جهل اسلامه ووجد عليه علامة (١) المسلمين وجب غسله، ويشترط ألا يتعذر غسله فمن تعذر غسله لعدم ماء أو حرق أو جذام يمم، وان تعذر غسل بعضه غسل ما أمكنه.
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: شروطه أن يكون مسلما وأن لا يكون شهيدا فان حمل عن المعركة وهو حى فمات غسل (٢).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: فى كتاب شرح الأزهار - يشترط فى الميت الذى يجب غسله أن يكون مسلما فلا يغسل الكافر مطلقا ويدخل فيه أطفال الكفار، وكفار التأويل والكافرة التى فى بطنها ولد مسلم فهؤلاء لا يغسلون.
ويشترط أن يكون عدلا فلا يغسل الفاسق، أما مجروح العدالة بغير فسق فانه يغسل.
ويشترط أن يستهل اذا كان سقطا فاذا استهل بعطاس أو صياح ونحوه وجب غسله.
ويشترط أن يكون الذاهب أقله فقط اذا كان قد أكله السباع ونحو ذلك فانه اذا كان الذاهب الأقل وهو دون النصف فانه يجب غسل الباقى فلو ذهب أكثره لم يغسل وكذا لو ذهب نصفه ولو بقى ما تممه الرأس نصفا على ظاهر الكتاب فلا يغسل.
ويشترط أن يكون غير شهيد وهو الذى قتل فى سبيل الله وهو مكلف ذكر عدل أما الصبى والمجنون فانهما يغسلان اذا كانا مسلمين.
ولو قتلا مع أهل الحق.
والأنثى تغسل ولو قتلت فى الجهاد، ولو احتيج اليها فى الجهاد.
واشتراط القتل فى سبيل الله احتراز ممن يسمى شهيدا كالغريق. وصاحب الهدم فانه يغسل ولو سمى شهيدا، والشهيد الذى لم يمت فى موضع القتال لكنه ذهب وقد جرح فى موضع المعركة بما يعرف من طريق العادة أنه يقتله يقينا نحو رمية أو ضربة بسيف أو رضخة أو طعنة فى معمد ولم يمت منها فى الحال فان هذا لا يغسل ولو مات فى بيته على فراشه ذكره الصادق بالله.
وظاهر قول الهادى أنه اذا نقل وبه رمق غسل.
وحكى فى الزوائد للقاسمية أنه اذا أكل أو شرب أو دوى غسل والا فلا والشهيد الذى قتل أو جرح وكان ذلك فى المصر من دون قتال بل قتله البغاة ظلما فانه لا يغسل، والشهيد الذى قتل أو جرح حال كونه مدافعا عن نفس أو مال فانه لا يغسل (٣).
مذهب الإمامية:
قال الشيعة الإمامية: يجب تغسيل كل ميت مسلم أو بحكمه كالطفل والمجنون المتولدين من مسلم ولقيط دار الاسلام أو دار الكفر وفيها مسلم يمكن تولده منه والمسبى بيد المسلم على القول بتبعيته فى الاسلام كما هو مختار الشهيد أبو عبد الله النبطى العاملى الجزينى ولو سقطا
стр. 5847
اذا كان له أربعة أشهر ولو كان دونها لف فى حرقة ودفن بغير غسيل وألا يكون شهيدا ولا من وجب عليه القتل فان الأخير يؤمر بالاغتسال قبل قتله ثم لا يغسل بعد ذلك (١).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: الواجب غسل كل ميت من أهل الاسلام بأمر رسول الله ﷺ الا الشهيد فان النبى ﷺ خصه من جملة موتى المسلمين بعدم الغسل لقول النبى ﷺ «زملوهم فى ثيابهم ودمائهم» والشهيد عندنا من قتل فى الحرب وان كان الشهيد جنبا فانه يغسل وقيل لا وقيل ان مات فى يومه فلا يغسل والا غسل وقيل يغسل الشهيد مطلقا والمشهور الأول (٢).
من يغسل الميت
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: الجنس يغسل الجنس فيغسل الذكر الذكر والأنثى الأنثى لأن حل المس من غير شهوة ثابت للجنس فى حالة الحياة فكذا بعد الموت وسواء كان الغاسل جنبا أو حائضا لأن المقصود هو التطهير حاصل فيجوز وروى عن أبى يوسف أنه كره للحائض لأنها لو اغتسلت بنفسها لم تعتد به فكذا اذا غسلت ولا يغسل الجنس خلاف الجنس لأن حرمة المس عند اختلاف الجنس ثابتة حالة الحياة فكذا بعد الموت، والمجبوب والخصى فى ذلك مثل الفحل كما فى حالة الحياة لأن كل ذلك منهى عنه والمرأة تغسل زوجها اذا لم تثبت البينونة فى حالة حياته ولم يحدث بعد وفاته ما يوجب البينونة فاذا مات رجل فى سفر فان كان معه رجال يغسله رجل وان كان معه نساء لا رجل فيهن فان كان فيهن امرأته غسلته.
والمرأة تغسل زوجها لما روى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت لو استقبلنا من الأمر ما استدبرنا لما غسل رسول الله ﷺ الا نساؤه ومعنى ذلك أنها لم تكن عالمة وقت وفاة رسول الله ﷺ باباحته ثم علمت بعد ذلك.
وروى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه أوصى الى امرأته أسماء بنت عميس أن تغسله بعد وفاته وهكذا فعل أبو موسى الأشعرى ولأن اباحة الغسل مستفادة بالنكاح فتبقى ما بقى النكاح والنكاح بعد الموت باق الى وقت انقطاع العدة بخلاف ما اذا ماتت المرأة حيث لا يغسلها الزوج لأن هناك انتهى ملك النكاح لانعدام المحل فصار الزوج أجنبيا فلا يحل له غسلها واذا بانت الزوجة من الزوج قبل وفاته بأن طلقها ثلاثا أو بائنا ومات وهى فى العدة لا يباح لها غسله وكذا لو ارتدت عن الاسلام ثم أسلمت بعد موته لأن الردة توجب زوال ملك النكاح وكذا اذا قبلت ابن زوجها ثم مات وهى فى العدة لأن الحرمة ثبتت بالتقبيل على سبيل التأبيد فبطل ملك النكاح ولو طلقها طلاقا رجعيا ثم مات وهى فى العدة لها أن تغسله لأن الطلاق الرجعى لا يزيل ملك النكاح أما اذا حدث ما يوجب البينونة بعد وفاة الزوج لا يباح لها أن تغسله عندنا وعند زفر يباح ووجه ذلك عند زفر أن الردة بعد الموت لا ترفع النكاح لأنه ارتفع بالموت فبقى حال الغسل كما كان بخلاف الردة فى حالة الحياة.
ولنا أن زوال النكاح موقوف على انقضاء العدة فكان النكاح قائما فيرتفع بالردة وان لم يبق مطلقا فقد بقى فى حق حل المس.
стр. 5848
والنظر وعلى الخلاف اذا طاوعت ابن زوجها أو قبلته بعد موته أو وطئت بشبهة بعد موته فوجب عليها العدة ليس لها أن تغسله عندنا خلافا لزفر.
وكذا لا تغسله اذا انقضت عدتها عندنا من ذلك الغير خلافا لأبى يوسف وكذلك اذا دخل الزوج بأخت امرأته بشبهة ووجبت عليها العدة ثم مات فانقضت عدتها بعد موته فهو على هذا الخلاف وكذلك المجوسى اذا أسلم ثم مات ثم أسلمت امرأته المجوسية لم تغسله عندنا خلافا لأبى يوسف ﵀ وذكر القاضى فى شرحه مختصر الطحاوى. أن لمرأة أن تغسله فى هذه المواضع عندنا وليس لها أن تغسله عند زفر ولو لم يكن فيهن امرأة ولكن معهم رجل كافر يعلمنه غسل الميت ويخلين بينهما حتى يغسله ويكفنه لأن نظر الجنس الى الجنس أخف وان لم يكن بينهما موافقة فى الدين فان لم يكن معهن رجل ومعهن صبية صغيرة لم تبلغ حد الشهوة وأطاقت الغسل علمتها الغسل ويخلين بينه وبينها حتى تغسله لأن حكم العورة غير ثابت فى حقها وان لم يكن معهن ذلك فانهن لا يغسلنه سواء كل ذوات رحم محرم منه أولا لأن المحرم فى حكم النظر الى العورة والأجنبية سواء فكما لا تغسله الأجنبية فكذا ذوات محارمه وان لم تكن ذات رحم محرم منه يممته بخرقة تلفها بكفها وكذا اذا كانت فيهن أم ولده لا تغسله فى القول الآخر لأبى حنيفة، وفى قوله الأول وهو قول زفر لها أن تغسله لأنها معتدة فأشبهت المنكوحة. ولنا أن الملك لا يبقى فيها ببقاء العدة لأن الملك فيها كان ملك يمين وهو يعتق بموت السيد والحرية تنافى ملك اليمين فلا يبقى بخلاف المنكوحة فان حريتها لا تنافى ملك النكاح وكذا اذا كان فيهن أمته أو مدبرته أما الأمة فلأن ملكه زال عنها بالموت الى الورثة غير أنه اذا يممته فبدون خرقة وأما المدبرة فلأنها تعتق ولا يجب عليها العدة ثم أم الولد لا تغسله يبقى بخلاف المنكوحة فان حريتها لا تنافى ملك فلئلا تغسله هذه أولى.
أما المرأة اذا ماتت فى سفر ومعها نساء فيغسلنها وليس لزوجها أن يغسلها لما روى عن ابن عباس رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ سئل عن امرأة تموت بين رجال فقال تيمم بالصعيد ولم يفصل بين أن يكون فيهم زوجها أو لا يكون ولأن النكاح ارتفع بموتها واذا زال النكاح صارت أجنبية وان لم يكن هناك نساء مسلمات ومعهم امرأة كافرة علموها الغسل ويخلون بينهما حتى تغسلها فان لم يكن معهم نساء وكان معهم صبى لم يبلغ حد الشهوة وأطاق الغسل علموه الغسل فيغسلها وان لم يكن معهم ذلك فانها لا تغسل ولكنها تيمم غير أن الميمم لها ان كان محرما لها يممها بغير خرقة وان لم يكن محرما لها فمع الخرقة يلفها على كفه ويعرض بوجهه عن ذراعيها ولا بأس أن ينظر الى وجهها كما فى حالة الحياة ولو مات الصبى الذى لا يشتهى لا بأس أن تغسله النساء وكذلك الصبية التى لا تشتهى لا بأس أن يغسلها الرجال (١).
مذهب المالكية:
قال المالكية: كل واحد من الزوج أو الزوجة اذا مات الآخر يقوم فى غسله على سائر الأولياء ويقضى له اذا نازعه الأولياء لأن من ثبت له حق فالأصل أن يقضى له به هذا ان صع النكاح بينهما حصل بناء أم لا اذ المعلوم شرعا كالمعدوم حسا الا أن يفوت الفاسد بوجه من المفوتات الآتية كالدخول فى بعض صوره والطول فى بعضها فيلحق حينئذ بالصحيح فيقدم فيه الزوجان كما فى الصحيح ثم ان محل تقديم الزوجية لم يكن الحى منهما محرما والا فلا يقدم لقول فى المدونة ولا ينبغى أن يغسل أحد الزوجين المحرمين الآخر فان فعل كرم له.
ثم قال والحى من الزوجين اذا كان رقيقا يقدم على الأولياء فى غسل الميت ان أذن له سيده فى
стр. 5849
التغسيل ولا يكفى الاذن له فى النكاح وسواء كان الميت رقيقا مثله أو حرا وظاهره أنه يقدم بالقضاء ومطلقا وقاله ابن القاسم وقال سحنون ان كان أحدهما أو كلاهما رقيقا فانه يقدم بغير قضاء الا فى صورة واحدة وهى ما اذا كانت الزوجه حرة وهو رقيق وأذن له سيده فى الغسل فيقضى له واحد الزوجين يثبت له التقديم على الأولياء ولو حصل الموت قبل بناء أو بأحدهما الحى أو الميت عيب يوجب الخيار لأنه بالموت صار كالعدم لفوات الرد أو وضعت بعد موت زوجها فهى أحق بتغسيله وان حلت للغير بالوضع سواء تزوجت أم لا، والأحب نفى الغسل ان تزوج أختها حيث ماتت أو من يحرم جمعه معها قاله ابن القاسم وأشهب لأن فيه جمعا بين محرمتى الجمع وقد تموت أختها فيجمع بين غسيلهما وجمعهما يحرم فى الحياة ويكره فى الممات وهذا بغير أن فعله مكروه لا خلاف الأولى ويفيد أنه اذا وطئ أختها بملك اليمين فان الأحب له نفى غسلها أيضا وظاهر كلام خليل وخلافه وكذلك اذا ولدت االمرأة وتزوجت غيره فأحب الى أن لا تغسله لأنه قد حرم عليه تزوجها.
