعير عن اليمين أو أقربه دخل فى ضمانه لأن العقد لما ظهر بالحجة فقد ظهر أرتفاعه بالجحود، والمستعير لما جحد المستعار حال حضرة المعير، فقد عزل نفسه عن الحفظ فانفسخ العقد فبقى مال الغير فى يده بغير اذنه فيكون مضمونا عليه فاذا هلك تقرر الضمان.
ومنها مخالفة المستعير لما هو مشروط فى العقد حقيقة أو عرفا، الا اذا خالف الى مثل المشروط أو أخف.
ومنها (١): ما اذا ظهر أن المستعار مستحق للغير فان المستعير يضمنه للمستحق لأنه تبين أن لا اعارة لأن الاعارة تمليك المنفعة والتمليك انما يكون من المالك وهذا غصب.
ولا يرجع المستعير بما ضمنه على المعير، لأنه متبرع.
وللمستحق أن يضمن المعير ولا رجوع له على المستعير بما ضمن، لأنه ملك المستعار بالضمان مستندا الى حين الاعارة فتبين أنه أعار ملكه (٢).
مذهب المالكية:
يضمن المستعير العارية اذا كانت مما يغاب عليها - أى مما يمكن اخفاؤه وتغييبه - كالثياب والحلى والعروض والسفينة السائرة، الا لبينة تشهد على تلفها أو ضياعها بلا سبب منه فلا يضمنها حينئذ لأن الضمان فى باب الاعارة ضمان تهمة ينتفى باقامة البينة على ما ادعاه على المشهور خلافا لاشهب حيث قال: ان ضمان العوارى ضمان عداء لا ينتفى باقامة البينة.
وأما العارية التى لا يغاب عليها كالعقار والحيوان ولو صغيرا والسفينة بمحل المرسى فلا يضمنها المستعير ان لم يظهر كذبه.
واذا لم يضمن المستعير الحيوان فانه يضمن سرجه ولجامه وما أشبه ذلك بخلاف ثياب الانسان المستعار فانه لا يضمنها، لأن الانسان حائز لما عليه. واذا وجب على المستعير ضمان العارية لدعواه التلف أو الضياع سواء كان ذلك قبل الاسبتعمال أو بعده أو فى أثنائه فانه يضمن قيمتها يوم القضاء أجل الاعارة على الوجه الذى تصير اليه بعد الاستعمال المأذون فيه على فرض حصوله، وذلك بعد يمينه لقد ضاعت
стр. 5407
ضياعا لا يقدر على ردها، لأنه يتهم على أخذها بقيمتها بغير رضا صاحبها، فاذا كانت قيمتها بدون الاستعمال أصلا عشرة وبعد الاستعمال المأذون فيه ثمانية وضاعت ولو قبل الاستعمال فانه يلزمه ثمانية وان استعملها فى غير ما اذن له فيه فنقصها الاستعمال الذى أذن له فيه فيضمن ما نقصها الاستعمال غير المأذون بعد القدر الذى نقصها الاستعمال المأذون فيه، فاذا كانت قيمتها بعد التنقيص المأذون فيه ثمانية وبعد غيره ستة فانه يضمن اثنين.
وهذه طريقة لابن رشد فى المقدمات وهى المعتمدة.
وفى الشامل طريقة أخرى حاصلها:
أنه يضمن قيمتها يوم آخر رؤية لها عنده ان تعددت رؤيتها عنده وان لم تتعدد رؤيتها عنده ضمن للمعير الاكثر من قيمتها يوم قبضها ويوم تلفها، هذا اذا كان التلف بعد الاستعمال المأذون فيه أما لو تلفت قبل الاستعمال فانه يضمن قيمتها يوم انقضاء أجل الاعارة بعد أن يسقط منها قدر استعماله فى مدة الاعارة على فرض استعماله.
واذا وجدت العين المعارة بعد غرم قيمتها أو مثلها فانها تكون للمستعير ولا يأخذها المعير (١).
ويضمن المستعير المستعار الذى لا يمكن اخفاؤه كالدابة بأحد أمرين.
أولا: أن يتعدى عليه، ووجوه التعدى كثيرة فمنها الزيادة فى الحمل، والزيادة فى المسافة بلا فرق بين أن يكونا مما تعطب به الدابة ونحوها أم لا حيث تلفت.
ومنها اذا حملها جنسا يخالف ما استعارها له ولو أقل قدرا.
ثانيا: أن يتبين كذب المستعير فى دعواه تلف المستعار ويكون بأشياء.
منها أن يقول: تلفت الدابة مثلا فى موضع كذا ولم يسمع أحد من الرفقة بتلفها.
أو يقول ماتت بموضع كذا. ولم يوجد لها أثر بذلك الموضع أو تشهد بينة أنه كان يستعملها بعد ذلك.
أما المستعار الذى يمكن اخفاؤه - وهو الذى يكون مضمونا فى يد المستعير أصلا - كالثياب فانه لا يضمنه على المشهور اذا أقام البينة على هلاكه أو تلفه ومثل قيام البينة فى ذلك ما لو علم أن التلف بغير سبب المستعير كسوس فى ثوب أو قرض فأر، لكن بعد يمينه أنه ما فرط (٢).
مذهب الشافعية:
العين المستعارة مضمونة على المستعير ولو للأجزاء منها اذا تلفت بغير الاستعمال المأذون فيه وان لم يفرط، فيضمنها ان تلفت فى يده بآفة سماوية أو أتلفها هو أو غيره ولو بلا تقصير، وذلك لقوله صلّى الله عليه
стр. 5408
وسلم فى حديث صفوان «بل عارية مضمونة» ولأنه مال يجب رده لمالكه فيضمن عند تلفه. وان تلفت هى أو أجزاؤها باستعمال مأذون فيه كاللبس والركوب المعتاد فالاصح أن المستعير لا يضمن العين ولا الاجزاء لحصول التلف بسبب مأذون فيه فأشبه ما لو قال شخص لآخر:
أذبح بقرتى (١). وقيل يضمن المستعير مطلقا حتى فى الاستعمال المأذون فيه لحديث «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» فاذا تعذر الرد (٢). ضمنه ولا يشترط فى ضمان المستعير كون العين فى يده بل يضمنها ولو كانت بيد المالك (٣). كأن استعار ثورين واستعان بمالكهما يحرث عليهما فتلفا وكأن ركب الدابة المستعارة له ومالكها يسوقها أو يقودها فتلفت ضمن المستعير كل ذلك (٤).
ويضمن المستعير المستعار - اذا تلف بغير الاستعمال المأذون فيه - بقيمته يوم التلف على الاصح لأن الأصل رد العين، وانما تجب القيمة بدلا عنها بالفوات وهو انما يتحقق بالتلف.
والاصح أن المستعار يضمن بالقيمة سواء كان متقوما أو مثليا كخشب وحجر، لأن رد مثل المستعار مع استعمال جزء منه متعذر فصار بمنزلة المثلى المفقود فيرجع الى القيمة وقال ابن أبى عصرون: يضمن المثلى بالمثل على القاعدة والقياس، وجرى عليه السبكى.
وقيل: يضمن المستعار بأقصى قيمة وصل اليها فيما بين القبض والتلف وقيل:
يضمن بقيمته يوم قبض المستعير له.
وهما مقابل الأصح (٥).
ويستثنى من ضمان المستعار وهو فى يد المستعير مسائل:
منها جلد الاضحية المنذورة فان اعارته جائزة، ولا يضمنه المستعير اذا تلف فى يده لابتناء يده على يد من ليس بمالك.
ومنها المستعار للرهن اذا تلف فى يد المرتهن فلا ضمان عليه ولا على المستعير.
ومنها: لو استعار الحلال من المحرم صيدا لم يرسله فى احرامه فتلف فى يد المستعير غير المحرم لم يضمنه، لأن المحرم المعير غير مالك له لأنه اذا أحرم وفى ملكه صيد زال ملكه عنه.
ومنها: لو أعار الامام شيئا من بيت المال لمن له حق فيه فتلف فى يد المستعير لم يضمنه.
ومنها: لو استعار الفقيه كتابا موقوفا على المسلمين فتلف لا يضمنه لأنه من جملة الموقوف عليهم.
ومنها: لو ولدت المستعارة فى يد المستعير فالولد أمانة وكذا لو ساقها المستعير فتبعها ولدها والمعير ساكت ينظر فالولد أمانة
стр. 5409
لأن المستعير لم يأخذه للانتفاع به بل لتعذر حفظه بدون أمه، وذلك أمانة شرعية.
فان تمكن من رده فلم يرده ضمنه، وكذا ان لم يعلم المعير بأن الولد قد تبع أمه بل هذا أولى بوجوب الضمان لأن المستعير هو السبب فى اخراجه عن حوزة المعير ويده.
ومنها: لو استعار من مستأجر احارة صحيحة ونحوه كموصى له بالمنفعة أو موقوف عليه أو مستحق للمنفعة بنحو صداق أو صلح فتلفت العين المستعارة فى يده لم يضمنها على الاصح لأن هذا الانتفاع مستحق على الملك والمستعير نائب عن المستحق من مستأجر وغيره وهو أمين.
