← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ضمانها الا بتسليمها الى مالكها بعد تمام الخياطة فاذا هلك الثوب فان شاء ضمنه قيمته صحيحا ولا أجر له وان شاء ضمنه قيمته مخيطا وله الأجر (١). انابة الأجير غيره فى العمل لا يجوز للأجير الواحد فى جميع أحواله انابة غيره فيما تم التعاقد عليه معه من الأعمال ذلك لأن العقد وقع على عمله بنفسه لا على عمل غيره والعملان مختلفان ولكن يجوز للأجير المشترك اذا لم يشترط عليه أن يعمل بنفسه أن ينيب غيره بعمل ما استؤجر عليه لأن العقد وقع على العمل ذاته لا على عمله ولذلك فسواء قام به هو أم قام به نائبه جاز ذلك واستحق الأجر بذلك ويكون حينئذ ضامنا لما يتلف فى يد من أنابه اذا شرط عليه أن يعمل بنفسه اذ لا يجوز له حينئذ انابة غيره لأن العقد وقع على عمله وهو يتعين بنسبته اليه والتعيين هنا مفيد لا لتفاوت العمال فى صلاحية العمل واتقانه. أما اذا لم يشترط عليه ذلك فيجوز له انابة غيره فى العمل من معينيه وتلاميذه وهم يضمنون ما أتلفوه اذا كان التلف نتيجة عمل منهم غير مأذون فيه بمقتضى عقد الاجارة كما اذا تخرق الثوب من وطئهم له اذ أنهم غير مأذونين فى ذلك واذا وقع السراج من يد أحدهم فأحرق الثوب فالضمان على الأستاذ الأجير لأن الذهاب بالسراج عمل مأذون فيه اذ يقتضيه العمل فينتقل الى الأستاذ وكأنه فعله بنفسه فيجب الضمان عليه عند وجوبه عليه ولو حصل خرق الثوب حين العمل بطريق الخطأ نسب ذلك أيضا الى الأستاذ لأن ذلك مضاف الى العمل ولا يخلو منه العمل عادة وهكذا تراعى الأحوال فى بيان من يجب عليه الضمان (٢). مذهب المالكية: جاء فى الشرح الكبير ما خلاصته: ليس لراع استؤجر على رعى غنم أن يتقبل رعى غنم أخرى معها اذا لم يكن ذا قوة وكفاية لرعيها معا ولكن يكون له ذلك اذا قدر عليه بمشارك يشاركه فى الرعى - وهذا ذا لم يشترط عليه رب الغنم الأولى أن لا يرعى غيرها معها فاذا اشترط عليه ذلك لم يرع غيرها معها مطلقا فان خالف فرعى غيرها كان أجره على ذلك لمستأجره صاحب الغنم الأولى وان شاء نقص من أجره المسمى ما نقص بسبب مخالفته وطريق معرفة هذا النقص أن يتعرف على مقدار أجرة رعى الأولى وحدها بحسب العرف فاذا قيل عشرة مثلا نظر الى أجرة رعيها مع غيرها فاذا قيل ثمانية فقد نقص الخمس وعندئذ يخير مستأجره بين أن ينقصه خمس المسمى له فى العقد الأول وبين أخذ ما أجر به فى العقد الثانى ويدفع له أجره المسمى بتمامه ومثل ذلك فى الحكم أجير الخدمة اذا أجر نفسه لغير مخدومه الذى استأجره حتى فوت عليه بعض ما استأجره مخدومه عليه أو كله فان اجرته تكون لمستأجره الأول ان شاء وان شاء أسقط عن نفسه أجرة ما فوته عليه بالطريقة التى شرحت فان لم يفوت عليه

стр. 597

شيئا مما استأجره عليه بل وفى بكل ما يطلب منه فلا كلام لمستأجره الأول عليه ولو عمل مجانا سقط من كرائه بقدر قيمة أجر مثل ما عمل (١) - وجاء فى المدونة أن المستأجر يخير بين ذلك وبين أن يسقط حصة الزمن الذى شغله بالعمل للآخر ونصها: وكذلك أجيرك للخدمة يؤاجر نفسه من غيرك يوما أو أكثر فلك أخذ أجره على ذلك أو تركه له واسقاط حصة ذلك اليوم من الأجر عنك وهذا اذا شغل الزمن بعقد اجارة أما اذا شغله بغير ذلك فليس للمؤجر الا اسقاط حصة ذلك الزمن (٢). ومن هذا يفهم أن الأجير الخاص له العمل لغير مستأجره على ما نقله الدردير اذا لم يفوت على مستأجره غرضا له خلافا للحنفية وان كان المفهوم مما نقله الحطاب أن ليس له العمل لغير مستأجره مطلقا لاطلاق عبارته الا أن يحمل المطلق على المقيد. والأجير سواء أكان أجيرا لا يعمل الا لمستأجر واحد أو كان يعمل لكثير أمين بالنسبة الى ما تحت يده من الأعيان التى جعلت محلا لعمله فلا ضمان عليه إن ادعى الضياع أو التلف سواء أكانت العين مما يغاب عليه كالثوب أم لا كالدابة غير أنه ان كان متهما حلف على أنه قد ضاع أو تلف وما كان ذلك بتفريط أو تعد وقيل أنه يحلف عند ادعاء التلف أما الضياع فيصدق فيه من غير يمين لأنه لا ينشأ الا عن تفريط غالبا وسواء فى هذا الحكم أن يكون قد شرط عليه الضمان اذا لم يأت بسمة ما تلف أم لم يشترط عليه ذلك غير أن العقد يفسد عند ذكر هذا الشرط لأنه مناقض لمقتضى العقد ولذا يكون له أجر مثل عمله فيه سواء أزاد على المسمى أم لا عند ابن القاسم الا أن يسقط هذا الشرط بالتنازل عنه قبل الفوات والا صح العقد، والفوات يكون بانتهاء العمل واسقاط الشرط قبل الانتهاء له حكم اسقاطه قبل العمل وبناء على ما ذكر فان الأجير على حمل دهن أو طعام أو آنية اذا عثر أو عثرت الدابة الحاملة فانكسر المحمول أو تلف ولم يكن ذلك نتيجة لتعد من الأجير بفعل أو بسوق الدابة سوقا غير معتاد لا ضمان عليه على المعتمد فى المذهب وهذا الحكم لا ينافى المقرر فى المذهب من أن العمد والخطأ فى أموال الناس سواء فى الحكم لأنه مقيد بما اذا لم يكن المخطئ أمينا وهو هنا أمين الا ترى أن من أذن له فى تقليب شئ فسقط من يده لا ضمان عليه وان سقط على شئ فانكسر ضمن ما سقط عليه لا ما سقط لأنه لم يؤذن بعمل فيما سقط عليه عندئذ وفى حاشية السيد ان السقاء الذى استؤجر على ملء الزير اذا سقط الغطاء من يده فانكسر الغطاء والزير ضمن الزير دون الغطاء لأنه مأذون برفع الغطاء وكذلك لا ضمان عليه اذا كان التلف نتيجة انقطاع الحبل المشدود به المتاع وكذلك لا ضمان على الخياط اذا أتى بقطعة قماش وقيل له هل تكفى فأجاب نعم وفصلها فظهر أنها غير كافية فلا ضمان عليه اذا لم يشرط عليه عدم تفصيلها اذا رأى أنها لا تكفى ومحل هذا اذا لم يكن الأجير متهما بأن صدقه رب المتاع أو كان التلف بحضرته أو بحضرة وكيله أو قامت بينة على صدقه

стр. 598

أو كان قد صاحبه فى بعض الطريق وان فارقه فى باقيها والا ضمن كما نصوا كذلك على أنه لا يعد أمينا فى حمل ما تتسارع اليه الأيدى كالطعام بخلاف البز والعروض اذ القول له فيها ثم قال الدسوقى وحاصل فقه المسألة أن المستأجر للأعيان أمين مصدق فى دعواه التلف أو الضياع سواء أكان ما استأجره منها دابة أو ثوبا أو غير ذلك. أما الأجير ففيه تفصيل فاذا كان المستأجر عليه غير طعام كالعروض والدواب للرعى أو طعاما لا تتسارع اليه الأيدى كالقمح فانه يصدق فى دعواه التلف أو الضياع ما لم يقم دليل على كذبه أما اذا كان المستأجر عليه طعاما تتسارع اليه الأيدى كالسمن والعسل فلا يصدق ويحمل على الخيانة حتى يثبت صدقه بدليل. واذا ما حصل التلف أثناء العمل أو فى أثناء الطريق فى حال الاستئجار على الحمل هل يكون للأجير أجر ما عمل بحسابه أولا أجر له؟ ذكروا أنه اذا ضمن ما تلف كان له الأجر كله على أظهر القولين وعليه اقتصر ابن رشد فى البيان والقول الآخر له بحساب ما عمل أو سار وهو ما ذكر فى التوضيح وفى الشرح الكبير ان الأجير اذا ضمن له من الأجر بحساب ما سار ككل متعد فى المحمولات فان لم يضمن فلا كراء له قال الدسوقى وحاصل القول أن الأجير فى حمل متاع اذا تعدى على المحمول وضمن فان له من الأجر بحساب ما سار أما اذا لم يضمن فلا كراء له قال النباتى وهذا كلام غير صحيح اذا لم يوافق قولا من الأقوال الأربعة التى ذكرها فى المقدمات فى مسألة تلف المحمولات وهى: له الكراء مطلقا ويلزمه حمل مثله من موضع الهلاك سواء هلك بسبب حامله أم بسبب سماوى وهذا هو المشهور عند ابن رشد، الثانى له بحساب ما سار مطلقا الثالث ان هلك بسبب حامله فله بحساب ما سار وان هلك بسبب سماوى فله الكراء كله ويلزمه حمل مثله من محل الهلاك، والرابع مذهب المدونة وهو ان هلك بسبب حامله فلا كراء له وان هلك بسبب سماوى فله الكراء كله ويلزمه حمل مثله والظاهر فى جميع هذه الأقوال أنها فى الحالين حال الضمان وحال عدمه سواء كان المحمول طعاما أو غيره. ولا ضمان على الحراس لدار أو بستان أو طعام أو ثياب أو غيرها لأنهم أمناء الا بالتعدى أو بالتفريط ولا عبرة بالشرط عليهم من الضمان وفى الدسوقى ان ذلك هو أصل المذهب ولكن استحسن بعض المتأخرين تضمينهم نظرا للمصلحة العامة. ولا ضمان على أجير الصانع الذى استأجره لمعونته عمل بحضرته أم لا ما ظهر خيره بأن كان معروفا بالصلاح على الأظهر وفى المدونة يضمن القصار ما أفسده أجيره ولا شئ على الأجير الا أن يتعدى أو يفرط وفى سماع أصبغ من تضمين الصناع فى الغسال يكثر عليه المتاع فيستأجر الأجراء يبعثهم الى البحر بالثياب انهم ضامنون، وفى هذا قال ابن رشد ان هذا لا يخالف ما فى المدونة من أنه لا ضمان على أجير القصار لأنهم لما انقلبوا بالثياب يعملون وغابوا عليها كانوا كالصناع سواء

стр. 599

أخذ ذلك من التجار أو من الصناع مثلهم (١) تضمين الصناع، وضمان القيمة عند الضمان يوم التلف فى موضعه الصناع أجراء كغيرهم من العاملين الذين يستأجرون لأعمالهم ولذا كان الأصل فيهم كما قال ابن رشد أن لا ضمان عليهم وانهم مؤتمنون لأنهم اجراء وقد أسقط رسول الله ﷺ الضمان عن الأجير ولكن العلماء قد خصوا ذلك بالصناع فلم يتناولهم هذا الحكم نظرا واجتهادا مراعاة للمصلحة العامة وضرورة الناس ولهذا قال مالك أنهم ضامنون لما غابوا عليه وادعوا تلفه ولم يعلم ذلك الا منهم ولكن لا ضمان عليهم فيما ثبت ضياعه ببينة من غير تضييع وتابعه على ذلك جميع أصحابه الا أشهب فانه قد ضمنهم وان قامت البينة على التلف ولقوله حظ من النظر لأنه كما وجب أن يضمنوا للمصلحة العامة لم يسقط الضمان عنهم بالبينة حسما للذريعة لأن ما طريقه المصالح وقطع الذرائع لا يخصص فى موضع دون موضع وقول مالك أصح (٢). وانما يضمن الصانع ما كان له فيه صنعة لا غيره ولو كان فى حاجة الى حضوره معه كالكتاب ينسخ منه الناسخ. وقال ابن شاس قال محمد: يضمن الصانع أيضا ما لا صنعة له فيه اذا كان مما لا يستغنى عن حضوره عند الصانع كالكتاب الذى ينسخ منه لا ما يستغنى عنه كأحد زوجى الحذاء اذا أحضره مع الآخر الذى يريد اصلاحه والى هذا ذهب أشهب فى سماعه. وقال سحنون لا ضمان عليه فى ذلك كله. وقد اختلف الشيوخ فى طريقة تقويم الذى يجب عليه ضمان هل يقوم وحده على أنه لا صاحب له أو يقومان معا ثم يقوم الباقى منهما وحده والفرق قيمة الضمان. وسياق فى هذا الحكم أن يكون عمل الصانع فى بيته أو فى حانوته وان يكون عمله بأجر أم بغير أجر وسواء كان التلف بصنعته فيه أم بغير صنعته ما لم يكن فى صنعته تغرير أى تعريض للاتلاف. كنقش الفصوص ونقش اللؤلؤ فلا ضمان الا أن يتعدى فى ذلك فيضمن هذا ويشترط لضمان الصانع مصنوعه شروط منها أن ينصب نفسه فى صنعته هذه لعامة الناس. قال اللخمى وانما يعد كذلك اذ أقام معيشته التى امتهنها واستعملها سواء أكان يعمل فى سوقها أم فى داره اما من لم يقم نفسه عليها ولا منها معاشه فلا يعد أنه ينصب نفسه عليها. وبناء على ذلك اذا كان أجيرا خاصا فى هذا العمل لشخص أو لجماعة مخصوصين فلا ضمان عليه ومنها أن يغيب على الذات المصنوعة اما اذا لم يغب عليها بأن عملها فى بيت ربها بحضرته أو غائبا أو فى غير بيته بحضرته فلا ضمان وعلى ذلك فالمراد بالغيبة عليها الا يعملها بحضرة ربها أو فى بيته ومنها أن يكون مصنوعه مما يغاب عليه أما لو دفع شخص غلامه لمن يعلمه وقد نصب نفسه لذلك وغاب عليه وادعى هربه لم يكن عليه ضمان ومنها ألا يكون فى الصنعة تغرير أى تعريض للاتلاف فاما ان كان فيها تغرير كثقب اللؤلؤ فلا ضمان عليه واذا ضمن الصانع فانما يضمن ذلك الشئ الذى تلف عنده

стр. 600

بقيمته يوم دفعه ربه اليه وليس لربه ان يقول أنا أدفع الاجرة وآخذ قيمته مصنوعا الا أن يقر الصانع أنه تلف بعد العمل واذا كان الضمان بقيمته يوم دفعه فذلك يستلزم عدم لزوم الأجرة لأنه انما ضمن القيمة قبل الصنع. والضمان هنا أصلى ولذا كان بالنظر الى يوم القبض لا الى يوم التلف. واذا شرط عدم الضمان فى هذه الأحوال فسد العقد والشرط لمنافاة الشرط مقتضى العقد وله ان عمل وسلم أجر المثل. ويضمن الصانع بالتلف ولو سبقه دعاء ربه لتسلمه اذا لم يكن الصانع قد قبض أجره أما اذا كان قد قبض أجره فلا ضمان لأنه صار كالمودع حينئذ ولا ضمان ان قامت بينة على التلف وحينئذ تسقط الأجرة سواء شهدت البينة بالتلف قبل العمل أم بعده. وقال بعضهم ان شهدت به بعد العمل لم تسقط الأجرة والا سقطت واذا أحضر الصانع مصنوعه الى ربه مصنوعا على الصفة التى طلبت منه وتسلم الأجرة ثم تركه ربه لديه فهلك فلا ضمان لانتهاء الاجارة وصيرورته وديعة بذلك الترك (١). قال فى الكافى: الصانع تضيع عنده السلعة فيضمن قيمتها ثم توجد بعد ذلك تكون له لا لصاحبها وكذلك المكترى تضل عنده الدابة لتعديه عليها بالضرب ونحوه فيغرم قيمتها ثم توجد تكون له. ومما تقدم يرى أن الأجير أمين عند المالكية لا يضمن الا بالتعدى أو التفريط وان مالكا قد استثنى الصناع من الاجراء مراعاة للمصلحة العامة ولما تقتضيه ضرورة الناس (٢) واذا ما استأجر الصانع أجيرا ليعينه فى عمله فلا ضمان عليه لا للصانع ولا لرب الشئ المصنوع الذى تلف لأنه أمين للصانع وذلك ما لم يفرط وليس عليه ضمان سواء غاب على مصنوعه أم لا وقال اشهب فى الغسال تكثر عنده الثياب فيؤاجر آخر يبعثه الى البحر بشئ منها يغسله فيدعى تلفه أنه ضامن وكلام التوضيح والمواق عن ابن رشد يفيد أن كلام اشهب تقييد للمشهور لا مقابل له وحينئذ فيقيد القول السابق بما اذا لم يغب الأجير عن الصانع بالشئ المصنوع خلافا لمن ذهب من المالكية الى ان كلام أشهب قول آخر مقابل للمشهور وهو عدم ضمان أحد من الصناع مطلقا (٣). مذهب الشافعية: جاء فى نهاية المحتاج ولو تلف المال فى يد أجير بلا تعد كثوب استأجر خياطا لخياطته أو صباغا لصبغه لم يضمن الخياط ولا الصباغ اذا لم ينفرد أحدهما باليد بان حدث العمل فى منزل رب الثوب أو حضرة ربه وكذلك لو صاحبه أو مشى خلفه فتلف - وكذلك لا يضمن ان انفرد الأجير باليد بان انتفى ما ذكر فى اظهر الاقوال لان يده انما

