العتق، وصار كأنه تلفظ بالعتق عند وجود الشرط (١).
مذهب الظاهرية:
ذهبت الظاهرية الى أن العتق المعلق على شرط لا يقع.
قال ابن حزم لا يجوز عتق بشرط أصلا لقول رسول الله ﷺ «كل شرط ليس فى كتاب الله تعالى فهو باطل» وقد روينا عن عطاء من قال لعبده أنت حر لم يكن حرا حتى يقول لله وان من قال لعبده أنت حر ان دخلت الدار لا يقع به عتق، لأنه علق على شرط فلا يقع بذلك.
أما اذا اعتق عبده الى أجل مسمى قريب أو بعيد كأن يقول أنت حر غدا أو الى سنة أو الى بعد موتى فهو كما قال لأن العتق فى هذه الحال اما وصية واما نذر وكلاهما عقد صحيح جاء النص بوجوب الوفاء بهما (٢).
مذهب الإمامية:
لا يجوز تعليق العتق على شرط كقوله أنت حر ان فعلت كذا أو ان طلعت الشمس الا فى التدبير فانه يجوز أن يعلق بالموت لا بغيره - والا فى النذر فانه يجوز أيضا لأنه نذر يجب الوفاء به وكذلك لو شرط عليه فى صيغة العتق خدمته مدة معلومة صح الشرط والعتق لعموم قوله ﷺ :
المؤمنون عند شروطهم (٣).
تعليقه على ملك
مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة:
ذهب هؤلاء الفقهاء الى أن العتق المعلق على ملك كأن اشتريتك فأنت حر واقع عند وجود الشرط وهو الملك فاذا اشتراه عتق واستدلوا على ذلك بما روى أن الشعبى سأله سائل عن رجل قال لعبد الغير ان ملكتك فأنت حر فقال الشعبى ان ملكه يصير حرا فقال السائل: كيف وقد قال رسول الله ﷺ : «لا عتق لابن آدم فيما لا يملك».
فقال الشعبى ذلك فى المنجز لا المعلق بأن يقول رجل لعبد الغير أنت حر فاذا ملكه لا يكون حرا فقد كان أهل الجاهلية يوقعون هذا العتق فقال رسول الله ﷺ «لا عتق لابن آدم فيما لا يملك» أى لا عتق منجزا فيما لا يملك (٤).
стр. 5462
مذهب الشافعية والظاهرية والزيدية
والشيعة الجعفرية:
وذهب هؤلاء الفقهاء الى أن العتق المعلق على ملك لا يقع لقوله ﷺ «لا عتق لأبن آدم فيما لا يملك» (١).
العتق المشروط بشرط
مذهب جمهور الفقهاء:
ذهب جمهور الفقهاء الى أن العتق المشروط بشرط كقول السيد لعبده أنت حر على أن تخدمنى سنة أو تعلم أولادى سنة، واقع لما روى عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: قالت لى أم سلمة أريد أن أعتقك واشترط عليك أن تخدم رسول الله ﷺ ما عشت قلت ان لم تشترطى على لم أفارق رسول الله ﷺ حتى أموت. قال فاعتقتنى واشترطت على أن أخدم رسول الله ﷺ ما عاش.
وأعتق عمر بن الخطاب كل من صلى من سبى العرب وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة بعده ثلاث سنوات (٢).
مذهب الظاهرية:
وفى المحلى أن العتق يقع فى الحال ويبطل الشرط، وهو احدى روايتين عن أحمد بن حنبل لقوله ﷺ : «كل شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل» (٣). هذا وينبغى أن يفهم أن العتق المشروط بشرط لا يقع فى الحال الا اذا قبل العبد فى المجلس لأنه عقد كسائر العقود يتوقف على القبول فى المجلس فاذا قبل العبد فى المجلس العتق على هذا الشرط، عتق فى الحال ولزمه الشرط وهو الخدمة مثلا، وان قام من المجلس قبل القبول بطل العتق، وعلى ذلك اذا لم يقبل العبد هذا الشرط لا يقع العتق كسائر العقود.
العتق على مال
مذهب الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة:
ذهب هؤلاء الى أن العتق على مال كقول السيد لعبده أنت حر على ألف أو بألف واقع اذا قبل العبد فى المجلس لأنه منزل منزلة الكتابة فانها عتق على مال فاذا جازت الكتابة وهى عتق على مال جاز العتق على مال، الا أن الفرق بين الكتابة والعتق على مال أن الكتابة لا يقع فيها العتق الا اذا أدى المكاتب بدل الكتابة، فاذا عجز عن أداء البدل عاد الى الرق، أما العتق على مال فانه يقع فى الحال
стр. 5463
ولا يعود الى الرق وصار المال دينا فى ذمته (١).
مذهب الظاهرية:
وذهبت الظاهرية الى أن هذا العتق لا يقع لأنه لم يرد فى كتاب الله ولا فى سنة رسول الله ﷺ عتق على مال الا فى الكتابة فوجب الاقتصار على ما ورد فيه نص (٢).
العتق بالاكراه
مذهب جمهور الفقهاء:
ذهب جمهور الفقهاء الى أن عتق المكره غير واقع لقوله ﷺ (رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والمراد رفع حكم الاكراه الدنيوى والأخروى، فلا يترتب أثر القول الصادر عن اكراه عليه ولا يعاقب المكره فى الآخرة على ما اكره عليه ويتحقق الاكراه بأن يهدد المكره بالقتل أو تلف عضو من أعضاء جسمه ان لم يفعل (٣).
مذهب الحنفية:
ذهبت الحنفية الى أن اعتاق المكره واقع قياسا على الهازل فانه يقع اعتاقه مع أنه غير راض بحكم الهزل وكذلك غير راض بحكم الاكراه فيقع اعتاقه لأنه خير بين أمرين فاختار أهولهما فهو مختار فى التلفظ بالاعتاق كالهازل الا أن كلا منهما غير راض بالحكم وهو الاعتاق، وقد قال النبى ﷺ : ثلاث هزلهن جد وجدهن جد وعد منها العتق (٤).
اعتاق المالك عبدا يحتاج الى ثمنه
أو خدمته:
والمتتبع لقواعد الشريعة الاسلامية يعرف أن المالك يتصرف فى ملكه كيف شاء فى الحدود التى رسمتها له الشريعة الاسلامية، فاذا اعتق المالك عبدا يحتاج الى ثمنه ليصرف منه فى حوائجه أو يحتاج اليه فى خدمته فالعتق واقع لأنه تصرف فى ملكه على وجه يرضى الله تعالى ويرضى العبد الذى أعتقه فقد نصوا عند بيان أحكام العتق أن من قال لعبده أنت حر عتق دون اشتراط أى شرط فى ذلك.
مذهب الظاهرية:
وذهب الظاهرية الى أن هذا العتق لا يقع لما روى عن جابر بن عبد الله أن رجلا أعتق عبدا له ليس له مال غيره فرده رسول الله ﷺ فاشتراه منه نعيم بن النحام (٥).
стр. 5464
اعتراف
التعريف اللغوى:
جاء فى لسان العرب (١): اعتراف مصدر فعله اعترف المزيد بالهمزة والتاء فأصل مادته «عرف» يقال عرفه يعرفه عرفه وعرفانا ومعرفة.
ويقال: أعرف فلانا وعرفه اذا وقفه على ذنبه ثم عفا عنه، وعرفه الأمر: أعلمه أياه، وعرفه بيته: أعلمه بمكانه.
والتعريف الاعلام والتعريف أيضا: أنشاد الضالة.
واعترف فلان القوم: سألهم وقيل سألهم عن خبر ليعرفه.
قال بشر بن حازم: أسائله عميرة عن أبيها: خلال الجيش تعترف الركابا.
- قال ابن برى: ويأتى تعرف بمعنى اعترف.
وربما وضعوا اعترف موضع عرف كما وضعوا عرف موضع اعترف.
ويقال تعرفت ما عند فلان أى تطلبت حتى عرفت.
ويقال: اعترف فلان اذا ذل وانقاد، وعرف بذنبه عرفا واعترف: أقر،، وعرف له:
أقر وفى حديث عمر «اطردنا المعترفين» هم الذين يقرون على أنفسهم ما يجب عليهم فيه الحد والتعزير.
والعرف الاسم من الاعتراف يقال له على ألف عرفا أى اعترافا وهو توكيد وقد ورد فى السنة الاعتراف بمعنى الاقرار ما ورد فى السنة.
استعمال الفقهاء للفظ الاعتراف:
ورد فى كثير من أبواب الفقه استعمال الفقهاء للفظ اعتراف بمعنى الاقرار الذى هو إخبار الشخص (٢). بثبوت حق للغير على نفسه، وذلك لأن الاقرار لغة.
стр. 5465
هو الاعتراف بالحق، بل فى كثير من المسائل الفقهية يرد لفظا اعتراف واقرار فى المسألة الواحدة ومن ذلك ما ورد فى المغنى ابن قدامة (١). من باب الدعوى.
ان ادعى شخص على شاهدين أنهما شهدا عليه زورا أحضرهما القاضى فان اعترفا أغرمهما ان أنكرا وللمدعى بينة على اقرارهما فأقامها لزمهما ذلك.
والاعتراف بمعنى الاقرار هو حجة وحجيته ثابتة والدليل على أنه حجة الكتاب والسنة والاجماع (انظر مصطلح اقرار) لقول الله ﵎:
«وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ».
وقول الله :
﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً» (٢).
فقد أمر الله تعالى من عليه الحق بالاملاء فلو لم يلزمه بالاملاء شئ لما أمر به والاملاء لا يتحقق الا بالاقرار وما روى أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وقال الآخر وهو أفقههما أجل يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله وأئذن لى فى أن أتكلم قال تكلم.
قال: ان ابنى كان عسيفا على هذا فزنا بامرأته فأخبرت أن على ابنى الرجم فافتديت منه بمائة شاة وجارية لى ثم انى سألت أهل العلم فأخبرونى انما على ابى جلد مائة وتغريب عام وانما الرجم على امرأته فقال رسول الله ﷺ أما والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله .
أما غنمك وجاريتك فرد عليك وجلد ابنه مائة وغربه عاما وأمر أنيس الأسلمى أن يغدو على امرأة الآخر فان اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها، فأثبت الحد بالاعتراف فلو لم يكن حجة لما طلبه وأثبت الحد به.
واذا كان حجة فيما يندرئ بالشبهات فلأن يكون حجة فى غيره أولى ولما كان الاعتراف اقرار فجميع احكام الاقرار ثابتة له ويرجع فى بيانها الى مصطلح «اقرار».
стр. 5466
اعتصار
المعنى اللغوى:
يقال عصرت العنب ونحوه عصرا من باب ضرب استخرجت ماءه واعتصرت كذلك ومنه قيل اعتصرت مال فلان اذا أستخرجته منه «المصباح» وفى لسان العرب والقاموس.
الاعتصار ارتجاع العطية اى طلبها من موضعها وان يخرج من انسان ما لا يغرم أو بوجه غيره.
والاعتصار الأخذ.
ويقال: اعتصر عليه بخل عليه بما عنده ومنعه واعتصر ماله استخرجه من يده.
الاستعمال الفقهى
استعمل المالكية لفظ الاعتصار فى الدلالة على حكم الرجوع فى الهبة أو الصدقة فى بعض الأحوال ولم يعثر على هذا الاستعمال لغيرهم.
قال مالك الأمر عندنا الذى لا اختلاف فيه ان كل من تصدق على ابنه بصدقة قبضها الابن أو كان فى حجر ابيه فاشهد له على صدقته فليس له أن يعتصر شيئا من ذلك لأنه لا يرجع فى شئ من الصدقة.
ويرى المالكية أنه لا يجوز للواهب أن يرجع فى هبته أى لا يجوز اعتصارها الا لمن يأتى ذكرهم وذلك بشروط. نذكر فيما يلى:
اعتصار الأب.
