← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

وأصموا آذنهم بالمد أى أعلمهم بالقتال لأن الله تعالى أمر أولا بالاصلاح ثم بالقتال فلا يجوز تقديم ما أخره الله تعالى. هذا اذا علم أن فى عسكره قوة وقدرة عليهم. أما اذا لم يعلم ذلك أخر اعلامهم بالقتال الى أن تمكنه القوة عليهم لأنه الاحتياط فى ذلك كما نقله فى البحر عن النص. وقتالهم حينئذ واجب لاجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم على ذلك بأحد خمسة امور - كما قاله الماوردى رحمه الله تعالى - أن يتعرضوا لحريم أهل العدل، أو يتعطل جهاد الكفار بهم أو يأخذوا من حقوق بيت المال ما ليس لهم، أو يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم، أو يتظاهروا على خلع الامام الذى قد انعقدت بيعته. فلو انفردوا عن الجماعة ولم يمنعوا حقا ولا تعدوا الى ما ليس لهم جاز قتالهم لأجل تفريق الجماعة ولا يجب لتظاهرهم بالطاعة. فان طلبوا الامهال من الامام اجتهد فيه وفى عدمه وفعل ما رآه صوابا منهما. وان ظهر له أن استمهالهم للتأمل فى ازالة الشبهة أمهلهم ليتضح لهم الحق. وان ظهر له أنهم يحتالون لاجتماع عساكرهم وانتظار مددهم لم يمهلهم. وان سألوا ترك القتال ابدا لم يجبهم (١). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى أن من خرج على من ثبت امامته باغيا وجب قتاله. ولا يجوز قتالهم حتى يبعث اليهم من يسألهم ويكشف لهم الصواب الا أن يخاف كلبهم فلا يمكن ذلك فى حقهم. فاما ان أمكن تعريفهم عرفهم ذلك وازال ما يذكرونه من المظالم وازال حججهم فان لجوا قاتلهم حينئذ لأن الله بدأ بالأمر بالاصلاح قبل القتال فقال جل شأنه: «وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ» (٢). وروى أن عليا رضى الله تعالى عنه أرسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل، ثم أمر أصحابه أن لا يبدءوهم بالقتال، ثم قال: ان هذا يوم من فلج فيه فلج يوم القيامة، ثم سمعهم يقولون الله أكبر بالثارات عثمان فقال: اللهم اكب قتلة عثمان لوجوههم. وروى عبد الله بن شداد بن الهادى رضى الله تعالى عنه أن عليا كرم الله وجهه لما اعتزلته الحرورية بعث اليهم عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف، فان أبوا الرجوع وعظهم وخوفهم القتال، وانما كان كذلك لأن المقصود كفهم ودفع شرهم لا قتلهم، فاذا أمكن بمجرد القول كان أولى من القتال لما

стр. 5567

فيه من الضرر بالفريقين، فان سألوا الانظار نظر فى حالهم وبحث عن أمرهم، فان بان له أن قصدهم الرجوع الى الطاعة ومعرفة الحق امهلهم، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: اجمع على هذا كل ما احفظ عنه من أهل العلم، فان كان قصدهم الاجتماع على قتاله وانتظار مدد يقوون به أو خديعة الامام أو ليأخذوه على غرة ويفترق عسكره لم ينظرهم وعاجلهم لأنه لا يأمن أن يسير هذا طريقا الى قهر أهل العدل ولا يجوز هذا وان أعطوه عليه مالا لأنه لا يجوز أن يأخذ المال على اقرارهم على ما لا يجوز اقرارهم عليه. وان بذلوا له رهائن على انظارهم لم يجز أخذها لذلك ولأن الرهائن لا يجوز قتلهم لغدر أهلهم فلا يفيد شيئا. وان خاف الامام على الفئة العادلة الضعف عنهم أخر قتالهم الى أن تمكنه القوة عليهم لأنه لا يؤمن الاصطلام والاستئصال فيؤخرهم حتى تقوى شوكة أهل العدل ثم يقاتلهم. وان سألوه أن ينظرهم أبدا ويدعهم وما هم عليه ويكفوا عن المسلمين نظر، فان لم يعلم قوته عليهم وخاف قهرهم له ان قاتلهم تركهم. وان قوى عليهم لم يجز اقرارهم على ذلك لأنه لا يجوز أن يترك بعض المسلمين طاعة الامام ولا تؤمن قوة شوكتهم بحيث يفضى الى قهر الامام العادل ومن معه، ثم ان امكن دفعهم بدون القتل لم يجز قتلهم لأن المقصود دفعهم لأهلهم ولأن المقصود اذا حصل بدون القتل لم يجز القتل من غير حاجة (١). فاذا ترك أهل البغى القتال اما بالرجوع الى الطاعة واما بالقاء السلاح واما بالهزيمة الى فئة او الى غير فئة واما بالعجز لجراح أو مرض أو أسر فانه يحرم قتلهم واتباع مدبرهم لما روى عن على رضى الله تعالى عنه انه قال يوم الجمل لا يذفف على جريح ولا يهتك ستر ولا يفتح باب. ومن أغلق بابا فهو آمن ولا يتبع مدبر، وقد روى نحو ذلك عن عمار وعن على رضى الله تعالى عنه انه ودى قوما من بيت مال المسلمين قتلوا مدبرين، وعن ابى امامة انه قال شهدت صفين وكانوا لا يجهزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا، وقد ذكر القاضى رحمه الله تعالى فى شرحه عن عبد الله ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: «يا ابن ام عبد ما حكم من بغى على امتى؟ فقلت الله ورسوله أعلم فقال لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل اسيرهم ولا يقسم فيئهم» (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى ان تأويل البغاة يختلف، فأى طائفة تأولت فى بغيتها طمسا لشئ من

стр. 5568

السنة كمن قام برأى الخوارج ليخرج الأمر عن قريش أو ليرد الناس الى القول بابطال الرجم أو تفكير أهل الذنوب أو استقراض المسلمين أو قتل الاطفال والنساء واظهار القول بابطال القدر أو ابطال الرؤية أو الى أن الله تعالى لا يعلم شيئا الا حتى يكون أو الى البراءة عن بعض الصحابة أو ابطال الشفاعة أو الى ابطال العمل بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ودعا الى الرد الى من دون رسول الله ﷺ أو الى المنع من الزكاة أو من اداء حق من مسلم أو حق الله تعالى فهؤلاء لا يعذرون بالتأويل الفاسد لأنها جهالة تامة. واما من دعا الى تأويل لا يحل به سنة لكن مثل تأويل معاوية فى أن يقتص من قتلة عثمان رضى الله تعالى عنه قبل البيعة لعلى كرم الله وجهه فهذا يعذر لأنه ليس فيه احالة شئ من الدين وانما هو خطأ خاص فى قصة بعينها لا تتعدى، ومن قام لعرض دنيا فقط كما فعل يزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان فى القيام على ابن الزبير، وكما فعل مروان بن محمد فى القيام على يزيد بن الوليد، وكمن قام أيضا على مروان، فهؤلاء لا يعذرون لأنهم لا تأويل لهم أصلا وهو بغى مجرد. فاذا أريد انسان بظلم فمنع من نفسه لم يكن باغيا سواء اراد ظلمه الامام أو غيره لما روينا من طريق عبد الرزاق باسناده عن أبى قلابة قال ارسل معاوية بن أبى سفيان الى عامل له أن يأخذ الوهط (١). فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته وقال: انى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل دون ماله مظلوما فهو شهيد». قال ابن جريج رضى الله تعالى عنه: لما كان بين عبد الله بن عمرو بن العاص وبين عنبسة بن أبى سفيان ما كان وتيسروا للقتال ركب خالد بن العاص الى عبد الله بن عمرو فوعظه فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل على ماله فهو شهيد» فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص بقية الصحابة وبحضرة سائرهم رضى الله تعالى عنهم يريد قتال عنبسة بن أبى سفيان عامل أخيه معاوية أمير المؤمنين اذ أمره بقبض الوهط، ورأى عبد الله بن عمرو أن أخذه منه غير واجب. وما كان معاوية رحمه الله تعالى ليأخذ ظلما صراحا لكن أراد ذلك بوجه تأوله بلا شك. - ورأى عبد الله بن عمرو ان ذلك ليس بحق ولبس السلاح للقتال ولا مخالف له فى ذلك من الصحابة رضى الله تعالى عنهم. وهكذا. فالخارجة على الامام اذا خرجت سئلوا عن خروجهم فان ذكروا مظلمة ظلموها انصفوا والا دعوا الى الفيئة.

стр. 5569

فان فاءوا فلا شئ عليهم. وان أبوا قوتلوا (١). فان تركوا القتال جملة منصرفين الى بيوتهم لم يحل اتباعهم اصلا. وان كانوا منحازين الى فئة أو لائذين بمعقل يمتنعون فيه أو زائلين عن الغالبين لهم من أهل العدل الى مكان يأمنونهم فيه لمجئ الليل أو لبعد الشقة ثم يعودون الى حالهم فيتبعون، لأن الله افترض علينا قتالهم حتى يفيئوا الى أمر الله تعالى. فاذا فاءوا حرم علينا قتلهم وقتالهم فهم اذا ادبروا تاركين لبغيهم راجعين الى منازلهم أو متفرقين عما هم عليه فبتركهم البغى صاروا فائين الى أمر الله. فاذا فاءوا الى أمر الله فقد حرم قتلهم. واذا حرم قتلهم فلا وجه لاتباعهم ولا شئ لنا عندهم حينئذ. وأما اذا كان ادبارهم ليتخلصوا من غلبة أهل الحق وهم باقون على بغيهم فقتالهم باق علينا بعد لأنهم لم يفيئوا بعد الى أمر الله تعالى (٢). وعلى ذلك فاذا كان الباغون متأولين تأويلا يخفى وجهه على كثير من أهل العلم كمن تعلق بآية خصتها أخرى او بحديث قد خصه آخر أو نسخها نص آخر فهؤلاء كما قلنا معذورون، حكمهم حكم الحاكم المجتهد يخطئ فيقتل آخر مجتهدا أو يتلف مالا مجتهدا أو يقضى فى خرج خطأ مجتهدا ولم تقم عليه الحجة فى ذلك ففى الدم دية على بيت المال لا على الباغى ولا على عاقلته. ويضمن المال كل من أتلفه ونسخ كل ما حكموا به ولا حد عليه فى وط ء فرج جهل تحريمه ما لم يعلم بالتحريم وهكذا أيضا من تأول تأويلا خرق به الإجماع بجهالة ولم تقم عليه الحجة ولا بلغته. وأما من تأول تأويلا فاسدا لا يعذر فيه لكن خرق الاجماع فى أى شئ وكان ولم يتعلق بقرآن ولا سنة ولا قامت عليه الحجة وفهمها وتأول تأويلا يسوغ وقامت عليه الحجة ولكنه عند، فعلى من قتل هكذا القود فى النفس فما دونها والحد فيما أصاب بوط ء حرام وضمان ما استهلك من مال، وهكذا من قام فى طلب دنيا مجردا بلا تأويل ولا يعذر هذا أصلا لانه عامد لما يدرى انه حرام، وهكذا من قام عصبية ولا فرق، أما قولنا ان من لم تقم عليه الحجة فلا قود عليه ولا حد فلقول الله : «لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ» (٣). ومن بلغ فلا حجة الا على من بلغته الحجة، وقد كان رسول الله ﷺ بالمدينة وجعفر بن ابى طالب ومن معه من

стр. 5570

أفاضل الصحابة رضى الله تعالى عنهم بأرض الحبشة بينهم المهامة الفيح والبلاد البعيدة والفرائض تنزل بالمدينة ولا تبلغهم الا بعد عام أو أعوام كثيرة وما لزمتهم ملامة عند الله تعالى ولا عند رسوله ﷺ ولا عند احد من الأمة فصح يقينا أن من جهل حكم شئ من الشريعة فهو غير مؤاخذ به الا فى ضمان ما اتلف من مال فقط لأنه استهلكه بغير حق فعليه متى علم أن يرده الى صاحبه ان أمكن وان لا يصر على ما فعل وهو يعلم. واما من قامت عليه الحجة وبلغه حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ وفهمه ولم يكن عنده الا العناد والتعلق اما بتقليد مجرد أو برأى مفرد أو بقياس فليس معذورا وعليه القود أو الدية. وضمان ما أتلف والحد فى الفرج لقول الله : «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (١). وهؤلاء معتدون بلا شك فعليهم مثل ما اعتدوا به (٢). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار انه يجب على الامام تقديم دعاء البغاة الى الطاعة للامام والانخراط فى سلك المسلمين. ومن قتل أحدا منهم قبل الدعوة وجبت الدية. وندب فى دعاء البغاة الى الطاعة أن يكرر عليهم ثلاثة أيام. وتنشر فيها الصحف على أيدى الرجال ويدعوهم الى ما فيها. قال فى البحر لفعل على رضى الله تعالى عنه فى الحروريين رواه صاحب روضة الحجورى عن على رضى الله تعالى عنه انه قال يا قوم من يأخذ منى هذا المصحف فيدعو القوم الى ما فيه، فوثب غلام من بنى مجاشع فقال أنا آخذه يا امير المؤمنين. قال الامام شرف الدين: نشر المصحف غير مندوب لأنه لم يكن من فعل النبى ﷺ ولا فعل على رضى الله تعالى عنه وانما فعله معاوية طلبا لخديعة الحق. واما ما ذكره فى البحر من كونه من فعل على ﵇ فلم يوجد فى شئ من الكتب انه فعله انما كان منه الارسال بالمصحف ونحوه طلبا الى الاجابة لما فيه لا نشره على رؤوس الرماح اذ تلك بدعة فعلها معاوية. وترتب فى تلك الايام الثلاثة الصفوف كأنه يريد التعبئة للقتال فى تلك الحال فيهيئ الجناحين والقلب لابسين لآمة الحرب كاملة زاحفين عليهم ارهابا لهم (٣). ويجوز للامام فى البغاة والظلمة وائمة الجور أن يضمنهم ما قبضوه من الحقوق