стр. 601

كانت لغرض المالك فكان شبيها بالمستأجر والقول الثانى يضمن كالمستعير والثالث يضمن ان كان أجيرا مشتركا بين الناس وهو كل من يلتزم العمل فى ذمته كخياطة لا الأجير المنفرد وهو من أجر نفسه مدة معينة من العمل أو أجر نفسه على ان لا يعمل لغير المؤجر فكان مختصا بمستأجر معين وبذلك صار فى حكم الوكيل ولا تجرى هذه الأقوال فى أجير للحفظ والحراسة اذا سرق متاع مما عهد اليه بحراسته فلا يضمنه قطعا لأنه لم يسلم اليه وانما هو بمنزلة حارس سكة سرق بعض بيوتها (١) جاء فى المهذب (٢) اذا استأجر صانعا على عمل من خياطة أو صباغة فعمل فهل له أن يحبس العين حتى يقبض الأجرة؟ فيه وجهان أحدهما لا يجوز لأن المؤجر لم يرهن العين عنده فلم يجز له احتباسها كما لو استأجر مما لا يحمل له متاعا فحمله ثم اراد ان يحبس المتاع على الأجرة. ثانيهما يجوز لأن عمله ملكه فجاز له حبسه على العوض وذلك بحبس العين كالمبيع فى يد البائع. مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: والأجير على ضربين: خاص ومشترك فالخاص هو الذى يقع العقد عليه فى مدة معلومة يستحق المستأجر نفعه فى جميعها كرجل استؤجر لخدمة أو لعمل سمى خاصا لاختصاص مستأجره بنفعه فى تلك المدة دون سائر الناس والمشترك هو الذى يقع العقد معه على عمل معين سواء أعينت له مدة لا يستحق المؤجر نفعه فيها جميعها بل يكون له أن يعمل لغيره كالطبيب فى مستشفى استؤجر للعمل فيه سنة أو أكثر على الا يختص المستشفى به بل يكون له أن يعمل فى غيره وان يعالج غير مرضى المستشفى ام لم تعين له مدة كالنجار والحداد والحمال سمى مشتركا لأنه يتقبل العمل من كثيرين فى وقت أو مدة واحدة. والمشترك ضامن لما جنت يده كالحائك اذا أفسد حياكته ضامن لما أفسد نص على ذلك أحمد، والحمال ضامن لما يسقط من فوق رأسه أو لما يسقط منه أو يتلف من عثرته أو عثرة دابته أو من سقوط حملها لانقطاع حبله وهكذا وقد روى ذلك عن عمر وعلى وهو قول أبى حنيفة ومالك وأحد قولى الشافعى وفى قوله الآخر لا يضمن الا اذا تعدى ولنا ما روى عن على أنه كان يضمن الصناع وقال لا يصلح أمر الناس الا على ذلك ولأن عمل الأجير المشترك مضمون عليه اذ لا يستحق الأجر الا به فما تولد منه يجب أن يكون كذلك مضمونا كالعدوان بقطع عضو والثوب اذا تلف فى حرزه بعد تمام العمل فيه لم يكن له أجر فيما عمل فيه وكان ذهاب عمله من ضمانه بخلاف الأجير الخاص لاستحقاقه الأجر بمضى المدة وان لم يعمل

стр. 602

وما عمل فيه من شئ فيتلف فى حرزه لم يسقط من أجره شئ بتلفه. وقد ذكر القاضى أن الأجير المشترك انما يضمن اذا كان يعمل فى ملك نفسه مثل الخباز يخبز فى تنوره وملكه والخياط فى دكانه ولو فعلا عند مؤجرهما فخاط الخياط فى دار مؤجره وخبز الخباز فى دار مؤجره لم يضمن أحدهما ما تلف على يده ما لم يفرط لأنه لما سلم نفسه صار كالأجير الخاص ولو كان صاحب المتاع مع الملاح فى السفينة أو راكبا على الدابة فوق حمله فتلف الحمل لم يضمن الملاح ولا المكارى لأن يد صاحب المتاع لم تزل. ولو كان العمل فى دكان الأجير والمستأجر حاضر أو اكتراه ليعمل له شيئا وهو معه لم يضمن لأن يده عليه لم تزل ويجب له أجر عمله لأن يده عليه فكلما عمل شيئا صار مسلما اليه. ولكن اذا تلف المتاع بجناية الأجير وتعديه ضمن لأن وجوب الضمان عليه حينئذ لجناية يده وعندئذ لا فرق فى ذلك بين حضور المالك وغيبته. وأما الأجير الخاص فهو غير ضامن ما لم يتعد قال أحمد فى رواية مهنى فى رجل أمر غلامه بأن يكيل لآخر برا فسقط المكيال من يده فانكسر لا ضمان عليه فقيل أليس هو بمنزلة القصار؟ قال لا. القصار مشترك وانما لم يضمن الأجير الخاص لأنه نائب عن المالك فى صرف منافعه الى ما أمره به فلم يضمن من غير أن يتعدى كالوكيل أما ما يتلف بتعديه فيجب فيه الضمان. واذا استأجر الأجير المشترك أجيرا خاصا ليعمل فى دكانه كالخياط يستأجر أجيرا مدة يستعمله فيها فتقبل صاحب الدكان خياطة ثوب ودفعه الى أجيره فخرقه أو أفسده لم يضمنه لأنه أجير خاص ويضمنه صاحب الدكان لأنه أجير مشترك. واذا أتلف الصانع الثوب بعد عمله فان صاحبه يكون مخيرا بين أن يضمنه اياه غير معمول ولا أجر له وبين أن يضمنه اياه معمولا ويدفع اليه أجره - واذا وجب على الأجير ضمان المتاع المحمول فصاحبه مخير بين تضمينه قيمته فى الموضع الذى سلمه اليه ولا أجر له وبين تضمينه اياه فى الموضع الذى أفسده. ويعطيه الأجر الى ذلك المكان لأنه ملكه فى الموضعين فله الخيار بين قيمته فيهما وعليه أجر ما حمل لوصول نفع ذلك اليه. واذا عمل الأجير فى حانوته لم يكن العمل مسلما الى المؤجر حتى يسلم العين اليه ولا يستحق الأجر حتى يسلمها مصنوعة مفروغا من العمل فيها اما اذا عمل فى ملك المؤجر مثل أن يحضره المؤجر الى داره ليخيط فيها فانه يعد مسلما لعمله

стр. 603

كلما فرغ منه. ويستحق الأجر بمجرد عمله لأنه فى يد المؤجر فيصير مسلما للعمل حالا فحالا فلو استأجر بناء ليبنى له حائطا فى داره استحق أجره بمجرد عمله أما الأجير الخاص فيستحق أجره بمضى المدة سواء تلف ما عمله أم لم يتلف نص عليه أحمد ذلك لأنه يلزمه تسليم نفسه وعمل ما يستعمل فيه وقد وجد ذلك منه بخلاف الأجير المشترك. وقد اختلفت الرواية عن أحمد فى الأجير المشترك اذا تلفت العين من حرزه من غير تعد منه ولا تفريط فروى عنه انه لا يضمن وهو قول طاووس وعطاء وأبى حنيفة والشافعى وروى عنه ان كان هلاكه بما يستطاع دفعه ضمن وان كان بما لا يستطاع دفعه كالحريق الغالب والعدو الغالب فلا ضمان وقال احمد فى رواية أبى طالب اذا جنت يده أو ضاع من بين متاعه ضمنه وان كان عدوا أو غرقا فلا ضمان واذا حبس الأجير المشترك العين بعد عمله حتى يستوفى أجره ضمنه لأن صاحبه لم يرهنه عنده ولم يأذن له فى امساكه فلزمه الضمان كالغاصب. واذا أخطأ القصار فدفع الثوب الى غير مالكه فعليه ضمانه لأنه فوته على مالكه ولا يسع من أخذه لبسه اذا علم أنه ليس ثوبه وعليه رده الى القصار ومطالبته بثوبه واذا حدث له تلف أو نقص عنده كان ضامنا لما نقص منه. مذهب الظاهرية: قال ابن حزم فى المحلى: ولا ضمان على أجير مشترك أو غير مشترك ولا على صانع أصلا الا ما ثبت أنه تعدى فيه أو أضاعه، والقول فى كل ذلك قوله مع يمينه ما لم تقم عليه بينة، فان قامت عليه بينة بالتعدى أو الاضاعة ضمن وله فى كل ذلك الأجرة فيما أثبت أنه كان عمله فان لم تقم بينة حلف صاحب المتاع أنه ما يعلم أنه عمل ما يدعى أنه عمله ولا شئ عليه حينئذ، وقالت طائفة: الصناع كلهم ضامنون ما جنوا وما لم يجنوا، قالوا: وكان عمر يضمن من الصناع ما كان يعمل بيده وكان على يضمن الأجير وهو مذهب كثير من التابعين وقالت طائفة: يضمن الأجير المشترك وهو العام وهو ما يستأجر على الأعمال ولا يضمن الخاص وهو الذى استؤجر لمدة وهو قول أبى يوسف ومحمد وقالت طائفة: يضمن الصانع ما غاب عليه الا أن يقيم بينة أنه تلف من غير فعله فلا يضمن (١)

стр. 604

مذهب الزيدية: يعرف الزيدية الأجير الخاص بأنه الذى يعمل لك فقط ويعرفون المشترك بأنه هو الذى يعمل لك ولجميع الناس ويرون صحة العقد مع الأجير الخاص اذا ذكرت فيه المدة ولم يذكر معها العمل كأن يقول استأجرتك هذا اليوم أو هذه السنة ولا يذكر عملا وتبدأ المدة من العقد ان لم تعين كما يصح العقد أيضا اذا بينت فيه المدة والعمل على أن تذكر المدة أولا مثل أن يقول استأجرتك اليوم على أن تخيط لى فيه هذا الثوب (١). واذا سلم الأجير الخاص نفسه استحق الأجر بمضى المدة وان لم يعمل الا أن يمتنع من العمل أو يعمل لنفسه أو للغير فى تلك المدة، فان عمل للغير أو لنفسه فى تلك المدة عملا يمنعه من العمل للمستأجر أو ينقصه دون اذن من المستأجر - ولو كان حاضرا شاهدا ساكتا - سقط من أجرته بقدر المدة التى عمل فيها للغير ويكون له على ذلك الغير أجر مثله، واذا أذن له المؤجر بأن يعمل لغيره كانت الأجرة للمؤجر اذا كان عمله للثانى ينقص من عمله، فان كان لا ينقص منه ولا يترتب عليه ضرر استحق الأجير الأجرتين. والأجير الخاص لا يضمن الا اذا فرط أو كان أجيرا على الحفظ فانه فى هذه الحال الأخيرة يضمن ضمان الأجير المشترك، وللمؤجر فسخ العقد معه بطروء عيب يمنعه من العمل أو ينقصه، كما له أن يفسخه أيضا بخيار الرؤية بعد رؤيته ومشاهدة عمله. والأجير المشترك ضامن الا من أمر غالب لا يستطاع دفعه ولا الاحتراز منه كالسيل والحريق العام والزلزال واللصوص المتغلبين، وللأجير المشترك الأجرة بتسليم العمل الذى استؤجر عليه الى المستأجر اما بقبضه واما بتخليه، وما تلف من العمل قبل تسليمه سقط من الأجرة بحصته، وللأجير خاصا كان أو مشتركا حبس العين حتى يستوفى أجرته وما غرمه الحابس عليها يرجع به على مالكها. واذا تلف المصنوع فى يد الصانع أو المحمول فى يد الحامل قبل التسليم الى صاحبه فضمن قيمته فان أجرته لا تسقط بضمان القيمة ان ضمنه للمالك مصنوعا أو فى محل وصوله، وللأجير سواء أكان خاصا أم مشتركا أن ينيب غيره ليعمل عمله لعذر أو لغير عذر فيما لا يختلف باختلاف العاملين، فاذا كان مما يختلف لم تجز الانابة الا أن يؤذن له فى ذلك أو يجرى بذلك العرف، وحاصل هذه المسألة أن المالك اما أن يأذن للأجير بالأنابة أو يمنعه أو لا يتعرض لذلك فان أذن له فأناب غيره لم يكن متعديا، وان كان عمل الثانى دون عمل الأول وكان ضمانهما ضمان الأجير المشترك اذا كان الأجير الثانى مشتركا، وان كان

стр. 605

خاصا فلا يضمن فان كان الأجير الأول خاصا والثانى مشتركا ضمن للمالك، اذ الأول كالوكيل للمالك، وان منع المالك من الانابة فأناب الأجير غيره كان متعديا بذلك، ولو كان الثانى أحسن منه عملا ولا أجر لهما، ويضمنان ضمان الغصب الا أن يكون الثانى جاهلا فله أجر مثله على الأول للتغرير به، وللمالك مطالبة أيهما شاء بالضمان واستقرار الضمان على الثانى ان جنى أو علم بأنه للغير والا فعلى الأول لأنه قد غرر الثانى، وان أطلق كان متعديا بالانابة اذا كان عمل الثانى دون الأول ولا أجرة لهما اذا كان الثانى عالما بهذا التعدى، وان كان مساويا فالمختار أن الأنابة لا تعد اعتداء (١) مذهب الشيعة الجعفرية: والأجير: اما خاص واما مشترك، والخاص هو الذى يستأجر لمدة معينة والمشترك هو الذى يستأجر للعمل مجردا عن المدة والأول لا يجوز له العمل لغير مستأجره فى المدة الا باذنه والثانى يجوز، والصانع كالقصار والخياط والحائك والطباخ وأشباههم يضمنون ما تلف بفعلهم سواء كانوا فى ملك المستأجر أو ملكهم وسواء أكان المستأجر حاضرا أم غائبا والحمال يضمن ما يسقط من حمله عن رأسه أو يتلف من عثرته والجمال يضمن ما يتلف بقوده وسوقه وانقطاع جبله سواء حصل منهم تعد أم لا وسواء كان صاحب العمل حاضرا أم غائبا وكذلك الأجير الخاص يضمن ما يتلف بفعله سواء أكان عن تفريط أم لا واذا أتلف الصانع الثوب بعد عمله تخير المالك بين تضمينه اياه معمولا وعليه الأجر له وبين تضمينه اياه قبل عمله ولا أجر له عليه وكذلك لو أتلف الحامل ما يحمله تخير المالك بين تضمينه اياه محمولا فى موضع وصوله وعليه الأجر له وبين تضمينه اياه فى موضع تسلمه منه ولا أجر له، واذا استأجره لعمل فى عين فتلفت فى يد الأجير من غير تفريط لم يضمن سواء أكان الهلاك بما يستطاع دفعه أو بغيره وعليه الأجرة له فيما عمل فيها ان كان العمل فى ملك المستأجر وهو غائب وان كان فى ملكه وهو حاضر قال الشيخ: له الأجرة لأنه سلم العمل حالا فحالا ولو حبس الصانع الثوب حتى يستوفى الأجرة فتلف ضمنه الا أن يجعله المستأجر رهنا ولو دفع الصانع الثوب الى غير مالكه للاشتباه بثوب آخر ضمنه (٢). مذهب الإباضية: الأجير عندهم خاص وهو من يؤجر نفسه مدة معلومة، ومشترك وهو من يلتزم عملا بذمته، وقيل: الخاص من عين له العمل وموضعه، والمشترك من قيل له: اعمل حيث شئت، وليس على الأجير الخاص ضمان وكذلك قالوا: ليس على المشترك ضمان كراع الا بتفريط وتضييع، وقيل الراعى ضامن لما يهلك من مرعيه الا ما كان هلاكه بسبب أمر غالب لا يستطيع دفعه كسيل

