القاضى ليأتى بها فلم يأته بها فلا يعجزه فمتى أتى بها حكم بقتل المدعى عليه.
والمسألة الثانية: العتق اذا ادعاه الرقيق على سيدة المنكر، وقال عندى بينة فانظره فلم يأته بها فلا يعجزه بل متى أقامها حكم بعتقه.
والمسألة الثالثة: الطلاق اذا ادعته المرأة على زوجها المنكر، وقالت لى بينة بذلك ولم تأت بها فلا يعجزها فمتى اقامتها حكم بطلاقها.
والمسألة الرابعة: الحبس اذا ادعاه انسان على الواقف أو واضع اليد المنكر، وقال لى بينة على وقفه فانظره الحاكم فلم يأت بها فلا يعجزه فمتى أتى بها حكم بالوقف.
والمسألة الخامسة: النسب اذا ادعاه انسان وانه من ذرية فلان وله بذلك بينة فان لم يأت بها بعد الانظار لم يحكم بتعجيزه وهو باق على حجته متى أقامها حكم بنسبة هذا اذا أجاب المدعى عليه باقرار او انكار.
فان لم يجب باقرار او انكار بل سكت حبس وضرب باجتهاد القاضى فى قدر الحبس والضرب ليجيب.
ثم ان استمر على عدم الجواب حكم عليه بالحق بلا يمين من المدعى لأن اليمين فرع الجواب وهو لم يجب.
وان أنكر المدعى عليه المعاملة من أصلها فقال لا معاملة بينى وبينه فاقيمت عليه البينة بالحق المطلوب فأقام بينته تشهد له بالقضاء لم تقبل بينته بالقضاء لذلك الحق لأن انكاره المعاملة تكذيب لبينته بالقضاء، بخلاف قوله لا حق لك على فأقام عليه بينة به فأقام هو بينة بالقضاء فتقبل لأنه لم ينكر أصل المعاملة وانما انكر الحق المطلوب منه فقط وليس فيه تكذيب لبينته بالقضاء (١).
وجاء فى تهذيب الفروق انه اذا حصلت التزكية للشهود فلا بد من الاعذار فى المزكى والمزكى، ثم هل يعذر اليه قبل أن يسأله ذلك أن بعد أن يسأله؟ فى المذهب أربعة أقوال:
قال ابن نافع رحمه الله تعالى يقول له دونك فجرح والا حكمت عليك.
وقال مالك رحمه الله تعالى فى رواية أشهب: لا يقول له ذلك، وذلك وهن للشاهد
وقال أشهب رحمه الله تعالى يقول له ذلك ان كان قبولهم بالتزكية ولا يقوله فى المبرزين.
وقال ابن القاسم رحمه الله تعالى: يقوله لمن لا يدرى ذلك كالمرأة والضعيف، ثم حيث قلنا بالاعذار فما الذى يسمع منه.
قال ابن شاس رحمه الله تعالى: يسمع فى متوسط العدالة القدح فيها.
стр. 5532
وأما المبرز المعروف بالصلاح فيسمع فيه القدح بالعداوة والقرابة والهجر.
وقال سحنون: يمكن من التجريح ولم يفرق واذا قلنا بسماع الجرح فى المبرز، فقال سحنون رحمه الله تعالى لا يقبل ذلك الا من المبرز فى العدالة.
وقال ابن الماجشون رحمه الله تعالى بجرح الشاهد من هو مثله وفوقه ولا يجرح من هو دونه الا بالعداوة والهجر.
أما القدح فى العدالة فلا.
وقال مطرف رحمه الله تعالى يجرحه من هو مثله وفوقه ودونه بالاسفاه والعداوة، اذا كان عدلا عارفا بوجوه الجراح، واختاره اللخمى رحمه الله تعالى.
وقال عبد الحكم رحمه الله تعالى: لا يقبل التجريح فى المبرز الا أن يكون المجرحون معروفين بالعدالة واعدل منه ويذكرون ما جرحوه به مما يثبت بالكشف.
وقال ابن القطان رحمه الله تعالى:
لا يجرح الشاهد من دونه بالعداوة، وأجازه ابن العطار رحمه الله تعالى وفى معين الحكام.
ويعذر فى تعديل العلانية دون تعديل السر فلا يعذر القاضى فى المعدلين سرا (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب انه اذا حضر عند القاضى خصمان وادعى أحدهما على الآخر حقا يصح فيه دعواه وسأل القاضى مطالبة الخصم بالخروج من دعواه طالبه.
وان لم يسأله مطالبته للخصم ففيه وجهان احدهما انه لا يجوز للقاضى مطالبته: لأن ذلك حق للمدعى فلا يجوز استيفاؤه من غير أذنه.
والثانى: وهو المذهب انه يجوز له مطالبته لأن شاهد الحال يدل على الأذن فى المطالبة فان طولب لم يخل أما أن يقر أو ينكر أو لا يقر ولا ينكر.
فان أقر لزمه الحق ولا يحكم به الا بمطالبة المدعى لأن الحكم حق له فلا يستوفيه من غير أذنه فان طالبه بالحكم حكم له عليه.
وان أنكر فان كان المدعى لا يعلم ان له اقامة البينة قال له القاضى: ألك بينة؟
وان كان يعلم فله ان يقول له ذلك وله أن يسكت.
وان لم تكن له بينة وكانت الدعوى فى غير دم فله ان يحلفه المدعى عليه.
ولا يجوز للقاضى ان يحلفه الا بمطالبة المدعى لأنه حق له فلا يستوفيه من غير أذنه وان أحلفه قبل المطالبة لم يعتد بها لأنها يمين قبل وقتها وللمدعى أن يطالب بأعادتها لأن اليمين الاولى لم تكن يمينه وان أمسك المدعى عن أحلاف المدعى عليه ثم أراد أن يحلفه بالدعوى المتقدمة جاز لأنه لم يسقط حقه من اليمين وانما أخرها وان قال أبرأتك من اليمين
стр. 5533
سقط حقه منها فى هذه الدعوى وله أن يستأنف الدعوى لأن حقه لم يسقط بالابراء من اليمين
فان أستأنف الدعوى وانكر المدعى عليه فله ان يحلفه لأن هذه الدعوى غير الدعوى التى أبرأه فيها من اليمين فان حلف سقطت الدعوى لما روى وائل بن حجر رضى الله تعالى عنه أن رجلا من حضرموت ورجلا من كندة أتيا رسول الله ﷺ فقال الحضرمى غلبنى هذا على أرض ورثتها من أبى، وقال الكندى أرضى وفى يدى أزرعها لا حق له فيها، فقال النبى ﷺ : شاهداك أو يمينه قال انه لا يتورع عن شئ فقال ليس لك الا ذلك، فان امتنع عن اليمين لم يسأل عن سبب امتناعه فان ابتدأ وقال امتنعت لأنظر فى الحساب امهل ثلاثة أيام لأنها مدة قريبة ولا يمهل أكثر منها لأنها مدة كثيرة فان لم يذكر عذرا لامتناعه جعله ناكلا ولا يقضى عليه بالحق بنكوله لأن الحق انما يثبت بالاقرار أو البينة والنكول ليس باقرار ولا بينة.
فان بذل اليمين بعد النكول لم يسمع لأن بنكوله ثبت للمدعى حق وهو اليمين فلم يجز ابطاله عليه، فان لم يعلم المدعى ان اليمين صارت اليه قال له القاضى اتحلف وتستحق وان كان يعلم فله ان يقول ذلك وله ان يسكت، وان قال أحلف ردت اليمين عليه لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ رد اليمين على صاحب الحق وروى ان المقداد استقرض من عثمان مالا فتحاكما الى عمر فقال المقداد هو أربعة آلاف وقال عثمان: سبعة آلاف، فقال المقداد لعثمان احلف انه سبعة آلاف، فقال عمر انه انصفك فلم يحلف عثمان، فلما ولى المقداد قال عثمان: والله لقد أقرضته سبعة آلاف فقال عمر: لم لم تحلف؟ فقال خشيت أن يوافق ذلك به قدر بلاء فيقال بيمينه.
وأختلف قول الشافعى رحمه الله تعالى فى نكول المدعى عليه مع يمين المدعى، فقال فى أحد القولين هما بمنزلة البينة لأنه حجة من جهة المدعى.
وقال فى القول الآخر هما بمنزله الاقرار وهو الصحيح لأن النكول صادر من جهة المدعى عليه واليمين ترتب عليه وله فصار كاقراره فان نكل المدعى عن اليمين سئل عن سبب نكوله والفرق بينه وبين المدعى عليه حيث لم يسأل عن سبب نكوله ان بنكول المدعى عليه وجب للمدعى حق فى رد اليمين والقضاء له فلم يجز سؤال المدعى عليه وبنكول المدعى لم يجب لغيره حق فيسقط بسؤاله.
فان سئل فذكر أنه أمتنع من اليمين لأن له بينة يقيمها وحسابا ينظر فيه فهو على حقه من اليمين ولا يضيق عليه فى المدة ويترك ما ترك تارك.
والفرق بينه وبين المدعى عليه حيث قلنا انه لا يترك أكثر من ثلاثة أيام انه يترك المدعى عليه يتأخر حق المدعى فى الحكم له ويترك المدعى لا يتأخر الا حقه، وان قال امتنعت لأنى لا اختار ان أحلف حكم بنكوله.
стр. 5534
فان بذل اليمين بعد النكول لم يقبل فى هذه الدعوى لأنه أسقط حقه منها.
فان عاد فى مجلس آخر واستأنف الدعوى وانكر المدعى عليه وطلب يمينه حلف فان حلف ترك وان نكل ردت اليمين على المدعى.
فاذا حلف حكم له لانها يمين فى غير الدعوى التى حكم فيها بنكوله فان كان له شاهد واختار أن يحلف المدعى عليه جاز وتنتقل اليمين الى جنبة المدعى عليه فان اراد أن يحلف مع شاهده لم يكن له فى هذا المجلس لأن اليمين أنتقلت عنه الى جنبه غيره فلم تعد اليه فان عاد فى مجلس آخر وأستأنف الدعوى جاز أن يقيم الشاهد ويحلف معه لأن حكم الدعوى الأولى قد سقط.
وان حلف المدعى عليه فى الدعوى الأولى سقطت عنه المطالبة وان نكل عن اليمين لم يقض عليه بنكوله وشاهد المدعى لأن للشاهد معنى تقوى جنبة المدعى فلم يقض به مع النكول من غير يمين كاللوث فى القسامة، وهل ترد اليمين على المدعى ليحلف مع الشاهد؟ فيه قولان:
أحدهما أنه لا ترد لانها كانت فى جنبته وقد أسقطها وصارت فى جنبة غيره فلم تعد اليه كالمدعى عليه اذا نكل عن اليمين فردت الى المدعى فنكل فانها لا ترد على المدعى عليه.
والقول الثانى وهو الصحيح انها ترد لأن هذه اليمين غير الأولى، لأن سبب الأولى قوة جنبة المدعى بالشاهد وسبب الثانية قوة جنبته بنكول المدعى عليه واليمين الأولى لا يحكم بها الا فى المال وما يقصد به المال، والثانية يقضى بها فى جميع الحقوق التى تسمع فيها الدعوى فلم يكن سقوط احداهما موجبا بسقوط الاخرى، فان قلنا انها لا ترد حبس المدعى عليه حتى يحلف أو يقر لأنه تعين عليه ذلك.
وان قلنا انها ترد حلف مع الشاهد واستحق (١) وان قال المدعى لى بينه غائبه وطلب يمين المدعى عليه أحلف لأن الغائبة كالمعدومة لتعذر اقامتها فان حلف المدعى عليه، ثم حضرت البينة وطلب سماعها والحكم بها وجب سماعها والحكم بها لما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه انه قال البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة، ولأن البينة كالاقرار، ثم يجب الحكم بالاقرار بعد اليمين فكذلك بالبينة، وان قال لى بينة حاضرة ولكنى أريد أن أحلفه حلف لأنه قد يكون له غرض فى احلافه بأن يتورع عن اليمين فيقر، واثبات الحق أقوى وأسهل من اثباته بالبينة.
وان قال ليس لى بينة حاضرة ولا غائبة أو قال كل بينة تشهد لى فهى كاذبة وطلب احلافه فحلف ثم أقام البينة على الحق ففيه ثلاثة أوجه.
стр. 5535
احدها انها لا تسمع لأنه كذبها بقوله:
والثانى انه ان كان هو هذا الذى استوثق بالبينة لم تسمع لأنه كذبها، وان كان غيره المستوثق بالبينة سمعت لأنه لم يعلم بالبينة فرجع قوله لا بينة لى الا ما عنده.
والثالث انها تسمع بكل حال وهو الصحيح لأنه يجوز أن يكون ما علم وان علم فلعله نسى فرجع قوله لا بينة لى الى ما يعتقده (١).
وان قال المدعى: لى بينة بالحق لم يجز له ملازمة الخصم قبل حضورها لقول رسول الله ﷺ : شاهداك أو يمينه ليس لك الا ذلك.
وان شهد له شاهدان عدلان عند الحاكم وهو لا يعلم ان له دفع البينة بالجرح، قال له قد شهد عليك فلان وفلان، وقد ثبتت عدالتهما عندى وقد اطردتك جرحهما.
وان كان يعلم فله أن يقول وله ان يسكت.
فان قال المشهود عليه لى بينة بجرحهما نظر فان لم يأت بها حكم عليه لما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه انه قال فى كتابه الى أبى موسى الاشعرى رضى الله تعالى عنه: واجعل لمن أدعى حقا غائبا أمدا ينته اليه، فان أحضر بينته أخذت له حقه والا استحللت عليه القضية فانه أنفى للشك وأجلى للعمى ولا ينظر أكثر من ثلاثة أيام لأنه كثير وفيه اضرار بالمدعى.
وان قال لى بينة بالقضاء أو الابراء أمهل ثلاثة أيام فان لم يأت بها حلف المدعى انه لم يقضه ولم يبرئه، ثم يقضى له لما ذكرناه وله ان يلازمه الى أن يقيم البينة بالجرح أو القضاء لأن الحق قد ثبت له فى الظاهر.