стр. 5571

التى أمرها الى الامام من واجبات او خراج او مظالم او نحو ذلك وكذلك يجوز له تضمين أعوانهم حتى يستوفى الحقوق التى عليهم مما أمره اليه سواء كانت عليهم فاخفوها منه بعد المطالبة أو قبضوها من غيرهم (١). وجاء فى البحر الزخار أنه يجب امهال البغاة بعد دعائهم ان طلبوا الامهال للنظر مدة معلومة لا مؤيدة ولا أن فهم منهم الخداع، اذ لا يجوز التقرير على قبيح. ولو بذلوا مالا للامهال لم يجز اذ هو فى مقابلة محظور. قال الامام يحيى ﵇ وتقبل أولادهم رهائن فى فك أسرى أهل العدل وتطلق بعد الوفاء ولا تقتل ان قتل الاسير. ويحرم قتالهم بعد الطاعة وكذا ان القوا السلاح اذ هو امارة الخضوع ولقول رسول الله ﷺ يوم الفتح: «من ألقى سلاحه فهو آمن» وكذا اذا طلبوا الامان ان أمن خدعهم. ولا يقتل مدبرهم ولا جريحهم اتفاقا لقول رسول الله ﷺ : لا يتبع مدبرهم» (٢). قال الامام يحيى ﵇ وليس للامام أن يضمن البغاة التالف اذ لم يضمنهم على رضى الله تعالى عنه ما أتلفوه من ذلك ولا من أعطوه (٣). مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف أن الباغى هو من خرج على امام عادل وقاتله ومنع تسليم الحق اليه وذلك لاجماع الفرقة واخبارهم وايضا لقول رسول الله ﷺ : حربك يا على حربى وسلمك سلمى، وحرب النبى ﷺ كفر فيجب أن يكون حرب على رضى الله تعالى عنه مثل ذلك (٤). واذا قصد رجل رجلا يريد نفسه أو ماله جاز له الدفع عن نفسه أو عن ماله. وان أتى على نفسه أو نفس طالبه يجب عليه أن يدفع من نفسه اذا طلب قتله. ولا يجوز أن يستسلم مع القدرة على الدفع وذلك لقول الله : «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (٥). وأيضا معلوم بأوائل العقول وجوب دفع المضار عن النفس فمن لم يدفعها عنها مع القدرة استحق الذم (٦). واذا أتلف الباغى على العادل نفسا أو

стр. 5572

مالا والحرب قائمة كان عليه الضمان فى المال والقود فى النفس وذلك لقول الله : «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ» (١). ولقوله : «الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى» (٢). وقال : «وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» (٣). وقال رسول الله ﷺ : «ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وانا والله عاقلته فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين ان أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا الدية». وروى عن أبى بكر رضى الله تعالى عنه فى الذين قاتلهم: يدون قتلانا ولا ندى قتلاهم ولم ينكر ذلك أحد فدل على انه اجماع (٤). واذا ولى أهل البغى الى غير فئة او ألقوا السلاح أو قعدوا أو رجعوا الى الطاعة حرم قتالهم بلا خلاف. وان ولوا منهزمين الى فئة لهم جاز أن يتبعوا ويقتلوا وبه قال ابو حنيفة وابو اسحاق المروزى رحمهما الله تعالى. وقال باقى أصحاب الشافعى رحمهم الله تعالى انه لا يجوز قتالهم ولا اتباعهم، ودليلنا قول الله : «فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ﴾ (٥). وهؤلاء ما فاءوا الى أمر الله، ولا ينافى ذلك ما روى ان عليا كرم الله تعالى وجهه يوم الجمل نادى أن لا يتبع مدبرهم لأن أهل الجمل لم يكن لهم فئة يرجعون اليها، وعلى ما قلناه اجماع الفرقة واخبارهم واردة به (٦). واذا امتنع أهل البغى بدارهم وأتوا ما يوجب الحد فمتى ظهرنا عليهم أقيم عليهم وذلك لقول الله ». «الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما﴾ مائة جلدة» (٧). ولقول الله : «وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما» (٨). ولما روى عن رسول الله ﷺ انه قال: «من شرب الخمر فاجلدوه فان عاد فاجلدوه» ولم يفصل. وبذلك قال الشافعى رحمه الله تعالى» (٦).

стр. 5573

مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه يجوز لامام ظهور أو دفاع أو لجماعة ويدفع قاصد ببغى ويحال بينه وبين مراده. وان مات بدفع فدمه هدر. ولا يقاتل الباغى بعد انهزام أو كف بغى ولو بقى فى مكانه لم يهرب ولم يتب، الا أن ثبت فى موضع حجر عليهم حتى يتوبوا لأن الحجر للبغى ولما تابوا لم يقع عليهم الحجر وذلك فى بغاة أهل التوحيد. قال رسول الله ﷺ يا عبد الله يعنى ابن عمر - أتدرى كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة، قال الله ورسوله أعلم. قال لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيئها وذلك فى القتال. وجوز القتال ما خيف شره ولو انهزم أو كف، أو ما خيف شوكته بأن يقاتل اذا استراح أو وجد غرة أو يتدبر كيف يظفر أو ما خيف انه له قوم ينصرونه أو نصره بلا مادة مثل أن يخاف المسلمون عدوا آخر ليس من ذلك العدو ولا معينا له أو يخاف المسلمون خذلانا أو هروبا فيقوى ذلك العدو فيجوز القتال فى تلك الأحوال الى أن يفئ الى أمر الله (١). ولا يقتل قاصد بالبغى سلبا أو سرقا أو فعل محرم كزنا وقبلة ولمس وثبوت لنظر حيث لا يحل له الثبوت أو النظر أو كل ذلك .. لا يقتل بعد كفه عن البغى الذى قصد به بعض ما ذكر أو كله، أو منع نفسه دون بغيه أو دون ما بغى ليأخذه الا ان قاتل ابتداء أو أخذ ذلك وهرب به وقاتل فى هروبه من تبعه لرد ذلك أو أقام فى موضعه يقاتل أخذه أو لم يأخذه (٢). ولزم الباغى ضمان المال والدم إلا أن كان متدينا فلا يلزم عند أصحابنا. قال أصحابنا: ما تلف بين أهل البغى والعدل من نفس أو مال فلا ضمان على كل واحد من الفريقين لأن الصحابة ومن معهم تقاتلوا ولم يطالب أحدهم. وعن الزهرى رحمه الله تعالى وقعت الفتنة العظمى بين الصحابة وهم متوافرون فأجمع رأيهم أن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو هدر. وكل مال تلف بتأويل القرآن فلا ضمان فيه. وكل فرج استبيح بتأويل القرآن فلا حد فيه (٣).

стр. 5574

اعذار الزانى مذهب الحنفية: جاء فى تبيين الحقائق أن الزنا يثبت باقرار الزانى أربع مرات فى أربعه مجالس من مجالس المفر كلما أقر رده القاضى ويدل لذلك حديث ما عز رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ أخر اقامة الحد عليه الى أن تم اقراره أربع مرات فى أربعة مجالس، فلو ظهر دون الأربع لما أخرها لثبوت الوجوب، وقد اختص الزنا بزيادة العدد فى الشهود وكذا فى الاقرار تعظيما لأمره وتحقيقا للستر، ولا بد من اختلاف المجالس لما رويناه ولأن لاتحاد المجلس أثرا فى جمع المتفرقات فعنده يتحقق شبهة الاتحاد فيه وهو قائم بالمقر فيعتبر مجلسه دون مجلس القاضى، ويرده القاضى كلما أقر فيذهب به حتى يغيب عن نظره فى كل مرة فيما يروى عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى لأن رسول الله ﷺ طرد ماعزا حتى توارى بحيطان المدينة. فان قيل انما رده ﷺ قبل أن يتبين له عقله لأنه جاء أشعث أغبر متغير اللون، ولما استبان له عقله رجمه، ألا ترى انه ﷺ قال له: أبك خبل، أبك جنون، فقال لا. فسأل عنه فقالوا ما نعلم فيه الا خيرا، وبعث الى أهله هل تنكرون من عقله شيئا فقالوا لا، فسأله عن احصانه فأخبره انه محصن فرجمه، قلنا: ليس كذلك لأن حاله يدل على كمال عقله اذ هى حالة التوبة والخوف من الله تعالى ولا يدل على جنونه، وقوله ﷺ أبك خبل ابك جنون تلقين منه لما يدرأ به الحد كما قال ﷺ له لعلك قبلتها لعلك باشرتها، والسؤال عنه كان على سبيل الاحتياط والدليل عليه ما قاله أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه له بعد ما أقر ثلاث مرات: انك ان اعترفت الرابعة رجمك فاعترف، وهذا دليل على أن هذا العدد كان معروفا بينهم ظاهرا عندهم، ألا ترى الى قول أبى بريدة كنا نتحدث فى أصحاب رسول الله ﷺ أن ماعزا لو قعد فى بيته بعد المرة الثالثة ولم يقر لم يرجمه، وصح أن الغامدية رجمها ﷺ بعد ما أقرت أربع مرات وقال ابن أبى ليلى لا يعتبر اختلاف المجالس وانما يعتبر العدد فقط كما فى الشهادة، والحجة عليه ما بيناه. وينبغى للامام أن يزجره عن الاقرار ويظهر الكراهية من ذلك ويأمر بابعاده عن مجلسه فى كل مرة لأنه ﷺ فعل ذلك. وقال عمر رضى الله تعالى عنه اطردوا المعترفين يعنى بالزنا فاذا تم اقراره أربع مرات سأله عن الزنا ما هو، وكيف هو؟ وأين هو؟ وأين زنى: وبمن زنى، ومتى زنى ليزول الاحتمال وقيل لا يسأله عن الزمان لأن تقادم العهد يمنع الشهادة دون الاقرار.

стр. 5575

والأصح انه يسأله لاحتمال انه زنى فى صباه وهذا السؤال يكون بعد ما نظر فى حاله وعرف انه صحيح العقل كما فعل ﷺ ، ولا بد من التصريح به فى ذلك. ولا يكتفى بالكناية لأنه ﷺ قال لماعز فهل تدرى ما الزنا قال نعم، وقال له أنكتها ولا تكنى، قال نعم. فاذا بين ذلك وظهر زناه سأله عن الاحصان، فان قال له انه محصن. سأله عن الاحصان ما هو، فان وصفه بشرائطه حكم برجمه، ولا يعتبر اقراره عند غير القاضى ممن لا ولاية له فى اقامة الحدود ولو كان أربع مرات حتى لا تقبل الشهادة عليه بذلك لأنه ان كان منكرا فقد رجع وان كان مقرا لا تعتبر الشهادة مع الاقرار. ولو أقر بالزنا مرتين وشهد عليه أربعة لا يحد عند أبى يوسف رحمه الله تعالى لأن الاقرار موجود حقيقة لكنه غير معتبر شرعا فأورثت الحقيقة شبهة وهو يدرأ بها فصار كما اذا كانت معتبرة شرعا، وقال محمد رحمه الله تعالى: يحد لأن هذا الاقرار ليس بحجة فلا يعتد به فيكون الامتناع عن الباقى دليل الرجوع او هو غير صحيح فيه فيلتحق بالعدم شرعا فبقيت الشهادة وحدها هى الحجة فيقبل. فان رجع عن اقراره قبل الحد أو فى وسطه خلى سبيله لأن الرجوع خبر يحتمل الصدق والكذب كالاقرار الأول فأورث شبهة وهو يدرأ بها وهذا لأن كل واحد من كلاميه يحتملها فلا يمكن العمل بأحدهما لعدم الأولوية فيترك على ما كان بخلاف القصاص وحد القذف لأنه من حقوق العباد وهو يكذبه والحد حق الله تعالى فلا يكذب له والى صحة الرجوع أشار ﷺ بقوله: هلا تركتموه حين أخبر بفرار ماعز. وقال ابن ابى ليلى رحمه الله تعالى: يحد لوجوبه لاقراره فلا يبطل بعد ذلك بانكاره وهذا لأنه احدى الحجتين فصار ثبوته به كثبوته بالشهادة كالقصاص وحد القذف. ويستحب للامام أن يلقنه الرجوع بقوله: لعلك قبلتها أو لمستها أو وطئتها بشبهة أو بنكاح أو بملك يمين لأن النبى ﷺ قال لماعز: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت. قال لا يا رسول الله. قال: أنكتها ولا تكنى؟ قال نعم. فعند ذلك أمر برجمه. رواه البخارى واحمد وأبو داود رضى الله عنهما، وقال ﷺ فى رواية: أنكتها كما يغيب المرود فى المكحلة والرشاء فى البئر؟ قال: نعم. فقال: فهل تدرى ما الزنا؟ قال: نعم: أتيت منها حراما ما يأتى الرجل من امرأته حلالا. الى آخر الحديث (١).