стр. 606

وأسد وعدو وقيل: لا يضمن الأجير الذى يعمل بدار مستأجره أو يخدم فيها خدمة مخصوصة أو عملا خاصا أو خدمة عامة أو عملا عاما، ومثله من استؤجرت قوته كلها فى عمل مخصوص لمدة معينة ويضمن من لم يعمل بدار مستأجره أو محله لأن هذا مشترك اذ الغالب فيه أن يؤجر على عمل فى ذمته لمدة محدودة غير معينة أو على عمل فى ذمته لمدة محدودة غير معينة أو على عمل محدود فى نفسه بلا حد زمان، فلو استؤجر على عمل فى غير الدار أو المحل فى مدة معينة لعمل غير محدود بكمية كان خاصا، ووجه القول بضمان المشترك دون الخاص: أن المشترك له أن يتأخر بالعمل الى وقت يطمئن فيه قلبه ويسكن فيجيد العمل وانه لعله يجيئه الملل من جهة اشتغال قلبه بعمل الناس لأن له أن يؤجر نفسه بخلاف الخاص فوقته محدود ليس له الا التفرغ للعمل وقد استؤجرت قوته كلها وقيل يضمن الأجير سواء أكان عمله فى الدار أم فى غيرها ان لم يكن سبب التلف أو الهلاك أمرا غالبا، وفى الديوان: كل من أخذ الأجرة على شئ مما فى يده فهو ضامن له ما خلا الراعى اذا غلب ولكن ان ضيع ضمن وكذا الحارس للمال أو للنفس لا يضمن الا ان ضيع والرقاد تضييع (١) وعلى الأجير الخاص أن يعمل كل وقته المعين له فلا يشغله بغير العمل لمخدومه على حسب العادة والعرف، وليس له النوم الا فى الوقت المعتاد للنوم والا نقص من أجره بقدر ما نام (٢)، ولمستأجره أجر ما عمل لغيره فى مدة الاجارة ويتخلص من عمل له الأجير بدفع الأجرة للمستأجر الأول لا بدفعها للأجير الا اذا أذنه مستأجره بذلك، وقيل: ان الأجرة للأجير وليس لمستأجره الا نقص أجرته بقدر ما عمل لغيره لأن أجرته بدل منفعة مملوكة له قام بها وهى مظهر قوته وقوته له واشتغاله لغير مستأجره يعد خيانة تستوجب تضمينه وذلك بنقص أجرته وحط ذلك النقص عن مستأجره (٣)، وللأجير حبس ما بيده من العين التى يعمل فيها حتى يستوفى أجره ولكن ان تلف وضمن ضمن قيمته معمولا وأخذ أجرته. وقيل: يضمن قيمته غير معمول ولا أجر له وظاهر عبارة النيل: أن الأجير مطلقا له أن يحبس حتى يستوفى أجرته، وأن حبس العين يستوجب ضمانها لقولهم: ان للأجير منع ما بيده حتى يأخذ أجرته فان تلف معمولا ضمن قيمته وأخذ أجرته، وقيل: ضمن قيمته غير معمول ولا أجر له ولا ضمان عليه ان تلف بأمر غالب وله أجره - قال شارح النيل: والظاهر أن الحكم خاص بالأجير المشترك لأنه هو الذى يتصور فيه الحبس ولأنه ضامن لما يهلك تحت يده اذا لم يكن بأمر غالب وحبسه العين للأجر لا يدفع عنه هذا الضمان فكان ضامنا حال الحبس كما كان ضامنا قبله وانما كان له أجره ولا ضمان عليه اذا كان التلف أو الهلاك بغالب لأن الذى حدث مصيبة نزلت بصاحب العين بعد أن استحق الأجير أجره فلا يسقط لأمر نزل بصاحب العين، وقيل: لا ضمان ولا أجر اذ لم يسلم العمل لصاحبه والأول أصح لأن اتصال العمل بالعين واحداثه فيها يعد

стр. 607

تسليما لصاحبها اذ هى فى يد الأجير باذنه فكانت يده كيده (١). حكم الاجارة غير الصحيحة مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن الخلل اذا أصاب الاجارة فى أركانها أو فى محلها أو انعدم معناها كانت باطلة وان أصاب الخلل وصفها بأن كانت مشروعة بأصلها دون وصفها كانت فاسدة وفيما يلى حكم كل منها عندهم. اذا كانت الاجارة فاسدة بأن فقدت شرطا من شروط صحتها ولم يصب الخلل أصلها فكانت مشروعة بأصلها لم يترتب على العقد أى أثر فلا يلزم المؤجر بتسليم العين المستأجرة ولا يلزم الأجير بالشروع فى العمل ولا يطالب المستأجر للعين بالأجرة ولو شرط تعجيلها كما لا يطالب الأجير المؤجر بأجره ولو مع شرط التعجيل وذلك كما فى الاجارة مع جهالة مدتها ان كانت المنفعة لا تقدر الا بالمدة أو مع عدم بيان المدة أو مع تأجيل الأجرة الى أجل مجهول أو مع عدم بيان مقدار الأجرة أو مع عدم ذكرها أو مع عدم بيان المنفعة أو على جعل الأجرة جزءا من المال الذى هو محل العمل كأن يستأجر على طحن البر بجزء من دقيقه ففى جميع هذه الصور وأمثالها الاجارة فاسدة ولا يترتب على العقد أى أثر ولكن اذا ترتب عليه استيفاء فعلا وكان ذلك بناء على تسليم المؤجر أو نائبه العين المستأجرة الى المستأجر فى الاجارة على منفعتها وجب على المستأجر بدل انتفاعه تعويضا لصاحب العين والواجب حينئذ هو أجرة المثل وهو الواجب الأصلى لأن المؤجر لم يرض باستيفاء المنافع الا ببدل ولا وجه الى ايجاب المسمى اذا كانت التسمية فاسدة فيجب لذلك أجر المثل وهو القيمة الا أنها مجهولة لا تعرف الا بالحزر والظن وتختلف باختلاف المقومين فيعدل عنها الى المسمى عند صحة تسميته لأن الرضا قد تم بناء عليه ولذا لا يزاد عليه فى أية حال اذا ما صحت تسميته ولهذا كان الواجب فى الاجارة الفاسدة اذا ما صحت فيها التسمية أجر المثل لا يزاد عن المسمى لأن زيادته على أجر المثل تسقط باتفاق المتعاقدين ويعد اتفاقهما عليه تنازلا عنها، أما اذا ما فسدت التسمية أو انعدمت فالواجب أجر المثل بالغا ما بلغ وهذا بناء على أن المنافع غير متقومة شرعا عند الحنفية وانما تتقوم بالعقد بتقويم المتعاقدين وهما ما قوماها الا بالقدر المسمى ولو وجبت الزيادة عليه لوجبت تلك الزيادة بلا عقد وذلك بخلاف البيع الفاسد اذ أن المبيع فيه مضمون بقيمته بالغة ما بلغت لتقوم الأعيان فى ذاتها فوجبت قيمتها وخالف زفر فى قول له فلم يخالف بين الاجارة والبيع وأوجب أجر المثل بالغا ما بلغ والعين أمانة فى يد المستأجر فى هذه الحال لأنه قد قبضها باذن من مالكها ولذا لا يضمن بهلاكها الا ان كان متعديا أو مفرطا وكذلك الحكم فى الأجير الخاص بالنسبة لما يكون تحت يده بمقتضى عمله يعد أمينا فى ذلك كما هو الحكم فى الاجارة الصحيحة وكذلك الحال فى الأجير المشترك يعد ضامنا لما هو مضمون تحت يده فى الاجارة الصحيحة وأمينا فيما ليس بمضمون تحت يده اذ لا يكون الحكم فى

стр. 608

الاجارة الفاسدة أحسن وضعا منه فى الصحيحة (١) والأصل أن كل ما قبض بجهة التملك تكون اليد عليه يد ضمان وكل ما قبض لا بجهة التملك لم يضمن الا بالتعدى أو بالتفريط (٢) أما الاجارة الباطلة التى فاتها شرط من شروط الانعقاد أو هى ما لم تشرع أصلا فلا حكم لها رأسا ولا يستحسن بالانتفاع بها شئ كاستئجار المجنون دارا لسكناه فيسكنها أو تمكن من سكناها وكالاستئجار على الفرض أو على القتل لأن العقد يعد فى الحال معدوما والمعدوم لا يترتب عليه وجود غير أنه قد جاء فى الدر المختار أن الاجارة الباطلة لا أجر فيها بالاستعمال وقد جاء فى ابن عابدين أن ظاهر هذا الاطلاق يفيد أنه حكم عام فى الموقوف ومال اليتيم، والمعد للاستغلال، فى حين أن المعد للاستغلال يجب الأجر فيه اذا لم يستعمل بتأويل عقد أو ملك فى حين أن الاستعمال هنا بتأويل عقد باطل الا ان قيل ان الباطل لا حكم له أصلا فوجوده كالعدم كما فى البدائع (٣) وينبغى وجوبه فى الوقف ومال اليتيم، وجاء فى كتاب الغصب أن منافع الغصب غير مضمونة الا أن يكون المغصوب وقفا أو مال يتيم أو معدا للاستغلال، والى ذلك ذهب المتأخرون وعليه الفتوى، واذا لوحظ الأصل السابق فان يد المستأجر اجارة باطلة تكون يد أمانة على العين المستأجرة لأنها لم تقبض على وجه التملك هذا ويجب فسخ الاجارة الفاسدة على كل من طرفيها لأنها عقد غير مشروع (٤). مذهب المالكية: يرى المالكية أن الاجارة تكون صحيحة اذا ما توافرت شروط صحتها عندهم وهى شروط أوجب الشارع توافرها فيها لكى تفيد حكمها وتكون سببا شرعيا تترتب عليه آثارها وتفسد اذا فقدت شرطا من هذه الشروط وعندئذ لا تكون سببا شرعيا يفيد ملك المنفعة التى هى محلها ولا يفيد ملك بدلها وهو الأجر ومن ثم يكون ما يترتب عليه من الانتفاع انتفاعا بغير حق وبسبب غير مشروع وذلك ما يعده المالكية اعتداء أو من قبيل الاعتداء على ملك الغير وحقوقه، ذلك لأن الاجارة اذا كان محلها منفعة عين من الأعيان أو شخص من الأشخاص كان الانتفاع المترتب عليها انتفاعا بملك الغير بطريق غير مشروع وان كان محلها منفعة غير متقومة أو منفعة محظورة كان الانتفاع بها انتفاعا غير مأذون فيه من الشارع وكان أخذ المال تعويضا عنه من قبيل أكله بالباطل وكل ذلك محظور غير أن المنفعة اذا كانت جائزة ومتقومة مملوكة استتبع الانتفاع بها تعويض مالكها ووجب على المنتفع أداؤه اليه واذا كانت غير متقومة أو محظورة لم يجب فيها عوض وكان أخذه أكلا له بالباطل وذلك كاستئجار الرياحين لشمها والدنانير للتزين بها والجدر للاستظلال بظلها ولا تجب

стр. 609

فيها أجرة ان وقعت (١) وقد جاء فى الحطاب: التعدى هو الانتفاع بملك الغير دون حق فيه والخطأ فيه كالعمد أو هو التصرف فيه بغير اذن من مالكه أو ممن يقوم مقامه من ولى أو قاض بدون قصد تملكه ويدخل فيه سائر الأجراء اذا خالفوا وسيان فى التعدى أن تكون يد المتعدى باذن من المالك أم لا كما فى القراض والودائع والاجارات وقد فرق الفقهاء بينه وبين المغتصب من وجوه، منها: أن الغاصب ضامن للسلعة المغصوبة يوم الغصب لأنه يوم وضع يده عليها اعتداء وأن المعتدى انما يضمنها يوم تعدى عليها لا يوم وضع يده عليها وان الغاصب يضمن الفساد القليل اليسير والمتعدى لا يضمن الا الكثير وأن على المعتدى كراء ما تعدى عليه وأجرته بكل حال عند مالك بينا قال فى الغاصب: لا كراء عليه، وفى كثير من هذه الأصول اختلاف بين أصحابنا معلوم، ويؤخذ من هذا: أن من تعدى على دابة فركبها مخالفا فعليه أجرتها (٢)، وأن الفرق بين الغصب والتعدى: أن الغاصب يقصد باستيلائه أن يتملك المغصوب وأن المتعدى لا يقصد الا الانتفاع وقد يكون ذلك بعد صدور اذن من المالك بوضع اليد كما فى العارية والاجارة عند مخالفة المستعير والمستأجر وقد لا يكون ذلك بعد اذن سابق، والخلاصة: أن عقد الاجارة اذا لم يتوافر فيه شرط من شروط صحته التى أوجبها الشارع فانتفع المستأجر بناء عليه كان انتفاعه بناء على عقد فاسد غير مشروع وكان لذلك اعتداء على منافع العين التى هى ملك لصاحبها وكان على المنتفع أجر مثل العين لمالكها بالغا ما بلغ لأن المنفعة مال عندهم وقد استهلكها المستأجر بغير حق فوجب عليه ضمانها وذلك بأجر مثلها وهذا اذا كانت منفعة متقومة، أما اذا كانت غير متقومة فلا يعتاض عنها ولا يجب لها عوض ومن ثم لا يجب على المنتفع بها أجر بانتفاعه كما فى استظلاله بجدار بيت أو استضاءته بسراج انسان فى منزله وكذلك اذا كانت المنفعة محظورة كما فى الاستئجار على قتل بغير حق أو اعتداء فارتكب المستأجر ما طلب منه لم يستحق أجرا اذ لا أجر على معصية ترتكب وانما الواجب فيها الحد أو التعزير أما الأجير اذا عمل بناء على عقد فاسد وقام بعمل متقوم ليس بمعصية لمن طلبه منه كان له كذلك أجر مثله وذلك لتقوم عمله واستفادة المستأجر منه وانتفاء نية التبرع فيه ويجب على عاقديها فسخها لأنها عقد غير مشروع وما كان غير مشروع يجب تركه، واذا تجاوز المستأجر المنفعة المستأجر عليها فزاد فيها كأن استأجر دابة لمسافة معينة فزاد عليها أو لحمل ثقل معين فزاد عليه بما يعد مخالفة عرفا فانه بذلك ينتقل من حال الأمان الى حال الضمان فاذا هلكت العين بعد ذلك ضمنها سواء أكان هلاكها بسبب المخالفة أم بغيرها واذا سلمت كان عليه الأجر المسمى مضافا اليه أجر الزيادة وقد اختلف المالكية فى أجر الزيادة أيقدر بأجر مثلها بالغا ما بلغ أم يقدر على أساس الأجر المسمى؟ قولان لابن القاسم وقال عنه عيسى وكراء المثل أحب الى الا أن ينقص عن الكراء المسمى فعندئذ يؤخذ بالمسمى (٣).

стр. 610

مذهب الشافعية: ولا يختلف مذهب الشافعية عن مذهب المالكية فى أن عقد الاجارة اذا فقد شرطا من شروط صحته التى أوجب الشارع توافرها فيه كان عقدا غير صحيح ولم يكن سببا شرعيا لافادة آثاره وعلى ذلك يكون انتفاع المستأجر بالعين المستأجرة بناء عليه انتفاعا غير مشروع وكان عليه بسبب ذلك أجر مثل انتفاعه للمالك وذلك بناء على أن المنفعة مال وقد استهلكها المستأجر لمصلحته فوجب عليه بدلها وهو أجر المثل بالغا ما بلغ ما لم تكن منفعة غير متقومة أو معصية نهى الشارع عنها كما قدمنا فى بيان مذهب المالكية ويقدر أجر المثل بمراعاة مكان الانتفاع بالعين (١) وتستقر أجرة المثل فى الاجارة الفاسدة بما يستقر به الأجر المسمى فى الاجارة الصحيحة مما ذكرناه فيما سبق، ولو لم ينتفع المستأجر مع ملاحظة أن تخلية العقار المستأجر ووضعه بين يدى المستأجر فيها وعرضه عليه، وان امتنع لا يكفى فى وجوب أجرة المثل فى الاجارة الفاسدة بل لا بد من القبض الحقيقى (٢) ويجب على طرفيها فسخها لأنها عقد غير مشروع. مذهب الحنابلة: ولا يختلف مذهب الحنابلة عن مذهب الشافعية فى أن الواجب فى الاجارة غير الصحيحة هو أجر المثل بالغا ما بلغ اذا تسلم المستأجر العين المعقود عليها وبقيت فى يده حتى انقضت مدة الاجارة أو بعضها أو مدة يمكن استيفاء المنفعة المطلوبة فيها أولا فيجب عليه أجر مثل المدة التى ظلت فيها تحت يده سواء انتفع أم لم ينتفع لأن منافعها تلفت تحت يده فوجب عليها بدلها واذا لم تسلم العين لم يلزمه أجرة ولو بدلها المالك لأن المنافع لم تتلف تحت يده والعقد الفاسد لا أثر له بخلاف العقد الصحيح (٣) وتكون الاجارة غير صحيحة اذا لم يتوافر فيها شرط من شروط صحتها التى أشير اليها فيما مضى ويجب على طرفيها فسخها لأنها غير مشروعة. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى: والاجارة الفاسدة ان أدركت فسخت وكذلك ما أدرك منها فان فاتت أو فات شئ منها قضى فيها أو فيما فات منها بأجر المثل لقوله تعالى «وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ» فمن استغل مال غيره بغير حق فهى حرمة انتهكها فعليه أن يقاص بمثله من ماله (٤). مذهب الزيدية: يرى الزيدية أن الاجارة غير الصحيحة اما فاسدة وهى ما اختل فيها شرط غير ركن من أركانها والباطلة هى ما اختل ركن من أركانها الأربعة وهى العاقدان والمنفعة المتقومة والأجرة كأن يؤجر مكلف نفسه من مجنون أو تقع الاجارة على منفعة غير متقومة ويشترك النوعان فى الأحكام الآتية (١) أن القاضى لا يجبر الممتنع فيهما لأن العقد لا حكم له فى الزام طرفيه (٢) أن الأجر لا يستحق فيهما بما يستحق به فى الاجارة