ويغسل أحد الزوجين صاحبه اذا كانت الزوجية لا خلل فيها كأن تكون المرأة مطلقة طلاقا رجعيا ولا تغسيل لواحد منهما على الآخر وهو مذهب المدونة والكتابية لا تغسل زوجها المسلم الا بحضرة مسلم ويقضى لها بذلك ولو ماتت هى لم يغسلها زوجها المسلم ومعنى قوله بحضرة مسلم أى شخص مسلم ذكرا أو أنثى عارف بأحكام الغسل وهذا بناء على أن الغسل للنظافة وأما على القول بأنه للتعبد فلا تغسله ولو بحضرة مسلم لأن الكافر ليس أهلا للتعبد لأنه قربة، ولا يضر تحريم عارض من حيض أو نفاس أو اظهار كما قاله الباسطى وان لم يكن أحد الزوجين أو كان وأسقط حقه أو غاب فالرجل الميت أحق بغسله أقرب أوليائه على أبعدهم فيقدم ابن فابنه فأب فأخ فابنه فجد فعم فأبنه والشقيق وعاصب النسب على غيره ويقرع بين المتساويين ثم ان لم يوجد من ذكر رجل أجنبى مسلم أو ذمى بحضرة مسلم ثم ان لم يوجد الأجنبى فامرأة محرم ولو كافرة بنسب أو رضاع أو صهر كما عند ابن عرفة كأم زوجته وزوجة ابنه ويقدم محرم رضاع على الصهر عند التنازع لكن اختلف اذا غسلته المحرم هل تستر جميع جسد الميت بثوب وهو فهم اللخمى وغيره وهو الذى فى الأمهات واختصروا فيها عليه أو انما تستر عورته بالنسبة اليها ثم ان عدم من تقدم ولم يوجد الا النساء الأجانب يمم لمرفقيه على المشهور على حد ما يريد منه حيا وقيل لكوعيه ثم ان تقديم الأقرب على القريب بالقضاء.
وأما المرأة فيلى تغسيلها الزوج أو السيد فان عدما فالأقرب اليها من أهلها النساء ولو كتابية بحضرة مسلم على ترتيب العصية فى الرجل فبنتها فبنت ابنها فالأم فالأخت فبنت الأخ فالجدة فالعمة فبنت العم وتقدم الشقيقة على غيرها فان لم يوجد من أقاربها النساء أحد فالمرأة الأجنبية ولو كتابية بحضرة مسلم ثم المحرم من أهلها الرجال يغسلها من فوق ثوب ولا يباشرها بيده ثم ان لم يوجد محرم يممت فى وجهها ويديها لكوعيها.
ويجوز للمرأة أن تغسل صبيا ابن ثمان سنين فأولى من دونه لا ابن تسع وان جاز لها النظر الى عورته، وجاز غسل رجل كرضيعة أى رضيعة وما قاربها كزيادة شهر على مدة الرضاع لا بنت ثلاث سنين فلا يجوز للرجل تغسيلها (١).
стр. 5850
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: فى كتاب نهاية المحتاج (١) ان الرجل يغسل الرجل والمرأة تغسل المرأة فكل أولى بصاحبه على ذلك وهذا هو الأصل.
قال فى المهذب. ان كان الميت رجلا لا زوجة له فأولى الناس بغسله الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم لأنهم أحق بالصلاة عليه فكانوا أحق بالغسل وان كان له زوجة جاز لها غسله لما روت عائشة رضى الله عنها أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه أوصى أسماء بنت حميس لتغسله وهل تقدم على العصبات؟ فيه وجهان.
أحدهما أنه تقدم لأنها تنظر منه الى ما لا تنظر العصبات وهو ما بين السرة والركبة.
والثانى يقدم المعصبات لأنهم أحق بالصلاة عليه.
وان ماتت امرأة ولم يكن لها زواج غسلها النساء وأولاهن ذات رحم محرم ثم ذات رحم غير محرم ثم الأجنبية فان لم يكن نساء غسلها الأقرب فالأقرب من الرجال على ما ذكرناه وان كان لها زوج جاز أن يغسلها لما روت عائشة رضى الله عنها قالت: رجع رسول الله ﷺ من البقيع فوجدنى وأنا أجد صداعا وأقول وارأساه ثم قال وما ضرك لو مت قبلى غسلتك ولقنتك وصليت عليك ودفنتك وهل يقدم على النساء؟ على وجهين.
أحدهما يقدم لأنه ينظر الى ما لا ينظر النساء منها والثانى تقدم النساء على الترتيب الذى ذكرناه فان لم يكن نساء فأولى الأقرباء بالصلاة فان لم يكن فالزوج، وان طلق زوجته طلقة رجعية ثم مات أحدهما قبل الرجعية لم يكن للآخر غسله لأنها محرمة عليه تحريم المبتوتة.
وان مات رجل وليس هناك الا امرأة أجنبية أو ماتت امرأة وليس هناك الا رجل أجنبى ففيه وجهان.
أحدهما ييمم.
والثانى يستر بثوب ويجعل الغاسل على يده خرقة ثم يغسله.
فان مات كافر فأقاربه الكفار أحق بغسله من أقاربه المسلمين لأن للكافر عليه ولاية وان لم يكن أقارب من الكفار جاز لأقاربه من المسلمين غسله لأن رسول الله ﷺ أمر عليا رضى الله عنه أن يغسل أباه، وان ماتت ذمية ولها زوج مسلم كان له غسلها، لأن النكاح كالنسب فى الغسل وان مات الزوج قال فى الأم كرهت لها أن تغسله فان غسلته أجزأه لأن القصد منه التنظيف وذلك يحصل بغسلها.
وان ماتت أم ولد كان للسيد غسلها لأنه يجوز له غسلها فى حال الحياة فجاز له غسلها بعد الموت كالزوجة وان مات السيد فهل يجوز لها غسله فيه وجهان قال أبو على الطبرى لا يجوز لأنها عتقت بموته فصارت أجنبية والثانى يجوز لأنه لما جاز له غسلها جاز لها غسله كالزوجة (٢). أما غسل المرأة للصبى وغسل الرجل للصبية فقد قال صاحب المجموع:
مذهبنا أنهما يغسلان ما لم يبلغا حدا يشهيان فيه، واذا مات الخنثى المشكل فان كان هناك محرم له من الرجال أو النساء غسله بالاتفاق وان لم يكن له محرم منهما فان كان الخنثى صغيرا جاز للرجال والنساء جميعا غسله بالاتفاق وان كان كبيرا ففيه طريقان أصحهما وبه قطع
стр. 5851
صاحب الشامل والجمهور وصححه المتولى والشاشى وآخرون انه على الوجهين فيما اذا مات رجل وليس عنده الا امرأة أجنبية أحدهما ييمم وأصحهما هنا باتفاق الأصحاب يغسل فوق ثوب والطريق الثانى وهو الذى اختاره الماوردى أنه يغسله أوثق من يحضره من الرجال أو النساء (١).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: وأولى الناس بغسل الميت وصيه ان كان عدلا لأنه حق للميت فقدم فيه وصيه على غيره كباقى حقوقه ولأن أبا بكر رضى الله عنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين ثم أبوه لحنوه وشفقته ثم جده وان علا ثم ابنه وان نزل لقربه ثم الأقرب فالأقرب من عصابته نسبا فيقدم الأخ لأبوين ثم لأب ثم ابن الأخ لأبوين ثم لأب ثم عم لأبوين ثم لأب وهكذا ثم عصابته نعمة - أى ولاء العتاقة - فيقدم المعتق ثم عصبته الأقرب فالأقرب ثم ذوو أرحامه كالأخ لأم والجد للأم والعم للأم وابن الأخت ونحوها ثم الأجانب ويقدم الأصدقاء منهم ثم غير الأصدقاء الأدين الأعرف فيقدم على غيره لتلك الفضيلة قال رسول الله ﷺ ليليه أقربكم ان كان بعلم فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة والأحرار فى الجميع من عصبات النسب والولاء وذوى الأرحام والأجانب أولى من الزوجة للخروج من الخلاف فى تغسيل أحد الزوجين الآخر، والزوجة أولى من أم الولد، والأجنبية أولى من الزوج خروجا من خلاف من منعه غسلها.
وأجنبية ولم يغسل أمة من سيد للخروج من خلاف من لم يبح له غسلها والسيد أحق بغسل عبده لأنه مالكه ووليه.
ولا حق للقاتل فى غسل المقتول ان لم يرثه، عمدا كان القتل أو خطأ لمبالغته فى قطيعة الرحم وأحق الناس بغسل المرأة بعد وصيتها أمها وان علت ثم بنتها وان نزلت ثم القربى فالقربى كالميراث فيقدم منهن من يقدم من الرجال ولكل واحد من الزوجين ان لم تكن الزوجة ذمية غسل صاحبه ولو كان الموت قبل الدخول أو كان الموت بعد طلاق رجعى.
والأصل فى تغسيل كل من الزوجين للآخر وصية أبى بكر بأن تغسله زوجته أسماء فغسلته، ولا تغسل الزوجة زوجها الذى أبانها ولو فى مرض موته المخوف فرار الانقطاع الزوجية، والسيد وأمته سواء وطئها أو لا وأم ولده كالزوجين فلكل منهما أن يغسل الآخر، ويغسل السيد مكاتبته ان شرط وطأها. أى وطأها لاباحتها له فان لم يشترط وط ء مكاتبته فلا يباح لها أن تغسله لحرمتها عليه من قبل الموت.
ولا يغسل سيد أمته المزوجة ولا أمته المعتدة من زوج، ولا يغسل السيد المعتق بعضها لحرمتها عليه قبل موتها ومثلها المشتركة ولا يغسل من هى فى استبراء واجب ولا تغسل الأمة المزوجة أو المعتدة من زوج أو المعتق بعضها أو من هى فى استبراء، ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين من ذكر وأنثى لأنه لا حكم لعورته بدليل أن ابراهيم بن النبى ﷺ غسله النساء ولو كان دون السبع سنين بلحظة. قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه أن المرأة تغسل الصبى الصغير فتغسله مجردا من غير سترة وتمس عورته وتنظر اليها.
وليس للرجل غسل ابنة سبع سنين فأكثر ولو كان محرما لها كأبيها وأخيها لأنها محل للشهوة.
وليس للمرأة غسل ابن سبع سنين ولو كان محرما لها.
стр. 5852
وان مات رجل بين نسوة لا رجل معهن ممن لا يباح لهن غسله بأن لم يكن زوجاته ولا اماؤه يمم.
ولو ماتت امرأة بين رجال ممن لا يباح لهم غسلها بأن لم يكن فيهم زوجها ولا سيدها يممت لما روى تمام فى فوائده عن وابلة أن رسول الله ﷺ قال: اذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما يمم الرجال، ولو مات خنثى مشكل له سبع سنين فأكثر ولم تحضره أمة له يمم بحائل من خرقة ونحوها (١).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: جائز أن تغسل المرأة زوجها وأم الولد سيدها، وان انقضت العدة بالولادة ما لم يتزوجا، فان نكحتا لم يحل لهما غسله الا كالأجنبيات، وقال أيضا. وجائز للرجل أن يغسل امرأته وأم ولده وأمته ما لم يتزوج حريمتها - أو يستحل حريمتها بالملك فان فعل لم يحل له غسلها وليس للأمة أن تغسل سيدها أصلا، لأن ملكها بموته انتقل الى غيره.
برهان ذلك ما روى عن ابن عباس رضى الله عنه قال الرجل أحق بغسل امرأته وما روى عن أبى الشعثاء هو جابر بن زيد - رضى الله عنه. قال الرجل أحق أن يغسل امرأته من أخيها.
ثم قال ابن حزم أيضا لو مات رجل بين نساء لا رجل معهن أو ماتت امرأة بين رجال لا نساء معهم، غسل النساء الرجال وغسل الرجال المرأة على ثوب كثيف، يصب الماء على جميع الجسد دون مباشرة اليد لأن الغسل فرض كما قدمنا وهو ممكن كما ذكرنا بلا مباشرة، فلا يحل تركه، ولا كراهة فى صب الماء أصلا.