وان شهد له شاهدان ولم تثبت عدالتهما فى الباطن فسأل المدعى أن يحبس الخصم الى أن يسأل عن عدالة الشهود ففيه وجهان احدهما وهو قول أبى اسحاق رحمه الله تعالى وهو ظاهر المذهب انه يحبس لأن الظاهر العدالة وعدم الفسق.
والثانى وهو قول أبى سعيد الاصطخرى انه لا يحبس لأن الأصل براءة ذمته.
وان شهد له شاهد واحد وسأل أن يحبسه الى أن يأتى بشاهد آخر ففيه قولان أحدهما أنه يحبس كما يحبس اذا جهل عدالة الشهود، والثانى أنه لا يحبس وهو الصحيح لأنه لم يأت بتمام البينة، ويخالف اذا جهل عدالتهم لأن البينة تم عددها والظاهر عدالتها.
وقال أبو اسحاق ان كان الحق مما يقضى فيه بالشاهد واليمين حبس قولا واحدا لأن الشاهد الواحد حجة فيه لأنه يحلف معه (٢).
وان سكت المدعى عليه ولم يقر ولم ينكر
стр. 5536
قال له الحاكم: ان اجبت والا جعلتك ناكلا.
والمستحب أن يقول له ذلك ثلاثا، فان لم يجب جعله ناكلا وحلف المدعى وقضى له لأنه لا يخلو اذا أجاب من أن يقر أو ينكر فان أقر فقد قضى عليه بما يجب على المقر وان انكر فقد وصل انكاره بالنكول عن اليمين فقضينا عليه بما يجب على المنكر اذا نكل عن اليمين (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى أن المدعى اذا ذكر أن بينته بعيدة منه اولا يمكنه احضارها أو لا يريد اقامتها فطلب اليمين من المدعى عليه احلف له، فاذا حلف ثم أحضر المدعى بينته حكم له وبهذا قال شريح والشعبى رضى الله تعالى عنهما لقول عمر رضى الله تعالى عنه:
«البينة الصادقة أحب الى من اليمين الفاجرة»، وظاهر هذه البينة الصدق ويلزم من صدقها فجور اليمين المتقدمة فتكون اولى، ولأن كل حالة يجب عليه الحق فيها باقراره يجب عليه بالبينة كما قبل اليمين.
وحكى عن ابن ابى ليلى رحمه الله تعالى أن بينته لا تسمع لأن اليمين حجة المدعى عليه فلا تسمع بعدها حجة المدعى كما لا تسمع يمين المدعى عليه بعد بينة المدعى وهذا لا يصح لأن البينة الأصل واليمين بدل عنها ولهذا لا تشرع الا عند تعذرها والبدل يبطل بالقدرة على المبدل كبطلان التيمم بالقدرة على الماء ولا يبطل الاصل بالقدرة على البدل ويدل على الفرق بينهما انهما حال اجتماعهما وامكان سماعهما تسمع البينة ويحكم ولا تسمع اليمين ولا يسأل عنهما (٢). فان طلب المدعى حبس المدعى عليه او اقامة كفيل به الى ان تحضر بينته البعيدة لم يقبل منه ولم يكن له ملازمة خصمه، نص عليه الامام أحمد رحمه الله تعالى لأنه لم يثبت له قبله حق يحبس به ولا يقيم به كفيلا، ولأن الحبس عذاب فلا يلزم معصوما لم يتوجه عليه حق ولأنه لو جاز ذلك لتمكن كل ظالم من حبس من شاء من الناس بغير حق.
وان كانت بينته قريبة فله ملازمته حتى يحضرها لأن ذلك من ضرورة اقامتها فانه لو لم يتمكن من ملازمته لذهب من مجلس الحاكم ولا تمكن اقامتها الا بحضرته ولأنه لما تمكن من احضاره مجلس الحاكم ليقيم البينة عليه تمكن من ملازمته فيه حتى تحضر البينة، وتفارق البينة البعيدة أو من لا يمكن حضورها فان الزامه الاقامة الى حين حضورها يحتاج الى حبس او ما يقوم مقامه ولا سبيل اليه (٣).
وان قال المدعى لى بينة حاضرة وأريد
стр. 5537
احلاف المدعى عليه ثم اقيم البينة عليه ففيه وجهان.
احدهما: له ذلك ويستحلف خصمه لأنه يملك استحلافه اذا كانت بينته بعيدة فكذلك اذا كانت قريبة، ولأنه لو قال لا أريد اقامة بينتى القريبة ملك استحلافه فكذلك اذا اراد اقامتها.
والثانى: لا يملك استحلافه لأن فى البينة غنية عن اليمين فلم تشرع معها، ولأن البينة أصل واليمين بدل فلا يجمع بين البدل والأصل كالتيمم مع الماء، وفارق البعيدة فانها فى الحال كالمعدومة للعجز عنها وكذلك التى لا يريد اقامتها لأنه قد تكون عليه مشقة فى احضارها أو عليها فى الحضور مشقة فيسقط ذلك للمشقة بخلاف التى يريد اقامتها (١).
واذا نكل من توجهت عليه اليمين عنها وقال لى بينة اقيمها أو حساب استثبته لا حلف على ما اتيقن ذكر أبو الخطاب رحمه الله تعالى انه لا يمهل وان لم يحلف جعل ناكلا.
وقيل لا يكون ذلك نكولا ويمهل مدة قريبة.
وان قال: ما أريد ان احلف أو سكت فلم يذكر شيئا نظرنا فى المدعى به.
فان كان مالا أو المقصود منه المال قضى عليه بالنكول ولم ترد اليمين على المدعى نص عليه الامام احمد رحمه الله تعالى، ويدل لذلك قول النبى ﷺ :
«ولكن اليمين على جانب المدعى عليه» فحصرها فى جانب المدعى عليه، وقوله ﷺ : البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه. «فجعل جنس اليمين فى جنبة المدعى عليه كما جعل جنس البينة فى جنبة المدعى».
وقال احمد رحمه الله تعالى قدم ابن عمر الى عثمان رضى الله تعالى عنهم فى عبد له فقال له أحلف انك ما بعته وبه عيب علمته فأبى ابن عمران يحلف فرد العبد عليه ولم يرد اليمين على المدعى، ولأنها بينة فى المال فحكم فيها بالنكول، كما لو مات من لا وارث له فوجد الامام فى دفتره دينا له على انسان فطالبه به فأنكره وطلب منه اليمين فأنكره فانه لا خلاف فى ان اليمين لا ترد، وقال ابن ابى ليلى: لا ادعه حتى يقر أو يحلف واختار ابو الخطاب رحمه الله تعالى ان له رد اليمين على المدعى ان ردها حلف المدعى وحكم له بما ادعاه، قال وقد صوبه احمد رحمه الله تعالى، فقال ما هو ببعيد يحلف ويستحق، وقال هو قول أهل المدينة روى ذلك عن على رضى الله تعالى عنه، وبه قال شريح والشعبى والنخعى وابن سيرين رحمهم الله تعالى فى المال خاصة، وقاله الشافعى فى جميع الدعاوى لما روى عن نافع عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ «رد اليمين على طالب الحق. رواه الدارقطنى ولأنه اذا نكل ظهر
стр. 5538
صدق المدعى وقوى جانبه فتشرع اليمين فى حقه كالمدعى عليه قبل نكوله وكالمدعى اذا شهد له شاهد واحدا، ولأن النكول قد يكون لجهله بالحال وتورعه عن الحلف على ما لا يتحققه أو للخوف من عاقبة اليمين أو ترفعا عنها مع علمه بصدقه فى انكاره ولا يتعين بنكوله صدق المدعى فلا يجوز الحكم له من غير دليل فاذا حلف كانت يمينه دليلا عند عدم ما هو أقوى منها كما فى موضع الوفاق. وكذلك لو ادعى رجل على ميت انه وصى اليه بتفريق ثلثه وانكر الورثة ونكلوا عن اليمين قضى عليهم، والخبر لا تعرف صحته ومخالفة ابن عمر له فى القصة التى ذكرناها تدل على ضعفه فانه لم يرد اليمين على المدعى ولا ردها عثمان، فعلى هذا اذا نكل عن اليمين قال له الحاكم: إن حلفت وإلا قضيت عليك ثلاثا فان حلف والا قضى عليه وعلى القول الآخر يقول له: لك رد اليمين على المدعى فإن ردها حلف وقضى له.
وان نكل عن اليمين سئل عن سبب نكوله فان قال لى بينة اقيمها أو حساب استثبته لأحلف على ما اتيقنه أخرت الحكومة.
وان قال ما اريد أن أحلف سقط حقه من اليمين فلو بذلها فى ذلك المجلس بعد هذا لم تسمع منه الى أن يعود فى مجلس آخر فان قيل فالمدعى عليه لو امتنع عن اليمين ثم بذلها سمعت منه فلم منعتم سماعها ههنا؟ قلنا اليمين فى حق المدعى عليه هى الأصل فمتى قدر عليها أو بذلها وجب قبولها والمصبر اليها كالمبدلات مع ابدالها.
وأما يمين المدعى فهى بدل فاذا امتنع منها لم ينتقل الحق الى غيره فاذا امتنع منها سقط حقه منها لضعفها.
وأما اذا حلف وقضى له فعاد المدعى عليه وبذل اليمين لم يسمع منه، وهكذا لو بذلها بعد الحكم عليه بنكوله لم يسمع لأن الحكم قد تم فلا ينقض كما لو قامت به بينة، هذا اذا كان المدعى به مالا أو المقصود منه المال فأما غير المال وما لا يقصد به المال فلا يقضى فيه بالنكول نص عليه أحمد رحمه الله تعالى فى القصاص، ونقل عنه فى رجل ادعى على رجل انه قذفه، فقال استحلفوه فان قال لا أحلف أقيم عليه.
قال أبو بكر هذا قول قديم والمذهب انه لا يقضى فى شئ من هذا بالنكول ولا فرق بين القصاص فى النفس والقصاص فى الطرف. وروى عن أحمد رحمه الله تعالى انه يقضى بالنكول فى القصاص فيما دون النفس:
والأول هو المذهب لأن هذا أحد نوعى القصاص فأشبه النوع الآخر فعلى هذا ما يصنع به فيه وجهان.
احدهما يخلى سبيله لأنه لم تثبت عليه حجة فتكون فائدة شرعية اليمين الردع والزجر.
والثانى يحبس حتى يقر أو يحلف (١).
ومن ادعى دعوى وقال لا بينة لى ثم أتى بعد
стр. 5539
ذلك ببينة لم تقبل لأنه مكذب لبينته لأنه أكذب ببينته باقراره انه لا يشهد له أحد فاذا شهد له انسان كان تكذيبا له.
وان قال ما أعلم لى بينة ثم أتى ببينة سمعت منه لأنه يجوز أن تكون له بينة لم يعلمها ثم علمها قال ابو الخطاب رحمه الله تعالى ولو قال ما أعلم لى ببينة، فقال شاهدان نحن نشهد لك سمعت بينته (١).
ومن أدعى شهادة عدل فانكر العدل أن تكون عنده، ثم شهد بها بعد ذلك، وقال كنت انسيتها قبلت منه ولم ترد شهادته، وذلك لأنه يجوز أن يكون نسيها واذا كان ناسيا لها فلا شهادة عنده فلا نكذبه مع امكان صدقه، ولا يشبه هذا ما اذا قال لا بينة لى ثم أتى ببينة حيث لا تسمع - على ما مر - فان ذلك اقرار منه على نفسه بعدم البينة والانسان يؤاخذ باقراره، وقول الشاهد لا شهادة عندى ليس باقرار فان الشهادة ليست له انما هى حق عليه فيكون منكرا لها فاذا اعترف بها كان اقرار بعد الانكار وهو مسموع بخلاف الانكار بعد الانكار، ولأن الناسى للشهادة لا شهادة له عنده فهو صادق فى انكاره فاذا ذكرها صارت عنده فلا تنافى بين القولين وصار هذا كمن أنكر أن يكون عنده شهادة قبل ان يستشهد ثم استشهد بعد ذلك فصارت عنده بخلاف من انكر ان له بينة فانه لا يخرج عن ان يكون له بينة بنسيانها (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن كل من ادعى على أحد وأنكر المدعى عليه فكلف المدعى البينة فقال: لى بينة غائبة أو قال لا أعرف لنفسى بينة، أو قال لا بينة لى، قيل له: ان شئت فدع تحليفه حتى تحضر بينتك أو لعلك تجد بينة وان شئت حلفته وقد سقط حكم بينتك الغائبة جملة فلا يقضى لك بها أبدا، وسقط حكم كل بينة تأتى بها بعد هذا عليه ليس لك الا هذا فقط فاى الامرين أختار قضى له به ولم يلتفت له الى بينة فى تلك الدعوى بعدها الا أن يكون تواتر يوجب صحة العلم، ويقينه أنه حلف كاذبا فيقضى عليه بالحق أو يقر بعد أن حلف فيلزمه ما أقر به (٣).
فإن لم يكن للطالب بينه وأبى المطلوب معه اليمين أجبر عليها أحب أم كره بالأدب.
ولا يقضى عليه بنكوله فى شئ من الأشياء أصلا ولا ترد اليمين على الطالب البتة ولا ترد يمين أصلا إلا فى ثلاثة مواضع فقط، وهى القسامة فيمن وجد مقتولا فانه ان لم تكن لأوليائه بينة حلف خمسون منهم واستحقوا القصاص أو الدية.
فان أبوا حلف خمسون من المدعى عليهم
стр. 5540
وبرئوا فان نكلوا أجبروا على اليمين أبدا، وهذا مكان يحلف فيه الطالبون فان نكلوا رد على المطلوبين.
والموضع الثانى الوصية فى السفر لا يشهد عليها الا كفار.
وان الشاهدين الكافرين يحلفان مع شهادتهما.
