← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

وأما بعض أنواع الفروع: فأحدها: نوع العبادات لما مر عن الامير من ان القاعدة ان الجاهل فيها كالعامد، وذلك انه قال عند قول بهرام رحمه الله تعالى وذاك كثير فى الوضوء ومثله. بفرض صلاة ثم حج تحصلا. ما نصه: اطلق فى التوضيح الثلاث فلم يقيدها بالفرض والمشهور اطلاق العبادة فتشمل الصوم والعمرة، وقال عند قوله: وواطئ رهين اعتكاف بالشريعة جاهلا: من وطئ فى اعتكافه جهلا فسد اعتكافه ولا يعذر بجهله وظاهره سواء جهل الحرمة أو جهل انه مفسد. ثم قد يقال ان الاعتكاف من العبادات والقاعدة ان الجاهل فيها كالعامد ولا مفهوم للوطئ، بل كل ما يفسد به الاعتكاف كذلك كالخروج جهلا والفطر جهلا الى غير ذلك. وقال: من دفع الزكاة لغير مستحق جهلا لم يعذر، وهذا فى اجتهاد ربها اما بدفع الامام او نائبه فتجزئ. وثانيها: نوع العقود، قال الامير رحمه الله تعالى: البيع الفاسد يفسخ ولا يعذر فيه بالجهل ولا خصوصية فى البيع كما يظهر بل كذلك غيره كالنكاح مثلا لأن العبرة فى صحة العقد بموافقة الشرع فى الواقع ونفس الامر لا فى ظن العاقد فقط كما يفيده العلامة القاسمى رحمه الله تعالى على المحلى وغيره. وثالثها: نوع مسقط للشفعة قال الامير ما حاصله انه لا شفعة لشريك علم البيع وسكت سنة لا اقل، ولو كتب شهادته. وما لابن رشد رحمه الله تعالى معه من أن الكتابة تسقط الشفعة بشهرين ضعيف وان جنح له فى المختصر بل فى الخرشى وعبد الباقى عن المدونة انه لا بد من شهرين زيادة على السنة وقرره شيخنا رحمه الله تعالى ولا يعذر بدعواه للجهل لا بأن ذلك مسقط للشفعة ولا بأن الشقعة واجبة. وفى عبد الباقى والخرشى ان أبا الحسن والحطاب عن ابن كوثر والتتائى عن الذخيرة عن ابن عتاب ذكروا ان شراء الشفيع الشقص من المشترى يسقط الشفعة. ولا يعذر بالجهل ولو كان امرأة بل مقتضى ان المذهب ان الشفعة لا يعذر فيها بالجهل جريان ذلك فى بقية المسقطات من الاستئجار والمقاسمة وبيع حصة نفسه ثم فائدة سقوط الشفعة بالشراء يظهرها اختلاف الثمن. ورابعها: نوع العيب المانع من أجزاء عتق الرقبة فى الكفارات. قال الامير: فى التوضيح. قال اصبغ رحمه الله تعالى فيمن اشترى نصرانية فاعتقها فى الكفارة انها لا تجزيه ولا يعذر بجهل» وظاهرة جهل الحكم أو انها كافرة ومثل الكفر العيوب المانعة من الاجزاء لا يعذر فيها بجهل كما يفيده قول الخرشى رحمه الله تعالى فى الظهار اذا اطلع بعد العتق على عيب يمنع الاجزاء استعان بأرشه فى رقبة اخرى. وخامسها: نوع بيع الخيار، قال الامير بيع الخيار يلزم واضع اليد بمضى المدة فلا

стр. 5602

يعذر فيه بالجهل ولا معنى لتخصيص العبد بذلك، بل كل بيع بالخيار كما صرح به المختصر وشروحه، ولا يطرد هذا النوع من الجهل فيما عدا هذه الانواع الخمس من الفروع بل هو فى مسائل ذكرها العمدة الشيخ خليل رحمه الله تعالى فى توضيحه ونظمها الشيخ بهرام رحمه الله تعالى فى أربع وأربعين بيتا. وشرحها الأمير ونقحها. مذهب الشافعية: ذكر السيوطى فى الأشباه والنظائر أن قاعدة الفقه أن النسيان والجهل مسقط للاثم مطلقا، وأما الحكم فان وقعا فى ترك مأمور لم يسقط بل يجب تداركه ولا يحصل الثواب المترتب عليه لعدم الأئتمار، أو وقعا فى فعل منهى ليس من باب الاتلاف فلا شئ فيه، أو فيه اتلاف لم يسقط للضمان. فان كان يوجب عقوبة كان شبهة فى اسقاطها وخرج عن ذلك صور فى قسام. فمن فروع القسم الأول: من نسى صلاة أو صوما أو حجا أو زكاة أو كفارة أو نذرا وجب تداركه بالقضاء بلا خلاف. وكذا لو وقف بغير عرفة يجب القضاء اتفاقا. ومنها من نسى الترتيب فى الوضوء أو نسى الماء فى رحلة فتيمم وصلى ثم ذكره، أو صلى بنجاسة لا يعفى عنها ناسيا كان أو جاهلا بها، أو نسى قراءة الفاتحة فى الصلاة أو تيقن الخطأ فى الاجتهاد فى الماء والقبلة والثوب ووقت الصلاة والصوم والوقوف بأن وقوعها قبله أو صلوا لسواد ظنوه عدوا فبان خلافه أو دفع الزكاة الى من ظنه فقيرا فبان غنيا أو استناب فى الحج لكونه معضوبا فبرأ. وفى هذه الصور كلها خلاف. قال فى شرح المهذب: بعضه كبعض، وبعضه مرتب على بعض أو أقوى من بعض. والصحيح فى الجميع عدم الاجزاء ووجوب الاعادة. ومأخذ الخلاف أن هذه الأشياء هل هى من قبل المأمورات التى هى شروط كالطهارة عن الحدث فلا يكون النسيان والجهل عذرا فى تركها لفوات المصلحة منها وانها من قبيل المناهى كالأكل والكلام فيكون ذلك عذرا؟ والأول أظهر ولذلك تجب الاعادة بلا خلاف فيما لو نسى نية الصوم لأنها من قبيل المأمورات وفيما لو صادف صوم الاسير ونحوه الليل دون النهار لأنه ليس وقتا للصوم كيوم العيا ذكر فى شرح المهذب. ولو صادف الصلاة أو الصوم بعد الوقت اجزأ بلا خلاف، لكن هل يكون أداء للضرورة أو قضاء لأنه خرج عن وقته؟ قولان أو وجهان أصحهما الثانى. وأما الوقوف اذا صادف ما بعد الوقت فان صادف الحادى عشر لم يجز بلا خلاف كما لو صادف السابع. وان صادف العاشر اجزأ ولا قضاء لأنهم

стр. 5603

لو كلفوا به لم يأمنوا الغلط فى العام الآتى الآتى أيضا (١). ومن فروع القسم الثانى من شرب خمرا جاهلا فلا حد ولا تغرير، ولو قال انت أزنى من فلان ولم يصرح فى لفظه بزنى فلان، لكنه كان ثبت زناه باقرار أو بينة والقائل جاهل فليس بقاذف بخلاف ما لو علم به فيكون قاذفا لهما ولو أتى بمفسدات العبادة ناسيا أو جاهلا كالأكل فى الصلاة والصوم، وفعل ما ينافى الا صلاة من كلام وغيره، والجماع فى الصوم والاعتكاف والاحرام، والخروج من المعتكف: والعود من قيام الثالثة الى التشهد ومن السجود الى القنوت والاقتداء بمحدث وذى نجاسة، وسبق الامام بركعتين، ومراعاة المزحوم ترتيب نفسه اذا ركع الامام فى الثانية، وارتكاب محظورات الاحرام التى ليست باتلاف كاللبس والاستمتاع والدهن والطيب، سواء جهل التحريم أو كونه طيبا، والحكم فى الجميع عدم الافساد وعدم الكفارة والفدية. وفى أكثرها خلاف. ولم سلم عن ركعتين ناسيا وتكلم عامدا لظنه اكمال الصلاة لا تبطل صلاته لظنه انه ليس فى صلاة، ونظيره ما لو تحلل من الاحرام وجامع ثم بان انه لم يتحلل لكون رميه وقع قبل نصف الليل، والمذهب انه لا يفسد الحج. ولو أكل ناسيا فظن بطلان صومه فجامع، ففى وجه لا يفطر قياسا عليه، والأصح الفطر، كما لو جامع على ظن أن الصبح لم يطلع فبان خلافه ولكن لا تجب الكفارة لأنه وطئ وهو يعتقد انه غير صائم (٢). ومن فروع القسم الثالث اتلاف مال الغير، فلو قدم له غاصب طعاما ضيافة فأكله جاهلا فقرار الضمان عليه فى أظهر القولين، ويجريان فى اتلاف مال نفسه جاهلا. ولو اتلف المشترى البيع قبل القبض جاهلا فهو قابض فى الاظهر. ولو خاطب زوجته بالطلاق جاهلا بأنها زوجته بأن كان فى ظلمة أو نكحها له وليه أو وكيله ولم يعلم وقع طلاقه، وفيه احتمال للامام، وكذا لو خاطب أمته بالعتق كذلك قال الرافعى رحمه الله تعالى. واذا وكل وكيلا فى اعتاق عبد فاعتقه ظنا منه انه عبد الموكل فاذا هو عبد الوكيل نفذ عتقه. قال العلائى: ولا يجئ فيه احتمال الامام لأن هذا قصد قطع الملك فنفذ.

стр. 5604

واذا قال الغاصب لمالك العبد المغصوب: اعتق عبدى هذا فاعتقه جاهلا عتق على الصحيح، وفى وجه لا يعتق لأن لم يقصد قطع ملك نفسه. قال السيوطى رحمه الله تعالى خرج عن هذه النظائر مسئلة وهى ما اذا استحق القصاص على رجل فقتله خطأ فالأصح انه لا يقع الموقع أما محظورات الاحرام - التى هى اتلاف كازالة الشعر والظفر وقتل الصيد - فلا تسقط فديتها بالجهل والنسيان. واذا حلف على شئ بالله أو الطلاق أو العتق أن يفعله فتركه ناسيا او حلف أن لا يفعله ففعله ناسيا للحلف، او جاهلا انه المحلوف عليه أو على غيره ممن يبالى بيمينه ووقع ذلك منه جاهلا أو ناسيا فقولان فى الحنث، رجح كلا المرجحون. ورجح الرافعى رحمه الله تعالى فى المحرر عدم الحنث مطلقا واختاره فى زوائد الروضة والفتاوى، قال لحديث: «رفع عن امتى الخطأ والنسيان» وهو عام فيعمل بعمومه الا ما دل دليل على تخصيصه كغرامة المتلفات. ومما يعذر فيه بالجهل فى الضمان: اذا أخرج الوديعة من الحرز على ظن انها ملكه فتلفت فلا ضمان عليه، ولو كان عالما ضمن ذكره الرافعى رحمه الله تعالى: قال الأسنوى رحمه الله تعالى: ومثله الاستعمال والخلط ونحوهما. ومنها اذا استعمل المستعير العارية بعد رجوع المعير جاهلا فلا أجرة علية، نقله الرافعى عن القفال وارتضاه (١). ومن فروع القسم الرابع: من قتل جاهلا بتحريم القتل لا قصاص عليه. وقتل الخطأ فيه الدية والكفارة دون القصاص. واذا اقتص الوكيل بعد عفو موكله جاهلا فلا قصاص عليه على المنصوص وعليه الدية فى ماله والكفارة ولا رجوع له على العافى لأنه محسن بالعفو. وقيل لا دية. وقيل هى على العاقلة. وقيل يرجع على العافى لأنه غره بالعفو. ونظير هذه المسئلة ما لو اذن الامام للولى فى قتل الجانية ثم علم حملها فرجع ولم يعلم الولى رجوعه فقتل فالضمان على الولى، وخرج عن هذا القسم صور لم يعذر فيها بالجهل. منها ما اذا بان أحد الأولياء فقتل الجانى بعد عفو بعض الأولياء جاهلا به فان الأظهر وجوب القصاص عليه لأنه متعد بالانفراد. ومنها اذا قتل من علمه مرتدا او ظن انه لم يسلم فالمذهب وجوب القصاص لأن ظن الردة لا يفيد اباحة القتل. فان قتل المرتد الى الامام لا الى الآحاد.

стр. 5605

ومنها ما اذا قتل من عهده ذميا أو عبدا وجهل اسلامه وحريته، فالمذهب وجوب القصاص، لأن جهل الاسلام والحرية لا يبيح القتل، ومنها ما اذا قتل من ظنه قاتل ابيه فبان خلافه فالاظهر وجوب القصاص لأنه كان من حقه التثبت. ومنها ما اذا ضرب مريضا - جهل مرضه - ضربا يقتل المريض دون الصحيح فمات فالأصح وجوب القصاص لأن جهل المرض لا يبيح الضرب، وعلم من ذلك ان الكلام فيمن لا يجوز له الضرب. أما من يجوز له الضرب للتأديب فلا يجب عليه القصاص قطعا، وصرح به فى الوسيط. وخرج عنه صور عذر فيها بالجهل حتى فى الضمان، منها ما اذا قتل مسلما بدار الحرب ظانا كفره فلا قصاص قطعا، ولا دية فى الأظهر. ومنها ما اذا رمى الى مسلم تترس به المشركون فان علم اسلامه وجبت الدية والا فلا. ومنها ما اذا أمر السلطان رجلا بقتل رجل ظلما والمأمور لا يعلم فلا قصاص عليه ولا دية ولا كفارة. ومنها ما اذا قتل الحامل فى القصاص فانفصل الجنين ميتا ففيه غرة وكفارة أو انفصل حيا فمات فلا دية (١). مذهب الحنابلة: جاء فى روضة الناظر وشرحها أن الناسى والنائم غير مكلف لأنه لا يفهم فكيف يقال له أفهم وكذا السكران الذى لا يعقل. وذكر صاحب نزهة الخاطر أن فى طلاق الناسى خلافا بين العلماء. وعن أحمد رضى الله تعالى عنه فى طلاقه قولان. وأما السكران فله فيه أقوال: الوقوع وعدمه والوقف والمشهور بين الأصحاب فى الناسى والسكران الوقوع. قال الطوفى رحمه الله تعالى: والأشبه عدم الوقوع لأنهما غير مكلفين ولا عبارة لغير مكلف. فان جعلوا الوقوع فيهما سببا عارضهم فى الناسى قول رسول الله ﷺ . عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان. وفى السكران حيث قالوا يقع طلاقه عقوبة له لأنه بسبب محرم حصل باختياره انهم قد عاقبوه بايجاب الحد فى الدنيا وجعله من أهل الوعيد فى الآخرة والجناية شرعا لا يترتب عليها من جهة واحدة عقوبتان (٢).