برهان ذلك ما روى عن معمر بن الزهرى وقتادة رضى الله عنهم قالا جميعا تغسل وعليها الثياب يعنيان فى المرأة تموت بين رجال لا مرأة معهم (٢).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية فى كتاب شرح الأزهار: لا بد أن يكون الغاسل للميت من جنسه ان كان رجلا فرجل وان كان أنثى فأنثى، أو جائز الوط ء كالمراة مع زوجها والمملوكة التى هى غير مزوجة مع مالكها فيجوز أن يغسل كل واحد منهما صاحبه، وهل الزوجة أولى من الرجال والزوج أولى من النساء، قال ﵇ لا كلام أنهما سواء فى الجواز فأما الأولوية فالأقرب أن الجنس أولى لارتفاع حكم الاستمتاع بالموت وتسويغ نظر العورة تبع له وللاجماع على جوازه وتغسل الزوجة زوجها والعكس مع عدم الطلاق بينهما فان كان بينهما طلاق بائن لن يغسل واحد منهما صاحبه، وان كان الطلاق رجعيا فالمذهب أن لكل واحد منهما أن يغسل صاحبه لأن الوط ء جائز بينهما بلا تجديد عقد نكاح أما المملوكة مع المالك فان لم يكن الوط ء بينهما جائزا نحو أن تكون مزوجة أو نحو ذلك كالمشتركة والحامل من الغير لم يجز لأحدهما أن يغسل صاحبه، فان كان الوط ء بينهما جائزا جاز لكل واحد منهما أن يغسل الآخر ويجوز للسيد أن يغسل أم ولده وأن تغسله ويجوز له أن يغسل مدبرته أما مكاتبته فلا تغسله ولا يغسلها لأن الوط ء بينهما غير جائز ما لم تعجز نفسها.
стр. 5853
وفى الكافى أن المملوكة لا تغسل سيدها لأنها انتقلت للورثة، وأن أم الولد لا تغسل سيدها ولا يغسلها والمدبرة لا يجوز لها أن تغسله لأنها قد عتقت بالموت ولا عدة عليها بخلاف أم الولد فانها ولو عتقت بالموت فلها أن تغسله لأن عليها عدة.
ثم اذا مات ميت وتعذر حضور جنسه أو من له وطؤه كرجل بين نساء أو امرأة بين رجال فانه يغسل هذا الميت محرمه ان أمكن حضوره كالأخ فى حق المرأة والأخت فى حق الرجل، ثم اذا لم يوجد محرم لذلك الميت مع تعذر الجنس والزوجة جاز أن يغسله أجنبى فيغسل الرجل امرأة أجنبية وتغسل المرأة رجلا أجنبيا ويكون هذا الغسل بالصب للماء على جميعه.
وحكم الأمة بين الأجانب وكذا الرجل بين الاماء حكم المرأة فى الغسل وان اختلف الحكم فى النظر والخنثى المشكل الذى لم يتميز الى الذكور ولا الى الاناث فان حكم غسله حكم غسل الرجل حيث تغسله امرأة أجنبية وهو أن يغسله بالصب دون الدلك ويكون مستترا، ولو مات طفل أو طفلة لا تشتهى فكل مسلم حيث كان عدلا يصح أن يغسله ولو كان أجنبيا منه (١).
مذهب الإمامية:
قال الشيعة الإمامية: أولى الناس بغسل الميت أولاهم بميراثه بمعنى أن الوارث أولى ممن ليس بوارث وان كان قريبا ثم ان اتحد الوارث اختص وان تعدد فالذكر أولى من الأنثى والمكلف أولى من غيره والأب من الولد والجد، والزوج أولى بزوجته مطلقا فى جميع أحكام الميت ولا فرق بين الدائم والمنقطع، ويجب المساواة بين الغاسل والميت فى الرجولة والأنوثة فاذا كان الولى مخالفا للميت أذن للماثل، وقيد بالرجولية لئلا يخرج تغسيل كل من الرجل والمرأة ابن ثلاث سنين وبنته لانتفاء وصف الرجولية فى المغسل الصغير، وانما يعتبر المماثلة فى غير الزوجين فيجوز لكل منهما تغسيل صاحبه اختيارا.
والمشهور أنه من وراء الثياب وان جاز النظر ولا فرق فى الزوجة بين الحرة والأمة والمدخول بها وغيرها المطلقة رجعية زوجة بخلاف البائن ولا يقدح انقطاع العدة فى جواز التغسيل عندنا.
وكذا يجوز للرجل تغسيل مملوكته غير المزوجة وان كانت أم ولد دون المكاتبة، وان كانت مشروطة دون العكس لزوال ملكه عنها - أى لا يجوز للملوكة تغسيل مولاها لزوال ملك المولى بموته عنها وينتقل الى الورثة .. نعم لو كانت أم ولد غير منكوحة لغيره عند الموت جاز ومع التعذر للمساوى فى الذكورة والأنوثة فالمحرم وهو من يحرم انكاحه مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة يغسل محرمه الذى يزيد سنه عن ثلاث سنين من وراء الثوب فان تعذر المحرم والمماثل فالكافر يغسل المسلم والكافرة تغسل المسلمة بتعليم المسلم فى المشهور والمراد هنا صورة الغسل، ويجوز تغسيل الرجل ابنة ثلاث سنين مجردة وكذا المرأة يجوز لها تغسيل ابن ثلاث سنين مجردا وان وجد المماثل ومنتهى تحديد السن الموت (٢).
مذهب الإباضية:
قال الإباضية: المتفق عليه أن الرجال يغسلون الرجال والنساء يغسلن النساء والاختلاف فى المرأة تموت مع الرجال وليس فيهم زوج والرجل
стр. 5854
يموت مع النساء وليس فيهن زوجة قال بعضهم يغسل كل واحد منهم صاحبه من فوق الثياب فالرجال يغسلون المرأة من فوق ثيابها والنساء يغسلن الرجل من فوق ثيابه.
وقال قوم تيمم كل واحد منهم لصاحبه.
ثم قال صاحب الايضاح القول الأول عندى أصح، ثم قال صاحب الايضاح وقد ذكر عن بعضهم أن المرأة تغسل ذا محرم منها الا موضع الفرج ولا يغسل الرجل ذات محرم منه لأن نظر الرجال الى النساء أغلظ من نظر النساء الى الرجال (١).
وفى شرح النيل (٢) ان الطفل اذا لم يجاوز سبع سنين يغسله الرجال والنساء، فان جاوزها فلا يغسله الا الرجال ان حضروا والا تيمم له وقيل بتيمم النساء للطفل ولو مات وقت ولادته أما الطفلة التى يحضرها الرجال فقط فانهم يتيممون لها ولو يوم ولدت، ورخص أن يغسلوها ان تجاوز أربع سنين والا تيمموا لها ان لم يحضر غيرهم وقيل تغسل المرأة الطفل ما لم يتكلم والرجل يغسل الطفلة ما لم تتكلم وقيل تغسل المرأة الفطيم أو فوقه بشئ وقيل ابن أربع أو خمس، ثم قال فى شرح النيل أيضا، والزوج أولى بزوجته والزوجة أولى بزوجها فيغسل أحد الزجين الآخر مباشرة ولو فى العورة وقيل لا تغسل الزوجة زوجها ولا يغسل الزوج زوجته وذلك لانقطاع العصمة بينهما لكونه يحرم على احدهما أن يتمتع من الآخر اذا مات بجماع أو مس أو نظر، ولو كان أحد الزوجين أولى بالآخر لغسل رسول الله ﷺ خديجة رضى الله عنها.
وقال بعض أصحاب المذهب تغسل المرأة زوجها أما الزوج فانه لا يغسل زوجته فان بانت عنه فلا يغسل أحدهما الآخر وأما السيد فقيل انه يغسل أمته، والأمة تغسل سيدها وقيل لا يغسل أحدهما الآخر قولان والقول بعدم الغسل هو الأظهر.
وقيل يصح غسل السيد لأمته ولا يصح الأمة لسيدها وذلك لبقاء ملكه عليها ان ماتت هى وعدم بقاء ملكه عليها ان مات هو وذلك الخلاف فى الأمة المتسراة، أما ان كانت أمة غير متسراة فتغسلها النساء ولا ينبغى غير ذلك، وفى الانسان المشكل الذى لم يبين ذكر ولا أنثى أقوال فقيل تشترى له أمه من ماله وتغسله وان لم يكن له مال فمن بيت المال، وقيل تيمم له الرجال فوق ثوب، وأجيز مباشرة وأحسن الأقوال التيمم له فوق ثوب أو مباشرة.
стр. 5855
إغماء
التعريف عند اللغويين:
اغماء مصدر فعله أغمى عليه.
يقال أغمى عليه اغماء، وأغمى عليه فهو مغمى عليه بضم الميم وسكون الغين وفتح الميم الثانية.
وغمى عليه بالضم - فهو مغمى عليه بفتح الميم وسكون الغين وكسر الميم الثانية - على وزن مفعول. فأصل مادته غماء.
قال ابن دريد: غما البيت يغموه غموا ويغميه غميا اذا غطاه.
وقيل اذا غطاه بالطين والخشب.
والغما سقف البيت وتثنيته غموان وغميان وهو الغماء أيضا والكلمة واوية ويائية.
وغمى على المريض - بضم الغين وكسر الميم.
وأغمى عليه غشى عليه ثم أفاق.
وفى التهذيب أغمى على فلان اذا ظن أنه مات ثم يرجع حيا.
ورجل غمى عليه - بالفتح - مغمى عليه، وامرأة غمى كذلك.
وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث لأنه مصدر.
وقد ثناه بعضهم وجمعه فقال رجلان غميان ورجال أغماء.
وفى التهذيب: غميان فى التذكير والتأنيث.
ويقال ترك فلانا غمى مقصور مثل قفى أى تركته مغشيا عليه ذا غمى لأنه مصدر، يقال غمى عليه غمى، وأغمى عليه اغماء.
قال أبو بكر: يقال رجل غمى - بالفتح والقصر - لمشرف على الموت.
قال فى التهذيب: ويقال رجل غمى ورجلان غميان اذا أصابه مرض.
قال الغراء: تركتهم غمى لا يتحركون كأنهم قد سكنوا.
قال ابن برى: والغمى أيضا ما غطى به الغرس ليعرق.
ويقال أغمى يومنا اذا دام غيمه وأغميت ليلتنا غم هلالها.
وغمى فهو مغمى - بضم فسكون - ومغمى - بضم ففتح - اذا حال دون رؤيته غيم أو فترة كما يقال: غم علينا.
وأصل التغمية الستر والتغطية ومنه أغمى على المريض اذا أغشى عليه كأن المرض ستر عقله وغطاه وهى ليلة الغمى.
قال الراجز:
ليلة غمى طامس هلالها … أو غلتها ومكره ابغا لها
وفى الحديث: فان غمى عليكم وفى رواية فان أغمى عليكم.
وفى رواية فان غم عليكم فأكملوا العدة، والمعنى واحد (١).
стр. 5856
التعريف عند الفقهاء:
يكاد الفقهاء لا يخرجون فى استعمالهم كلمة اغماء على المعنى اللغوى
فقد جاء فى تبين الحقائق أن الاغماء ما يصير العقل به مغلوبا (١).
وجاء فى بلغة السالك أن الاغماء مرض يعترى الشخص بسبب شدة هم أو فرح (٢).
(الفرق بين الاغماء وكل من النوم والجنون
والعته والسكر من حيث المفاهيم)
جاء فى شرح المنار وحواشيه أن الاغماء مرض يضعف القوى ولا يزيل الحجى.
والنوم فترة طبيعية تحدث فى الانسان بلا اختيار منه فتمتنع حواسه الظاهرة والباطنة عن العمل ويحبس العقل عن الاستعمال عن قيامه فيعجز به العبد عن اداء الحقوق (٣).
والجنون آفة تحل الدماغ تبعث على الأقدام على ما يضار مقتضى العقل من غير ضعف فى اعضائه (٤).
والعته آفة توجب خللا فى العقل فيصير صاحبه مختلط الكلام يشبه بعض كلامه بكلام العقلاء وبعضه بكلام المجانين وكذا سائر أموره.
فكما أن الجنون يشبه بأول أحوال الصبا فى عدم العقل يشبه العته بآخر أحوال - الصبا فى وجود أصل التعقل مع تمكن خلل فيه (٥).
وجاء فى الأشباه والنظائر: أنه اختلف فى حد السكران.
فقيل هو من لا يعرف الأرض من السماء ولا يعرف الرجل من المرأة - وبه قال الامام الأعظم رحمه الله تعالى:
وقيل هو من فى كلامه اختلاط وهذيان، وهو قول صاحبيه رحمهما الله تعالى.
وبه قال كثير من المشايخ.
وقيل هو الحموى: وعليه الفتوى كما فى الخانية (٦).