стр. 5576

مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل أن الزنا يثبت باقرار الزانى مرة الا أن يرجع مطلقا سواء رجع الى ما يعذر به أو أكذب نفسه من غير أن يبدى عذرا. فان أنكر الاقرار فان انكاره كتكذيب نفسه على قول ابن القاسم رحمه الله تعالى الذى مشى عليه خليل رضى الله تعالى عنه من انه يقبل رجوعه ولو كان لغير شبهة، قاله فى التوضيح فى باب الزنا وفى باب الشهادات (١). وجاء فى التاج والاكليل نقلا عن ابن عرفة رحمه الله تعالى أن نصوص المدونة وغيرها واضحة بحد المقر بالزنا طوعا ولو مرة واحدة. وجاء فى الموازية انه ان رجع عن اقراره لوجه وسبب لم يختلف أصحاب مالك رحمه الله تعالى فى قبول رجوعه. قال الباجى رحمه الله تعالى: وان رجع لغير شبهة فروى ابن وهب ومطرف انه يقال، وقاله ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم رحمهم الله تعالى. وروى عن مالك: لا يقبل منه. قال أبو عمر رحمه الله تعالى: اختلف قول مالك فى المقر بالزنا أو بشرب الخمر يقام عليه بعض الحد فيرجع تحت الجلد. فقال مرة أن يقيم أكثر: وقال مرة يقال ولا يضرب بعد رجوعه وهو قول ابن القاسم وجماعة العلماء (٢). مذهب الشافعية: جاء فى مغنى المحتاج أن الزنا يثبت باقرار حقيقى ولو مرة لأن رسول الله ﷺ رجم ماعزا والغامدية باقرارهما رواه مسلم خلافا لمن قال ان الاقرار لا بد من أن يكون أربعا لأنه ﷺ انما كرره على ماعز فى خبره ولأنه شك فى عقله، ولهذا قال أبك جنون، ولم يكرره فى خبر الغامدية، ويعتبر كون الاقرار مفصلا كالشهادة فلا يستوفى القاضى الحد بعلمه (٣). ولو أقر بالزنا ثم رجع عنه سقط الحد عنه لأن رسول الله ﷺ عرض لماعز بالرجوع بقوله: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ فلو لم يسقط به الحد لما كان له معنى، ولأنهم لما رجموه. قال: ردونى الى

стр. 5577

رسول الله ﷺ فلم يسمعوا، وذكروا ذلك للنبى ﷺ فقال: هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: هذا أوضح دليل على أنه يقبل رجوعه لكن لو قتل بعد الرجوع لم يقتص من قاتله لاختلاف العلماء فى سقوط الحد بالرجوع ويضمن بالدية كما قال له ابن المقرى رحمه الله تعالى لأن الضمان بها يجامع الشبهة. ويحصل الرجوع بقوله كذبت أو رجعت عما أقررت به أو ما زنيت أو كنت فاخذت أو نحو ذلك وسواء رجع بعد الشروع فى الحد أو قبله. فان رجع فى أثنائه فكمل الامام متعديا بأن كان يعتقد سقوطه بالرجوع فمات بذلك فهل يجب عليه نصف الدية لأنه مات بمضمون وغيره أو توزع الدية على السياط قولان. أقربهما كما قال شيخنا رحمه الله تعالى. الثانى: كما لو ضربه زائدا على حد القذف. ويسن لمن اقر بزنا او شرب مسكرا الرجوع كما يستتر ابتداء كما رجمه فى الروضة (١). ولو قال المقر بالزنا لا تحدونى أو هرب من اقامة الحد فلا يسقط عنه فى الأصح لأنه قد صرح بالاقرار ولم يصرح بالرجوع ولكن يكف عنه فى الحال ولا يتبع. فان رجع فذاك والا حد. وان لم يكف عنه فمات فلا ضمان لأنه ﷺ لم يوجب عليهم فى قصة ماعز شيئا والثانى يسقط لاشعاره بالرجوع (٢). ولو شهد أربعة من الرجال بزناها وأربع نسوة أو رجلان كما قال البلقينى رحمه الله تعالى أو رجل وامرأتان كما قاله غيره انها عذراء لم تحد هى لشبهة بقاء العذرة. والحد يدرأ بالشبهات لأن الظاهر من حالها انها لم توطا ولم يحد قاذفها لقيام البينة بزناها واحتمال عود بكارتها لترك المبالغة فى الافتضاض (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى أن الزنا ان ثبت باقرار اعتبر اقراره أربع مرات، وبهذا قال الحكم وابن أبى ليلى وأصحاب الرأى رحمهم الله تعالى. وقال الحسن وحماد وأبو ثور وابن المنذر يحد باقراره مرة لقول النبى ﷺ : «واغد يا انيس الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها» واعتراف مرة اعتراف، وقد أوجب عليها الرجم به ورجم الجهينية وانما اعترفت مرة. وقال عمر رضى الله تعالى عنه ان الرجم

стр. 5578

حق واجب على من زنى وقد احصن اذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، ولأنه حق فيثبت باعتراف مرة كسائر الحقوق. ويدل لنا ما روى أبو هريرة رضى الله تعالى عنه قال: أتى رجل من الأسلميين رسول الله ﷺ وهو فى المسجد فقال يا رسول الله انى زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه فقال يا رسول الله انى زنيت فأعرض عنه حتى ثنى ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ﷺ فقال: ابك جنون؟ قال: لا، قال: فهل احصنت؟ قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «ارجموه» متفق عليه. ولو وجب الحد بمرة لم يعرض عنه رسول الله ﷺ لأنه لا يجوز ترك حد وجب لله تعالى، وروى نعيم بن هزال حديثه، وفيه حتى قالها أربع مرات، فقال رسول الله ﷺ : «انك قد قلتها أربع مرات، فبمن؟، قال بفلانة». رواه أبو داود رحمه الله تعالى، وهذا تعليل منه يدل على أن اقرار الأربع هى الموجبة. وروى أبو برزة الاسلمى ان أبا بكر الصديق رضى الله تعالى عنه قال له عند النبى ﷺ : ان اقررت اربعا رجمك رسول الله ﷺ وهذا يدل من وجهين: أحدهما: أن النبى ﷺ أقره على هذا ولم ينكره، فكان بمنزلة قوله لأنه لا يقر على الخطأ. الثانى: انه قد علم هذا من حكم النبى ﷺ ولولا ذلك ما تجاسر على قوله بين يديه. فأما حديث أنيس وغيره فان الاعتراف لفظ المصدر يقع على القليل والكثير وحديثنا يفسره ويبين ان الاعتراف الذى يثبت كان أربعا. وسواء كان ذلك فى مجلس واحد أو مجالس متفرقة. قال الاثرم: سمعت ابا عبد الله يسأل عن الزانى يردد اربع مرات، قال: نعم على حديث ماعز هو أحوط، قلت له فى مجلس واحد أو فى مجالس شتى قال: أما الأحاديث فليست تدل الا على مجلس واحد الا ذاك الشيخ بشير بن مهاجر عن عبد الله ابن بريدة عن أبيه، وذاك عندى منكر الحديث، ويدل لقولنا ان الحديث الصحيح انما يدل على أنه أقر أربعا فى مجلس واحد، وقد ذكرنا الحديث ولأنه احدى حجتى الزنا فاكتفى به فى مجلس واحد كالبينة. ويعتبر فى صحة الاقرار يذكر حقيقة الفعل لنزول الشبهة لأن الزنا يعبر عما ليس بموجب للحد، وقد روى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبى ﷺ قال لماعز: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت» قال: لا. قال: «أفنكتها» لا تكنى؟، قال: نعم. فعند ذلك أمر برجمه. رواه البخارى. وفى رواية عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه قال: «افنكتها» قال: نعم. قال: «حتى غاب ذاك منك فى ذاك منها». قال: نعم. قال: كما يغيب المرود فى المكحلة

стр. 5579

والرشاء فى البئر؟ قال: نعم قال: فهل تدرى ما الزنا؟ قال: نعم. أتيت منها حراما ما يأتى الرجل من امرأته حلالا. وذكر الحديث رواه أبو داود (١). هذا ومن شرط اقامة الحد بالاقرار البقاء على الاقرار الى تمام الحد. فان رجع عن اقراره أو هرب كف عنه. وبهذا قال عطاء ويحيى بن يعمر والزهرى وحماد والثورى واسحاق رضى الله تعالى عنهم. وقال الحسن وسعيد بن جبير وابن أبى ليلى رضى الله تعالى عنهم: يقام عليه الحد ولا يترك لأن ماعزا هرب فقتلوه ولم يتركوه، وروى انه قال: «ردونى إلى رسول الله ﷺ فان قومى هم غرونى من نفسى وأخبرونى أن رسول الله ﷺ غير قاتلى فلم ينزعوا عنه حتى قتلوه» -. أخرجه أبو داود ولو قبل رجوعه للزمتهم ديته ولأنه حق وجب باقراره فلم يقبل رجوعه كسائر الحقوق. وحكى عن الاوزاعى رحمه الله تعالى انه ان رجع حد للفرية على نفسه ويدل لنا أن ماعزا هرب فذكر للنبى ﷺ فقال: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه». قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: ثبت من حديث أبى هريرة وجابر ونعيم بن هزال ونصر بن داهر وغيرهم «أن ماعزا لما هرب فقال لهم ردونى إلى رسول الله ﷺ فقال هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» ففى هذا أوضح الدلائل على أنه يقبل رجوعه، وعن بريده رضى الله تعالى عنه قال: «كنا أصحاب رسول الله ﷺ تتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما أو قال لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما وانما رجمهما عند الرابعة» رواه أبو داود رحمه الله تعالى، ولأن رجوعه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات، ولأن الاقرار احدى بينتى الحد فيسقط بالرجوع عنه كالبينة اذا رجعت قبل اقامة الحد. وفارق سائر الحقوق فانها لا تدرأ بالشبهات. وانما لم يجب ضمان ماعز على الذين قتلوه بعد هربه لأنه ليس بصريح فى الرجوع. اذا ثبت هذا فانه اذا هرب لم يتبع لقول النبى ﷺ : «هلا تركتموه؟». وان لم يترك وقتل لم يضمن لأن النبى ﷺ لم يضمن ماعزا من قتله ولأن هربه ليس بصريح فى رجوعه. وان قال ردونى الى الحاكم وجب رده ولم يجز اتمام الحد. فان أتم فلا ضمان على من أتمه لما ذكرنا فى هربه.

стр. 5580

وان رجع عن اقراره وقال: كذبت فى اقرارى أو رجعت عنه أو لم افعل ما أقررت به وجب تركه. فان قتله قاتل بعد ذلك وجب ضمانه لأنه قد زال اقراره بالرجوع عنه فصار كمن لم يقر ولا قصاص على قاتله لأن أهل العلم اختلفوا فى صحة رجوعه فكان اختلافهم شبهة دارئة للقصاص، ولأن صحة الاقرار مما يخفى فيكون ذلك عذرا مانعا من وجوب القصاص (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى انه اذا صح الاعتراف بالزنا مرة أو ألف مرة فهو كله سواء فى ايجاب الحد ولا بد، وليس الترديد أربع مرات شرطا فى اقامة الحد وذلك لما رواه عبد الله بن بريدة عن أبيه رضى الله تعالى عنهما أن ماعز ابن مالك الأسلمى أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله انى قد ظلمت نفسى وزنيت وأنى أريد أن تطهرنى فرده، فلما كان من الغد أتاه فقال: يا رسول الله انى قد زنيت فرده الثانية، فأرسل رسول الله ﷺ الى قومه فقال: أتعلمون بعقله بأسا أتنكرون منه شيئا؟ فقالوا ما نعلم الا أنه وفى العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة فأرسل اليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه انه لا بأس به ولا بعلقه، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم امر به فرجم، فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله انى قد زنيت فطهرنى، وانه ﷺ ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله أتردنى لعلك تريد أن تردنى كما رددت ماعزا، فو الله انى لحبلى، قال لها: لا، أما الآن فاذهبى حتى تلدى، فلما ولدت أتته بالصبى فى خرقة قالت: هذا قد ولدته قال: فاذهبى فارضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتت بالصبى فى يده كسرة خبر قالت: هذا يا رسول الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبى الى رجل من المسلمين ثم امر بها فحفر لها الى صدرها وأمر الناس فرجموها، فهذا هو البيان الجلى من رسول الله ﷺ لأى شئ رد ماعزا، لأن الغامدية قررته ﷺ على أنه رد ماعزا وانه لا يحتاج الى ترديدها لأن الزنا الذى افرت به صحيح ثابت وقد ظهرت علامته وهى حبلها - فصدقها رسول الله ﷺ بذلك وأمسك عن ترديدها. ولو كان ترديده ﷺ ماعزا من أجل أن الاقرار لا يصح بالزنا حتى يتم أربع مرات لأنكر عليها هذا الكلام ولقال لها: لا شك انما أردك كما رددت ماعزا لأن الاقرار لا يتم الا بأربع مرات وهو ﷺ لا يقر على الخطأ ولا على باطل، فصح يقينا انها صادقة فانها لا تحتاج من الترديد الى ما احتاج اليه ماعز ولذلك لم يردها ﷺ . وصح أن ترديده ﷺ ماعزا انما كان لوجهين: أحدهما: ما نص ﷺ من تهمته لعقله فسأل ﷺ قومه المرة بعد المرة هل به جنون.