стр. 611

الصحيحة (٣) أن الأجر المستحق فيهما هو أجر المثل لا المسمى فاذا كان الفساد أصليا أى فى بداية العقد فأجر المثل هو المستحق وان كان طارئا لزم لما مضى حصته من الأجر المسمى ولما يلى ذلك الأقل من حصته فى المسمى وأجر مثله ولا تستحق الأجرة فيهما الا باستيفاء المنافع لا بالتخلية ويتم ذلك بقبض المنقول والتخلية بالنسبة الى غيره وان لم يحدث انتفاع بالفعل كما يتم ذلك بتسليم العمل تاما فى الأجير المشترك والخاص فمتى تم العمل استحق الأجر وله حبس العين محل عمله حتى يستوفى أجرته ان كانت حالة فان تلفت العين عنده فلا ضمان عليه ولا أجرة له وان كانت مؤجلة فليس له حبسها وان حبسها كانت فى ضمانه (١) ومما يلاحظ فى الاجارة الفاسدة أن مقدمات العمل اذا أتى بها العامل استحق عنها أجر مثلها بخلاف الصحيحة فانه لا يستحق عنها أجرا الا اذا كان ثمة شرط بذلك أو عرف والفرق بينهما أن الأجر فى الصحيحة مقابل بالعمل تاما يقوم به الأجير من العمل تاما ولا غرض له فى مقدماته، أما الفاسدة فالأجرة فيها تقابل العمل أيا كان (٢) مذهب الشيعة الجعفرية: جاء فى تحرير الأحكام أن الاجارة غير الصحيحة يترتب على استيفاء المنفعة فيها أجر المثل سواء أكانت فاسدة أم باطلة بالغا ما بلغ (٣) واذا عرضت العين فيها على المستأجر فامتنع من أخذها مع امكانه ومضت مدة الاستيفاء فلا أجر عليه ولو قبضها ومضت المدة المشترطة أو مدة يمكن استيفاء العمل فيها احتمل وجوب أجر المثل وعدمه أما لو استوفى المنفعة فانه يلزمه أجر المثل بالغا ما بلغ (٤). مذهب الإباضية: يرى الإباضية ان الاجارة غير الصحيحة تجب فيها أجرة المثل بالعمل أو الانتفاع بالغة ما بلغت لأنها بدل مال استهلك وهو المنفعة اذا لم تكن تلك المنفعة معصية فان كانت معصية لم يجب بفعلها أجر واذا كانت من العبادات التى لا يصح الاستئجار عليها ففعلت لم يجب الأجر أيضا واذا أعطى الأجر فعلا هل يسترد لمن أخذه؟ رأيان (٥). فسخ الاجارة ليس لأحد العاقدين أن يستقل بفسخ الاجارة لأنه عقد لازم متى كان خاليا من الخيارات ولكن إذا كان فيه خيار شرط أو خيار رؤية أو خيار عيب أو خيار فوات وصف أو غير ذلك من الخيارات كان غير لازم بالنظر الى من له الخيار وكان لمن له الخيار حق فسخه بمقتضى خياره ما دام ثابتا له وعلى ذلك يكون لكل منهما أن ينفرد بفسخه اذا كان الخيار لكل منهما كما يكون لهما فسخه بالاقالة فى حال لزومه وهى عقد يقصد به رفع عقد سابق «راجع مصطلح اقالة» وخلاصة ما سبق أن عقد الاجارة عقد لازم ما دام خاليا من الخيارات لا يملك أحد عاقديه فسخه وانما يجوز فسخه حينئذ بالاقالة فاذا ثبت فيه خيار لأحد عاقديه كان له أن يستقل بفسخه

стр. 612

وهذا الحكم لا خلاف فيه بين الفقهاء انما الخلاف بينهم فى ثبوت بعض الخيارات فيه وذلك ما يرجع فيه الى مصطلح خيار أو فيما يثبت به خيار الفسخ بسبب طارئ لا يرجع الى عيب لحق محل العقد وانما يرجع الى أمر خارج عنه وذلك ما يرى فى حالتين: الأولى حال غصبه والثانية طروء عذر على المستأجر يقتضى عدم تمكنه من الانتفاع أو على المؤجر تقتضى عدم تمكين المستأجر من الانتفاع. حال الغصب مذهب الحنفية: اذا غصبت العين المستأجرة فحيل بسبب ذلك بين المستأجر والعين فعلى قولين عند الحنفية: قيل لا تنفسخ الاجارة ولكن يحق للمستأجر الفسخ اذا لم يستطع استرداد العين بوسيلة لا تكلفه مالا كالشفاعة والالتجاء الى الحكام، أما اذا استطاع ذلك فلا يحق له أن يفسخ لأن التقصير من قبله وقيل تنفسخ بالغصب وعلى أية حال فان الأجرة تسقط عن المستأجر مدة غصبها (١). مذهب المالكية: يرى المالكية أن غصب العين المستأجرة أو غصب منفعتها يترتب عليه حق فسخ الأجارة اذا كان الغاصب لا تناله الأحكام كما تفسخ كذلك اذا كان من السلطان أمر يحول دون الانتفاع بها بحيث لا يتمكن المستأجر من الانتفاع ويلزم السلطان أجرتها لربها اذا كان قصده غصب المنفعة فقط دون الذات اذ أن غاصب الذات لا يضمن منفعة المغصوب الا اذا استعمله ولا يضمن منفعة ما عطله، أما غاصب المنفعة فعليه بدلها مطلقا انتفع أم لا - ومحل فسخ الاجارة بغصب العين المستأجرة أو غصب منفعتها ما اذا شاء ذلك المستأجر ففسخها وله أن يبقى على اجازته، فان فسخها كان للمالك الأجرة على الغاصب وان أبقاها من غير فسخ صار مستأجرها مع غاصبها بمنزلة المالك اذا زرع الغاصب أو انتفع فعليه الأجر للمستأجر (٢). مذهب الشافعية: يرى الشافعية أن العين المستأجرة اذا غصبها غاصب طيلة مدة الاجارة انفسخت الاجارة وان ارتفع الغصب وبقى من المدة شئ كان الخيار للمستأجر فى الابقاء على العقد وفى فسخه لتفرق الصفقة عليه وله الخيار على الفور فان فسخ فالأمر ظاهر وان لم يفسخ حتى انقضت المدة انفسخت الاجارة فى مدة الغصب ولزمه أجر ما قبل الغصب (٣). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى: اذا غصبت العين المستأجرة فللمستأجر الفسخ اذ فى الغصب تأخير حقه فان فسخ فالحكم فيه كما لو انفسخ العقد بتلف العين وان لم يفسخ حتى انقضت مدة الاجارة فله الخيار بين الفسخ وبين الابقاء على العقد فاذا فسخ فالأمر واضح لم يطالب الا بما يخص مدة انتفاعه من المسمى واذا لم

стр. 613

يفسخ كان عليه المسمى للمالك ومطالبة الغاصب بأجر المثل لأن المعقود عليه لم يفت مطلقا بل الى بدل وهو القيمة واذا كانت الاجارة على عمل كخياطة ثوب أو حمل شئ الى موضع معين فغصبت الدابة التى يحمل عليها أو حبس الخياط الذى يخيط لم ينفسخ العقد وللمستأجر مطالبة الأجير بعوض المغصوب ليقوم بالحمل أو اقامة من يعمل العمل لأن العقد على ما فى الذمة فان تعذر الاتيان بالبدل ثبت الخيار بين الفسخ أو الصبر الى وجود ما يتم به العمل المستأجر عليه (١) مذهب الزيدية: يرى الزيدية أن غصب العين قبل تسليمها تنفسخ به الاجارة ما لم تسترد العين وتسلم الى المستأجر فى مدتها، أما غصبها فى أثناء مدة الاجارة فلا تنفسخ به الاجارة وانما يكون للمستأجر حق الفسخ بسبب الغصب فى بقية المدة فان فسخها لم يكن عليه الا أجر ما انتفع وان لم يفسخها كان عليه الأجرة كلها ورجع على الغاصب بأجر مثلها مدة انتفاعه لأن المنافع مضمونة عند الزيدية سواء فى ذلك أن يكون الغاصب قد انتفع أم لم ينتفع (٢). مذهب الشيعة الجعفرية: يرى الشيعة الجعفرية أن غصب العين المستأجرة ولو فى أثناء مدة العقد تنفسخ به الاجارة فاذا غصبت فى أثناء المدة لم يكن على المستأجر الا أجر ما انتفع وتنفسخ الاجارة فى باقى المدة (٣). مذهب الإباضية: يرى الإباضية أن غصب العين المستأجرة تنفسخ به الاجارة سواء أحدث قبل ابتدائها أم فى أثنائها فاذا حدث فى أثنائها لم يكن على المستأجر من الأجر الا حصة ما انتفع قبل الغصب وليس عليه من أجر المدة الباقية شئ لانفساخ العقد بالغصب حتى لو استأجر شخص دابة لحمل طعام الى بلد معين فغصبها فى أثناء الطريق غاصب بما عليها ثم سار بحملها الى نفس البلد المعين وفيه أمكن أن تسترد منه لم يكن على المستأجر الا أجر المسافة التى كانت يد المستأجر عليها فيها أى أجر انتفاعه قبل الغصب أما أجر باقى المسافة الى البلد المعين فعلى الغاصب على الرغم من أنه قد وصل بها الى المحل التى استؤجرت لتحمل الطعام اليه (٤) وجاء فى الايضاح: وان أكرى رجل لرجل دارا بكراء معلوم سنة معلومة فنقدها الأجرة ثم انه سكن فيها نصف تلك السنة فأخذت الدار من يده قهرا وظلما ومنع من سكناها حتى انقضت المدة فقد ذهب بعضهم أنه ليس على رب الدار ما ينوب المستأجر من نوازل تنزل به تمنعه من السكنى الا أن يكون أمر عام للناس فله عليه رد ما يخص مدة منعه من الأجر وكانت تلك مصيبة نزلت به أما ان حدث ذلك قبل ابتداء المدة فله استرداد ما نقد لرب الدار (٥)

стр. 614

طروء العذر مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن الاجارة تفسخ بالأعذار، جاء فى البدائع أن العذر قد يكون فى جانب المستأجر وقد يكون فى جانب المؤجر وقد يكون فى جانب المستأجر (بفتح الجيم) أما ما يكون فى جانب المستأجر فكأن يفلس فيترك السوق لفلسه أو يريد سفرا يحول بينه وبين الانتفاع أو ينتقل من حرفة الى أخرى لا يستطيع أن يباشرها فى العين المستأجرة فالمفلس اذا كان لا ينتفع بالحانوت المستأجر يكون فى ابقاء العقد من غير استيفاء منفعة منه اضرار به لم يلتزمه بالعقد فلا يجبر على ذلك وكذلك يرى أن فى ترك السفر مع العزم عليه ضررا به وفى ابقاء العقد مع سفره ضرر به أيضا لما فى ذلك من الزامه الأجر من غير استيفاء المنفعة، وكذلك الحكم فى الانتقال من عمل الى عمل آخر اذ فى منعه من الانتقال ضرر به، وفى ابقاء العقد كذلك ضرر التزامه بالأجر من غير استيفاء منفعة وكذلك يعد من الأعذار ما لو ترتب على الابقاء على العقد ضرر بماله أو ببدنه ثم بدا له أن يفسخ العقد كما لو استأجر رجلا ليهدم داره أو ليقلع ضرسه أو ليحدث له فى ملكه شيئا من بناء أو حفر ثم بدا له ألا يفعل فله فسخ الاجارة لذلك ولا يجبر على شئ من ذلك لما يترتب عليه من نقص أو اتلاف أو ضرر بماله أو ببدنه فاذا بدا له وعلم ألا مصلحة له فيه فيبقى الفعل ضررا فى نفسه فكان له الامتناع من الضرر بالفسخ اذ الانسان لا يجبر على الاستئجار لضرر نفسه وعلى ذلك له الفسخ اذا استأجر ما يحمله الى الحج فبدا له ألا يحج ونحو ذلك ولهذا قالوا: ان المؤجر لو قال: ان هذا تعلل وهو لا يريد ترك السفر ولكن يريد فسخ الاجارة قال له الحاكم: انتظره فان خرج فيما استؤجر لأجله أو لا فلك الأجر المتفق عليه ولو استأجر أجيرا للحفر فحفر فظهر أن الأرض صلبة أو رخوة بحيث يخاف التلف كان ذلك عذرا يجيز الفسخ ولو استأجر كاتبا ليكتب له كتابا على أن عليه الحبر والورق كان له الفسخ لما يترتب على ابقاء الاجارة من استهلاك ماله، وأما الذى يكون فى جانب المؤجر فنحو أن يلحقه دين فادح لا يجد وفاء له الا من ثمن المستأجر فاذا كان الدين ثابتا قبل عقد الاجارة أو ثبت بعده بالبينة فللمؤجر الفسخ أما لو كان ثابتا بعد عقد الاجارة بالاقرار فكذلك عند أبى حنيفة خلافا لهما لاتهامه فى الاقرار به، ويقول الامام: ان الانسان لا يقر بالدين على نفسه كاذبا وكذا لو استأجر شيئا ثم أجره فاطلع على عيب فيه بعد ذلك كان له حق الفسخ اذ لا يستطيع الرد بالعيب مع بقاء عقد الاجارة وأما الذى يرجع الى المستأجر (بفتح الجيم) فكمرض الأجير مرضا يناله من العمل معه ضرر وكبلوغ الصبى اذا أجره أبوه فله الفسخ ان شاء وهذا بخلاف اجارة أملاكه فيبلغ فى أثناء المدة فليس له الفسخ (١)، وجملة القول فى ذلك عند الحنفية أن الاجارة اذا وقعت على استهلاك عين بغير عوض كالاستكتاب يقع على استهلاك الورق والحبر فلا ضير أن يفسخ العقد صونا لماله ويعد ذلك عذرا وهى

стр. 615

تفسخ بالأعذار اذا تحققت وذلك على احدى روايتين وفى رواية أخرى لا تفسخ بالأعذار ووفق بعض المشايخ بين الروايتين فقالوا ان كانت الاجارة لغرض ولم يبين ذلك الغرض أو كان العذر يمنعه من الجرى على مقتضى العقد شرعا انفسخت الاجارة من غير فسخ كما لو استأجر انسانا لبتر يده لمرض فزال المرض قبل بترها أو لقلع سن فشفى السن أو استأجر دابة لاحضار زائر فحضر قبل سفرها انفسخت الاجارة ذكر ذلك قاضيخان فى فتاويه وكل عذر لا يمنع المضى فى موجب العقد شرعا ولكن ما يلحقه بسببه بعض ضرر كان من آثاره ثبوت حق الفسخ لمن يصيبه الضرر ببقاء العقد واذا تحقق العذر ومسلت الحاجة الى النقض هل ينفرد صاحب العذر بالفسخ أو يحتاج الى القضاء أو الرضا، اختلفت الروايات والصحيح أن العذر اذا كان ظاهرا انفرد صاحبه بالفسخ وان كان مشتبها فيه لا ينفرد كذا فى قاضيخان وعلى ذلك قالوا اذا أجر داره ثم أراد فسخ الاجارة لأنه لا يجد ما ينفق منه على نفسه وعياله وأراد بيعها فله ذلك. مذهب المالكية: جاء فى البهجة شرح التحفة - كل ما تستوفى به المنفعة لا تنفسخ الاجارة بتلفه أو بوجود عائق كموت المكترى للدابة أو مرضه أو حبسه أو عدم حصوله على رفقة له ونحو ذلك كتلف المتاع المحمول على الدابة أو أخذ اللصوص له وسواء أكان ذلك قبل الخروج أم بعده وكل ما تستوفى منه المنفعة تنفسخ الاجارة بتلفه كموت الدابة المعينة وانهدام الدار المكتراة ونحو ذلك واستثنوا مما سبق من عدم انفساخ الاجارة بتلف ما تستوفى به المنفعة أربع مسائل: (١) متعلم استؤجر على تعليمه مدة (٢) أو رضيع استؤجر على ارضاعه مدة فمات كل منهما قبل تمام مدة الاجارة أو الشروع فيها (٣) أو فرس نزو ماتت قبل النزو عليها (٤) أو رياضة دابة ماتت قبل ترويضها. ففى هذه المسائل تنفسخ الاجارة كما تنفسخ اذا كانت على قلع سن فسكن ألمها وألحقوا بذلك المؤاجرة على الحصاد فيتلف الزرع وليس لربه غيره وعلى بناء حائط فيمنع من البناء مطر ونحوه وثوب يدفع الى الخياط أو غزل يدفع الى النساج فيتلف كل منهما وليس لربهما غيره والطبيب يستأجر لعلاج فيموت العليل قبل الشروع. والمؤاجرة على ثقب جوهرة فتنكسر ونحو ذلك والعلة فى هذا كله تعذر الخلف وعليه فالمدار على تعذر خلف المستوفى به والحق ان هناك قولين: مذهب المدونة وهو أن الاجارة لا تنفسخ فى ذلك وعلى المستأجر جميع الكراء وله أن يستعمل العين المستأجرة فى مثل ما استأجرها لأجله وصححه ابن شاس وابن الحاجب، والقول الآخر أنها تنفسخ وعليه درج بعض الكتب فى مسألة التخلف عن زفاف العروس وشهره فى المقدمات قائلا المشهور انفساخ الاجارة اذا تلف ثوب الخياطة ومراده اذا تعذر الخلف للعمل فيه فهذان قولان شهر كل منهما ولكن محل الخلاف اذا لم يجر العرف بالفسخ عند تعذر المستوفى به أو وجود مانع والا فيعمل بالعرف لأنه كالشرط وكأنه اشترط عليه أن عاقه عائق انفسخ العقد بينهما ويؤيد ذلك قول ابن عرفة لا يدخل الخلاف فى نوازل