فان نكلا لم يقض بشهادتهما فان قامت بعد ذلك بينة من المسلمين حلف اثنان منهم مع شهادتهما وحكم بها وفسخ ما شهد به الاولان فان نكلا بطلت شهادتهما وبقى الحكم الأول كما حكم به، فهذا مكان يحلف فيه الشهود لا الطالب ولا المطلوب.
والموضع الثالث من قام له بدعواه شاهد واحد عدل أو امرأتان عدلتان فيحلف ويقضى له.
فان نكل حلف المدعى عليه وبرئ.
فان نكل أجبر على اليمين أبدا فهذا مكان يحلف فيه الطالب فان نكل رد على المطلوب (١).
وأداء الشهادة فرض على كل من علمها الا أن يكون عليه حرج فى ذلك لبعد مشقة أو لتضييع مال أو لضعف فى جسمه فليعلنها فقط، قال الله :
«ولا يأبى الشهداء اذا ما دعوا».
فهذا على عمومه اذا دعوا للشهادة أو دعوا لأدائها.
ولا يجوز تخصيص شئ من ذلك بغير نص (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الازهار انه اذا ادعى رجل على غيره شيئا فانه لا يجب عليه اجابة هذه الدعوى باقرار ولا انكار سواء كانت صحيحة أو فاسدة، وأما الحضور فيجب عليه فينصب الحاكم من يدافع عن الخصم الممتنع اذا كان غائبا.
والا يكن غائبا وكان حاضرا ولم يجب بنفس ولا اثبات أو قال لا أقر ولا أنكر حكم عليه الحاكم ولا يلزمه الاجابة.
- والمراد بالغيبة عن مجلس الحكم ولو كان حاضرا فى البلد، لكن يحكم عليه بعد الاعذار ما لم تكن غيبته بريدا فصاعدا فلا يشترط التمرد ولا يحتاج الى الاعذار.
ويحكم الحاكم بعد سماع البينة.
فان لم تكن ثم بينة عرض عليه المدعى اليمين.
فان نكل حكم عليه وان حلف فلا يحكم عليه.
وان سكت حكم عليه عند الهادى ﵇ والناصر، اذ التمرد كالنكول، وعند أبى طالب يحبس حتى يقرأ وينكل عن اليمين.
стр. 5541
ولا يوقف خصم لمجئ بينة عليه غائبة الا لمصلحة.
فاذا أدعى رجل على رجل حقا فأنكره المدعى عليه فزعم المدعى ان له بينة غائبة وطلب منع المدعى عليه من السفر حتى يأتى ببينة فان الحاكم لا يجيبه الى توقيف المدعى عليه لأجل ذلك ولا يجب عليه الا اليمين الا ان يرى فى ذلك صلاحا.
فاذا رأى الحاكم مصلحة فى توقيفه حتى تحضر البينة فطلب منه الكفيل بوجهه وجب ذلك فيكفل عشرا فى المال وشهرا فى النكاح (١) وإذا لم يكن للمدعى بينة فى المجلس فطلب يمين المنكر عن اليمين فإنه يجب عليه ذلك الحق بالنكول هذا مذهب الهادى والناصر.
وقال المؤيد بالله وابن ابى ليلى انه لا يحكم بالنكول.
واذا حكم بالنكول حكم به سواء نكل مرة أو أكثر إلا فى الحد والنسب فإنه لا يحكم فيهما بالنكول.
قال ابو طالب: واذا سكت المدعى عليه ولم يجب المدعى بشئ او قال لا أقر ولا انكر فانه لا يحكم عليه كما يحكم بالنكول، ولكن مع سكوته يحبس حتى يقر بما ادعى عليه أو ينكر فيطلب منه اليمين وإن نكل حكم عليه ذكر ذلك ابو طالب.
وقال فى الكافى مع البينة مذهبنا والفريقين ان المدعى عليه اذا سكت او قال لا أقر ولا انكر سمع الحاكم بينة المدعى وحكم عليه فان لم يكن للمدعى بينة عرضت اليمين على المدعى عليه وان حلف والا حكم عليه.
قال مولانا ﵇: وهو الصحيح للمذهب وقد أشرنا الى ضعف ما حكاه أبو طالب للمذهب بقولنا:
قيل ولو نكل المدعى عليه عن اليمين ثم أجاب الى الحلف اورد اليمين وجب أن يقبل اليمين بعد النكول ولو مردودة لأن النكول ليس بإقرار حقيقة ولا يجب به الحق الا بعد الحكم - وسقط عنه الحق.
واذا أدعى رجل على غيره حقا فأنكر المدعى عليه وحلف ثم أتى المدعى بالبينة فلا حكم لهذه اليمين وقبلت البينة بعدها ولو بشاهد ويمين المدعى، وحكم بها هذا مذهبنا، وهو قول زيد.
وقال الناصر وابن ابى ليلى: لا تقبل البينة بعد اليمين. وانما تقبل اليمين بعد النكول والبينة بعد اليمين ما لم يحكم فى النكول واليمين فأما اذا كان الحاكم قد حكم على الناكل بالحق لأجل نكوله لم تقبل يمينه بعد الحكم أو حكم بسقوط الحق عن المنكر لأجل يمينه لم تسمع بينة المدعى بعد الحكم.
ومتى ردت اليمين على المدعى لزمته فان نكل لم يحكم له بما ادعاه.
قال ﵇: ولو طلب انه يحلف بعد أن ردها لم يجب الى ذلك لأن حقه قد بطل
стр. 5542
بالرد. أو طلب المدعى عليه من المدعى تأكيد بينته بيمين أن شهوده شهدوا بحق فانها تلزم تلك اليمين بشروط أربعة الأولى: ان يطلبها المدعى عليه.
وان كان جاهلا لاستحقاقها فللحاكم أن ينبهه على لزومها.
والثانى: أن تكون بينته غير البينة المحققة وهى أن لا يشهد الشهود على التحقيق بل يشهدوا بالظاهر، فاذا شهدوا على التحقيق لم تلزم هذه اليمين المؤكدة.
وقال أبو العباس: أشار المؤيد بالله فى الزيادات الى أنها تجب سواء شهدوا على التحقيق أم على الظاهر.
الشرط الثالث: أن تكون الدعوى لآدمى فى حقه المحض فيؤكد ببينته باليمين من المدعى، فلو كان مشوبا بحق الله تعالى لم تجب.
وللشرط الرابع أن يكون ذلك حيث أمكنت اليمين لا لو ادعى الولى لصبى أو لمسجد فطلب المنكر من الولى تأكيد البينة باليمين فهى ها هنا لا تمكن فلا تلزم، وكذا لو ردت عليه لم تلزم، فمتى كملت هذه الشروط لزمت اليمين المؤكدة فان امتنع المدعى من اليمين المؤكدة لم يحكم له ولا يبطل دعواه.
فان رجع بعد النكول قبل ما لم يتقدم ما يكذبها محضا.
قال فى الشرح وانما وجبت المؤكدة اذا طلبها المدعى عليه لأنه كان ادعى على المدعى انه يعلم بطلان دعواه فكان له تحليفه ما هى باطلة.
وقال فى الانتصار لا يحلف المدعى مع شهوده لأن ذلك حط من البينة ولأنه مختلف فيها لتأديتها الى بطلان.
- وقال فى الكافى لا يجمع بين - البينة واليمين وذلك ظلم عند السادة والفقهاء الا عند الهادى (١).
ويجب على متحمل الشهادة الأداء اذا طلب ذلك من له طلبه لكل أحد حتى يصل صاحبها الى حقه فى القطعى مطلقا.
واما اذا كانت الشهادة فى الحق الظنى لم يجب على الشاهد اداء الشهادة الا الى حاكم محق فقط وان بعد على الشاهد المسير الى الحاكم لاداء الشهادة لم يمنع ذلك وجوب اداء الشهادة الا لشرط منه عند التحمل أن يشهد فى بلده ولا يخرج لها الى غيره صح هذا الشرط ولم يلزم الخروج الا لخشية فوت الحق فيجب الخروج.
ولو كان قد شرط أن لا يخرج ذكره السيد يحيى بن الحسين رحمه الله تعالى وقال يحيى ابن حمزة رحمه الله تعالى فيه نظر، قال مولانا ﵇: لا وجه للتنظير بل اذا خشى الفوت وجب الخروج لاداء الشهادة.
وان لم يتحمل الشهادة من باب الأمر بالمعروف الا لخوف من الشاهد على نفسه أو ماله فانه لا يجب عليه أداء الشهادة.
وان خشى فوت الحق وأعلم انه تطيب
стр. 5543
للشاهد أخذ الاجرة على الخروج الى الحاكم لاداء الشهادة اذا كانت المسافة مما يحتمل مثلها الاجرة، وسواء خشى الفوت للحق أم لم يخش فانه يجوز له طلبها مع الخشية وعدمها وسواء شرط أن لا يخرج أم لم يشرط وسواء كان فوق البريد أم دونه، وانما حلت الأجرة هنا لأن الواجب انما هو الشهادة لا قطع المسافة، لكن لما لم يتم الواجب الا بقطعها وجبت وطابت الاجرة لما لم يكن على ما هو واجب فى نفسه وانما وجب تبعا لوجوب غيره، والاجرة انما تحرم اذا كان فى مقابلة ما هو واجب فى نفسه من ابتداء الامر كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك (١).
ومن شهد عند حاكم عادل ثم رجع عنده أو عند مثله فى الحكم والعدالة بطلت تلك الشهادة اذا وقع الرجوع عنها قبل الحكم بها مطلقا سواء كانت فى الحقوق أم فى الحدود.
فان لم يكونوا شهدوا عند حاكم عادل أو لم يرجعوا عند حاكم عادل لم يصح رجوعهم فلا تصح دعوى كونهم قد رجعوا.
ولو حكم الحاكم بشهادة ثم رجع الشهود بعد الحكم بطلت شهادتهم ايضا اذا رجعوا فى الحد والقصاص قبل التنفيذ.
فاذا رجعوا قبل تنفيذهما لم يجز للحاكم تنفيذها بعد رجوعهم وان لم يكن الرجوع عن الشهادة بعد الحكم بالحد والقصاص بل فى غيرهما أو وقع بعد التنفيذ فلا يبطل ما قد حكم به اما العتق والوقف فلا خلاف انهما لا يبطلان برجوع الشهود بعد الحكم بهما، وأما غيرهما من الأموال والحقوق فالمذهب وعليه جمهور العلماء من الحنفية والشافعية وغيرهم انه لا ينقض الحكم برجوعهم.
وظاهر كلام الهادى ﵇ فى المنتخب انه ينقض.
قال الامام يحيى ﵇: ولا خلاف فى أن المشهود له اذا صدقهم فى الرجوع نقض الحكم فيغرمون لمن غرمته الشهادة أو نقصته أو أقرت عليه ما كان معرضا للسقوط (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية انه اذا ادعى دعوى مسموعة طولب المدعى عليه بالجواب، وجواب المدعى عليه اما اقرار بالحق المدعى به أجمع أو انكار له أجمع او مركب منهما فيلزمه حكمهما أو سكوت. فالاقرار يمضى على المقر مع كمال المقر على وجه يسمع اقراره بالبلوغ والعقل مطلقا ورفع الحجر فيما يمتنع نفوذه به.
فان التمس المدعى حينئذ الحكم حكم عليه فيقول الزمتك ذلك او قضيت عليك به.
ولو التمس المدعى من الحاكم كتابة اقراره كتب وأشهد مع معرفته أو شهادة عدلين بمعرفته أو اقتناعه بحليته لا بمجرد اقراره.
стр. 5544
وان صادقه المدعى حذرا من تواطؤهما على نسب لغيرهما ليلزما ذا النسب بما لا يستحق عليه.
فان ادعى الاعسار وهو عجزه عن أداء الحق لعدم ملكه لما زاد عن داره وثيابه اللائقة بحاله ودابته وخادمه كذلك وقوت يوم وليلة له ولعياله الواجبى النفقة - ويثبت صدقه فى دعوى الاعسار ببينة مطلقة على باطن امره مراقبة له فى خلواته واجدة صبره على ما لا يصبر عليه واجد المال عادة حتى ظهر لها قرائن الفقر ومخايل الاضافة مع شهادتها على نفى ذلك بما يتضمن الاثبات لا على نفى الصرف او بتصديق خصمه له على الاعسار أو كان أصل الدعوى بغير مال بل جناية أوجبت مالا واتلافا فانه حينئذ يقبل قوله فيه لأصالة عدم المال بخلاف ما اذا كان أصل الدعوى مالا فان اصالة بقائه تمنع من قبول قوله، وانما يثبت اعساره بأحد الأمرين البينة أو تصديق الغريم.
ولو شهدت البينة بالاعسار فى القسم الثانى فأولى بعدم اليمين، وعلى تقدير كون الدعوى ليست مالا وحلف على الاعسار ترك الى أن يقدر ولا يكلف التكسب فى المشهور وان وجب عليه السعى على وفاء الدين. والا يتفق ذلك بأن لم يقم بينة ولا صادقه الغريم مطلقا ولا حلف حيث لا يكون أصل الدعوى مالا حبس وبحث عن باطن امره حتى يعلم حاله.
فان علم له مال أمر بالوفاء.
فان امتنع باشره القاضى ولو ببيع ماله ان كان مخالفا للحق.
وان علم عدم المال أو لم يف الموجود بوفاء الجميع أطلق بعد صرف الموجود. هذا اذا أقر أو سكت أما اذا انكر فان كان الحاكم عالما بالحق قضى بعلمه مطلقا على أصح القولين ولا فرق بين علمه به فى حال ولايته ومكانها وغيرهما وليس له حينئذ طلب البينة من المدعى مع فقدها قطعا ولا مع وجودها على الاقوى وان قصد رفع التهمة الا مع رضاء المدعى.
وان لم يعلم الحاكم بالحق طلب البينة من المدعى ان لم يكن عالما بأنه موضع المطالبة بها والا جاز للحاكم السكوت.