والضابط لذلك - عند البلقينى وغيره - أن تكون المنفعة مستحقة لشخص استحقاقا لازما، وليست الرقبة له فاذا أعار لا يضمن المستعير منه.
ومنها لو أركب المالك دابته لوكيله فى حاجته أو لمن يحفظ متاعه المحمول عليها، أو لمن يروضها ويعلمها السير وتلفت فى يده بلا تفريط لم يضمن لأنه لم يركبها الا لغرض المالك.
ومنها ما اذا وضع شخص متاعه على دابة رجل وسيرها مالكها بغير أمر الواضع فتلفت لم يضمن الواضع.
ومنها: ثياب الانسان المستعار للخدمة أو غيرها لا تكون مضمونة على المستعير اذا تلفت لأنه لم يأخذها للاستعمال بخلاف اكاف الدابة أى برذعتها - فانها تكون مضمونة عليه ان تلفت فى غير الاستعمال المأذون فيه (١).
مذهب الحنابلة:
العارية المقبوضة مضمونة على المستعير اذا تلفت سواء تعدى أو فرط فيها أو لم يتعد لحديث صفوان.
ويستثنى مما تقدم أن تلفت باستعمال المستعير لها بالمعروف كثوب بلى باللبس، لأن الاذن فى الاستعمال تضمن الاذن فى الاتلاف الحاصل به وكذا لا تضمن أن تلفت هى أو جزؤها بمرور الزمن لأنه تلف بالامساك المأذون فيه وكذا لا يضمن المستعير ولد العارية أو الزيادة التى حصلت فيها عنده ان تلفت لأنه لم يرد عليها عقد الاعارة ويشترط فى ضمان المستعير كون العين المعارة فى يده.
فلا يضمن لو كانت بيد المالك، فلو أركب انسان دابته شخصا منقطعا طلبا للثواب فتلفت الدابة تحت المنقطع لم يضمنها، لأنها غير مقبوضة لأنها بيد صاحبها وراكبها لم ينفرد بحفظها أشبه ما لو غطى ضيفه بلحاف فتلف عليه لم يضمنه. وتضمن العارية أن تلفت ووجب ضمانها بقيمتها وقت التلف ان كانت متقومة، لأنه حينئذ يتحقق فوات العارية فوجب اعتبار الضمان به.
стр. 5410
وان كانت العارية من ذوات الامثال وتلفت فضمانها بمثلها، لأنه أقرب اليها من القيمة (١).
ويستثنى أيضا من ضمان المستعار عندهم فيما عدا التفريط مسئلتان:
الاولى: فيما اذا كان المستعار وفقا ككتب علم وغيرها كسلاح موقوف على الغزاة اذا أستعارها لينظر فيها أو يحارب بها الكفار فان تلفت بغير تفريط ولا تعد فلا ضمان وان أستعار ذلك برهن وتلفت عاد الرهن الى مالكه، لأنه لا يصح أخذ الرهن عليها لأنها أمانة فيرد الرهن لمالكه مطلقا حتى وان تلف المستعار الموقوف بتفريط المستعير أو تعديه، ويضمن المستعير ما تلف منها بتفريطه أو تعديه.
الثانية: فيما اذا أعار المستأجر العين المستأجرة فلا ضمان على المستعير منه (٢).
مذهب الظاهرية:
العارية غير مضمونة ان تلفت من غير تعدى المستعير، وسواء ما غيب عليه من العوارى وما لم يغب عليه منها.
وذلك لما روى عن عمر وعلى رضى الله عنهما (ان العارية ليست بيعا ولا مضمونة انما هو معروف الا أن يخالف فيضمن).
وعن عمر: «العارية بمنزلة الوديعة ولا ضمان فيها الا أن يتعدى» فان تعدى المستعير كان ضامنا (٣).
ويستثنى من عدم ضمان المستعار وهو فى يد المستعير ما اذا تلف بتعد من المستعير أو تضييعه له.
مذهب الزيدية:
المستعار أمانة فى يد المستعير لا يجب عليه ضمانه ان تلف بغير جناية منه ولا تفريط لما سبق ذكره من دليل للحنفية (٤).
ويضمن اذا تعدى ولو بجحود العارية أو فرط.
مذهب الإمامية:
المستعار أمانة فى يد المستعير لا يضمنه الا بالتفريط فى حفظه أو التعدى.
والا ما استثنى (٥): على ما سيأتى ذكره لكل المذاهب ويضمن المستعير بالتعدى أو التفريط أو كان المستعار ذهبا أو فضه أو كان المستعير محرما فاستعار صيدا من غير المحرم ولو نقص المستعار بالاستعمال، ثم تلف
стр. 5411
وقد شرط ضمانه ضمن المستعير قيمته يوم تلفه، لأن النقصان المذكور غير مضمون (١).
مذهب الإباضية:
المستعار من باب الامانة وزاد قوة على الامانة من حيث ان المستعير يأخذه للانتفاع والمستعار اذا تلف فى يد المستعير بآفة سماوية أو أتلفه المستعير أو غيره فقيل:
يضمنه لأنه مال يجب رده على مالكه، وان تلف باستعمال مأذون فيه كاللبس والركوب المعتادين لم يضمنه لحصول التلف بسبب مأذون فيه.
والصحيح أن لا ضمان على المستعير أن تلف المستعار بسبب آت من قبل الله سبحانه وبما لا طاقة للمستعير على منعه عنه ولا تضييع فيه، فيؤول اليه حديث الرسول ﷺ «بل عارية مضمونة مؤداه» فقيل: ليس فيه موجب ضمان ومعنى كونها مضمونة مؤداة أنه يلزم المستعير حفظ العارية - المستعارة. ورده للمعير، لا يتملكه ولا يحبسه عنه ولا يتلفه واذا كان سبيل الاعارة الحفظ والرد فلا يضمن المستعير المستعار ان تلف بلا تضييع أو تعد (٢).
اشتراط ضمان المستعار
او عدم ضمانه فى عقد الاعارة
مذهب الحنفية:
اختلف مشايخ المذهب فيما اذا اشترط المتعاقدان أو أحدهما ضمان المستعار فى عقد الاعارة هل يصح أم لا؟ ففى رواية يصح الشرط ويكون المستعار مضمونا على المستعير.
قال صاحب الجوهرة: ان شرط فى الاعارة ضمان المستعار كان مضمونا بالشرط، لقوله ﵇ لصفوان بن أمية حين أستعار منه أدرعا يوم حنين، وقال له صفوان: أغصبا تأخذها يا محمد؟ فقال ﵇: «بل عارية مضمونة»، قال:
فضاع بعضها فعرض عليه النبى ﷺ أن يضمنها له فقال: أنا اليوم فى الاسلام أرغب (٣). فأخذها بشرط الضمان، فالمستعير وان كان لا يضمن فى الاصل الا أنه يضمن بالشرط.
والذى عليه أكثر المشايخ: هو أن شرط الضمان باطل، ففى الينابيع والفتاوى البزازية وغيرها لو قال: أعرنى دابتك أو ثوبك فان ضاع فأنا ضامن له، فأعاره، ثم ضاع فالشرط لغو ولا يضمن المستعير، لما سبق ذكره من أمانة المستعير، والضمان
стр. 5412
المذكور فى الحديث يحتمل أن يكون ضمان رد العين فيحمل عليه (١).
مذهب المالكية:
ان شرط المعير الضمان على المستعير فيما لا يغاب عليه - أى لا يمكن إخفاؤه - كالدواب ونحوها.
فقول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل جملة من غير تفصيل، لأن عدم ضمانه بطريق الاصالة وحينئذ فلا ينتفع المعير بشرطه.
ولم يخالف فى هذا الا مطرف فانه قال: ان شرط المعير على المستعير ضمان ألمستعار لأمر خافه من طريق مخوفة أو نهر أو لصوص أو ما أشبه ذلك، فالشرط لازم ويلزم المستعير ضمانه ان تلف المستعار فى الأمر الذى خافه واشترط الضمان من أجله لأن المعير قصد الاحسان الى المستعير ان سلم المستعار، ورفع الضرر عن نفسه فيما له مندوحة عنه.
والمعتمد: أنه لا ضمان ولا عبرة بشرط المعير لذلك ولو لأمر خافه. وتنقلب الاعارة مع شرط الضمان أجارة فاسدة فكأن المعير قد أجرها بقيمتها المشروط دفعها عند الفوات، وهى مجهولة فكانت اجارة فاسدة. وحينئذ ففيها أجرة المثل ان أستوفى المنفعة وهلكت العين فى يده. ويجب فسخها قبل استيفاء المنفعة لفسادها.
اشتراط نفى الضمان
وأن شرط المستعير نفى الضمان عن نفسه فيما يغاب عليه - أى ما يمكن اخفاؤه - كالثياب والجواهر ففيه قولان:
الأول - يضمن ولا ينفعه الشرط، لأن الضمان عليه بطريق الاصالة وشرطه هذا يزيده تهمة، ولأنه من باب اسقاط الحق قبل وجوبه فلا يعتبر.