جاء فى الشرح الكبير أن اعتصار الهبة ليس لغير الأب والأم أما الأب فيجوز له ذلك فيما يهبه لابنه أو لابنته ويستوى فى ذلك حال كبرهما وحال صغرهما وحال غناهما وحال فقرهما فيغتصرها جبرا عنهما بلا عوض ولو بعد حيازتها ويتحقق ذلك بقوله رجعت فى هبتى لولدى أو أخذتها منه أو اعتصرتها أو ما يدل على ذلك.
قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا فيمن نحل ولده نحلا أى أعطاه عطاء ليس على سبيل الصدقة ان له أن يعتصر ذلك ما لم يستحدث الولد دينا يداينه الناس به ويأمنونه عليه من أجل ذلك العطاء الذى أعطاه أبوه فليس لأبيه أن يعتصر من ذلك شيئا بعد ان تكون عليه الديون أو يعطى الرجل ابنه أو ابنته المال فتنكح المرأة الرجل وانما تنكحه لغناه وللمال الذى أعطاه أبوه فيريد أن يعتصر ذلك الأب - أو يتزوج الرجل المرأة قد نحلها أبوها النحل انما يتزوجها ويرفع فى صداقها لغناها ومالها وما أعطاه أبوها ثم يقول الأب انا اعتصر ذلك فليس له أن يعتصر من ابنه ولا من ابنته شيئا من ذلك والصدقة فى جميع أحوالها لا يجوز الاعتصار فيها ولذا لو أتى الأب بلفظ يحتمل القربة حين وهب لولده كقوله هبة لله ونحوه وليس له أن يعتصر وكذلك لو أراد بها الصلة عند سحنون كأن يكون له ولد محتاج أو ابن بائن منه فوصله بهبة اذ يكون ذلك بقرينة الحال فى معنى القربة والصلة فلا يجوز اعتصارها.
стр. 5467
وقيل له فى هذه الحال اعتصارها لأنها هبة لم يقترن بها من الكلام ما يدل على تمحضها صلة.
ولو وهب ابنه فاشترط فى هبته أن له حق اعتصارها فلا خلاف فى جواز اعتصارها حينئذ كما يكون له حق الاعتصار اذا وهب فأطلق فى هبته ولم يقيدها بما يخلصها للقربة وذلك له ما لم يستحدث الولد دينا داينه الناس بسببها كما ذكر.
وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون أن الأب اذا وهب ابنته المتزوجة أو ابنه المريض أو ابنه المديان (كثير الاستدانة) لم يعتصر ما وهبه كما لو تقدمت العطية على هذه الحوادث.
وقال أصبغ اذا كانت الحال واحدة كالحال يوم الهبة لم تتغير فله الاعتصار.
وجه القول الأول ان ما يمنع الاعتصار اذا حدث بعد الهبة يمنعها اذا كان موجودا وقتها.
ووجه القول الثانى ان دينه لم يتعلق بذمته من أجل الهبة فلا يمنع اعتصارها وانما يمنع الاعتصار دين حدث بسببها.
واذا وهب الرجل ابنه الكبير الهبة اليسيرة التى يرى أنه لا يداين بمثلها فاستدان أو تزوج يمنع ذلك الاعتصار.
قاله ابن الماجشون ونقل مطرف عن مالك لا يمنع ذلك الاعتصار ونقله ابن القاسم فى العتبية.
وجه قول ابن الماجشون أن تلك الهبة على تقوى الدين.
ووجه القول الثانى أنه لم يداين ولم يتزوج من أجلها.
ولو وهب ابنته فتزوجت ثم زال النكاح بموت أو طلاق قبل البناء أو بعده فقد روى عيسى عن ابن القاسم لا يعود حكم الاعتصار سواء دخل أم لم يدخل بها ووجه ذلك أن الأب قد أعطاها فتعلقت حقوق الناس بعطيتها فلا يجوز له ابطالها (١).
اعتصار الأم:
وتعتصر الام ما وهبته لولدها الصغير اذا كان له أب فان كان يتيما لم يكن لها حق الاعتصار لا فرق فى ذلك بين حال كان الولد وأبوه فيها معسرين أو موسرين أو احدهما وليس لها حق الاعتصار ولو بلغ بعد الهبة واذا كان الأب مجنونا لم يحل ذلك دون حقها فى الاعتصار واذا سار الولد يتيما بعد أن وهبت له حال حياة والده فلها الاعتصار بعد موته على المختار ولها حق الاعتصار فى هبتها لولدها الكبير الا فيما أريد به صلة أو الأخرة لأنها حينئذ يكون حكمها حكم الصدقة (٢).
وروى ابن القاسم عن مالك ان الام ليس لها أن تعتصر اذا لم يكن لولدها أب ولكن للأب أن يعتصر اذا لم يكن لولده أم.
стр. 5468
وروى أشهب أن اليتيم اذا كان غنيا كان للأم أن تعتصر منه كما تعتصر من الكبير وعن مالك للأم أن تعتصر ما للأب أن يعتصره لأنها أحد الأبوين.
اعتصار الجد والجدة:
اختلف فيه قول مالك.
فروى عنه ابن وهب لا اعتصار لهما.
وروى أشهب انهما يعتصران كالأبوين وبه قال ابن عبد الحكم ولا اعتصار لغير هؤلاء من الأقارب باتفاق (١).
موانع الاعتصار:
يمنع الاعتصار مرض الواهب فقد روى ابن حبيب عن مالك لا يعتصر مريض ولا يعتصر منه والمراد به المرض المخوف.
أما الموهوب له فلتعلق حق ورثته بالهبة.
وأما الواهب فلأن اعتصاره حينئذ يكون لغيره.
وكذلك يمنع الاعتصار فوات الهبة عند الموهوب له ببيع أو بهبة أو بتغير كجعل الذهب دنانير أو حليا ونحو ذلك، ومن الفوت زيادة الهبة فى ذاتها ككبر الصغير وسمن الهزيل ونقصه كأن يصير أعمى أو أعرج أو يصيبه شلل أو هرم أو موت ولا يضر تغير قيمتها بتغير الاسعار وذلك ما يعبر عنه بحوالة السوق ما دامت الذات قائمة وكذلك يمنعه نكاح الموهوب له أو مداينته كما بينا وانما يمنعان اذا كانت الهبة سببا لهما فان حدثا مرادايه ذات الموهوب له لم يمنعا وذلك ما لم تحدث الهبة والموهوب له متزوج أو مدين أو مريض أو كان الواهب مريضا فعند ذلك لا يترتب على هذه العوارض منع الاعنصار على المختار وكذلك الحكم اذا زال المرض الحاصل بعد الهبة من موهوب أو واهب فله الاعتصار على المختار وليس لزوال النكاح هذا الحكم وكذلك الدين لأن المرض لم يعامله الناس عليه بخلاف النكاح والدين ويظهر من ذلك أن زوال الزيادة والنقص كزوال المرض فى الحكم بدليل هذا التعلية (٢).
ورجوع الواهب فى هبته فيه اختلاف الفقهاء.
فمنهم من منعه فى جميع أحوالها.
ومنهم من منعه فى بعض أحوالها كالصدقة.
ومنهم من جوزه بشروطه.
وفى تفصيل ذلك وبيانه يرجع الى مصطلح هبة.
стр. 5469
اعتقال
يقال: عقلت البعير عقلا من باب ضرب اذا ثنيت وظيفه (ما فوق الرسغ الى مفصل الساق من كل ذى أربع) مع ذراعه فشددتهما جميعا فى وسط الذراع بحبل هو العقال فحبستهما عن الحركة وعن هذا الاستعمال.
قيل اعتقل أو اعتقل لسان فلان اذا حبس عن الكلام أى منع فلم يقدر عليه.
كما يقال: عقلته وعقلته واعتقلته.
وكذا يقال: عقل الدواء بطن فلان اذا أمسكه والمصمت معتقل اللسان ولم يخرج استعمال الفقهاء لاسم اعتقال عن هذا المعنى فحين تكلموا فى حكم معتقل اللسان أرادوا من اعتقل لسانه بسبب اصابته من مرض أو نحوه مدة من الزمان طالت أو قصرت وهو المصمت ويريدون به خلاف الأخرس وهو من به عاهة الخرس الملازمة له التى تتقيد بزمن ويسمى الأعجم لغة وتكون من الميلاد ويصاحبها (١) الصمم (تمهيد).
ان الالتزام من أهم مصادر الحق وهو يقوم على الارادة من الملتزم وهى أمر باطنى لا سبيل الى تعرفه الا بما يصدر عنه من دلالات وامارات تدل عليها وأظهرها عبارته ولذا كانت الأصل فى اتخاذها مظهرا وصورة لارادته ويقوم مقامها فى الدلالة عليها كتابته وهى فى الواقع ضرب من الاشارة كما يقوم مقامها أيضا «اشاراته» وقد شاعت الكتابة وانتشرت حتى أصبحت فى مستوى العبارة من ناحية الدلالة والاعتماد عليها كالعبارة.
أما الاشارة فقد اختلف رأى الفقهاء فى اعتمادها فمن الفقهاء من اعتمدها مطلقا ولو مع القدرة على النطق والكتابة كما اعتمدت الكتابة مع القدرة على النطق ومن هؤلاء المالكية.
ومن الفقهاء من اشترط عجز صاحبها عن العبارة والكتابة جميعا فلا يقبل اشارة الناطق ولا الكاتب ومن هؤلاء كثير من الحنفية ومنهم من اشترط العجز عن العبارة فقط ولم يشترط العجز عن الكتابة ومن هؤلاء بعض الحنفية، يراجع مصطلح «اشارة».
وقد اختلفت الآراء فى اشارة معتقل اللسان وفيما يلى مذاهب الفقهاء فى الاعتداد باشارته اذا كانت مفهمة مع ملاحظة عجزه عن الكتابة وقدرته عليها على ما جاء فى مصطلح «اشارة».
مذهب الحنفية:
جاء فى الاشباه والنظائر لابن نجيم ان فقهاء الحنفية قد اختلفوا فى حكم اشارة
معتقل اللسان
فمنهم من ذهب الى أن حكمها حكم اشارة الأخرس فى اعتبارها فى كل شئ من بيع
стр. 5470
واجارة وهبة ورهن ونكاح وطلاق واقرار وقصاص وغير ذلك الا الحدود فلا تثبت بالاشارة.
وفى رواية أن القصاص كالحدود فى عدم ثبوته بالأشارة (راجع مصطلح أخرس).
ومنهم من ذهب الى عدم اعتبارها مطلقا بل ينتظر برؤه والفتوى على اعتبارها ان دامت عقلته الى وقت وفاته.
ومن الفقهاء من اكتفى فى اعتبارها بدوامها سنة (١).
ويلاحظ أنه حين قدرته على الكتابة لا يكتفى منه بالاشارة عند بعض فقهاء الحنفية خلافا لمن ذهب الى اعتبارها مع قدرته عليها، اذ المناط الافهام وكلاهما لا يخرج عن أن يكون اشارة، وعلى الرأى المفتى به من اعتبارها ان دامت عقلته الى وقت وفاته - تكون تصرفاته بالاشارة أو الكتابة موقوفة.
فان مات على عقلته نفذ تصرفه مستندا الى وقت الاشارة أو الكتابة فلمطلقته أن تتزوج ان مضت عدتها من ذلك الوقت وينفذ تصرف المعتوق من ذلك الوقت.
ولو تزوج بالاشارة لا يحل له وطؤها لعدم نفاذ التصرف، لأن نفاذه موقوف على موته على عقلته، لا على اجازته حتى يقال: ينبغى أن يكون طلبه الوط ء دليلا على ارادة النكاح لكنه اذا مات على عقلته، كان لها المهر من تركته (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير ان اشارة الناطق كعبارته، وان اشارة الأخرس معتبرة كاشارة الناطق وذلك ما يستلزم اعتبارهم اشارة معتقل اللسان من باب أولى وان كان يحسن الكتابة، راجع مصطلح اشارة (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى الاشباه للسيوطى المعتقل لسانه واسطة بين الناطق والأخرس، وذكر ان وصيته باشارته المفهمة صحيحة وهذا يقتضى ان بقية العقود صحيحة باشارته كوصيته، وكذلك اقراره اذ لا فرق بين الوصية وغيرها من العقود وبخاصة اذا لوحظ انها التزام بتبرع.