فان قال لا بينة لى عرفه ان له احلافه، فان طلب احلافه حلفه الحاكم، ولا يتبرع الحاكم باحلافه لأنه حق للمدعى فلا يستوفى بدون مطالبته وان كان ايقاعه الى الحاكم.
فلو تبرع المنكر به او استحلفه الحاكم من دون التماس المدعى لغى وكذا لا يستقل به الغريم من دون اذن الحاكم لما قلناه من ان ايقاعه موقوف على اذنه وان كان حقا لغيره لأنه وظيفته.
فان حلف المنكر على الوجه المعتبر سقطت الدعوى عنه وان بقى الحق فى ذمته وحرم مقاصته به لو ظفر له المدعى بمال وان كان مماثلا لحقه الا أن يكذب المنكر نفسه بعد ذلك وكذا لا تسمع البينة من المدعى بعد حلف
стр. 5545
المنكر على أصح الاقوال، لصحيحة ابن ابى يعفور عن الصادق ﵇ اذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر بحقه فاستحلفه فحلف ان لا حق له قبله.
وان أقام بعد ما استحلفه خمسين قسامة فان اليمين قد أبطلت كل ما ادعاه.
وقيل تسمع بينته مطلقا.
وقيل مع عدم علمه بالبينة وقت تحليفه ولو بنسيانها والأخبار حجة عليهما.
وان لم يحلف المدعى عليه ورد اليمين على المدعى حلف المدعى ان كان دعواه قطعية والا لم يتوجه الرد عليه، وكذا لو كان المدعى وليا او وصيا فانه لا يمين عليه وان علم بالحال، بل يلزم المنكر بالحلف.
فان أبى حبس الى أن يحلف أو يقضى بنكوله.
فان امتنع المدعى من الحلف حيث يتوجه عليه سقطت دعواه فى هذا المجلس قطعا، وفى غيره على قول مشهور الا أن يأتى ببينة
ولو استمهل امهل بخلاف المنكر.
ولو طلب المدعى احضار المال قبل حلفه ففى اجابته قولان:
أجودهما العدم.
ومتى حلف المدعى ثبت حقه لكن هل يكون حلفه كاقرار الغريم أو كالبينة قولان.
أجودهما الأول.
وان نكل المنكر عن اليمين وعن ردها على المدعى بأن قال انا ناكل او قال لا أحلف عقيب قول الحاكم له أحلف أولا أرد ردت اليمين أيضا على المدعى بعد أن يقول الحاكم للمنكر: ان حلفت والا جعلتك ناكلا ورددت اليمين مرة ويستحب ثلاثا فان حلف المدعى ثبت حقه.
وان نكل فكما مر.
وقال الشيخان والصدوقان وجماعة يقضى على المنكر بالحق بنكوله بصحيحة محمد بن مسلم عن الصادق ﵇ أنه حكى عن أمير المؤمنين على أنه ألزم أخرس بدين ادعى عليه فانكر ونكل عن اليمين فالزمه بالدين بامتناعه عن اليمين والأول أقرب لأن النكول أعم من ثبوت الحق لجواز تركه اجلالا ولا دلالة للعام على الخاص ولما روى عن النبى ﷺ أنه رد اليمين على صاحب الحق وللأخبار الدالة على رد اليمين على المدعى من غير تفصيل ولأن الحكم مبنى على الاحتياط التام ولا يحصل الا باليمين وفى هذه الأدلة نظر بين.
وان قال المدعى مع انكار غريمه لى بينة عرفه الحاكم أن له احضارها وليقل أحضرها ان شئت ان لم يعلم ذلك فان ذكر غيبتها خيره بين احلاف الغريم والصبر وكذا يتخير بين احلافه واقامة البينة.
وان كانت حاضرة وليس له طلب احلافه ثم اقامة البينة فان طلب احلافه ففيه مامر.
وان طلب احضارها امهله الى أن يحضر وليس له الزامه بكفيل للغريم ولا ملازمته
стр. 5546
لأنه تعجيل عقوبة لم يثبت موجبها وقيل له ذلك.
وان أحضرها وعرف الحاكم العدالة فيها حكم بشهادتها بعد التماس المدعى سؤالها والحكم، ثم لا يقول لهما اشهدا بل من كان عنده كلام أو شهادة ذكر ما عنده ان شاء.
فان اجابا بما لا يثبت به حق طرح قولهما.
وان قطعا بالحق وطابق الدعوى وعرف العدالة حكم كما ذكرنا.
وان عرف الفسق ترك ولا يطلب التزكية لأن الجارح مقدم وان جهل حالها طلب من المدعى تزكيتها فان زكاها بشاهدين على كل من الشاهدين يعرفان العدالة … ومزيلها أثبتها، ثم سأل الخصم عن الجرح فان اعترف بعدمه حكم كما مر.
وان استنظره امهله ثلاثة أيام فان احضر الجارح نظر فى امره على حسب ما يراه من تفصيل واجمال وغيرها، فان قبله قدمه على التزكية لعدم المنافاة، فان لم يأت بالجارح مطلقا أو بعد المدة حكم عليه بعد التماس المدعى الحكم وان ارتاب الحاكم بالشهود مطلقا فرقهم استحبابا وسألهم عن مشخصات القضية زمانا ومكانا وغيرهما من المميزات.
فان اختلفت أقوالهم سقطت شهادتهم.
ويستحب له عند الريبة وعظهم وامرهم بالتثبت والأخذ بالجزم.
ويكره له أن يدخل على الشهود العنت والمشقة اذا كانوا من أهل البصيرة بالتفريق وغيره من التحزيز.
ويحرم عليه أن يتعتع الشاهد وذلك بأن يداخله فى الشهادة فيدخل معه كلمات توقعه فى التردد أو الغلط بأن يقول الشاهد انه اشترى كذا فيقول الحاكم بمائة أو فى المكان الفلانى أو يريد أن يتلفظ بشئ ينفعه فيداخله بغيره ليمنعه من اتمامه ونحو ذلك أو يتعقبه بكلام ليجعله تمام ما يشهد به بحيث لولاه لتردد أو أتى بغيره، بل يكف عنه حتى ينته ما عنده وان لم يفد او تردد، ثم يترتب عليه بما يلزم أو يرغبه فى الاقامة اذا وجده مترددا، أو يزهده لو توقف.
ولا يقف عزم الغريم عن الاقرار الا فى حق الله تعالى فيستحب أن يعرض المقر بحد الله تعالى بالكف عنه والتأويل لقضية ما عز ابن مالك عن النبى ﷺ حين أقر عنده بالزنا فى أربعة مواضع والنبى ﷺ يردده ويوقف عزمه تعريضا لرجوعه ويقول له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت، قال لا، قال أفنكتها لا تكنى، قال نعم، قال حتى غاب ذلك منك فى ذلك منها؟ قال نعم، قال كما يغيب المرود فى المكحلة والرشا فى البئر؟ قال نعم، قال:
قال هل تدرى ما الزنا؟ قال نعم أتيت منها حراما ما يأتى الرجل من امرأته حلالا فعند ذلك أمر برجمه، وكما يستحب تعريضه للانكار يكره لمن علمه منه غير الحاكم حثه على الاقرار، لأن هزالا قال لما عز بادر إلى رسول الله ﷺ قبل أن ينزل فيك قرآن فقال له النبى ﷺ لما علم به ألا سترته بثوبك كان خيرا لك.
стр. 5547
وأما سكوت المدعى عليه فان كان لآفة من طرش أو خرس توصل الحاكم الى معرفة الجواب بالاشارة المفيدة لليقين ولو بمترجمين عدلين.
وان كان السكوت عنادا حبس حتى يجيب على قول الشيخ فى النهاية لأن الجواب حق واجب عليه.
فاذا امتنع منه حبس حتى يؤديه أو يحكم عليه بالنكول بعد عرض الجواب عليه بأن يقول له أن أجبت والا جعلتك ناكلا.
فان أصر حكم بنكوله على قول من يقضى بمجرد النكول.
ولو اشترطنا معه احلاف المدعى أحلف بعده (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل: قال أبو محمد خصيب رحمه الله تعالى: وأعلى رتبة فى الاسلام قطع شكوى المظلوم بالانصاف له من ظالمه بالحكم او بالردع والزجر أو بالأمر والنهى أو غير ذلك، أى يقطع ذلك فى الدنيا عن الاشتكاء الى الله فيها أو فى الآخرة أو فيهما سواء قطعها تحقيقا عند الله أو عكس بحيث يعذر لأنه يحكم بالظاهر فاذا حكم بالظاهر فله أجر من وافق الحق عند الله ولو لم يوافق الحق عنده بحيث يعذر لأن نيته انفاذ الحق، والحكم انما يجرى على الظاهر كما قال رسول الله ﷺ : «انما أنا بشر مثلكم تختصمون الى فاحكم بينكم ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فانما أقطع له قطعة من النار».
وكان شريح يقول للخصم انى والله لا أفضى لك وانى لأظنك ظالما ولا أقضى بالظن وانما أقضى ببينتك وان قضائى لا يحل لك حراما، الحق أحق من قضائى. وزاد فى آخرها: فليحملها أو يذرها مستدلا بقول الله .
«وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ» (٢) فليس حكم القاضى يحل حراما ولا يحرم حلالا فى الأموال والابدان اجماعا وفى غيرها أيضا خلافا لأبى حنيفة رحمه الله تعالى فى عقد النكاح وحله.
وفى الحديث والآية دلالة على أنه ان أقيمت البينة بعد اليمين سمعت البينة وبطل الحكم الأول الذى هو تحليف المنكر وتبريئه.
وفى الديوان: اذا أراد الحاكم أن يحكم بين الخصمين فليقل: يا أيها الناس ان من قضيت له بقضاء وهو يعلم انه ليس بحق أو استحقه بخصومة أو جدال فانما أقطع له قطعة من النار فلا أعلم الغيب».
стр. 5548
«وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (١).
وانما أقضى بشهادة هؤلاء الشهود لم أزد حرفا ولم أنقصه وقد جازت عندى شهادتهم (٢).
ولا يحكم الحاكم ليلا الا بعذر كسفر مثل أن يكون أحد الخصمين أو كلاهما على السفر ليلا أو فى صبح الليل سواء كانا مقيمين وأرادا سفرا أو كانا فى البلد مسافرين وأراد الخروج وكذا أحدهما أو اختلفا فى ذلك أو كانا أو أحدهما على الاصباح فى البلد وما بعد الاصباح ولو الى نصف النهار لكن فى شغل متبين العذر لا يحضر عقله معه فى الخصام فانه يحكم بينهما ليلا سواء علما السفر صبحا أو ظنا أو شكا، أو بعذر كتحمل حمالة الاداء أو الوجه فان الحاكم ينسب بينهما الحكم فى شأن أن يعطى غريمه ضمين الوجه أو المال اذا استحقه بحكم الشرع مثل أن يكون على سفر أو خيف منه سفر أو هروب.
وفى التاج: وقيل لا يجوز له أن يحكم فى الليل.
وفى بعض الآثار: ولا يجلس للقضاء بين المغرب والعشاء ولا بالاسحار الا لأمر يحدث فى تلك الاوقات فلا بأس أن يأمر فيها وينهى ويسجن ويرسل الشرطى.
أما الحكم فلا، وكذلك الجلوس فى أيام العيد وعند خروج الحاج وما أشبه ذلك من الأوقات التى فيها على الناس تضييق.
وظاهر هذا الأثر انه ان شاء حكم بين صلاة العشاء وبين السحر وان قضى ليلا بين المغرب والعشاء أو بعد العشاء الى الفجر مضى قضاؤه وانفذ سواء لعذر سفر أو نحوه أو بلا عذر ان كان الى ضوء سراج أو شمعة أو نحوها، لا القمر وان لم ينكره أحدهما وامضياه بلا نار أو اقرا به نهارا مضى عليهما (٣).
واذا تمت دعوى المدعى عند الحاكم فرد المدعى عليه الجواب وأتى المدعى بالبينة أو أقر المدعى عليه بما ادعى عليه المدعى فلا يؤخر الحاكم الحكم عليه ساعة».
وان أخره بلا عذر هلك، وان قال له المدعى لا تحكم لى شيئا فلا يحكم له وهو فى سعة من ذلك، وكذلك من ترك حقه للمدعى عليه أو اعطاه له أو لغيره من الناس أو قال له أخر له الحكم الى وقت كذا وكذا فله ذلك.
وأما قول المدعى عليه أو غيره من الناس فلا يشتغل به الا أن تشابه عليه الامر فله أن يؤخره حتى يتبين له.
وان كانت المسألة عنده لكنه أراد أن يؤخر الحكم ليعلم المأخوذ به ويعلم ما يحكم عليه بين الخليفة وبين من استخلفه او خاف ما يدخل عليه فى المسألة، أو أراد أن يحضر
стр. 5549
الشهود للحكومة ليقوى حكمه فجائز له أن يفعل ويؤخر الحكم أيضا حتى يرسل الى من يفتى له من أهل العلم.
وان مات المدعى أو تجنن أو هرب أو تبين له أنه طفل أو عبد غير مأذون له فى التجارة أو تبين أن الذى يختصمان عليه حرام أو لقطة أو ضالة أو مات المدعى عليه أو تجنن أو تبين له أنه ممن لا يجوز عليه الحكم فلا يحكم فى هذه الوجوه كلها.
وان هرب المدعى عليه حين وجب عليه الحكم فانه يحكم عليه ولا يشتغل بهروبه (١).
ولا تجوز الحكومة لغائب ولا على غائب اذا لم تكن له الخليفة على ذلك فان كانت له الخليفة فانه يحكم له ويحكم عليه، ولا يقر الحاكم للبينة أو يسمعها الا بمحضر المشهود عليه وقيل الا ببينة الوكالة والنسب فيجوز فيها ذلك بلا محضر منه،
وقيل يجوز فى الوكالة فقط، فاذا كان الخصم حاضرا فى بلد القاضى أرسل اليه أحد خدامه ليرفعه لمجلس الحكم ان أبى وان كان على يسير الاميال كفى فيه الكتب وان بعد أو كان الخوف أمر من يلى أمر بلد هو فيه أن يصلح بينهما أو يعزم على المطلوب فى الوصول الى محل الحكم وذلك كله مع مخائل صدق المدعى لعله يريد تعنت المطلوب وقيل يرسل اليه اذا كان فى البلد مطلقا الا أن تبين كذبه واجرة الرسول عندنا من بيت المال وقال قومنا من مال من له الحق.