الثانى - لا يضمن وينفعه الشرط، لأنه معروف واحسان من وجهين: فالاعارة فى حد ذاتها معروف واسقاط الضمان فيها معروف آخر.
والقول الأول هو الأرجح (٢).
وعلى كلا القولين لا يفسد ذلك الشرط عقد الاعارة.
وقيل: يفسده ويكون للمعير أجرة ما أعاره (٣).
стр. 5413
مذهب الشافعية:
اشتراط كون المستعار أمانة فى يد المستعير لغو.
فلو أعاره بشرط أن يكون أمانة لغا الشرط وكان المستعار مضمونا ومقتضى كلام الاسنوى صحة العقد والمعتمد أنه شرط مفسد للعقد فيضمن المستعير الأجرة لمثل المستعار ويأثم باستعماله أما ان اشترطا أن لا ضمان فالشرط فاسد غير مفسد للعقد ولو أعار عينا بشرط ضمانها عند تلفها بقدر معين من المال، قال المتولى: العقد صحيح وفسد الشرط والمعتمد هو فساد العقد أيضا (١).
مذهب الحنابلة:
ان شرط المستعير عدم ضمان المستعار وقبله المعير لم يسقط الضمان ويلغو الشرط لأن كل عقد اقتضى الضمان لم يغيره شرط خلافه ويلغو لمنافاته مقتضى العقد، وهذا بخلاف ما اذا اذن له فى اتلافه لأن الاتلاف فعل يصح الاذن فيه ويسقط الضمان معه.
أما اسقاط الضمان هنا فنفى للحكم مع وجود سببه وليس ذلك للمالك ولا يملك الاذن فيه. وقال أبو حفص العكبرى: يعمل بالشرط ويسقط الضمان.
قال أبو الخطاب: وروى عن أحمد ما يشير الى هذا لأن المعير لو اذن للمستعير فى اتلاف المستعار لم يلزمه ضمانه فكذلك اذا أسقط ضمانه عنه (٢).
مذهب الظاهرية:
اشتراط (٣) ضمان المستعار على المستعير باطل لأنه شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل.
مذهب الزيدية:
اذا شرط ضمان المستعار فى الاعارة صح الشرط ولزم المستعير ضمانه ان تلف، لقوله ﷺ : «بل عارية مضمونة» فى حديث صفوان السابق. هذا هو مذهب العترة ومن معهم وسواء كان الشارط للضمان المعير أو المستعير وسواء علم المستعير باشتراط الضمان عليه أو جهله فلا يسقط الضمان عنه وصورة جهله به أن يرسل رسولا يستعير له شيئا فيستعيره له ويشرط عليه المعير الضمان فيضمن من أرسله سواء أداه اليه أم لم يؤده، وسواء أخبره بشرط الضمان أم لم يخبره لأن قبض الرسول كاف.
ومثل اشتراط الضمان صراحة فى هذا ما اذا كان الضمان مشروطا ضمنا نحو أن يستعير عينا ليرهنها ويضمنه أن تلف بأوفر قيمة وصل اليها من يوم القبض الا ان قارن التلف التضمين فمن يوم التضمين واذا ولدت العين المستعارة وان كانت مضمنة بالشرط
стр. 5414
أو غيره لم يدخل ولدها فى الضمان ولا فى الاعارة بل يكون أمانة (١).
مذهب الإمامية:
اذا اشترط ضمان المستعار فى عقد الاعارة فانه يكون مضمونا على المستعير عملا بالشرط، وسواء شرط المعير ضمان العين أم الاجزاء أم هما معا فيتبع شرطه.
ولو شرط سقوط الضمان فيما هو مضمون أصلا كالذهب والفضة صح الشرط، وسقط الضمان عملا بالشرط.
ولو شرط سقوط الضمان مع التعدى أو التفريط فى المستعار يحتمل صحة الشرط والعمل به لأنه فى قوة الاذن فى الاتلاف فلا يستعقب الضمان كما لو أمره بالقاء متاعه فى البحر ويحتمل عدم صحة الشرط، لأن التعدى والتفريط من أسباب الضمان فلا يعقل اسقاطه قبل وقوعه، لأنه كالبراءة مما لم يجب.
والأول هو الأقوى (٢).
مذهب الإباضية:
المختار أن المستعير متى شرط على نفسه رد المستعار أو شرطه عليه المعير ضمنه أن تلف، وهذا هو الموافق للسنة من أن المؤمنين على شروطهم ومقابل المختار عدم ضمان المستعار ولو كان الضمان مشروطا بينهما أو شرط الرد بينهما بناء على أن أصل الاعارة عدم الضمان للمستعار وما أصله عدم الضمان لا يوجب اشتراط الضمان فيه ضمانه.
والأكثر على أنه اذا اشترط الضمان فى الاعارة للمستعار لزم المستعير ضمانه ان تلف.
وفى تلف المستعار فيما استعير له أو تلف بعضه فيما استعير له بدون تعد ولا تضييع ان شرط ضمانه به خلاف.
ولا ضمان ان لم يشترط (٣).
وان شرط المعير شيئا معينا ان لم يرد المستعير المستعار فله ذلك ولو كان أكثر من قيمته وقيل له قيمته فقط (٤).
اشتراط العوض فى عقد الاعارة
مذهب الحنفية:
يشترط فى الاعارة خلوها عن شرط العوض وعدم ذكر البدل، لأنها تصير به اجاره.
ولو استعار أرضا ليبنى ويسكن واذا خرج فالبناء للمالك فللمالك أجرة مثلها مقدار السكنى والبناء للمستعير، لأن الاعارة تمليك بلا عوض وهنا قد جعل له عوضا
стр. 5415
وهو كون البناء الذى أحدثه المستعير له فكانت اجارة معنى وفسدت بجهالة المدة والعوض، لأن قدر ما ينفقه فى العمارة غير معلوم حال عقد الاعارة والفاسد يجب فيه أجرة المثل بالانتفاع وقد حصل.
وكذا لو شرط المعير ان يكون خراج الأرض المعارة على المستعير، وسواء كان الخراج المشروط خراج المقاسمة أو التوظف فانها تكون اجارة فاسدة، لأن الخراج على المعير فاذا شرطه على المستعير فقد جعله بدلا عن المنافع، ويكون قد أتى بمعنى الاجارة والعبرة للمعانى فى العقود (١).
مذهب المالكية:
يشترط فى الاعارة أن تكون بغير عوض ويجوز للشخص أن يقول لآخر: أعنى بدابتك اليوم على أن أعينك بدابتى غدا، ويكون ذلك اجارة لا اعارة، لأن الاعارة بغير عوض وهذا بعوض، أجاز ذلك ابن القاسم ورآه من الرفق، لكن بشرط أن يكون ما يقع به التعاون معلوما بينهما، وأن يقرب العقد من زمن العمل، فلو قال:
أعنى بدابتك غدا على أن أعينك بدابتى بعد شهر لم يجز ذلك، لأنه نقد عاجل فى منافع معينة يتأخر قبضها وذلك لا يجوز بخلاف ما لو كان التأخير نصف شهر فأقل فيجوز. وسواء أتحد نوع المعار فيه كالبناء أو أختلف كالحصاد والدراس وسواء تساوى الزمن أو اختلف كأعنى بثورك يوما على أن أعينك بثورى يومين (٢).
مذهب الشافعية:
لو قال المعير: أعرتك فرسى مثلا بخمسة دراهم أو لتعيرنى فرسك فهو اجارة نظرا للمعنى لأن فيها عوضا، وهى فاسدة:
لجهالة المدة فى الأولى والعوض فى الثانية وتوجب أجرة المثل اذا مضى بعد قبض المستعير المستعار زمن لمثله أجرة ولا ضمان عليه بتلف العين كالمستأجرة.
وقيل: أنه اعارة نظرا للفظ، فاسدة لذكر العوض فلا تجب الاجرة. وأما العين فمضمونة على المستعير. أما لو عين له المدة والعوض كقوله أعرتك هذه شهرا من الآن بعشرة دراهم أو فى نظير أن يعيرنى ثوبك هذا شهرا من الآن ففيه وجهان:
(احداهما) - أنه اجارة صحيحة نظرا للمعنى.
(والثانى) اعارة صحيحة نظرا للفظ.
والأول أصح الوجهين (٣).
стр. 5416
مذهب الحنابلة:
ان شرط المعير فى الاعارة المؤقتة بزمن معلوم عوضا معلوما صح ذلك، وتصير به أجارة صحيحة تغليبا للمعنى على اللفظ فان أطلقت الاعارة عن التأقيت أو جهل العوض فأجارة فاسدة. فلو أعاره فرسه على أن يعيره الآخر ثوره مثلا فهى اجارة فاسدة اما لاشتراط عقد فى عقد آخر، أو لعدم تقدير المنفعتين. والعين فيها غير مضمونة كالعين المستأجرة (١).