وجاء فى كشف الأسرار أن السكر قيل هو سرور يغلب على العقل - بمباشرة بعض الأسباب الموجبة له فيمنع الانسان عن العمل بموجب عقله من غير أن يزيله ولهذا بقى السكران أهلا للخطاب.
فعلى هذا لا يكون ما حصل من شرب الدواء مثل الأفيون من أقسام السكر لأنه ليس بسرور.
وقيل هو غفلة تلحق الانسان مع فتور فى الأعضاء بمباشرة بعض الأسباب الموجبة لها من غير مرض وعلة.
стр. 5857
وقيل هو معنى يزول به العقل عند مباشرة بعض الأسباب المزيلة (١).
وجاء فى الأشباه والنظائر: أن الشيخ أسحق قال: العقل صفة يميز بها الحسن والقبيح.
قال بعضهم: ويزيله الجنون والاغماء والنوم.
وقال الغزالى رحمه الله تعالى الجنون يزيله والاغماء يغمره والنوم يستره.
قال السبكى رحمه الله تعالى، وانما لم يذكر المغمى عليه فى قوله ﷺ : رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبى حتى يكبر لأن المغمى عليه فى معنى النائم.
ويظهر أن فى الخرف رتبة بين الاغماء والجنون، وهى الى الاغماء أقرب (٢).
حكم اغماء المتوضئ
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع: أن الاغماء من أنواع الحدث الحكمى لأنه فى استرخاء المفاصل واستطلاق الوكاء فوق النوم مضجعا، والنوم مضجعا حدث، فهذا أولى.
ولا فرق فى هذا بين الاضطجاع والقيام لأن ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بين حال وحال (٣).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل أن الاغماء من الأسباب التى ينقض بها الوضوء.
قال الحطاب رحمه الله تعالى وظاهر كلام خليل وزوال العقل بغير النوم لا يفصل فيه كما يفصل فى النوم وهو ظاهر المدونة والرسالة.
ولم يتعرض ابن الحاجب رحمه الله تعالى لكيفية نقض الاغماء ونحوه فى طول أو قصر وذلك يدل على أنه ناقضه مطلقا وهو الحق خلافا لبعضهم.
وقال ابن بشير رحمه الله تعالى: والقليل فى ذلك كالكثير.
قال فى الطراز قال مالك رحمه الله تعالى:
من غلبه هم حتى ذهل وذهب عقله عليه الوضوء، فاذا كان قاعدا فأحب الى أن يتوضأ.
وعن ابن القاسم رحمه الله تعالى أنه لا وضوء على من غلبه هم (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن الاغماء من نواقص الوضوء اذ به يزول التمييز كما يزول بنحو النوم والسكر والجنون وذلك لقول رسل الله ﷺ : العينان وكاء السه فمن نام فليتوضأ «رواه أبو داود وغيره».
والاغماء أبلغ من النوم فى الذهول الذى هو مظنة لخروج شئ من الدبر كما أشعر به الخبر (٥).
стр. 5858
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن من نواقض الوضوء تغطية العقل باغماء أو سكر قليل أو كثير.
قال فى المبدع: إجماعا على كل الأحوال لأن هؤلاء لا يشعرون بحال بخلاف النائم. ولو كان تغطيته بنوم.
قال أبو الخطاب رحمه الله تعالى - وغيره.
ولو تلجم فلم يخرج منه شئ الحاقا بالغالب لأن الحس يذهب معه ولعموم قول رسول الله ﷺ : «العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة، ولأن النوم ونحوه مظنة الحدث فأقيم مقامه (١).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن ذهاب العقل بأى شئ كان ذلك من جنون أو اغماء أو سكر من أى شئ سكر ليس من نواقض الوضوء خلافا لمن ذهبوا الى ذلك.
ولا يقاس شئ من ذلك على النوم لأن النوم لا يشبه الاغماء ولا الجنون ولا السكر فيقاس عليه (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار وحواشيه أن من نواقض الوضوء زوال العقل بأى وجه من نوم أو اغماء أو جنون (٣).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرح الأزهار وحواشيه أن من نواقض الوضوء كل ما أزال العقل مثل الاغماء والسكر والجنون دون مثل البهت، لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم كما روى عن المنتهى.
وروى عن الغنية والمستدرك والدلائل والكفاية اجماع الأصحاب، وروى عن التهذيب اجماع المسلمين (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن الوضوء ينتقض بالاغماء والجنون والسكر.
وقيل لا ينتقض بالثلاثة ما لم يتيقن انتقاضه.
وعلى القول بانتقاضه بها يعتبر فيها ما يعتبر فى الانتقاض بالنوم من ثقل وطول واضطجاع، اذ المختار أنه ينتقض بالنوم الثقيل وان كان قصيرا أو كان النائم قاعدا لا بالنوم الخفيف وأن تطاول مع اتكاء أو قعود أو ركوع أو سجود أو قيام أن لم يكن باضطجاع وان كان به نقض أن تطاول وان خف على المختار (٥).
стр. 5859
حكم ما اذا تسبب الإغماء فى فوات
الصلاة أو فى قطع الأذان
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع أنه ان أغمى على الانسان يوما وليلة أو أقل يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات لانعدام الحرج، وان زاد على يوم وليلة فلا قضاء عليه لأنه يحرج فى القضاء لدخول العبادة فى حد التكرار (١) وقال بشر رحمه الله تعالى: الاغماء: ليس بمسقط حتى يلزمه القضاء وان طالت مدة الاغماء (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى منح الجليل أن الاغماء من الاعذار التى تبيح للمسلم أن يصلى الصلاة كلها فى وقتها الضرورى من غير أثم ولا معصية (٣). فاذا أفاق المغمى عليه فى الوقت الضرورى أدى الصلاة فيه من غير اثم لعدم تسبب المكلف فى ذلك (٤) قال فى المنتقى: ولو أن مغمى عليه أفاق قبل الغروب فذكر صلاة نسيها قبل الاغماء فانه يبدأ بالصلاة التى نسى قبل الاغماء فان بقى بعد فراغها وقت للصلاتين أو احداهما صلى ما أدركه الوقت وان لم يدرك شيئا من الوقت فقد اختلف فيه قول ابن القاسم رحمه الله تعالى فقال فى كتاب محمد لا يصلى ظهرا ولا عصرا واختاره أصبغ، ورواه عن مالك رحمهما الله تعالى، وقال مرة أخرى يصلى ما أفاق فى وقته رواه القاضى اسحاق عن محمد بن مسلمة فوجه الرواية الأولى ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها فان ذلك وقتها فاذا اجتمع فى هذا الوقت ثلاث صلوات واستوعبت الصلاة الأولى الوقت سقط فرض ما بعدها لما كانت أحق بالوقت، ووجه الرواية الثانية أنه مغمى عليه أدرك وقت الظهر والعصر فلزمه الاتيان بهما وانما قدمت عليها الفائتة للترتيب لا لأن الوقت مختص أو لك لا يسقط فرض الظهر والعصر (٥). قال فى الطراز: وان أغمى على من يؤذن فى بعض الأذان أو جن ثم أفاق بنى فيما قرب، وقال أشهب رحمه الله تعالى: ان رعف مقيم أو أحدث أو مات أو أغمى عليه ابتدأ فان بنى هو أو غيره أجزأ (٦).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه لا قضاء على شخص ذى اغماء اذا أفاق لحديث «رفع القلم عن ثلاث» عن الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يبرأ، صححه ابن حيان والحاكم، فورد النص فى المجنون وقيس عليه كل من زال عقله بسبب يعذر فيه، وسواء قل زمن ذلك أو طال، وانما وجب قضاء الصوم على من أغمى عليه جميع النهار لمشقة قضاء الصلاة لأنها قد تكثر بخلاف الصوم، نعم يسن للمغمى عليه والمجنون ونحوهما القضاء. بخلاف ذى الاغماء المتعدى به اذا أفاق فانه يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات زمن ذلك لتعديه (٧) ولو أغمى عليه أول الوقت واستغرق باقيه وجبت تلك
стр. 5860
الصلاة لا الثانية التى تجمع معها ان أدرك من عرض له الاغماء قبل عروضه قدر الفرض أخف ممكن ولو مقصورا لمسافر ووقت طهر لا يصح تقديمه عليه كتيمم لتمكنه من الفعل فى الوقت فلا يسقط بما يطرأ بعده كما لو هلك النصاب بعد الحول وامكان الأداء فان الزكاة لا تسقط وكذا لو خلا عن الموانع فى أثناء الوقت القدر المذكور.
وانما لم تجب الصلاة الثانية التى تجمع معها اذا خلا من الموانع ما يسعها لأن وقت الأولى لا يصلح للثانية الا اذا صلاهما جمعا بخلاف العكس، وأيضا وقت الأولى فى الجمع وقت للثانية تبعا بخلاف العكس بدليل عدم وجوب تقديم الثانية فى جمع التقديم وجواز تقديم الأولى بل وجوبه على وجه فى جمع التأخير، أما الطهارة التى يمكن تقديمها على الوقت فلا يعتبر مضى زمن يسعها وان لم يدرك قدر الفرض كما وصفنا فلا وجوب فى ذمته لعدم التمكن من فعلها كما لو هلك النصاب قبل التمكن (١). وتجب موالاة كلمات الأذان والاقامة لأن ترك الموالاة يخل بالاعلام، ولا يضر بسير اغماء ويسن ان يستأنف فيه (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى أن حكم المغمى عليه فى الصلاة حكم النائم لا يسقط عنه قضاء شئ من الواجبات التى يجب قضاؤها على النائم كالصلاة والصيام لما روى أن عمارا رضى الله تعالى عنه غشى عليه أياما لا يصلى فاستيقظ ثم استفاق بعد ثلاث فقال: هل صليت؟ فقيل له: ما صليت منذ ثلاث، فقال: أعطونى وضوءا فتوضأ ثم صلى تلك الليلة.
وروى أبو مجلز أن سمرة بن جندب رضى الله تعالى عنه قال: المغمى عليه اذا ترك الصلاة يصلى مع كل صلاة صلاة مثلها، قال: قال عمران زعم ولكن ليصليهن وروى الأثرم رحمه الله تعالى هذين الحديثين فى سننه، وهذا فعل الصحابة وقولهم ولا يعرف لهم مخالف فكان اجماعا، ولأن الأغماء لا يسقط فرض الصيام ولا يؤثر فى استحقاق الولاية على المغمى عليه فأشبه النوم.