стр. 616

وقتنا فى تونس لأن العرف قد تقرر فيها بفسخ الاجارة بكثرة المطر ونزول الخوف، وهذا كله فى تخلف المكترى للعذر أما لو خالف المكرى فلم يأت بالدابة فليس له الأجر وليس له الا دابته وان كراها أياما فتخلف بعضها فبحسابه كالعبد المستأجر شهرا بعينه يمرض فى بعضه فتنفسخ اجارته أيام مرضه (١) وفى المواق عن مالك اذا استؤجرت دابة فى يوم لزفاف عروس فلم تزف فيه أن عليهم الكراء وجاء فى قول أن الكراء ينفسخ لذهاب اليوم المعين ويرد الكراء ان دفع ولا يستعمل ليوم آخر لأنه فسخ دين فى دين وبالقول الأول أخذ بعض المالكية غير أنه قيده بما اذا كان التأخير اضطرارا والا كان الكراء واجبا (٢)، والظاهر من هذه النصوص أن المذهب فى مسائل العذر الطارئ على القول باعتباره هو أن الاجارة تنفسخ دون احتياج الى فسخها من صاحب العذر وأنه لا عذر للمكرى معتبرا انما المعتبر عذر المكترى وجاء فى العقد المنظم: اذا مرض الأجير فى مدة الاجارة لم تنفسخ الاجارة بمرضه فاذا صح قبل انتهاء المدة لزمه العمل فى باقيها وله من الأجر بقدر عمله الا أن يتفقا على الفسخ (٣) وجاء فيه أيضا: اذا انقطع طحن الرحا من فتنة نزلت بالبلد حتى خلا أهله ولم يفشها أحد سقط الكراء عن المكترى فى مدتها وكذلك الفنادق المعدة لنزول الواردين اذا انقطع ورودهم بسبب فتنة فى البلد وكذلك الحال فى الأفران اذا حدث غلاء أو جوع وهرب الناس فلم يكن فى جيرانه من يطبخ فيه أو قل فيه الطبخ فتلك جائحة يحط من الكراء بقدرها اذا علم ذلك قاله الحافظ أبو عمرو وغير واحد من الشيوخ وفى مسائل ابن رشد: اذا قل الواردون للرحا المكتراة لجهد أصاب ذلك المكان وما أشبه ذلك أو قل الواردون لسكنى الفنادق المكتراة المتخذة للنزول فيها من فتنة أو خوف أو ما أشبه ذلك أو حدث ذلك بالنسبة للرحا المكتراة كان المكترى لها مخيرا بين أن يتمسك بكرائه أو يفسخه فان سكت حتى مضت المدة أو بعضها لزمه جميع الكراء ولا يسقط الكراء الا بجلاء أهل ذلك الموضع حتى تبقى الرحا معطلة والفنادق خالية ولا يلزم المكرى اذا قلت الفائدة أن يحط عن المكترى من كرائه ما نقصه بغير رضاه وانما يكون الخيار للمكترى على ما ذكرناه. مذهب الشافعية: يرى الشافعية: أن الاجارة لا تنفسخ بالأعذار سواء أكانت عينية أم فى الذمة فلا يفسخها أحد العاقدين بعذر لا يوجب خللا فى المعقود عليه كتعذر وقود حمام على من استأجره أو عدم دخول الناس فيه لفتنة أو خراب ما حوله وتعذر سفر فى اجارة دابة للسفر بسبب خوف أو مرض مستأجرها ولكن التعذر الشرعى يوجب الانفساخ كأن استأجر طبيبا لخلع ضرس فبرئ قبل أن يخلعه (٤). مذهب الحنابلة: لا يرى الحنابلة أن الاجارة تفسخ بعذر يطرأ على المستأجر انما تفسخ بتلف العين

стр. 617

سواء أكان ذلك قبل قبضها أو فى أثناء مدة الاجارة أو بأن يحدث فى العين ما يمنع نفعها أو بأن تغصب على ما بينا أو بأن يحدث خوف عام يمنع من الانتفاع بها كأن يحضر البلد العدو فيمتنع الخروج منها الى الأرض المستأجرة للزرع ونحو ذلك ففى مثل ما تقدم تنفسخ الاجارة أو يثبت حق الفسخ للمستأجر على حسب اختلاف الأحوال مثل ما لو استأجر دابة ليركبها أو يحمل عليها الى مكان معين فينقطع الطريق اليه لخوف حادث أو اكترى للحج فلم يحج الناس هذا العام فانه يكون للمستأجر فسخ العقد ان أحب أو الابقاء عليه الى حين امكان استيفاء المنفعة ويثبت هذا الحق لكل من المتعاقدين كما يكون الابقاء على العقد باتفاقهما فأما اذا كان الخوف خاصا بالمستأجر مثل أن يخاف وحده لقرب أعدائه من الموضع الذى أراده أو وجودهم فى طريق لم يكن له حق الفسخ لأنه عذر خاص به لا يمنع استيفاء المنفعة بالكلية فأشبه مرضه وكذلك لو حبس المستأجر أو مرض أو ضاعت نفقته أو تلف متاعه لم يملك فسخ الاجارة لذلك لأن عدم الانتفاع فى هذه الحال لمعنى من جهته فلم يمنع ذلك وجوب الأجر عليه كما ترك الانتفاع اختيارا (١). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى لابن حزم وان اضطر المستأجر الى الرحيل عن البلد أو اضطر المؤاجر الى ذلك فان الاجارة تنفسخ اذا كان فى بقائها ضرر على أحدهما كمرض مانع أو خوف مانع أو غير ذلك لقوله تعالى «وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» وقوله: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)». وهذا قول أبى حنيفة (٣). مذهب الزيدية: يرى الزيدية أن فسخ الاجارة بالأعذار جائز غير أنه يجب أن يكون فى مواجهة العاقد الآخر أو يعلمه به بكتاب أو برسول وانما تنفسخ بالعذر الذى يزول معه الغرض من عقدها سواء أكان من جهة المستأجر أم من جهة العين المستأجرة مثل أن يستأجر من يقلع له ضرسا فيبرأ ضرسه قبل قلعه فان الاجارة تبطل فى هذه الحال وكذلك لو أفلس المستأجر قبل تسليم الأجرة أو ماطل فى دفع الأجرة الواجبة الأداء وكذلك لو استأجر دابة أو خادما للسفر ثم عرض له عذر يمنعه من السفر لخوف يغلب معه العطب ظنا أو لعذر أو استأجر دارا وعرض له مانع من الاقامة فيها أو حانوتا ليتجر فيه فمنعه افلاس من التجارة أو أضرب عن عمارة الأرض التى استأجرها للبناء عليها أو أضرب عن الزرع وقد استأجر له الأرض سواء أكان الاضراب لعذر أو لغير عذر فهذه الأعذار كلها يزول معها الغرض من عقد الاجارة ولا بد فى الفسخ بناء عليها من تراضى العاقدين أو حكم القاضى بذلك وانما يعتبر العذر فى حق المستأجر لا فى حق المؤجر كذا فى الزوائد ولا يكون العدول عذرا الا اذا كان عدولا تاما لا مثنوية فيه أى «لا رجوع فيه» ومن العذر مرض من لا يقوم برعاية شئونه فى مرضه الا الأجير ومن الأعذار أن يحتاج الى حفظ بيته مرض زوجته وتشييع جنازتها ومن الأعذار

стр. 618

حاجة المؤجر الى ثمن العين المستأجرة فلو أجر أرضا ثم احتاج الى ثمنها لضرورة نحو دين لزمه ولا مال له سواها وكان من الواجب بيعها فيه عد عذرا ينفسخ به عقد الاجارة ومن الأعذار منع الزوج زوجته من المضى فى اجارتها نفسها فى عمل من الأعمال بل ان من الأعذار عدم الاذن لها ولو لم يمنعها سواء أكانت الاجارة قبل الزواج أم بعده اذا لم يمكنها الاستنابة فيما أجرت نفسها له (١). مذهب الإمامية: جاء فى تحرير الأحكام: والاجارة عقد لازم لا ينفسخ الا بالتقايل أو بأحد الأسباب الموجبة للفسخ ولا ينفسخ بالعذر فلو اكترى دابة للحج ثم بدا له أو مرض لم يكن له فسخ العقد وكذا لو استأجر حانوتا للتجارة فاحترق وتلف ماله لم يكن له حق الفسخ أو استأجر دارا للسكنى ثم بدا له أن يسافر لم يكن له فسخ الاجارة قبل انقضاء المدة (٢). مذهب الإباضية: وعند الإباضية (٣) أنه يصح فسخ الاجارة من أحد العاقدين بعد نقد الثمن والدخول فى العمل على القول بأنها عقد غير لازم وأنه لا يجوز فسخها بعد الشروع فى العمل على القول بأنها تلزم بالشروع وان الأجير يجبر على المضى فى العمل اذا ما شرع فيه وكذلك يجبر المستأجر على نقد الأجرة اذا ما أمكن اتمام العمل - ولا يجوز فسخ العقد من أحد العاقدين عند من يقول انه يلزم بمجرد تمام الايجاب والقبول - والأعذار عندهم قد تتصل بالعمل ذاته كما اذا استأجر دابة لحمل طعام معين الى بلد معين فهلك الطعام أو استأجر أجيرا لرعى غنم فهلكت الغنم فان حصل ذلك قبل الشروع بطل العقد وان حصل فى أثناء المدة فليس لرب الدابة من الكراء الا بقدر ما سارت الدابة بالطعام وليس للراعى الا بقدر ما رعى من السنة قبض الكراء أم لم يقبضه اذ أن هذا طارئ سماوى ولا يكلف رب الطعام أو الغنم أن يأتى بطعام آخر يحمل أو بغنم يرعى فكان ذلك كهلاك العين المستأجرة - ومعنى ذلك انفساخ عقد الاجارة ومن الإباضية من يرى أن ذلك اذا حدث بعد قبض الكراء لم يكن على صاحب الدابة ولا على الراعى رد ما يخص باقى الطريق أو بقية المدة من الأجر وكذلك اذا استأجره لردم حفرة فجاء السيل فردمها فى مروره لم يكن للأجير من الكراء الا بقدر ما ردم هو ان كان قد فعل شيئا والا لم يكن له شئ من الأجرة نقدت الأجرة أم لم تنقد وكذلك اذا استأجر دابة لحمل طعام معروف الى بلد معين فغصبها غاصب فى الطريق مع حملها وسار بها الى الموضع المتفق عليه وفيه أخذت منه الدابة لم يكن على رب المتاع من الكراء الا بقدر ما كان من العمل قبل أن تغصب منه الدابة دون ما تم تحت يد الغاصب واذا استأجر أجيرا لحفر بئر بكراء معلوم فتبين بعد ابتداء الحفر أن التربة ألين أو أشق مما كان يعرف عنها فان لرب العمل منعه فى الحال الأولى من تمام العمل حتى يتفقا على الكراء مرة أخرى وان

стр. 619

تركه حتى أتم العمل فله كراؤه المسمى كما ان للأجير فى الحال الثانية خيار الفسخ وعندئذ ليس له من الكراء الا بقدر ما عمل. انتهاء الاجارة اذا انتهت الاجارة بانتهاء مدتها أو بسبب فسخها بناء على سبب من الأسباب التى يترتب عليها فسخها سواء أكان ذلك لقيام أحد العاقدين بفسخها بناء على ما له من حق الخيار فى ذلك أم كان باتفاقهما عليه فانه يجب رد العين المستأجرة الى مالكها عند طلبها منه ان كانت الاجارة على الأعيان ولا يلزم الأجير بشئ من العمل ان كانت الاجارة على الأعمال وقد بينا فيما مضى أن رد العين المستأجرة الى مالكها غير واجب على المستأجر فلا يطالب بالرد ولا بمؤنته عند الجمهور خلافا لمن ذهب الى غير ذلك كالزيدية وامساك العين قبل طلبها من صاحبها لا يعد اعتداء بل تبقى أمانة حتى يمنعها مستأجرها من صاحبها فيكون حينئذ ضامنا لها اذا هلكت ولا يجوز بعد انفساخ الاجارة أو انتهائها بقاء العين فى يد مستأجرها منتفعا بها الا لعذر يقتضى بقاءها كما اذا استأجر أرضا لزراعة صنف من الأصناف فانتهت الاجارة وفى الأرض زرع لم يستحصد أو استأجر سفينة لمدة معينة فانتهت المدة والسفينة فى عرض البحر لم تصل الى غرضها أو دابة فانتهت الاجارة والدابة فى صحراء أو فى مكان مخوف ولم تنته الى غايتها ففى هذه الأحوال وأمثالها تبقى العين وجوبا رغم أنف صاحبها بأجر المثل حتى يدرك الزرع أو تبلغ السفينة أو الدابة غايتها وهكذا ذلك ما ذهب اليه الحنفية (١). وهذا بخلاف ما اذا انتهت الاجارة بموت المستأجر وفى الأرض المستأجرة زرع لم يستحصد فان الاجارة حينئذ لا تنفسخ بموته بل يبقى الزرع فى الأرض بالأجر المسمى الى نهاية مدة الاجارة فان استحصد فيها والا ترك فى الأرض بعد ذلك بأجر المثل الى أن يدرك الزرع (٢). وذهب المالكية والشافعية الى أن اجارة الأرض للزراعة تنته بانتهاء مدتها ولكن اذا انتهت المدة وفى الأرض زرع لم يدرك لم يقلع وانما يبقى فيها الى الادراك بأجر المثل مدة بقائه فى الأرض الى أن يدرك وليس لرب الأرض قلعه (٣). وقال الحنابلة: اذا استأجر أرضا للزراعة مدة فانقضت وفيها زرع لم يبلغ حصاده لم يخل الأمر من حالين احداهما أن يكون ذلك بتفريط من المستأجر مثل أن يزرع زرعا لم تجر العادة بادراكه قبل انقضاء المدة الباقية المسماة فى العقد فحكمه حينئذ حكم زرع الغاصب فاذا انقضت المدة خير المالك بين أن يأخذ الزرع بقيمته أو يتركه فى الأرض بأجر المثل عن المدة الزائدة ولكن اذا اختار المستأجر قطع زرعه فى الحال وتفريغ الأرض فله ذلك لأن الزرع زرعه، والثانية: أن يكون بقاء الزرع بعد المدة بغير تفريط مثل أن يزرع زرعا يدرك عادة فى المدة الباقية من