مذهب الزيدية:
لو قال المستعير للمعير: أعرنى كذا لأعيرك كذا، كان ذلك اجارة فاسدة لا اعارة (٢).
مذهب الإمامية:
لو قال المعير: أعرتك دابتى مثلا بعشرة دراهم، فان قبل المستعير فهى أجارة فاسدة من حيث المعنى تقتضى أجرة المثل.
ولو قال: أعرتك حمارى على أن تعيرنى فرسك فالاقرب جواز هذا وان كان لا يجب وليس على واحد منهما أجرة. أما لو لم يعر الثانى فرسه للأول فالاقرب الاجرة لحمار الأول (٣).
مذهب الإباضية:
يشترط فى الاعارة ان تكون بغير عوض (٤).
اعارة ما لا يمكن الانتفاع به الا باستهلاكه
مذهب الحنفية:
اعارة الدراهم والدنانير وكذا اعارة كل ما لا يمكن لا انتفاع به الا باستهلاك عينه كالطعام ونحوه مما لا تقع الاعارة على منافعه تكون قرضا لا اعارة، فيضمن المستعير بهلاكها قبل الانتفاع لأن الاعارة تمليك المنافع ولا يمكن الانتفاع بهذه الاشياء الا باستهلاك عينها ولا يملك الاستهلاك الا اذا ملكها فاقتضى ذلك تمليك عينها ضرورة، وذلك بالهبة أو بالقرض والقرض أدناهما ضررا لكونه يوجب رد المثل الذى يقوم مقام العين، وما هو أقل ضررا فهو الثابت يقينا فوجب المصير اليه. وهذا كله فيما اذ أطلق الاعارة عما يقتضى الانتفاع بها مع بقاء عينها.
أما اذا عين الجهة بأن استعار دراهم مثلا ليعاير بها ميزانا، أو يزين بها دكانا، أو أستعارت حليا لتتجمل بها أو غير ذلك مما لا يستهلك به عين المستعار فلا يكون قرضا بل يصح ذلك اعارة تملك بها المنفعة المسماة دون غيرها. وكذلك تصح اعارة العين للانتفاع بعين منها واستهلاكها اذا كانت العين المستهلكة ملحقة بالمنفعة عرفا وعادة، كما
стр. 5417
اذا منح انسانا شاة أو ناقة لينتفع لبنها ووبرها مدة، ثم يردها على صاحبها.
لأن ذلك معدود من المنافع عرفا وعادة فكان له حكم المنفعة، وقد روى عن النبى ﵊ أنه قال: «هل من أحد يمنح من ابله ناقة أهل بيت لادر لهم» وهذا يجرى مجرى الترغيب فيصح، وكذا لو منح جديا أو عناقا - وهى الانثى من أولاد المعز - كان اعارة لا فرضا، لأنه لغرض أن ينتفع بلبنه وبصوفه وتصح اعارة السهم ولا يضمن، لأن الرمى به يجرى مجرى هلاكه من غير تعد للاذن فيه فلا يكون ضامنا (١).
مذهب المالكية:
لا تصح اعارة النقد من دنانير ودراهم والطعام والشراب وغيره من المكيلات والموزونات ان وقعت وأعطيت للغير ولو بلفظ الاعارة وانما تكون قرضا، لأن المقصود من الاعارة الانتفاع بالمستعار مع رد عينه للمعير بعد الانتفاع به.
وفى الانتفاع بما ذكر ذهاب عينها ولهذا كانت قرضا وفائدته أنه يضمنه الآخذ ولو قامت بينه على هلاكه بدون سبب منه (٢).
وهذا اذا لم تعين جهة الانتفاع.
فان استعار الصيرفى مثلا دراهم أو دنانير يجعلها بين يديه ليرى أنه ذو مال فيقصده البائع والمشترى فهذه اعارة يكون المستعار فيها مضمونا اذا لم تقم البينة على تلفه (٣).
ويجوز اعارة الشاة لينتفع المستعير بلبنها، وهى المسماة بالمنحة (٤).
مذهب الشافعية:
لا يعار النقدان الذهب والفضة، اذ منفعة التزين بهما أو العمل على مثلهما منفعة ضعيفة قلما تقصد ومعظم منفعتهما فى الانفاق والاخراج. الا ان صرح باعارتهما لذلك أو نواها فتصح، لاتخاذه هذه المنفعه مقصدا وان ضعفت ولو شاعت لفظة الاعارة فى قرضهما فى بقعة كان قرضا.
وكذلك لا تصح اعارة نحو شمعة لوفود وطعام لأكل، لأن منفعتهما باستهلاكهما.
فان كان ليعمل مثل الطعام صح. وحيث لم تصح اعارة المستعار فجرت اعارته ضمن، لأنه مضمون فى عقد الاعارة الصحيح، وللفاسد حكم الصحيح فى الضمان.
وقيل: لا ضمان له، لأن ما جرى بينهما ليس باعارة صحيحة ولا فاسدة ومن قبض مال غيره باذنه لا لمنفعة كان أمانة.
وكون الاعارة لاستفادة المستعير المنفعة فقط هو الغالب فلا ينافيه أنه قد يستفيد
стр. 5418
عينا من المستعار كاعارة شجرة لأخذ ثمرها، وشاة لأخذ لبنها، وبئر لأخذ ماء، ودواة للكتابة منها، ومكحلة للاكتحال منها، اذ الشرط فى الاعارة أن لا يكون فيها استهلاك المستعار لا أن لا يكون المقصود فيها استفاء عين.
وحقق ذلك الاشمونى فقال: ان اللبن والتمر والماء ليس مستفادا بالاعارة بل بالاباحة التى تتضمن اعارة أصلها توصلا لما أبيح.
ولو أعاره شاة وملكه لبنها أو نسلها لم تصح الاعارة ولا التمليك، ولا يضمن آخذها اللبن والنسل. لأنه أخذهما بهبة فاسدة.
أما الشاة فيضمنها بحكم الاعارة الفاسدة (١).
مذهب الحنابلة:
تصح اعارة الدراهم واعارة الدنانير للوزن بها أو ليعاير عليها.
فان استعارها لينفقها أو أطلق كانت قرضا يملكه بالقبض، لأن هذا معنى القرض وهو مغلب على اللفظ فانعقد القرض به كما لو صرح بذلك.
وقيل: لا يجوز اعارة الدراهم والدنانير ولو كان للوزن بها. وليس للمستعير أن يشترى بها شيئا. وكذلك لا تصح اعارة كل ما لا ينتفع به الا مع تلف عينه كسائر الموزونات والمكيلات ان استعارها ليأكلها أو أطلق. وتكون قرضا. وكذا الاطعمة والاشربة، لكن ان أعطاها بلفظ الاعارة.
فقال ابن عقيل: يحتمل أن يكون ذلك اباحة الانتفاع على وجه الاتلاف (٢).
مذهب الزيدية:
ان لم يمكن الانتفاع بالمستعار الا باتلافه كالطعام والدراهم والدنانير واستعاره فقرض غالبا، يعنى تنقلب اعارته قرضا صحيحا مع علم المالك أن المستعير يريد اتلافه.
فان لم يعلم المالك ذلك وأتلفه المستعير كان غصبا.
أما اعارة الدراهم والدنانير وسائر ذوات الامثال اذا استعيرت للانتفاع بها مع بقاء عينها كالوزن أو التجمل بها فانها تكون اعارة صحيحة. وقولهم: «قرض غالبا» احتراز من اعارة ما لا يمكن الانتفاع به الا بنقصه كالدواة والمكحلة والسراج. فاعارة هذه الاشياء صحيحة وتكون اباحة ولو أدى الى استهلاك جميعها كالشمعة.
ولو أستعير المستعار لينتفع المستعير بعين من نمائه كاعارة الشاة للصوف واللبن والشجر للثمر لم يكن ذلك اعارة ولا قرضا بل يكون من با العمرى والرقبى (٣).
стр. 5419
مذهب الإمامية:
الاقرب جواز اعارة الدراهم والدنانير ان فرضت لها منفعة حكمية كالتزين بها ويكون المستعار مضمونا اذا كان ذهبا أو فضة وان لم يشترط ضمانه، سواء كان دراهم ودنانير أم لا على أصح القولين، لأن فيه جمعا بين النصوص المختلفة.
وقيل: يختص الضمان بالنقدين استنادا الى الحكمة الباعثة على الحكم وهو ضعف المنفعة المطلوبة منهما بدون الانفاق فكانت اعارتهما موجبة بالذات لما يوجب التلف فيضمنان بها.
أما اذا لم تفرض لهما منفعة فلا تصح اعارتهما للانفاق، كما لا تصح أعارة كل ما لا يتم الانتفاع به الا بذهاب عينه كالاطعمة، لأن منفعتهما فى استهلاكها.
ويستثنى من ذلك المنحة، وهى الشاة المستعارة للحلب، للنص السابق ذكره بمذهب الاحناف، فتجوز استعارتها وللمعير أن يرجع فى اللبن مع وجود الأصل عند المستعير.