стр. 5606

وجاء فى قواعد ابن رجب أن من توقف نفوذ تصرفه أو سقوط الضمان او الحنث عنه على الاذن فتصرف قبل العلم به ثم تبين ان الاذن كان موجودا فهل يكون كتصرف المأذون له أو لا؟ فى المسألة وجهان تتخرج عليهما صور منها: لو تصرف فى مال غيره بعقد او غيره ثم تبين انه كان اذن له فى التصرف فهل يصح أم لا فيه وجهان. ومنها ما لو قال لزوجته ان خرجت بغير اذنى فأنت طالق ثم اذن لها ولم تعلم باذنه فخرجت فهل تطلق؟ فيه وجهان. واشهرهما - وهى المنصوص - انها تطلق لأن المحلوف عليه قد وجد وهو خروجها على وجه المشاقة والمخالفة فانها أقدمت على ذلك ولأن الاذن هنا اباحة بعد حظر فلا يثبت فى حقها بدون علمها كاباحة الشرع. ولأبى الخطاب رحمه الله تعالى فى الانتصار طريقة ثانية وهى أن دعواه الاذن غير مقبولة لوقوع الطلاق فى الظاهر. فلو اشهد على الاذن لنفعه ذلك ولم تطلق وهذا ضعيف. ومنها لو اذن البائع للمشترى فى مدة الخيار فى التصرف فتصرف بعد الاذن وقبل العلم فهل ينفذ أم لا؟ يتخرج على الوجهين فى التوكيل وأولى. وجزم القاضى فى خلافه بعدم النفوذ. ومنها لو غصب طعاما من انسان ثم اباحة له المالك ثم أكله الغاصب غير عالم بالاذن فانه يضمن، ذكره ابو الخطاب فى الانتصار وهو بعيد جدا. والصواب الجزم بعدم الضمان لأن الضمان لا يثبت بمجرد الاعتقاد فيما ليس بمضمون كمن وطئ امرأة يظنها أجنبية فتبينت زوجته فانه لا مهر عليه ولا عبرة باستصحاب أصل الضمان مع زوال سببه كما أنه لو اكل فى الصوم يظن الشمس لم تغرب فتبين انها كانت غربت فانه لا يلزمه القضاء ويلتحق بهذه (١). ومن تصرف فى شئ يظن انه لا يملكه فتبين انه كان يملكه ففيه الخلاف ايضا، من ذلك ما لو باع ملك ابيه بغير اذنه ثم تبين ان اباه كان قد مات ولا وارث له غيره، ففى صحة تصرفه وجهان. ومنه ما لو طلق امرأة يظنها اجنبية فتبينت انها زوجته ففى وقوع الطلاق روايتان وبناهما ابو بكر رحمه الله تعالى على أن الصريح هل يحتاج الى نية أم لا؟ قال القاضى: انما هذا الخلاف فى صورة الجهل بأهليته المحل ولا يطرد مع العلم به. ومنه ما لو لقى امرأة فى الطريق فقال تنحى باحرة فاذا هى أمته ففيه الخلاف أيضا.

стр. 5607

ونص الامام احمد رحمه الله تعالى على ذلك. وفى المغنى احتمال بالتفريق لأن هذا يقال كثيرا فى الطريق ولا يراد به العتق، وهذا مع اطلاق القصد فأما ان قصد به المدح بالعفة ونحوها فليست من المسألة فى شئ. ويتنزل الخلاف فى هذا على أن الرضا بغير المعلوم هل هو رضا معتبر والا ظهر عدم اعتباره. ومن ذلك ما لو ابرأه من مائة درهم مثلا معتقدا انه لا شئ له عليه ثم تبين انه كان له فى ذمته مائة درهم وفيها الوجهان ومنه ما لو جرحه جرحا لا قصاص فيه فعفا عن القصاص وسرايته ثم سرى الى نفسه فهل يسقط القصاص؟ يخرج على الوجهين اشار الى ذلك الشيخ مجد الدين فى تعليقه على الهداية وبناه على أن القصاص هل يجب للميت أو لورثته كالدية وجزم القاضى وغيره بأنه لا يصح العفو هنا. ومنه ما لو تزوجت امرأة المفقود قبل الزمان المعتبر ثم تبين انه كان ميتا قبل ذلك بمدة تنقضى فيها العدة او انه كان طلقها ففى صحة النكاح الوجهان ذكره القاضى. ورجح صاحب المغنى عدم الصحة هنا لفقد شرط النكاح فى الابتداء كما لو تزوجت المرتابة قبل زوال الريبة. ومنه ما لو أمره غيره بأن يعتق عبدا يظن انه للآمر فتبين انه عبده ففى التلخيص يحتمل تخريجه على من أعتق عبدا فى ظلمة ثم تبين انه عبده لكن يرجع هنا على الآمر بالقيمة لتغريره له ويحتمل أن لا ينفذ لتغريره بخلاف ما اذا لم يغره أحد فانه غير معذور فينفذ عتقه لمصادفته ملكه اذ المخاطبة بالعتق لعبد غيره شبيه بعتق الهازل والمتلاعب فينفذ وكذلك فى الطلاق ونظير هذه فى الطلاق أن يوكل شخص فى تطليق زوجته ويشير الى امرأة معينة فيطلقها ظانا انها امرأة الموكل ثم تبين انها امرأته هو، وقد تخرج هذه المسألة على مسألة ما اذا نادى امرة له فأجابته امرأته الأخرى فطلقها ينوى المناداة فانه تطلق المناداة وحدها. ولا تطلق المواجهة فى الباطن. وفى الظاهر روايتان، فعلى هذا لا تطلق المرأة الموكل فى طلاقها هنا، وقد يفرق بينهما بأن الطلاق هنا انصرف الى جهة مقصودة فلم يحتج الى صرفه الى غير المقصودة. وان كانت مواجهة به بخلاف ما اذا لم يكن هناك جهة سوى المواجهة فان الطلاق يصير صرفه عنها هزلا ولعبا ولا هزل فى الطلاق. ومن ذلك ما لو اشترى آبقا يظن انه لا يقدر على تحصيله فبان بخلافه ففى صحة العقد وجهان لاعتقاده فقد شرط الصحة وهو موجود فى الباطن. وفى المغنى احتمال ثالث بالفرق بين من يعلم أن البيع يفسد بالعجز عن تسليم المبيع فيفسد البيع فى حقه لأنه متلاعب وبين من لا يعلم ذلك فيصح، لأنه لم يقدم على

стр. 5608

ما يعتقده باطلا وقد تبين وجود شرط صحته، وهذا يبين أن للمسألة التفاتا الى مسئلة بيع الهازل والمشهور بطلانه وهو قول القاضى. وقال ابو الخطاب فى انتصاره هو صحيح، وهذا يرجح وجه بطلان البيع فى المسائل المبدوء بها (١). مذهب الظاهرية: جاء فى الأحكام فى اصول الاحكام أن الأصل الذى تجرى عليه الفتيا انه لا شئ على الناسى لقول الله : «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ» (٢) فلا يخرج عن هذا النص الا ما اخرجه نص او اجماع، فلهذا النص ولما اخبر فيه ابو العباس احمد بن عمر العذرى باسناده عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال قال رسول الله ﷺ : «ان الله تجاوز لى عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ففى هذا الحديث نص التسوية بين العمل المقصود نسيانا بغير نية وبين الخطأ الذى لم يقصد فلهذا ولنصوص أخر لم يبطل صوم من أفطر ناسيا غير ذاكر لصومه، ولا بطلت صلاة من تكلم أو عمل أو أكل ناسيا فى صلاته غير ذاكر انه فى صلاة، وهكذا كل نسيان الا نسيانا استثناه من هذا النص نص آخر أو اجماع، كما صح من الاجماع المتيقن المقطوع به أن من أحدث بشئ يخرج من مخرجيه من غائط أو بول أو ريح أو مذى أو ودى أو منى ناسيا بطلت طهارته على كل حال بالنسيان والعمد، وبالضرورة ندرى انه لم يزل الناس يحدثون فى كل يوم من عهد رسول الله ﷺ وكلهم يوجب الوضوء من ذلك فصح اجماع منقول إلى رسول الله ﷺ وكذلك النوم لأنه لا يكون الا بغلبة أبدا لا بقصد ولو قصد المرء دهره كله ان ينام لم يقدر الا أن يغلبه النوم، وأما سائر الأحداث التى لا اجماع فيها فانها لا تنقض الطهارة عندنا الا بالقصد والعمد لا بالنسيان كاللمس للنساء وكمس الفرج. وكذلك الأمر فيمن ذبح او نحر أو تصيد فلم يسم الله تعالى ناسيا أو عامدا فكلاهما سواء لا يحل أكل شئ من ذلك لأن النص ورد بأن لا نأكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، قال الله : «ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق» (٣). وقال : «فكلوا مما أمسكن عليكم وأذكروا اسم الله عليه» (٤). فلما كان ما ذكاه الناس للتسمية مما لم يذكر اسم الله عليه بلا شك كان مما نهينا عن أكله بالنص.

стр. 5609

واما الاثم فساقط عن الناس جملة (١). والخطأ يكون على ضربين احدهما فعل لم يقصده الانسان أصلا وذلك كرجل رمى غرضا فأصاب انسانا لم يقصده. وكانسان جر نفسه فاستجر ذبابا فدخل حلقه وهو صائم، أو أراد حك فخذه فمس ذكره. فهذا وجه - وهو الذى يسميه أهل الكلام التولد لأنه تولد عن فعله ولم يقصد هو فعله. والوجه الثانى: فعل قصد الانسان عمله الا أنه لم ينو بذلك طاعة ولا معصية ولا نوى بذلك ما حدث من فعله ولا قصد الى بعض ما أمر به ولا الى خلاف ما أمر به كانسان لطم آخر فوافق منية الملطوم أو كانسان صائم عمد الأكل وهو غير ذاكر لصومه ولا قاصد الى افساد صومه، أو نسى انه فى صلاة فقصد الى الأكل أو الى الكلام أو الى المشى غير عامد لافساد صلاته أو نسى انه على طهارة فقصد الى مس ذكره غير قاصد بذلك الى نقض وضوئه أو سقاه انسان بحضرة عدول من اناء أخبره أن فيه نبيذا غير مسكر فلما جرع منه قاصدا الى شربه علم أنه خمر فأزاله عن فيه بعد أن شرب منه، أو وطئ امرأة لقيها فى فراشه عامدا لوطئها وهو يظنها امرأته فاذا بها أجنبية أدخلت عليه، أو قرأ آية قاصدا الى الألفاظ التى قرأ يظنها من القرآن وهى بخلاف ذلك فى القرآن، أو قتل صيدا عامدا لقتله غير ذاكر لاحرامه وهو محرم. فهذا الوجه الثانى، وكلاهما مرفوع لا ينقض شئ من ذلك عملا ولا ايمانا ولا يوجب اثما ولا حكما الا حيث جاء النص بأنه يوجب حكما مما ذكرنا فيوقف عنده ويكون مستثنى من الجملة التى ذكرنا منها طرفا كالنص الوارد فى ايجاب الدية على العاقلة، لأنه فى كلا الوجهين المذكورين لم ينو معصية (٢). ومن ذلك من لقى رجلا فى صف المشركين فظنه مشركا فقتله عمدا وهو لا يعلم انه مسلم فاذا هو مسلم فلا خلاف فى أنه لا قود عليه ولا اثم، وكذلك سقط الاثم والقود عن المتأول من الحكام وان كان عامدا ليس ذلك الا لأنه لم يقصد خلاف ما أمر به وهو يعلمه معصية، وكذلك من أكل لحم خنزير وهو يظنه لحم كبش أو حنث غير ذاكر ليمينه فكل هذا لا شئ عليه فيه ولا قضاء ولا اثم ولا تعزير ولا حد. فان جاء نص فى شئ ما من ذلك كان مستثنى كمن صلى وهو يظن انه واضئ فاذا به غير واضئ فذكر بعد ذلك فهذا لم يصل فليصل لقول رسول الله ﷺ «لا صلاة الا بطهور» وهذا لم يصل كما أمر، واما من صلى وفى ثوبه شئ فرض اجتنابه على من بلغه أو صلى الى غير القبلة، فان كان ممن لم يبلغه فرض اجتناب ذلك الشئ ولا فرض القبلة فصلاته تامة لأنه لم يكلف ما لم يبلغه،