стр. 620

مدة الاجارة فيبطئ ادراكه بسبب برد أو غيره ففى هذه الحال يلزم المؤجر أن يتركه الى أن يدرك وله المسمى عن مدة الاجارة وأجر المثل بما زاد عليها ذلك أن الزرع حصل فى أرض غيره باذنه من غير تفريط فلزم تركه بأجر المثل وهذا بخلاف الغرس اذا انقضت مدة الاجارة وهو قائم فانه لا يترك فى الأرض بأجر المثل الا باتفاق المالك والمستأجر (١). مذهب الزيدية: جاء فى شرح الأزهار أنه اذا استأجر أرضا للزراعة فانقضت المدة والزرع لم يدرك أو استأجر سفينة لغاية معينة فانقضت المدة قبو وصولها الى الغاية وكان ذلك بغير تفريط أبقى الزرع فى الأرض والسفينة فى يد المستأجر بأجر المثل الى ادراك الزرع ووصول السفينة الى الغاية أما اذا حدث ذلك بتفريط كان للمالك الخيار بين أن يفسخ العقد وأن يعقد اجارة أخرى (٢). مذهب الشيعة الجعفرية: جاء فى تحرير الأحكام (٣) ولو استأجر أرضا للزراعة فمضت المدة والزرع لم يدرك فان كان بتفريط من المستأجر كما لو زرع ما لا يدرك فى المدة فكالغاصب يتخير المالك بين قطعه وابقائه بالأجرة ولو اختار المستأجر قطع زرعه فى الحال كان له ذلك وليس للمالك أخذه بالقيمة بدون رضا صاحبه وان كان بغير تفريط كأن تأخر ادراكه لبرد أو لقلة ماء أو غير ذلك فيجب على المؤجر تركه بالمسمى عن مدة الاجارة وبأجر المثل فيما زاد عليها. انفساخ الاجارة يرى الحنفية أن الاجارة تنفسخ بما يأتى أولا: بوفاة كل من المستأجر والمؤجر فلا يحل ورثة كل محل مورثهم فى العقد لأنه التزام ولا الزام بغير التزام ولأن المنافع لا بقاء لها حتى تكون متروكة على ملك المتوفى المستأجر فيرثها عن ورثته ولهذا تنته الاجارة بوفاته وترد العين الى مالكها الا اذا اقتضى بقاءها عذر كما فى الأرض يكون فيها زرع لم يستحصد هذا بالنسبة الى المستأجر أما بالنسبة الى المؤجر فان العين المستأجرة تنتقل بوفاته الى ورثته وذلك يستلزم انفساخ عقد الاجارة لأنه يتجدد كما قدمنا بحسب تجدد المنافع وما يتجدد من المنافع بعد وفاة المؤجر يكون للورثة فلا ينفذ فيه عقده ومحل ذلك كما قدمنا ألا يوجد عذر يستوجب بقاء العين فى يد المستأجر كما اذا توفى المؤجر قبل وصول الدابة المستأجرة براكبها الى الغاية التى استؤجرت لأجلها فان العين تبقى بأجر المثل فى هذه الحالة والمراد بكل من المستأجر والمؤجر من كان العقد له سواء أباشره بنفسه أم بنائب عنه لا من باشر العقد لغيره فلا تأثير بوفاة كل من وكيل المؤجر ووكيل المستأجر فى عقد الاجارة ولا لوفاة ولى الصغير أو للوصى عليه أو الناظر على الوقف اذا ما باشروا عقد الاجارة بحكم ولايتهم لأنهم لا يتصرفون لأنفسهم واذا توفى المؤجر وقد عجل له المستأجر أجرة المدة التالية لوفاته فان أجرة هذه المدة وقد انفسخت

стр. 621

الاجارة فيها تعتبر دينا فى تركته للمستأجر فتؤدى اليه ويكون المستأجر بالنسبة اليها مقدما على غرمائه الآخرين فى الاستيفاء من ثمن العين المستأجرة اذا بيعت فى الدين ولذا يكون له حبسها لديه حتى يستوفى ما عجله فان لم يوف ثمنها بالأجرة كان المستأجر فيما بقى منها كسائر الغرماء (١). مذهب المالكية: وذهب المالكية: الى أن الاجارة تنفسخ بتلف ما تستوفى منه المنفعة كموت الدابة المعينة وانهدام الدار المستأجرة وموت الأجير خاصا أو مشتركا لا بتلف ما تستوفى به المنفعة وما عقد من أجله العقد فلا تنفسخ بموت المستأجر وانما يحل ورثته محله اذا أرادوا بذلك بشرط أن يلتزموا للمؤجر بما بقى له من أجرة فيجب ذلك فى أموالهم وعندئذ يقومون مقام مورثهم فيما بقى له من المنافع اذا رضى المؤجر بذمتهم فان لم يرض كان له حينئذ أن يفسخ العقد وان أبى الورثة عند وفاة المستأجر أن يلتزموا له بالأجرة وأن يقوموا مقام مورثهم أجرت العين المستأجرة فى المدة الباقية وأعطيت أجرتها للمؤجر حتى يستوفى ما بقى له من أجرة فان بقى له بعد ذلك شئ استوفاه من تركة المستأجر وان فضل منها شئ ضم اليها (٢) كما يرون أن وفاة المؤجر لا تأثير لها فى عقد الاجارة بل يحل ورثته محله فى وراثة ماله من الأجرة وفى الزامهم بالعقد. مذهب الشافعية والحنابلة: وذهب الشافعية والحنابلة الى أن عقد الاجارة لا ينفسخ بوفاة المستأجر لأنه قد تملك به من المنافع ما يورثه ورثته عند الوفاة فيقوم ورثته مقامه بعد وفاته فى استيفاء ما ورثوه عنه من المنافع واذا لم يكن قد عجل الأجرة فانها تكون دينا فى تركته تؤدى الى المؤجر كما تؤدى غيرها من الديون ومرد ذلك الى أن المنافع عندهم أموال تعد موجودة حكما حين العقد عليها وكذلك لا تنفسخ عندهم بوفاة المؤجر بل يبقى التزامه فى تركته ولا يلزم به ورثته بأشخاصهم فى أموالهم الخاصة بهم التى لم يرثوها عن المؤجر وانما يستمر تنفيذه فى ماله ويرتبون على ذلك أن المستأجر قد ملك جميع هذه المنافع بالعقد وأن العين المستأجرة قد انتقلت بالوفاة الى ورثة المؤجر مسلوبة تلك المنافع لأنها ملكت لغيرهم بعقد الاجارة السابق فيجب عليهم تبعا لذلك أن يسلموا العين الى المستأجر ليستوفى منها منافعه التى تملكها ويجب عليهم ألا يتعرضوا له فيها اذا ما تسلمها حتى يستوفى منها كل ما ملك وهذا اذا كانت العين معينة فى العقد أما اذا لم تكن قد عينت وكانت المنفعة المعقود عليها دينا فى ذمة المؤجر فان الواجب حينئذ أن يستأجر من تركة المؤجر من يقوم بأداء تلك المنفعة المعقود عليها فان لم تكن له تركة خيرت الورثة فان شاءوا وفوا بالمنفعة فاستحقوا بذلك الأجر على المستأجر والا فسخت الاجارة وكذلك الحال بالنسبة لوفاة الأجير اذا كان العقد قد تم على مجرد العمل وتنفيذه بواسطته أو بواسطة غيره ممن يكلفه

стр. 622

بذلك فعند ذلك يستأجر من تركة الأجير من يقوم بهذا العمل فان لم تكن له تركة خير الوارث كما تقدم بين المضى فى العقد وحينئذ يستحق الأجر، وبين أن يفسخ العقد أما اذا تعلق العقد بعين الأجير كأن شرط عليه أن يقوم بنفسه بالعمل أو كان ذلك العمل مما يختلف باختلاف من يقوم به وتتفاوت أجرته تبعا لذلك أو كان للأجير ميزة خاصة عرف بها فان الالتزام فى هذه الحال يبطل بالوفاة اتفاقا وترد الأجرة الى التركة ان كانت قد عجلت (١) ولم يخالف المالكية فى شئ من هذا. مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى: وموت الأجير أو المستأجر أو هلاك العين المستأجرة ينفسخ به عقد الاجارة فان العين المستأجرة تصير الى وارث المؤجر بوفاته وكذلك منافعها تبعا لها وانما استأجر المستأجر منافع هذه العين وهى ملك للمؤجر فلا يستحق بعقد الاجارة ما صار ملكا لورثته ولا يلزم الورثة فى أموالهم عقد ميت قد بطل ملكه بموته، ولو أنه أجر منافع عين مملوكة لغيره لم يجز، فكذلك ما صار ملكا لغيره وأما موت المستأجر فالعقد انما كان معه لا مع ورثته فلا حق للمؤجر عند ورثته ولا عقد له معهم، ولا ترث الورثة منافع لم تخلق ولم توجد بعد ولم يملكها مورثهم وهذا قول الشعبى والثورى والليث (٢). مذهب الزيدية: يرى الزيدية أن الاجارة لا تنفسخ بموت المؤجر ولا بموت المستأجر ولا بموتها جميعا بل يحل ورثة كل منهما محل مورثه ولكنها تنفسخ بموت الأجير الخاص ولا يحل ورثته محله اذ لا التزام عليهم ولا يجب على الورثة فى الاجارة على الأعمال أن يعملوا واذا أرادوا ذلك ولم يكن مانع كان لهم هذا سواء فى هذا الصحيحة والفاسدة اذا كان ورثهم قد شرع فى العمل فعمل ماله أجرة (٣). مذهب الإمامية: جاء فى تحرير الأحكام: اختلف علماؤنا فقال بعضهم ان الاجارة تبطل بموت أحد المؤاجرين سواء أكان الميت هو المؤجر أو المستأجر أو الأجير وقال بعضهم: تبطل بموت المستأجر دون موت المؤجر، وقال آخرون: لا تبطل بموت أى منهما وهو الأقوى سواء أكان الموت قبل استيفاء المنفعة أم بعد الشروع فيها، ولكن لو مات المستأجر ولا وارث له يحل محله فى استيفاء المنفعة أو كان الوارث غائبا كالمستأجر لدابة يموت فى الطريق ولا وارث معه وليس على الدابة ما تحمله احتمل انفساخ العقد لوجود ما يمنع من استيفاء المنفعة، والأقرب عدم الفسخ، وأما اذا كان عليها متاع لم تنفسخ الاجارة لوجود سبيل الى الانتفاع بها يحمله الى غايته كما لو كان هناك وارث يستوفى المنفعة (٤)، أما وفاة الأجير الخاص فينفسخ بها العقد باتفاق.

стр. 623

مذهب الإباضية: يرى الإباضية أن عقد الاجارة لا ينفسخ بوفاة المؤجر ولا بوفاة المستأجر بل يحل ورثة كل محله، أما لزوم العقد بعد ذلك وبقاؤه فمرده الى خلافهم فى لزوم العقد هل هو جائز أم لازم؟، واذا كان لازما فمتى يكون ذلك؟ وقد تقدم بيان هذا فى الكلام على لزوم العقد، غير أنه اذا استؤجر أجير لعمل معين فقبض أجرته قبل تمام العمل ثم توفى قبل تمامه فورثته بالخيار ان شاءوا أتموا العمل وليس لهم استرداد شئ من الأجر وان شاءوا فسخوا العقد واستردوا أجر ما لم يتم من العمل ذلك لأنهم قائمون مقام مورثهم ولا يجبرون على العمل اذ لم يلتزموه، وانما لهم الاتمام اذا أرادوا، وهذا اذا لم يكن العمل متعينا على مورثهم لا تقبل فيه انابة، فان كان كذلك انفسخ العقد بوفاته الا اذا رضى رب العمل بنيابتهم. واذا مات رب العمل قبل اتمام الأجير العمل فان ورثته يكون لهم الخيار بين الابقاء على العقد وترك الأجير فى عمله الى اتمامه وبين فسخ العقد مع رد أجر ما لم يتم من العمل وهذا على القول بأن عقد الاجارة غير لازم، أما على القول بلزومه فليس لهم حق فسخه (١) ثانيا: بتلف العين المستأجرة أو بزوال منفعتها التى استؤجرت من أجلها زوالا كليا اذا كانت معينة وذلك لانعدام محل العقد بذلك، فاذا استأجر شخص دابة معينة للركوب فنفقت أو استأجر حيوانا للحمل فتقرح ظهره الى درجة لا يستطيع معها الحمل أو أرضا فصارت سبخة أو علت الرمال عليها انفسخت الاجارة سواء أكان ذلك قبل استيفاء المنفعة أم فى أثنائها أما اذا كانت المنفعة باقية على وضع ناقص فان ذلك يكون عيبا يثبت الخيار به للمستأجر، وليس هذا محل خلاف بين المذاهب، وبناء على ذلك اذا استأجر دارا فانهدمت - ذهب بعض الفقهاء الى أن ذلك لا يذهب بجميع منافعها لامكان الانتفاع بعرصتها فى اقامة مخيم عليه وعلى ذلك لا ينفسخ العقد بذلك، وانما يكون للمستأجر الخيار، وذهب آخرون الى أن مثل هذه المنفعة الباقية لم يقصد اليها المستأجر، وعلى ذلك تعد منافعها المقصودة للعقد قد زالت فينفسخ العقد (٢) وهذا باتفاق بين جميع المذاهب. ثالثا: غصب العين المستأجرة - ذهب بعض الحنفية الى أن الاجارة تنفسخ به وذهب آخرون منهم الى أنها لا تنفسخ، ولكن الأجرة تسقط مدة الغصب فقط ويكون للمستأجر بسبب الغصب خيار الفسخ، وفائدة الخلاف تظهر فيما اذا ردت العين قبل انتهاء مدة الاجارة، فعلى القول الأول لا يلزم المستأجر بأن ينتفع بالعين بقية المدة، وعلى الثانى يلزم بذلك، وعليه حصتها من الأجرة الا اذا كان قد اختار

стр. 624

الفسخ عند حدوث الغصب، وقد تقدم مبينا حكمه فى جميع المذاهب. رابعا: وجود عذر من الأعذار التى لا ترتفع، كما اذا استأجر طبيبا لخلع سن أو لقطع عضو أو لاجراء عملية فبرئ قبل قيامه بالعمل وزال المقتضى لذلك فان الاجارة تنفسخ اتفاقا بين جميع المذاهب، ومن ذلك وفاة الرضيع بالنسبة للظئر وهلاك الغنم المعينة بالنسبة للراعى وتلف الطعام المطلوب حمله بالنسبة للدابة، ووفاة العروس بالنسبة للطاهى الذى استؤجر للوليمة، وان شئت قلت فى ذلك فوات محل العمل الذى عقد لأجله عقد (١). خامسا: تملك المستأجر للعين المستأجرة وذلك عند الحنفية خاصة سواء أكان ذلك بميراث أو بشراء أو بهبة اذ لا يتملك الانسان ما يملك فعلا، وذلك بناء على أن منافع العين فى الاجارة انما تكون لمالك العين ابتداء، وعنه تنتقل الى المستأجر فاذا كان المستأجر هو المالك فلا يتصور ذلك، وخالف فى ذلك غيرهم من الفقهاء على ما بينا فى حكم تصرف المستأجر للمؤجر وسبق القول فى ذلك. إجَازة الإجازة لغة: فى المصباح: جاز المكان يجوزه جوزا وجوازا سار فيه وأجازه قطعه وأجاز الشئ أنفذه - قال ابن فارس وجاز العقد وغيره نفذ ومضى على الصحة وأجزت العقد جعلته جائزا وأجاز له فعل كذا سوغه له وأجاز رأيه أنفذه كجوزه وأجاز له البيع أمضاه وأجاز الموضع خلفه (٢). الإجازة فى استعمال الفقهاء: لا تخرج فى استعمال الفقهاء عن هذا المعنى العام فيستعملونها فى إنفاذ العقود الموقوفة بمعنى ترتيب أثرها عليها وإنفاذها فيقولون إن العقد الموقوف ينفذ وترتب عليه آثاره بإجازته ممن له ولاية إنفاذه فعقد الفضولى عند من يراه موقوفا لا تترتب عليه آثاره ولكنه يصير نافذا وتترتب عليه آثاره بإجازته من صاحب الشأن وهو المالك أو الولى علية أو وكيله مثلا وكذلك تصرف ناقص الأهلية المتردد بين النفع والضرر يصدر موقوفا ولكنه ينفذ بإجازته ممن له الولاية على ناقص الأهلية وتزويج العبد نفسه موقوف ينفذ بإجازته من سيده والوصية للوارث أو بأكثر من الثلث موقوفة وتنفذ بإجازتها من الورثة وهكذا، وكذلك يستعملونها بمعنى الإمضاء وذلك فى العقود النافذة إذا كان فيها خيار لأحد العاقدين فيقولون أنها تصير لازمة بإجازتها ممن له

стр. 625

الخيار فى فسخها ويسقط خياره بإجازتها أى بإمضائها كما فى البيع فيه خيار الرؤية أو خيار الشرط - وإذا كانت فى الفعل كان معناها الرضا به وبما يترتب عليه من أثر كما فى أجازه الإيفاء بالدين يقوم به أجنبي أو تسليم العين الموهوبة يقوم به غير الواهب. ما تتحقق به الإجازة تتحقق الإجازة بكل ما يفيد الرضا صراحة أو دلالة من قول أو فعل فتكون باللفظ وما يقوم مقامه كالكتابة أو الإشارة ممن لا يستطيع النطق وسواء أكانت بالعربية أو بأية لغة من اللغات من كل عبارة تدل على الإنفاذ والرضا كأجزت ونحوه وهى اما صريحة إذا دلت على ذلك صراحة كأجزت وأنفذت أو غير صريحة إذا ما دلت على ذلك بطريق اللزوم وإلاشارة كأن يقول نعم ما صنعت أو بارك الله لنا فيما فعلت أو يهنأ فيشكر أو يتقبل التهنئة وذلك ما ذهب اليه الفقيه أبو الليث وبه كان يفتي الصدر الشهير ما لم يظهر أن مثل ذلك قد صدر منه على سبيل الإستهزاء ومرد ذلك الى القرائن وهذا هو المختار (١) ومن الإجازة بطريق الدلالة أمره فضوليا زوجه امرأة بأن يطلقها عند ما علم بالزواج لأن الطلاق لا يكون إلا فى زواج صحيح نافذ، وفى جامع الفصولين: الطلاق فى النكاح الموقوف قيل يعد إجازة وقيل لا .. وتكون بالفعل إذا ما كان أثرا للعقد وتوقفت سلامته عليه كقبض المهر ودفعه وإرساله وقبض الثمن ودفعه وتسلم المبيع وتسليم العين المرهونة إلى المرتهن وتسليم الهبة إلى الموهوب له ونحو ذلك من كل ما يدل على الرضا بخلاف قبض المرأة هدية الزواج إذا زوجها منه فضولى اذ أن ذلك لا يعد أثرا للعقد ولا تتوقف سلامته على العقد فقد تكون الهدية من غير الزوج وقد تقبضها لغرض آخر غير الرضا بالعقد (٢) وقيل إنها تتحقق مبعث الهدية الى الزوجة ولا تختلف المذاهب فى هذا الذى ذكرنا. ولكن الزيدية حين تعرضوا للإجازة الفعلية مثلوا لها بالمثال الآتى فقالوا: لو علمت المرأة بالعقد وما سمى لها فيه فلم يصدر منها لفظ إجازه ولكن مكنت الزوج من نفسها كان تمكينها له كالإجازة للعقد والمهر معا حيث وقع التمكين بالوط ء أو بمقدماته بعد العلم بالعقد أو التسمية فأما لو جهلت العقد لم يكن التمكين اجازة وتحد ان مكنته من نفسها لأنها زانية ما لم تلحق منها الإجازة بعد أن تعلم فيسقط الحد للشبهة وهو تعذر العقد وأما لو علمت العقد وجهلت التسمية فلا إشكال أن التسمية تبقى موقوفة على أجازتها وقد يبقى العقد موقوفا أيضا فيبطل إذا ردت التسمية ولم ترض بها (٣). هل يعد السكوت إجازة ذكرنا أن الاجازة تكون بكل ما يفيد الرضا من قول أو فعل فهل تكون أيضا بالسكوت عند العلم بالعقد أو بالتصرف أو عند مشاهدته؟