وفى جواز اعارة غير الشاة من الحيوان المتخذ للحلب وتعدية حكمها اليه وجهان.
أصحهما أنه لا يصح غيرها لذلك. لأن الاقتصار فيما خالف الاصل على موضع اليقين أجود (١).
مذهب الإباضية:
لا تكون الاعارة فيما ينتفع باتلافه كالدنانير والدراهم والمأكول والمشروب بل ذلك قرض.
ولا ينتفع المستعير بغلة العين المستعارة مثل لبن الناقة الا باذن.
فان اذن له فى الانتفاع بالغلة.
فقيل: لا ينتفع بالنتاج ولا بالصوف، لأنهما ليسا من الغلة.
وقيل: ينتفع بهما، وهما من غلة الحيوان.
وان اذن له أن ينتفع بها وما قام عنها انتفع بذلك وغيره. ومن استعار شاة أو غيرها ولدت أو لم تلد فلا يحلب الا لبن الولادة التى هى فيها.
وأن جعل له أجلا حلب ألبان الأجل كلها (٢).
انتفاع المستعير وتصرفاته
مذهب الحنفية:
الاعارة لا تخلو.
أما أن تكون مطلقة فى الوقت والانتفاع.
أو مقيدة بهما.
أو مقيدة بأحدهما.
فان كانت مطلقة فيهما لمن استعار دابة أو ثوبا ولم يسم مكانا ولا زمانا ولا ركوبا
стр. 5420
ولا حملا كان للمستعير أن يستعملها فى أى مكان وزمان شاء، وله أن يركب ويلبس ويحمل مما شاء، لأن المعير امره بالانتفاع مطلقا.
والمطلق يتناول أى انتفاع شاء فى أى وقت شاء. الا أنه ان كان المستعار مما يختلف باختلاف المستعمل كاللبس والركوب والزراعة كان تعيين نوع الانتفاع. والمنتفع مفوضا الى المستعير فان شاء استعمل الدابة مثلا فى الحمل عليها أو فى الركوب بنفسه أو غيره، وأى ذلك فعل تعين فلا يمكنه أن يفعل غيره بعد ذلك، لأن المطلق اذا تبين بقيد لا يبقى مطلقا بعد ذلك.
فاذا أركب المستعير غيره تعين هذا الغير منتفعا حتى لو ركب المستعير بعد ذلك بنفسه ضمن وهو الصحيح، لأن الانتفاع تعين بالفعل فيكون خلافه تعديا.
وقال شيخ الاسلام - المعروف بخواهر زادة - الاصح عندى أنه لا يضمن، لأن المستعير من المستعير اذا لم يضمن بالركوب أو اللبس لأنه استعمل المستعار باذن المستعير وتمليكه فبطريق الأولى أنه لا يضمن.
اذا ركب أو لبس بعد ذلك بنفسه، لأنه استعمله بالملك لأنه لو لم يملك ذلك لما ملك غيره. وكذلك تقيد الاعارة المطلقة عرفا بأن يكون الانتفاع مما يطيقه المستعار، فلا يحمل المستعير على الدابة المستعارة مثلا ما يعلم ان مثلها لا يستطيع مثل هذا الحمل، ولا يستعملها ليلا ونهارا اذا كان مثلها من الدواب لا يستعمل لذلك عادة حتى لو فعل فهلكت ضمنها، لأن العقد وان كان مطلقا الا أنه يتقيد بالعرف والعادة دلالة كما يتقيد نصا.
(ب).
وان كانت الاعارة مقيدة فيراعى فيها القيد ما أمكن، لأن الأصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذى تصرف الا اذا لم يمكن أعتباره لعدم الفائدة ونحو ذلك فيلغوا القيد لأن ذلك يجرى مجرى العبث. ثم انما يراعى القيد فيما دخل فيه فقط لا فيما لم يدخل، لأن المطلق اذا قيد ببعض الاوصاف يبقى مطلقا فهما وراءه وبيان ذلك فى مسائل.
(أولا) - ان كانت الاعارة مقيدة بالانتفاع دون الوقت بأن شرط فيها أن ينتفع المستعير بنفسه أو غيره معينا فلا يجوز له أن يخالف ذلك التقييد فيما يختلف باختلاف المستعمل كالركوب واللبس ونحوهما، لأن اعتبار هذا القيد ممكن لأنه مقيد لتفاوت الناس فى استعمال الدواب والثياب ركوبا ولبسا فلزم اعتبار القيد فيه فان فعل حتى هلك المستعار ضمنه، لمخالفته، وان كان لا يختلف باختلاف المستعمل كما لو أعاره داره ليسكنها بنفسه فانه يجوز للمستعير أن يفعل ذلك بنفسه وبغيره، لأن المملوك بالعقد السكنى والناس لا يتفاوتون فيها عادة فلم يكن التقييد بسكناه مفيدا فيلغوا، ولكن ليس للمستعير أن يسكنها حدادا أو قصارا ونحوهما ممن يوهن عمله البناء، كما أنه ليس للمستعير أن يفعل ذلك بنفسه لأن المعير لا يرضى به عادة والمطلق يتقيده بالعرف والعادة. أما من حيث الوقت فى هذه الحال فالاعارة هنا باقية على اطلاقها فللمستعير أن يستعملها فى أى وقت شاء.
стр. 5421
ثانيا - ان كانت مقيدة بالوقت كأن اتفقا على أن يستعمل المستعير العارية يوما واحدا تقيدت به حتى لا يجوز للمستعير أن ينتفع بها الا فى هذا الوقت المحدد حتى لو مضى اليوم ولم يردها على المالك مع امكان الرد ضمن اذا هلكت سواء استعملها بعد الوقت أم لا وسواء كان التأقيت نصا أو دلالة حتى لو استعار قدوما ليكسر به خشبا فكسره أو استعار كتابا ليحضر فيه درس فلان فأتمه أو ترك الدرس فانه يجب رده حتى لو أمسكه ضمن ولو لم يوقت، لأنه مقيد معنى.
وأما من حيث الانتفاع فى هذه الحال فهى باقية على اطلاقها فيجوز له الانتفاع مطلقا على الصفة المتقدمة فى المطلق عن الوقت والانتفاع.
ثالثا - ان كانت مقيدة بمكان معين - كما اذا اتفقا على أن يستعمل العارية فى مكان كذا فى المصر - تقيدت به وللمستعير أن يستعملها فى أى وقت شاء بأى وجه من وجوه الانتفاع، لأن التقييد لم يوجد الا بالمكان فبقى مطلقا فيما وراءه، لكنه لا يملك أن يجاوز ذلك المكان حتى لو جاوزه دخلت فى ضمانه.
رابعا - ان كانت مقيدة بوقت وانتفاع معا تقيدت من حيث الوقت كيفما كان، وكذا من حيث الانتفاع فيما يختلف باختلاف المستعمل. أما فيما لا يختلف فلا تتقيد به لعدم الفائدة على ما بيناه فى المقيدة بالانتفاع.
خامسا - لو قيدها المعير باستعمال العارية تقيدت به حتى لو أمسكها المستعير فى بيته ولم يستعملها حتى هلكت ضمنها، لأنه اعاره للأستعمال لا للامساك فيكون الامساك منه خلافا فيوجب الضمان، ثم فى كل موضع قلنا تتقيد الاعارة بالمسمى فليس للمستعير أن يخالفه الى ما هو فوقه فى الاضرار بالعارية ويجوز له أن يخالف الى ما هو مثل المسمى أو ما هو دونه فى الضرر، فان فعل فلا شئ عليه ان هلكت العارية وان خالف الى ما هو فوقه فى الضرر فهلكت فان كان من خلاف جنس المشروط والمسمى ضمن كل الدابة مثلا، لأنه متعد فى الجميع وان كان من جنسه ضمن بقدر الزيادة، لأنها هلكت بفعل مأذون فيه وغير مأذون فيه فيقسم على قدرهما لا اذا كان هذا الذى من الجنس قدرا لا تطيقه الدابة فيضمن الكل لكونه غير معتاد فلا يكون مأذونا فيه. وبيان ذلك فى مسائل.