وجاء فى نهاية المحتاج ان معتقل اللسان ملحق بالأخرس اذا لم يرج برؤه أو مضى على اعتقاله ثلاثة أيام (٤).
ولا يشترط الشافعية فى اعتبارها عجزه عن الكتابة بل تعتبر مع القدرة عليها.
فقد جاء فى المنهج ويعتد باشارة الأخرس وان قدر على الكتابة فى طلاق وغيره كالبيع والنكاح والاقرار والخلع والعتق للضرورة وعلق على ذلك البجرمى فى حاشيته.
فقال: ومثل الأخرس فى الحكم من طرأ عليه العجز عن الكلام كمن اعتقل لسانه ولم يرج برؤه.
فان رجى برؤه انتظر ثلاثة أيام على الأكثر
стр. 5471
فلا يلحق بالأخرس قبل مضيها الا فى اللعان فلا انتظار للأضرار اليه بخلاف غيره.
مذهب الحنابلة:
معتقل اللسان كالأخرس اذا لم يرج نطقه، فان رجى بقول عدلين خبيرين انتظر برؤه.
وفى الترغيب يكتفى بانتظار ثلاثة أيام وجزم بذلك فى المنته (١). ولا يلحق بالأخرس حينئذ قبل مضيها.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ما يدل على أن حكم معتقل اللسان والأبكم والأخرس واحد فيعاملون بما يقدرون عليه من اشارة فى اقرار وطلاق ونحوهما اذ لا يكلف الله نفسا الا وسعها (٢).
مذهب الزيدية:
يرى الزيدية أنه لا فرق فى الحكم بين معتقل اللسان وهو المصمت الذى حبس عن الكلام لسبب طرأ عليه كالمرض وغيره بعد أن كان يتكلم.
والأخرس هو من جمع الخرس والصمم ولازمته عاهة الخرس وهى العجمة من مولده فاشارة هؤلاء المفهمة معتبرة فى عقودهم من بيع وشراء ورهن وكفالة ونحوها كما تعتبر فى النكاح والطلاق فجميع تصرفاتهم صحيحة باشارتهم المفهمة ولا ينتظر لاعتبارها مدة تزول عنهم فيما عاهتهم (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى تحرير الاحكام أنه يكتفى فى العقود باشارة الأخرس وشبيهه وعلى ذلك فحكم الأخرس ومعتقل اللسان واحد عندهم.
ولا اعتبار بالاشارة الا مع العجز عن النطق (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: ان الأصم والأبكم اذا نشأ مع قوم يعرفون بالاشارة الصادرة منهما ما يريدان جاز عليهما ما صنعا من طلاق ونكاح وغيرهما كايلاء وظهار وبيع وشراء.
وقيل: لا طلاق لهما ولو أفهماه باشاة أو كتابة والصحيح الأول.
ومن تزوج ثم خرس لسانه أو قطع اختلف فى طلاقه بالاشارة.
فقيل: يقع.
وقيل: لا.
وقيل: ان فهمت اشارته فى طلاقه ونكاحه وتيقنت جاز عليه.
وان شك فى اشارته لم يصحا وكذلك الحكم فى البيع والشراء وغيرهما.
واختلف فى طلاقه بالكتابة اذا كان يعرفها والصحيح الوقوع اذ لا كلام له (٥). ومؤدى ذلك أنهم لا يشترطون فى أعتبار اشاراته عجزه عن الكتابة (راجع فى جميع ما ذكر مصطلح «اشارة»).
стр. 5472
اعتكاف
تعريفه لغة:
جاء فى لسان العرب (١): عكف على الشئ يعكف ويعكف عكفا وعكوفا. أقبل عليه مواظبا لا يصرف عنه وجهه، والعكوف الاقامة فى المسجد: قال الله تعالى: «وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» (*).
قال المفسرون وغيرهم من أهل اللغة:
عاكفون مقيمون فى المساجد لا يخرجون منها الا لحاجة الانسان يصلى فيه ويقرأ القرآن.
ويقال لمن لازم المسجد وأقام على العبادة فيه عاكف ومعتكف، والاعتكاف والعكوف الاقامة على الشئ وبالمكان ولزومهما.
تعريفه شرعا:
التعريف الشرعى يساير التعريف اللغوى مع زيادة قيود اختلف فيها الفقهاء.
فأغلب الفقهاء يتفقون على أن معناه:
البث أو الاقامة فى المسجد بقصد العبادة بنية (٢).
ويزيد الأحناف فى التعريف كلمة «مع الصوم» (٣).
ويعرفه المالكية بأنه: لزوم مسلم مميز مسجدا مباحا «أى يدخله كل الناس وليس محجورا عن أحد» بصوم كافا عن الجماع ومقدماته يوما بليلته للعبادة بنية (٤).
- ينص الإباضية على أنه: اللبث فى المسجد للعبادة يوما وليلته أو يوما وبعض الليل مما يلى آخره فأكثر (٥).
مشروعيته:
جميع المذاهب (٦). على أن الأصل مشروعية الاعتكاف هو قوله تعالى: «أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ».
стр. 5473
وقوله: (١) «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ»﴾. وما روته السيدة عائشة رضى الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وما رواه أبو سعيد الخدرى. أن رسول الله ﷺ ، كان يعتكف العشر الأواسط من رمضان. وأنه ﵇ قال: «من كان اعتكف معى فليعتكف العشر الأواخر» ولم يخالف أحد فى مشروعيته.
حكمة مشروعيته:
التشبه بالملائكة الكرام فى استغراق الاوقات فى العبادة وحبس النفس عن شهواتها والكف عن الخوض فيما لا ينبغى.
والاعتكاف من الشرائع القديمة وهو من أشرف الأعمال اذا كان عن اخلاص.
قال عطاء: مثل المعتكف كمثل رجل له حاجة الى عظيم يجلس على بابه ويقول لا أبرح حتى تقضى حاجتى.
وقال الزهرى: عجبا من الناس كيف تركوا الاعتكاف ورسول الله ﷺ كان يفعل الشئ ويتركه وما ترك الاعتكاف حتى قبض، وفى الاعتكاف تفريغ القلب عن أمور الدنيا وتسليم النفس الى بارئها والتحصن بحصن حصين وملازمة بيت الله تعالى (٢)
مكانه بالنسبة للرجال
ليس هناك خلاف بين الفقهاء على أن مكان الاعتكاف هو المسجد.
الا ما قاله ابن لبابة من المالكية (٣) وبعض المخالفين من أصحاب المذهب الاباضى (٤).
من أنه يجوز فى غير المسجد.
لكنهم اختلفوا فى تحديد صفة المسجد بالنسبة للمعتكف على الوجه الآتى:
١ - قيل ان مكان الاعتكاف هو كل مسجد.
وهو رأى المالكية (٥) بالنسبة لمن لا تجب عليه الجمعة وكذا لمن نذر اعتكافا فى مدة لا تتخللها الجمعة وبشرط أن يكون المسجد مباحا لجميع الناس وليس محجورا.
وجوز الشافعية (٦). الاعتكاف فى كل مسجد بشرط أن يكون المسجد خالص المسجدية أى ليس مشاعا.
وهو رأى محمد وأبى يوسف والطحاوى من الأحناف (٧).
стр. 5474
وهو أيضا رأى الحنابلة (١) لمن لا تلزمه الجمعة ولا الجماعة.
والظاهرية (٢) توسعوا فى الأمر فذكر ابن حزم فى كتابه المحلى أن الاعتكاف جائز فى كل مسجد جمعت فيه الجمعة أو لم تجمع سواء كان مسقفا أو مكشوفا.
واستدل القائلون بجواز الاعتكاف فى أى مسجد بعموم قوله تعالى: «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» فالآية مطلقة لم تحدد مسجدا خاصا.
٢ - وقيل ان مكان الاعتكاف هو مسجد الجماعة وهو ماله امام ومؤذن، أديت فيه الصلوات أم لا.
قال بهذا الرأى الأحناف على ما جاء فى ابن عابدين والهداية (٣).
وهو رأى الحنابلة (٤) أيضا لمن تلزمه الجماعة.
ورأى الإباضية (٥).
وعن أبى حنيفة قول أيضا باشتراط أن تصلى فيه الصلوات الخمس.
٣ - وورد عن بعض العلماء (٦) كحذيفة وسعيد بن المسيب وابن مسعود أنه لا اعتكاف الا فى المساجد الثلاثة «بيت الله الحرام، وبيت المقدس، ومسجد النبى ﷺ » مستدلين بما روى عن النبى ﷺ أنه قال: لا اعتكاف الا فى المسجد الحرام ومسجدى هذا والمسجد الأقصى.
ولقد وفق صاحب بدائع الصنائع (٧).
بين الروايات المختلفة بالنسبة للمساجد الثلاثة والمسجد الجامع ومسجد الجماعة وكل مسجد بأن ذلك محمول على بيان الأفضل. كقوله ﵊: «لا صلاة لجار المسجد الا فى المسجد» فأفضل الاعتكاف أن يكون فى المسجد الحرام ثم فى مسجد المدينة ثم فى المسجد الأقصى ثم فى المسجد الجامع ثم فى المساجد العظام التى كثر أهلها.
الاعتكاف فى مكان معين بالنذر:
يرى الحنفية (٨) ان من نذر اعتكافا فى مكان مخصوص أجزأه الاعتكاف فى غيره وخرج عن موجب نذره.
стр. 5475
وقال زفر: لا بد من الاعتكاف فى المسجد الذى عينه لأن الخروج عن موجب النذر لا يكون الا بالأداء فى المكان الذى عينه أو فى مكان هو أعلى من المكان الذى عينه.
وذهب المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية (١) الى أن من نذر الاعتكاف فى أحد المساجد الثلاثة - المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى - لزمه الاعتكاف فيها لأنها مساجد تشد الرحال اليها.
والأصل أنه ان عين الأفضل لم يجزئه فيما هو دونه وان عين المفضول أجزأه فيما هو أفضل.
وفى رأى الشافعية (٢) ان الذى يتعين هو المسجد الحرام فقط لأنه أفضل من سائر المساجد ولا يتعين المسجد الأقصى ولا مسجد المدينة لأنه لا يجب قصدهما بالشرع فلم يتعين بالنذر كسائر المساجد.
ويرى الإمامية (٣): ان النذر لا يلزم الا فى أربعة مساجد - المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد الكوفة ومسجد البصرة.
وان نذر الاعتكاف فى مسجد آخر غيرها لم يلزمه الاعتكاف فيها ويجزئه الاعتكاف فى أى مسجد لأن الله تعالى لم يعين لعبادته موضعا ولا مرية لبعضها على بعض فلم يتعين
وينص الإباضية (٤): على أن من نوى مسجدا معروفا لزمه ما نواه.
وقيل كل ما علق من عبادة على مسجد كفاه فى مسجد بلده أو مسجد ما الا المسجد الحرام أو المسجد النبوى أو بيت المقدس.
الاعتكاف فيما يلحق بالمسجد:
مذهب الحنفية: (٥)
ان المنارة تعتبر من المسجد سواء كان بابها داخل المسجد أو خارجه فيصح الاعتكاف فيها.
مذهب المالكية: (٦)
فلا يصح عندهم الاعتكاف فى رحبة المسجد ولا الطريق المتصلة به اذ لا يقال لواحد منهما مسجد ولا يصح فى بيت القناديل والسقاية والسطح.
مذهب الشافعية: (٧)
ان من المسجد سطحه وهواؤه وروشنه المتصل به فيصح الاعتكاف على سطحه وعلى
стр. 5476
غصن شجرة فى هوائه سواء كان أصلها فيه أو كان خارجا عنه وكذلك اذا كان أصلها فى المسجد وغصنها خارجه كالروشن.
وقال فى نهاية المحتاج: لا فرق بين سطح المسجد وصحنه ورحبته المعدودة منه، ويعتبرون كذلك أن المنارة الداخلة فى المسجد تعتبر منه وأختلف فى المنارة الخارجة عن رحبة المسجد.
مذهب الحنابلة: (١)
ان ظهر المسجد ورحبته المحوطة وعليها باب تعتبر من المسجد، ومنارته التى بابها فيه تعتبر منه، بدليل منع الجنب، وكذلك لو كانت المنارة فيه ولم يكن بابها منه، وما زيد فى المسجد فهو منه.