أما ما روى من أن عائشة رضى الله تعالى عنها سألت رسول الله ﷺ عن الرجل يغمى عليه فيترك الصلاة فقال رسول الله ﷺ : ليس من ذلك قضاء الا أن يغمى عليه فيفيق فى وقتها فيصليها، فحديث باطل يرويه الحاكم بن سعد وقد نهى أحمد رحمه الله تعالى عن حديثه وضعفه ابن المبارك وقال البخارى: تركوه وفى اسناده أيضا خارجة بن مصعب وهو ضعيف أيضا. ولا يصح قياس المغمى عليه على المجنون لأن المجنون تتطاول مدته غالبا وقد رفع القلم عنه ولا يلزمه صيام ولا شئ من أحكام التكليف وتثبيت الولاية عليه ولا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والاغماء بخلافه، وما لا يؤثر فى اسقاط الخمس لا يؤثر فى اسقاط الزائد عليها كالنوم. ومن شرب دواء فزال عقله به نظر فان كان زوالا لا يدوم كثيرا فهو كالاغماء وان كان يتطاول فهو كالمجنون، وأما السكر ومن شرب محرما يزول عقله وقتا دون وقت فلا يؤثر فى اسقاط التكليف وعليه قضاء ما فاته فى حال زوال عقله لا نعلم فيه خلافا، ولأنه اذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح فبالسكر المحرم أولى (٣). ولو أغمى على من يؤذن فى أثناء أذانه أو أصابه جنون يقطع الموالاة بطل أذانه.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا صلاة على مجنون ولا مغمى عليه ولا حائض ولا نفساء، ولا قضاء على واحد منهم الا ما أفاق المجنون والمغمى عليه أو طهرت
стр. 5861
الحائض والنفساء فى وقت أدركوا فيه بعد الطهارة الدخول فى الصلاة. برهان ذلك قول رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة» فذكر المجنون حتى يفيق، أما المغمى عليه فلما روينا عن عمار بن ياسر رضى الله تعالى عنه أن المغمى عليه يقضى، وقال سفيان:
يقضى ان أفاق عند غروب الشمس الظهر والعصر فقط، وقد صح عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما خلاف قول عمار على أن الذى روينا عن عمار انما هو أنه أغمى عليه أربع صلوات فقضاهن، كما روينا عن نافع باسناده أن ابن عمر اشتكى مرة غلب فيها على عقله حتى ترك الصلاة ثم أفاق فلم يصل ما ترك من الصلاة، وعن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه قال اذا أغمى على المريض ثم عقل لم يعد الصلاة. قال على بن حزم: المغمى عليه لا يعقل ولا يفهم فالخطاب عنه مرتفع، واذا كان كل من ذكرنا غير مخاطب بها فى وقتها الذى الزم الناس أن يؤدوها فيه فلا يجوز أداؤها فى غير وقتها لأنه لم يأمر الله تعالى بذلك، وصلاة لم يأمر الله تعالى بها لا تجب (١). وأما من سكر حتى خرج وقت الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها أو نسيها حتى خرج وقتها ففرض على هؤلاء خاصة أن يصلوها أبدا، قال الله «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ٢» فلم يبح الله تعالى للسكران أن يصلى حتى يعلم ما يقول، وحدثنا عبد الله بن ربيع باسناده عن أبى قتادة أن رسول الله ﷺ قال: انه ليس فى النوم تفريط انما التفريط فى اليقظة، فاذا نسى أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها اذا ذكرها (٣).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أنه لا تجب الصلاة على مجنون أو ما فى حكمه كالسكران والمغمى عليه، فاذا أفاق المغمى عليه لا يقضى ما فاته (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أنه لو أغمى على المؤذن للصلاة فى خلال الأذان ثم أفاق استحب له أن يستأنفه، ويجوز له البناء (٥). واذا أغمى على من يجب عليه الصلاة فى جميع وقت الصلاة لم يلزمه قضاؤها، وان أغمى عليه أياما استحب له قضاء يوم وليلة، وروى أنه يستحب له قضاء ثلاثة أيام وذلك لأن القضاء فرض ثان والأصل براءة الذمة وأما ما روى أن المغمى عليه يقضى ثلاثة أيام أو يوما وليلة فمحمول على الاستحباب (٦). واذا أدرك المصلى من أول وقت الظهر دون أربع ركعات ثم غلب على عقله بجنون أو اغماء أو حاضت المرأة أو نفست لم يلزمهم الظهر واليه ذهب جميع أصحاب الشافعى الا أبا يحيى البلخى فانه قال يجب عليه صلاة الظهر قياسا على من لحق ركعة من آخر الوقت، دليلنا اجماع الفرقة فانهم لا يختلفون فى أن من لم يدرك من أول الوقت مقدار ما يؤد الفرض فيه لم يلزمه قضاؤه (٧). واذا أدرك من أول الوقت مقدار ما يصلى فيه أربع ركعات ثم جن أو أغمى عليه لزمه قضاؤه واذا لحق مقدار ما يصلى فيه ثمان ركعات لزمه الظهر والعصر معا لما ذكرنا من أن وقت العصر يلى وقت الظهر، وانه اذا زالت الشمس فانه يختص الظهر مقدار أن يصلى أربع
стр. 5862
ركعات وما بعد ذلك مشترك بينه وبين العصر، واذا ثبت ذلك فهذا قد أدرك وقت العصر فاذا لم يصل فيه فينبغى أن يجب عليه القضاء بالاجماع، ومن خالف فى ذلك انما بناه على أن وقت العصر لم يدخل بعد. وجاء فى جواهر الكلام أن الصلاة لا تبطل قطعا لو اعرض للمنصوب للصلاة ما يبطل الصلاة من اغماء أو حدث، للأصل وغيره لكن فى التذكرة لو أحدث الامام فى صلاة الجمعة أو غيرها أو خرج بسبب آخر جاز أن يستخلف غيره ليتم بهم الصلاة عند علمائنا (١) ثم لا فرق فى سبب الاغماء بين الآفة السماوية وفعل المكلف لاطلاق النصوص وبعض الفتاوى خلافا للذكرى حيث أوجب القضاء فى الثانى دون الأول، ونسبه - كما روى عن غيره الى الأصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه وتبعه عليه بعض من تأخر عنه بل لعله ظاهر السرائر حيث قيد عدم وجوب القضاء بما اذا لم يكن هو السبب فى دخوله عليه بمعصية يرتكبها، وكيف كان فمستنده أعلى الظاهر انصراف الاطلاق الى المتبادر المتعارف، سيما مع اشتمال جملة من نصوص الاغماء على قوله ﵇: كل ما غلب الله تعالى عليه فهو أولى بالعذر، فيبقى غيره حينئذ مندرجا فى عموم قوله ﵇: من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته واستحسنه فى الرياض لولا ما يظهر من الفوات من تحقق الخطاب بالفعل ثم يفوت وهو مفقود فى المقام، وفيه أولا منع عدم تحقق الخطاب فى لا يقبح معاملته معاملة المقدور المتعلق به الاختيار، لا تصح معاملته معاملة لمقدور المتعلق به الاختيار، وثانيا منع توقف صدق اسم الفوات على تحقق الخطاب فى نحو ما نحن فيه، بل أقصاه توقفه على عدم النهى كالحائض ونحوها على اشكال فالأولى فى رد الشهيد حينئذ اطلاق النصوص بعد منع الانصراف. اللهم الا أن يثبت اجماع وكأنه أخذ مما ذكر من وجوب القضاء على من زال عقله بسبب منه كشرب المسكر وعلى كل حال فالمتجه اختصاص ذلك بما لو علم ترتب الاغماء على فعله أو بالمعصية التى أشار اليها فى السرائر (٢).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن قضاء الصلاة يلزم من جن أو أغمى عليه فى الوقت ولو فى اللحظة الأولى منه وأفاق بعده، وقيل لا الا أن ذهب من الوقت مقدار ما يصلى فيه مع ما لزمه من الوظائف ولم يصل وهو ذاكر غير ممنوع وان ذهب منه مقدار ما يتطهر لها بشروطها ووظائفها ولم يتطهر أو تطهر فجن أو أغمى عليه فلا اعادة عليه عند بعض، وفى الجنون أو الاغماء الذى قبله الزائل بعده قولان، والراجح عدم اللزوم لأن الصلاة يكلف بها فى وقتها وهذا دخل عليه وقتها وهو غير مكلف ولم يكن بحال تكليف حتى خرج وكذا النائم بعد الوقت حتى خرج الا أن نام قبله لئلا يصلى فانها تلزمه، وان جن أو أغمى عليه قبل الوقت وأفاق آخره فقيل أن بقى مقدار ما يصلى بوظائف الصلاة كوضوء وكاستنجاء ان لزمه وكاغتسال ان لزمه فهى لازمة له وان بقى أقل لم تلزمه، وقيل ان بقى مقدارها بدون ما لزمه من وظائفها لم تلزمه وقيل ان بقى مقدار ركعة لزمته وقيل ان بقى أقل قليل لزمته وكذا الخلاف ان جن أو أغمى عليه قبل مقدار ما يصلى على قول من لا يلزمه ثم أفاق آخره وان علم المجنون أو المغمى عليه أنه بقى من عقله ما يصلى به بتكييف أو بتكبير وأطاق لزمه أن يصلى فى حينه بما أطاق من ذلك (٣) وان أغمى على الامام أو غشى بطلت عليه لانتقاض وضوئه بالاغماء ومضى فيها من خلفه وحكم اغمائه كحكم موته (٤).
стр. 5863
أثر الإغماء فى الصيام
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع قال عامة مشايخنا ان الافاقة ليست من شرائط وجوب الصيام ويجب صوم رمضان على المغمى عليه لكن أصل الوجوب لا وجوب الأداء بناء على أن عندهم الوجوب نوعان أحدهما أصل الوجوب - وهو اشتغال الذمة بالواجب وانه ثبت بالأسباب لا بالخطاب ولا تشترط القدرة لثبوته بل ثبت جبرا من الله تعالى شاء العبد أو أبى - والثانى وجوب الأداء وهو اسقاط ما فى الذمة وتفريقها من الواجب وأنه ثبت بالخطاب وتشترط له القدرة على فهم الخطاب وعلى أداء ما تناوله الخطاب لأن الخطاب لا يتوجه الى العاجز عن فهم الخطاب ولا العاجز عن فعل ما تناوله الخطاب، والمغمى عليه لعجزه عن استعمال عقله عاجز عن فهم الخطاب وعن أداء ما تناوله الخطاب فلا يثبت وجوب الأداء فى حقه ويثبت أصل الوجوب فى حقه لأنه لا يعتمد القدرة بل يثبت جبرا، وتقرير هذا الأصل معروف فى أصول الفقه وفى الخلافيات. وقال أهل التحقيق من مشايخنا بما وراء النهر ان الوجوب فى الحقيقة نوع واحد وهو وجوب الأداء فكل من كان من أهل الأداء كان من أهل الوجوب ومن لا فلا - وهو اختيار أستاذى الشيخ علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندى رضى الله تعالى عنه - لأن الوجوب المعقول هو وجوب الفعل كوجوب الصوم والصلاة وسائر العبادات ومن لم يكن من أهل أداء الفعل - الواجب وهو القادر على فهم الخطاب والقادر على فعل ما يتناوله الخطاب لا يكون من أهل الوجوب ضرورة والمغمى عليه عاجز عن فهم الخطاب بالصوم وعن أدائه اذ الصوم الشرعى هو الامساك لله تعالى ولن يكون ذلك بدون النية والمغمى عليه ليس من أهل النية فلم يكن من أهل الأداء فلم يكن من أهل الوجوب.
والذى دعا الأولين الى القول بالوجوب فى حق المغمى عليه وغيره ما انعقد الاجماع عليه من وجوب القضاء على المغمى عليه بعد الافاقة بعد مضى بعض الشهر أو كله، فقالوا ان وجوب القضاء يستدعى فوات الواجب المؤقت عن وقته مع القدرة عليه وانتفاء الحرج فلا بد من الوجوب فى الوقت ثم فواته حتى يمكن ايجاب القضاء فاضطرهم ذلك الى اثبات الوجوب فى حال الاغماء، وقال الآخرون: ان وجوب القضاء لا يستدعى سابقية الوجوب لا محالة وانما يستدعى فوت العبادة عن وقتها والقدرة على القضاء من غير حرج، ولذلك اختلفت طرقهم فى المسئلة (١). ولو أفاق المغمى عليه فى نهار رمضان قبل الزوال فنوى الصوم اجزاه عن رمضان بلا خلاف بين أصحابنا (٢).