منها لو أعاره دابة مثلا ليحمل عليها هذه الحنطة كان للمستعير أن يحمل عليها هذا القدر أو أقل منه من حنطة أخرى وكذا يكون له أن يحمل مثل قدر هذه الحنطة شعيرا أو دخنا أو أرزا أو غير ذلك مما يكون مثل الحنطة أو أخف منها استحسانا حتى أنها لو هلكت لا يضمن، لأن هذا وان كان خلافا صورة فليس بخلاف معنى، لأن المالك يكون راضيا به دلالة فلم يكن التقييد بالحنطة مقيدا والقياس أنه ليس له ذلك فيضمن لو هلكت، لأنه خالف،: وهو قول زفر. ولو أعاره على أن يحمل عليها أردبا من الشعير فليس له أن يحمل عليها اردبا من الحنطة، لأن الحنطة أثقل من الشعير وليس من جنسه فلم يكن مأذونا
стр. 5422
فيه أصلا فكان اعتبار القيد مفيدا، ويصير غاصبا كل الدابة متعديا عليها ويضمن كل قيمتها ان هلكت .. ولو أعاره على أن يحمل عليها وزنا معينا من حنطة أو قطن فليس له أن يحمل عليها حطبا أو تبنا أو آجرا أو حديدا أو حجارة سواء كان ذلك مثل الحنطة فى الوزن أو أخف لأن ذلك أشق على الدابة فكان ضرره بالدابة أكثر والرضا بأدنى الضررين لا يكون رضا بأعلاهما فكان التقييد مقيدا فيلزم اعتباره فلو فعل حتى هلكت ضمن. ولو أعاره على أن يحمل عليها قدرا معينا من الحنطة فحمل عليها من الحنطة زيادة على المسمى فى القدر فهلكت نظر فى ذلك فان كانت الزيادة مما لا تطيق الدابة حملها يضمن جميع قيمتها، لأن حمل ما لا تطيق الدابة اتلاف لها.
وان كانت الزيادة مما تطيق الدابة حملها يضمن من قيمتها قدر الزيادة حتى لو أعاره على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فحمل عليها أحد عشر مختوما فهلكت يضمن جزءا من أحد عشر جزءا من قيمتها، لأنه لم يتلف منها الا هذا القدر، وكذلك ان أعاره ليركب بنفسه فأردف غيره فهلكت.
فان كانت الدابة مما تطيق حملهما جميعا يضمن نصف قيمة الدابة لأنه لم يخالف الا فى قدر النصف ولأن ركوب أحدهما مأذون فيه وركوب الآخر غير مأذون فيه فيضمن نصف قيمتها.
وان كانت الدابة مما لا تطيق حملهما ضمن جميع قيمتها لأنه استهلكها. ولو أرسل رجل رسولا يستعير له دابة من فلان الى مكة فاستعارها له الرسول الى المدينة فان ركبها المستعير الى مكة فهلكت تحته فهو ضامن لها، لأنه خالف المكان الذى أذن فيه المالك فصار مستعملا لها بغير اذنه، وهذا لأن ظنه غير معتبر انما المعتبر اذن المالك، ثم لا يرجع المرسل على الرسول بشئ لأنه لم يوجد منه عقد ضمان انما أخبره بخبر أو لم يخبره بشئ، ولكنه لم يبلغ رسالته كما أمره به، وذلك غير موجب للضمان. وأن بدا للمستعير أن يركبها الى المدينة وهو لا يشعر بما كان من قول الرسول فركبها فهلكت تحته فلا ضمان عليه، لأنه استعملها باذن مالكها.
ويملك المستعير أن يعير العين المعارة له ان لم يعين المعير منتفعا بأن صدرت الاعارة مطلقة وسواء كانت العين المعارة مما يختلف باختلاف المستعمل كاللبس والركوب والزراعة أم لا كالسكنى والحمل والاستخدام، لأن الاعارة تمليك المنافع واذا كانت تمليكا فمن ملك شيئا جاز له أن يملكه على حسب ما ملك ويكون ذلك من المستعير تعيينا للراكب واللابس على ما سبق.
وان عين المعير منتفعا فان كانت العين المعارة مما لا يختلف باختلاف المستعمل ملك المستعير أن يعيرها أيضا، وان كانت تختلف باختلاف المستعمل فلا يملك المستعير اعارتها، وذلك دفعا لمزيد الضرر عن المعير، لأنه رضى باستعماله لا باستعمال غيره.
وفى ايداع المستعير للعين المعارة له اختلف مشايخ المذهب.
فقال بعضهم ومنهم الكرخى: لا يملك المستعير أن يودعها مطلقا، واستدلوا على ذلك
стр. 5423
بمسألة مذكورة فى الجامع الصغير، وهى أن المستعير اذا رد العارية على يد أجنبى فهلكت فى يد الرسول ضمن المستعير العارية ومعلوم أن الرد على يده ايداع اياه ولو ملك الايداع لما ضمن.
قال الباقلانى: هذا القول أصح، لأن الايداع تصرف فى ملك الغير بغير اذنه قصدا فلا يجوز بخلاف الاعارة لأنه تصرف فى المنفعة قصدا وتسليم العين من ضروراته فافترقا. وأكثر مشايخ المذهب ومنهم مشايخ العراق وأبو الليث وبرهان الائمة على أنه على أنه يملك أن يودع العارية بدون أن تدخل فى ضمانه بذلك، لأنه يملك الاعارة مع أن فيها ايداعا وتمليك المنافع فلأن يملك الايداع وليس فيه تمليك المنافع أولى وحملوا مسألة الجامع الصغير على أنها موضوعة فيما اذا كانت الاعارة مؤقتة فمضت مدتها ثم بعثها مع الاجنبى، لأنه بامساكها بعده يضمن لتعديه فكذا اذا تركها فى يد الأجنبى.
قال ظهير الدين المرغينانى: وعليه الفتوى. وفى الصيرفيه: أن القول بأن العين المستعارة تودع أولا تودع محله ما اذا كان المستعير يملك الاعارة أما فيما لا يملكها فلا يملك الايداع. ولا يملك المستعير أن يؤجر ما استعاره، لأن الاجارة لازمة فيلزم المعير زيادة الضرر لأنه لو جازت الاجارة من المستعير لما جاز للمعير أن يرجع حتى تفرغ مدتها فيتضرر فلا يلزمه بغير رضا.
فان فعل المستعير ذلك فهلك ضمنه حين سلمه الى المستأجر، لأنه دفع مال الغير اليه بغير اذنه فصار غاصبا والمعير بالخيار ان شاء ضمن المستعير وان شاء ضمن المستأجر لأنه قبض مال الغير بغير اذنه الا أنه ان ضمن ملكه بأداء الضمان فتبين أنه آجر ملك نفسه ويتصدق بالأجرة عند أبى حنيفة ومحمد لأنها حصلت بسبب خبيث وهو استعمال مال المستعير لا يرجع بالضمان على المستأجر، لأنه الغير فكان سبيله التصدى.
وان ضمن المستأجر فان كان عالما بكونه مستعارا لا يرجع على المستعير، لأنه ليس مغرورا من جهته وان لم يكن عالما بذلك يرجع عليه، لأنه اذا لم يعلم به فقد صار مغرورا من جهة المستعير فيرجع عليه بضمان الغرور، وكذلك ليس للمستعير أن يرهن ما استعاره، لأنه ليس له أن يوفى دينه من مال الغير بغير اذنه.
وللمعير تضمين المرتهن وبأدائه الضمان يكون الرهن هالكا على ملك المرتهن، ولا رجوع له على الراهن المستعير بما ضمن، لأنه غاصب ويرجع بدينه فقط. هذا فى رهن المستعار للانتفاع.
أما اعارة الشئ للرهن لغيره فجائزة وهى من المعروف (١).
стр. 5424
واذا دخل المستعار فى ضمانه ثم أزال الخلاف وعاد الى الوفاق لا يبرأ عن الضمان، لأن المستعار لما دخل فى ضمان المستعير بالخلاف فقد ارتفع عقد الاعارة حينئذ فلا يعود الا بالتجديد ولم يوجد (١).
وقال زفر: يبرأ عن الضمان قياسا على الوديعة اذا تعدى فيها المودع، ثم أزال التعدى (٢).
مذهب المالكية:
يجوز للمستعير أن يفعل بالمستعار ما أذن له فى فعله من المعير، ويفعل به أيضا مثل ما استعاره له ودونه فى الحمل والمسافة كأن استعار دابة ليحمل عليها اردب فول فحمل عليها أردب قمح، أو ليركبها لمكان كذا فركبها اليه من هو مثله أو ركبها الى مكان غيره مثله فى المسافة.
وقيل: ان المراد بالمثل الذى يباح للمستعير فعله المثل فى الحمل كيلا أوزنة.
وأما الذهاب بها فى مسافة أخرى مثل ما استعارها لها فلا يباح له ولا يجوز.
ويضمن ان عطبت كالاجارة على قول ابن القاسم، وهو الارجح لما فى كل منهما من فسخ المنافع فى مثلها وهو فسخ دين فى دين
ولا يجوز للمستعير أن يفعل بالمستعار ما هو أضر مما استعاره له، سواء كان ذلك الاضر أقل مما استعاره فى الوزن أو المسافة أو مساويا له أو أكثر، كما اذا استعار دابة ليحمل عليها قمحا فحمل عليها حديدا أقل منه وزنا ثم تارة يحمل عليها ما تعطب بمثله، وتارة ما لا تعطب به وفى كل اما أن تعطب واما أن تسلم.
فان زاد ما تعطب به وعطبت فعلا فصاحبها مخير حينئذ بين أن يضمن المستعير قيمتها يوم التعدى ولا شئ له غير ذلك. وبين أن يأخذ أجرة الزائد المتعدى فيه فقط. فان كانت أجرتها فيما استعارها له تساوى عشرة مثلا وأجرتها فيما حمل عليها تساوى خمسة عشر دفع المستعير الخمسة الزائدة على أجرة ما أستعارها له وخياره هذا ينفى ضرره.