مذهب الظاهرية: (٢)
فلا يجوزون الاعتكاف فى رحبة المسجد الا أن تكون منه.
مذهب الزيدية: (٣)
والزيدية يجوزون الاعتكاف على سطح المسجد اذ هو مسجد.
مذهب الإمامية: (٤)
والإمامية يوافقون الحنابلة والشافعية فيعتبرون أن سطح المسجد وسردابه ومحرابه منه ما لم يعلم خروجها. وكذا مضافاته اذا جعلت جزءا منه كما لو وسع فيه.
ولم نعثر للإباضية (٥) فى باب الاعتكاف على شئ من هذا القبيل الا ما جاء فى باب أحكام المساجد من أن مازاد فى المسجد فهو منه ولا تعتبر المنارة منه.
مكان الاعتكاف بالنسبة للزوجة
والعبد عند جميع الأئمة:
هو المسجد كالرجل.
الا ما قاله الحنفية وبعض الزيدية (٦) من أن المرأة تعتكف فى مسجد بيتها.
وروى الحسن عن أبى حنيفة أيضا أن للمرأة أن تعتكف فى مسجد الجماعة وان شاءت اعتكفت فى مسجد بيتها ومسجد بيتها أفضل.
قال صاحب بدائع الصنائع ان ما ذكر اذن من أن المرأة لا تعتكف الا فى مسجد بيتها محمولا على نفى الفضيلة لا على نفى الجواز.
стр. 5477
وحجة الحنفية ان القربة وان كانت خصت بالمساجد لكن مسجد بيتها له حكم المسجد فى حقها بالنسبة للاعتكاف.
والمراد بمسجد البيت هو مكان صلاتها أو أن تخصص موضعا فيه فتعتكف فيه ويكون له حكم المسجد.
وكره الزيدية. اعتكاف المرأة الشابة فى المسجد خوف الفتنة اذا كان المسجد يدخله الرجال.
وورد أيضا رأى للشافعية فى حاشية الباجورى من أن المرأة اذا أعدت لصلاتها محلا فى بيتها يكون كالمسجد فلها الاعتكاف فيه.
واستحب الحنابلة لها أن تعتكف بخباء ونحوه وتجعله فى مكان لا يصلى فيه الرجال لفعل عائشة وحفصة وزينب فى عهد النبى ﷺ .
وذهب الإباضية الى أن اعتكاف المرأة فى بيتها أفضل.
وقالوا مع ذلك يصح لها أن تعتكف بالمسجد بستر مع زوجها أو محرم لها ولو عبدا.
وقيل يصح اعتكافها مع امرأة أو طفل أو طفلة أو مع أمينين أو مع من لا حاجة له بالنساء (١).
أركانه
ورد فى بعض المذاهب أركان للاعتكاف وذكرت فى نفس المذاهب أيضا فى مكان آخر على أنها شروط.
وهناك مذاهب أخرى لم يرد ذكر للأركان فيها.
- والأركان التى وردت هى:
١ - اللبث فى المسجد عند الحنفية والمالكية والشافعية والزيدية (٢).
٢ - المعتكف وهو ركن عند المالكية والشافعية.
٣ - الصوم عند المالكية والزيدية.
٤ - المسجد عند المالكية والشافعية.
٥ - النية عند الشافعية والزيدية.
٦ - ترك الوط ء عند الزيدية.
٧ - كونه مقدورا عند الزيدية.
وسيأتى تفصيل الكلام على هذه الأركان عند ذكرها فى الشروط.
شروطه
النية:
وهى شرط لصحة الاعتكاف عند جميع
стр. 5478
الأئمة (١) لأن النية شرط فى سائر العبادات لقول الرسول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى».
وفى رأى المالكية والشافعية والزيدية أنها ركن لا شرط.
ويجب عند الشافعية والحنابلة والإمامية (٢).
- أن يعين نوع الاعتكاف - واجبا أو مندوبا - بالنية ليتميز الواجب عن التطوع.
وفى الواجب ينوى الوجوب.
وفى المندوب ينوى الندب
وتكفى نية واحدة عند الشافعية (٣).
فيما اذا أطلق الاعتكاف ولو طال مكثه.
فان خرج ثم عاد احتاج الى استئناف النية سواء خرج لقضاء حاجة أم لغيرها لأن ما مضى عبادة تامة مستقلة ولم يتناول بنيته منه غيرها فاشترطت النية لدخول الثانى لأنها عبادة أخرى، الا أن يعزم حين الخروج أن يقضى الحاجة ثم يعود فهذه العزيمة تقوم مقام النية.
وهذا فى الاعتكاف الذى لم يعين فيه زمنا.
فان عين زمنه وخرج.
فأصح الأقوال أنه ان خرج لقضاء حاجة ثم عاد لم يجب تجديد النية.
وان خرج لغرض آخر فلا بد من تجديد النية سواء أطال الزمان أم قصر.
وان شرط فى اعتكافه خروجه لشغل ثم خرج وعاد فالأصح وجوب تجديد النية.
وهذا الكلام يجرى فى اعتكاف التطوع وفى النذر الذى لم يشترط فيه تتابع.
فان كان النذر متتابعا وكان خروجه لا يقطع التتابع فلا يجب عليه استئناف النية عند عوده لشمول النية جميع المدة.
وان كان الخروج يقطع التتابع فانه يجب عليه تجديد النية قطعا.
ويجب تبييت النية عند الزيدية (٤).
واذا كان الاعتكاف متصلا ليلا ونهارا كفت نية واحدة للاعتكاف فى أوله ويجدد نية الصوم فى كل يوم.
أما لو كان الاعتكاف فى النهار دون الليل فلا بد من نية الاعتكاف فى كل يوم.
стр. 5479
وعند الإمامية (١):
ينوى قبل طلوع الفجر على رأى من اعتبر الأيام وقبل الغروب على رأى من اعتبر بدايته الليل.
الشرط الثانى - الصوم:
يرى الحنفية (٢):
أن الصوم شرط لصحة الاعتكاف الواجب بلا خلاف.
أما اعتكاف التطوع فقد روى الحسن عن أبى حنيفة أنه لا يصح بدون الصوم. واعتمد بعض شيوخ المذهب على هذه الرواية وذكر محمد فى الأصل أنه يصح بدون صوم.
وسبب هذا الاختلاف فى اعتكاف التطوع هو ما ورد من أن اعتكاف التطوع مقدر بيوم فيكون الصوم شرطا له أو غير مقدر أصلا على رواية محمد فلا يكون الصوم شرطا له.
ودليل الأحناف على وجوب الصوم فى الاعتكاف ما روى عن عائشة رضى الله عنها عن النبى ﷺ أنه قال: «لا اعتكاف الا بالصوم».
والصوم كذلك شرط لصحة الاعتكاف (٣) عند المالكية والجعفرية والزيدية وأكثر الإباضية ورواية عن الامام أحمد حيث قال: «اذا اعتكف يجب عليه الصوم».
ويرى بعض الزيدية (٤):
أنه يصح بدون صوم لكن حمل هذا القول على التطوع.
أما الواجب فلا بد فيه من الصوم.
ودليل وجوب شرط الصوم عند القائلين به هو حديث عائشة السابق.
والصوم ليس بشرط عند الشافعية (٥).
ومشهور مذهب الحنابلة (٦).
وبعض الإباضية (٧).
وابن حزم الظاهرى (٨) بدليل قول الرسول ﷺ «ليس على المعتكف صيام الا أن يجعله على نفسه».
ولكنه مستحب عند الشافعية (٩) - والحنابلة (١٠).
ولا يجب عند هؤلاء الأئمة الا اذا أوجبه المعتكف على نفسه.
وعند المالكية والجعفرية لا يعتبر أن يكون
стр. 5480
الصوم لأجل الاعتكاف بل يعتبر فيه أى صوم كان واجبا أو تطوعا (١).
وعند الإباضية (٢) - لا يجزئ صوم كفارة ولا تطوع.
ويجزئ صوم رمضان عند الجميع (٣)
وعلى رأى الأئمة القائلين (٤): بأن الصوم شرط لصحة الاعتكاف لا يجوز الاعتكاف فى الأيام التى لا يصح فيها الصوم كأيام العيدين والتشريق ولا يصح نذر الاعتكاف فيها فمن أوجبها قضاها.
ويجوز ذلك عند الأئمة الذين لا يعتبرون الصوم شرطا لصحة الاعتكاف.
كذلك لا يصح عند القائلين (٥) بالصوم اعتكاف الليل فقط ولا نذره لأن الليل ليس محلا للصوم.
وعلى ذلك قول الحنفية: لو نذر اعتكاف ليلة لم يصح ولو نوى معها اليوم لعدم محليتها للصوم لأنه لما جعل اليوم تبعا لليلة وقد بطل نذره فى المتبوع وهو الليلة وبطل فى التابع وهو اليوم، لكن لو نوى بالليلة اليوم صح لأنه أطلق الليلة وأراد اليوم مجازا.
وقال المالكية: ان من نذر ليلة لزمه يوم وليلة.
وعند الزيدية كذلك لا يصح نذر ليلة فقط.
أما الجعفرية فلا يجوز عندهم نذر ليلة أو يوم لأن من شرطه عندهم ألا يكون أقل من ثلاثة أيام.
وعند الإباضية من نذر أن يعتكف ليلا لم يلزمه.
الشرط الثالث:
المسجد وهو شرط لصحة الاعتكاف عند جميع الأئمة (٦).
الا ما ذهب اليه ابن لبابة المالكى وبعض الإباضية من أنه يصح فى غير المسجد.
الشرط الرابع:
المكث أى اللبث فى المسجد وهو شرط عند جميع الأئمة (٧).
стр. 5481
أما مقدار اللبث المطلوب فسيأتى عند الكلام عن مدته.
الشرط الخامس - العقل:
وهو شرط عند جميع الأئمة (١).
الا أن الزيدية زادوا شرط البلوغ أيضا.
الشرط السادس:
الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس وهو شرط للصحة عند جميع الأئمة (٢).
الشرط السابع:
ترك الوط ء. فالجماع مما يبطل الاعتكاف عند جميع الأئمة.
وقد عد بعضهم ترك الجماع من الشروط فى الاعتكاف وهم (٣). الحنفية والمالكية والزيدية والإباضية.
واعتبره الشافعية شرط اللبث فى المسجد الذى هو أحد أركان الاعتكاف.
واستدلوا جميعا بقوله تعالى:
«وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ».
حكمه
يرى الحنفية (٤):
أن الاعتكاف اما واجب بالنذر تنجيزا أو تعليقا وبالشروع فيه على رأى.
وأما سنة مؤكدة وهو اعتكاف العشر الأواخر من رمضان لما ورد فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ثم اعتكف أزواجه من بعده.
واما مستحب وهو ما سوى العشر الأواخر من رمضان من الأزمنة.
وذهب الشافعية (٥) والحنابلة (٦) والإباضية (٧) وبعض المالكية (٨) الى أنه سنة.
стр. 5482
ويرى الزيدية (١) والإمامية وبعض المالكية (٢) أنه مندوب.
والظاهرية (٣) يقولون انه فعل حسن.
ودليل هؤلاء جميعا حديث عائشة السابق.
الا أن الامام مالك كره الدخول فيه مخافة عدم الوفاء به ..
والكل متفق على أنه يجب بالنذر.
ويزيد الإمامية (٤) بأنه يجب أيضا بالعهد واليمين والنيابة ان وجبت والاستئجار عليه وبمضى يومين وبالشروع.
ودليل الوجوب عند الجميع ما روته عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه».
ومما يتصل بأحكام الاعتكاف ما قاله الفقهاء فى حكم اعتكاف الزوجة والعبد وهو كما يلى:
اتفق جميع الأئمة (٥) على أن المرأة والعبد يصح لهما الاعتكاف باذن من الزوج والسيد لأنهما من أهل العبادة، وانما المانع حق الزوج فى الاستمتاع وحق السيد فى المنفعة فاذا وجد الاذن فقد زال المانع.