стр. 5610

فان كان ممن بلغه كل ذلك فعليه أن يعيد الصلاة ما دام وقتها لانه علم ووقتها قائم اذ لم يصل تلك الصلاة كما أمر ففرض عليه أن يصليها كما أمر وأما بعد الوقت فلا لأنه لا يصلى صلاة الا فى وقتها حاشا النائم والناسى والسكران فانهم خصوا بالنص فيهم (١). وجاء فى المحلى أن من أصاب شيئا محرما فيه حد أو لا حد فيه وهو جاهل بتحريم الله له فلا شئ عليه فيه لا اثم ولا حد ولا ملامة، لكن يعلم حكمه فان عاد الى ذلك أقيم عليه حد الله تعالى فان ادعى جهالة نظر فان كان ذلك ممكنا فلا حد عليه أصلا. وقد قال قوم بانه يحلف، ولا نرى نحن عليه حدا ولا تحليفا وان كان متيقنا انه كاذب لم يلتفت الى دعواه. قال ابو محمد رحمه الله تعالى: برهان ذلك قول الله : «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ» (٢). فان الحجة على من بلغته النذارة لا من لم تبلغه، وقد قال الله : «لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» (٣). وليس فى وسع أحد أن يعلم ما لم يبلغه لأنه علم غيب. واذا لم يكن ذلك فى وسعه فلا يكلف الله أحدا الا ما فى وسعه فهو غير مكلف تلك القصة فلا اثم عليه فيما لم يكلفه ولا حد عليه ولا ملامة، وانما سقط هذا عمن يمكن أن يعلم ويمكن أن يجهل فلقول رسول الله ﷺ : «أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام». وقد جاءت فى هذا عن السلف آثار كثيرة كما روينا عن سعيد بن المسيب رضى الله تعالى عنه أن عاملا لعمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه كتب الى عمر يخبره أن رجلا اعترف عنده بالزنا فكتب اليه عمر أن سله هل كان يعلم انه حرام فان قال نعم فاقم عليه الحد وان قال لا فأعلمه انه حرام فان عاد فاحدوه. وعن الهيثم بن بدر عن حرقوص قال أتت امرأة الى على بن أبى طالب كرم الله وجهه فقالت ان زوجى زنا بجاريتى فقال صدقت هى وما لها لى حل، فقال له على: اذهب ولا تعد، كأنه درأ عنه الحد بالجهالة (٤). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الازهار وحواشيه أن من نسى الجنابة حتى صلى صلوات بعضها بالوضوء وبعضها بالتيمم قضى ما صلى بالوضوء اذا كانت الجنابة مجمع عليها الا ما صلى بالتيمم لأنه كان فرضه (٥).

стр. 5611

وجاء فى البحر الزخار نقلا عن الامام الهادى والناصر ويحيى رضى الله تعالى عنهم أن الناسى للماء كالعادم لاشتراكهما فى التعذر، فان وجده فى الوقت اعاد كالعادم لتجدد الخطاب ولفساد التيمم بعدم التلوم. فلو جعل الماء فى رحله من غير أن يعلم به أو علم به والتبس بسائر اقمشته، أو التبس رحله برحل غيره فتيمم فهو كالناسى. قال الامام يحيى رضى الله تعالى عنه: يحتمل أن لا يعيد فى الوقت اذ الناسى أتى من نفسه لا هو (١). والمتحيرة الناسية لوقتها وعددها كمجنونة سنين استحيضت فيها ان ذكرت ابتداء الدم قدرت منه والا فان ذكرت لها حالة طهر قدرت الابتداء منه فان لم تذكر صلت وصامت واحترمت المسجد والمصحف والوط ء والقراءة الا فى الصلاة واغتسلت لكل صلاة اذ هو الأحوط. وقيل تكون من وقتها كالمبتدأة (٢). فان انسيت العدد لا الوقت تحيضت ثلاثا من أول وقتها المعتاد ثم اغتسلت لكل صلاة الى آخر العشر ثم توضأت لكل صلاة الى ذلك الوقت ثم تستمر كذلك، والوجه واضح لا (٣). والمذهب على أن من ترك الصلاة أو ما لا تتم الصلاة الا به قطعا، أو ما لا تتم الصلاة الا به فى مذهبه عالما فى حال تضيق عليه فيه الأداء حتى فاتت لزمة القضاء. لما روى عن أنس رضى الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال: من نسى صلاة فليصل اذا ذكر لا كفارة لها الا ذلك، وتلا قتادة رضى الله تعالى عنه قول الله : «وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» (٤). وفى رواية «اذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها اذا ذكرها فان الله يقول: «أقم الصلاة لذكرى» أخرجه البخارى ومسلم (٥)، ولا ترتيب بين الفائتة والمؤداة الا أن يخشى فوت المؤداة قدمها حتما لقول رسول الله ﷺ : «اذا أقيمت الصلاة فلا صلاة الا المكتوبة «أخرجه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى من رواية أبى هريرة. وقيل (٦) يجب الترتيب والمذهب على أن من جهل فأتته من خمس فثنائية وثلاثية ورباعية لصحة النية المشروطة كما مر، لكن يجهر

стр. 5612

فى ركعة ويسر فى أخرى لوجوبهما، قال المؤيد بالله بل يقضى واحدة رباعية تقف عند الثنتين والثلاثة، وهو مبنى على عدم وجوب ما بعد القعود الآخر وسنبطله. قال القاسم رضى الله تعالى عنه: ومن جهل كمية ما عليه قضى حتى يظن الوفاء ولا يقال بل حتى يتيقن اذ الصلاة قطعية لأنا نقول والقضاء ظنى. ومن فاتته الصلاة لنوم أو نسيان لزمه القضاء وان لم يتضيق عليه الأداء للخبر المار عن رسول الله ﷺ انه قال: «من نسى صلاة فليصل اذا ذكر لا كفارة لها الا ذلك» (١). قال الناصر رضى الله تعالى عنه: ومن تحرى القبلة فأخطأ لا يعيد الا فى الوقت ان تيقن الخطأ لتوجه الخطاب مع بقائه، وكانكشاف الخطأ قبل تنفيذ الحكم. فان لم يتيقن فلا اذ لا يأمن الخطأ فى الأخرى. فان خرج الوقت فلا قضاء لما روى عن جابر رضى الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله ﷺ سرية كنا فيها فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة فقالت طائفة منا قد عرفنا القبلة ها هنا قبل الشمال وخطوا خطوطا. وقال بعضهم القبلة ها هنا قبل الجنوب وخطوا خطوطا، فلما أصبحنا وطلعت الشمس أصبحت الخطوط لغير القبلة، فسألنا رسول الله ﷺ لما فعلنا فأنزل الله : «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٢). وللضرورة (٣). ومن خالف جهة امامه جاهلا فحكمه حكم المخطئ فى تجرية (٤). ومن نسى نجاسة ثوبه أو مكانه أو لم يعملها حتى صلى ثم علم أعاد فى الوقت لا بعده. قال الامام يحيى رضى الله عنه الا مجمعا عليها (٥). ولو لم تعلم الأمة بالعتق فصلت حاسرة ثم علمت بالعتق أعادت فى الوقت لا بعده (٦). ومن تكلم فى الصلاة ناسيا أو جاهلا فهو كالعامد لعموم الادلة. قال زيد بن على رضى الله تعالى عنه لا تفسد الصلاة لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ولما روى ابو هريرة

стр. 5613

رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ فقال الناس: نعم فقام رسول الله ﷺ فصلى اثنتين أخريين ثم سلم ثم كبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع. اذ الكلام لظن التمام أو غيره كالسهو واذ لم يأمر من شمت العاطس جهلا بالاعادة فلا تفسد وان كثر وقيل ان قل. وهو الى ثلاث كلمات فقط. وقيل: فدر كلامه ﷺ فى خبر ذى اليدين (١). وجاء فى شرح الأزهار أن الصائم لو افطر بأى أسباب الافطار وكان فى تلك الحال ناسيا لصومه فسد صومه لأن الناسى فى هذا الباب كالعامد كجناية الخطأ اذ هو جناية. وخطأ الجناية كعمدها فى باب الضمانات. فان قيل: ما الفرق بين هذا وبين الصلاة، ففى الصلاة اذا أكل ناسيا او فعل ناسيا ما أفسد الصلاة وذكر بعد خروج الوقت لم يجب عليه القضاء وها هنا يجب القضاء والواجب ان الصوم أصله الامساك مشروطا بغيره ومن أكل أو جامع لم يمسك واذا لم يمسك لم يكن صائما واذا لم يكن صائما لزمه القضاء ذكره فى الشرح ولأنه لا يفيد موافقته أهل الخلاف فى الصوم بخلاف الصلاة. وعند زيد بن على والناصر والمهدى احمد بن الحسين والصادق والباقر واحمد ابن عيسى رضى الله تعالى عنهم انه اذا أكل ناسيا او جامع ناسيا فلا قضاء عليه ولا يفسد صومه عندهم وحجتهم فى ذلك ما روى عن رسول الله ﷺ انه قال: الله أطعمه وسقاه فيتم صومه. قلنا يمسك لحرمة الوقت، قلنا: يسقط الاثم فقط. وأما القضاء فيجب كالحج (٢). واذا نوى الحج وعين ما نراه ثم التبس عليه ما قد كان عين أو نوى انه محرم بما احرم به فلان من حج او عمرة او تمتع او قران وجهله بأن لم يعلم ما أحرم له فلان بل التبس عليه صحت تلك النية ولم يفسد بعروض اللبس، لكن اذا اتفق له ذلك طاف وسعى لجواز أن يكون قارنا او متمتعا والقارن والمتمتع يجب عليهما تقديم طواف العمرة وسعيها (٣). ومن محظورات الاحرام ليس الرجل المخيط كالقميص والسراويل، فاذا لبسه أوجب الاثم أن تعمد لبسه لغير ضرورة ويوجب الفدية مطلقا سواء لبسه عامدا أم ناسيا لعذر أم لغير عذر (٤).

стр. 5614

مذهب الإمامية: جاء فى مفتاح الكرامة أن النسيان هو الغفلة مع انمحاء صورته أو معناه عن القوة المدركة - بكسر الراء - والحافظة (١). وفى نهاية الأحكام لو تكلم ناسيا للصلاة لم تبطل صلاته، ونحوه المنته، وفيه أن عليه علماءنا أجمع. قال صاحب مفتاح الكرامة: لقد نقلنا عن النهاية والجمل والعقود والوسيلة بطلان صلاة من تكلم ناسيا للصلاة وذلك لأنه قال فى النهاية: فان صلى ركعة من صلاة الغداة وجلس وتشهد وسلم ثم تذكر انه كان قد صلى ركعة قام فأضاف اليها ركعة أخرى ما لم يتكلم أو يلتفت عن القبلة أو يحدث ما ينقض الصلاة. فان فعل شيئا من ذلك وجبت عليه الاعادة (٢). والجاهل عامد لا يعذر اجماعا كما فى الدرة. وفى كشف اللثام هو عامد حقيقة وحكما للعموم وخصوص قول الصادق ﵇ فيما رواه الشيخ صحيحا عن مسعدة ابن زياد رحمه الله تعالى فى قول الله : «فلله الحجة البالغة» (٣). ان الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة عبدى أكنت عالما فان قال نعم قال له أفلا عملت بما علمت. وان قال كنت جاهلا قال أفلا تعلمت حتى تعمل فيخصمه فتلك الحجة البالغة. وفى شرح الألفية للكركى جاهل الحكم عامد عند عامة الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم فى جميع المنافيات من فعل أو ترك الا فى الجهر والاخفات فى الصلاة ويعذر الجاهل فيهما اجماعا كما فى الدرة والرياض. قال الكركى رحمه الله تعالى فى شرح الألفية: ان ناسى الحكم كجاهله فى المؤاخذة. واما فى الرخصة فظاهر النص ثبوتها فى الجهر والاخفات دون حكم السفر. وكذا الجاهل عامد الا فى غصبية الماء والثوب والمكان ونجاستهما ونجاسة البدن كما نص على ذلك جمهور الأصحاب لأن الشرط انما هو الجهل بالغصبية والنجاسة لا العلم بالعدم لأصل العدم وانتفاء الحرج فى الدين بل لزوم تكليف ما لا يطاق كما فى كشف اللثام. وفى السرائر: من لم يتقدم له العلم بالغصب بالمكان فلا اعادة عليه سواء علم قبل خروج الوقت أو بعد خروجه بلا خلاف، وكذا الثوب المغصوب. وفى الغنية لو لم يتقدم له علم بالنجاسة

стр. 5615

والغصب فصلى ثم علم بذلك والوقت باق لزمته الاعادة ولم يلزمه بعد خروجه وهذا حكم من سها فصلى الى يمين القبلة بدليل الاجماع. وقد قال جماعة: جاهل نجاسة الثوب والبدن معذور بالنسبة الى القضاء اما بالنسبة الى الاعادة فلا يعذر. وقال جماعة لو علم الغصبية والنجاسة وجهل الحكم لم يعذر. وقال جماعة ليس الجاهل بنجاسة ماء الطهارة كالجاهل بنجاسة الثوب والبدن والمكان. وفى الدرة وارشاد الجعفرية الاجماع على ذلك، وتحقيق المقام أن جاهل الحكم - وهو الجاهل بما اقتضاه الخطاب من وجوب وحرمة - حكمه وجوب الاعادة. فيما عدا الوصفين السابقين لأنه عامد. وأما جاهل الأصل - وهو الجاهل بمتعلق الوجوب أو الحرمة كالجاهل بكون الجلد مذكى أو كون الخاتم ذهبا - فضابطه ان الوجوب اذا أنيط بوصف فواته مانع من تأثير محله المطلوب شرعا بالكلية كنجاسة الماء وكونه مضافا فالجاهل فيه كالعامد فى وجوب الاعادة. وان لم يكن فوات الوصف المناط به مانعا من التأثير الشرعى بالكلية. فان كان خلاف الاصل وجب الأخذ بالعلامة المنصوبة شرعا لأن الحكمة تقتضى نصب علامة عليه فان جهله ولم يأخذ بالعلامة وجب الاعادة كذكاة الجلد فان علامة ذلك شرعا أخذ من يد مسلم وكونه مأكول اللحم وعلامته للجاهل اجبار المسلم، وكون الثوب من جنس ما لا يصلى فيه وكون المسجد أرضا أو ما فى حكمها كذلك. ولو أخذه بالعلامة المنصوبة أجزأ وان ظهرت المخالفة. وان لم يكن الوصف خلاف الأصل كاباحة الماء والثوب والمكان وطهارة الأخيرين فلا اعادة على الجاهل أما مطلقا أو خارج الوقت على اختلاف الرأيين فى النجاسة. ومن هذا يعلم حكم الحرمة لأنها تعاكس فبيان حكمه مغن عن بيان حكمها وهل الجهل بنجاسة موضع السجود كالجهل بنجاسة الثوب والبدن؟ صريح الشرائع والنافع والمعتبر وغيرها ان الحكم فيهما واحد وهو قضية كلام الشيخ فى المبسوط والجمل حيث قال يعيد من سجد على موضع النجس بعد علمه بذلك (١). وجاء فى الخلاف أن المصلى اذا نسى التشهد الأول من صلاة رباعية أو ثلاثية وذكر قبل الركوع من الثانية عاد فجلس وتشهد وبنى وليس عليه شئ. وان ذكر بعد الركوع مضى فى صلاته فاذا سلم قضى التشهد ثم سجد سجدتى السهو وذلك لاجماع الفرقة واجماع الفرقة حجة.