وان زاد ما لا تعطب به فعطبت منه، أو تعبت أو سلمت، أو زاد ما تعطب به وسلمت فليس للمعير الا أجرة الزيادة فقط فى الصور الاربع، ولا خيار له لأن عطبها حينئذ من أمر الله ليس من أجل الزيادة.
وان زاد ما تعطب به ولم تعطب، ولكن تعيبت فانه يلزم المستعير الأكثر من أجرة الزيادة وقيمة العيب. هذا اذا خالف المستعير وزاد فى المحمول.
أما اذا زاد فى المسافة فانه يضمن قيمتها ان عطبت، سواء كانت تعطب بمثلها أم لا.
وان تعيبت فللمعير الأكثر من أجره الزيادة وقيمة العيب.
وان سلمت فليس له على المستعير الا أجرة الزيادة فقط.
والفرق بين زيادة الحمل وزيادة المسافة:
ان زيادة المسافة من المستعير محض تعد
стр. 5425
مستقل منفصل بخلاف زيادة الحمل فانه مصاحب للمأذون فيه.
وان تعدى المستعير للركوب بنفسه واردف معه شخصا آخر فحكمه فى التفصيل حكم زيادة الحمل، ثم ان علم الرديف بالتعدى كان للمعير غريمان يخير فى مطالبته أيهما شاء.
ولو كان الرديف صبيا أو سفيها.
وان لم يعلم الرديف بالتعدى.
فان كان المستعير معدما لا مال له فللمستعير أن يطالب الرديف حيث كان رشيدا، لأن الخطأ والعمد فى أموال الناس سواء.
وان كان المستعير موسرا لم يطالب الرديف.
فان كان الرديف صبيا أو سفيها فانه لا يتبع ولا يطالب بشئ اذا لم يعلم بالتعدى ومن غرم منهما فلا رجوع له على الآخر، لأن كلا منهما سبب فى غرامة الآخر (١).
وتصح اعارة المستعير للعين المستعارة وان كان يكره له ذلك، كما تصح منه اجارتها وهبتها، لأنه مالك للمنفعة والشارع جعل له الانتفاع بنفسه وبغيره.
ومحل الصحة ما لم يمنعه المعير من ذلك صراحة أو ضمنا على ما هو مذكور فى شرائط المعير (٢). واذا خالف المستعير وتجاوز ما اذن له فيه وسلم المستعار من التلف أثناء التجاوز فليس للمعير الا أجرة مثل ما تجاوزه أو زاده المستعير سواء كان التجاوز أو الزيادة مما يتلف المستعار بمثلها أم لا (٣).
مذهب الشافعية:
للمستعير الانتفاع بالمستعار بحسب الاذن وما يقتضيه العرف فيه، لرضا المعير به دون غيره.
والصحيح أنه ان تعددت جهة الانتفاع بالمستعار كالارض تصلح للزرع والبناء والغرس وكالدابة للركوب والحمل وجب التصريح بالجهة أو بالتعميم كقوله: انتفع به كيف شئت أو افعل به ما بدا لك. أما ما لا ينتفع به الا بجهة واحدة عادة كبساط لا يصلح الا للفرش فلا حاجة فى اعارته الى بيان جهة الانتفاع لكونه معلوما بالتعيين، ويستعمل فى ذلك بالمعروف حتى لو استعمله المستعير فى غير الفرش كأن تغطى به ضمن. وكذلك لا حاجة الى بيان نوع الانتفاع فيما لو كان الانتفاع بجهات، لكن احداها هى المقصودة من المستعار عادة.
وينتفع المستعير فى صورة التعميم بما هو العادة فى المستعار على الاصح.
وقيل: ينتفع به كيف شاء.
стр. 5426
فلو استعار دابة مطلقا بلا تقدير زمن ولا مسافة فله الانتفاع الى الرجوع ويتركه بالليل على الاصح.
ويجوز له الذهاب والعود فى أى طريق أراده اذا تعددت الطرق ولو أختلفت، لأن سكوت المعير عن ذلك رضا منه بكلها.
ولو أعاره دابة ليركبها لمحل كذا ولم يتعرض للركوب فى رجوعه جاز له الركوب فيه، لأن ردها لازم عليه فيتناول الاذن الركوب فى عوده عرفا.
ولو جاوز المستعير المكان بالدابة التى استعارها ليركبها اليه لزمه أجرة مثل الذهاب منه والعود اليه، لتعديه وله الرجوع منه راكبا على الاصح بناء على أن الاعارة لا تبطل بالمخالفة.
وان تلفت الدابة أو جزء منها بالاستعمال حال المجاوزة فالاصح أنه يلزم المستعير ضمانه.
وان أعاره أرضا لزراعة شئ معين فللمستعير زرعه وزرع مثله وما دونه فى ضرر الأرض، الا أن ينهاه المعير عن زراعة غير ما عينه فلا يزرع غيره وان كان مثله أو أقل منه اتباعا لنهيه، وحيث زرع المستعير ما ليس له زرعه صار متعديا فللمعير قلعه مجانا، والاعارة باقية فللمستعير زرع ما أبيح له بعد قلع الأول.
فان مضت مدة لمثلها أجرة لزمه جميع أجرة المثل على المعتمد.
وقيل: يلزمه أجرة المثل فيما بين زراعة ما له زراعته وما ليس له زراعته.
وليس للمستعير أن يغرس أو يبنى فى الارض المستعارة للزراعة اتفاقا، لأن الغرس والبناء ليسا من نوع الزرع وضررهما أكثر ويقصد بهما الدوام.
وان استعار الارض للغرس أو البناء كان له أن يزرع وان لم يكن الزرع من نوعهما لأن ضرره للأرض أخف الا أن ينهاه عن الزرع فلا يفعل.
والصحيح أنه اذا استعار الأرض للبناء فقط لم يكن له أن يغرس فيها وكذا العكس، لاختلاف جنس الضرر فان ضرر البناء فى ظاهر الأرض فى أكثر من باطنها وضرر الغرس باطنها أكثر لانتشار عروقه. وقيل: يكون له ذلك لأن كلا من الغرس والبناء للتأبيد وما يغرس للنقل فى عامه يسمى الشتل كالزرع فى كل ما مر ذكره من أحكامه
واذا أستعار لواحد مما ذكره ففعله ثم قلعه ولم يكن قد صرح له بالتجديد مرة بعد أخرى لم يجز له فعل نظيره ولا اعارته مرة ثانية الا باذن جديد (١).
ولا تصح اعارة المستعير للعين المعارة له بغير اذن المعير على الصحيح لأنه غير مالك للمنفعة وانما أبيح له الانتفاع والمستبيح لا يملك نقل الاباحة بدليل أن الضيف لا يبيح لغيره ما قدم له فان اذن له المعير صحت
стр. 5427
الاعارة، ثم ان اذن له ولم يسم من يعير له فالمستعير الأول - وهو المعير الثانى - باق على اعارته صحيحة غير باطلة والضمان باق عليه، وله الرجوع فيها، وان ردها الثانى عليه برئ.
وان اذن له المعير فى الاعارة وسمى له من يعيره فأعاره انعكست هذه الاحكام.
وقيل: تصح الاعارة من المستعير ولو بدون اذن من المعير، لأنه يكفى فى المعير أن تكون المنفعة مباحة له، وكذلك لا تصح اجارة المستعير للعين المستعارة اتفاقا، لما ذكر.
ولو أودع المستعير العين المستعارة بلا اذن من المعير ولا عذر له كان متعديا ويضمنها حتى لو أودعها عند القاضى، لأن المعير لم يرض بذلك.
وللمعير أن يستنيب عنه من يستوفى المنفعة له من العين المستعارة، كأن يركب الدابة المستعارة وكيله أو زوجته أو خادمه أو من هو مثله أو دونه فى أمر تعود منفعته عليه (١).
وان جاوز المستعير المكان المعين فى الاعارة بالدابة التى استعارها دخلت فى ضمانه ان تلفت هى أو جزء منها كما تلزمه أجرة المثل، ولا يبرأ من هذا الضمان حتى تصل الدابة الى يد المالك أو وكيله، لتعديه.
وقيل: الصحيح أن الاعارة لا تبطل بالمخالفة فيبرأ من ضمانها بعد عوده الى المكان المشروط (٢).
مذهب الحنابلة:
لا يشترط تعيين نوع الانتفاع فى الاعارة فلو أعار شيئا اعارة مطلقة أبيح للمستعير الانتفاع به فى كل ما هو مستعد له من الانتفاع بالمعروف، فاذا أعاره أرضا مطلقا فله أن يزرع فيها ويغرس ويبنى ويفعل فيها كل ما هى معدة له من الانتفاع، لأن الاذن مطلق وان اعاره للغرس أو للبناء فله أن يزرع فيها ما شاء.
وان أعاره للزرع فليس له أن يغرس ولا أن يبنى.