стр. 5581

والوجه الآخر أن رسول الله ﷺ اتهمه أنه لا يدرى ما الزنا فردده لذلك وقرره كما روى عكرمة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهم، ان الاسلمى أتى رسول الله ﷺ فاعترف بالزنا فقال لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت فقد صح يقينا ان ترديد النبى ﷺ لماعز لم يكون مراعاة لتمام الاقرار أربع مرات أصلا وانما كان لتهمته اياه فى عقله وفى جهله ما هو الزنا (١). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار ان الاقرار بالزنا كالشهادة اجماعا، قالت العترة: وتكراره أربعا شرط، لفعله ﷺ فى الرجل الأسلمى. وقال البتى رحمه الله تعالى بل يكفى مرة لقول رسول الله ﷺ لأنيس: «فان اعترفت فارجمها» ولم يذكر التكرار، ويدل لنا قول رسول الله ﷺ لماعز: «الآن تم الاقرار أربعا فارجموه» ونحوه فيحمل عليه المطلق (٢). وجاء فى شرح الأزهار انه متى ثبت الزنا باقرار الزانى فلا بد فيه من اربعة قيود. الأول أن يقر به مفصلا نحو ان يقول زنيت بفلانة مفسرا له بالايلاج فى فرج من يحرم عليه وطؤها. قال فى الكافى وان أقر بالزنا بامرأة لا يعرفها هو ولا الحاكم فانه يحد ما اذا شهد عليه شهود انه زنى بامرأة لا يعرفونها فانه لا يحد لجواز انها زوجة له. القيد الثانى: أن يقر أربع مرات وسواء كان حرا أم عبدا. القيد الثالث: أن تكون هذه الأربع مفرقة فى أربعة من مجالس المقر. القيد الرابع: أن تكون هذه الأربع كلها عند من اليه الحد وصورة ذلك أن يغيب عن القاضى بحيث لا يراه ثم يأتى ويقر وسواء كان مجلس الحاكم واحدا أم أكثر، وسواء كان المقر فى مجلس واحد أم أكثر، وحكى فى الزوائد عن المؤيد بالله ﵇ انه يصح أن تكون الأربع فى مجلس واحد، فمتى كملت هذه القيود لزم الحد وان اختل أحدها لم يلزم (٣). قال فى البحر الزخار: وعلى الامام استفسار كل المسقطات لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما انه لما أتى ماعز رسول الله ﷺ قال له: لعلك قبلت

стр. 5582

أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله. قال: انكتها لا تكنى؟ قال: نعم. فعند ذلك أمر برجمه». هذه رواية البخارى وأبى داود رضى الله تعالى عنهما. وفى رواية مسلم: «أن النبى ﷺ قال لماعز بن مالك: أحق ما بلغنى انك وقعت بجارية آل فلان؟ قال نعم، فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم» (١). وجاء فى شرح الأزهار أنه يندب للامام وغيره تلقين ما يسقط الحد نحو أن يقول: لعلك اكرهت لعلك ظننتها زوجتك، لعلك كنت نائما، وذلك لما روى أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ يشهد على نفسه بالزنا فرده اربعا، فلما جاء فى الخامسة قال أتدرى ما الزنا؟ قال نعم أتيتها حراما، حتى غاب ذلك منى فى ذلك منها كما يغيب الميل فى المكحلة والرشاء فى البئر، فأمر ﷺ برجمه (٢). ثم اذا أقر بالزنا أربع مرات ثم رجع عن اقراره فانه يقبل رجوعه ويدرأ عنه الحد برجوعه عن الاقرار رجلا كان ام امرأة. ولو كان رجوعه حال اقامة الحد فيمتنع الاتمام. فان قامت الشهادة بعد رجوعه حد لحصول سببه (٣). وعلى من يقيم للحد استفصال كل المسقطات فيجب عليه أن يسأل عن عدالة الشهود وصحة عقولهم وأبصارهم، ويسأل هل بين الشهود والمشهود عليه عداوة ثم يسأل عن المشهود عليه هل هو حر أم عبد، محصن أم غير محصن، مكره أم غير مكره، يسأل عن الزمان والمكان، وعن عين الفعل وكيفيته. فان قصر الامام فى استفصال شئ مما تقدم نحو أن يشهد الشهود على رجل بالزنا وهو محصن فى الظاهر فرجمه الامام ثم علم انه كان مجبوبا ضمن ان تعمد لتقصيره. وهل يجب عليه القود أو الدية ينظر فيه. وان لم يعتمد التقصير بل كان على وجه الخطأ فبيت المال تلزم فيه الدية. وان كان سئل عن عقله فقامت البينة بذلك كانت الدية على الشهود. وان وجد بعد الرجم مملوكا كانت قيمنه من بيت المال. فان كان الشهود شهدوا بحريته فعلى الشهود ان تعمدوا الا فعلى عواقلهم (٤).

стр. 5583

مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف انه لا يجب الحد بالزنا الا باقرار أربع مرات فى أربعة مجالس فاما الاقرار دفعة واحدة فلا يثبت به على حال وذلك لاجماع الفرقة واخبارهم، وأيضا لأن الأصل براءة الذمة واذا أقر أربع مرات على ما بيناه لزمه الحد بلا خلاف ولا دليل على استحقاق الحد باقراره مرة واحدة. وروى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان ماعزا أقر عند النبى ﷺ مرتين فاعرض ثم أقر مرتين فأمر ﷺ برجمه. وروى ان ابا بكر رضى الله تعالى عنه قال لماعز ان أقررت أربع مرات رجمك رسول الله ﷺ (١). واذا أقر بحد ثم رجع عنه سقط الحد وذلك لاجماع الفرقة. وأيضا فان ماعزا أقر عند النبى ﷺ بالزنا فأعرض عنه مرتين أو ثلاثا ثم قال لعلك لمست لعلك قبلت، فعرض له بالرجوع حين أعرض عند اقراره وصرح له بذلك فى قوله لعلك لمست لعلك قبلت ولولا أن ذلك يقبل منه لم يكن له فائدة (٢). واذا شهد أربع شهود بالزنا فكذبهم أقيم عليه الحد بلا خلاف لعموم الاخبار التى وردت فى وجوب اقامة الحد اذا قامت عليه البينة أربعة ولم يفصلوا (٣). واذا شهد أربعة شهود على رجل بالزنا بامرأة فشهد اثنان انه أكرهها وشهد آخران انها طاوعته. قال الشافعى رحمه الله تعالى لا يجب عليه الحد وهو الأقوى عندى لأن الأصل براءة ذمته وايجاب الحد يحتاج الى دليل، وأيضا لأن الشهادة لم تكمل بفعل واحد وانما شهادة على فعلين لأن الزنا طوعا غير الزنا كرها. وقال ابو حنيفة رحمة الله تعالى عليه الحد وبه قال أبو العباس رحمه الله تعالى (٤). واذا شهد أربعة ثم رجع واحد منهم عن شهادته فلا حد على المشهود عليه بلا خلاف (٥). وجاء فى الروضة البهية انه يستحب للامام أن يعرض للمقر بحد الله تعالى بالكف عن الاقرار والتأويل، لقضية ماعز بن مالك عند النبى ﷺ حين أقر عنده بالزنا فى أربعة مواضع، والنبى ﵌ يردده ويوقف عزمه تعريضا لرجوعه، ويقول له لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت، قال لا.

стр. 5584

قال: أفنكتها لا تكنى، قال: نعم. قال ﷺ : حتى غاب ذلك منك فى ذلك منها؟ قال: نعم. قال: كما يغيب المرود فى المكافحة والرشا فى البئر، قال: نعم. قال: هل تدرى ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتى الرجل من امرأته حلالا فعند ذلك أمر ﷺ برجمه. وكما يستحب تعريضه للانكار يكره لمن علمه منه غير الحاكم حثه على الاقرار لأن هزالا قال لماعز. بادر الى رسول الله ﵌ قبل أن ينزل فيك قرآن فقال له النبى ﷺ لما علم به: ألا سترته بثوبك كان خيرا لك (١). مذهب الإباضية: جاء فى جوهر النظام ما يفيد أن حد الزنا انما يلزم بالاقرار ثلاث مرات من غير انكار يقر فيها انه زنى. والاقرار فى المرة الرابعة توجب حده، وذلك ان كان خاليا من نحو الجنون والعتة. وانما يؤمر بالتمهل فى اقراره مخافة الفساد، وذلك لما روى أن رسول الله ﷺ قال لماعز بن مالك حين أقر بالزنا أفيك شئ من جنون؟ فقال: لا ولكننى أردت تطهير نفسى مما صنعت. فاذا أقر بالزنا ثم رجع عن اقراره قبل أن يشرع فى حده منع الحد وقبل رجوعه واذا ثبت عند الامام ما أتى الزانى جاز له ان يحتال فى دفعه عنه اذا رأى مجالا. قال صاحب جوهر النظام (٢). وانما يلزم بالاقرار … ثلاث مرات بلا انكار يقر انه زنى والرابعة … توجب حده بلا مخالفة ان كان قد خلا من الجنون … وعته فى عقله المصون وانما يؤمر بالتمهل … به مخافة الفساد المخبل قال النبى اذا أقر ماعز … أفيك شئ من جنون غامز فقال لا لكننى أردت … تطهير ما كنت له صنعت وان يكن أقر ثم رجعا … قبل الشروع حده قد منعا ومن أتى فليسترن ما أتى … وان يكن عند الامام ثبتا فجائز له بأن يحتالا … بدفعه اذا رأى مجالا

стр. 5585

اعذار الكفار عند مجاهدتهم مذهب الحنفية: جاء فى بدائع الصنائع أن الأمر فيما يجب على الغزاء الافتتاح به حالة الوقعة ولقاء العدو لا يخلو من أحد وجهين: اما أن تكون الدعوة قد بلغتهم. واما أن تكون الدعوة لم تبلغهم. فان كانت الدعوة لم تبلغهم فعلى الغزاة أن يفتحوا بالدعوة الى الاسلام باللسان لقول الله ﵎: «اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (١). ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة لأن الايمان وان وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد الفعل فاستحقوا القتل بالامتناع لكن الله ﵎ حرم قتالهم قبل بعث الرسول ﷺ وبلوغ الدعوة اياهم فضلا منه ومنة قطعا لمعذرتهم بالكلية وان كان لا عذر لهم فى الحقيقة لما أقام الله سبحانه تعالى من الدلائل العقلية التى لو تأملوها حق التأمل ونظروا فيها لعرفوا حق الله ﵎ عليهم لكن تفضل عليهم بارسال الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجلعين لئلا يبقى لهم شبهة عذر فيقولون ربنا لولا أرسلت الينا رسولا فنتبع آياتك وان لم يكن لهم أن يقولوا ذلك فى الحقيقة لما بينا، ولأن القتال ما فرض لعينة بل للدعوة الى الاسلام. والدعوة دعوتان. دعوة بالبنان وهى القتال. ودعوة بالبيان وهو اللسان وذلك بالتبليغ. والثانية أهون من الأولى لأن فى القتال مخاطرة الروح والنفس والمال وليس فى دعوة التبليغ شئ من ذلك. فاذا احتمل حصول المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها. هذا اذا كانت الدعوة لم تبلغهم. فان كانت قد بلغتهم جاز لهم أن يفتتحوا القتال من غير تجديد الدعوة لما بينا من أن الحجة لازمة والعذر فى الحقيقة منقطع وشبهة العذر انقطعت بالتبليغ مرة، لكن مع هذا الافضل أن لا يفتتحوا القتال الا بعد تجديد الدعوة لرجاء الاجابة فى الجملة وقد روى أن رسول الله ﷺ لم يكن يقاتل الكفرة حتى يدعوهم الى الاسلام فيما كان دعاهم غير مرة فدل هذا ان الافتتاح بتجديد الدعوة أفضل، ثم اذا دعوهم الى الاسلام فان أسلموا كفوا عن القتال لقول رسول الله ﷺ : «أمرت أن