стр. 626

من القواعد التى ذكرها الفقهاء أنه لا ينسب الى ساكت قوله وقد جاء ذكر هذه القاعدة فى كثير من كتب الحنفية ومنها الأشباه والنظائر لابن نجيم إذ جاءت تحت عنوان القاعدة الثانية عشرة ومقتضاها أن السكوت لا يعد إجازة قولية كما أنه لا يعد فعلا من الأفعال وذلك كله لا ينفى أنه قد يفيد الرضا وإن لم يكن قولا أو فعلا ومن الظاهر أن إفادته الرضا مردها الى القرائن التى تحيط به. وقد جاء فى الأشباه والنظائر: أن الوكالة لا تثبت بالسكوت فإذا رأى أجنبيا يبيع ماله فسكت ولم ينههه لم يكن سكوته توكيلا خلافا لابن أبى ليلى وأن السكوت لا يعد إذنا للصبى والمعتوه بالتصرف إذا كان من القاضى وحدث السكوت منه وقت تصرفه وكذلك لا يعد سكوت المرتهن إذنا للراهن ببيع العين المرهونة ولا يكون أذنا بإتلاف المال إذا ما رأى غيره يتلف ماله فسكت - وإذا كانت الاجازة اللاحقة كالاذن السابق فما لا يثبت به الاذن لا تثبت به الإجازة وبناء على ذلك لا يكون السكوت إجازة فيما ذكرنا من المسائل ولا فيما يشبهها ويترتب على ذلك أن السكوت لا يعد إجازة كما لا يعد إذنا. غير أنهم قد استثنوا من هذا المبدأ مسائل عديدة ذكرها صاحب الأشباه والحموى بلغت الأربعة والأربعين مسألة ومن هذه المسائل ما عد السكوت فيه رضا وإجازة كسكوت البكر البالغة بعد تزويج وليها إياها وسكوتها بعد قبض وليها مهرها وسكوتها إذا بلغت وقد زوجها غير أبيها وجدها وسكوت الواهب عند قبض الموهوب له العين الموهوبة فى حضرته. وسكوت الموقوف عليه بعد الوقف عليه وسكوت الولى إذا رأى الصبى المميز يبيع ويشترى وسكوت الإنسان عند رؤيته غيره يشق زقه إلى غير ذلك من المسائل (١) التى ذكرها - وفى جامع الفصولين أن سكوت المالك الحاضر وقت بيع الفضولى لا يعد إجازة وذكر الخير الرملي أن صاحب المحيط ذكر أن سكوته عند البيع وقبض المشترى المبيع يعد رضا وإجازة قال صاحب جامع الفصولين أن مرد الحكم فى ذلك الى القرأئن إذ العبرة فى الإجازة إنما هو تحقق الرضا بالتصرف بأي دليل يدل عليه هذا عند الحنفية وتفصيل القول فى ذلك فى جميع المذاهب يرجع فيه إلى مصطلح (سكوت) (٢). الفرق بين الإجازة والإذن الإجازة كما بينا إما تنفيذ لتصرف موقوف ومن ثم يترتب عليها إستتباع هذا التصرف لأثاره المترتبة عليه أو إمضاء العقد غير اللازم وإبرامه ومن ثم يترتب عليه سقوط الحق فى فسخه ممن أجازه كما فى البيع بشرط الخيار يجيزه من شرط له الخيار وكما فى شراء عين قبل رؤيتها يجيزه المشترى بعد رؤيتها وعلى ذلك لا تكون إلا تالية للتصرف اما الإذن فيكون سابقا عليه ولذا كان وكالة. أو فى معناها ومن ثم يكون

стр. 627

التصرف الصادر بمقتضاه تصرفا من ذى ولاية بخلاف التصرف الصادر قبل الإجازة فإنه يكون من غير ذى ولاية وقد جاء فى حاشية ابن عابدين فى الفرق بينهما ان الاذن انما يكون لما سيقع والاجازة انما تكون لما وقع وأن الأذن يكون بمعنى الإجازة إذا حدث بعد التصرف وكان لأمر وقع وعلم به الأذن (١) - ومما يجب ملاحظته ان الآذن أو الوكالة يكون فى كل ما يجوز للآذن او الموكل مباشرته من التصرفات والأفعال عند الحنفية إما الإجازة فلا تكون فى كل تصرف يصدر وانما تختص بالتصرفات الموقوفة بسبب يرجع الى نقص الولاية أو عدمها أو تعلق حق الغير على ما يجئ بيانه كما يلاحظ ان الآذن بالعقد أو بالتصرف يعد توكيلا فيه فيقبل عند الحنفية الرجوع عنه قبل حدوثه من المأذون إما الإجازة فتستتبع أثرها في المال ومن ثم لا يقبل الرجوع فيها من المجيز إذ بمجرد الاجازة ينفذ العقد واذا نفذ لم يتوقف بعد نفاذه. أثر الإجازة فى الأقوال والأفعال بينا أن الإجازة فى العقود النافذة التى من شأنها أو من حكمها أن تكون لازمة وقد عرض لها عدم اللزوم بسبب ثبوت خيار فيها سواء أكان خيار شرط ام خيار رؤية أم خيار عيب أم خيار فوات وصف أو نحو ذلك يكون أثرها إمضاء العقد ولزومه وسقوط الخيار بالنسبة لمن صدرت منة الإجازة وهذا الخلاف فيه بين المذاهب أما إذا كانت فى التصرفات الموقوفة فان أثرها يكون نفاذ هذه التصرفات وترتب آثرها عليها وكأنها قد صدرت من ذى الولاية عليها فإذا كان قد باشرها فضولى أعتبرت صادرة من وكيل بمباشرتها وإذا صدرت من صبى مميز اعتبرت صادرة من الولى عليه وإذا صدرت من المالك ماسة بحق الغير أعتبر المالك مأذونا فيها من صاحب ذلك الحق وهكذا ولهذا قرر الحنفية ان الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة ومعنى ذلك أنها تجعل لمباشر التصرف حكم الوكيل فى مباشرته فيترتب على مباشرته جميع الأحكام التى تترتب على مباشرة الوكيل ويلزم المجيز بما يلزم به الموكل وذلك مع ملاحظة أن ذلك إنما يكون فى الإجازة الصحيحة المستوفية لشروطها وعلى ذلك ترجع حقوق العقد إلى الفضولى فى العقود التى ترجع فيها حقوق العقد الى الوكيل كالبيع وغيره من المعاوضات ولا ترجع اليه فى العقود التى لا ترجع فيها حقوقها إلى الوكيل بل يكون فيها سفيرا ومعبرا كالزواج وما ماثله من كل عقد يعتبر فيه الوكيل سفيرا ومعبرا وذلك فى رأى من يرى أن حقوق العقد ترجع إلى الوكيل لا إلى الموكل كالحنفية وتفصيل ذلك يعرف فى مصطلح «وكالة» وجملة القول فى ذلك ان إجازة العقد الموقوف تصيره نافذا فى جميع المذاهب وذلك ما يجعلها فى حكم الإذن السابق أو الوكالة السابقة فيكون لها أحكامها على حسب اختلاف المذاهب فى أحكام الوكالة وهذا إذا كانت الإجازة فى التصرفات القولية إما إذا كانت فى تصرف فعلى فقيل أنها لا تلحق الأفعال وقيل إنها تلحق الأفعال كما تلحق الأقوال وعلى القول الأول لا يكون

стр. 628

لها أثر ويكون للفعل حكمه وأثره الشرعى الذى يستوجبه حين يصدر ممن لا ولاية له عليه وعلى القول الثانى يكون لها حكم الإذن السابق به: جاء فى الدر المختار (١): الاجازة لا تلحق الإتلاف فلو أتلف مال غيره تعديا فقال المالك أجزت أو رضيت لم يبرأ المتلف من الضمان ذكره صاحب الأشباه نقلا عن البزازية ولكن نقل صاحب التنوير عن العمارية أن الإجازة تلحق الأفعال وهو الصحيح وبناء عليه تلحق الإتلاف لأنه من جملة الأفعال وجاء فى ابن عابدين تعليقا على ذلك أن الملتقط لو تصدق باللقطة ثم جاء ربها فأجاز الفعل صحت إجازته وكان لها حكم اذنه وذلك ما يدل على أنها تلحق الأفعال ثم نقل عن البيرى على الأشباه أن أحد الورثة إذا اتخذ ضيافة من التركة حال غيبة الآخرين ثم قدموا بعد ذلك وأجازوا ثم أرادوا بعد إجازتهم الرجوع فيها وتضمين ذلك الوارث كان لهم ذلك لأن الاتلاف لا يتوقف حتى تلحقه الإجازة وذلك يدل على أن الإجازة لا تلحق الأفعال. وعلل ذلك بأن الأفعال لا تتوقف حتى تلحقها الإجازة ومعنى ذلك ان الفعل حين يصدر إنما يصدر عن ولاية فيكون بحق أو عن غير ولاية فيكون تعديا ولا تغير الإجازة من طبيعته فلا تجعل ما صدر تعديا صادرا عن حق فيه وعلى ذلك فلا تلحق الإجازة الأفعال وذلك ما يخالف الفرع الخاص بإجازة صاحب اللقطة تصدق الملتقط بها إذ جعلت إجازته كالإذن فلم يكن له حق المطالبة بالضمان وذلك ما يتفق مع القول بصحته - وقد ذكر صاحب الدر فى مسائل شتى من كتاب الخنثى أن الإجازة تلحق الأفعال على الصحيح فلو غصب إنسان عينا لآخر فأجاز المالك أخذه واياها صحت اجازته وبرئ الغاصب من الضمان (٢) وفى جامع الفصولين غصب شيئا وقبضه فأجاز المالك قبضه برئ من الضمان ولو أودع مال الغير فأجاز المالك إيداعه برئ من الضمان ثم قال والإجازة لا تلحق الأفعال عند أبى حنيفة وتلحقها عند محمد كما تلحق العقود حتى أن الغاصب لو رد المغصوب على أجنبى فأجاز المالك برئ الغاصب عند محمد لا عند الامام ولو بعث بدينه على يد رجل إلى الدائن فجاء الرجل الى الدائن وأخبره ورضى بذلك وقال له اشتر لى به شيئا ثم هلك المال قيل يهلك من مال المدين وقيل يهلك من مال الدائن وهو الصحيح اذ الرضا بقبضه فى الانتهاء كاذنه بقبضه فى الإبتداء وهذا التعليل يدل على أن الإجازة تلحق الأفعال وهو الصحيح (٣). وجملة القول أن المسألة خلافية. وعلى القول لصحة الإجازة فى الأفعال يصير الفعل بها وكأنه صدر من فاعله بناء على أنه مأذون به فينسب إلى إذنه وتكون القاعدة عامة فى الأقوال والأفعال أما علي القول الآخر فإنها تكون خاصة بالإجازة فى الأقوال وفى بيان حكم ذلك فى بقية المذاهب يرجع الى مصطلح «تعدى أو اعتداء».

стр. 629

وبناء على ما تقدم فليس بين الإجازة والإذن فرق من حيث صيرورة الفعل مأذونا به منذ وقع على القول بلحوقها للأفعال أما فى الأقوال فإنه يلاحظ أن الإذن بالعقد يجعله نافذا مترتبا عليه أثره منذ نشأ على حسب وصفه وصورته منجزا أو مضافا أو معلقا أما الإجازة فيختلف الحكم فيها عن ذلك فقد ذهب الحنفية الى أنها إذا كانت فيما يقبل التعليق ترتب عليه أثره من وقت الإجازة كالطلاق والعتق والكفالة فلا تطلق الزوجة إلا من وقت إجازة الطلاق ولا يصير الكفيل ملتزما إلا من وقت أجازته الكفالة أما إذا كانت فيما لا يقبل التعليق فإنها تجعل العقد نافذا منذ صدر وترتب عليه آثاره من ذلك الوقت كالبيع وعلى ذلك إذا أجيز البيع الموقوف نفذ من وقت نشأته وكان للمشترى زوائد البيع وثمراته ومنافعه منذ وقع العقد لا فرق بين ما يحدث قبل الإجازة وما يحدث بعدها وعللوا ذلك بأن الموقوف كالمعلق على الإجازة فى المعنى وما يقبل التعليق تقتصر آثاره على وقت حدوث الشرط المعلق عليه إذا ما علق. والشرط هنا هو الإجازة وعلى ذلك تقتصر آثار هذا النوع من العقود على وقت الإجازة - وهذا فى عقد موقوف يقبل التعليق أما ما لا يقبل التعليق من العقود الموقوفة فلا يكون توقفه على الإجازة فى معنى التعليق لأنه لا يقبله ولذا يستند أثره الى وقت إنشائه كالبيع (١) ولمعرفة حكم المذاهب فى ذلك يرجع الى العقد الموقوف فى مصطلح «عقد». محل الإجازة تكون الإجازة فى نوعين من العقود والتصرفات: الأول: العقود والتصرفات الموقوفة على إجازة ذوى الشأن فيها ويمكن أجمالها فى العقود والتصرفات التى تصدر ممن لا ولاية له كالفضولى. والصبى المميز بالنسبة إلى ما يتردد بين النفع والضرر والسفيه وكذلك التصرفات التى تصدر فى محل تعلق به حق الغير كبيع المرهون والمستأجر والتبرع فى مرض الموت صريحا او ضمنا كالمحاباة فى المعاوضات وبيع المورث لبعض ورثته والوصية لهم والوصية بأكثر من الثلث وتبرع المحجور عليه للمدين وتبرع من أحاط الدين بماله عند بعض الفقهاء وان لم يحجر عليه وتصرف الرقيق ويضاف الى ذلك تزوجه وتزوج الصبى المميز وغير ذلك من العقود والتصرفات الموقوفة - وفى بيان هذه العقود وتفصيل القول فيما يعد من العقود والتصرفات موقوفا او باطلا او نافذا فى مختلف المذاهب يرجع إلى مصطلح «عقد وتصرف» - غير أنه مما يستحسن الإشارة إليه باجمال هنا ان من العقود ما يعد فى بعض المذاهب موقوفا وفى بعضها باطلا كعقد الفضولى وتصرفه وعقد الصبى المميز فيما يتردد بين النفع والضرر فذلك يعد موقوفا عند الحنفية إذا كان له مجيز وقت إنشائه وحينئذ ينفذ بالإجازة اما عند الشافعية فيعد باطلا لا تلحقه الإجازة. وتبرعات الفضولى تعد باطلة عند الشافعية والمالكية وعلى رواية عند الحنابلة فلا تلحقها الإجازة وتعد موقوفة عند الحنفية فتنفذ بالاجازة ولسنا هنا بصدد بيان الموقوف فى