واذا عصى الأمر فعندنا يضرب أو يسجن.
وقال قومنا كذلك وزادوا أن يطبع عليه ما يهمه فلا ينتفع به ولا يترك اليه حتى يرجع الى الحق.
واستدل بعضهم على الحكم على الغائب باباحة رسول الله ﷺ لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وعيالها.
ويجاب على ذلك بأنه افتاء على الاطمئنان او بغير ذلك.
وقد روى عن رسول الله ﷺ انه قال لعلى رضى الله تعالى عنه: اذا حضر الخصمان فلا تقضى لاحدهما حتى تسمع حجة خصمه.
وفى رواية لا تقضى لاحدهما حتى تسمع حجة الآخر ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا تسمع حجة على غائب، ولا يجوز عليه حكم وكان فيما قبل يحكم للمرأة على زوجها وهو غائب.
وقال أصحابنا رحمهم الله تعالى: يجوز الاستماع على الغائب عن نصره والممتنع عن الحكم والحضور الى مجلس الحاكم وانفاذ الحكم عليه لقول رسول الله ﷺ : «البينة على المدعى» ففى جعلها على المدعى دلالة على أنه اذا أحضرها حكم بها
стр. 5550
وبحديث هند بنت عتبة، كذا قال أبو اسحق الحضرمى رحمه الله تعالى وهو صحيح لأن امتناع الخصم كحضوره، لكن الذى عندى انه يجبر على الحضور ورد الجواب.
قال واما الحدود فلا يحكم بها على غائب باتفاق الأمة.
وقال ابن محبوب رحمه الله تعالى اذا تولى عن المجلس أو تماجن فى السجن استمع عليه الحجة وحكم عليه.
وان استخلف أحد الخصمين على خصومته رجلا فيما أن رأى الحاكم أراد أن يحكم على خليفته نزعه من الخلافة فانه قد زال من الخلافة ويحكم الحاكم على المدعى عليه بما تبين عنده من ذلك.
فان أفاق المجنون أو بلغ الطفل حين أراد أن يحكم على خليفته أو حين أراد أن يحكم لخليفته فانه يحكم لصاحب الحق ويحكم على من كان عليه الحق منهما حين صحت عقولهما.
وان نزع الأب خليفة ابنه الطفل على الخصومة أو المجنون أو نزعت العشيرة خليفتهما على الخصومة أو نزع هؤلاء أنفسهم من الخلافة حين أراد الحاكم أن يحكم هو عليهم أو حين أراد ان يحكم لهم فلا يحكم بعد ذلك حتى يستخلفوا لهما (١).
وانما يحكم الحاكم فى الأصل ما علمه حاضرا أو غائبا وان لم يعلمه فمتى يعلمه امناؤه فانه يحكم بهم أيضا.
وان لم يعلمه هو ولا أمناؤه فلا يحكم حتى يرسل اليه الامناء مع شهود المدعى فاذا وصل اليه امناؤه وعلموه بقول الخصمين أو شهادة الشهود ورجعوا الى الحاكم فأعلموه بذلك فليحكم الحاكم بذلك وكذلك نزوع المضرة واثباتها لا يحكمها الا أن علمها أو علمها امناؤه.
وأما غير الأصل من الأمتعة والحيوان فلا يحكم به حتى يحضر وان كان كثيرا أحضر بعضه.
وكل مضمون من الدين أو غيره فانه يحكم ولو لم يحضر.
وما لم يحضر فليحكمه بالصفة (٢).
стр. 5551
اعذار المرتد
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع انه يستحب أن يستتاب المرتد ويعرض عليه الاسلام لاحتمال أن يسلم، لكن لا يجب لأن الدعوة قد بلغته.
فان أسلم فمرحبا وأهلا بالاسلام.
وان أبى نظر الامام فى ذلك.
فان طمع فى توبته أو سأل هو التأجيل أجله ثلاثة أيام.
وان لم يطمع فى توبته ولم يسأل هو التأجيل قتله من ساعته.
والأصل فى ذلك ما روى عن سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه أنه قدم عليه رجل من جيش المسلمين فقال هل عندكم من مغرية خبر قال نعم رجل كفر بالله تعالى بعد اسلامه، فقال سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه ماذا فعلتم به قال قربناه فضربنا عنقه، فقال سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه: هلا طينتم عليه بيتا ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستبتموه لعله يتوب ويرجع الى الله اللهم انى لم أحضر ولم آمر ولم أرض اذ بلغنى، وهكذا روى عن سيدنا على كرم الله تعالى وجهه انه قال: يستتاب المرتد ثلاثا وتلى هذه الآية:
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا» (١). فقد أثبت الله الايمان بعد وجود الردة منه، والايمان بعد وجود الردة لا يحتمل الرد الا انه اذا تاب فى المرة الرابعة يضربه الامام ويخلى سبيله.
وروى عن ابى حنيفة رضى الله تعالى عنه أنه اذا تاب فى المرة الثالثة حبسه الامام ولم يخرجه من السجن حتى يرى عليه أثر الخشوع التوبة والاخلاص.
وأما المرأة فلا يباح دمها اذا ارتدت ولا تقتل عندنا ولكنها تجبر على الاسلام، واجبارها على الاسلام أن تحبس وتخرج فى كل يوم فتستتاب ويعرض عليها الاسلام، فان أسلمت والا حبست ثانيا، وهكذا الى أن تسلم أن تموت، ذكره الكرخى رحمه الله تعالى وزاد عليه تضرب أسواطا فى كل مرة تعزيرا لها على ما فعلت، وذلك لما روى عن رسول الله ﷺ انه قال لا تقتلوا امرأة ولا وليدا. ولأن القتل انما شرع وسيلة الى الاسلام بالدعوة اليه بأعلى الطريقين عند وقوع اليأس عن اجابتها بأدناهما وهو دعوة اللسان بالاستتابة باظهار
стр. 5552
محاسن الاسلام، والنساء اتباع الرجال فى اجابة مذه الدعوة فى العادة فانهم فى العادات الجارية يسلمن باسلام أزواجهن على ما روى أن رجلا أسلم وكانت تحته خمس نسوة فأسلمن معه، واذا كان كذلك فلا يقع شرع القتل فى حقها وسيلة الى الاسلام فلا يفيد، فلهذا لم تقتل الحربية، بخلاف الوجل فان الرجل لا يتبع رأى غيره خصوصا فى أمر الدين بل يتبع رأى نفسه فكان رجاء الاسلام منه ثابتا فكان شرع القتل مفيدا فهو الفرق.
وأما ما روى عن رسول الله ﷺ من قول «من بدل دينه فاقتلوه» فمحمول على الذكور عملا بالدلائل صيانة لها عن التناقض. وكذلك الأمة اذا ارتدت لا تقتل عندنا وتجبر على الاسلام، ولكن يجبرها مولاها ان احتاج الى خدمتها ويحبسها فى بيته لأن ملك المولى فيها بعد الردة قائم، وهى مجبورة على الاسلام شرعا، فكان الرفع الى المولى رعاية للحقين، وكذلك الصبى العاقل لا يقتل وان صحت ردته عند ابى حنيفة ومحمد رضى الله تعالى عنهما لأن قتل البالغ بعد الاستتابة والدعوة الى الاسلام باللسان واظهار حججه وايضاح دلائله لظهور العناد ووقوع اليأس عن فلاحه وهذا لا يتحقق من الصبى فكان الاسلام منه مرجوا والرجوع الى الدين الحق منه مأمولا فلا يقتل ولكن يجبر على الاسلام بالحبس لأن الحبس يكفيه وسيلة الى الاسلام، وعلى هذا صبى أبواه مسلمان حتى حكم باسلامه تبعا لأبويه فبلغ كافرا ولم يسمع منه اقرار باللسان بعد البلوغ لا يقتل لانعدام الردة منه، اذ هى اسم التكذيب بعد سابقة التصديق ولم يوجد منه التصديق بعد البلوغ أصلا لانعدام دليله وهو الاقرار، حتى لو أقر بالاسلام ثم ارتد بقتل لوجود الردة منه بوجود دليلها وهو الاقرار فلم يكن الموجود منه ردة حقيقية فلا يقتل ولكنه يحبس لأنه كان له حكم الاسلام قبل البلوغ ألا ترى انه حكم باسلامه بطريق التبعية والحكم فى اكسابه كالحكم فى اكساب المرتد لانه مرتد حكما (١).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والاكليل أن المسلم اذا ارتد استتيب ثلاثة بلا رجوع ومعاقبة.
فان تاب والا قتل.
قال رسول الله ﷺ : «من غير دينه فاقتلوه».
قال مالك رحمه الله تعالى: وذلك فيمن حرج من الاسلام الى غيره لا من خرج من ملة سواه الى غيرها.
وجاء عن عمر رضى الله تعالى عنه وعن غيره استتابة المرتد ثلاثا لقول الله :
«قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما﴾
стр. 5553
﴿قَدْ سَلَفَ» (١).
وسئل مالك عن قول عمر رضى الله تعالى عنه: «ألا حبستموه ثلاثا واطعمتموه فى كل يوم رغيفا» فقال: لا بأس فى ذلك وليس بالمجمع عليه (٢).
وجاء فى مواهب الجليل أن ظاهر كلام خليل ان تأخير المرتد ثلاثة أيام واجب، هكذا قال فى التوضيح انه ظاهر المذهب.
وقال ابن العربى فى أول كتاب التوسط فى أصول الدين ألا ترى أن المرتد استحب العلماء له الامهال لعله انما ارتد لريب فيتربص به مدة لعله أن يراجع الشك باليقين والجهل بالعلم، ولا يجب ذلك لحصول العلم بالنظر الصحيح أولا.
وقال القاضى عبد الوهاب رحمه الله تعالى فى شرح الرسالة: وعرض التوبة واجب على الظاهر من المذهب الا فله ان قتله قاتل قبل استتابته فبئس ما صنع ولا يكون فيه قود ولا دية (٣).
وفى عيون المجالس للقاضى عبد الوهاب، انه اذا ارتد ثم تاب ثم ارتد ثم تاب لم بعزر فى المرة الاولى.
ويجوز أن يعزر فى المرة الثانية والثالثة والرابعة اذا رجع الى الاسلام، ولست أعرفه منصوصا ولكن يجوز عندى، والفرق بين الأولى وغيرها انه فى الأولى يجوز أن يكون حصلت له شبهة فارتد ثم رجع بسبب زوالها فاذا عاود الردة بعد زوال الشبهة ثم تاب ضربه لأنه لم يبق له شبهة ولا يزاد على التعزير ولا يحبس ولا يقتل (٤).
وجاء فى التاج والاكليل نقلا عن ابن عرفه رحمه الله تعالى ان الزنديق - وهو من يظهر الاسلام ويسر الكفر - ان ثبتت زندقته باقراره ففى قبول توبته طريقان الاولى قبولها اتفاقا.
قال ابن الحاجب رحمه الله تعالى:
«لا يقتل الزنديق اذا جاء تائبا على الاصح بخلاف من ظهر عليه قتل لأنه اذا ظهر عليه لم يخرج ما أبداه عن عادته ومذهبه فان التقية عند الخوف عين الزندقة»، قال: ويقتل ولا يستتاب ويكون ميراثه لورثته المسلمين، وكذلك من عبد شمسا أو قمرا أو حجرا أو غير ذلك مستسرا به مظهرا للاسلام عليهم وهم يقرون بالاسلام وهم بمنزلة المنافقين على عهد النبى ﷺ .
وقبل عذر من أسلم وقال اسلمت عن ضيق ان ظهر عذره بقرينته.
стр. 5554
فقد روى ابن القاسم رحمه الله تعالى فى نصرانى أسلم ثم ارتد عن قرب وقال: أسلمت من ضيق ضيق على.
فان علم انه من ضيق حال أو خوف أو شبهه عذر، وقاله ابن القاسم وابن وهب رحمهما الله تعالى اذا كان عن ضيق أو عذاب أو غرم أو خوف.
قال اصبع رحمه الله تعالى اذا صح ذلك وكان زمان يشبه ذلك فى جوره (١).
وان سبه نبيا أو ملكا أو عرض به أو عابه أو لعنه أو قذفه أو استخف بحقه أو غير صفته أو الحق به نقصا وان فى بدنه أو خصلته أو غض من رتبته أو وفور علمه أو زهده أو أضاف اليه مالا يجوز عليه أو نسب - اليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم أو قيل له بحق رسول الله ﷺ فلعن وقال أردت العقرب قتل حدا ولم يستتب.
قال عياض رحمه الله تعالى: من أضاف الى النبى ﷺ الكذبة فيما بلغه أو أخبر به أو سبه، أو استخف به أو بأحد من الأنبياء، أو أزرى عليهم او اذاهم فهو كافر باجماع، وكذلك من يكفر من اعترف بنبوة نبينا محمد ﷺ ولكن قال مات قبل أن يلتحى أو ليس الذى كان بمكة والحجاز أو ليس الذى كان من قريش لأن وصفه بغير صفته المعلومة نفى له وتكذيب به.
قال عياض: وهذا كله فيمن تحقق كونهم من الملائكة والنبييين كجبريل وملك الموت والزبانية ورضوان ومنكر ونكير.
فأما من لم يثبت بالأخبار ولا وقع الاجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء كهاروت وماروت من الملائكة ولقمان وذى القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان الذى قيل انه نبى أهل الرس فليس الحكم فيهم ما ذكرنا اذ لم يثبت لهم تلك الحرمة لكن يؤدب من تنقصهم.