стр. 5616

وروى سليمان بن خالد رضى الله تعالى عنه قال سألت ابا عبد الله ﵇ عن رجل نسى أن يجلس فى الركعتين الأوليين فقال ان ذكر قبل أن يركع فليجلس وان لم يذكر فليتم الصلاة حتى اذا فرغ فليسلم وليسجد سجدتى السهو. وروى الحسين بن ابى العلاء عن أبى عبد الله ﵇ قال سألته عن الرجل يصلى الركعتين من المكتوبة فلا يجلس فيهما حتى يركع فى الثالثة، قال يتم صلاته ويسجد سجدتين وهو جالس قبل ان يتكلم (١). ومن ترك سجدة من الركعة الأولى ناسيا حتى قام الى الثانية. فان ذكر قبل الركوع عاد فسجد وليس عليه ان يجلس ثم يسجد سواء جلس فى الأولى جلسة الفصل أو جلسة الاستراحة أو لم يجلس وان لم يذكر حتى ركع مضى فى صلاته فاذا سلم قضى تلك السجدة وسجد سجدتى السهو. ومن أصحابنا من قال أن ترك سجدة من الركعتين الأوليين حتى يركع استأنف. وان تركها من الاخيرتين عمل على ما ذكرناه ودليلنا على القول الأول ما رواه ابو بصير رضى الله تعالى عنه قال سألته عمن نسى أن يسجد سجدة واحدة فذكرها وهو قائم قال يسجدها اذا ذكرها ما لم يركع فان كان قد ركع فليمض على صلاته فاذا انصرف قضاها وليس عليه سهو. وروى اسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله فى رجل نسى أن يسجد السجدة الثانية حتى قام فذكر وهو قائم انه لم يسجد قال فليسجد ما لم يركع فاذا ركع فذكر بعد ركوعه انه لم يسجد فليمض على صلاته حتى يسلم ثم يسجدها فانها قضاء والذى يدل على القول الثانى من قول اصحابنا ما رواه احمد بن محمد بن أبى نصر رحمه الله تعالى قال سألت أبا الحسن ﵇ عمن رجع يصلى ركعتين ثم ذكر فى الثانية وهو راكع انه ترك سجدة من الأولى فقال كان أبو الحسن ﵇ يقول اذا تركت السجدة فى الركعة الأولى فلم تدر واحدة أو اثنتين استقبلت الصلاة حتى تصح لك ثنتان واذا كان فى الثالثة والرابعة فتركت سجدة بعد أن تكون حفظت الركوع أعدت السجود، وهذا الخبر لا ينافى الأول لأن هذا الحكم يختص بمن شك فلم يذكر فلزمه الاعادة وانما يجوز له المضى فى الصلاة واعادة السجدة بعد التسليم اذا كان ذلك مع العلم ولا تنافى بين هذه الأخبار (٢). واذا أكل الصائم أو شرب ناسيا لم يفطر وكذلك الجماع وبه قال الشافعى وأصحابه رضى الله تعالى عنهم. وهو المروى عن على كرم الله وجهه وكذا عن ابن عمر وابى هريرة رضى الله تعالى عنهم ودليلنا على ذلك اجماع

стр. 5617

الفرقة، وأيضا لأن الأصل براءة الذمة وليس على ايجاب القضاء والكفارة على الناسى دليل، وروى عن رسول الله ﷺ انه قال رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، وروى ابو هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: من صام ثم نسى فأكل وشرب فليتم صومه ولا قضاء عليه، الله أطعمه وسقاه (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح طلعة الشمس ان النسيان مسقط لحق الله عن العباد اذا لم يكن الناسى مقصرا فى ذلك فلا اثم على من فوت الصلاة أو الصوم أو نحوهما نسيانا وكذلك لا كفارة عليه لعدم تقصيره لأن الكفارات نوع عقوبة ولا عقوبة على غير المقصر. أما لو قصر فى أداء ذلك الواجب فانه يلزمه على تقصيره ما يلزم المقصر، مثاله لو سها المصلى حتى أكل أو شرب أو انضجع نائما أو نحو ذلك فانه يكون فى هذه الصورة ونحوها مقصرا اذ لو لم يكن مقصرا فى المحافظة على عبادته لما سها هذا السهو. هذا فى حق الله تعالى. وأما حق العباد فلا يسقط بالنسيان بل يجب عليه عزمه مطلقا ولا اثم عليه فيما أتلفه بالنسيان لأن حرمة الاتلاف من حقوق الله تعالى على معنى أن الله تعالى هو الذى حرم ذلك (٢). أما الخطأ فهو أن يفعل فعلا من غير أن يقصده قصدا تاما وذلك أن اتمام قصد الفعل بقصد محله. وفى الخطأ يوجد قصد الفعل دون قصد المحل، وهذا مراد من قال انه فعل يصدر بلا قصد اليه عند مباشرة أمر مقصود سواه، وهو عذر يسقط به الوزر لقول رسول الله ﷺ : «رفع عن امتى الخطأ والنسيان» الى آخر الحديث، والمراد رفع الاثم، وكذلك يسقط بالخطأ الحد والقصاص أى اذا فعل المخطئ ما يوجب الحد والقصاص خطأ فلا يقام عليه الحد ولا ينفذ فيه القصاص لشبهة الخطأ. اما الخطأ فى موجب الحد فكما لو قصد الى مدح انسان فسبق لسانه بقذفه مع قيام القرائن على صحة قصده. واما الخطأ فى موجب القصاص فلا خلاص قصده الى غير الفعل الذى فعله، لكن يلزم من قتل مؤمنا خطأ تحرير رقبة مؤمنة فان لم يجد فصيام شهرين ودية على عاقلته مسلمة الى أهل المقتول. أما الكفارة فعقوبة عدم التثبت منه،

стр. 5618

وأما الدية فجبر دم المؤمن، واما كونها على العاقلة فهو تخفيف له حيث لم يقصد الى قتله ولا يسقط الخطأ شيئا من حقوق الخلق فيلزم من أخطأ فى مال الغير ضمانه (١). أما الجهل فانه بالنظر الى حال الجاهلين على أربعة أقسام: القسم الأول: هو ما لا يقبل فى الديانة مثل جهل من يعبد الصنم من دون الهه تعالى فان عبادة الأصنام لم تكن فى حال من الديانة فهى باطلة فى جميع الشرائع فالتمسك بها ضلال ظاهر لظهور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على بطلانها، ولهذا كان حكم أهل هذا النوع اجراء حكم الشرع عليهم. القسم الثانى: هو ما يقبل الدينونة مثل جهل أهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى وغيرهم شريعة نبينا ﷺ فان جهلهم فى ذلك قابل للدينونة سواء كان أهل الكتب السابقة عجما أو عربا لأن المعتبر هنا الديانة لا النسب وسواء كانوا جاهلين بحقيقة نبينا أم متجاهلين بها فانا نقطع أن فى اليهود والنصارى من يعرف ان ما جاء به نبينا ﷺ حق لقول الله : «يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (٢). لكن لما كان علمهم بذلك غير نافع لهم حيث لم يعملوا بموجبه نزلوا فى ذلك منزلة من لا يعلم فأجرى عليهم أحكام الجاهلين من أهل ملتهم، ولأهل هذا الصنف أحكام يرجع الى تفصيلها فى أحكام أهل الحرب وأهل الذمة. القسم الثالث: هو جهل دون جهل من مر من عباد الأصنام وأهل الكتب السالفة وذلك جهل من اعترف بالاسلام وهو على أنواع ثلاثة: النوع الأول: جهل من اعتقد فى دينه الهوى بجهله صفات المولى أو بجهله حكم الله فى الآخرة وذلك كجهل الأشعرية ومن وافقهم فى اعتقادهم أن صفات الذات معان حقيقية قائمة بالذات وفى اعتقادهم أن ذاته تعالى يصح أن ترى وانها سترى . وفى اعتقادهم ان الشفاعة لأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ وفى اعتقادهم خروج الفاسق من النار وهذا كله جهل لما عليه الأدلة الشرعية لكنهم تأولوا تلك الأدلة وحكم هؤلاء أن يبين لهم فساد معتقدهم ويوضح لهم الحق فان قبلوه والا دعاهم الامام الى الدخول فى طاعته فان اذعنوا بذلك كان لهم ما لنا وعليهم ما علينا ويتركون ومعتقدهم لكن يمنعون من الدعوة اليه ومن اظهاره للعوام مخافة التلبيس فان لم يمتنعوا عاقبهم الامام بقدر ما يرى من العقوبة فى ذلك. النوع الثانى: جهل البغاة وقد تقدم حكمه فى اعذار الباغى. النوع الثالث: جهل يكون شبهة يدرأ به الحد دون غيره من الأحكام وذلك كمن تسرى أمة زوجته يظن انها له فى ذلك مثل أمته فان

стр. 5619

هذا جاهل بحكم الله فى قضيته فلا يرجم لأن الحدود تدرأ بالشبهات لكن يصح لنا أن نبرأ منه لأن البراءة بغض على معصية الله وهو قد عصى. وان كان جاهلا فانه لا يسعه جهله بذلك وعليه أن يتوب من فعله ولا يكون درء الحد عنه دليلا على عذره فانه غير معذور فى ذلك. القسم الرابع: من أقسام الجهل وهو ما يكون عذرا لصاحبه لا اثم يلحقه بسببه فهو كجهل الوكيل عزله عن الوكالة أو جهل الشفيع شفعته أو جهل المتزوج انسابه أو جهل لحم الخنزير المقطع فأكله من يد من تجوز ذبيحته ونحو ذلك بيانه ان الوكيل اذا عزله الموكل ولم يعلم بالعزل فان جهله بالعزل يكون عذرا له فى التصرف فى مال الموكل حتى قيل انه لو باع أو اشترى على مقتضى الوكالة نفذ تصرفه وثبت بيعه وشراؤه وكذلك الشفيع اذا بيعت شفعته ولم يعلم ببيعها ثم علم بعد ذلك فان له أخذ شفعته بعد العلم ببيعها ولا يكون جهله ببيعها مسقطا لحقه وكذلك من تزوج ذات محرم منه ولم يعلم انها ذات محرم فان جهله بنسبها يكون عذرا فى رفع الحرج عنه فمتى علم انها ذات محرم لزمه تركها وكذلك من أكل لحم الخنزير المقطع من يد من يجوز له أكل اللحم من يده وهو لا يعلم انه لحم خنزير فانه لا اثم عليه فى أكله فصار جهله عذرا له فى ذلك أما من وجد الخنزير قائما فلا يسعه أكل لحمه. وان كان لا يعرف الخنزير لأن عين الخنزير معروفة عند من يعرف الخنزير. فاذا لم يعلم هذا المبتلى ما تلك العين لزمه ان لا يأكله لأنه حرام فى دين الله تعالى وعينه شاهدة على معرفته فالجهل به انما هو جهل مع قيام الحجة ونصب الأدلة فلا يكون عذرا (١). اعذار المكره مذهب الحنفية: جاء فى كشف الأسرار على أصول البزدوى ان الاكراه ثلاثة أنواع: نوع يعدم الرضاء: ويفسد الاختيار نحو التهديد بما يخاف به على نفسه أو عضو من أعضائه لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس تبعا لها. ونوع يعدم الرضاء ولا يفسد الاختيار نحو الاكراه بالقيد أو الحبس مدة مديدة أو بالضرب الذى لا يخاف به التلف على نفسه وانما لم يفسد به الاختيار لعدم الاضطرار الى مباشرة ما اكره عليه لتمكنه من الصبر على ما هدد به. ونوع آخر: لا يعدم الرضا فلا يفسد به الاختيار ضرورة لأن الرضاء مستلزم الصحة الاختيار، وهو أن يقصد المكره بحبس ابى المكره أو ولده أن يغتم المكره بسبب حبس