стр. 630

مختلف المذاهب ولذا نكتفى فيه بهذا القدر - وكذلك يلاحظ أن العقد قد يعد موقوفا بالنظر إلى شخص فلا ينفذ بالنسبة إليه الا بإجازته بينما يعد نافذا لازما بالنظر الى آخر فلا يتوقف ولا يكون بحاجة الى إجازته وذلك كما فى بيع المرهون وبين المستأجر ويرجع الى ذلك فى مصطلح «بيع» وكذلك يلاحظ أن تبرع من أحاط الدين بماله محل خلاف بين الفقهاء فى كونه موقوفا على الإجازة عند من يرى وقفه أو غير موقوف عند غيره. النوع الثانى: العقود والتصرفات اللازمة التى دخلها خيار فصارت به غير لازمة أو روعى أن لزومها يمس حق الغير فجعل له حق فسخها أو طلب فسخها دفعاَ للضرر عن نفسه وذلك كعقود المعاوضات التى دخلها خيار الشرط أو خيار الرؤية أو خيار العيب او فوات الوصف مثل البيع والإجارة والصلح، وكذلك تزويج المرأة البالغة العاقلة نفسها من غير كفء أو بأقل من مهر مثلها، فإن العقد يكون غير لازم، إذ لوليها العاصب حق الإعتراض. وطلب الفسخ واجازته فى هذه الحال تسقط حقه فى الاعتراض وتجعل العقد لازما. تصرفات المكره من التصرفات التى تلحقها الإجازة فى بعض المذاهب تصرف المكره وإن لم يعد موقوفا فيها. وقد اختلف فقهاء الحنفية فى وصف العقد الصادر من المكره فقال زفر هو عقد موقوف على إجازته منه بعد زوال الإكراه فإذا كان بيعا لا يثبت به الملك الا بعد الاجازة أما باقى فقهاء المذهب فقد قالوا هو عقد فاسد يثبت به الملك عند القبض وبإجازة المالك بعد زوال الاكراه يرتفع المفسد وهو الإكراه وعدم الرضا، بناء على أن ركن العقد قد صدر من أهله مضافا الى محله والفساد إنما كان لفقد شرط هو الرضا وبارتفاع المفسد وهو الاكراه وعدم الرضا ينفذ العقد (١) وفى ذلك يقول السرخسى فى مبسوطه «الإكراه لا يمنع انعقاد أصل البيع فقد وجد ما به ينعقد البيع من الايجاب والقبول من أهله فى محل قابل له ولكن إمتنع نفوذه لإنعدام تمام الرضا بسبب الإكراه فإذا أجاز البيع غير مكره فقد تم رضاه به ولو أجاز بيعا باشره غيره نفذ بإجازته فإذا أجاز بيعا باشره هو كان بالنفاذ أولى وبيع المكره فاسد (٢) ويرى الجمهور أنه باطل لا تلحقه إجازة، ويرجع فى تفصيل أحكام المذاهب فى ذلك الى مصطلح «إكراه» تصرف الهازل يجرى على لسان فقهاء الحنفية أن تصرف الهازل باطل إلا فيما أستثنى بالحديث ونزل فيه الهازل منزلة الجاد لقوله ﷺ ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والوصية وفى رواية العتق. وفى ذلك يقول الكاسانى فى بيع الهازل «ولا يصح بيع الهازل لأنه متكلم بكلام البيع لا على ارادة حقيقته فلم يوجد الرضا

стр. 631

بالبيع فلا يصح بخلاف طلاق الهازل فإنه واقع لأن الهزل فى باب الطلاق ملحق بالجد شرعا، قال ﷺ ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد الطلاق والنكاح والعتاق. فألحق الهازل بالجاد فيه ومثل هذا لم يرد بالبيع، والهزل يمنع البيع لأنه يعدم الرضا بمباشرة السبب» ولكن جاء فى الحموى على الأشباه أن مراد الفقهاء ببطلانه أنه كالباطل فى الحكم من حيث انه لا يفيد ملكا بالقبض ولكن الواقع أنه فاسد بدليل أن فساده يرتفع بعدول الهازل عن هزله وبالعدول يصح العقد وينفذ بلا حاجة الى تجديده وذلك صريح فى أن تصرف الهازل تلحقه إجازة الهازل له وهو جاد فى إجازته فينفذ وإن وصف بالبطلان وبالفساد راجع مصطلح «هزل» لبيان أحكام المذاهب فى ذلك. شروط الإجازة إذا كانت إجازه لعقد معاوضة أشترط فيها ما يأتى عند الحنفية: الأول: أن تصدر حال حياة من باشر العقد من غير ولاية إذا كان سينقلب بها وكيلَا يرجع إليه حقوق العقد وذلك يكون فى عقود المعاوضات التى يباشرها فضولى مثل البيع والإجارة إذ بالإجازة ينقلب وكيلا وترجع إليه حقوق العقد فإذا باشر فضولى عقدا من هذه العقود ثم توفى قبل إجازته بطل العقد ولم تلحقه إجازة بعد ذلك ممن عقد له العقد وهذا اذا لم ينفذ العقد على الفضولى كما فى الشراء والاستئجار لأنه فى هذه الحال لا يتوقف بل ينفذ عليه «راجع مصطلح فضولى» لهذا لزم أن تكون الإجارة حال حياته ليقوم بما التزم به من حقوق نتيجة لعقده أما العقود الأخرى التى يعتبر فيها الوكيل سفيرا ومعبرا فلا ترجع إليه فيها الحقوق ومن ثم إذا باشرها فضولى وانقلب بالإجازة وكيلا كان حكمه حكم الرسول فصار فيها سفيرا ومعبرا وأنتهت مهمته فيها بإنتهاء عبارته فإذا توفى ثم أجيزت بعد وفاته نفذت ولزمت اذ ليس هناك حق لزمه بعقد وفات بوفاته وبناء على ذلك إذا زوج فضولى إمرأة ثم توفى كان للزوجة أن تجيز هذا العقد بعد وفاته ويصير العقد بإجازتها نافذا لازما وكذلك الحكم إذا كان الفضولى قد باشر العقد عن الزوج كان للزوج إجازته بعد وفاة الفضولى. ويلاحظ إشتراط هذا الشرط فى التصرف الموقوف الصادر من الصبى المميز أو من السفيه أو من الراهن أو من المؤجر أو من المتبرع فى مرض الموت أو من المحجور عليه للمدين - فيجب أن تكون إجازته فى حياتهم إذ بوفاتهم قبل أجازته تبطل لعدم تمامه قبل الوفاة أما إجازه الوصية للوارث أو بأكثر من الثلث فلا تصح عند الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض الزيدية إلا بعد وفاة المتصرف وهو الموصى وذهب عطاء وربيعة الرأى وحماد وعبد الملك بن يعلى

стр. 632

والأوزاعى وأبن أبى ليلى الى صحتها حال حياة الموصى وبعد وفاته وهذا الرأى هو المعتمد عند الزيدية والإباضية وكذلك هو المعتمد عند الشيعة الجعفرية بالنظر إلى الوصية بأكثر من الثلث أما الوصية للوارث فنافذة عندهم. ويرى مالك صحة الإجازة حال حياة الموصى إذا كانت فى أثناء مرضه مرضا مخوفا يغلب فيه الموت وقدمات منه ولم يكن هناك ما يحمل الوارث عليها - وأرجع إلى تفصيل الأحكام الى مصطلح «وصية» عند الكلام عن اجازتها. الثانى: أن تصدر الإجازة حال حياة من عقد العقد له فإذا كان بين فضولى وآخر وجب أن تصدر حال حياة من عقد له الفضولي وإذا كان بين فضوليين وجب أن تصدر حال حياة من عقد العقد لهما وذلك يظهر معنى نفاذها بمطالبة من نسب اليه العقد بما يوجبه عليه بعد نفاذه بالإجازة وعلى ذلك لا يصح اجازة بيع الفضولى بعد وفاة المشترى منه ولا بعد وفاة البائع بإجازته من ورثته إذ يبطل العقد حينئذ بوفاة البائع المالك إذ ليس لورثته حق إجازته كما لا تصح اجازة عقد النكاح بعد وفاة أحد الزوجين وبعد وفاة الموصى له ولا تصح بعد وفاة من باشر العقد مع الصبى المميز أو السفيه لبطلان العقد بوفاته قبل تمامه وارجع فى تفصيل أحكام هذأ الموضوع الى العقد الموقوف فى مصطلح «عقد» الثالث: أن تصدر الإجازة حال بقاء محل العقد حتى يظهر أثرها فيه عند صدورها فلا تصح اجازة البيع بعد هلاك المبيع وإذا كان الثمن عرضا أى عينا كان بقاؤه الى صدورها شرطا فى صحتها أيضا لأنه فى هذه الحال يعد مبيعا اشتراه لنفسه فينفذ عليه، والإجازة هنا تعد إجازة بنقد ثمن هذه العين من مال المجيز فاذا لم يصر اليه كان عليه مثله ان كان مثليا وقيمته ان كان قيميا للمجيز (١). الرابع: أن يكون المجيز أهلا لمباشرة التصرف الذى أجازه فيجب أن يكون أهلا للتبرع إذا كان التصرف تبرعا وأهلا للمعاوضة إذا كان التصرف بيعا أو إجازة ونحو ذلك اذ أن الاجازة لها حكم الانشاء فيجب فيها من الشروط ما يجب فى الانشاء وعلى ذلك لا تصح اجازة المحجور عليه للدين لتبرع باشره عنه فضولى ولا اجازة صبى مميز أو سفيه لمعاوضة باشرها عنه فضولى ولا أجازته لوصية لوارث أو بأكثر من الثلث - ويرى الحنابلة صحة اجازة المحجور عليه للدين لوصية متوقفة وذلك على القول بان الإجازة تنفيذ لا على القول بأنها عطية (٢). الخامس: أن يكون المجيز عالما محل العقد من وجود أو عدم عند أبى يوسف رحمة الله خلافا لمحمد فإذا أجاز المالك وهو غير عالم لقيام محل العقد لم تصح الإجازة عند أبى يوسف وصحت عند محمد ﵀ (٣).

стр. 633

إجٌبارُ تعريف الإجبار لغة: الجبار صفة من الإجبار وهو القهر والإكراه - قال أبن الأثير ويقال جبر الخلق وأجبرهم ويقال رجل جبار مسلط قاهر ومنه قوله وما أنت عليهم بجبار - وأجبره أكرهه. يقال أجبر القاضى الرجل على الحكم إذا أكرهه عليه. وتميم تقول جبرته على الأمر أجبره جبرا وجبورا. قال الأزهرى وهى لغة معروفة وكان الشافعى يقول جبر السلطان وهو حجازى فصيح فهما لغتان جيدتان وهما جبرته وأجبرته (١). الإجبار اصطلاحا: ليس له تعريف مخصوص فى كتب الفقه ويمكن تعريفه أخذا من إستعمالات الفقهاء بأنه حمل الغير من ذى ولإية بطريق الإلزام على عمل تحقيقا لحكم الشرع «الفرق بين الاجبار والاكراه» من تعريف كل من الإجبار والإكراه فى الاصطلاح يمكن معرفة الفرق بينهما لأن المعنى اللغوى لكل منهما قد يكون متقاربا اذ الإكراه فى اللغة يتضمن القهر (٢). وفى الاصطلاح: هو الحمل على الفعل بالابعاد والتهديد مع وجود شرائطه المقررة فى باب الإكراه وإذاً يكون الفرق بينهما أن الإجبار يكون ممن له ولاية شرعية فى حمل الغير على فعل مشروع أما الإكراه فيكون من ذى قوة على تنفيذ ما توعد به فى سبيل حمل الغير على فعل أمر غير مشروع على تفصيل موضعه مصطلح إكراه (٣). ما يرد فيه الإجبار: يرد الإجبار فى كثير من أبواب الفقه المختلفة. كالإجبار فى القسمة والإجبار فى حقوق الجوار. والإجبار على كرى النهر والإجبار على الشركة والاجبار فى الشفعة والإجبار على الوفاء بالدين والإجبار على الارضاع والإجبار على النكاح وألاجبار على الكلالة والإجبار على تولى القضاء والإجبار على تولى الخصومة والإجبار على رد المغصوب والمستأجر والإجبار على الزكاة والإجبار على عمارة المشترك من دار أو جدار وغير ذلك. ولما كان بعض الفقهاء قد عبر عن الإجبار بالمعنى المذكور بكلمة «جبر» فانظر أحكامه فى مصطلح «جبر».

стр. 634

اجتهاد الاجتهاد فى اللغة تحمل الجهد (أى المشقة)، فلا يستعمل لغة على سبيل الحقيقة إلا فيما فيه مشقة، فلا يقال اجتهد فى حمل الخردلة إلا على نحو من التجوز لضعف الحامل مثلا (١). الاجتهاد عند الأصوليين وهو فى اصطلاح الأصوليين بذل الفقيه غاية جهده فى تحصيل حكم شرعى بحيث يشعر من نفسه أنه عاجز عن المزيد على ذلك (٢). وعرفه ابن حزم بأنه استنفاد الطاقة فى حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم، لأن أحكام الشريعة كلها متيقن أن الله تعالى قد بينها بلا خلاف، وهى مضمونة الوجود لعامة العلماء، وإن تعذر وجود بعضها على بعض الناس، فمحال ممتنع أن يتعذر وجوده على كلهم، لأن الله تعالى لا يكلفنا ما ليس فى وسعنا، وما تعذر وجوده على الكل فلم يكلفنا الله تعالى إياه (٣). والاجتهاد نوعان عند من يقول بإمكان تجزى الاجتهاد: اجتهاد مطلق فى جميع الأحكام، وهو ما يقتدر به على استنباط الأحكام القليلة من أمارة معتبرة عقلا أو نقلا فى الموارد التى يظفر فيها بها (٤). واجتهاد فى حكم دون حكم، وهو ما يقتدر به على استنباط بعض الأحكام، ولا بد بالنسبة للمجتهد فى هذا من أن يعرف جميع ما يتعلق بهذا الحكم، ومن جملة ما يعرفه فيه أن يعلم أنه ليس مخالفا لنص أو إجماع ولا يشترط معرفة ما يتعلق بجميع الأحكام، ويشترط للاجتهاد المطلق عند أهل السنة شروط: الأول: معرفة مواقع آيات الأحكام من الكتاب بحيث يتمكن من الرجوع إليها عند الحاجة، ولا يتمكن من الرجوع إليها إلا إذا عرف: (أ) معانى مفرداتها وتراكيبها وخواص ذلك فى الإفادة والاستفادة. فمعرفة معانى مفرداتها تقتضى أن يعرف وضع كل منها مما يدرك بدراسة كتب اللغة والصرف، ومعانى التراكيب تحتاج إلى النحو، وخواص ذلك تحتاج إلى علوم البلاغة من المعانى والبيان. (ب) معانيها شريعة، وتتوقف على معرفة علم أصول الفقه، فيعرف علل الأحكام الشرعية كمعرفة أن الحدث المعبر عنه بقوله تعالى: «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» علته النجاسة فقيس عليه كل خارج نجس وكمعرفة العلة فيما له مفهوم موافق، إذ أن المجتهد لمعرفته بالأحكام المتبادرة لكل

стр. 635

عالم باللغة يتبين أن العلة شاملة كشمول دلالة النص فتقدم على القياس. (ج) أقسام الكتاب من العام والخاص والمشترك والمجمل والخفى والظاهر والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من تقسيمات الأصوليين، وهذا شئ آخر غير معانيه على ما هو واضح. الشرط الثانى: أن يعرف من السنة متنا وسندا القدر الذى تتعلق به الأحكام بأن يعرف بالنسبة للمتن نفس الأخبار أنها رويت بلفظ الرسول أو بالمعنى ومواضع المتن لهذا القدر بحيث يتمكن من الرجوع إليه عند الحاجة كما ذكرنا فى معرفة الكتاب، ويعرف بالنسبة للسند سند ذلك القدر من تواتر أو شهرة أو آحاد، وفى ذلك معرفة حال الرواة من الجرح والتعديل، ويكتفى فى هذا الزمان بتعديل أئمة الحديث الموثوق بهم كالبخارى ومسلم والبغوى وغيرهم من أئمة الحديث، وجملة ما يشترط فى معرفة السنة على ما ذكره الغزالى خمسة شروط: ١ - معرفة طرقها من تواتر وآحاد لكون المتواترات قطعية الثبوت، والآحاد ظنية الثبوت. ٢ - معرفة طرق الآحاد وروايتها ليعمل بالصحيح منها ويبعد عن غيره. ٣ - معرفة أحكام أقوال الرسول وأفعاله ليعلم ما يوجبه كل منها. ٤ - معرفة ما انتفى عنه الاحتمال وحفظ ألفاظ ما وجد فيه الاحتمال. ٥ - معرفة الترجيح بينه وبين ما يعارض من الأخبار. الشرط الثالث: معرفة أنواع القياس عند القائلين به، والمراد منها الأنواع الثلاثة الآتية: الأول: قياس العلة «إثبات حكم معلوم فى معلوم آخر لاشتراكهما فى علة الحكم عند المثبت» كقياس الحنفية، الخارج النجس من غير السبيلين كالدم الذى يسيل إلى موضع يلحقه حكم التطهير على الخارج من السبيلين لعلة خروج النجاسة. الثانى: قياس الدلالة (مساواة فرع لأصل فى وصف جامع لا يكون علة للحكم بل يكون لازما مساويا لعلة الحكم) كقياس المكره بالقتل على المكره بجامع الإثم، والإثم ليس علة للقصاص بل هو مساو لها كمساواة الضاحك للناطق فى الأفراد. الثالث: قياس العكس (إثبات نقيض حكم الأصل فى الفرع لوجود نقيض علته فيه) كما قاس الرسول ﵊ وط ء المنكوحة فأثبت الأجر فيه قياسا على وط ء المحرمة فى إثبات الوزر بقياس العكس، وقد سئل ﵊: أيأتى أحدنا شهوته، أى الحلال، فيكون له أجر. فقال: أرأيت لو وضعها فى حرام يكون عليه وزر (١). ويرجع إلى مصطلح «قياس». وقالت طائفة: لا موضع ألبته لطلب
следующие страницы →