стр. 5586

أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها». ولقوله ﷺ : «من قال لا اله الا الله فقد عصم منى دمه وماله». فان أبوا الاجابة الى الاسلام دعوهم الى الذمة الا مشركى العرب والمرتدين. فان أجابوا كفوا عنهم لقول رسول الله ﷺ : «فان قبلوا عقد الذمة فاعلمهم ان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين». وان ابوا استعانوا بالله على قتالهم ووثقوا بعهد الله النصر لهم بعد أن بذلوا جهدهم واستفرغوا وسعهم وثبتوا واطاعوا الله ورسوله ﷺ وذكروا الله كثيرا على ما قال ﵎: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ» (١). ولهم أن يقاتلوا وان لم يبدأوا بالدعوة لقول الله : «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» (٢). وسواء كان فى الاشهر الحرم أو فى غيرها لأن حرمة القتال فى الاشهر الحرم صارت منسوخة بآية السيف وغيرها من آيات القتال. ولا بأس بالاغارة والبيات عليهم. ولا بأس بقطع أشجارهم المثمرة وغير المثمرة وافساد زروعهم لقول الله ﵎: «ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ (٣). ولا بأس باحراق حصونهم بالنار واغراقها بالماء وتخريبها وهدمها عليهم ونصب المنجنيق عليها لقول الله : «يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ» (٤). أما مشركو العرب (٥) فلا يدعون الى الذمة ولا يقبل منهم الا الاسلام أو السيف لقول الله : «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» (٦). أمر بقتل المشركين ولم

стр. 5587

يأمر بتخلية سبيلهم الا عند توبتهم، وهى الاسلام. ويجوز عقد الذمة مع أهل الكتاب لقول الله ﵎: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» (١). وسواء كانوا من العرب او من العجم لعموم النص. ويجوز مع المجوس لأنهم ملحقون بأهل الكتاب فى حق الجزية لما روى عن رسول الله ﷺ انه قال فى المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». وكذلك فعل سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه بسواد العراق وضرب الجزية على جماجمهم والخراج على أراضيهم. ثم وجه الفرق بين مشركى العرب وغيرهم من أهل الكتاب ومشركى العجم ان أهل الكتاب انما تركوا بالذمة وقبول الجزية لا رغبة فيما يؤخذ منهم أو طمع فى ذلك بل للدعوة الى الاسلام ليخالطوا المسلمين فيتأملوا فى محاسن الاسلام وشرائعه وينظروا فيها فيروها مؤسسة على ما تحتمله العقول وتقبله، فيدعوهم ذلك الى الاسلام فيرغبون فيه فكان عقد الذمة لرجاء الاسلام وهذا المعنى لا يحصل بعقد الذمة مع مشركى العرب لأنهم أهل تقليد وعادة لا يعرفون سوى العادة وتقليد الآباء، بل يعبدون ما سوى ذلك سخرية وجنونا فلا يشتغلون بالتأمل والنظر فى محاسن الشريعة ليقفوا عليها فيدعوهم الى الاسلام فتعين السيف داعيا لهم الى الاسلام، ولهذا لم يقبل رسول الله ﷺ منهم الجزية ومشركوا العجم ملحقون بأهل الكتاب فى هذا الحكم بالنص الذى روينا. وكذلك الشأن بالنسبة للمرتد فانه لا يقبل من المرتد أيضا الا الاسلام أو السيف لقول الله ﵎: «تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ» (٢). قيل ان الآية نزلت فى أهل الردة من بنى حنيفة ولأن العقد فى حق المرتد لا يقع وسيلة الى الاسلام لأن الظاهر أنه لا ينتقل عن دين الاسلام بعد ما عرف محاسنه وشرائعه المحمودة فى العقول الا لسوء اختياره وشؤم طبعه فيقع اليأس عن فلاحه فلا يكون عقد الذمة وقبول الجزية فى حقه وسيلة الى الاسلام (٣). مذهب المالكية: جاء فى التاج والإكليل نقلا عن الرسالة انه أحب الينا أن لا يقاتل العدو حتى يدعوا الى دين الله. فاما أن يسلموا. أو يؤدوا الجزية. والا قوتلوا.

стр. 5588

وقد قال مالك رحمه الله تعالى: لا يقاتل المشركون حتى يدعوا. قال اصبغ رحمة الله تعالى وبهذا كتب عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه: لأنا انما نقاتلهم على الدين وانه يخيل اليهم والى كثير منا أن ما نقاتلهم على الغلبة، فلا يقاتلون حتى يتبينوا. قيل لأصبغ رحمه الله تعالى: أرأيت من دعى الى الاسلام والجزية فأبوا فقوتلوا مرارا يدعور كلما عزوناهم قال: أما الجيوش الغالبة الظاهرة فلا يقاتلوا قوما ولا حصنا حتى يدعوهم لأنهم لم يخرجوا لطلب غرة ولا لانتهاز فرصة، وانما خرجوا ظاهرين قاهرين. وأما السرايا وشبهها التى تطلب الغرة وتنتهز الفرصة فلا دعوة عليهم لأن دعوتهم انذار وتجليب عليهم مع ما فى الدعوة من الاختلاف وقد قال جل الناس: الدعوة بلغت جميع الامم. قال ابن حبيب قال مالك رحمه الله تعالى: اذا وجبت الدعوة فاما يدعوا الى الاسلام جملة من غير ذكر الشرائع الا أن يسألوا عنها فلتبين لهم وكذلك يدعون الى الجزية مجملا بلا توقيت ولا تحديد الا أن يسألوا عن ذلك فيبين لهم. قال ابو عمر رحمه الله تعالى ولا يجوز تبييت من لم تبلغه دعوة. قال سحنون رحمه الله تعالى: واذا بذلوا الجزية يعطونها عاما بعد عام على أن يقيموا بموضع كانوا بموضع يناله سلطان الاسلام وحكمه قبلت منهم، وان كانوا فى بعد من سلطاننا فلا نقبل منهم الجزية ألا أن ينتقلوا الى حيث سلطاننا (١). مذهب الشافعية: جاء فى المهذب انه ان كان العدو ممن لم تبلغهم الدعوة لم يجز قتالهم حتى يدعوهم الى الاسلام لأنه لا يلزمهم الاسلام قبل العلم به، والدليل على ذلك قول الله : «وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً» (٢). ولا يجوز قتالهم على ما لا يلزمهم. وان بلغتهم الدعوة فالأحب أن يعرض عليهم الاسلام لما روى سهل بن سعد رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لعلى كرم الله تعالى وجهه يوم خيبر: اذا نزلت بساحتهم فادعهم الى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم فو الله لأن يهدى الله بهداك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم. وان قاتلهم من غير أن يعرض عليهم الاسلام جاز لما روى نافع رضى الله تعالى عنه قال: أغار رسول الله ﷺ على

стр. 5589

بنى المصطلق وهم غارون، وروى: وهم غافلون. فان كانوا ممن لا يجوز اقرارهم على الكفر بالجزية قاتلهم الى أن يسلموا لقول رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم الا بحقها. وان كانوا ممن يجوز اقرارهم على الكفر بالجزية قاتلهم الى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية، والدليل عليه قول الله : «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾. ﴿حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (١). وروى بريدة رضى الله تعالى عنه قال كان رسول الله ﷺ اذا بعث اميرا على جيش أو سرية قال اذا أنت لقيت عدوا من المشركين فادعهم الى احدى ثلاث خصال. فأيتهن ما أجابوك اليها فاقبل منهم وكف عنهم. ادعهم الى الدخول فى الاسلام. فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم الى التحول من دارهم الى دار الهجرة. فان فعلوا فاخبرهم أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. فان دخلوا فى الاسلام وأبوا أن يتحولوا الى دار الهجرة فاخبرهم انهم كاعراب المؤمنين الذين يجرى عليهم حكم الله تعالى ولا يكون لهم فى الفئ والغنيمة شئ حتى يجاهدوا مع المؤمنين. فان فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم. وان أبوا فادعهم الى اعطاء الجزية. فان فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم. وان أبوا فاستعن بالله عليهم ثم قابلهم (٢). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى أن الكفار قسمان: أهل الكتاب والمجوس. وعبدة الأوثان. أما أهل الكتاب والمجوس فلا يدعون قبل القتال لأن الدعوة قد أنتشرت وعمت فلم يبق منهم من لم تبلغه الدعوة الا نادر بعيد. وأما عبدة الأوثان فمن بلغته الدعوة منهم لا يدعى، ومن لم تبلغه الدعوة دعوا قبل القتال.

стр. 5590

قال الامام احمد رحمه الله تعالى ان الدعوة قد بلغت وانتشرت ولكن ان جاز أن يكون قوم خلف الروم وخلف الترك على هذه الصفة لم يجز قتالهم قبل الدعوة وذلك لما روى بريدة رضى الله تعالى عنه قال: كان النبى ﷺ اذا بعث اميرا على سرية أو جيش أمره بتقوى الله فى خاصته وبمن معه من المسلمين، وقال اذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم الى احدى ثلاث خصال. فأيتهن أجابوك اليها فاقبل منهم وكف عنهم. ادعهم الى الاسلام. فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فان هم أبوا فادعهم الى اعطاء الجزية. فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فان أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم. رواه أبو داود ومسلم. وهذا يحتمل انه كان فى بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وطهور الاسلام فاما اليوم فقد انتشرت الدعوة فاستغنى بذلك عن الدعاء عند القتال. قال احمد رحمه الله تعالى: كان النبى ﷺ يدعوا الى الاسلام قبل أن يحارب حتى أظهر الله الدين وعلا الاسلام ولا أعرف اليوم أحدا يدعى قد بلغت الدعوة كل أحد، فالروم قد بلغتهم الدعوة وعلموا ما يراد منهم، وانما كانت الدعوة فى اول الاسلام، وان دعا فلا بأس، وقد روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: «أن النبى ﷺ أغار على بنى المصطلق وهم غارون آمنون وابلهم تسقى على الماء فقتل المقاتلة وسبى الذرية» متفق عليه، وعن مصعب بن جثامه رضى الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن ديار المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال «هم منهم» متفق عليه. وقال سلمة بن الاكوع رضى الله تعالى عنه «أمر رسول الله ﷺ أبا بكر رضى الله تعالى عنه فغزونا ناسا من المشركين فبيتناهم» رواه أبو داود، ويحتمل أن يحمل الأمر بالدعوة فى حديث بريدة على الاستحباب فانها مستحبة فى كل حال. وقد روى أن النبى ﷺ أمر عليا حين اعطاه الراية يوم خيبر وبعثه الى قتالهم ان يدعوهم وهم ممن بلغتهم الدعوة رواه البخارى، ودعا خالد بن الوليد رضى الله تعالى عنه طليحة الأسدى حين تنبأ فلم يرجع فأظهره الله عليه. ودعا سلمان أهل فارس، فاذا ثبت هذا. فان كان المدعو من أهل الكتاب أو مجوسا دعاهم الى الاسلام. فان أبوا دعاهم الى اعطاء الجزية. فان أبوا قاتلهم. وان كانوا من غيرهم دعاهم الى الاسلام، فان أبوا قاتلهم. ومن قتل منهم قبل اللقاء لم يضمن لأنه

стр. 5591

لا ايمان له ولا امان فلم يضمن كنساء من بلغته الدعوة وصبيانهم (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى انه لا يقبل من كافر الا الاسلام أو السيف، الرجال والنساء فى ذلك سواء، حاشا أهل الكتاب خاصة - وهم اليهود والنصارى والمجوس فقط - فانهم ان أعطوا الجزية أقروا على ذلك مع الصغار لقول الله : «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» (٢). وقال : «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» (٣). فلم يخص الله تعالى عربيا من عجمى فى كلا الحكمين. وصح أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر فصح انهم من أهل الكتاب ولولا ذلك ما خالف رسول الله ﷺ كتاب ربه تعالى (٤). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار أنه اذا عرض الكتابيون الجزية وجب قبولها عجما كانوا أم عربا اجماعا للآية. قال القاسمية: وتقبل الجزية من العجمى غير الكتابى ولو وثنيا. لعموم قول رسول الله ﷺ للسرايا: «ادعوهم الى الاسلام». «فان أبوا فادعوهم الى الجزية». فعم كل مشرك الى ما خصه دليل. ولقول رسول الله ﷺ لقريش: «وأدت لكم العجم الجزية» ولم يفصل. قالت العترة: ولا يقبل من مشركى العرب الا الاسلام أو السيف لقول الله : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾

стр. 5592

﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» (١). والمراد مشركوا العرب اجماعا، اذ كان العهد لهم يومئذ دون العجم، والمجوس ليسوا أهل كتاب لقول الله : «إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا» (٢). ولم يقل طوائف، ولقول رسول الله ﷺ «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ولم يقل هم أهل الكتاب، ولقول على كرم الله تعالى وجهه: «كانوا أهل كتاب فرفع لقضية جرت فيهم» الخبر. واذا رفع فلا كتاب لهم لأن كتابهم الآن منسوب الى رجل يسمى زرادشت. فان أبوا وجب الحرب ان ظن الغلبة (٣). وجاء فى شرح الأزهار أنه يجب على الامام أن يقدم دعاء الكفار الى الاسلام قبل مقاتلتهم بالاجماع. وانما قدم الدعاء هنا مع اباحة دم الكافر مطلقا لأن فى الحرب خطرا كما فى الحدود. فان أجابوا لم يقاتلهم (٤). مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف أن من لم تبلغه الدعوة من الكفار لا يجوز قتله قبل عرض الدعوة عليه فان قتله فلا ضمان عليه، وذلك لاجماع الفرقة واخبارهم، وأيضا لأن الأصل براءة الذمة من الضمان وايجاب الضمان يحتاج الى دليل (٥). واذا أسلم الحربى أحرز ماله ودمه وصغار أولاده وسواء فى ذلك ماله الذى فى دار الحرب أو فى دار الاسلام وذلك لاجماع الفرقة واخبارهم وأيضا لقول رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم. ولم يفصل ﷺ بين ما كان فى دار الحرب وغيره (٦). ولا يجوز أخذ الجزية من عباد الأوثان سواء كانوا من العجم او من العرب لاجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا لقول الله «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» (٧). وقال : «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ» (٨). ولم يستثن.