стр. 5620

ابيه وما يجرى مجراه من حبس زوجته وامه واخته وأخيه وكل ذى رحم محرم منه لأن القرابة المتأبدة بالمحرمية بمنزلة الولاد. والاكراه بجميع أقسامه لا ينافى أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء لأنها ثابتة بالذمة والعقل والبلوغ. والاكراه لا يخل بشئ من ذلك، ثم هو كذلك لا يوجب سقوط الخطاب بها عن المكره بحال سواء كان ملجئا او لم يكن، لأن المكره مبتلى والابتلاء يحقق الخطاب، ألا ترى أن المكره فى الاتيان بما اكره عليه متردد بين كونه مباشر فرض كما لو اكره على أكل الميتة أو شرب الخمر. بما يوجب الالجاء فانه يفترض عليه الاقدام على ما اكره عليه حتى لو صبر ولم يأكل ولم يشرب حتى قتل يعاقب عليه لثبوت الاباحة فى حقه فى هذه الحالة بالاستثناء المذكور فى قول الله : «إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» (١). وبين كونه مباشر محظور كما فى الاكراه على الزنا وقتل النفس المعصومة، وبين اباحته كما فى اكراه الصائم على افساد الصوم فانه يبيح له الفطر، وبين رخصته كما فى الاكراه على الكفر فانه ترخص له اجراء كلمة الكفر على اللسان. وتردد المكره بين هذه الأمور علامة لثبوت الخطاب فى حقه لأن هذه الأشياء لا تثبت بدون الخطاب (٢). والاكراه لا ينافى الاختيار لأن الاختيار لو سقط لتعطل الاكراه وهذا لأن المكره - بكسر الراء - حمله على اختيار الفعل وقد وافق المكره الحامل فيكون مختارا فى الفعل ضرورة، ولكونه مختارا كان مخاطبا فى عين ما أكره عليه فثبت من ذلك أن الاكراه بنفسه لا يصلح لابطال حكم شئ من الاقوال مثل الطلاق والعتاق والبيع ونحوها، ولا لابطال حكم شئ من الافعال مثل القتل واتلاف المال وافساد الصلاة والصوم ونحوها، فيثبت موجب هذه الجملة لكونها صادرة عن أهلية واختيار، لكن يتغير الحكم بدليل غيره بعد ما صح الفعل فى نفسه كما يتغير فعل الطائع بدليل يلتحق به يوجب تغيير موجبه، فان موجب قوله انت طالق أو أنت حر - وهو وقوع الطلاق أو العتاق - يثبت عقيب التكلم به الا اذا لحق به مغير من تعليق أو استثناء وكذلك موجب فعله كشرب الخمر أو الزنا أو السرقة ثابت فى الحال الا اذا تحقق مانع بأن تحققت هذه الأفعال فى دار الحرب أو تحققت فيها شبهة فكذا يثبت موجب اقوال المكره وأفعاله الا عند وجود المغير (٣). والمعنى الذى تدور عليه الاحكام أن الاكراه عندنا لا يوجب تبديل الحكم بحال سواء كان ملجئا أو غير ملجئ بل يبقى حكمه، ولا يوجب تبديل محل الجناية ولا يوجب تبديل النسبة الا بطريق واحد وهو أن تجعل المكره - بالفتح - آلة المكره - بالكسر -

стр. 5621

وجعل المكره آلة لا باعتبار أن الاكراه يفوت اختياره أصلا ولكن لأنه يفسد اختياره به لتحقق الالجاء. اذ الانسان مجبول على حب حياته وذلك يحمله على الاقدام على ما اكره عليه فيفسد به اختياره من هذا الوجه، والفاسد فى معارضته الصحيح كالمعدوم فيصير الفعل منسوبا الى المكره لوجود الاختيار الصحيح والمكره يصير آلة له لعدم اختياره حكما فى معارضته الاختيار الصحيح (١). والاكراه الذى له أثر فى الأحكام نوعان: حرمة لا تزول ولا تسقط نحو حرمة الزنا والقتل لان القتل لا يحل لضرورة ما فلا يحل بهذه الضرورة أيضا لأن حرمة نفس غيره مثل حرمة نفسه فلا يجوز أن يجعل اهلاك نفس غيره طريقا الى صيانة نفسه والزنا فى حكم القتل أيضا. وحرمة لا تحتمل السقوط أصلا مثل حرمة الميتة وشرب الخمر. وحرمة لا تحتمل السقوط لكنها تحتمل الرخصة نحو حرمة اجراء كلمة الكفر فانها لا تحتمل السقوط أبدا لكن تدخلها الرخصة اى تسقط المؤاخذة بالمباشرة مع قيام الحرمة، وحرمة تحتمل السقوط لكنها لا تسقط بعذر الاكراه واحتملت الرخصة كحرمة اتلاف مال الغير فانها تحتمل السقوط باباحة صاحبه ولم تسقط بعذر الاكراه كما لم تسقط بعذر المخمصة لأن حرمته لحق الغير، وحقه باق فى حالة الاكراه والاضطرار لكنها تحتمل الرخصة حتى رخص له الاتلاف بالاكراه والأكل بالمخمصة مع بقاء الحرمة (٢). ثم ينظر. فان كان التصرف المكره عليه من جنس ما لا ينفسخ ولا يتوقف على وجود الرضا والاختيار لم يبطل بالاكراه مثل الطلاق والعتاق والنكاح لأن ذلك لا يبطل بالهزل وهو ينافى الاختيار والرضاء بالحكم ولا يبطل شرط الخيار وهو ينافى الاختيار أصلا فلأن لا يبطل بما يفسد الاختيار أولى (٣). وأما التصرف الذى يحتمل الفسخ ويتوقف على الرضاء مثل البيع والاجارة ونحوهما فانه يقتصر على المباشر أيضا كالذى لا يحتمل الفسخ لأن الأقوال كلها تقتصر على المتكلم الا أن الذى يحتمل الفسخ ويتوقف على الرضاء ينعقد فاسدا لأن الاكراه لا يمنع انعقاد أصل التصرف لصدوره من أهله فى محله ولكنه يمنع نفاذه لفوات الرضاء الذى هو شرط النفاذ بالاكراه فينعقد بصفة الفساد. ولا تصح الأقارير كلها حتى لو اكره بقتل أو اتلاف عضو أو حبس أو قيد على أن يقر بعتق ماض او طلاق او نكاح او رجعة او فئ

стр. 5622

فى ايلاء أو عفو عن دم عمد أو بيع أو اجارة أو دين فى ذمته لانسان أو ابراء عن دين أو على ان يقربا سلام ماض كان الاقرار باطلا لأنه اذا هدد بما يخاف التلف على نفسه فهو ملجأ الى الاقرار محمول عليه. والاقرار خبر متردد بين الصدق والكذب. وانما يوجب الحق باعتبار رجحان جانب الصدق ودلالته على وجود المخبر به وذلك يفوت بالالجاء لأن قيام السيف على رأسه دليل على أن اقراره هذا لا يصلح للدلالة على المخبر به لأنه يتكلم به دفعا للسيف عن نفسه وكذا ان هدد بحبس أو قيد لأن الرضاء ينعدم بالحبس والقيد لما يلحقه من الهم، وعدم الرضاء يمنع ترجيح جانب الصدق فى اقراره (١). والكامل من الاكراه. وهو الاكراه بالقتل أو القطع. والقاصرة منه - وهو الاكراه بالحبس أو القيد - فى الذى يحتمل الفسخ ويتوقف على الرضاء والاقارير كلها سواء لأن القاصر يعدم الرضاء وعدمه يمنع النفاذ ويدل على عدم المخبر به (٢). مذهب الملكية: جاء فى نهاية السول فى شرح منهاج الوصول أن الاكراه قسمان: اكراه قد ينته الى حد الالجاء وهو الذى لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار كالالقاء من شاهق واكراه قد لا ينته اليه كما لو قيل له ان لم تقتل هذا والا قتلتك وعلم انه ان لم يفعل والا قتله الأول يمنع التكليف اى بفعل المكره عليه وبنقيضه. قال فى المحصول لأن المكره عليه واجب الوقوع وضده ممتنع والتكليف بالواجب والممتنع محال. وهذا القسم لا خلاف فيه. وأما الثانى وهو غير الملجئ فمفهوم كلام صاحب منهاج الوصول انه لا يمنع التكليف. قال ابن التلمسانى رحمه الله تعالى: وهو مذهب أصحابنا رحمهم الله تعالى لأن الفعل ممكن والفاعل متمكن. قال: وذهبت المعتزلة الى أنه يمنع التكليف فى عين المكره عليه دون نقيضه، فانهم يشترطون فى المأمور به أن يكون بحال يثاب على فعله. واذا اكره على عين المأمور به فالاتيان به لداعى الاكراه لا لداعى الشرع فلا يثاب فلا يصح التكليف به بخلاف ما اذا أتى بنقيض

стр. 5623

المكره عليه فانه أبلغ فى اجابة داعى الشرع (١). وجاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليه أن الاكراه. أما شرعى. أو غير شرعى. ومذهب المدونة أن الاكراه الشرعى - وهو الاكراه على الفعل الذى تعلق به حق لمخلوق - مقطوع يقع به الطلاق جزما خلافا للمغيرة رحمه الله تعالى، كما لو حلف بالطلاق لا تخرج زوجته فأخرجها قاض لتحلف عند المنبر، وكما لو حلف فى نصف عبد يملكه لا باعه فاعتق شريكه نصفه فقوم عليه نصيب الحالف وكمل به عتق الشريك، او حلف لا يشترى نصيب شريكه فى العبد فاعتق الحالف نصيبه فقوم عليه نصيب شريكه لتكميل عتقه لزمه الطلاق على المذهب خلافا للمغيرة رحمه الله تعالى حيث قال بعدم لزوم الطلاق. والمختار هنا مذهب المغيرة فلا يحنث المكره سواء اكره على قول كما مر أو على فعل كأن يحلف بطلاق لا أدخل دارا فأكره على دخولها أو حمل وأدخلها مكرها خلافا لابن حبيب رحمه الله تعالى الذى يقول بالحنث فى الاكراه الفعلى وهو مقيد بما اذا كانت صيغة بر. فان كانت صيغة حنث نحو أن لم أدخل الدار فى طالق فأكره على عدم الدخول فانه يحنث كما قدمه فى اليمين حيث قال: ووجبت الكفارة بالحنث ان انتفى الاكراه برأى بان لا يكون اكراه أصلا أو كان اكراه فى صيغة الحنث، ومفهومه انه اذا أكره على صيغة البر فلا حنث. ومقيد بما لم يأمر الحالف غيره أن يكرهه وبما اذا لم يعلم حين الحلف انه سيكره بعده وبما اذا لم يقل فى يمينه لا أدخلها طوعا ولا كرها وان لا يفعله بعد زوال الاكراه والحنث حيث كانت يمينه غير مقيدة بأجل. وأما لو كانت مقيدة بأجل وفرع وفعل الحلوف عليه بعده طائعا فلا حنث (٢). ومثل الاكراه على الطلاق فى عدم اللزوم. الاكراه على العتق والنكاح والاقرار نحو ان لم تعتق عبدك أو أن لم تزوجنى بنتك أو أن لم تقر بأن فى ذمتك كذا قتلتك أو ضربتك أو سجنتك أو صفعتك بملأ أو قتلت ولدك أو نهبت مالك أو نحو ذلك فاذا خاف واعتق أو زوج أو أقر أو باع فلا يلزمه ذلك. وكذلك الحكم فى الاكراه على اليمين ونحوه كالبيع والشراء وسائر العقود كعقد الاجارة والجعالة والصرف والهبة فانها لا تلزم بالاكراه نحو أن

стр. 5624

يقول له ان لم تحلف بالله أو بالمشى الى مكة أو بصوم العام او بعتق عبدك على أن لا تكلم زيدا أو لا تدخل دارى لقتلتك أو ضربتك أو سجنتك أو صفعتك بملأ أو قتلت ولدك أو نهبت مالك فاذا خاف انه اذا لم يحلف له يفعل معه شيئا مما ذكره فحلف له فلا تنعقد تلك اليمين فاذا فعل المحلوف عليه لم يلزمه شئ. أما الاكراه على الاتيان بما يقتضى الاتصاف بالكفر من قول أو فعل فلا يتحقق فيه الاكراه الا بالخوف من القتل فقط، ومثل ذلك الاكراه على سب رسول الله ﷺ وكذا سب نبى مجمع على نبوته أو ملك مجمع على ملكيته او الحور العين فلا يجوز القدوم عليه الا اذا خاف على نفسه القتل. أما من لم يجمع على نبوته كالخضر ﵇. ومن لم يجمع على ملكيته كهاروت وماروت فيجوز سبهما اذا خاف مؤلما مما مر ولو كان غير القتل كذا فى عبد الباقى وفيه ان سب الصحابة لا يجوز الا بالقتل فهم أولى فالذى ينبغى أنهم كالصحابة ولا يجوز سبهم الا بمعاينة القتل. ولا يجوز قذف المسلم وكذا سب الصحابة ولو بغير قذف الا اذا خاف على نفسه من معاينة القتل لا بغير ذلك ولو بقطع عضو ولو خوف بغير القتل كالضرب وقتل الولد ونهب المال ففعل شيئا من ذلك ارتد وحد للمسلم وكذا الحكم بالنسبة للمرأة لا تجد من القوت ما يحفظ بقية حياتها ولو بميتة أو خنزير الا لمن يزنى بها فيجوز لها الزنا بما يشبعها لا بما يحفظ حياتها فقط، فاذا وجدت من يزنى بها ويشبعها ومن يزنى بها ويحفظ حياتها زنت لمن يشبعها ولو كان يزنى بها أكثر من ذلك، والمرأة بخلاف الولد فلا يجوز له أن يمكن من اللواط فيه ولو ادى الجوع الى موته. ومفهوم المرأة أن الرجل اذا لم يجد ما يحفظ حياته الا ان يزنى بامرأة تعطيه ما يحفظ فليس له ذلك نظرا لانتشاره، قاله فى عبد الباقى. والحق انه يجوز اذا كانت طائعة ولا مالك لبضعها من زوج أو سيد. وصبر من ذكر - وهو من اكره على الكفر أو سب النبى أو قذف المسلم بالقتل - على القتل كصبر المرأة على الموت افضل عند الله واكثر ثوابا. هذا بخلاف الاكراه على قتل المسلم ولو رقيقا فلا يجوز بخوف القتل. فاذا قال له ظالم ان لم تقتل فلانا قتلتك فلا يجوز له قتله ويجب عليه أن يرضى بقتل نفسه. وكذا لا يجوز بخوف القتل أن يقطع المسلم ولو أنملة بل يرضى بقتل نفسه ولا يقطع انملة غيره، ومثل ذلك ماذا قال له الظالم ان لم تزن بفلانة قتلتك فلا يجوز له الزنا بها ويجب عليه الرضا بقتل نفسه اذا كانت تلك المرأة مكرهة او كانت طائعة وكانت ذات زوج أو سيد. أما لو كانت طائعة ولا زوج لها ولا سيد فيجوز له الزنا بها اذا خوف بالقتل لا بغيره، كذا قاله الدردير رحمه الله تعالى، وفيه نظر