واتفقوا كذلك على أن العبد والزوجة لو نذرا اعتكافا بغير اذن فللزوج والسيد منعهما.
وأما المكاتب فليس للسيد منعه من الأعتكاف لأن المولى لا يملك منافع مكاتبه فكان كالحر فى حق منافعه.
وذلك عند الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية (٦).
وعند الجعفرية (٧) اذا كان اعتكافه اكتسابا.
وعند المالكية (٨) اذا كان اعتكافه يسيرا لا ضرر فيه على سيده.
стр. 5483
واذا أذن الزوج أو السيد بالاعتكاف للزوجة والعبد (١).
فعند الحنفية (٢) لا يجوز للزوج أن يرجع فى اذنه لأنه لما أذن لها بالاعتكاف فقد ملكها منافع الاستمتاع بها فى زمان الاعتكاف وهى من أهل الملك فلا يملك الرجوع عن ذلك، أما السيد فاذا أذن لمملوكه بالاعتكاف فله أن يرجع لأن السيد لم يملك العبد منافعه لأنه ليس من أهل الملك وانما أعاره منافعه، وللمعير أن يرجع فى العارية متى شاء الا أنه يكره له الرجوع لأنه خلف فى الوعد وغرور فيكره له ذلك.
وقال المالكية (٣):
ان أذن الزوج والسيد فى نذر الاعتكاف فان دخلا فيه فلا يمنعانهما منه وان لم يدخلا فيه جاز منعهما منه.
وعند الشافعية (٤):
ان الزوجة والعبد اذا نذرا اعتكافا باذن الزوج والسيد فان كان النذر غير متعلق بزمان يعينه لم يجز أن يدخلا فيه بغير اذنهما لأن الاعتكاف ليس على الفور وحق الزوج والمولى على الفور فيقدم على الاعتكاف، وان كان النذر متعلقا بزمان يعينه جاز أن يدخلا فيه بغير اذنهما لأنه تعين عليهما فعله باذنهما.
وان دخلا فى اعتكاف.
فان كان تطوعا جاز للزوج والسيد اخراجهما منه لأنه لا يلزمه بالدخول.
وان كان فى فرض متعلق بزمان بعينه لم يجز لأنه تعين عليه فى وقته.
وان كان فى فرض غير متعلق بزمان بعينه لم يجز لأنه تعين عليه فى وقته.
وان كان فى فرض غير متعلق بزمان بعينه ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأنه وجب باذنه ودخلا فيه باذنه فلم يجز اخراجهما منه.
والثانى: أنه ان كان متتابعا لم يجز لأنه لا يجوز الخروج منه فلا يجوز اخراجهما منه كالمنذور فى زمان بعينه.
وان كان غير متتابع جاز لأنه يجوز لهما الخروج منه كالتطوع.
وقال الحنابلة (٥):
ان شرعا فى الاعتكاف باذن من الزوج والسيد فلهما تحليلهما من الاعتكاف.
ان كان تطوعا لأن النبى ﷺ أذن لعائشة وحفصة وزينب فى الاعتكاف ثم منعهن منه بعد ان دخلن ولأن حق الزوج والسيد واجب والتطوع لا يلزم بالشروع ولأن لهما المنع منه ابتداء فكان لهما المنع دواما.
стр. 5484
وان كان الاعتكاف نذرا ولو غير معين فلا يمنعانهما منه لأنه يتعين بالشروع فيه ويجب اتمامه.
أما قبل الشروع فى الاعتكاف فانه يجوز الرجوع مطلقا بعد الأذن فى الاعتكاف للزوجة والعبد ما دام لم يشرعا فيه على أن الأذن فى عقد النذر يعتبر اذنا فى الفعل اذا كان النذر معينا بالأذن كما لو أذن الزوج والسيد لهما فى نذر اعتكاف العشر الأخير من رمضان فيكون اذنا فى فعله.
أما اذا لم يكن الزمن معينا بالأذن فلا يكون الأذن فى النذر اذنا فى الفعل لأن زمن الشروع لم يتضمنه الأذن السابق.
أما الظاهرية (١):
فان ابن حزم الظاهرى يعتبر النذر كالفرض يجب الوفاء به حيث قال: من نذر طاعة لله لزمه الوفاء بها فرضا لقول الرسول ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه».
ثم قال ابن حزم:
ونذر الرجل والمرأة البكر ذات الأب وغير ذات الأب وذات الزوج وغير ذات الزوج والعبد والحر سواء لأن الله أمر بالوفاء بالنذر ولم يخص أحدا.
وعند الزيدية (٢):
اذا أذن الزوج أو السيد بايجاب الاعتكاف فأوجباه ودخلا فيه لم يجز لهما المنع بعد ذلك.
لكن يجوز للزوج والسيد أن يرجعا عن اذنهما قبل أن يقع الايجاب من الزوجة والمملوك.
فأما بعد وقوع الايجاب فلا رجوع.
فان كان الزوج أو السيد قد أذنا فى الايجاب دون الفعل فأوجباه.
فان كان الوقت معينا فلا رجوع اتفاقا.
وكذلك ان كان الوقت غير معين على رأى من جعل الواجبات على الفور.
وعند الإمامية (٣):
اذا أذن المولى لعبده فى الاعتكاف جاز له الرجوع عن اذنه ما لم يمض يومان فاذا مضى يومان فليس له الرجوع بعدهما لوجوب اتمامه بثلاثة أيام حينئذ حيث أن أقل الاعتكاف عندهم ثلاثة أيام.
وذلك اذا كان تطوعا.
فان كان واجبا فكذلك لا يجوز الرجوع بعد الاذن وبعد الشروع فيه.
أما الإباضية (٤):
فانهم يقولون: من أذن لزوجته فى اعتكاف ودخلت فيه فليس له منعها، أما قبل الدخول فله منعها.
стр. 5485
وقيل ان للزوج المنع بعد الدخول ولو باذنه وقيل حتى تتم اليوم فيمنعها ان شاء.
ما يطرأ على المرأة والعبد أثناء الاعتكاف.
اتفق الأئمة ما عدا الظاهرية على أن ما يطرأ على المرأة من حيض أو نفاس يعتبر عذرا يجب معه الخروج من المسجد حتى يزول عذرها فاذا زال العذر.
- فعند الحنفية (١):
ان كانت فى اعتكاف تطوع فهى بالخيار بين الرجوع وعدمه.
وان كان اعتكافها نذرا فان كان شهرا بعينه قضت ما فات وقت العذر وبنت على ما مضى.
وان كان نذرا غير معين أستأنفت اعتكافها من أجل التتابع.
واذا كان العبد أو المرأة قد منعا من الاعتكاف المنذور فعليهما قضاؤه اذا عتق العبد وبانت المرأة.
وقال المالكية (٢):
من حاضت خرجت وعليها حرمة الاعتكاف أى لا تفعل ما لا يفعله المعتكف فاذا طهرت رجعت وبنت على ما مضى.
لكن لو حصل منها ما يحرم فعله على المعتكف أثناء حيضها كجماع أو قبلة بشهوة ولو ناسية لاعتكافها بطل اعتكافها واستأنفته من أوله،
وكذلك ان أخرت الرجوع الى المسجد بعد طهرها بطل اعتكافها واستأنفته من أوله.
وان حاضت المعتكفة فخرجت للحيض فطلقها زوجها فانها ترجع للمسجد اذا طهرت لتكمل اعتكافها كما لو طلقها وهى فى المسجد فانها لا تخرج.
واذا اعتكفت ثم طرأ عليها ما يوجب العدة فانها تتم اعتكافها أولا ولا تخرج حتى تنته من اعتكافها ثم ترجع الى بيت زوجها فتتم فيه باقى العدة، فان كان موجب العدة قد سبق الاعتكاف فلا تعتكف حتى تتم العدة.
وان اجتمع على امرأة عبادات متضادة الأمكنة كعدة واحرام واعتكاف فان سبق الاعتكاف العدة أتمت السابق فتستمر فى اعتكافها حتى تنته منه.
واذا منع العبد من الاعتكاف المنذور فعليه ذلك الاعتكاف ان عتق.
وقال سحنون فى العبد الذى منع ان كان المنذور معينا فلا قضاء عليه.
وقال الشافعية (٣):
ان كان اعتكافها فى مدة لا يمكن حفظها من الحيض فيها خرجت من المسجد فاذا طهرت عادت وأتمت مدة اعتكافها.
стр. 5486
وان كان اعتكافها فى مدة يمكن حفظها فيها من الحيض ففاجأها الحيض فيها فانها تخرج ثم تبدأ اعتكافا جديدا.
أما المستحاضة فلا تخرج من المسجد لأنها كالطاهرة لكن تحترز عن تلويث المسجد.
واذا طلقت المعتكفة تخرج لتعتد فى بيت الزوجية ثم تعود فتتم اعتكافها.
وعند الحنابلة (١):
اذا حاضت المرأة وهى معتكفة خرجت الى بيتها فاذا طهرت رجعت الى المسجد فان كان للمسجد رحبة غير محوطة يمكنها ضرب خباء فيها بلا ضرر سن لها ضرب الخباء بها وتجلس بها.
وهذا اذا لم تخف تلويثا فاذا طهرت دخلت المسجد لتتم اعتكافها لما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت: «كن المعتكفات اذا حضن أمر رسول الله ﷺ باخراجهن من المسجد وأن يضربن الأخبية فى رحبة المسجد حتى يطهرن».
ولا تمنع الاستحاضة الاعتكاف وهذا اذا أمنت تلويث المسجد والا خرجت لصيانة المسجد من النجاسات.
وتخرج المعتكفة لعدة وفاة فى منزلها لوجوبها شرعا ولأنه لا يستدرك اذا ترك بخلاف الاعتكاف.
وعند الظاهرية (٢):
أن المعتكفة اذا حاضت فلا تخرج من المسجد بل تقيم فيه كما هى تذكر الله تعالى وكذلك اذا ولدت فان اضطرت الى الخروج خرجت ثم رجعت اذا قدرت فان تأخرت بطل اعتكافها.
والحائض يجوز دخولها المسجد ولا تمنع منه اذا لم يأت بالمنع لها نص ولا اجماع.
وعند الزيدية (٣):
من اعتكفت ثم حاضت قبل الاتمام أو وجبت عليها عدة خرجت من المسجد فاذا طهرت أو أتمت عدتها رجعت الى المسجد وأتمت اعتكافها وتبنى على ما مضى اذا كانت لم تنو التتابع او نوت التتابع وكانت المدة طويلة والا استأنفت.
فان كانت قد نذرت يوما واحدا وبدأت الاعتكاف ثم طرأ ما يوجب الخروج.
أو كانت قد نذرت يوما وليلة وطرأ موجب الخروج فى النهار فانها تستأنف الاعتكاف:
وقال الإمامية (٤):
تخرج المرأة للحيض فاذا طهرت عادت الى المسجد.
واذا طلقت أثناء الاعتكاف.
стр. 5487
فان كان طلاقها رجعيا وجب عليها الخروج الى منزلها للاعتداد وبطل اعتكافها وتستأنفه بعد العدة.
وهذا اذا كان الاعتكاف غير معين.
أما اذا كان معينا فلا يبعد التخيير بين اتمام الاعتكاف ثم الخروج للعدة أو ابطال الاعتكاف والخروج للعدة وقيل تعتد فى المسجد.
أما اذا طلقت طلاقا بائنا فانها تتم اعتكافها ثم تخرج للعدة.
وقال الإباضية (١):
ان الحائض والنفساء يخرجان من المسجد ويبنيان بعد زوال العذر.
وان حلفت أن تعتكف كل يوم جمعة فحاضت لزمتها كفارة اليمين لا الاعتكاف،
واذا نذرت اعتكاف أيام الحيض فليس عليها شئ.
مدته ووقته
أقل مدة الاعتكاف الواجب عند الحنفية (٢).
يوم باتفاق وهو كذلك فى رواية عن أبى حنيفة فى اعتكاف التطوع.
وعن محمد فى الأصل وظاهر الرواية عن الامام أن التطوع غير مقدر.
ويستوى فيه القليل والكثير ويكفى فيه ولو ساعة من ليل أو نهار لأن النفل مبنى على المساهلة والمسامحة.