стр. 5593

وقال الله : «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» (١). فخص أهل الكتاب بالجزية دون غيرهم وأيضا لقول رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله (٢). ويجوز أخذ الجزية من أهل الكتاب من العرب وبه قال جميع الفقهاء وذلك لقول الله : «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ»﴾. ولم يفرق، وايضا بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد رضى الله تعالى عنه الى دومة الجندل فأغار عليها وأخذ اكيدر دومة فأتى به النبى ﷺ فصالحه على الجزية (٣). واذا وجبت الجزية على الذمى بحول الحول ثم مات أو أسلم قال أصحابنا ان أسلم سقطت ولم يذكروا الموت، والذى يقتضيه المذهب انه اذا مات لا تسقط عنه لأن الحق واجب عليه يؤخذ من تركته. أما الدليل على انها تسقط بالاسلام فقول الله : «حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» فشرط فى اعطائها الصغار وهذا لا يمكن مع الاسلام فيجب أن تسقط، بالاسلام وأيضا قول رسول الله ﷺ «الاسلام يجب ما قبله» يفيد سقوطها لأن عمومه يقتضى ذلك، وروى عنه ﷺ أنه قال لا جزية على مسلم وذلك على عمومه فى الاعط ء والوجوب (٤). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل انه يجوز قتال المشركين الى أن يفيئوا الى أمر الله. قال سليمان بن بريدة عن أبيه رضى الله تعالى عنهما كان رسول الله ﷺ اذا أمر أميرا على جيش أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا. ثم قال له اغزوا باسم الله فى سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، واذ القيت عدوك من المشركين فادعهم الى ثلاث خصال فأيتها أجابوك اليها فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم الى الاسلام فان اجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم الى التحول من دارهم الى دار المهاجرين فان أبوا فاخبرهم انهم يكونون كاعراب

стр. 5594

المسلمين ولا يكون لهم فى الغنيمة والفئ شئ الا أن يجاهدوا مع المسلمين، فان هم أبوا فاسئلهم الجزية، فان هم أجابوك فاقبل منهم، فان هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، واذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تفعلن ولكن اجعل لهم ذمتك فانكم ان تخفروا ذمتكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وان أرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل بل على حكمك فانك لا تدرى أتصيب فيهم حكم الله أم لا. وقد روى عن رسول الله ﷺ انه اذا بعث سرية قال بسم الله فى سبيل الله وعلى ملة رسول الله، لا تمثلوا، فكذا يجب على المسلمين ذلك فى قتالهم عدوهم ولا يتعرضوا أحدا بالقتال بلا دعوة ولا يبدأونه به فمن امتنع من حق يجب عليه أو حد يلزمه التسليم له أو ادعى ما ليس له من ولاية أو امامة أو عن طاعة ائمة الحق أو أظهر دعوة الكفر دعى الى الرجوع عن ذلك واعطاء الحق. فان تاب قبل منه. والا صار باغيا حلالا دمه يقاتل حتى يفئ الى الله أمر الله (١). اعذار الناسى والجاهل والمخطئ مذهب الحنفية: جاء فى الأشباه والنظائر: أن النسيان (٢) مسقط للاثم مطلقا سواء وقع النسيان فى ترك مأمور به أو فعل منهى عنه وسواء كان فى حقوق الله تعالى أو فى حقوق العباد للحديث الحسن: «ان الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». قال الأصوليون: انه من باب ترك الحقيقة بدلالة محل الكلام لأن عين الخطأ واخويه غير مرفوع فالمراد حكمها. فان قيل: حيث كان النسيان مسقطا للاثم مطلقا فما معنى الدعاء بعدم المؤاخذة فى قول الله تعالى :

стр. 5595

«ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا» (١)؟ قلت الجواب عن ذلك من وجوه أحسنها أن النسيان منه ما يعذر صاحبه فيه ومنه ما لا يعذر. فمن رأى دما فى ثوبه وأخر ازالته الى أن نسى فصلى وهو على ثوبه عد مقصرا اذ كان يلزمه المبادرة الى ازالته وكذا اذا تغافل عن تعاهد القرآن حتى نسيه فانه يكون ملوما، بخلاف ما لو واظب على القراءة ومع ذلك نسى فانه يكون معذورا، فثبت ان الناسى قد لا يكون معذورا وذلك اذا ترك التحفظ واعرض عن أسباب التذكر، واذ كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء. وحكم النسيان نوعان: أخروى: وهو هنا المأثم. ودنيوى: وهو هنا الفساد، والحكمان مختلفان. اذ الأول مبنى على صحة العزيمة وفسادها. والثانى: مبنى على وجود الأركان والشرائط وعدمها فيوجد أحدهما بدون الآخر كمن صلى رياء مراعيا الشرائط والأركان. ومن صلى متوضئا بماء نجس غير عالم به، ولما اختلف النوعان صار لفظ الحكم مشتركا فلا يعم لأن المشترك عندنا لا عموم له. فاذا ثبت الأخروى اجماعا لم يثبت الآخر كذا فى التنقيح وتمامه فى شرحنا على المنار وأما الحكم الدنيوى فان وقع فى ترك مأمور لم يسقط الحكم - وهو الفساد - لأن النسيان لا ينافى الوجوب ولا وجوب الاداء لأنه لا يخل بالأهلية لكمال العقل وايجاب الحقوق على الناس لا يؤدى الى ايقاعه فى الحرج ليمنع الوجوب به، بل يجب تداركه ويحصل الثواب المترتب عليه بتداركه. وان وقع فى فعل منهى عنه. فان أوجب عقوبته كان شبهة فى اسقاطها كالحدود كما لو شرب الخمر ناسيا ويفهم منه ان ما لا يوجب عقوبة لا يسقط كما لو تكلم فى الصلاة ناسيا. فمن نسى صلاة أو صوما أو حجا أو زكاة أو كفارة أو نذرا وجب عليه قضاؤه بلا خلاف. وكذا لو وقف بغير عرفه غلطا يجب القضاء اتفاقا. وكذا لو صلى بنجاسة مانعة ناسيا أو نسى ركنا من اركان الصلاة أو تيقن الخطأ فى الاجتهاد فى الماء بعد ما توضأ وفى الثوب بعد ما صلى وفى الوقت بعد ما صلى وفى الصوم بعد ما صام. أو نسى نية الصوم وصام بلا نية أو تكلم فى الصلاة ناسيا. ومما يسقط حكمه فى النسيان لو أكل أو شرب ناسيا فى الصوم أو جامع لم يبطل صومه. ولو أكل ناسيا فى الصلاة تبطل. ولو سلم ناسيا فى الصلاة الرباعية على رأس الركعتين لا تبطل، والناسى والعامد فى اليمين سواء وكذا فى الطلاق لو قال زوجتى طالق ناسيا أن له زوجة وكذا فى العتاق وفى محظورات الاحرام. وقد جعل لما ذكره مما

стр. 5596

يسقط حكمه بالنسيان وما لا يسقط أصلا فى التحرير فقال ان كان مع النسيان مذكر ولا داعية له كأكل المصلى لم يسقط لتقصيره بخلاف سلامه فى القعدة الأولى ظانا انها القعدة الاخيرة حيث جعل النسيان عذرا حيث لا تفسد صلاته لأن القعدة محل السّلام وليس للمصلى هيئة تذكر انها القعدة الأولى فيكون مثل النسيان فى الصوم، فان لم يكن مع النسيان مذكر مع داع كأكل الصائم سقط، وان لم يكن معه مذكر ولا داعى له فأولى ان يسقط حكمه كترك الذابح القسمية فانه لا داعى الى تركها وليس ثمة ما يذكر أخطارها بالبال واجراءها على اللسان. ومن مسائل النسيان. ما لو نسى المدين الدين حتى مات فان كان ثمن مبيع او قرضا لم يؤاخذ به وان كان غصبا أوخذ به، كذا فى الخانية. ومنها لو علم الوصى بأن الموصى أوصى بوصايا لكنه نسى مقدارها قال فى وصايا خزانة المفتين: يستأذنهم بأن يعطيهم كيف شاء فاذا اذنوا له جاز له أن يعطيهم كيف شاء. وأما الجهل (١) فأقسامه على ما ذكره الاصوليون كما فى المنار أربعة. جهل باطل لا يصلح عذرا فى الآخرة كجهل الكافر بالله ورسله فانه لا يصلح عذرا أصلا لأنه مكابرة وعناد بعد وضوح الدلائل على وحدانية الله تعالى وربوبيته بحيث لا يخفى على أحد من حدوث العالم المحسوس وكذا على حقية الرسول من القرآن وغيره من المعجزات. وكجهل صاحب الهوى بصفات الله تعالى مثل جهل المجسمة والكرامية فانهم قالوا بحدوث صفات الله تعالى ومثل جهل الفلاسفة بصفات الله تعالى حيث لا يثبتونها ويمتنعون عن اطلاق مثل العالم والقادر والسميع والبصير على البارئ تعالى. وهذا الجهل دون الأول لكون هذا الجاهل متأولا بالقرآن. وكجهل الباغى حتى يضمن مال العدل اذا أتلفه فانه لا يصلح عذرا لأنه مخالف للدليل القاطع الواضح وهو ان امام المسلمين اذا كان عادلا يكون على الحق لا يجوز مخالفته بالاجماع. وكجهل من خالف فى اجتهاده الكتاب أو السنة المشهورة أو الاجماع أو عمل بالغريب على خلاف الكتاب أو السنة المشهورة فانه ليس بعذر أصلا كالفتوى ببيع امهات الأولاد. والثانى: الجهل فى موضع الاجتهاد الصحيح أو فى موضع الشبهة بأن لا يكون مخالفا للكتاب أو السنة أو الاجماع فانه يصلح عذرا كالمحتجم أفطر على ظن أن الحجامة مفطرة لا تلزمه الكفارة لأن جهله فى موضع الاجتهاد الصحيح فان الحجامة تفسد الصوم عند الامام الاوزاعى رحمه الله تعالى لقول