стр. 5625

ففى المواق عن ابن رشد أن سحنونا رحمه الله تعالى سوى بين الزنا بالطائعة التى لا زوج لها ولا سيد وبين شرب الخمر وأكل الميتة. ومن اكره على الحلف على طاعة سواء كانت تلك الطاعة تركا أو فعلا فهل تلزمه تلك اليمين او لا تلزمه؟ قولان. الأول: منهما قول مطرف وابن حبيب رحمهما الله تعالى. والثانى: قول اصبغ وابن الماجشون رحمهما الله تعالى. والظاهر منهما القول الثانى. فاذا اكره على الحلف بالله أو بالطلاق أو بالمشى الى مكة أنه لا يشرب الخمر أو لا يغش المسلمين أو ليتصدقن بكذا أو ليصلين أول الوقت، فمتى شرب أو غش ومتى لم يتصدق بما حلف عليه أو أخر الصلاة عن أول الوقت حنث. ولا يعد مكرها على القول الأول. وعلى القول الثانى - وهو الظاهر - لا يحنث نظرا للاكراه. واما لو اكره على يمين متعلقة بمعصية كان أكره على أن يحلف ليشربن الخمر أو يمين متعلقة بمباح كمن أكره على الحلف ليدخلن الدار لم تلزمه اليمين اتفاقا (١). مذهب الشافعية: وجاء فى الاشباه والنظائر أن التلفظ بكلمة الكفر يباح بالاكراه للآية. ولا يجب بل الأفضل الامتناع مصابرة على الدين واقتداء بالسلف. وقيل الأفضل التلفظ صيانة لنفسه، وقيل ان كان ممن يتوقع منه النكاية فى العدو والقيام بأحكام الشرع فالأفضل التلفظ لمصلحة نقائه، والا فالأفضل الامتناع. أما القتال المحرم لحق الله ولا يباح به بلا خلاف، بخلاف المحرم للمالية كنساء الحرب، وصبيانهم فيباح به، وكذا لا يباح الزنا بالاكراه بالاتفاق أيضا لأن مفسدته افحش من الصبر على القتل وسواء كان المكره رجلا أو امرأة، ومثل الزنا اللواط، صرح به فى الروضة. أما الاكراه على القذف فقد قال العلائى رحمه الله تعالى: لم أر من تعرض له. وفى كتب الحنيفة انه يباح بالاكراه، ولا يجب به حد، وهو الذى تقتضيه قواعد المذهب. قال السيوطى رحمه الله تعالى: قد تعرض له ابن الرفعة رحمه الله تعالى فى المطلب، فقال: يشبه أن يلتحق بالتلفظ بكلمة الكفر ولا ينظر الى تعلقه بالمقذوف لأنه لم يتضرر به. قال فى المطلب: ويظهر أن السرقة تلتحق باتلاف المال لأنها دون الاتلاف: قال فى الخادم

стр. 5626

وقد صرح جماعة باباحتها منهم القاضى حسين رحمه الله تعالى فى تعليقه. قال السيوطى: وجزم به الأسنوى رحمه الله تعالى فى التمهيد. أما الاكراه على شرب الخمر فيباح به شربها قطعا استبقاء للمهجة كما يباح لمن غص بلقمة أن يسيغها به ولكن لا يجب على الصحيح كما فى أصل الروضة. وكذا يباح بالاكراه شرب البول وأكل الميتة. وفى الوجوب احتمالان للقاضى حسين رحمه الله تعالى. قال السيوطى: ينبغى أن يكون أصحهما الوجوب وكذا يباح بالاكراه اتلاف مال الغير، بل يجب قطعا كما يجب على المضطر أكل طعام غيره. أما شهادة الزور: فان كانت تقتضى قتلا أو قطعا ألحقت به. وان كانت تقتضى اتلاف مال ألحقت به أو جلدا فهو محل نظر اذ يفضى الى القتل. كذا فى المطلب. وقال الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى: لو أكره على شهادة زور أو حكم باطل فى قتل أو قطع أو احلال بضع استسلم للقتل. وان كان يتضمن اتلاف مال لزمه ذلك حفظا للمهجة. ويباح بالاكراه الفطر فى رمضان. بل يجب على الصحيح، وكالفطر فى ذلك الاكراه على الخروج من صلاة الفرض. وقد ضبط الأودنى رحمه الله تعالى هذه الصور بأن ما يسقط بالتوبة يسقط حكمه بالاكراه. وما لا يسقط بالتوبة فلا يسقط بالاكراه نقله فى الروضة وأصلها. قال فى الخادم: وقد أورد عليه شرب الخمر فانه يباح بالاكراه ولا يسقط حده بالتوبة وكذلك القذف (١). قال السيوطى وقد اختلف أهل الاصول فى تكليف المكره على قولين، وفصل الامام فخر الدين واتباعه رحمهم الله تعالى فقالوا: ان انته الاكراه الى حد الالجاء لم يتعلق به حكم وان لم ينته الى ذلك فهو مختار وتكليفه جائز شرعا وعقلا. وقال الغزالى رحمه الله تعالى فى البسيط الاكراه يسقط اثر التصرف عندنا الا فى خمس مواضع وذكر اسلام الحربى والقتل والارضاع والزنا والطلاق اذا أكره على فعل المعلق عليه وزاد عليه غيره مواضع وذكر النووى رحمه الله تعالى. تهذيبه أن يستثنى مائة مسئلة لا أثر للاكراه فيها ولم يعددها. ولكنى بامعان النظر

стр. 5627

فى تتبعها استطعت الوصول الى جملة منها، وذلك نحو الاكراه على الحدث وهو من باب الاتلاف اذ هو اتلاف للطهارة. ولهذا لو أحدث ناسيا انتقض، ونحو الاكراه على افساد الماء بالاستعمال أو النجاسة او مغير طاهر فانه يفسد وهو أيضا من باب الاتلاف اذ لا فرق فيه بين العمد وغيره. ولو ألقى انسان فى نهر مكرها فنوى فيه رفع الحدث صح وضوئه. ومما لا أثر فيه للاكراه اذا اكره على غسل النجاسة ودبغ الجلد. وكذا الاكراه على التحول عن القبلة فى الصلاة فتبطل. وكذا الاكراه على الكلام فيها فتبطل فى الأظهر لندوره ومثله الاكراه على فعل ينافى الصلاة. والاكراه على ترك القيام فى الفرض، والاكراه على تأخير الصلاة عن الوقت - حيث تصير قضاء. والاكراه على تفرق المتصارفين قبل القبض فيبطل كما ذكره فى الاستقصاء وغيره ولو ضربا فى خيار المجلس حتى تفرقا ففى انقطاع الخيار قولا حنث المكره. ولو اكره على اتلاف مال الغير فانه يطالب بالضمان وان كان القرار على المكرة فى الأصح. وكذا الحكم لو اكره على اتلاف الصيد، بخلاف ما لو حلق شعر محرم مكرها لا يكون للمحرم طريقا فى الضمان على الأظهر لأنه لم يباشر. ولو اكره على الأكل فى الصوم فانه يفطر فى أحد القولين. وصححه الرافعى رحمه الله تعالى فى المحرر. ولو اكره على الجماع فى الصوم أو فى الاحرام ففيه طريقان فى أصل الروضة بلا ترجيح. احدهما يفسد قطعا بناء على أن اكراه الرجل على الوط ء لا يتصور. والثانى فيه وجهان بناء على الناسى ولو اكره على الخروج من المعتكف فانه يبطل فى أحد القولين كالأكل فى الصوم. ولو اكره على اعطاء الوديعة لظالم فانه يضمن فى الأصح، ثم يرجع على من أخذ منه، وكذا لو اكره على الذبح او الرمى من محرم أو مجوسى لحلال ومسلم ولو اكره على تخليل الخمر بلا عين. قال الاسنوى رحمه الله تعالى: يحتمل الحاقه بالمختار ويحتمل القطع بالطهارة. ولو اكره على الوط ء حصل به الاحصان واستقر المهر وحلت الموطوءة للمطلق ثلاثا ولحقه الواطئ الولد وصارت الموطوءة اذا كانت امته بذلك الوط ء مستولدة، ويلزمه المهر فى غير الزوجة. ولو اكره على القتل وجب القصاص على المكره فى الاظهر.

стр. 5628

ولو اكره على ترك الوضوء فتيمم. قال الرويانى رحمه الله تعالى: لا قضاء عليه، وقال النووى رحمه الله تعالى: فيه نظر قال: لكن الراجح ما ذكره لأنه فى معنى من غصب ماؤه. قال الاسنوى رحمه الله تعالى والمتجه خلافه لأن الغصب كثير معه د بخلاف الاكراه على ترك الوضوء فعلى هذا يستثنى. أما الاكراه على السرقة فقيل لا يسقط الحد. ولو أكره على قتل مورثه لا يرث على الصحيح، ولو اكره على الارضاع حرم اتفاقا وأوجب المهر اذا انفسخ به النكاح على المرضعة على الاصح. قال الأسنوى رحمه الله تعالى، وفيه نظر. ولو اكره على القذف وجب عليه الحد فى وجه. ولو اكره على الاذان أو على فعل الصلاة أو الوضوء وأركان الطهارة أو الصلاة أو الحج أو اداء الزكاة أو الكفارة أو الدين أو بيع ماله فيه أو الصوم أو الاستئجار للحج أو الانفاق على رقيقه وبهيمته وقريبه أو اقامة الحدود أو اعتاق المنذور عتقه كما صرح به فى البحر والمشترى بشرط العتق وطلاق المولى اذا لم يطأ واختيار من أسلم على أكثر من أربع وغسل الميت والجهاد، فكل ذلك يصح مع الاكراه (١). مذهب الحنابلة: (٢) جاء فى روضة الناظر أن العلماء اختلفوا فى دخول المكره تحت التكليف. فذهب ابن قدامه رحمه الله تعالى الى انه مكلف مطلقا، لأنه يفهم ويسمع ويقدر على تحقيق ما أمر به وتركه. وفضل ابن قاضى الجبل وصاحب تحرير المنقول فقالا اذا انته الاكراه الى سلب القدرة والاختيار حتى صار كآلة تحمل فهذا غير مكلف، وقال البرماوى رحمه الله تعالى المكره كالألة يمتنع تكليفه قيل باتفاق، واذا كان الاكراه بضرب أو تهديد بحق أو غيره فصاحبه مكلف عند أكثر العلماء خلافا للمعتزلة والطوقى من أصحابنا قال صاحب الروضة: وعندى أن الاكراه ان كان بالالجاء والقسر حتى صار صاحبه كآلة تحمل كان صاحبه غير مكلف والا فهو مكلف، وذلك أن أعظم ما يكون به

стр. 5629

الاكراه القتل بأن يقال لزيد مثلا ان قتلت عمرا والا قتلناك فيقع التعارض عنده بين أن يقتل فيسلم أو يمتنع فيقتل فقد دار الأمر بين تفويت نفسه ونفس غيره، وهما سواء بالنسبة الى عدل الشرع فاذا أقدم المكره على القتل فقد رجح بقاء نفسه على فواتها وبقاء نفس غيره فصار مختارا وخرج عن حد الاكراه. كما لو اكره على طلاق زينب فطلق عمرة، أو أكره على الاقرار بدراهم فأقر بدنانير أو على العكس فيهما فان طلاقه واقراره يصح لأنه مختار بالنسبة الى زينب والدبنارين وانما كان الاكراه على غيره، بل هو فى صورة القتل أولى بأن يخرج عن حد الاكراه لما عرف من رجحان حرمة الدماء على الأموال. واذا تقرر ان المكره على القتل يخرج عن حد الاكراه لم يكن فيه دلالة على تكليف المكره لأنا نقول المكره على القتل يصير عند القتل مختارا لا مكرها فلذلك يقتل. قال الطوفى رحمه الله تعالى فى مختصره: والحق ان الخلاف فى هذه المسألة مبنى على خلق الافعال فمن رآها خلقا لله تعالى قال بتكليف المكره اذ جميع الأفعال واجبة بفعل الله تعالى. والتكليف بايجاد المأمورية منها وترك المنهى عنه غير مقدور وهذا أبلغ ومن لا فلا. قال صاحب نزهة الخاطر: وتحقيق الحق ان العدل الشرعى الظاهر يقتضى عدم تكليف المكره مطلقا لأن تكليفه اضرار به وتضييق لما وسعه الله تعالى والله تعالى لا يكلف عبده ما لا يطيقه (١). وجاء فى المغنى انه لا تختلف الرواية عن الامام احمد رحمه الله تعالى ان طلاق المكره لا يقع. وروى ذلك عن عمر وعلى وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر بن سمرة رضى الله تعالى عنهم وبه قال عبد الله بن عبيد بن عمير وعكرمه والحسن وجابر بن زيد وغيرهم وذلك لقول رسول الله ﷺ : «ان الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. رواه ابن ماجة رضى الله تعالى عنه، وروى عن السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا طلاق فى اغلاق» (٢). رواه أبو داود والأثرم رضى الله تعالى عنهما، ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم فى عصرهم فيكون اجماعا، ولأنه قول