جاء فى التاج (٣) والاكليل: أن من شروط الصيام وصحة فعله العقل، قال ابن القاسم رحمه الله تعالى نقلا عن المدونة من أغمى عليه ليلا فى رمضان وقد نوى صوم ذلك اليوم فلم يفق الا عند المساء وبعد ما أضحى لم يجزه صوم ذلك اليوم ويقضيه وأما من أغمى عليه جل اليوم ففى المدونة قال مالك رضى الله تعالى عنه: من أغمى عليه قبل طلوع الشمس فأفاق عند الغروب لم يجزه صومه لأنه أغمى عليه أكثر النهار، وأما من أغمى عليه أقل اليوم ولم يسلم أوله ففى المدونة أن من نوى صوم ذلك اليوم فلم يفق الا بعد ما أضحى لم يجزه صوم ذلك اليوم. قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: ومن أغمى عليه قبل الفجر فلم يفق الا بعده لم يجزه صوم ذلك اليوم بخلاف النائم لو نام قبل الفجر فانتبه قبل الغروب
стр. 5864
فانه يجزئه صومه، ولو كان ذلك الاغماء لمرض به لم يجزه صومه قال ابن يونس رحمه الله تعالى لأن المغمى عليه غير مكلف فلم تصلح له نية والنائم مكلف لو نبه انتبه، وجاء فى المدونة أن من أغمى عليه بعد أن أصبح ونيته الصوم فأفاق نصف النهار وأغمى عليه وقد مضى أكثر النهار أجزأه صوم ذلك اليوم، وروى - الخطاب عن ابن عبد السلام رحمه الله تعالى أن الاغماء ان كان فى أقل النهار مع سلامة أوله فلا أثر له كالنوم وذلك لكثرته فى الناس بخلاف الجنون لقلته وظاهر كلام صاحب الطراز أن حكم الجنون والاغماء سواء فقد قال فى باب الاعتكاف اذا أغمى عليه أو جن وكان فى عقله حين الفجر أو أكثر النهار ولم يخرج من المسجد حتى دخل الليل يجزئه عكوفه ذلك اليوم على ما مر فى صحته صومه (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أن الصوم لا يجب على المغمى عليه لأن العقل شرط وجوب صوم رمضان (٢). وجاء فى المهذب أنه اذا نوى انسان الصوم من الليل ثم أغمى عليه جميع النهار لم يصح صومه وعليه القضاء، وقال المزنى رحمه الله تعالى يصح صومه كما لو نوى الصوم ثم نام جميع النهار، والدليل على أن الصوم لا يصح أن الصوم نية وترك ثم لو انفرد الترك عن النية لم يصح فاذا انفردت النية عن الترك لم يصح، وأما النوم فان أبا سعيد الاصطخرى ﵀ قال اذا نام جميع النهار لم يصح صومه كما لا يصح اذا أغمى عليه جميع النهار والمذهب انه يصح صومه اذا نام، والفرق بين النوم وبين الاغماء ان النائم ثابت العقل لأنه اذا نبه انتبه والمغمى عليه بخلافه، ولأن النائم كالمستيقظ ولهذا ولايته ثابتة على ماله بخلاف المغمى عليه وان نوى الصوم ثم أغمى عليه فى بعض النهار فقد قال فى كتاب الظهار ومختصر البويطى اذا كان فى أوله مفيقا صح صومه، وقال فى كتاب الصوم اذا أفاق فى بعضه أجزأه وقال فى اختلاف أبو حنيفة وابن أبى ليلى: اذا كانت صائمة فأغمى عليها أو حاضت بطل صومها وخرج أبو العباس رحمه الله تعالى قولا آخر أنه ان كان مفيقا فى طرفى النهار صح صومه فمن أصحابنا من قال المسئلة على قول واحد أنه يعتبر أن يكون مفيقا فى أول النهار وتأول ما سواه من الأقوال على هذا، ومن أصحابنا من قال فيه أربعة أقوال، أحدهما أنه تعتبر الافاقة فى أوله كالنية تعتبر فى أوله. والقول الثانى منها أنه تعتبر الافاقة فى طرفيه كما أن فى الصلاة يعتبر القصد فى الطرفين فى الدخول والخروج ولا يعتبر فيما بينهما. والقول الثالث: أنه تعتبر الافاقة فى جميعه فاذا أغمى عليه فى بعضه لم يصح صومه لأنه معنى اذا طرأ أسقط فرض الصلاة فأبطل الصوم كالحيض. والقول الرابع: أنه تعتبر الافاقة فى جزء منه ولا أعرف له وجها.
وان نوى الصوم ثم جن ففيه قولان: قال فى الجديد: يبطل الصوم لأنه عارض يسقط فرض الصلاة فأبطل الصوم كالحيض، وقال فى القديم:
هو كالاغماء لأنه يزيل العقل والولاية فهو كالاغماء (٣). قال صاحب مغنى المحتاج: ويجب قضاء ما فات بالاغماء لأنه نوع مرض فاندرج تحت قول الله ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر (٤) وخالف الصلاة للمشقة فيها بتكررها وخالف الجنون لأنه أخف منه. ولو صب ماء فى حلق صائم وهو مغمى عليه لم يفطر لانتفاء الفعل والقصد منه (٥).
стр. 5865
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى أن الصائم متى أغمى عليه جميع النهار فلم يفق فى شئ منه لم يصح صومه فى قول امامنا لأن الصوم هو الامساك مع النية، قال رسول الله ﷺ : يقول الله تعالى كل عمل ابن آدم له الا الصيام فانه لى وأنا أجزى به يدع طعامه وشرابه من أجلى. متفق عليه، فأضاف ترك الطعام والشراب اليه فاذا كان مغمى عليه فلا يضاف الامساك اليه فلم يجزئه، ولأن النية أحد ركنى الصوم فلا تجزئ وحدها كالامساك وحده وأما ما يقال من أن الاغماء كالنوم فمردود لأن النوم عادة وهو لا يزيل الاحساس بالكلية، ومتى نبه النائم انتبه، أما الاغماء فعارض وهو يزيل العقل فأشبه الجنون. ومتى فسد الصوم بالاغماء فعلى المغمى عليه القضاء بغير خلاف علمناه لأن مدته لا تتطول غالبا ولا تثبت الولاية على صاحبه فلم يزل التكليف به وقضاء العبادات كالنوم. ومتى أفاق المغمى عليه فى جزء من النهار صح صومه سواء كان فى أوله أو فى آخره لأن الافاقة حصلت فى جزء من النهار فأجزأ كما لو وجدت فى أوله خلافا للشافعى رحمه الله تعالى حيث قال فى أحد قوليه: تعتبر الافاقة فى أول النهار ليحصل حكم النية فى أوله وانما خالفنا فى ذلك لأن النية قد حصلت من الليل فيستغنى عن ذكرها فى النهار كما لو نام أو غفل عن الصوم ولو كانت النية انما تحصل بالافاقة فى النهار لما صح منه صوم الفرض بالافاقة لأنه لا يجزئ بنية من النهار (١).
مذهب الظاهرية (٢):
جاء فى المحلى أن من أغمى عليه أو جن بعد أن نوى الصوم من الليل لا يكون مفطرا بالاغماء عليه لكنه فيه غير مخاطب وقد كان مخاطبا به فان أفاق فى ذلك اليوم أفى فى يوم بعده من أيام رمضان فانه ينوى الصوم من حينه ويكون صائما لأنه حينئذ علم بوجوب الصوم عليه، وكذلك من جن أو أغمى عليه قبل غروب الشمس فلم يفق الا من الغد وقد مضى اكثر النهار، وذلك لأننا تأملنا ما رواه على بن ابى طالب كرم الله تعالى وجهه عن رسول الله ﷺ «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل» فوجدناه ليس فيه الا أنه غير مخاطب فى حال جنونه حتى عقل وليس فى ذلك بطلان صومه الذى لزمه قبل جنونه ولا عودته عليه بعد افاقته، وكذلك المغمى عليه.
ووجدنا المجنون لا يبطل جنونه ايمانه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا ظهاره ولا ايلاءه ولا حجه ولا احرامه ولا بيعه ولا هبته ولا شيئا من أحكامه اللازمة له قبل جنونه ووجدنا ذهوله عن كل ذلك لا يوجب بطلان شئ من ذلك فقد يذهل الانسان عن الصوم والصلاة حتى يظن أنه ليس مصليا ولا صائما فيأكل ويشرب ولا يبطل بذلك صومه ولا صلاته، بهذا جاءت السنن على ما ذكرنا فى الصلاة وغيرها وكذلك المغمى عليه ولا فرق فى كل ذلك ولا يبطل الجنون والاغماء الا ما يبطل النوم من الطهارة بالضوء وحده فقط، وأيضا فان من نوى الصوم كما أمره الله ثم جن أو أغمى عليه فقد صح صومه بيقين من نص واجماع فلا يجوز بطلانه بعد صحته الا بنص أو اجماع ولا اجماع فى ذلك أصلا.
أما حكم من جن أو أغمى عليه أو سكر أو نام قبل غروب الشمس فلم يفق ولا صحا ولا انتبه
стр. 5866
ليلته كلها والغد كله الى بعد غروب الشمس أيقضيه أم لا؟ نظرنا فوجدنا القضاء ايجاب شرع والشرع لا يجب الا بنص فلم نجد ايجاب القضاء فى النص الا على أربعة: المسافر والمريض - والحائض والنفساء والمتعمد للقئ بالسنة ولا مزيد، ووجدنا النائم والسكران والمجنون المطبق عليه ليسوا مسافرين ولا متعمدين للقئ ولا حيضا ولا من ذوات النفاس ولا مرضى فلم يجب عليهم القضاء أصلا ولا خوطبوا بوجوب الصوم عليهم فى تلك الأحوال بل القلم مرفوع عنهم بالسنة، ووجدنا المصروع والمغمى عليه مريضين بلا شك لأن المرض هى حال مخرجة للمرء عن حال الاعتدال - وصحة الجوارح والقوة الى الاضطراب وضعف الجوارح واعتلالها وهذه صفة المصروع والمغمى عليه بلا شك ويبقى وهن ذلك وضعفه عليهما بعد الافاقة مدة فاذ هما مريضان فالقضاء عليهما بنص القرآن. وليس قولنا بسقوط الصلاة عن المغمى عليه الا ما أفاق فى وقته منها وبقضاء النائم للصلاة - مخالفا لقولنا هنا. بل هو موافق لأن ما خرج وقته للمغمى عليه فلم يكن مخاطبا بالصلاة فيه ولا كان أيضا مخاطبا بالصوم ولكن الله تعالى أوجب على المريض عدة من أيام أخر ولم يوجب تعالى على المريض قضاء صلاة وأوجب قضاء الصلاة على النائم والناسى ولم يوجب تعالى قضاء صيام على النائم والناسى بل أسقطه تعالى عن الناسى والنائم اذ لم يوجبه عليه. ومن أفاق بعد ما تبين الفجر له أكل باقى نهاره واستأنف الصوم من غد ثم يقضى (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار أن المذهب على ان الاغماء فى الصوم كالمرض فيجب على المغمى عليه أن يقضى صومه، وجاء فى حواشى شرح الأزهار:
قال المفتى أما قولهم ان الجنون والاغماء مرض فضعيف اذ لا خطاب على من زال عقله بخلاف المريض فينظر فى وجه الوجوب والقضاء عندنا بأمر جديد (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى العروة الوثقى أن من شرائط وجوب الصوم عدم الاغماء فلا يجب مع الاغماء الصوم، ولو حصل الاغماء فى جزء من النهار. نعم لو كان نوى الصوم قبل الاغماء فالأحوط أن يتمه وقال فى الحاشية: بل لا يخلو وجوبه من قوة. أما لو صحا قبل الزوال فالأحوط له تجديد النية والاتمام.
ولا يجب على من أفطر بسبب الاغماء أن يقضى ما فات منه وقت اغمائه سواء نوى الصوم قبل الاغماء أم لم ينو (٣). ويستحب للمغمى عليه اذا أفاق فى أثناء نهار رمضان أن يمسك تأدبا وان لم يكن صوما (٤).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أن فى حكم المغمى عليه قولين أحدهما: أنه كالمجنون فلا يقضى ما فاته من صوم رمضان فى أثناء اغمائه، والقول الثانى:
أنه كالمريض والنائم فيجب عليه أن يقضى ما فاته، وثانى القولين: اختيار ظاهر الديوان. ومنشأ هذا الخلاف راجع الى حقيقة الاغماء هل هو زوال عقل كالمجنون أو هو خمود عقل وكونه داخلا لخلل فى البدن فيكون كالنوم والمرض
стр. 5867
وما تقدم فى القولين فى حكم المغمى عليه متعلق بمن يغمى عليه فى رمضان كله أو فى أيام منه أو فى يومين، وأما فى يوم واحد ففيه أقوال أحدها أنه يكون مفسدا للصوم مطلقا والثانى أنه غير مفسد مطلقا ان بيت النية من الليل والثالث أنه يفرق بين أن يغمى على شخص قبل الفجر أو بعده، واذا أغمى عليه بعد الفجر فأما أن يكون بعد مضى أكثر النهار أو أقله فعلى القول الأول يجب أن يقضى كل يوم وقع الاغماء فيه، وعلى القول الثانى لا يجب القضاء الا أن أفطر بأكل أو شرب أو جماع أو نحو ذلك وان لم يبيت النية من الليل، والمفسد له ان أغمى عليه قبل الفجر أوجب قضاء كل يوم طلع فجره على من لا يعقل صومه وهذا أحوط لشروعه فيه مع الفجر بلا عقل ولا نية ولو نوى قبل ذلك لكنه عند الفجر لا نية له لزوال عقله ولا يصدق عليه أنه مستصحب لها ولا يصدق عليه أنه فاعل للصوم، ولا يرد على ذلك بأن الذهول لا يفسد الصوم اذا كانت النية من الليل، ولا بأن النوم لا يفسده لأن الذهول أمر كثير لا يطيق أحد عدمه ولأن النوم مباح جاز فعله عمدا وجعل الله لنا فيه راحة والفرق بين أكثر النهار وأقله أوجب الفساد بالأكثر لا بالأقل أو النصف، وحكم الأكثر عنده كالكل بخلاف الأقل والنصف. والمجنون كالمغمى عليه فى بعض ما ذكر وهو أنه ان طلع عليه الفجر وهو لا يعقل أبدل ما أصبح فيه مجنونا. والواضح أنه ان نوى الصوم ليلا وأغمى عليه بعد ذلك أو جن أو نام ولم يحدث ما يبطل الصوم صح صومه، واختار بعضهم أنه ان زال عقله سنة فلا بدل عليه واختار بعضهم فى النائم الى الغروب أن عليه القضاء والصحيح ان لا قضاء عليه ان كان نيته من الليل ولم يحدث مبطلا الا أن اتصل نومه يومين فانه يعيد الثانى عند من يشترط التجديد للنية كل ليلة. وقال الشيخ يحيى رحمه الله تعالى: المغمى عليه يوما أو يومين أو أكثر يعيد الصوم وقيل الصلاة وقيل اياهما وقيل لا يعيد واحدا منهما، وقيل ان أغمى عليه فى أول النهار وصحا فى آخره أعاد اليوم ولا يعيد فى العكس وقيل اذا أغمى عليه فى وقت ما من النهار. أعاد (١) اليوم.