وذهب المالكية (٣):
الى أن أقل مدته يوم وليلة على الصحيح سواء كان نذرا أو تطوعا.
وقد ورد عندهم أن أقله كمالا - بحيث يكون ما نقص عنه اما مكروها أو خلاف الأولى - يوم وليلة وقيل ثلاثة أيام وقيل عشرة أيام.
وعند الزيدية (٤): أقله يوم.
أما الإمامية (٥):
فانهم يعتبرون أن أقل مدة الاعتكاف ثلاثة أيام مع دخول الليلتين المتوسطتين على الأشهر.
والإباضية (٦):
يوافقون المالكية فى أن أقل مدته يوم وليلة على الصحيح سواء كان نذرا أو تطوعا وورد عندهم أن أقله ثلاثة أيام وقيل عشرة أيام.
وتحديد المدة عند هؤلاء الأئمة منظور فيه الى اعتبار شرط الصوم ولا يكون الصوم أقل من يوم.
стр. 5488
أما الحنابلة (١). والشافعية (٢) والظاهرية (٣): فليس للاعتكاف عندهم مدة محددة بل تكفى مدة يطلق عليها مكث حقيقى وذلك لأنهم لا يشترطون الصوم فى صحته.
وكل ذلك فى أقل المدة.
أما أكثرها فلا حد لها.
وقد ورد عن المالكية أن أكثره كمالا عشرة أيام وقيل شهر.
أما وقت الاعتكاف:
فقد أتفق جميع الأئمة (٤) على أن الاعتكاف جائز فى كل وقت لكنه فى شهر رمضان أفضل وتتأكد الافضلية فى العشر الأواخر من رمضان ففى الصحيح عن عائشة رضى الله عنها كان النبى ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله وكانت أزواجه يعتكفن بعده.
وفى حديث آخر يقول النبى ﷺ : «من أراد أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر - يعنى من رمضان.
وسبب أفضلية الاعتكاف فى رمضان وخاصة العشر الأواخر منه وقوع ليلة القدر فيها على الأشهر والحث على احيائها بالعبادة.
وذلك فيما عدا الأيام التى لا يصح فيها الصوم كأيام العيدين والتشريق عند من يشترط الصوم فى صحة الاعتكاف.
فقد ورد للحنفية فى بدائع الصنائع (٥).
على رواية أبى يوسف وابن المبارك عن أبى حنيفة:
أنه لا يصح نذر الشخص الاعتكاف فى هذه الأيام كما لا يصح نذر الصوم فيها لأن الصوم من لوازم الاعتكاف الواجب.
وعند المالكية (٦):
أن يوم العيد لا يحتسب من الاعتكاف ويبنى المعتكف على ما مضى من اعتكافه.
وفى شرح الأزهار للزيدية (٧):
أنه لا يجزئ اعتكاف العيدين والتشريق ومن أوجبها قضاها. لقول النبى ﷺ : «لا اعتكاف الا بصوم».
وفى مستمسك العروة الوثقى (٨).
للجعفرية:
ان الاعتكاف لا يصح وقوعه فى أيام العيدين بل لو دخل فيه قبل العيد بيومين لم يصح وان كان غافلا حين الدخول:
وذكر الإباضية (٩):
أن من نذر اعتكاف سنة أبدل العيدين.
стр. 5489
أما الشافعية والحنابلة والظاهرية:
فيجوز وقوع الاعتكاف عندهم فى أيام الأعياد والتشريق لأنهم لا يشترطون الصوم فى صحة الاعتكاف.
بل ان ابن حزم الظاهرى فى كتابه المحلى ذكر أن اعتكاف يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق حسن (١).
مندوباته
جميع الأئمة (٢): على أنه يندب للمعتكف الاشتغال بالعبادة والعلم والذكر والتلاوة.
قال الحنفية وتدريس سيرة الرسول ﵊ وقصص الأنبياء وحكاية الصالحين وكتابة أمور الدين.
وزاد المالكية:
أنه يندب للمعتكف اعداد ثوب آخر يأخذه معه لاحتمال أن يصيب الذى عليه نجاسة فيلبسه.
ويندب مكثه فى المسجد ليلة العيد اذا اتصل اعتكافه بها وكان آخر اعتكافه آخر يوم من رمضان ليمضى من معتكفه الى المصلى حتى يصل عبادة بعبادة.
ويندب اعتكاف عشرة أيام لأن النبى ﷺ لم ينقص عنها.
ويندب كونها فى رمضان وكونها فى العشر الأخير منه لليلة القدر الغالبة وقوعها فيه.
ويندب مكثه بآخر المسجد ليبعد عمن يشغله بالحديث ويندب له دخول المسجد قبل الغروب على القول المعتمد بأن أقله يوم وليلة.
وزاد الشافعية: كذلك قراءة وسماع نحو الأحاديث والرقائق والمغازى التى هى غير موضوعة وتحتملها أفهام العامة.
واختار أبو الخطاب من الحنابلة استحباب اقراء القرآن وتدريس العلم ومناظرة الفقهاء ومجالستهم وكتابة الحديث ونحو ذلك اذا قصد به المعتكف الطاعة لا المباهاة.
وزاد الحنابلة كذلك أنه يستحب للمعتكف اجتناب ما لا يعنيه من جدال ومراء وكثرة كلام وغيره بقوله ﵊:
«من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
ومن اعتكف العشر الأواخر من رمضان استحب له أن يبيت ليلة العيد فى معتكفه
ويستحب له أيضا أن يترك لبس رفيع الثياب والتلذذ بما يباح له قبل الاعتكاف وألا
стр. 5490
ينام الا عن غلبة وألا ينام مضطجعا بل متربعا مستندا.
وذكر ابن حزم الظاهرى فى كتابه المحلى.
أنه يستحب للمعتكف أن يكون له خباء.
ويرى الإمامية انه يستحب للمعتكف أن يشترط فى ابتدائه الرجوع فيه عند العارض.
مكروهاته
ذهب الحنفية (١):
الى أنه يكره - تحريما - للمعتكف الصمت ان اعتقد أن الصمت قربة والالم يكره، والصمت مكروه لأنه ليس من شريعة الاسلام ويقول الرسول ﷺ :
«لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم الى الليل» ويكره كذلك التكلم الا بخير لأن الكلام يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ويكره احضار سلعة فى المسجد للبيع والشراء لأن المسجد محرز عن شغله بحقوق العباد أما البيع والشراء بمعنى الايجاب والقبول من غير احضار السلعة الى المسجد فلا بأس به.
وقال قاضيخان والزيلعى انه يكره عقد التجارة وان لم يحضر السلعة الى المسجد.
وعند المالكية (٢):
يكره للمعتكف أن يأكل بفناء المسجد أو رحبته بل يأكل فى مكانه الذى يعتكف فيه.
ويكره أن يعتكف دون أن يكون معه ما يكفيه من طعام وشراب وثياب ان كان قادرا على ذلك.
ويكره - اذا خرج لقضاء حاجة - أن يدخل منزله القريب الذى به زوجته لئلا يطرأ عليه ما يفسد اعتكافه فلو لم يكن به أحد لم يكره أو كان أهله فى العلو ودخل هو أسفله فلا يكره.
ويكره أن يشتغل بكتابة ولو كان المكتوب مصحفا وهذا ان كثرت الكتابة لا ان قلت.
ويكره أن يشتغل بتعلم أو تعليم لأن المقصود من الاعتكاف صفاء القلب لمراقبة الله وذلك يتم بالذكر ويكره اشتغاله بكل فعل غير ذكر وتلاوة وصلاة مثل عيادة المريض الذى بالمسجد وكان بعيدا عن مكانه الذى هو فيه وصلاة الجنازة ولو لاصقت وصعود المنارة والسطح للأذان واقامة الصلاة.
ويكره حلق الرأس وانتظار غسل ثوبه وتجفيفه ان كان له ثوب آخر.
ويكره أن يخرج القاضى المعتكف لدعوة توجهت عليه قبل تمام اعتكافه ما لم تطل مدة الاعتكاف بحيث تضر برب الحق.
ويرى الشافعية (٣):
أنه يكره للمعتكف الاكثار من فعل الصنائع فى المسجد كالخياطة والكتابة ونسج
стр. 5491
الخوص لأن فيه انتهاكا لحرمة المسجد أما القليل فيجوز.
وكذلك تكره الحجامة والفصد اذا أمن تلويث المسجد والا حرم، وتكره المعاوضة بلا حاجة وان قلت.
ويكره البيع والشراء ان كثر فان قل جاز.
مذهب الحنابلة (١):
فانه يكره عندهم أن يتطيب المعتكف لأن الاعتكاف عبادة تختص مكانا فكان ترك الطيب فيها مشروعا قال أحمد لا يعجبنى أن يتطيب.
كذلك يكره الصمت الى الليل على رأى ابن عقيل وان نذره لم يجب عليه الوفاء به لحديث للى قال: حفظت من رسول الله ﷺ أنه قال: «صمات يوم الى الليل» رواه أبو داود.
مذهب الزيدية (٢):
يكره الاشتغال بما لا قربة فيه سيما البيع والشراء لما ورد فيه من النهى عنه فى المسجد.
وكذلك يكره الكلام المباح.
مذهب الإباضية (٣):
يرى الإباضية كراهة الاشتغال بغير الطاعة وكراهة ان يعمل الغنى ليأكل من عمل يده.
«تتابعه وتفرقه وما يتبع
ذلك من وقت الدخول والخروج»
مذهب الحنفية (٤):
عندهم أن الأصل بالنسبة للتتابع والتفرق فى الاعتكاف هو أنه متى دخل الليل والنهار فى الاعتكاف فانه يلزم متتابعا، ودخول الليل والنهار فى الاعتكاف يتوقف تارة على اللفظ وتارة على النية وتارة على الاطلاق، والاعتكاف قد يكون مثنى أو جمعا أو محصورا فى زمن.
فمن نذر اعتكاف يومين ولا نية له فى التتابع أو عدمه فانه يلزمه اعتكاف يومين متتابعين بليلتيهما على رأى أبى حنيفة ومحمد، وعلى ذلك فانه يدخل المسجد قبل غروب الشمس فيمكث تلك الليلة ويومها ثم الليلة الثانية ويومها الى أن تغرب الشمس فيخرج من المسجد، وعومل المثنى هنا معاملة الجمع بدليل ما ورد «الاثنان فما فوقهما جماعة» والعرف أيضا ثابت بدخول الليلتين مع اليومين فى التثنية كما فى الجمع يقول الرجل كنا عند فلان يومين ويريد به يومين وما بازائهما من الليالى.
وذهب أبو يوسف الى أنه يلزمه يومان متتابعان لكن الليلة الأولى لا تدخل فى نذره - وانما تدخل الليلة المتخللة بين اليومين لضرورة حصول التتابع والدوام ولا ضرورة
стр. 5492
فى دخول الليلة الأولى، والعرف ثابت فى دخول الليلة الأولى فى الجمع لا فى التثنية وعلى ذلك فانه يدخل المسجد قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب شمس اليوم الثانى.
ولو نوى يومين خاصة دون ليلتيهما صحت نيته ويلزمه اعتكاف يومين بغير ليلة لأنه نوى حقيقة كلامه وهو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق اذ ليس فى لفظه ما يدل على التتابع واليومان متفرقان لتخلل الليلة بينهما وعلى ذلك فانه يدخل المسجد كل يوم قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس، ولو نذر اعتكاف ليلتين ولا نية له لزمه اعتكاف ليلتين مع يوميهما متتابعان ويدخل المسجد قبل غروب الشمس، ولو نوى الليل خاصة دون النهار صحت نيته لأنه نوى حقيقة كلامه ولا يلزمه شئ لأن الليل ليس محلا للصوم.
كذلك ذهب الحنفية الى أن نذر اعتكاف الأيام بلفظ الجمع تتبعه الليالى ونذر اعتكاف الليالى بلفظ الجمع تتبعه الأيام فمن نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو عشرة أو ثلاثين يوما ولا نية له فانه يلزمه اعتكاف الأيام مع الليالى متتابعة وتدخل الليلة الأولى فى نذره فيدخل المسجد قبل غروب الشمس ويخرج بعد الغروب من آخر يوم.