стр. 5630

حمل عليه بغير حق فلم يثبت له حكم مثل كلمة الكفر اذا أكره عليها. وان كان الاكراه بحق نحو اكراه الحاكم المولى على الطلاق بعد التربص اذا لم يفى واكراهه الرجلين اللذين زوجهما وليان ولا يعلم السابق منهما على الطلاق وقع الطلاق لأنه قول حمل عليه بحق فصح كاسلام المرتد اذا اكره عليه ولأنه انما جاز اكراهه على الطلاق ليقع طلاقه فلو لم يقع لم يحصل المقصود (١). فان نيل بشئ من العذاب كالضرب والخنق والعصر والحبس والغط فى الماء مع الوعيد فانه يكون اكراها بلا اشكال لما روى ان المشركين أخذوا عمارا فأرادوه على الشرك فأعطاهم فانته اليه رسول الله ﷺ وهو يبكى فجعل يمسح الدموع من عينه ويقول: «أخذك المشركون فغطوك فى الماء وأمروك أن تشرك بالله ففعلت فان أخذوك مرة أخرى فافعل ذلك بهم» رواه ابو حفص باسناده. وقال عمر رضى الله تعالى عنه ليس الرجل أمينا على نفسه اذا أجعته أو ضربته أو وثقته وهذا يقتضى وجود فعل يكون به اكراها. فأما الوعيد بمفرده فعن أحمد فيه رايتان. احداهما: ليس باكراه لأن الذى ورد الشرع بالرخصة معه هو ما ورد فى حديث عمار، وفيه: انهم أخذوك فغطوك فى الماء فلا بثبت الحكم الا فيما كان مثله. والرواية الثانية ان الوعيد بمفرده اكراه. قال فى رواية ابن منصور رحمه الله تعالى: حد الاكراه اذا خاف القتل أو ضربا شديدا وهذا قول أكثر الفقهاء وبه يقول أبو حنيفة والشافعى رضى الله تعالى عنهما لأن الاكراه لا يكون الا بالوعيد فان الماضى من العقوبة لا يندفع بفعل ما اكره عليه، ولا يخشى من وقوعه. وانما أبيح له فعل المكره عليه دفعا لما يتوعده به من العقوبة لا يندفع بفعل ما اكره عليه ولا يخشى من وقوعه وانما أبيح له فعل المكره عليه دفعا لما يتوعده به من العقوبة فيما بعد. وهو فى الموضعين واحد ولأنه متى توعده بالقتل وعلم انه يقتله فلم يبح له الفعل أفضى الى قتله والقائه بيده الى التهلكة ولا يفيد ثبوت الرخصة بالاكراه شيئا لأنه اذا طلق فى هذه الحال وقع طلاقه فيصل المكره الى مراده ويقع الضرر بالمكره. وثبوت الاكراه فى حق من نيل بشئ من العذاب لا ينفى ثبوته فى حق غيره. وقد روى عن عمر رضى الله تعالى عنه. فى الذى تدلى يشتار عسلا فوقف امرأته على الحبل وقالت طلقنى ثلاثا والا قطعته فذكرها الله والاسلام فقالت لتفعلن أو لأفعلن فطلقها

стр. 5631

ثلاثا فرده اليها رواه سعيد باسناده، وهذا كان وعيدا (١). وان أكره على طلاق امرأة فطلق غيرها وقع لأنه غير مكره عليه. وان اكره على طلقة فطلق ثلاثا وقع أيضا لأنه لم يكره على الثلاث. وان طلق من اكره على طلاقها وغيرها وقع طلاق غيرها دونها. وان خلصت نيته فى الطلاق دون دفع الاكراه وقع لأنه قصده واختاره. ويحتمل أن لا يقع لأن اللفظ مرفوع عنه فلا يبقى الا مجرد النية فلا يقع بها طلاق، وان طلق ونوى بقلبه غير امرأته أو تأول فى يمينه فله تأويله ويقبل قوله فى نيته لأن الاكراه دليل له على تأويله وان له يتأول وفصدها بالطلاق لم يقع لأنه معذور وذلك لأنه مكره عليه فلم يقع لعموم ما ذكرنا من الأدلة ولأنه قد لا يحضره التأويل فى تلك الحال فتفوت الرخصة. وذكر أصحاب الشافعى رحمهم الله تعالى وجها آخر وهو أنه يقع طلاقه لأنه لا مكره له على نيته (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى الأحكام أن المكره على الكفر أن عمد بلسانه ولم يعمد بقلبه لم يخرج بذلك عن الايمان، قال الله : «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» (٣). فانما راعى الله تعالى عمل القلب فقط (٤). وجاء فى المحلى ان الاكراه ينقسم قسمين: اكراه على كلام. واكراه على فعل. فالاكراه على الكلام لا يجب به شئ وان قاله المكره كالكفر والقذف والاقرار والنكاح والانكاح والرجعة والطلاق والبيع والابتياع والنذر والايمان والعتق والهبة واكراه الذمى الكتابى على الايمان وغير ذلك لأنه فى قوله ما اكره عليه انما هو حاك للفظ الذى أمر أن يقوله ولا شئ على الحاكى بلا خلاف ومن فرق بين الأمرين فقد تناقض، وقد قال رسول الله ﷺ : «انما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» فصح أن كل من أكره على قول وله ينوه مختارا له فانه لا يلزمه. والاكراه على الفعل ينقسم قسمين: احدهما: كل ما تبيحه الضرورة كالأكل

стр. 5632

والشرب فهذا يبيحه الاكراه لأن الاكراه ضرورة فمن أكره على شئ من هذا فلا شئ عليه لأنه أتى مباحا له اتيانه. والثانى: ما لا تبيحه الضرورة كالقتل والجراح والضرب وافساد المال فهذا لا يبيحه الاكراه فمن أكره على شئ من ذلك لزمه القود والضمان لأنه أتى محرما عليه اتيانه والاكراه هو كل ما سمى فى اللغة اكراها وعرف بالحس انه اكراه كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه انفاذ ما توعد به والوعيد بالضرب كذلك او الوعيد بالسجن كذلك أو الوعيد بافساد المال كذلك او الوعيد فى مسلم غيره بقتل أو ضرب او سجن او افساد مال لقول رسول الله تعالى ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه (١). فمن أكره على شرب الخمر أو أكل الخنزير أو الميتة أو الدم أو بعض المحرمات أو أكل مال مسلم أو ذمى فمباح له أن يأكل ويشرب ولا شئ عليه لأحد ولا ضمان لقول الله . «وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم اليه» (٢). وقوله : «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» (٣). ولقوله : «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ» (٤). فان كان المكره على أكل مال مسلم له مال حاضر فعليه قيمة ما أكل لأن هذا هو حكم المضطر. فان لم يكن له مال حاضر فلا شئ عليه فيما أكل لما ذكرنا (٥). ولو امسكت امرأة حتى زنى بها أو أمسك رجل فادخل احليله فى فرج امرأة فلا شئ عليه ولا عليها سواء انتشر أو لم ينتشر، أمنى أو لم يمن، أنزلت هى أو لم تنزل لأنهما لم يفعلا شيئا اصلا. والانتشار والامناء فعل الطبيعة الذى خلقه الله تعالى فى المرء سواء أحب أم كره لا اختيار له فى ذلك (٦). ولا يجوز طلاق المكره لما روينا من طريق حماد بن سلمة حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحى حدثنى أبى ان رجلا تدلى بحبل ليشتار عسلا فحلفت له امرأته لتقطعن الحبل أو ليطلقنها ثلاثا فطلقها ثلاثا فلما خرج أتى

стр. 5633

عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فاخبره فقال له عمر: ارجع الى امرأتك فان هذا ليس طلاقا. ولما روى من طريق حماد بن سلمة باسناده عن على بن ابى طالب كرم الله تعالى وجهه قال: ليس لمستكره طلاق. قال الحسن: وأخذ رجلا أهل امرأته فطلقها ان لم يبعث بنفقتها الى شهر فجاء الأجل ولم يبعث شيئا فخاصموه الى على كرم الله تعالى وجهه فقال: اضطهدتموه حتى جعلها طالقا فردها عليه ولأن الله قال: «وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ» (١). والمكره لم يطلق قط انما قيل له قل: هى طالق ثلاثا فحكى قول المكره - بكسر الراء - له فقط (٢). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار أن الاكراه ضربان الجاء وهو من بلغ به داعى الحاجة الى الفعل حدا لا يقابله صارف كمن جرد عليه السيف أو أججت له نار لا يمكنه دفعها الا بفعل ما أمر به. والثانى: اكراه لا الجاء وهو ما ازال الاختيار كالتوعد بالضرب المبرح والتخليد فى الحبس ونحو ذلك. قال القاسمية وللناصر والمؤيد بالله: ولا يقع طلاق المكره بأى الضرريين لقول الله . «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ» (٣). أى لا حكم لفعل المكره الا ما خصه دليل اذ الاكراه على الدين واقع. وقال سعيد بن المسيب وسفيان الثورى وابو حنيفة واصحابه: بل يصح طلاقه مطلقا لقول رسول الله ﷺ : «ثلاث هزلهن جد» الخبر، وقوله ﷺ : «كل طلاق واقع الا طلاق المعتوه والصبى» قلنا: هذا معارض بقول رسول الله ﷺ «وما استكرهوا عليه» قلت: وقوله ﷺ : «لا طلاق ولا عتاق فى اغلاق» (٤). أخرجه أبو داود ثم أن المكره ليس هازلا ثم الخبر الثانى يقتضى صحة طلاق النائم فيبطل الأخذ بظاهرهما. ويصح اكراه الحربى على الاسلام، وفى الذمى تردد. قال الامام يحيى ﵇: الأصح جواز ذلك، قلت: وفيه نظر. واكراه المرأة على الرضاع لا يبطل ثبوت حكمه فى التحريم.

стр. 5634

والاكراه على القتل لا يبيحه فيلزمه القصاص كما سيأتى. ولا يبيح الزنا ولكن يسقط الحد على خلاف فى ذلك. فان حلف من دخول الدار بطلاق امرأته فاكره على الدخول حنث به، ولم يبطل الاكراه الحنث اذ قد وقع الشرط (١). وذكر صاحب البحر الزخار عن الامام يحيى ﵇ ان ما أباحه الاضطرار اباحه الاكراه لقول الله : «إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» (٢). وقال أيضا: «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ» (٣). وهى فى عمار وياسر رضى الله تعالى عنهما حين اكرها على الكفر وترك ما اكره عليه أفضل وان قتل لتفضيله ﷺ ايمان ياسر لما صبر على القتل (٤). والاكراه يكون بوعيد القادر اما بقتل او قطع عضو أو ضرب أو طعن ذى حد. وهذا مؤثر اجماعا واما بلطم أو ضرب. فيشترط أن يكون مؤثرا فى التضرر. وأما بالحبس فلا بد من كونه كذلك فالحبس ساعة ليس باكراه والحبس سنة اكراه. وما بين الساعة والسنة فمختلف فيه. والضابط التضرر، ومنه القيد والكتف وطرح العمامة والجر بالرجل فى الملأ فيؤثر فيمن له رتبة علم أو شرف لا فى ذوى الدنائة وكذلك السب والشتم. قال الامام يحيى ﵇: اذ قد يتفاداه الرئيس بالقتل والقتال. قال الامام يحيى: وفى الوعيد بأخذ المال وجهان أصحهما أنه اكراه اذ يبذل نفسه دونه. وقيل ليس باكراه لاستحقاره لقول رسول الله ﷺ : اجعل مالك دون عرضك. قال صاحب البحر: الأقرب انه يختلف حاله على حسب الحاجة اليه وسماحة النفس وعدمها وقلة المتوعد بأخذه وكثرته فيكون موضع اجتهاد. قال أبو مضر رحمه الله تعالى: والازعاج من الوطن بالقتل، اذ قرنه الله به. قال صاحب البحر: بل يختلف فهو كالمال، وكالمال حبس الولد والأحبة وضربهم. والعبرة فى التضرر أن يحرى مجرى حدوث علة أو زيادتها أو استمرارها.