أثر الاغماء فى الاعتكاف
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع ان نفس الاغماء لا يفسد الاعتكاف بلا خلاف حتى لا ينقطع التتابع ولا يلزمه ان يستقبل الاعتكاف اذا أفاق وان أغمى عليه أياما فسد اعتكافه وعليه اذا برأ أن يستقبل لأنه لزمه متتابعا وقد فاتت صفة التتابع فيلزمه الاستقبال كما فى صوم كفارة الظهار (٢).
مذهب المالكية:
جاء فى الشرح الكبير وحاشية الدسقوقى عليه أن الاغماء اذا طرا على الاعتكاف فان كان الاعتكاف نذرا معينا من رمضان أو نذرا غير معين بطل اعتكافه فاذا أفاق أتى ببدل ما حصل فيه الاغماء وكمل نذره سواء طرأ الاغماء قبل الشروع فى الاعتكاف أو بعده أو مقارنا له. وان كان الاعتكاف نذرا معينا بغير رمضان فان طرأ الاغماء قبل الشروع فى الاعتكاف أو مقارنا له فلا يجب القضاء، وان طرأ بعد الشروع وجب القضاء متصلا، اما ان كان الاعتكاف تطوعا معينا بالملاحظة أو غير معين فلا قضاء عليه سواء طرأ الاغماء قبل الشروع فيه أو بعده أو مقارنا له (٣).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه لا يصح اعتكاف المغمى عليه لعدم صحة نيته، ومحل ذلك اذا
стр. 5868
كان الاغماء فى الابتداء، أما لو طرأ عليه فى أثناء اعتكافه فانه لا يبطل ويحسب زمنه من اعتكافه المتتابع كما فى الصائم اذا أغمى عليه بعض النهار (١). وجاء فى المجموع أن المعتكف اذا أغمى عليه فى الاعتكاف فان لم يخرج من المسجد فأفاق فاعتكافه باق لا يبطل، قال المتولى رحمه الله تعالى: والمذهب أن زمان الاغماء محسوب من الاعتكاف كما ذكرنا فى الصائم اذا اغمى عليه بعض النهار، قال وفيه وجه آخر وهو انه لا يحسب ذلك الزمان من الاعتكاف تخريجا من قولنا فى الصائم اذا أغمى عليه يبطل وبهذا الوجه قطع صاحب الجاوى، قال بخلاف ما اذا نام المعتكف فانه يحسب زمان نومه كالمستيقظ فى جريان الأحكام عليه. هذا اذا لم يخرجه أهله من المسجد أما اذا أخرجوه فلا ينقطع بتابع اعتكافه لأنه لم يخرج باختياره، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور، وقال المتولى وآخرون: هو كالمريض ان خيف تلويث المسجد منه لم يبطل تتابعه بالاخراج والا ففيه قولان أصحهما لا يبطل، أما اذا جن فان لم يخرجه وليه من المسجد حتى أفاق لم يبطل اعتكافه قال المتولى رحمه الله تعالى، لكن لا يحسب زمان الجنون من اعتكافه لأن العبادات البدنية لا تصح من المجنون أداؤها فى حال الجنون فان أخرجه المولى فان كان لا سبيل الى حفظه فى المسجد لم يبطل تتابع اعتكافه بلا خلاف وان كان يمكن حفظه قال المتولى فهو كالمريض فيكون فيه الخلاف والمذهب انه لا ينقطع تتابعه وهو الجارى على القاعدة (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن الاعتكاف لا يبطل بالاغماء كما لا يبطل بالنوم بجامع بقاء التكليف (٣). وجاء فى المغنى والشرح الكبير أنه ان تعذر على المعتكف أن يقيم فى المسجد لمرض لا يمكنه المقام معه فيه كالقيام المتدارك أو سلس البول أو الاغماء، أو لا يمكنه المقام الا بمشقة شديدة مثل ان يحتاج الى خدمة وفراش فله الخروج واذا خرج ثم زال عذره نظرنا فان كان اعتكافه تطوعا فهو مخيرا ان شاء رجع الى معتكفه وان شاء لم يرجع اليه وان كان اعتكافه واجبا رجع الى معتكفه فبنى على ما مضى من اعتكافه (٤).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يبطل الاعتكاف شئ الا خروج المعتكف عن المسجد لغير حاجة عامدا ذاكرا لأنه قد فارق العكوف وتركه، وبماشرة المرأة فى غير الترجيل لقوله الله «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» (٥).
وتعمد معصية الله أى معصية كانت لأن العكوف الذى ندب الله اليه هو الذى لا يكون على معصية، ولا شك عند أحد من أهل الاسلام فى أن الله حرم العكوف على المعصية فمن عكف فى المسجد على معصية فقد ترك العكوف على الطاعة
стр. 5869
فبطل عكوفه (١). ومن عصى ناسيا أو خرج ناسيا أو مكرها أو باشر أو جامع ناسيا أو مكرها فالاعتكاف تام لا يقدح كل ذلك فيه شيئا لأنه لم يعمد الى ابطال اعتكافه وقد صح عن رسول الله ﷺ «رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٢).
مذهب الإمامية:
جاء فى العروة الوثقى أن الاعتكاف لا يصح من المجنون ولو كان جنونه أدوارا فى دوره ولا من السكران وغيره من فاقدى العقل (٣).
أثر الاغماء فى الحج
مذهب الحنفية:
جاء فى الفتاوى الهندسية أن من أغمى عليه فأهل عنه - رفقاؤه جاء ذلك عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى وقال صاحباه لا يجوز ذلك.
ولو أمر انسان انسانا بأن يحرم عنه اذا أغمى عليه أو نام فأحرم المأمور عنه صح بالاجماع حتى لو أفاق أو استيقظ وأتى بأفعال الحج جاز كذا فى الهداية، ولا يلزم النائب أن يتجرد عن المخيط حال احرامه عن المغمى عليه كذا فى البحر الرائق، واختلفوا فيما لو استمر مغمى عليه الى وقت أداء الأفعال هل يجب أن يشهدوا به المشاهد فيطاف به ويسعى ويوقف أو لا يجب شئ من ذلك بل مباشرة الرفقة لذلك عنه تجزيه؟ اختار طائفة الأول واختار آخرون الثانى، وجعله فى المبسوط الأصح، كذا فى فتح القدير.
وان أحرم عنه أو طاف به أو رمى عنه من ليس من رفقته ففيه خلاف قيل لا يجزيه وقيل يجزيه، كذا فى محيط السرخسى، وروى عيسى بن أبان فى المنتقى عن محمد رحمه الله تعالى أنه لو أحرم رجل بالحج وهو صحيح ثم أصابه عته فقضى به أصحابه المناسك ووقفوا به فلبث كذلك سنين ثم أفاق أجزأه ذلك عن حجة الاسلام قال:
وكذلك الرجل اذا قدم مكة وهو صحيح أو مريض الا أنه يعقل فأغمى عليه بعد ذلك فحمله أصحابه وهو مغمى عليه وطافوا به فلما قضوا الطواف أو بعضه وقد أغمى عليه ساعة من نهار ولم يتم ذلك يوما أجزأه ذلك عن طوافه كذا فى المحيط، وذكر الاسبيجابى رحمه الله تعالى أن من طيف به محمولا أجزأ ذلك الطواف عن الحامل جميعا سواء نوى الحامل الطواف عن نفسه وعن المحمول أو لم ينو أو كان للحامل طواف العمرة وللمحمول طواف الحج أو بالعكس، ولو كان الحامل ليس بمحرم فللمحمول عما أوجبه احرامه، كذا فى البحر الرائق وهكذا فى شرح الطحاوى، ولو أن مريضا لا يستطيع الطواف فطاف به أصحابه وهو نائم فان كان لم يأمرهم بذلك لا يجزيه وان كان أمرهم ثم نام أجزأه، وكذلك اذا دخلوا به الطواف أو وجهوه نحوه فنام فطافوا به أجزأه هكذا فى المحيط. ولو استأجروا رجالا فحملوا امرأة فطافوا بها ونووا الطواف أجزأهم ولهم الأجرة وأجزأ المرأة وان نوى الحاملون طلب غريم لهم والمحمولة بعقل وقد نوى الطواف أجزأ المحمول دون الحاملين، وان كان مغمى عليه لم يجزئه كذا فى فتح القدير.
وجاء فى فتاوى قاضيخان أن من اجتاز بعرفات وهو نائم أو مغمى عليه أجزأه عن الوقوف.
ولو أحرم بالحج ثم أغمى عليه وطافوا به حول البيت على بعير وأوقفوه بعرفات ومزدلفة
стр. 5870
ووضعوا الأحجار فى يده ورموا بها وسعوا به بين الصفا والمروة جاز، وروى عن محمد رحمه الله تعالى فى المحرم اذا أغمى عليه ييمم اذا طيف به تشبيها بالمتوضئين (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل أن المغمى عليه لا يحرم عنه وليه ولا غيره فلو أحرم عنه أحد لم يصح احرامه عنه سواء أرادوا أن يحرموا عن المغمى عليه بفريضة أو نافلة وسواء خافوا ان يفوته الحج أم لا كما يفهم ذلك من كلام صاحب الطراز وكما يفهم من كلام المدونة، قال البرازعى رحمه الله تعالى: ومن أتى الميقات وهو مغمى عليه فأحرم عنه أصحابه بحجة أو عمرة أو قران وتمادوا فان أفاق وأحرم بمثل ما أحرموا به عنه أو بغيره ثم أدرك فوقف بعرفة مع الناس أو بعدهم قبل طلوع الفجر من ليلة الفجر أجزأه حجه وأرجو أن لا يكون عليه دم لترك الميقات وأن يكون معذورا وليس ما أحرم عنه أصحابه بشئ وانما الاحرام ما أحرم به هو.
وان لم يقف حتى طلع الفجر من ليلة النحر وقد وقف به أصحاب لم يجزه حجه.
قال ابن يونس رحمه الله تعالى وانما لم يصح أن يحرموا عنه لأن الاحرام هو الاعتقاد بالقلب للدخول فى الحج والعمرة والاعتقادات النيات ولا ينوب فيها أحد عن أحد والمغمى عليه لا تصح منه نية ولا تنعقد عليه عبادة لأنه غير مخاطب بها فى حال اغمائه ولا خلاف فى ذلك.
اذا علم ذلك فمن أغمى عليه عند الاحرام فينتظر فان لم يفق من اغمائه - حتى خرج الوقت - فقد فاته الحج وان أفاق من اغمائه قبل فوات وقت الوقوف فلا يخلوا اما أن يفيق بعرفة أو يفيق قبل يوم عرفة فان أفاق بعرفة أحرم منها حينئذ فان كان ذلك بعد الزوال فانه يلبى ثم يقطع مكانه التلبية على المشهور وقيل يلبى حتى يرمى جمرة العقبة.
وان أفاق قبل يوم عرفة قال سند رحمه الله تعالى فان أمكنه أن يرجع الى الميقات فالأحسن له أن يرجع فان لم يفعل وأحرم من موضعه أجزأه وهل عليه دم؟
قال ابن القاسم رحمه الله تعالى: لا أحفظ فيه عن مالك شيئا وأرجو أن لا يكون عليه شئ وهو بين فان دم مجاوزة الميقات انما يثبت فى حق من يجاوزه مريدا للحج أو للعمرة أو لدخول مكة على خلاف فى الأخيرة.
وهذا اذا لم يكن عند الميقات مريدا أصلا فأشبه المجنون المطيق اذا جاوز به أهله الميقات ثم عوفى فأفاق وأحرم من موضعه لا يختلف فيه أنه لا دم عليه. هذا كله فيمن أغمى عليه قبل الاحرام (٢).
أما من أغمى عليه بعد الاحرام قبل أن يأتى عرفة فوقف به أصحابه فانه يجزيه سواء كان ذلك قبل الزوال أو بعده، قال ابن القاسم رحمه الله تعالى، قال سند لأن الاغماء لا يبطل الاحرام وقد دخل فى نية الاحرام.