ولو نوى الأيام فقط دون الليالى صحت نيته لأنه نوى حقيقة كلامه ويلزمه اعتكاف الأيام فقط فيدخل المسجد كل يوم قبل طلوع الفجر الى غروب الشمس وهو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق لأن اللفظ مطلق عن قيد التتابع ولا يلزم التتابع الا بالشرط، ولو قال عنيت الليالى دون الأيام لم يعمل بنيته ولزمه الليل والنهار لأنه لما نص على الأيام لا يكون قوله: نويت بها الليالى دون الأيام مقبولا لأنه نوى ما لا يحتمله كلامه.
ومن نذر اعتكاف ثلاث ليال أو عشرا أو ثلاثين ليلة ولا نية له فانه تلزمه الليالى مع الأيام متتابعة ويدخل المسجد قبل غروب الشمس، ولو قال عنيت به الليالى دون النهار فلا يلزمه شئ لأنه نوى حقيقة كلامه والليالى فى اللغة اسم للزمان الذى تغيب فيه الشمس لكن عند الاطلاق فانها تتناول ما بازائها من الأيام بالعرف، فاذا عنى حقيقة كلامه - والعرف أيضا باستعمال هذه الحقيقة باق - صحت نيته لمصادفتها محلها.
والأصل فى كل ذلك أن الأيام اذا ذكرت بلفظ الجمع يدخل ما بازائها من الليالى وكذلك الليالى اذا ذكرت بلفظ الجمع يدخل ما بازائها من الأيام لقوله تعالى فى قصة زكريا ﵇: «قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً» (١).
وقوله تعالى فى موضع آخر: «قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا» (٢). والقصة واحدة فلما عبر فى موضع باسم الأيام وفى موضع باسم الليالى دل على أن المراد من كل واحد منهما هو وما بازاء صاحبه حتى أنه فى الموضع الذى لم تكن الأيام فيه على عدد الليالى أفرد كل واحد
стр. 5493
منهما بالذكر قال تعالى: «سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً» (١).
- ومن نذر اعتكاف شهر غير معين يلزمه اعتكاف شهر أى شهر كان متتابعا فى الليل والنهار سواء ذكر التتابع أم لا فيدخل المسجد قبل غروب الشمس فيعتكف ثلاثين ليلة وثلاثين يوما ثم يخرج بعد استكمالها بعد غروب الشمس، ولا ينفعه أن ينوى النهار فقط أو الليل فقط لأن الشهر اسم لزمان مقدر بثلاثين يوما وليلة مركب من شيئين مختلفين كل واحد منهما أصل فى نفسه فاذا أراد أحدهما فقط فقد أراد بالاسم ما لم يوصع له ولا احتمله فبطل، لكن لو تلفظ فقال لله على أن اعتكف شهرا: النهار دون الليل أو قال شهرا الا الليالى فليس عليه الا اعتكاف النهار فقط لأنه لما قال النهار دون الليل فقد لغا ذكر الشهر بنص كلامه، وهو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق.
والأصل فى ذلك أن كل اعتكاف وجب فى الأيام دون الليالى فصاحبه بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق، وكل اعتكاف وجب فى الأيام والليالى وجب متتابعا بالصوم.
ولو قال شهرا: الليل دون النهار أو قال شهرا الا النهار فلا يلزمه شئ لأن الليل لا يصح فيه الصوم الذى هو من شروط الاعتكاف.
وخالف زفر فيما مر من لزوم التتابع، والرأى عنده أن التتابع لا يلزم الا بذكر التتابع أو نيته، فان لم يذكر التتابع ولم ينوه فهو بالخيار ان شاء تابع وان شاء فرق ودليله أن اللفظ مطلق عن قيد التتابع ونيته فيجرى على اطلاقه كما فى الصوم.
واستدل من يوجب التتابع بأن الاعتكاف عبادة دائمة ومبناها على الاتصال لأنه لبث واقامة والليالى قابلة للبث فلا بد من التتابع وان كان اللفظ مطلقا عن قيد التتابع لكن فى لفظه ما يقتضيه وفى ذاته ما يوجبه بخلاف الصوم اذ ليس مبنى حصوله على التتابع بل على التفريق لأن بين كل عبادتين منه وقتا لا يصلح لها وهو الليل.
ومن نذر اعتكافا فى شهر معين بأن قال لله على أن اعتكف رجب فانه يلزمه بصومه متتابعا.
مذهب المالكية:
يوجبون (٢): التتابع فى الاعتكاف المطلق.
فمن نذر ثلاثة أيام أو عشرة أو ثلاثين فيجب اعتكافها متتابعة لأن طريقة الاعتكاف وشأنه التتابع.
واختلف فى وقت الدخول:
فقيل: يجب أن يدخل قبل غروب الشمس على اعتبار أن أقله يوم وليلة، ورجحه الدسوقى.
وعلى القول بأن أقله يوم يجزئه الدخول قبل الفجر.
فان قيد النذر بتتابع أو عدمه عمل بما قيد ونوى.
стр. 5494
مذهب الشافعية (١):
ذهب الشافعية الى أن من نذر اعتكاف يومين دون نية فانه يلزمه اعتكاف يومين ولا تدخل الليلة الأولى بلا خلاف، وانما الخلاف فى الليلة المتوسطة والراجح أنها لا تلزمه ويلزمه اليومان فقط دون تتابع فان نوى التتابع أو صرح به لزمته الليلة التى بينهما على وجه التتابع وذلك على طريقة الشيخ أبى حامد وابن الصباغ والمتولى وأكثر الأصحاب.
ولو نوى النهار خاصة فلا يدخل فيه الليل ولا يلزمه تتابع وعليه اعتكاف يومين فقط ويدخل المسجد قبل الفجر ويخرج بعد غروب الشمس.
ولو نذر اعتكاف ليلتين دون نية فانه يلزمه اعتكاف ليلتين وفى اليوم الذى بينهما خلاف.
والراجح أنه لا يلزمه ولا يلزمه تتابع الا اذا صرح بالتتابع أو نواه، فان صرح أو نوى لزمه ليلتان متتابعتان ويدخل المسجد قبل الغروب ومن نذر اعتكاف ثلاثة أيام أو عشرة أو ثلاثين ونوى التتابع فانه يلزمه الاعتكاف متتابعا ولا تدخل الليلة الأولى فى نذره بلا خلاف ويدخل المسجد قبل الفجر ولا تدخل الليلة الأولى لأن الليالى تنقص عن عدد الأيام بواحد أبدا فلا يلزمه ليال بعدد الأيام.
فان نوى الأيام خاصة فلا يلزمه الا الأيام بلا خلاف، أما اذا لم ينو التتابع ففى وجوب اعتكاف الليالى المتخللة خلاف:
فقيل ان الليالى المتخللة تلزمه كما حكى البغوى فى احدى طرقه وقيل لا تلزمه مطلقا واستظهره صاحب المهذب لأنه زمان لا يتناوله نذره فلا يلزمه اعتكافه.
وان نذر ليالى فان نواها متتابعة لزمته الأيام التى بينها.
وان نوى تتابع الليالى وحدها لم تلزمه الأيام المتخللة.
وان لم ينو التتابع فقيل تلزمه الأيام وقيل لا تلزمه.
ومن نذر اعتكاف شهر بعينه وأطلق لزمه اعتكافه متتابعا ليلا ونهارا تاما كان الشهر أو ناقصا ويجزئه الناقص بلا خلاف ويدخل المسجد قبل الغروب فان قال أيام الشهر فلا تلزمه الليالى وان قال الليالى فلا تلزمه الأيام فلو لم يقيد بليل أو نهار لكن نواه بقلبه فوجهان:
أصحهما: عند المتولى والبغوى والرافعى وغيرهم أنه لا أثر لنيته لأن النذر لا يصح الا باللفظ.
والوجه الثانى: أن النية كاللفظ فيعمل بنيته وهو قول القفال.
وان نذر اعتكاف شهر غير معين فانه يكفيه شهر بالهلال، تم أو نقص لأن الشهر اسم لما بين الهلالين ويدخل المسجد قبل غروب الشمس فاذا دخل بعد الغروب فقد
стр. 5495
صار شهره عدديا فيلزمه استكمال ثلاثين يوما بلياليها.
ثم ان كان شرط التتابع لزمه بلا خلاف.
وان كان قد شرط التفرق جاز متفرقا متتابعا.
وان أطلق جاز متفرقا ومتتابعا على المذهب وبه قطع صاحب المهذب والجمهور، لكن يستحب التتابع.
مذهب الحنابلة:
وعند الحنابلة (١): ان من نذر اعتكاف يومين أو ليلتين متتابعتين فانه يلزمه التتابع باتفاق ولا تدخل الليلة الأولى فى نذر اليومين ويدخل المسجد قبل الفجر. ولا يلزمه اليوم الأول فى نذر الليلتين، ويدخل المسجد قبل الغروب.
والاختلاف انما هو عند الاطلاق فى نذر اليومين أو الليلتين.
فذهب القاضى أبو يعلى الى وجوب التتابع ودخول الليلة الثانية فى نذر اليومين واليوم الثانى فى نذر الليلتين كما لو نوى ذلك متتابعا.
وقال أبو الخطاب لا يلزمه تتابع ولا يلزمه ما بينهما من ليل أو نهار.
ومن نذر اعتكاف ثلاثين بوما وأطلق.
فقال القاضى: يلزمه التتابع.
وقال أبو الخطاب: لا يلزمه تتابع لأن اللفظ يقتضى ما تناوله، والأيام المطلقة توجد بدون التتابع فلا يلزمه.
فان نوى التتابع أو شرطه لزمه التتابع قولا واحدا، ويلزمه ما بين الايام من الليالى - ولا تدخل الليلة الأولى انما يلزمه الليالى الداخلة بين الأيام فقط. ودخول الليالى التى بين الأيام انما هو لوجوب التتابع وهذا يحصل بما بين الأيام خاصة فاكتفى به.
ومن نذر أن يعتكف شهرا غير معين وأطلق لزمه شهر بالأهلة أو ثلاثون يوما بلياليها.
واختلف فى لزوم التتابع.
فقال القاضى: يلزمه التتابع قولا واحدا لأنه معنى يحصل فى الليل والنهار فاذا أطلقه اقتضى التتابع وان أتى بشهر بين هلالين أجزأه ذلك وان كان ناقصا.
وان اعتكف ثلاثين يوما من شهرين جاز، وتدخل فيه الليالى، لأن الشهر عبارة عنهما.
وعلى القول الثانى لا يلزمه التتابع لأنه معنى يصح فيه التفريق، ومن نذر أن يعتكف شهرا بعينه لزمه متتابعا ويدخل المسجد قبل غروب الشمس.
وفى رواية أخرى عن الامام أحمد أن الليلة الأولى لا تدخل فى نذره، ويدخل المسجد قبل طلوع الفجر لأن النبى صلّى الله
стр. 5496
عليه وسلم كان اذا أراد أن يعتكف صلى الصبح ثم دخل معتكفه.
ورد على الامام بأن ذلك فى التطوع.
ومن نذر أن يعتكف أيام هذا الشهر أو ليالى هذا الشهر لزمه ما نذر وكذلك لو قال شهرا فى النهار أو فى الليل لزمه ما نذر فقط.
ومن نذر اعتكاف يوم لا يجوز تفريقه بساعات من يوم فلو كان فى وسط النهار فقال لله على أن أعتكف يوما من وقتى هذا لزمه من ذلك الوقت الى مثله ليتحقق مضى يوم من ذلك الوقت.
مذهب الظاهرية:
والظاهرية (١). لم يذكروا تفصيلا وأرجعوا ذلك الى ما التزمه المعتكف أو نواه.
فقد ذكر ابن حزم فى كتابه المحلى ما نصه: ليس على أحد الا ما التزم أو نوى.
ثم ذكر: أن من نذر اعتكاف شهر فمبدأ الشهر أول ليلة منه فيدخل المسجد قبل الغروب ويخرج بعد الغروب من آخر الشهر.