وأما انكار كونهم من الملائكة او النبيين.
فان كان المتكلم من أهل العلم فلا حرج.
وان كان من عوام الناس زجر عن الخوض فى مثل هذا مما ليس تحته عمل (٢).
وقال القرطبى رضى الله تعالى عنه فى شرح مسلم لا خلاف فى وجوب احترام الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وتحريم سبهم.
ولا يختلف فى أن من قال كانوا على كفر وضلال كافر يقتل لأنه انكر معلوما من الشرع فقد كذب الله ورسوله، وكذلك الحكم فيمن كفر احد الخلفاء الأربعة أو ضللهم، وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب أو حكم الزنديق
стр. 5555
فلا يستتاب ويقتل، على كل حال هذا مما يختلف فيه (١).
قال عياض والذمى اذا صرح بسب النبى ﷺ أو عرض به أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذى كفر به فلا خلاف عندنا فى قتله ان لم يسلم لأن الاسلام يجب ما قبله.
وعن ابن يونس رحمه الله تعالى ان من سب رسول الله ﷺ أو عابه ان كان مسلما قتل.
قال ابن القاسم رحمه الله تعالى وان كان نصرانيا قتل صاغرا الا أن يسلم وليس يقال له اسلم ولكن يقتل الا أن يسلم طائعا، وكذلك قال مالك رحمه الله تعالى (٢).
وجاء فى بلغة المسالك أنه لا يعذر الساب لنبى مجمع عليه بجهل لأنه لا يعذر أحد فى الكفر بالجهل.
ولا يعذر له بسكر حرام أو تهور أو غيظ (٣).
فلا يعذر اذا سب حال الغيظ بل يقتل (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج انه تجب استتابة المرتد والمرتدة قبل قتلهما لانهما كانا محترمين بالاسلام فربما عرضت لهما شبهة فيسعى فى ازالتها لأن الغالب ان الردة تكون عن شبهة عرضت وثبتت وجوب الاستتابة عن عمر رضى الله تعالى عنه، وروى الدارقطنى عن جابر رضى الله تعالى عنه ان امرأة يقال لها أم رومان ارتدت فأمر النبى ﷺ أن يعرض عليها الاسلام.
فان تابت والا قتلت ولا يعارض هذا النهى عن قتل النساء الذى استدل به ابو حنيفة رحمه الله تعالى لأن ذلك محمول على الحربيات وهذا على المرتدات.
وفى قول تستحب استتابته كالكافر الأصلى.
فان قيل يدل لذلك أن رسول الله ﷺ لم يستتب العرنيين اجيب بأنهم حاربوا والمرتد اذا حارب لا يستتاب.
والاستتابة على القولين معا فى الحال فى الأظهر.
فان تاب والا قتل لأن قتله المرتب عليها حد فلا يؤخر كسائر الحدود.
ولو سأل المرتد ازالة شبهته نوظر بعد اسلامه لا قبله لأن الشبهة لا تنحصر وهذا ما صححه الغزالى رحمه الله تعالى كما فى نسخ الرافعى المعتمدة وهو الصواب.
ووقع فى أكثر نسخ الروضة تبعا لنسخ
стр. 5556
الرافعى السقيمة أن الاصح عند الغزالى رحمه الله تعالى المناظرة أولا.
والمحكى عن النص عدمها.
وان شكا قبل المناظرة جوعا أطعم ثم نوظر.
وفى قول يمهل فيها على القولين ثلاثة أيام لأثر روى عن عمر رضى الله تعالى عنه فى ذلك وأخذ به الامام مالك رحمه الله تعالى.
وقال الزهرى رحمه الله تعالى يدعى الى الاسلام ثلاثة مرات.
فان أبى قتل، وروى عن على رضى الله تعالى عنه انه يستتاب شهرين.
وقال النخعى والثورى رحمهما الله تعالى:
يستتاب أبدا، وعلى التأخير يحبس مدة الامهال ولا يخلى سبيله.
فان لم يتب الرجل والمرأة عن الردة بل أصرا عليها قتلا وجوبا لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» رواه البخارى (١).
وان كان كل من الرجل والمرأة ارتدا الى دين لا تأويل لأهله كعبدة الأوثان ومنكرى النبوات ومن يقر بالتوحيد وينكر نبوة محمد ﷺ ثم أسلم صح اسلامه اذا أتى بالشهادتين.
قال ابن النقيب رحمه الله تعالى فى مختصر الكفاية: وهما أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وهذا يؤيد من افتى من بعض المتأخرين بأنه لا بد من أن يأتى بلفظ أشهد فى الشهادتين والا لم يصح اسلامه.
وقال الزنكلونى رحمه الله تعالى فى شرح التنبيه وهما لا اله الا الله محمد رسول الله وظاهره ان لفظة أشهد لا تشترط فى الشهادتين وهو يؤيد من افتى بعدم الاشتراط، وهى واقعة حال اختلف المفتون فى الافتاء فى عصرنا فيها والذى يظهر لى أن ما قاله ابن النقيب محمول على الكمال وما قاله الزنكلونى محمول على أقل ما يحصل به الاسلام.
فقد قال رسول الله ﷺ :
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله» رواه البخارى ومسلم، ولا بد من ترتيب الشهادتين بأن يؤمن بالله ثم برسوله.
فان عكس لم يصح كما فى المجموع فى الكلام على ترتيب الوضوء.
وقال الحليمى رحمه الله تعالى: ان الموالاة بينهما لا تشترط فلو تأخر الايمان بالرسالة عن الايمان بالله تعالى مدة طويلة صح، واذا قال كل منهما ذلك ترك ولو كان زنديقا أو تكرر ذلك منه، ولا يشترط مضى مدة الاستبراء لقول الله : «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾. (٢) نعم بعذر من
стр. 5557
تكرر ذلك منه لزيادة تهاونه بالدين فيعزر فى المرة الثانية فما بعدها ولا يعزر فى المرة الأولى.
وحكى ابن يونس رحمه الله تعالى الاجماع عليه.
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى انما يعذر فى الثالثة.
ونقل عن أبى أسحاق المروزى رحمه الله تعالى انه يقتل فى الرابعة.
وقال الامام: وعد هذا من هفواته ولا بصح هذا عن أبى اسحاق وانما هو منسوب لاسحاق بن راهوية رحمه الله تعالى كما قاله القاضى حسين وغيره.
وقيل لا يصح اسلام من ارتد ان ارتد الى كفر خفى كزنادقة وهم من يظهر الاسلام ويخفى الكفر كما قالاه.
وقيل لا يقبل اسلامه ان ارتد الى كفر باطنية (١).
وان كان ارتد الى دين يزعم اهله أن محمدا ﷺ مبعوث الى العرب خاصة أو الى دين من يقول رسالته حق لكنه لم يظهر بعد أو جحد فرضا أو تحريما لم يصح اسلامه الى أن يقر بأن محمدا ﷺ رسول الى جميع الخلق ويرجع الثانى عما أعتقده.
ولا يكفى شهادة الفلسفى وهو النافى لاختيار الله تعالى أن الله علة الأشياء ومبدؤها حتى يشهدوا بالاختراع والأحداث من العدم.
ولا يكفى الطبائع القائل بنسبة الحياة والموت الى الطبيعة لا الى المحيى المميت حتى يقول لا اله الا الله ونحوه من أسماء الله تعالى، التى لا تأويل فيها.
وأما البرهمى وهو موحد ينكر الرسل فان قال مع لا اله الا الله، محمد رسول الله، فهو مؤمن. وان لم يذكر غيره من الرسل لأ ان قال عيسى وموسى وكل نبى قبل محمد ﷺ رسل الله لأن الاقرار برسالة محمد ﷺ اقرار برسالة من قبله لأنه شهد لهم وصدقهم.
والمعطل اذا قال محمد رسول الله قيل يكون مؤمنا لأنه أثبت المرسل والرسول.
والأصح أنه لا بد من أن يأتى بالشهادتين غيره.
ولو أقر يهودى برسالة عيسى لم يجبر على الاسلام كما لو أقر ببعض شرائع الاسلام كالصلوات الخمس وتقبل توبة مكذبة ﷺ وكذا قاذفه على الأصح.
وقال ابو بكر الفارسى رحمه الله تعالى انه يقتل حدا ولا يسقط بالتوبة.
وقال الصيدلانى رحمه الله تعالى يجلد ثمانين جلدة لأن الردة ارتفعت باسلامه وبقى جلده (٢).
стр. 5558
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى ان من ارتد عن الاسلام من الرجال والنساء وكان بالغا عاقلا دعى اليه ثلاثة ايام وضيق عليه.
فان رجع والا قتل لما روى عن رسول الله ﷺ انه قال: «من بدل دينه فاقتلوه» رواه البخارى وأبو داوود.
ولقوله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث الثيب الزانى والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» متفق عليه.
وروى الدارقطنى رحمه الله تعالى ان امرأة يقال لها أم رومان ارتدت عن الاسلام فبلغ أمرها الى النبى ﷺ فأمر أن تستتاب فان تابت والا قتلت» ولأنها شخص مكلف بدل دينه الحق بالباطل فتقتل كالرجل.
واما نهى النبى ﷺ عن قتل المرأة فالمراد به الاصلية فانه قال ذلك حين رأى امرأة مقتولة وكانت كافرة أصلية، ولذلك نهى الذين بعثهم الى ابن ابى الحقيق عن قتل النساء ولم يكن فيهم مرتد (١).
ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا لحديث أم رومان.
ولما روى مالك رضى الله تعالى عنه فى الموطأ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن القارئ عن أبيه رضى الله تعالى عنهم انه قدم على عمر رضى الله تعالى عنه رجل من قبل أبى موسى فقال له عمر هل كان من مغربه خبر؟ (٢) قال: نعم، رجل كفر بعد اسلامه، فقال ما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر فهلا حبستموه ثلاثا فاطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله؟ اللهم انى لم أحضر ولى آمر ولم أرض اذ بلغنى.
ولو لم تجب استتابته لما برئ من فعلهم ولأنه امكن استصلاحه فلم يجر اتلافه قبل استصلاحه كالثوب النجس.
وأما الامر بقتله فالمراد به بعد الاستتابة بدليل ما ذكرنا.
أما ما روى من أن معاذا رضى الله تعالى عنه قدم على أبى موسى رضى الله تعالى عنه فوجد عنده رجلا موثقا فقال: ما هذا؟ قال رجل كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود، قال لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله قال اجلس، قال لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمر به فقتل» فانه قد جاء فيه وكان قد استتيب.
стр. 5559
ويروى «ان أبا موسى استتابه شهرين قبل قدوم معاذ عليه، وفى رواية فدعاه عشرين ليلة أو قريبا من ذلك فجاء معاذ فدعاه وابى فضرب عنقه» رواه أبو داود (١).
ولأن الردة انما تكون لشبهة، ولا تزول الشبهة فى الحال فوجب أن ينتظر مدة يرتئى فيها، وأولى ذلك ثلاثة أيام للأثر فيها، وانها مدة قريبة، وينبغى أن يضيق عليه فى مدة الاستتابة ويحبس لقول عمر رضى الله تعالى عنه هلا حبستموه واطعمتموه كل يوم رغيفا؟ ويكرر دعايته لعله يتعطف قلبه فيراجع دينه (٢).
ومفهوم كلام الخرقى رحمه الله تعالى ان المرتد اذا تاب قبلت توبته ولم يقتل أى كفر كان وسواء كان زنديقا يستسر بالكفر أو لم يكن.
ويروى ذلك عن على وابن مسعود رضى الله تعالى عنهما، وهى احدى الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى واختيار أبى بكر الخلال رحمه الله تعالى وقال انه أولى على مذهب ابى عبد الله رحمه الله تعالى.
والرواية الأخرى عن أحمد رحمه الله تعالى لا تقبل توبة الزنديق ومن تكررت ردته، واخبر ابو بكر انه لا تقبل توبة الزنديق لقول الله :
«إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا» (٣).
والزنديق لا تظهر منه علامة تبين رجوعه وتوبته لانه كان مظهرا للاسلام مسرا للكفر.
فاذا وقف على ذلك فأظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها وهو اظهار الاسلام.
وأما من تكررت ردته فقد قال الله :
«إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً» (٤).
وروى الاثرم باسناده عن ظبيان بن عمارة ان رجلا من بنى سعد مر على مسجد بنى حنيفة فاذا هم يقرءون برجز مسيلمة فرجع الى ابن مسعود فذكر ذلك له فبعث اليهم فأتى بهم فاستتابهم فتابوا فخلى سبيلهم الا رجلا منهم يقال له ابن النواحة قال قد أتيت بك مرة فزعمت أنك قد تبت وأراك قد عدت فقتله.
ووجه الرواية الاولى قول الله :
«قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ» (٥).
وروى أن رجلا سار رسول الله ﷺ ما ساره به حتى جهر رسول الله ﷺ فاذا هو يستأذنه فى قتل رجل من المسلمين، فقال رسول الله ﷺ : أليس يشهد أن لا اله الا الله؟
стр. 5560
قال: بلى ولا شهادة له، قال: «أليس يصلى» قال: بلى ولا صلاة له.
فقال رسول الله ﷺ «أولئك الذين نهانى الله عن قتلهم».
وقد قال الله ﵎:
«إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا» (١).
وروى أن محسن بن حمير كان فى النفر الذين أنزل الله تعالى فيهم:
«وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ» (٢).
فأتى النبى ﷺ وتاب الى الله تعالى فقبل الله توبته، وهو الطائفة التى عنى الله تعالى فى قوله:
«إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ» (٣).
فهو الذى عفى الله عنه وسأل الله تعالى أن يقتل فى سبيله ولا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة ولم يعلم موضعه، ولأن النبى ﷺ كف عن المنافقين بما اظهروا من الشهادة مع اخبار الله تعالى له بباطنهم فى قوله :
«وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ» (٤). وغيرها من الآيات، وحديث ابن مسعود رضى الله تعالى عنه السابق حجة فى قبول توبتهم مع استسرارهم بكفرهم.