وان أعاره للغرس أو للبناء ملك المستعير المأذون فيه منهما دون الآخر.
وان استعارها لزرع القمح فله زرعه وزرع ما هو أقل ضررا للأرض منه كالشعير والعدس، وله أيضا زرع ما ضرره كضرر الحنطة وليس له زرع ما هو أكثر ضررا منه كالذرة والدخن والقطن.
واذا أعاره للغرس أو للبناء أو للزراعة لم يكن للمستعير ما زاد على المرة الواحدة الا باذن المعير واستعارة الدابة للركوب لا تقيد السفر بها، لأنه ليس مأذونا فيه لفظا ولا عرفا.
стр. 5428
وما كان غير مهيأ للانتفاع به من جهات متعددة وانما يصلح لجهة واحدة كالبساط يصلح للفرش فالاطلاق والتقييد فيه سواء، لتعين نوع الانتفاع بالعرف فيحمل الاطلاق عليه.
وليس للمستعير أن يستعمل فيه مثله مثل أن يحشو القميص قطنا كما يفعل بالجوالق أو يحمل فيه ترابا، أو يستعمل المناشف والطنافس فى ذلك أو يستظل بها من الشمس أو نحوه، لأنه غير مأذون فيه لفظا ولا عرفا فان فعل ذلك ضمن ما نقص من أجزائها بهذه الاستعمالات.
وليس للمستعير أن يودع المستعار ولا أن يعيره ولا أن يؤجره الا باذن.
فان أذن له جاز.
ولا يضمن المستأجر من المستعير مع الاذن من المعير اذا تلفت العين عنده بلا تفريط.
واذا أجر المستعير المستعار باذن المعير فالاجرة للمعير، لأنها بدل عما يملكه من المنافع. ولا شئ للمستعير منها، لأنه لا ملك له فى المنافع وانما يملك الانتفاع.
وان أعار المستعير أو أجر العين المستعارة بغير اذن المعير فتلفت عند الثانى مستأجرا كان أو مستعيرا ضمن المعير المستعير أو الآخذ منه أيهما شاء والقرار فى ضمانها على الثانى مستعيرا كان أو مستأجرا ان كان عالما بأن مالكها لم يأذن فان لم يعلم الثانى بذلك بل ظنها ملك المعير له استقر عليه ضمان العين فقط فى حالة الاعارة لأنه قبضها على أنها عارية وهى مضمونة، ويستقر ضمان المنفعة على المستعير الأول بدفعها له على أن يستوفى منافعها بغير عوض، أما فى حالة اجارتها من المستعير لمن يجهل ذلك فيستقر على المستأجر ضمان المنفعة وعلى المستعير ضمان العين وليس للمستعير أن يرهن المستعار بغير اذن مالكه فان أذن له صح ولا يصير المعير ضامنا للدين، لأنه اعارة ليقضى منه حاجته فلم يكن ضامنا. وللمعير مطالبة الراهن بفكاك الرهن فى الحال سواء كان بدين حال أم مؤجل، لأن للمعير الرجوع متى شاء.
ومن استعار شيئا فله استيفاء منفعته بنفسه وبمن يقوم مقامه، وهو وكيله لأنه نائب عنه ويده كيده (١).
وللمستعير دفع الكتاب المعار لمن ينسخه له، وكذا الخاتم المعار الى من ينقش له على مثاله، لأن المنافع واقعة له كالوكيل.
مذهب الزيدية:
للمستعير الانتفاع بالمستعار بنفسه أو نائبه فى العمل لقيامه مقامه.
وليس للمستعير أن يسافر بما استعاره للحضر أو العكس، أو يودعه لغير عذر، أو يرده الى المعير مع غير معتاد أو نحو ذلك فانه يضمن ضمان غصب، وليس له أن يحمل على الدابة أكثر مما استعارها له مما يكون
стр. 5429
مؤثرا فيها ولمثله أجره والا كان له ذلك وليس له أن يحملها جنسا آخر غير المشروط ولو كان أخف مع عدم العرف.
وليس له أن يجاوز بالدابة ونحوها قدرا لمثله أجرة.
وليس له أن يردف معه آخر على الدابة والرديف ضامن أيضا ان ساق أو تلفت الدابة تحت العمل، وتستقر حصته من الضمان عليه.
فان أوهمه المستعير أن الدابة ملك له ضمن الرديف قيمة حصته ويرجع بما دفع من القيمة على المستعير المدلس.
أما ان دفع قيمة حصته من الاجرة فلا يرجع بها على المستعير، لأنه قد أستوفى ما فى مقابلها. وهذا ما لم تتلف الدابة تحت العمل فان تلفت تحته فلا يرجع بما دفع من القيمة (١).
ومن استعار أرضا ليغرسها نخلا مثلا فقلع الغرس ففى جواز اعادته وجهان:
أصحهما لا يجوز وذلك الا باذن جديد، اذ الاذن يتناول الأول فقط.
ولو استعار أرضا ليزرع ما شاء صح ذلك.
وللمستعير أن يزرع ما شاء فان عين له المعير شيئا حرمت عليه مخالفته الا الى الاقل ضررا.
ولو أستعار ليغرس أو ليبنى جاز له أن يزرع لا العكس. وليس لمن استعار للغرس أن يبنى ولا العكس فى الاصح، لاختلافهما (٢).
ولو أجاز المعير رأى المستعير فى المستعار كان للمستعير أن يعيره غيره اجماعا لتفويضه فى ذلك (٣).
وان زال تعدى المستعير فى حفظ المستعار أو استعماله لم يخرج من كونه صار مضمونا عليه، وذلك نحو أن يودعه لغير عذر ثم يسترده أو يحمل عليه أكثر مما استعاره له، ثم ينزع تلك الزيادة عنه فلا تعود يده يد أمانة بزوال التعدى (٤).
مذهب الإمامية:
يتقدر انتفاع المستعير بالمستعار بقدر تسليط المعير له على ذلك، وينتفع المستعير بما جرت به العادة فى الانتفاع بالمستعار.
ولا يشترط فى الاعارة تعيين جهة الانتفاع وان تعددت.
فلو استعار الدابة ركب أو حمل عليها.
ولو استعار أرضا فله البناء أو الغرس أو الزرع، وكذا لو قال المعير للمستعير:
أنتفع به كيف شئت (٥).
стр. 5430
ولو عين المعير للمستعير جهة لم يجاوزها ولو الى المساوى أو الأقل عملا بمقتضى التعيين واقتصارا على المأذون.
وقيل: يجوز التخطى الى المساوى والأقل ضررا، وهو ضعيف.
ولو علم انتفاء الغرض بالجهة المعينة جاز التخطى الى الاقل على وجه.
أما المساوى فلا يجوز التخطى اليه مطلقا كما أنه مع النهى عن غير المعين يحرم مخالفته مطلقا، وحيث يتعين المعين فتعدى المستعير الى غيره ضمن ولزمته الاجرة لمجموع ما فعل من غير أن يسقط منها ما قابل المأذون فيه على الأقوى، لكونه تصرفا بغير اذن المعير فيوجب الاجرة، والقدر المأدون فيه لم يفعله فلا معنى لاسقاط قدره الا اذا كان المأذون فيه داخلا فى ضمن المنهى عنه كما لو اذن فى تحميل الدابة قدرا معينا فتجاوزه أو فى ركوبها بنفسه فأردف غيره تعين اسقاط أجرة المقدار المأذون فيه لأنه بعض ما أستوفى من المنفعة وأما ضمان الدابة جميعها فعليه (١).
ولو أعاره أرضا لزراعتها مرة لم يكن للمستعير تكرارها.
ولو أطلق فالأقرب جواز التكرار (٢).
ويجوز للمستعير استيفاء منفعة المستعار بنفسه وبوكيله ما دامت المنفعة تعود اليه لا الى الوكيل. ولا يجوز للمستعير اعارة العين المستعارة الا باذن المالك، لأن الاعارة انما تناولت الاذن له خاصة فان أعار بغير اذن المالك فانه يضمن العين وأجرة المثل للمنفعة، ويرجع المالك على من شاء منهما.
فان رجع على المستعير الأول لم يرجع بما غرم على الثانى الجاهل الا أن تكون العين مضمونة فيرجع عليه ببدل العين خاصة.
فان كان الثانى عالما أستقر الضمان عليه كالغاصب.
وان رجع المعير على المستعير الثانى رجع بما غرم على الأول اذا كان جاهلا بملكية العين لغير من اعارة، لأنه مغرور (٣).
وكذلك لا يجوز للمستعير أن يؤجر العين بدون اذن المالك.
فان فعل كان للمالك الأجرة ان شاء أجرة المثل وان شاء المسمى بين المستعير والمستأجر منه، وله الرجوع بذلك على من شاء منهما. وكذلك لا يجوز له رهن العين المستعارة بلا اذن، فلو استعار ورهن بدون ذلك انتزع المالك العين،: ويرجع المرتهن بماله على الراهن.
واذا أودع المستعير العين المستعارة مع عدم الضرورة ضمنها.