مذهب الزيدية:
وعند الزيدية (٢): ان الليالى تتبع الأيام والأيام تتبع الليالى فى نذره.
فلو نذر اعتكاف يومين لزمه يومان مع ليلتيهما ويبتدئ بأيهما شاء باليوم أو بالليلة، وقيل يبدأ بالليل اذ ليلة كل يوم قبله.
ولو قال لله على أن أعتكف ليلتين لزمه يومان وليلتان فيدخل اليومان تبعا لليلتين.
ومن نذر اعتكاف عشرين يوما وعشرين ليلة لزمه أربعون يوما بلياليها الا أن يريد ليالى الأيام فلا يلزمه الا عشرين يوما بلياليها.
ويصح استثناء جميع الليالى من الأيام فلو قال لله على أن أعتكف ثلاثين يوما الا ثلاثين ليلة فانه يصح وتلزمه الأيام فقط دون الليالى.
لكن لا يصح أن يستثنى الأيام، فلو قال لله على أن أعتكف ثلاثين ليلة الا ثلاثين يوما لم يصح لأن الاعتكاف انما يصح مع الصوم فاذا استثنى الايام لم يبق ما يصح صومه.
ويصح أن يستثنى البعض نحو أن ينذر اعتكاف عشرين ليلة الا عشرة أيام فان ذلك يصح ويبقى عليه اعتكاف عشرة أيام بلياليها.
ومن نذر أن يعتكف شهرا لزمه أن يعتكف ثلاثين يوما بلياليها متتابعة، ومثل الشهر الاسبوع والسنة، فمن أوجب اسبوعا أو سنة لزمه ذلك متتابعا.
فلو نوى التفريق فلا يجب التتابع.
فاذا استثنى الليالى سقط وجوب التتابع وقيل لا يسقط.
والأصل أن ما كان له طرفان يكشفانه فالاسبوع والسنة والشهر فانه يجب فيه التتابع الا أن ينوى التفريق.
стр. 5497
مذهب الإمامية:
أما الإمامية (١): فقد مر أن أقل الاعتكاف عندهم ثلاثة أيام ويجب أن تكون متتابعة مع دخول الليلتين المتوسطتين ولا يجب ادخال الليلة الأولى.
فمن نذر اعتكاف يومين دون تقيد بزيادة أيام أخرى صح نذره ووجب ضم يوم آخر.
ولو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون الليلتين المتوسطتين لم ينعقد نذره.
ولو نذر ثلاثة أيام أو أكثر لا تدخل الليلة الأولى فى نذره.
ولو نذر اعتكاف شهر فان الليلة الأولى جزء من الشهر فيجب الاعتكاف متتابعا مع ادخال الليلة الاولى فيه ويجزئه ما بين الهلالين ولو كان ناقصا لكن لو كان مراده مقدار شهر وجب ثلاثون يوما.
ولا يجب التتابع فى مفهوم المقدر والاطلاق ينفيه.
ويجوز له التتابع والتفرق فان فرق فيكون ثلاثة ثلاثة على اعتبار أن أقل الاعتكاف ثلاثة أيام وهكذا الى أن يكمل ثلاثين يوما.
وكذلك يجوز التفريق أيضا يوما يوما الى أن يكمل ثلاثين يوما على أن يضم لكل يوم يومين آخرين.
مذهب الإباضية:
أما الإباضية (٢): فان التتابع عندهم من شروط الاعتكاف الا لضرورة.
فمن نذر عددا من الأيام دون تقيد بليل أو نهار وجب متتابعا ولا تجب الليلة الأولى فيدخل المسجد قبل الفجر ومن نذر اعتكاف شهر وجب متتابعا مع دخول الليلة الأولى فيدخل المسجد قبل الغروب، وكذلك لو عده بالأيام.
ومن التزم شهرا ونوى النهار دون الليل لزمه الجميع، لكن من التزم عشرة ونوى النهار دون الليل فله ذلك.
الاستثناء فى التزام الاعتكاف
يراد بالاستثناء فى الاعتكاف أمران:
(أ) استثناء الأيام من الليالى أو الليالى من الأيام
(ب) يطلق الاستثناء ويراد به اشتراط عمل شئ أثناء الاعتكاف كالخروج لعارض مثلا، ونظرا لأن الاعتكاف معناه اللبث والاقامة فكأنه أستثنى هذا العمل بشرطه.
أما استثناء الأيام من الليالى والليالى من الأيام فقد مر ذكره فى عنصر التتابع فيرجع اليه.
стр. 5498
وأما اشتراط عمل شئ أثناء الاعتكاف فالفقهاء فيه على ما يأتى:
مذهب الحنفية:
ذكر الحنفية (١): ان ما يغلب وقوعه من الأعمال يصير مستثنى حكما وان لم يشترطه، وما لا يغلب وقوعه من الأعمال فلا يصير مستثنى الا اذا شرطه، والذى يغلب وقوعه من الأعمال هو الخروج لحاجة الانسان الطبيعية كالبول والغائط أو الحاجة الشرعية كالعيد والجمعة.
وفى التتارخانية عن الحجة أن المعتكف لو شرط وقت النذر أن يخرج لعيادة مريض وصلاة جنازة وحضور مجلس علم جاز ذلك.
مذهب المالكية:
وعند المالكية (٢): ان المعتكف اذا شرط أى عزم فى نفسه سواء كان عزمه قبل دخول المعتكف أو بعده على أنه ان حصل له موجب للقضاء لا يقضى.
أو شرط أن يجامع زوجته وهو معتكف أو أنه لا يصوم لم يفده شرطه: أى فشرطه باطل واعتكافه صحيح.
ويجب عليه العمل على مقتضى ما أمر الشارع على المشهور.
وقيل لا يلزمه اعتكاف أصلا.
وقيل: ان كان الشرط قبل الدخول فى الاعتكاف بطل اعتكافه وان كان بعد أن دخل بطل الشرط،
أما الشرط الذى يتضمن ما يجوز فعله فلا بأس به.
مذهب الشافعية:
ويذكر الشافعية (٣): ان من نذر اعتكافا متتابعا وشرط الخروج منه لعارض مباح مقصود وغير مناف للاعتكاف كعيادة مريض وشهود جنازة واشتغال بعلم صح الشرط على المذهب لأن الاعتكاف انما لزم بالالتزام فكان على حسب ما التزم.
فلو عين فى شرطه نوعا أو فردا كعيادة المرضى أو زيد خرج له دون غيره.
- فلو أطلق العارض أو العمل خرج لكل مهم دينى كالجمعة أو دنيوى مباح كلقاء الأمير وقيل ببطلان الشرط لمخالفته لمقتضاه فلم يصح كما لو شرط الخروج للجماع.
ولو شرط قطع الاعتكاف للعارض صح ولا يجب عليه العود عند زوال العارض بخلاف ما لو شرط الخروج للعارض فيجب عوده.
ولو قال الا أن يبدو لى لم يصح الشرط لتعليقه على مجرد الخيرة وهو مناف للالتزام.
стр. 5499
ولا يصح شرط المحرم كسرقة ولا شرط شئ غير مقصود كنزهة ولا شرط شئ مناف للاعتكاف كقوله: ان اخترت جامعت أو ان اتفق لى جماع جامعت فلا ينعقد نذره.، والزمان المصروف للعارض لا يجب تداركه ان عين المدة كهذا الشهر فان لم يعينها كشهر مطلق وجب تداركه لتتم المدة، وتكون فائدة الشرط تنزيل العارض منزلة قضاء الحاجة فى أن التتابع لا ينقطع به.
ولو قال (١) لله على أن أعتكف رمضان الا أن أمرض أو أسافر فمرض أو سافر فلا شئ عليه ولا قضاء.
مذهب الحنابلة:
وعند الحنابلة (٢): أن من علق نذر الاعتكاف بشرط فله شرطه ولا يلزمه حتى يوجد شرطه.
وكل قربة لا تتعين عليه كزيارة رحم وصديق وتحمل شهادة وأدائها لا يخرج لها الا بشرط.
وان شرط ما له بد منه وليس بقربة كالعشاء فى منزله والمبيت فيه جاز له فعله لأنه يجب بعقده كالوقف ولأنه يصير كأنه نذر ما أقامه.
ولا يصح شرط الوط ء:
ولا يصح شرط الخروج لأجل الفرجة أو النزهة أو الخروج للبيع والشراء للتجارة أو التكسب بالصناعة فى المسجد أو الخروج لما شاء لأن ذلك ينافى الاعتكاف صورة ومعنى كشرط ترك الاقامة فى المسجد.
وان قال متى مرضت أو عرض لى عارض خرجت فله شرطه.
وفائدته جواز التحلل اذا حدث عائق عن المضى.
أما الخروج لما لا بد منه كحاجة الانسان والطهارة من الحدث فهو كالمستثنى.
مذهب الظاهرية:
والظاهرية (٣): يجيزون أن يشترط المعتكف ما شاء من المباح.
فان ابن حزم يقول: وللمعتكف أن يشترط ما شاء من المباح والخروج له لأنه بذلك انما التزم الاعتكاف فى خلال ما استثناه وهذا مباح فله أن يعتكف اذا شاء ويترك اذا شاء لأن الاعتكاف طاعة وتركه مباح فان أطاع أجر وان ترك لم يعص.
مذهب الإمامية:
والإمامية الجعفرية (٤): يجيزون أن يشترط المعتكف حين النية وحين النذر الرجوع متى شاء حتى فى اليوم الثالث سواء علق الرجوع على عروض عارض أو لا بل له أن يشترط الرجوع متى شاء حتى بلا سبب
стр. 5500
عارض، لكن لا يجوز له اشتراط ما ينافى الاعتكاف كالجماع ونحوه.
مذهب الإباضية:
والإباضية (١): كذلك يجيزون للمعتكف أن يشترط فعل شئ يمنع الاعتكاف الا الجماع والا الافطار وبعضهم يجيز اشتراط الخروج للعشاء فى منزله وبعضهم لا يجيز ذلك.
ما يحل للمعتكف
مذهب الحنفية:
ذهب الحنفية (٢): الى أنه يجوز للمعتكف أن يخرج لما لا بد منه لحاجة الانسان من بول وغائط اذ لا بد منها، وقد روى عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ كان لا يخرج من معتكفه ليلا ولا نهارا الا لحاجة الانسان.
وكذلك يجوز له الخروج للجمعة، والخروج لها ضرورة لأنها فرض عين ولا يمكن اقامتها فى كل مسجد فيحتاج الى الخروج اليها.
ذكر الكرخى: أنه يخرج للجمعة عند الأذان فيكون فى المسجد مقدار ما يصلى قبلها أربعا وبعدها أربعا أو ستا.
وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة مقدار ما يصلى قبلها أربعا وبعدها أربعا، وهو على الاختلاف فى سنة الجمعة بعدها فى أنها أربع فى قول أبى حنيفة وعندهما ستة.
وقال محمد ان كان منزله بعيدا يخرج حين يرى أنه يبلغ المسجد عند النداء وهذا أمر يختلف بقرب المسجد وبعده، فيخرج فى أى وقت يرى أنه يدرك الصلاة. والخطبة ويصلى قبل الخطبة أربع ركعات لأن اباحة الخروج للجمعة اباحة لها بتوابعها.
وسننها من توابعها.
ولو خرج المعتكف للحاجة أو للجمعة ثم عاد مريضا أو صلى على جنازة من غير أن يكون خروجه لذلك قصدا فذلك جائز.
ويجوز الخروج لعذر كانهدام مسجد أو أخرجه السلطان مكرها لكن بشرط أن يدخل مسجدا آخر غيره من ساعته.
ويجوز له صعود المئذنة وان كان بابها خارج المسجد لأنها من المسجد.
ويجوز له أن يخرج رأسه من المسجد ولو الى داره الذى بجوار المسجد لأنه ليس بخروج لما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت كان رسول الله ﷺ يخرج رأسه من المسجد فيغسل رأسه.
ويجوز أن يغسل المعتكف رأسه فى المسجد فى اناء اذا لم يلوث المسجد بالماء المستعمل.
ويجوز الخروج للغسل لو احتلم ان لم يمكنه الاغتسال فى المسجد.