стр. 5597

رسول الله ﷺ «أفطر الحاجم والمحجوم» وهذا اذا كان ظنه مبنيا على فتوى مضت أو سماع حديث أما اذا كان غير مبنى على أحدهما فانه يلزمه القضاء والكفارة بالاتفاق بخلاف المغتاب لو أفطر على ظن ان الغيبة فطرته لقول رسول الله ﷺ «الغيبة تفطر الصائم» لأنه مؤول بالاجماع فلا يكون جهله فى موضع الاجتهاد الصحيح. ومن زنى بجارية والده أو زوجته على ظن أنها تحل له فان الحد لا يجب عليه عندنا خلافا لزفر رحمه الله تعالى لأن الأملاك متصلة بين الآباء والأبناء والزوجين والمنافع دائرة، ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر فيكون محلا للاشتباه فيصير الجهل شبهة فتصلح دائرته للحد ويسمى هذا شبهة الاشتباه فلا يثبت بها النسب وان أدعى ولدها ولا تجب العدة بخلاف ما اذا وطئ الأب جارية ابنه حيث يثبت النسب اذا ادعى ولدها وان قال علمت انها على حرام لأن الشبهة نشأت فيه عن الدليل وهو قول رسول الله ﷺ «أنت ومالك لأبيك» وشبهة الدليل أقوى من شبهة الاشتباه. والثالث: الجهل بالشرائع فى دار الحرب من مسلم أسلم فيها ولم يهاجر، فذلك يكون عذرا حتى لو مكث فيها ولم يعلم ان عليه الصلاة والزكاة وغيرهما ولم يؤدهما لا يلزم عليه قضاؤها خلافا لزفر رحمه الله تعالى لخفاء الدليل فى حقه وهو الخطاب لعدم بلوغه اليه حقيقة بالسماع وتقديرا بالشهرة فيصير جهله بالخطاب عذرا بخلاف الذمى اذا أسلم فى دار الاسلام لشيوع الاحكام والتمكن من السؤال. ويلحق بذلك القسم جهل الشفيع بالبيع حتى يكون عذرا ويثبت له حق الشفعة اذا علم بالبيع لأن الدليل خفى فى حقه أيضا اذ ربما يقع البيع ولا يشتهر. ويلحق به جهل الأمة بالاعتاق وكذا بالخيار اذا اعتقت الأمة المنكوحة يثبت لها خيار العتق ان شاءت أقامت مع الزوج وان شاءت فارقته لحديث بريرة ملكت نفسك فاختارى، فجهلها بالتق أو بالخيار يجعل عذر لأن الدليل خفى فى حقها. أما فى الأول فظاهر. وأما فى الثانى فلأن خدمة المولى شاغله لها عن تعلم احكام الشرع بخلاف خيار البلوغ كمن زوجها الاخ أو العم فانه يبطل بالجهل بالخيار لأن الدليل غير خفى فى حقها لتمكنها من التعلم. ومن هذا القسم جهل البكر بنكاح الولى فان الولى اذا زوج البكر البالغة ولم تعلم بالنكاح ويجعل جهلها عذرا حتى يكون لها الخيار وان سكتت قبله، وكذا جهل الوكيل باطلاق الوكالة وجهل المأذون بالاذن يكون عذرا فانه لا يصير وكيلا ولا مأذونا بدون العلم حتى لا ينفذ تصرفها قبل ذلك على الموكل والمولى، وكذا جهل الوكيل بالعزل والمأذون بالحجر يكون عذرا ايضا لكنه ينفذ تصرفهما لخفاء الدليل. وقالوا لو لم تعلم الامة المنكوحة بأن لها خيار العتق لا يبطل بسكوتها، ولو لم تعلم الصغيرة الحرة خيار البلوغ فى انكاح غير الأب والجد بطل. وقالوا: لو استلم جارية منتقبة أو ثوبا

стр. 5598

ملفوفا فظهر انه يملكه بعد الكشف قيل بعذر اذا ادعاه للجهل فى موضع اخفاء. وقيل: لا. والمعتمد الأول. وقالوا يعذر الوارث والوصى المتولى بالتناقض للجهل. وقالوا اذا باع الوصى أو الاب ثم ادعى انه وقع بغبن فاحش وقال لم أعلم تقبل. ولا يضر التناقض فى الحرية والنسب والطلاق لأن مبناها على الخفاء فيعذر فى التناقض لأن النسب يبتنى على العلوق والطلاق والحرية ينفرد بهما الزوج والمولى. وفى الخلاصة اذا تكلم بكلمة الكفر جاهلا قال بعضهم لا يكفر، وعامتهم على أنه يكفر ولا يعذر. وفى آخر اليتيمة لو ظن لجهله أن ما فعله من المحظورات حلال له فان كان مما يعلم من دين النبى ﷺ ضرورة كفر والا فلا .. وقالوا فى باب خيار الرؤية لو اشترى ما كان رآه ولم يتغير فلا خيار له الا اذا كان لا يعلم انه مرئيه لعدم الرضاء به كذا فى الهداية، وقالوا فى كتاب الغصب ان الجهل بكونه مال الغير يدفع الاثم لا الضمان. وفى اقرار اليتيمة سئل على بن احمد رحمه الله تعالى عن رجل اقر أن عليه لفلان حنطة من سلم عقداه بينهما ثم انه بعد ذلك قال سألت الفقهاء عن العقد فقالوا هو فاسد فلا يجب على شئ والمقر معروف بالجهل هل يؤاخذ باقراره فقال لا يسقط عنه الحق بدعوى الجهل فيجب عليه الوفاء بالمسلم فيه. ولو باع الوكيل قبل العلم بالوكالة لم يجز البيع، ولو باع الوصى قبل العلم بالايصاء جاز لأن الايصاء اثبات خلافة فصح بلا علم كالوراثة بخلاف الوكالة فانها اثبات ولاية فلا يصح تصرف الوكيل مع الجهل ولو باع ملك أبيه ولم يعلم بموته ثم علم جاز وكذا لو باع الجد مال ابنه ولم يعلم بموته نفذ على الصغير، ومقتضى بيع الوارث انه لو زوج امة ابنه ثم بأن ميتا نفذ ولو باعه على أنه ابق فبان راجعا ينبغى أن ينفذ. ولو أجاز الورثة الوصية ولم يعلموا ما أوصى به لم تصح اجازتهم كذا فى وصايا الخانية ولو أمر رجلا ببيع غلامه بمائة دينار فباعه بألف درهم ولم يعلم الموكل بما باعه فقال المأمور بعت الغلام فقال أجزت جاز البيع وكذا فى النكاح وان قال قد اجزت ما امرتك به لم يجز، واذا عفا بعض الورثة عن القاتل عمدا ثم قتله الباقون فان علم أن عفو البعض يسقط القصاص اقتص منه والا فلا لأن هذا مما يشكل على الناس فيعذر بالجهل (١).

стр. 5599

مذهب المالكية: جاء فى تهذيب الفروق: ان الجهل والنسيان وان اشتركا فى أن المتصف بواحد منهما غير عالم بما أقدم عليه الا أنه يفرق بينهما من جهتين. الجهة الأولى: ان النسيان يهجم على العبد فهرا بحيث لا تكون له حيلة فى دفعه عنه بخلاف الجهل فان له حيلة فى دفعه بالتعلم. الجهة الثانية: ان الأمة قد اجمعت على أن النسيان لا اثم فيه من حيث الجملة ودل قول رسول الله ﷺ : «رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» على أن الناسى معفو عنه. وأما الجهل فليس كذلك لأن من القاعدة التى حكى الغزالى رضى الله تعالى عنه فى احياء علوم الدين والشافعى رضى الله تعالى عنه فى رسالته الاجماع عليها من أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيه، ويدل عليها من جهة القرآن قول الله حكاية عن نوح ﵇: «انى أعوذ بك أن أسألك ما ليس لى به علم» (١). اذ معناه ما ليس لى بجواز سؤاله علم وذلك انه ﵇ لما عوتب على سؤال الله لابنه أن يكون معه فى السفينة لكونه سأل قبل العلم بحال الولد وانه مما ينبغى طلبه أم لا واجاب بما ذكر فالعتب والجواب كلاهما يدل على انه لا بد من تقديم العلم بما يريد الانسان ان يشرع فيه، وكذا قول الله : «ولا تقف ما ليس لك به علم» (٢) حيث نهى الله تعالى نبيه ﷺ عن اتباع غير المعلوم فدل على انه لا يجوز الشروع فى شئ حتى يعلم، وكذا قوله ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» يعلم ان طلب العلم واجب عينا فى كل حالة يقدم عليها الانسان، فمن باع يجب أن يتعلم ما عينه الله وشرعه فى البيع. ومن آجر يجب عليه أن يتعلم حكم الله تعالى فى الاجارة. ومن قارض يجب عليه أن يتعلى حكم الله تعالى فى القراض. ومن صلى يجب عليه ان يتعلم حكم الله تعالى فى تلك الصلاة وهكذا الطهارة وجميع الاقوال والاعمال فمن تعلم وعمل بمقتضى ما علم فقد اطاع الله تعالى طاعتين ومن لم يعلم ولم يعمل فقد عصى الله تعالى معصيتين. ومن علم ولم يعمل بمقتضى علمه فقد أطاع الله تعالى طاعة وعصاه معصية ومن هنا قال مالك رحمه الله تعالى: ان الجهل فى الصلاة كالعمد والجاهل كالمتعمد لا كالناسى، بل قال العلامة الامير فى شرحه على نظم بهرام فيما لا يعذر فيها كالجهل: القاعدة أن الجاهل فى العبادات كالعامد وذلك انه بتركه الواجب عليه من العلم بما يقدم عليه من نحو الصلاة كان عاصيا كالمتعمد الترك بعد العلم بما وجب عليه.

стр. 5600

والجهل نوعان: النوع الأول جهل تسامح صاحب الشرع عنه فى الشريعة فعفا عن مرتكبه، وضابطه ان كل ما يتعذر الاحتراز عنه عادة فهو معفو عنه، وله صور. احداها من وطئ امرأة أجنبية بالليل يظنها امرأته أو جاريته عفى عنه لأن الفحص فى ذلك مما يشق على الناس. الصورة الثانية: الجهل بنجاسة الاطعمة والمياه والأشربة يعفى عنه لما فى تكرر الفحص عن ذلك من المشقة والكلفة فالجاهل المستعمل لشئ منها لا اثم عليه بذلك. الصورة الثالثة لا اثم على من شرب خمرا يظنه جلابا فى جهله به لمشقة فحصه عنه. الصورة الرابعة: لا اثم على من قتل مسلما فى صف الكفار يظنه حربيا فى جهله به لتعذر الاحتراز عن ذلك فى تلك الحالة. الصورة الخامسة: لا اثم على الحاكم يقضى بشهود الزور جاهلا بحالهم لتعذر الاحتراز من ذلك عليه. الصورة السادسة اذا كان الشاهد من جهلة العوام فانهم يتسامحون فى مثل ذلك قال ابن عبد السّلام رحمه الله تعالى فينبغى عندى أن يعذروا به. النوع الثانى: جهل لم يتسامح صاحب الشرع عنه فى الشريعة فلم يعف عن مرتكبه، وضابطه ان كل ما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه، وهذا النوع يطرد. فى اصول الدين واصول الفقه وفى بعض أنواع من الفروع. أما أصول الدين فلأن صاحب الشرع لما شدد فى جميع الاعتقادات تشديدا عظيما بحيث أن الانسان لو بذل جهده واستفرغ وسعه فى رفع الجهل عنه فى صفة من صفات الله تعالى أو فى شئ يجب اعتقاده من اصول الديانات ولم يرتفع ذلك الجهل لكان يترك ذلك الاعتقاد آثما كافرا يخلد فى النار على المشهور من المذاهب مع انه قد أوصل الاجتهاد حده وصار الجهل له ضروريا لا يمكنه دفعه عن نفسه حتى صارت هذه الصورة فيما يعتقد انها من باب تكليف ما لا يطاق، وبحيث انه يكلف بأدلة الوحدانية ودقائق أصول الدين نحو المرأة البلهاء المفسودة المزاج الناشئة فى الاقاليم المنحرفة عما يوجب استقامة العقل حتى صار تكليف من لا يفهم القول وبعدت اهليته لهذه الغاية بذلك من باب تكليف ما لا يطاق لما اختصه الشرع بثلاثة احكام عن الفقه. احدهما: ان المصيب واحد. وثانيهما: ان المخطئ فيه آثم. وثالثها: لا يجوز التقليد فيه. وأما اصول الفقه فقال العلماء يلحق باصول الدين، قال ابو الحسن رحمة الله تعالى فى كتاب المعتمد فى أصول الفقه ان اصول الفقه اختص بثلاثة احكام عن الفقه. ان المصيب فيه واحد. والمخطئ فيه آثم ولا يجوز التقليد فيه.