وأما قتله ابن النواحة فيحتمل انه قتله لظهور كذبه فى توبته لانه أظهرها وتبين انه ما زال عما كان عليه من كفره.
ويحتمل أنه قتله لقول النبى ﷺ له حين جاء رسولا لمسيلمة: «لولا ان الرسل لا تقتل لقتلتك» فقتله تحقيقا لقول رسول الله ﷺ ، فقد روى انه قتله لذلك (٥).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ان كل من صح عنه انه كان مسلما متبرئا من كل دين حاش دين الاسلام ثم ثبت عنه انه ارتد عن الاسلام وخرج الى دين كتابى أو غير كتابى او الى غير دين قد تقدم دعاؤه الى الاسلام حين أسلم بلا شك أن كان دخيلا فى الاسلام او حين بلغ وعلم شرائع الدين فالواجب اقامة الحد عليه وقتله ان لم يراجع الاسلام.
ولا يلزم الاشتغال عن ذلك وتأخيره باستتابة ودعاء، فليست الاستتابة والدعاء واجبة ولا ممنوعة اذ لا برهان على شئ من ذلك (٦).
стр. 5561
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار ان حد المرتد القتل لقول رسول الله ﷺ :
«لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث» الخبر.
وتقتل المرأة كالرجل لعموم قوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» ولأمره ﷺ بقتل أم رومان حين ارتدت ولم تتب.
وعن على رضى الله تعالى عنه انها لا تقتل لعموم قوله ﷺ : «نهيت عن قتل النساء» لكن تسبى الحرة المرتدة ان لحقت وتسترق والأمة يخيرها سيدها.
ولا يقتل المرتد حتى يستتاب حتما كما خرجه أبو طالب لقول الله .
«ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف».
وفى تخريج المؤيد بالله بل ذلك يكون ندبا لعموم قوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» ولم يذكر الاستتابة.
وقال الحسن البصرى رضى الله تعالى عنه: الاستتابة غير مشروعة بل يقتل فورا.
وقال عطاء بن ابى رباح رضى الله تعالى عنه: ان ولد فى الاسلام لم يستتب.
وان أسلم بعد كفر استتيب.
وقال الناصر ﵇: يستتاب ثلاثة أيام اذ روى ذلك عن على رضى الله تعالى عنه وروى عنه أيضا انه يستتاب شهرا.
قال الزهرى رضى الله تعالى عنه بل ثلاث مرات فى حالة واحدة، ويقبل اسلامه مطلقا كالأصلى.
وفى قبول توبة الزنديق وجهان:
قال الامام يحيى ﵇ أصحهما تقبل توبته لقول رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله» الخبر، وكالمنافقين (١).
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية ان المرتد يقتل ان كان ارتداده عن فطرة الاسلام لقول رسول الله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» ولما جاء فى صحيحة محمد بن مسلم عبد الباقر ﵇: «من رغب عن الاسلام وكفر بما أنزل على محمد ﷺ بعد اسلامه فلا توبة له. وقد وجب قتله، وبانت منه امرأته ويقسم ما تركه على ولده».
وروى عمار عن الصادق ﵇ قال: كل مسلم بين مسلم ارتد عن الاسلام وجحد محمدا نبوته فان دمه مباح لكل من سمع ذلك عنه وامرأته بائنة منه يوم ارتد فلا تقربه ويقسم ماله على ورثته وتعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها وعلى الامام أن يقتله ولا يستتيبه، ولا تقبل توبته ظاهرا لما ذكرناه وللاجماع فيتعين قتله مطلقا وفى قبولها باطنا قول قوى حذرا من تكليف ما لا يطاق لو
стр. 5562
كان مكلفا بالاسلام أو خروجه عن التكليف ما دام حيا كامل العقل وهو باطل بالاجماع.
وحينئذ فلو لم يطلع أحد عليه أو لم يقدر على قتله أو تأخر قتله بوجه فتاب قبلت توبته فيما بينه وبين الله تعالى وصحت عباداته ومعاملاته وطهر بدنه ولا يعود ماله وزوجته اليه بذلك عملا بالاستصحاب لكن يصح له تجديد العقد عليها بعد العدة وفى جوازه فيها وجه كما يجوز للزوج العقد على المعتدة بائنا (١).
ويستتاب المرتد ان كان ارتداده عن كفر اصلى فان تاب والا قتل.
ومدة الاستتابة ثلاثة ايام فى المروى عن الصادق ﵇ بطريق ضعيف، والا قوى تحديدها بما يؤمل معه عوده، ويقتل بعد اليأس منه وان كان من ساعته، ولعل الصبر عليه ثلاثة أيام أولى رجاء لعودته وحملا للخبر على الاستحباب (٢).
وجاء فى الخلاف ان الموضع الذى قلنا يستتاب لم يجده أصحابنا بقدر والاولى ان لا يكون مقدرا لأن التحديد بذلك يحتاج الى دليل وأيضا روى عن على كرم الله وجهه انه تنصر رجل فدعاه وعرض عليه الرجوع الى الاسلام فلم يرجع فقتله ولم يؤخره وظاهر ذلك انه لا تقدير فيه.
وروى عن رسول الله ﷺ انه قال: «من بدل دينه فاقتلوه» فالظاهر انه يقتل من غير استتابة الا ما قام عليه الدليل من الاستتابة (٣).
والمرأة لا تقتل وان كانت ردتها عن فطرة، بل تحبس دائما وتضرب اوقات الصلاة بحسب ما يراه الحاكم وتستعمل فى الحبس فى أسوأ الأعمال وتلبس أخشن الثياب المتخذة للبس عادة وتطعم اجشب الطعام - وهو ما غلظ منه وخشن - ويعتبر فيه عادتها الى أن تتوب أو تموت لصحيحة الحلبى عن أبى عبد الله ﵇ فى المرتدة عن الاسلام.
قال: لا تقتل وتستخدم خدمة شديدة وتمنع عن الطعام والشراب الا ما يمسك نفسها وتلبس أخشن الثياب وتضرب على الصلوات.
وفى خبر آخر: لا المرأة تستتاب فان تابت والا حبست فى السجن وأضر بها ولا فرق فيها بين الفطرية والملية.
ولو تكرر الارتداد والاستتابة من الملى قتل فى الرابعة أو الثالثة على خلاف فى ذلك لأن الكفر بالله تعالى أكبر الكبائر. وقد عرفت أن أصحاب الكبائر يقتلون فى الثالثة ولا نص هنا بالخصوص.
والاحتياط فى الدماء يقتضى قتله فى الرابعة (٤).
стр. 5563
ولو جن بعد ردته عن ملة لم يقتل ما دام مجنونا لأن قتله مشروط بامتناعه عن التوبة ولا حكم لامتناع المجنون.
أما لو جن بعد ردته عن فطر فانه يقتل مطلقا (١).
وجاء فى الخلاف أن الزنديق وهو الذى يظهر الاسلام ويبطن الكفر - اذا تاب وقال تركت الزندقة روى أصحابنا أنه لا تقبل توبته لأنه دين مكتوم لاجماع الفرقة، ولأن قتله بالزندقة واجب بلا خلاف وما أظهره من التوبة لم يدل دليل على انه يسقط هذا القتل عنه، وأيضا فان مذهبه اظهار الاسلام فاذا طالبته بالتوبة فقد طالبته باظهار ما هو مظهر له فكيف يكون اظهار دينه توبة (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن المرتد يقتل ان لم يتب ذكرا كان أو أنثى.
وقيل: يستتاب ثلاثة فان لم يتب قتل.
وقال الشافعى رضى الله تعالى عنه:
يستتاب فى الحال، وقال على رضى الله تعالى عنه يستتاب شهرا.
وقال بعض يستتاب أبدا، فان تاب والا قتل.
والمرأة كالرجل تقتل وجاء به حديث.
وفى رواية عن على كرم الله وجهه انها تسترق (٣).
وجاء فى جوهر النظام ما يفيد أن الارتداد يوجب القتل بلا خلاف بين أهل العدل اذا أبى أن يتوب بعد ثلاثة ثم لا يمهل بعد ذلك لأن التتويب انما يكون فى الثلاثة، والاناث فى الحكم كالرجل فتقتل المرأة اذا ارتدت.
وقيل لا تقتل بل تسجن حتى تعود.
واذا طلب المرتد أن يمهل فى أمره حتى يبحث ويعيد النظر جاز للامام ان شاء أن ينظره، وان شاء قتله. قال صاحب جوهر النظام:
فالارتداد موجب للقتل … بلا خلاف بين أهل العدل
اذا أبى المتاب يقتلنا … بعد ثلاث لا يمهلنا
لأنما التتويب فى الثلاث … وكالرجال فى الحكم فى الاناث
فتقتل المرأة ان ترتدا … وقيل بل تسجن حتى تردى
وان يكن قد طلب الانظارا … فى امره ليسبر الانظار
فللامام أن ينشأ أن ينظره … وان يشأ يقتله ويقبره (٤)
стр. 5564
اعذار البغاة
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أن امام العدل ان علم ان الخوارج يشهرون السلاح ويتأهبون القتال فينبغى له أن يأخذهم ويحبسهم حتى بقلعوا عن ذلك ويحدثوا توبة، لأنه لو تركهم سعوا فى الأرض بالفساد، فيأخذ على أيديهم ولا يبدؤهم الامام بالقتال حتى يبدأوه لأن قتالهم لدفع شرهم لا لشر شركهم لأنهم مسلمون فما لم يتوجه الشر منهم لا يقاتلهم، وان لم يعلم الامام بذلك حتى تعسكروا وتأهبوا للقتال فينبغى له أن يدعوهم الى العدل والرجوع الى رأى الجماعة أولا لرجاء الاجابة وقبول الدعوة كما فى حق أهل الحرب، وكذا روى أن سيدنا عليا رضى الله تعالى عنه لما خرج عليه أهل حروراء ندب اليهم عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهم ليدعوهم الى العدل فدعاهم وناظرهم، فان اجابوا كف عنهم وان أبوا قاتلهم لقول الله .
«فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ» (١).
وكذا قال سيدنا على رضى الله تعالى عنه أهل حروراء بالنهروان بحضرة الصحابة رضى الله تعالى عنهم تصديقا لقول رسول الله ﷺ لسيدنا على انك تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل.
والقتال على التأويل هو القتال مع الخوارج، ولأنهم ساعون فى الأرض بالفساد فيقتلون دفعا للفساد على وجه الأرض.
وان قاتلهم قبل الدعوة فلا بأس فى ذلك لأن الدعوة قد بلغتهم لكونهم فى دار الاسلام ومن المسلمين أيضا (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإكليل نقلا عن ابن عرفة رحمه الله تعالى انه لو قام على امام من أراد ازالة ما بيده فقال مالك رحمه الله تعالى ان كان مثل عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه وجب على الناس الذب عنه واما غيره فلا.
قال ابن بطال رحمه الله تعالى: دعا على رضى الله تعالى عنه بعضهم الى القتال معهم فأبوا أن يجيبوه فعذرهم.
وكذلك يجب على الامام أن لا يعيب من تخلف عنه فى قتال البغاة (٣).
стр. 5565
وذكر عز الدين رحمه الله تعالى ان من الزواجر الزجر عن مفسدة البغى.
فان رجعوا الى الطاعة كففنا عن قتلهم وقتالهم، وهذا زجر عن مفسدة لا اثم فيها.
قال ابو عمر رأى مالك رحمه الله تعالى قتال الخوارج.
وقال ابن يونس رحمه الله تعالى قال مالك: يستتاب أهل الاهواء من القدرية وغيرهم وذلك اذا كان الامام عدلا ولا يصلى عليهم.
قال سحنون رحمه الله تعالى: أدبا لهم، وكتب عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه فى الخوارج ان كان رأى القوم أن يسبحوا فى الأرض من غير فساد على الائمة ولا على أحد من أهل الذمة ولا على قطع سبيل من سبل المسلمين فليذهبوا حيث شاءوا، وان كان انما رأيهم القتال فو الله لو أن أبكارى خرجوا رغمة عن جماعة المسلمين لأرقت دماءهم التمس بذلك وجه الله تعالى (١).
وجاء فى بلغة السالك ان للامام قتال البغاة وقتلهم، وانذروا وجوبا فيدعوهم لطاعته ان لم يطيعوا قاتلهم ما لم يعالجوه بالقتال (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن الامام لا يقاتل البغاة حتى يبعث اليهم امينا فطنا ان كان البعث للمناظرة كما قاله بعض المتأخرين ناصحا لهم.
فاذا وصل اليهم يسألهم ما ينقمون وما يكرهون، اقتداء بعلى رضى الله تعالى عنهما فانه بعث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما الى النهروان فرجع بعضهم وابى بعضهم.
وظاهر عبارة المنهاج أن البعث واجب وهو ظاهر عبارة الشرحين ايضا وبه صرح ابن الصباغ وغيره.
وقال فى المطلب هو ظاهر كلام الشافعى رحمه الله تعالى وصرح به الأصحاب.
وفى تعليق القاضى أبى الطيب رحمه الله تعالى انه مستحب.
فان ذكروا مظلمة هى سبب امتناعهم من الطاعة أو شبهة ازالها لأن المقصود بقتالهم ردهم الى الطاعة ودفع شرهم كدفع السائل دون قتلهم لقول الله :
«فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ» (٣). أى ترجع الى كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
فان اصروا بعد الازالة او لم يذكروا شيئا نصحهم ووعظهم وخوفهم سوء عاقبة البغى وأمرهم بالعودة لطاعته لأن ذلك أقرب الى حصول المقصود.
ثم ان أصروا دعاهم الى المناظرة.
فان لم يجيبوا أو أجابو وغلبوا فى المناظرة
стр. 5566
وأصموا آذنهم بالمد أى أعلمهم بالقتال لأن الله تعالى أمر أولا بالاصلاح ثم بالقتال فلا يجوز تقديم ما أخره الله تعالى.