стр. 5635

قال المؤيد بالله ﵇ ولا يبيح المحظور الا الضرب الأول المفضى الى التلف أو ما فى حكمه، وعليه المذهب. قال صاحب البحر: كالميتة لا يبيحها الا خشية التلف فقيس عليها. وقال الامام يحيى ﵇: بل يبيح المحظور كل ضار اذ لم تفصل الايتان، ولقول عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما: ليس الرجل يأمن على نفسه اذا ضربته أو أوثقته أو جوعت» ولم ينكر، ولقول شريح رضى الله تعالى عنه: القيد كره والوعيد كره، ولم يخالف. قال صاحب البحر: أراد فى العقود وبه أو بالضرب الثانى وما بعده يجوز ترك الواجب ويبطل حكم الاقرار والعقود اتفاقا الا ابو حنيفة رحمه الله تعالى فلم يجعل للاكراه حكما فى العقود الا البيع والردة والاقرار، ويدل لنا عموم قول رسول الله ﷺ : «رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». قال المؤيد بالله ﵇: بل يبطل الاقرار والعقود ما يخرج عن حد الاختيار وان لم يضر. قلنا: ليس بمكره لغة ولا عرفا فخرج من عموم الخبر. قال صاحب البحر: لكن يبطل به البيع لعموم التراضى وقد اعتبرته الآية، وقياس سائر العقود عليه فأصل بطلانها الآية لا الخبر اذ لا اكراه. قال صاحب البحر: ولا يصح اكراه على فعل قلب اذ لا يطلع عليه ولا على عبث اذ يخرجه الاكراه عن العبثية (١). وما تعدى ضرره الى الغير لم يبحه الاكراه وما لم يتعد ابيح. فيباح له كلمة الكفر والمسكر ونحوه اجماعا لما مر. قال الامام يحيى ﵇: ولا يباح القذف ولا السب لتعدى ضررهما والتعظيم الله تعالى اياه لتسميته بهتانا عظيما، وعليه المذهب. قال الناصر ﵇: بل القذف والسب مثل كلمة الكفر. قال صاحب البحر: وهو قوى حيث لا يتضرر المقذوف. ولا يباح الزنا بالاكراه اجماعا. ويصح اكراه المرأة فيسقط الحد والاثم حيث لا تمكن من الدفع. وفى صحة اكراه الرجل تردد. قال ابو طالب ﵇: روى عن بعض المتكلمين أن الاكراه هنا متعذر لمنع الخوف عند تحرك الشهوة قال المؤيد بالله وابو طالب: لا تعذر فى ذلك لغلبة طبع الشهوة. قال المؤيد بالله: وان اكره الرجل بحد لعموم قول الله :

стр. 5636

«الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» (١). قلنا: خصصها الخبر. قال المؤيد بالله والقاضى زيد ﵉: ويباح مال الغير بالاكراه بشرط الضمان كالاضطرار. قال أبو طالب ﵇: لا يباح اجماعا لتعذر ضرره. قلنا لا وجه لدعوى الاجماع. قال صاحب البحر: والوعيد بما لا يؤثر فى التضرر لكن يخرج عن حد الاختيار ليس باكراه لغة ولا عرفا، ولكن يبطل به البيع فى الأصح، لقول الله : «تَراضٍ» (٢). ويقاس سائر العقود (٣). مذهب الإمامية: جاء فى الخلاف أن طلاق المكره وعتقه وسائر العقود التى يكره عليها لا يقع منه وبه قال الامام الشافعى ومالك والأوزاعى رضى الله تعالى عنهم وذلك لاجماع لفرقة واخبارهم، وأيضا لأن الأصل براءة الذمة وبقاء العقد وزوال العقد وشغل الذمة يحتاج الى دليل، ولا دليل فى الشرع على وقوع هذا النوع من الطلاق، وأيضا روى ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ومعلوم انه لم يرد رفع ما وقع من الخطأ لأن ما وقع لا يمكن رفعه، ثبت انه ﷺ أراد رفع حكم الخطأ. وروى عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن النبى ﷺ قال لا طلاق ولا اعتاق فى اغلاق. وقال أبو عبيدة: الاغلاق الاكراه، فانه ﷺ قال: لا طلاق فى اكراه. وما قلناه مروى عن على كرم الله تعالى وجهه وعمر وابن عباس وابن عمرو وابن الزبير رضى الله تعالى عنهم ولا مخالف لهم فدل على انه اجماع (٤). واذا اكره الامير غيره على قتل من لا يجب قتله فقال له ان قتلته والا قتلتك لم يحل له قتله بلا خلاف، فان خالف وقتل فان القود على من باشر القتل دون الملجئ. وفرض الفقهاء ذلك فى الامام والتغلب مثل الخوارج وغيرهم والخلاف فى الامام والامير واحد لقول الله : «وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً» (٥).

стр. 5637

وهذا مقتول مظلوما وعليه اجماع الصحابة وروى أن رجلين شهدا عند على كرم الله تعالى وجهه على رجل بالسرقة قطعه على كرم الله وجهه ثم أتياه بآخر وقالا هذا الذى سرق فأخطأنا على الأول فرد شهادتهما على الثانى وقال لو علمت انكما تعمدتما على الأول لقطعتكما، فموضع الدلالة أن عليا كرم الله تعالى وجهه قضى بالقصاص على من الجأ الحاكم الى القطع بالشهادة مع قدرة الحاكم على الامتناع من قتله بأن يعدل عن النظر والمكره أغلظ حالا من الحاكم فانه ملجأ اليه على وجه لا يمكنه الا قتله خوفا على نفسه فاذا كان على الشاهد القود فبأن يكون على المكره أولى واحرى، وهذا دليل الشافعى رحمه الله تعالى وليس فيه دلالة لأنه قياس ونحن لا نقول به ومعولنا على الآية وذلك قول الله . «الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى» (١). وعلى اجماع الفرقة، وأيضا ما روى عن عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: لا يحل دم امرئ مسلم الا باحدى ثلاث: كفر بعد ايمان أو زنا بعد احصان أو قتل نفس بغير نفس» وهذا قتل نفسا بغير نفس فيجب أن يحل دمه (٢). واذا استكره امرأة على الزنا فلا حد عليها بلا خلاف وعليه الحد ولا مهر لها وذلك لاجماع الفرقة واخبارهم، وأيضا لأن الأصل براءة الذمة. فمن شغلها فعليه الدلالة. وروى الحجاج بن ارطاة عن عبد الرحمن ابن وائل بن حجر عن أبيه ان امرأة استكرهت على عهد رسول الله ﷺ فدرأ النبى ﷺ عنها الحد، وحد الذى اصابها ولم ينقل انه جعل لها مهرا فلو كان واجبا لأوجبه لها، وروى عن النبى ﷺ أنه نهى عن مهر البغى (٣). وجاء فى مفتاح الكرامة ان من اكره على الكلام فى الصلاة قد تردد فيه فى الذكرى والدروس وارشاد الجعفرية. وفى البيان هو كالناسى فى قول والبطلان خيرة التحرير والموجز الحاوى وجامع المقاصد وهو الأقرب كما فى المنته وكشف الالتباس وهو الأقوى كما فى التذكرة ونهاية الأحكام. وفى المدارك هو الأحوط. وفى الوسيلة: ان تكلم تقية لا تبطل صلاته وفى الذكرى ان القول بأنه كالحدث قياس لأن نسيان الحدث يبطل لا الكلام ناسيا ومال الى البطلان به، وبين وجه التردد

стр. 5638

فى الايضاح فقال هو مكلف بالصلاة الكلية لا بالجزئيات المخصوصة، والكلام ينافيها. والاكراه على ماينا فى الكلى انما يتحقق مع الاكراه على الاتيان به فى كل الجزئيات. فاذا اكره على الاتيان به فى جزئى لا غير أتى به فى الجزئى الآخر لأنه يمكنه أن يأتى به من غير مناف فتبطل هذه الصلاة ويجب عليه غيرها ولأنه نادر فلا يكون عذرا اذ العذر فيما يستلزم الحرج المنفى بالآية لا يتحقق فى النادر، ومن أن المنافى انما هو الكلام عامدا مختارا، ولقول رسول الله ﷺ : «رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». ثم قال: والمراد حصول الاكراه مع اتساع الوقت. قال فى كشاف اللثام بعد نقل كلام الايضاح: وجهه انه مع الضيق مضطر الى ما فعله مؤد لما عليه، وفيه انه مع السعة ايضا كذلك خصوصا اذا طرأ الاكراه فى الصلاة ولا دليل على أن الضيق شرط فى الاضطرار ولا على اعادة المضطر اذا بقى الوقت (١). وجاء فى الخلاف أن من اكره على الافطار لم يفطر ولم يلزمه شئ سواء كان اكراه قهر او اكراها على أن يفعل باختياره. وقال الشافعى رحمه الله تعالى: ان اكره اكراه قهر مثل ان يصب الماء فى حلقه لم يفطر وان اكره حتى أكل بنفسه فعلى قولين، وكذلك ان اكره حتى يتقيأ بنفسه فعلى قولين لأنه ان ذرعه القئ لم يلزمه شئ. وان تقيأ متعمدا أفطر وكذلك ان اكرهها على الجماع بالقهر لم تفطر هى. وان كان اكراه تمكين فعلى قولين وكذلك اليمين اذا حلف لا دخلت هذه الدار فادخل الدار محمولا لم يحنث. وان اكره على أن يدخل فعلى قولين. ولو قتل باختياره لزمه القود وان اكره. فان كان اكراه قهر وهو أن يرمى به عليه فلا ضمان عليه. وان اكره حتى يقبل فعلى قولين فى القود. وأما الدية فانها بينهما اذا سقط القود، ودليلنا على ذلك ان الأصل براءة الذمة ولا يعلق عليها شئ الا بدليل ولا دليل فى شئ من هذه المسائل على ما ادعوه، وأيضا روى عن رسول الله ﷺ انه قال: «رفع عن امتى ثلاث: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». مذهب الإباضية: جاء فى طلعة الشمس ان الاكراه هو حمل الغير على ان يفعل ما لا يرضاه ولا يختار مباشرته لو خلى ونفسه فيكون معدما للرضا

стр. 5639

لا للاختيار اذ الفعل يصدر عنه باختياره حيث آثر الجانب الاسهل على الجانب الأشق، ولذا كان الجبر غير مناف للخطاب، فان الخطاب الشرعى متوجه للمجبور فتثبت الأحكام الشرعية فى حقه لكن خفف عليه بسبب الاكراه، اذ جوز له الترخص فى كثير من الأحكام حتى فى كلمة الشرك، فيصح للجمهور المكره على الشرك أن يتلفظ بكلمة الشرك اذا كان قلبه مطمئنا بالايمان قال الله : «إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» (١). وكذلك يصح له الترخص بترك العبادات البدنية اذا اكره على تركها كما لو اكرهه جبار على ترك صلاة الظهر مثلا وكان قائما عليه لا يفارقه حتى مضى الوقت كان لهذا المجبر أن يترك من أركان الصلاة ما يخشى فى فعله الهلاك على نفسه ويصلى كيفما أمكنه حتى لو لم يمكنه الا التكييف فى نفسه كيفها وكان ذلك عذرا له وذلك أن الترخص قد صح فى كلمة الكفر وهو ها هنا أولى، وأيضا فقد ثبت الترخص فى امور الصلاة والصوم ونحوها باعذار دون الاكراه كالسفر والمرض والخوف ونحو ذلك فثبوت الترخص فى الاكراه اولى لأنه أشد من السفر والمرض وهو نوع من أنواع الخوف الشديد فينبغى أن تثبت فيه رخص الخوف، وكذلك يجوز للمجبر الترخص بفعل بعض المحرمات، فالمحرمات منها ما لا يصح الترخص بفعله عند الاكراه ومنها ما يصح التقية به، أما الذى لا يصح الترخص به عند الاكراه فهو قتل المسلم بغير حق أو اتلاف عضو منه او جرحه او نحو ذلك مثل الزنا وأشباهه فان التقية فى مثل هذا لا تصح، حتى لو اكره الجبار أحدا على جرح مسلم فان لم يفعل قتله لزمه أن لا يفعل لأن نفسه ليس أولى بالسلامة من نفس غيره. وأما الزنا فانه بنفسه لا يقبل الاكراه حتى لو زنا عد مختارا للزنا لأن الآلة لا تساعده الا عند الرضا. وأما المحرم الذى يصح التقية به فكأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وجميع ما أبيح فى الضرورة لأن الاكراه نوع من الاضطرار فينبغى ألا يعطى أحكامه فى صحة المرخص، لكن لما كان المجبور لم يحمل نفسه على الهلكة بترك التقية من أكل الميتة ونحوها وانما حمله على ذلك الجبار جوزنا له ترك الترخص بخلاف ضرورة الجوع فانه ان لم يترخص فيها يكون حاملا لنفسه على الهلاك فيجب عليه الترخص هنالك. وذهب ابن بركة والفخر الرازى وصاحب التوضيح والسعد التفتازانى رحمهم الله تعالى الى وجوب الأخذ بالرخصة فى أكل الميتة عند الاكراه وجعلوه كضرورة الجوع، والفرق بينهما واضح. وذهب بعض أصحابنا الى منع الترخص بأكل الميتة ونحوها فى حالة الاكراه وقصروا

стр. 5640

جواز الترخص بذلك فى حالة المخمصة عملا بمفهوم قول الله : «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ» (١) الآية، قلنا: لا مفهوم للمخمصة فى الآية لأنها انما ذكرت لكونها الأغلب من حالات المصطر. ففى العادة أنه لا يضطر غالبا الى أكل الميتة ونحوها الا الجوع الشديد. وكذلك بصح للمجبر أن يترخص باتلاف مال الغير. فاذا اكره الجبار أحدا على اضاعة مال غيره جاز له التقية بذلك فصح له اتلافه بشرط ضمانه لصاحبه، ومعنى ذلك انه لا يكون آثما فى اتلافه لأن النفوس تفدى بالمال ولا عكس وانما أوجبنا عليه الضمان لئلا يضيع مال الغير فى شئ، وفى الحديث: لا تواء على مال امرئ مسلم والتواء الهلاك. وممن لم يأخذ بالرخصة فى شئ من هذه الامور لكنه تمسك بالعزيمة حتى قتل عليها أو عذب جاز بذلك من الله المقام الأكمل اذ لا يلزمه الترخص فى شئ منها بل الترخص فيها كلها جائز فقط خلافا لمن أوجب التقية بأكل الميتة واشباهها، ونحن نقول انه لا فرق فى الاكراه بين الأخذ بالعزيمة فى ترك التلفظ بالكفر وفى ترك الترخص بأكل الميتة. وقد ورد أن رجلين مرا على مسيلمة فأخذهما فقال: لأحدهما ما تقول فى محمد فقال رسول فقال ما تقول فى قال أنت أيضا فخلاه، وقال للآخر ما تقول فى محمد؟ قال رسول الله، قال ما تقول فى؟ قال أنا اصم، فأعاد ثلاثا فأعاد جوابه فقتله فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أما الأول فقد أخذ بالرخصة. وأما الثانى فقد صدع بالمحق، فهنيئا له. فهذه عدة أدلة مصرحة بأن الأخذ بالعزيمة أوسع بل هو أفضل من الترخص ولم يعد تارك الرخصة فى هذه الصورة حتى قتل مهلكا نفسه فكذا أكل الميتة، والفرق بينهما عسر جدا (٢).
следующие страницы →