стр. 5601

وأما بعض أنواع الفروع: فأحدها: نوع العبادات لما مر عن الامير من ان القاعدة ان الجاهل فيها كالعامد، وذلك انه قال عند قول بهرام رحمه الله تعالى وذاك كثير فى الوضوء ومثله. بفرض صلاة ثم حج تحصلا. ما نصه: اطلق فى التوضيح الثلاث فلم يقيدها بالفرض والمشهور اطلاق العبادة فتشمل الصوم والعمرة، وقال عند قوله: وواطئ رهين اعتكاف بالشريعة جاهلا: من وطئ فى اعتكافه جهلا فسد اعتكافه ولا يعذر بجهله وظاهره سواء جهل الحرمة أو جهل انه مفسد. ثم قد يقال ان الاعتكاف من العبادات والقاعدة ان الجاهل فيها كالعامد ولا مفهوم للوطئ، بل كل ما يفسد به الاعتكاف كذلك كالخروج جهلا والفطر جهلا الى غير ذلك. وقال: من دفع الزكاة لغير مستحق جهلا لم يعذر، وهذا فى اجتهاد ربها اما بدفع الامام او نائبه فتجزئ. وثانيها: نوع العقود، قال الامير رحمه الله تعالى: البيع الفاسد يفسخ ولا يعذر فيه بالجهل ولا خصوصية فى البيع كما يظهر بل كذلك غيره كالنكاح مثلا لأن العبرة فى صحة العقد بموافقة الشرع فى الواقع ونفس الامر لا فى ظن العاقد فقط كما يفيده العلامة القاسمى رحمه الله تعالى على المحلى وغيره. وثالثها: نوع مسقط للشفعة قال الامير ما حاصله انه لا شفعة لشريك علم البيع وسكت سنة لا اقل، ولو كتب شهادته. وما لابن رشد رحمه الله تعالى معه من أن الكتابة تسقط الشفعة بشهرين ضعيف وان جنح له فى المختصر بل فى الخرشى وعبد الباقى عن المدونة انه لا بد من شهرين زيادة على السنة وقرره شيخنا رحمه الله تعالى ولا يعذر بدعواه للجهل لا بأن ذلك مسقط للشفعة ولا بأن الشقعة واجبة. وفى عبد الباقى والخرشى ان أبا الحسن والحطاب عن ابن كوثر والتتائى عن الذخيرة عن ابن عتاب ذكروا ان شراء الشفيع الشقص من المشترى يسقط الشفعة. ولا يعذر بالجهل ولو كان امرأة بل مقتضى ان المذهب ان الشفعة لا يعذر فيها بالجهل جريان ذلك فى بقية المسقطات من الاستئجار والمقاسمة وبيع حصة نفسه ثم فائدة سقوط الشفعة بالشراء يظهرها اختلاف الثمن. ورابعها: نوع العيب المانع من أجزاء عتق الرقبة فى الكفارات. قال الامير: فى التوضيح. قال اصبغ رحمه الله تعالى فيمن اشترى نصرانية فاعتقها فى الكفارة انها لا تجزيه ولا يعذر بجهل» وظاهرة جهل الحكم أو انها كافرة ومثل الكفر العيوب المانعة من الاجزاء لا يعذر فيها بجهل كما يفيده قول الخرشى رحمه الله تعالى فى الظهار اذا اطلع بعد العتق على عيب يمنع الاجزاء استعان بأرشه فى رقبة اخرى. وخامسها: نوع بيع الخيار، قال الامير بيع الخيار يلزم واضع اليد بمضى المدة فلا

стр. 5602

يعذر فيه بالجهل ولا معنى لتخصيص العبد بذلك، بل كل بيع بالخيار كما صرح به المختصر وشروحه، ولا يطرد هذا النوع من الجهل فيما عدا هذه الانواع الخمس من الفروع بل هو فى مسائل ذكرها العمدة الشيخ خليل رحمه الله تعالى فى توضيحه ونظمها الشيخ بهرام رحمه الله تعالى فى أربع وأربعين بيتا. وشرحها الأمير ونقحها. مذهب الشافعية: ذكر السيوطى فى الأشباه والنظائر أن قاعدة الفقه أن النسيان والجهل مسقط للاثم مطلقا، وأما الحكم فان وقعا فى ترك مأمور لم يسقط بل يجب تداركه ولا يحصل الثواب المترتب عليه لعدم الأئتمار، أو وقعا فى فعل منهى ليس من باب الاتلاف فلا شئ فيه، أو فيه اتلاف لم يسقط للضمان. فان كان يوجب عقوبة كان شبهة فى اسقاطها وخرج عن ذلك صور فى قسام. فمن فروع القسم الأول: من نسى صلاة أو صوما أو حجا أو زكاة أو كفارة أو نذرا وجب تداركه بالقضاء بلا خلاف. وكذا لو وقف بغير عرفة يجب القضاء اتفاقا. ومنها من نسى الترتيب فى الوضوء أو نسى الماء فى رحلة فتيمم وصلى ثم ذكره، أو صلى بنجاسة لا يعفى عنها ناسيا كان أو جاهلا بها، أو نسى قراءة الفاتحة فى الصلاة أو تيقن الخطأ فى الاجتهاد فى الماء والقبلة والثوب ووقت الصلاة والصوم والوقوف بأن وقوعها قبله أو صلوا لسواد ظنوه عدوا فبان خلافه أو دفع الزكاة الى من ظنه فقيرا فبان غنيا أو استناب فى الحج لكونه معضوبا فبرأ. وفى هذه الصور كلها خلاف. قال فى شرح المهذب: بعضه كبعض، وبعضه مرتب على بعض أو أقوى من بعض. والصحيح فى الجميع عدم الاجزاء ووجوب الاعادة. ومأخذ الخلاف أن هذه الأشياء هل هى من قبل المأمورات التى هى شروط كالطهارة عن الحدث فلا يكون النسيان والجهل عذرا فى تركها لفوات المصلحة منها وانها من قبيل المناهى كالأكل والكلام فيكون ذلك عذرا؟ والأول أظهر ولذلك تجب الاعادة بلا خلاف فيما لو نسى نية الصوم لأنها من قبيل المأمورات وفيما لو صادف صوم الاسير ونحوه الليل دون النهار لأنه ليس وقتا للصوم كيوم العيا ذكر فى شرح المهذب. ولو صادف الصلاة أو الصوم بعد الوقت اجزأ بلا خلاف، لكن هل يكون أداء للضرورة أو قضاء لأنه خرج عن وقته؟ قولان أو وجهان أصحهما الثانى. وأما الوقوف اذا صادف ما بعد الوقت فان صادف الحادى عشر لم يجز بلا خلاف كما لو صادف السابع. وان صادف العاشر اجزأ ولا قضاء لأنهم

стр. 5603

لو كلفوا به لم يأمنوا الغلط فى العام الآتى الآتى أيضا (١). ومن فروع القسم الثانى من شرب خمرا جاهلا فلا حد ولا تغرير، ولو قال انت أزنى من فلان ولم يصرح فى لفظه بزنى فلان، لكنه كان ثبت زناه باقرار أو بينة والقائل جاهل فليس بقاذف بخلاف ما لو علم به فيكون قاذفا لهما ولو أتى بمفسدات العبادة ناسيا أو جاهلا كالأكل فى الصلاة والصوم، وفعل ما ينافى الا صلاة من كلام وغيره، والجماع فى الصوم والاعتكاف والاحرام، والخروج من المعتكف: والعود من قيام الثالثة الى التشهد ومن السجود الى القنوت والاقتداء بمحدث وذى نجاسة، وسبق الامام بركعتين، ومراعاة المزحوم ترتيب نفسه اذا ركع الامام فى الثانية، وارتكاب محظورات الاحرام التى ليست باتلاف كاللبس والاستمتاع والدهن والطيب، سواء جهل التحريم أو كونه طيبا، والحكم فى الجميع عدم الافساد وعدم الكفارة والفدية. وفى أكثرها خلاف. ولم سلم عن ركعتين ناسيا وتكلم عامدا لظنه اكمال الصلاة لا تبطل صلاته لظنه انه ليس فى صلاة، ونظيره ما لو تحلل من الاحرام وجامع ثم بان انه لم يتحلل لكون رميه وقع قبل نصف الليل، والمذهب انه لا يفسد الحج. ولو أكل ناسيا فظن بطلان صومه فجامع، ففى وجه لا يفطر قياسا عليه، والأصح الفطر، كما لو جامع على ظن أن الصبح لم يطلع فبان خلافه ولكن لا تجب الكفارة لأنه وطئ وهو يعتقد انه غير صائم (٢). ومن فروع القسم الثالث اتلاف مال الغير، فلو قدم له غاصب طعاما ضيافة فأكله جاهلا فقرار الضمان عليه فى أظهر القولين، ويجريان فى اتلاف مال نفسه جاهلا. ولو اتلف المشترى البيع قبل القبض جاهلا فهو قابض فى الاظهر. ولو خاطب زوجته بالطلاق جاهلا بأنها زوجته بأن كان فى ظلمة أو نكحها له وليه أو وكيله ولم يعلم وقع طلاقه، وفيه احتمال للامام، وكذا لو خاطب أمته بالعتق كذلك قال الرافعى رحمه الله تعالى. واذا وكل وكيلا فى اعتاق عبد فاعتقه ظنا منه انه عبد الموكل فاذا هو عبد الوكيل نفذ عتقه. قال العلائى: ولا يجئ فيه احتمال الامام لأن هذا قصد قطع الملك فنفذ.

стр. 5604

واذا قال الغاصب لمالك العبد المغصوب: اعتق عبدى هذا فاعتقه جاهلا عتق على الصحيح، وفى وجه لا يعتق لأن لم يقصد قطع ملك نفسه. قال السيوطى رحمه الله تعالى خرج عن هذه النظائر مسئلة وهى ما اذا استحق القصاص على رجل فقتله خطأ فالأصح انه لا يقع الموقع أما محظورات الاحرام - التى هى اتلاف كازالة الشعر والظفر وقتل الصيد - فلا تسقط فديتها بالجهل والنسيان. واذا حلف على شئ بالله أو الطلاق أو العتق أن يفعله فتركه ناسيا او حلف أن لا يفعله ففعله ناسيا للحلف، او جاهلا انه المحلوف عليه أو على غيره ممن يبالى بيمينه ووقع ذلك منه جاهلا أو ناسيا فقولان فى الحنث، رجح كلا المرجحون. ورجح الرافعى رحمه الله تعالى فى المحرر عدم الحنث مطلقا واختاره فى زوائد الروضة والفتاوى، قال لحديث: «رفع عن امتى الخطأ والنسيان» وهو عام فيعمل بعمومه الا ما دل دليل على تخصيصه كغرامة المتلفات. ومما يعذر فيه بالجهل فى الضمان: اذا أخرج الوديعة من الحرز على ظن انها ملكه فتلفت فلا ضمان عليه، ولو كان عالما ضمن ذكره الرافعى رحمه الله تعالى: قال الأسنوى رحمه الله تعالى: ومثله الاستعمال والخلط ونحوهما. ومنها اذا استعمل المستعير العارية بعد رجوع المعير جاهلا فلا أجرة علية، نقله الرافعى عن القفال وارتضاه (١). ومن فروع القسم الرابع: من قتل جاهلا بتحريم القتل لا قصاص عليه. وقتل الخطأ فيه الدية والكفارة دون القصاص. واذا اقتص الوكيل بعد عفو موكله جاهلا فلا قصاص عليه على المنصوص وعليه الدية فى ماله والكفارة ولا رجوع له على العافى لأنه محسن بالعفو. وقيل لا دية. وقيل هى على العاقلة. وقيل يرجع على العافى لأنه غره بالعفو. ونظير هذه المسئلة ما لو اذن الامام للولى فى قتل الجانية ثم علم حملها فرجع ولم يعلم الولى رجوعه فقتل فالضمان على الولى، وخرج عن هذا القسم صور لم يعذر فيها بالجهل. منها ما اذا بان أحد الأولياء فقتل الجانى بعد عفو بعض الأولياء جاهلا به فان الأظهر وجوب القصاص عليه لأنه متعد بالانفراد. ومنها اذا قتل من علمه مرتدا او ظن انه لم يسلم فالمذهب وجوب القصاص لأن ظن الردة لا يفيد اباحة القتل. فان قتل المرتد الى الامام لا الى الآحاد.

стр. 5605

ومنها ما اذا قتل من عهده ذميا أو عبدا وجهل اسلامه وحريته، فالمذهب وجوب القصاص، لأن جهل الاسلام والحرية لا يبيح القتل، ومنها ما اذا قتل من ظنه قاتل ابيه فبان خلافه فالاظهر وجوب القصاص لأنه كان من حقه التثبت. ومنها ما اذا ضرب مريضا - جهل مرضه - ضربا يقتل المريض دون الصحيح فمات فالأصح وجوب القصاص لأن جهل المرض لا يبيح الضرب، وعلم من ذلك ان الكلام فيمن لا يجوز له الضرب. أما من يجوز له الضرب للتأديب فلا يجب عليه القصاص قطعا، وصرح به فى الوسيط. وخرج عنه صور عذر فيها بالجهل حتى فى الضمان، منها ما اذا قتل مسلما بدار الحرب ظانا كفره فلا قصاص قطعا، ولا دية فى الأظهر. ومنها ما اذا رمى الى مسلم تترس به المشركون فان علم اسلامه وجبت الدية والا فلا. ومنها ما اذا أمر السلطان رجلا بقتل رجل ظلما والمأمور لا يعلم فلا قصاص عليه ولا دية ولا كفارة. ومنها ما اذا قتل الحامل فى القصاص فانفصل الجنين ميتا ففيه غرة وكفارة أو انفصل حيا فمات فلا دية (١). مذهب الحنابلة: جاء فى روضة الناظر وشرحها أن الناسى والنائم غير مكلف لأنه لا يفهم فكيف يقال له أفهم وكذا السكران الذى لا يعقل. وذكر صاحب نزهة الخاطر أن فى طلاق الناسى خلافا بين العلماء. وعن أحمد رضى الله تعالى عنه فى طلاقه قولان. وأما السكران فله فيه أقوال: الوقوع وعدمه والوقف والمشهور بين الأصحاب فى الناسى والسكران الوقوع. قال الطوفى رحمه الله تعالى: والأشبه عدم الوقوع لأنهما غير مكلفين ولا عبارة لغير مكلف. فان جعلوا الوقوع فيهما سببا عارضهم فى الناسى قول رسول الله ﷺ . عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان. وفى السكران حيث قالوا يقع طلاقه عقوبة له لأنه بسبب محرم حصل باختياره انهم قد عاقبوه بايجاب الحد فى الدنيا وجعله من أهل الوعيد فى الآخرة والجناية شرعا لا يترتب عليها من جهة واحدة عقوبتان (٢).
следующие страницы →