هذا اذا علم أن فى عسكره قوة وقدرة عليهم.
أما اذا لم يعلم ذلك أخر اعلامهم بالقتال الى أن تمكنه القوة عليهم لأنه الاحتياط فى ذلك كما نقله فى البحر عن النص.
وقتالهم حينئذ واجب لاجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم على ذلك بأحد خمسة امور - كما قاله الماوردى رحمه الله تعالى - أن يتعرضوا لحريم أهل العدل، أو يتعطل جهاد الكفار بهم أو يأخذوا من حقوق بيت المال ما ليس لهم، أو يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم، أو يتظاهروا على خلع الامام الذى قد انعقدت بيعته.
فلو انفردوا عن الجماعة ولم يمنعوا حقا ولا تعدوا الى ما ليس لهم جاز قتالهم لأجل تفريق الجماعة ولا يجب لتظاهرهم بالطاعة.
فان طلبوا الامهال من الامام اجتهد فيه وفى عدمه وفعل ما رآه صوابا منهما.
وان ظهر له أن استمهالهم للتأمل فى ازالة الشبهة أمهلهم ليتضح لهم الحق.
وان ظهر له أنهم يحتالون لاجتماع عساكرهم وانتظار مددهم لم يمهلهم.
وان سألوا ترك القتال ابدا لم يجبهم (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى أن من خرج على من ثبت امامته باغيا وجب قتاله.
ولا يجوز قتالهم حتى يبعث اليهم من يسألهم ويكشف لهم الصواب الا أن يخاف كلبهم فلا يمكن ذلك فى حقهم.
فاما ان أمكن تعريفهم عرفهم ذلك وازال ما يذكرونه من المظالم وازال حججهم فان لجوا قاتلهم حينئذ لأن الله بدأ بالأمر بالاصلاح قبل القتال فقال جل شأنه:
«وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ» (٢).
وروى أن عليا رضى الله تعالى عنه أرسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل، ثم أمر أصحابه أن لا يبدءوهم بالقتال، ثم قال: ان هذا يوم من فلج فيه فلج يوم القيامة، ثم سمعهم يقولون الله أكبر بالثارات عثمان فقال: اللهم اكب قتلة عثمان لوجوههم.
وروى عبد الله بن شداد بن الهادى رضى الله تعالى عنه أن عليا كرم الله وجهه لما اعتزلته الحرورية بعث اليهم عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف، فان أبوا الرجوع وعظهم وخوفهم القتال، وانما كان كذلك لأن المقصود كفهم ودفع شرهم لا قتلهم، فاذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال لما
стр. 5567
فيه من الضرر بالفريقين، فان سألوا الانظار نظر فى حالهم وبحث عن أمرهم، فان بان له أن قصدهم الرجوع الى الطاعة ومعرفة الحق امهلهم، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: اجمع على هذا كل ما احفظ عنه من أهل العلم، فان كان قصدهم الاجتماع على قتاله وانتظار مدد يقوون به أو خديعة الامام أو ليأخذوه على غرة ويفترق عسكره لم ينظرهم وعاجلهم لأنه لا يأمن أن يسير هذا طريقا الى قهر أهل العدل ولا يجوز هذا وان أعطوه عليه مالا لأنه لا يجوز أن يأخذ المال على اقرارهم على ما لا يجوز اقرارهم عليه.
وان بذلوا له رهائن على انظارهم لم يجز أخذها لذلك ولأن الرهائن لا يجوز قتلهم لغدر أهلهم فلا يفيد شيئا.
وان خاف الامام على الفئة العادلة الضعف عنهم أخر قتالهم الى أن تمكنه القوة عليهم لأنه لا يؤمن الاصطلام والاستئصال فيؤخرهم حتى تقوى شوكة أهل العدل ثم يقاتلهم.
وان سألوه أن ينظرهم أبدا ويدعهم وما هم عليه ويكفوا عن المسلمين نظر، فان لم يعلم قوته عليهم وخاف قهرهم له ان قاتلهم تركهم.
وان قوى عليهم لم يجز اقرارهم على ذلك لأنه لا يجوز أن يترك بعض المسلمين طاعة الامام ولا تؤمن قوة شوكتهم بحيث يفضى الى قهر الامام العادل ومن معه، ثم ان امكن دفعهم بدون القتل لم يجز قتلهم لأن المقصود دفعهم لأهلهم ولأن المقصود اذا حصل بدون القتل لم يجز القتل من غير حاجة (١).
فاذا ترك أهل البغى القتال اما بالرجوع الى الطاعة واما بالقاء السلاح واما بالهزيمة الى فئة او الى غير فئة واما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر فانه يحرم قتلهم واتباع مدبرهم لما روى عن على رضى الله تعالى عنه انه قال يوم الجمل لا يذفف على جريح ولا يهتك ستر ولا يفتح باب.
ومن أغلق بابا فهو آمن ولا يتبع مدبر، وقد روى نحو ذلك عن عمار وعن على رضى الله تعالى عنه انه ودى قوما من بيت مال المسلمين قتلوا مدبرين، وعن ابى امامة انه قال شهدت صفين وكانوا لا يجهزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا، وقد ذكر القاضى رحمه الله تعالى فى شرحه عن عبد الله ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: «يا ابن ام عبد ما حكم من بغى على امتى؟ فقلت الله ورسوله أعلم فقال لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل اسيرهم ولا يقسم فيئهم» (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى ان تأويل البغاة يختلف، فأى طائفة تأولت فى بغيتها طمسا لشئ من
стр. 5568
السنة كمن قام برأى الخوارج ليخرج الأمر عن قريش أو ليرد الناس الى القول بابطال الرجم أو تفكير أهل الذنوب أو استقراض المسلمين أو قتل الاطفال والنساء واظهار القول بابطال القدر أو ابطال الرؤية أو الى أن الله تعالى لا يعلم شيئا الا حتى يكون أو الى البراءة عن بعض الصحابة أو ابطال الشفاعة أو الى ابطال العمل بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ودعا الى الرد الى من دون رسول الله ﷺ أو الى المنع من الزكاة أو من اداء حق من مسلم أو حق الله تعالى فهؤلاء لا يعذرون بالتأويل الفاسد لأنها جهالة تامة.
واما من دعا الى تأويل لا يحل به سنة لكن مثل تأويل معاوية فى أن يقتص من قتلة عثمان رضى الله تعالى عنه قبل البيعة لعلى كرم الله وجهه فهذا يعذر لأنه ليس فيه احالة شئ من الدين وانما هو خطأ خاص فى قصة بعينها لا تتعدى، ومن قام لعرض دنيا فقط كما فعل يزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان فى القيام على ابن الزبير، وكما فعل مروان بن محمد فى القيام على يزيد بن الوليد، وكمن قام أيضا على مروان، فهؤلاء لا يعذرون لأنهم لا تأويل لهم أصلا وهو بغى مجرد.
فاذا أريد انسان بظلم فمنع من نفسه لم يكن باغيا سواء اراد ظلمه الامام أو غيره لما روينا من طريق عبد الرزاق باسناده عن أبى قلابة قال ارسل معاوية بن أبى سفيان الى عامل له أن يأخذ الوهط (١).
فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته وقال: انى سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من قتل دون ماله مظلوما فهو شهيد».
قال ابن جريج رضى الله تعالى عنه: لما كان بين عبد الله بن عمرو بن العاص وبين عنبسة بن أبى سفيان ما كان وتيسروا للقتال ركب خالد بن العاص الى عبد الله بن عمرو فوعظه فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص:
أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل على ماله فهو شهيد» فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص بقية الصحابة وبحضرة سائرهم رضى الله تعالى عنهم يريد قتال عنبسة بن أبى سفيان عامل أخيه معاوية أمير المؤمنين اذ أمره بقبض الوهط، ورأى عبد الله بن عمرو أن أخذه منه غير واجب.
وما كان معاوية رحمه الله تعالى ليأخذ ظلما صراحا لكن أراد ذلك بوجه تأوله بلا شك.
- ورأى عبد الله بن عمرو ان ذلك ليس بحق ولبس السلاح للقتال ولا مخالف له فى ذلك من الصحابة رضى الله تعالى عنهم.
وهكذا.
فالخارجة على الامام اذا خرجت سئلوا عن خروجهم فان ذكروا مظلمة ظلموها انصفوا والا دعوا الى الفيئة.
стр. 5569
فان فاءوا فلا شئ عليهم.
وان أبوا قوتلوا (١).
فان تركوا القتال جملة منصرفين الى بيوتهم لم يحل اتباعهم اصلا.
وان كانوا منحازين الى فئة أو لائذين بمعقل يمتنعون فيه أو زائلين عن الغالبين لهم من أهل العدل الى مكان يأمنونهم فيه لمجئ الليل أو لبعد الشقة ثم يعودون الى حالهم فيتبعون، لأن الله افترض علينا قتالهم حتى يفيئوا الى أمر الله تعالى.
فاذا فاءوا حرم علينا قتلهم وقتالهم فهم اذا ادبروا تاركين لبغيهم راجعين الى منازلهم أو متفرقين عما هم عليه فبتركهم البغى صاروا فائين الى أمر الله.
فاذا فاءوا الى أمر الله فقد حرم قتلهم.
واذا حرم قتلهم فلا وجه لاتباعهم ولا شئ لنا عندهم حينئذ.
وأما اذا كان ادبارهم ليتخلصوا من غلبة أهل الحق وهم باقون على بغيهم فقتالهم باق علينا بعد لأنهم لم يفيئوا بعد الى أمر الله تعالى (٢).
وعلى ذلك فاذا كان الباغون متأولين تأويلا يخفى وجهه على كثير من أهل العلم كمن تعلق بآية خصتها أخرى او بحديث قد خصه آخر أو نسخها نص آخر فهؤلاء كما قلنا معذورون، حكمهم حكم الحاكم المجتهد يخطئ فيقتل آخر مجتهدا أو يتلف مالا مجتهدا أو يقضى فى خرج خطأ مجتهدا ولم تقم عليه الحجة فى ذلك ففى الدم دية على بيت المال لا على الباغى ولا على عاقلته.
ويضمن المال كل من أتلفه ونسخ كل ما حكموا به ولا حد عليه فى وط ء فرج جهل تحريمه ما لم يعلم بالتحريم وهكذا أيضا من تأول تأويلا خرق به الإجماع بجهالة ولم تقم عليه الحجة ولا بلغته.
وأما من تأول تأويلا فاسدا لا يعذر فيه لكن خرق الاجماع فى أى شئ وكان ولم يتعلق بقرآن ولا سنة ولا قامت عليه الحجة وفهمها وتأول تأويلا يسوغ وقامت عليه الحجة ولكنه عند، فعلى من قتل هكذا القود فى النفس فما دونها والحد فيما أصاب بوط ء حرام وضمان ما استهلك من مال، وهكذا من قام فى طلب دنيا مجردا بلا تأويل ولا يعذر هذا أصلا لانه عامد لما يدرى انه حرام، وهكذا من قام عصبية ولا فرق، أما قولنا ان من لم تقم عليه الحجة فلا قود عليه ولا حد فلقول الله :
«لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ» (٣).
ومن بلغ فلا حجة الا على من بلغته الحجة، وقد كان رسول الله ﷺ بالمدينة وجعفر بن ابى طالب ومن معه من
стр. 5570
أفاضل الصحابة رضى الله تعالى عنهم بأرض الحبشة بينهم المهامة الفيح والبلاد البعيدة والفرائض تنزل بالمدينة ولا تبلغهم الا بعد عام أو أعوام كثيرة وما لزمتهم ملامة عند الله تعالى ولا عند رسوله ﷺ ولا عند احد من الأمة فصح يقينا أن من جهل حكم شئ من الشريعة فهو غير مؤاخذ به الا فى ضمان ما اتلف من مال فقط لأنه استهلكه بغير حق فعليه متى علم أن يرده الى صاحبه ان أمكن وان لا يصر على ما فعل وهو يعلم.
واما من قامت عليه الحجة وبلغه حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ وفهمه ولم يكن عنده الا العناد والتعلق اما بتقليد مجرد أو برأى مفرد أو بقياس فليس معذورا وعليه القود أو الدية.
وضمان ما أتلف والحد فى الفرج لقول الله :
«فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (١).
وهؤلاء معتدون بلا شك فعليهم مثل ما اعتدوا به (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار انه يجب على الامام تقديم دعاء البغاة الى الطاعة للامام والانخراط فى سلك المسلمين.
ومن قتل أحدا منهم قبل الدعوة وجبت الدية.
وندب فى دعاء البغاة الى الطاعة أن يكرر عليهم ثلاثة أيام.
وتنشر فيها الصحف على أيدى الرجال ويدعوهم الى ما فيها.
قال فى البحر لفعل على رضى الله تعالى عنه فى الحروريين رواه صاحب روضة الحجورى عن على رضى الله تعالى عنه انه قال يا قوم من يأخذ منى هذا المصحف فيدعو القوم الى ما فيه، فوثب غلام من بنى مجاشع فقال أنا آخذه يا امير المؤمنين.
قال الامام شرف الدين: نشر المصحف غير مندوب لأنه لم يكن من فعل النبى ﷺ ولا فعل على رضى الله تعالى عنه وانما فعله معاوية طلبا لخديعة الحق.
واما ما ذكره فى البحر من كونه من فعل على ﵇ فلم يوجد فى شئ من الكتب انه فعله انما كان منه الارسال بالمصحف ونحوه طلبا الى الاجابة لما فيه لا نشره على رؤوس الرماح اذ تلك بدعة فعلها معاوية.
وترتب فى تلك الايام الثلاثة الصفوف كأنه يريد التعبئة للقتال فى تلك الحال فيهيئ الجناحين والقلب لابسين لآمة الحرب كاملة زاحفين عليهم ارهابا لهم (٣).
ويجوز للامام فى البغاة والظلمة وائمة الجور أن يضمنهم ما قبضوه من الحقوق