ولا بد من أن يقف به أصحابه جزءا من الليل، ولو دفعوا به قبل الغروب لم يجزه عند مالك رحمه الله تعالى، قال فى الطراز وهو ظاهر وهو قول مالك وهو مذهب المدونة وهو المشهور، مقابلة قولان أحدهما: أنه ان أغمى عليه قبل الزوال لم يجزه وان أغمى عليه بعرفة بعد الزوال أجزأه ذلك وان كان ذلك قبل أن يقف
стр. 5871
ولو اتصل حتى دفع به وليس عليه أن يقف ثانية أن أفاق فى بقية ليلته وهذا قول مطرف وابن الماجشون رحمهما الله تعالى.
والقول الثانى: أنه أن حصل الاغماء بعد أن أخذ فى الوقوف يعنى بعد الزوال أجزأه وأما أن وقف به مغمى عليه فلا يجزئه ولو كان ذلك بعد الزوال وعزاه اللخمى رحمه الله تعالى الى الامام مالك فى مختصر ما ليس فى المختصر ولأشهب رحمه الله تعالى فى المدونة.
وحزاه فى الطراز لمن ذكر ولابن نافع رحمه الله تعالى، قال ابن عرفة: وفى أجزاء من وقف به مغمى عليه مطلقا أو أن أغمى عليه بعرفة بعد الزوال ولو بعد وقوفه.
ثالثها: ان أغمى عليه بعدهما لهما وللخمى عن رواية الآخرين وابن شعبان مع أشهب رحمهم الله تعالى، ونقل الأقوال الثلاثة صاحب الطراز ونقلها فى التوضيح وغيره.
واذا قلنا يجزئ المغمى عليه الوقوف ولو كان قبل الزوال فنقل صاحب الطراز عن الموازية أنه لا دم عليه قال سند رحمه الله تعالى: ولو قدم عرفات وهو نائم فى محمله وأقام فى نومه حتى دفع الناس وهو معهم أجزأه وقوفه للمعنى الذى ذكرناه فى المغمى عليه ونقله الشارح فى الكبير.
ومن شرب مسكرا حتى غاب عقله اختيارا أو بشئ أكله من غير علم أو أطعمه أحد ما أسكره وفاته الوقوف لم أر فيه نصا والظاهر أنه ان لم يكن له فى ذلك اختيار فهو كالمغمى عليه والمجنون وان كان باختياره فلا يجزئه كالجاهل بل هو أولى (١).
مذهب الشافعية:
قال صاحب المجموع (٢): اتفق أصحابنا العراقيون والخرسانيون وغيرهم على أن المغمى عليه ومن غشى لا يصح احرام وليه عنه ولا رفيقه عنه لأنه غير زائل العقل ويرجى برؤه عن قرب فهو كالمريض. قال أصحابنا رحمهم الله تعالى:
لو خرج فى طريق الحج فأغمى عليه عند الميقات قبل أن يحرم لم يصح أن يحرم وليه ولا رفيقه عنه.
سواء كان أذن فى ذلك قبل الاغماء أم لم يأذن خلافا لأبى حنيفة رحمه الله تعالى قال القاضى أبو الطيب رحمه الله تعالى ودليلنا على عدم الصحة انه بلغ فلم يصح عقد الاحرام له من غيره كالنائم، ولا نسلم أن يقاس الاحرام على الطواف لأن الطواف لا تدخله النهاية حتى لو كان مريضا لم يجز لغيره الطواف عنه بل يطاف به محمولا.
كما لا يصح أن يقاس المغمى عليه على الطفل لأن الاغماء يرجى زواله عن قرب بخلاف الصبا ولهذا يصح أن يعقد الولى النكاح للصبى دون المغمى عليه.
واذا وقف وهو مغمى عليه ففى صحة وقوفه وجهان حكاهما ابن المرزبان والقاضى أبو الطيب فى تعليقه والدارمى والبغوى والمتولى وصاحب البيان وآخرون رحمهم الله تعالى أصحهما - وبه قطع صاحب المهذب والأكثرون - أنه لا يصح.
وممن قطع به الشيخ أبو حامد والرافعى فى المجرد وآخرون وصححه ابن الصباغ والمتولى.
стр. 5872
قال صاحب البيان: هو المشهور.
والثانى: يصح ورجحه البغوى والرافعى فى الشرح.
ولو وقف وهو مجنون فطريقان المذهب القطع بأنه لا يصح والثانى فيه الوجهان كالمغمى عليه، ولو وقف وهو سكران قال ابن المرزبان القاضى أبو الطيب والدارمى فيه الوجهان كالمغمى عليه.
وقال صاحب البيان ان كان سكره بغير معصية ففيه الوجهان كالمغمى عليه وان كان بمعصية فوجهان حكاهما الصيمرى أصحهما أنه لا يجزئه تغليظا عليه.
والثانى يجزئه لأنه كالصاحى فى الأحكام واذا قلنا فى المغمى عليه لا يصح وقوفه قال المتولى رحمه الله تعالى لا يجزئه عن حج الغرض لكن يقع نفلا كحج الصبى الذى لا يميزه وحكاه عنه أيضا الرافعى رحمه الله تعالى وسكت عليه فكأنه ارتضاه.
واتفق أصحابنا على أن الجنون لو تخلل بين الاحرام والوقوف أو بينه وبين الطواف أو بين الطواف والوقوف وكان عاقلا فى حال فعل الأركان لا يضر بل يصح حجه ويقع عن حجة الاسلام (١).
ولو أغمى على المحرم قبل الرمى ولم يكن اذن فى الرمى عنه لم يصح الرمى عنه فى اغمائه بلا خلاف وان كان أذن فيه جاز الرمى عنه هذا هو المذهب وبه قطع الجماهير فى الطريقتين.
ونقل الرافعى فيه وجها شاذا ضعيفا أنه لا يجوز، وحكى أمام الحرمين رحمه الله تعالى الجواز عن العراقيين فقال قال العراقيون لو استناب العاجز عن الرمى وصححنا الاستنابة فأغمى على المستنيب دامت النيابة وان كان مقتضى الاغماء الطارئ على اذن انقطاع أذنه اذا كان أصل الاذن جائزا كالوكالة ولكن الغرض هنا اقامة النائب مقام العاجز.
قال وما ذكروه محتمل جدا ولا يمتنع خلافه، قال وقد قالوا لو استناب المغصوب فى حال حياته حياته من يحج عنه ثم مات المغصوب لم تنقطع الاستنابة هكذا ذكروه فى الاذن المجرد وهو بعيد لكن لو فرض فى الاجارة فالاجارة تبقى ولا تنقطع لأن الاستئجار عن الميت بعد موته ممكن فلا منافاة وقد استحق منفعة الأجير.
قال: والذى ذكروه فى الاذن جائز وهو محتمل فى الاغماء بعيد فى الموت هذا كلام الامام رحمه الله تعالى.
ثم ان الأصحاب فى الطريقتين أطلقوا أنه اذا استناب قبل الاغماء جاز رمى النائب عنه فى الاغماء كما ذكرنا.
وقال الماوردى رحمه الله تعالى ان كان حين اذن مطيقا للرمى لم يصح الرمى عنه فى الاغماء لأن المطيق لا تصح النيابة عنه فلم يصح أذنه وان كان حين الاذن عاجزا بأن كان مريضا فأذن ثم أغمى عليه صحت النيابة وصح رمى النائب وهذا كلام الماوردى رحمه الله تعالى ونقله الروبانى فى البحر عن الأصحاب وأشار اليه أبو على البندنيجى وآخرون.
وفى كلام أمام الحرمين الذى حكيته عنه الآن موافقته فليحمل اطلاق الأصحاب على من استناب فى حال العجز ثم أغمى عليه، واتفق الأصحاب رحمهم الله تعالى على أنه لو أذن فى حال اغمائه لم يصح اذنه وان رمى عنه بذلك الاذن لم يصح لأن أذنه ساقط فى كل شئ والمجنون كالمغمى عليه فى كل هذا صرح به المتولى وغيره رحمهم الله تعالى (٢).
стр. 5873
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير انه اذا أغمى على بالغ لم يصح أن يحرم عنه رفيقه لأنه بالغ فلم يصر محرما باحرام غيره عنه كالنائم ولو أنه أذن فى ذلك وأجازه لم يصح فمع عدم هذا أولى أن لا يصح (١). وان وقف وهو مغمى عليه أو مجنون ولم يفق حتى خرج منها لم يجزئه وهو قول الحسن والشافعى وأبى ثور، واسحاق بن المنذر رحمهم الله تعالى، وقال عطاء فى المغمى عليه يجزئه وهو قول مالك وأصحاب الرأى وقد توقف أحمد رحمه الله تعالى فى هذه المسألة، وقال الحسن يقول بطل حجه، وعطاء يرخص فيه ذلك لأنه لا يعتبر له نية ولا طهارة، ويصح من النائم فصح من المغمى عليه كالمبيت بمزدلفة، ومن نصر الأول قال هو ركن من أركان الحج فلم يصح من المغمى عليه كسائر أركانه، قال ابن عقيل رحمه الله تعالى:
والسكران كالمغمى عليه لأنه زائل العقل بغير نوم فأشبه المغمى عليه، وأما النائم فيجزئه الوقوف لأنه فى حكم المستيقظ (٢).
وجاء فى كشاف القناع ان الاحرام لا يبطل بالاغماء والموت والسكر كالنوم (٣). وجاء فى شرح منتهى الارادات أنه لا ينعقد احرام مع وجود الجنون أو الاغماء أو السكر لعدم صحة القصد حينئذ (٤). وقال صاحب كشاف القناع:
ومن أحرم فأغمى عليه وخشى فوات الحج ذبح هديا شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة لقول الله : «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (٥) ولأن رسول الله ﷺ أمر أصحابه حين احصروا فى الحديبية ان ينحروا ويحلوا.
ويكون الذبح فى موضع حصره سواء كان حلا أو حرما لذبح رسول الله ﷺ وأصحابه بالحديبية وهى من الحل وينوى المحصر بذبح الهدى التحلل وجوبا لحديث انما الأعمال بالنيات «ثم حل من احرامه» (٦).
وجاء فى المغنى أنه اذا كان الرجل مريضا أو محبوسا أو له عذر جاز أن يستنيب من يرمى عنه، قال الأثرم رحمه الله تعالى قلت لأبى عبد الله اذا رمى عنه الجمار يشهد هو ذاك أو يكون فى رحله؟ قال هو ذاك أو يكون فى رحله؟ قال يعجبنى أن يشهد ذاك ان قدر حين يرمى عنه. قلت فان ضعف عن ذلك أيكون فى رحله ويرمى عنه؟ قال نعم، قال القاضى رحمه الله تعالى، المستحب أن يضع الحصى فى يد النائب ليكون له عمل فى الرمى، وان أغمى على المستنيب لم تنقطع النيابة وللنائب أن يرمى عنه كما لو استنابه فى الحج ثم أغمى عليه (٧).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن من أغمى (٨) عليه فى احرامه أو جن بعد أن أحرم وهو فى عقله فاحرامه صحيح، وكذلك لو أغمى عليه أو جن بعد أن وقف بعرفة ولو طرفة عين أو بعد أن أدرك شيئا من الصلاة بمزدلفة مع الامام فحجه تام لأن الاغماء والجنون لا يبطلان عملا تقدم أصلا ولا جاء بذلك نص أصلا ولا اجماع وليس قول رسول الله ﷺ «رفع القلم عن ثلاث، فذكر النائم حتى ينتبه والمبتلى حتى يفيق،
стр. 5874
والصبى حتى يبلغ، ليس هذا القول بموجب بطلان ما تقدم من عمله، وانما فيه أنهم فى هذه الحال غير مخاطيبين فقط، فاذا أفاقوا صاروا على حكمهم الذى كانوا عليه قبل.
ومن أغمى (١) عليه أو جن أو نام قبل الزوال من يوم عرفة فلم يفق ولا استيقظ الا بعد طلوع الفجر من ليلة يوم النحر فقد بطل حجه سواء وقف به بعرفة أو لم يوقف به، وكذلك من أغمى عليه أو جن أو نام قبل أن يدرك شيئا من صلاة الصبح بمزدلفة مع الامام فلم يفق ولا استيقظ الا بعد سلام الامام من صلاة الصبح فقد بطل حجه، فان كانت امرأة فنامت أو جنت أو أغمى عليها قبل أن تقف بمزدلفة فلم تفق ولا انتبهت حتى طلعت الشمس من يوم النحر فقد بطل حجها وسواء وقف بها بمزدلفة أو لم يقف لأن الأعمال المذكورة فرض من فرائض الحج وقد قال الله «وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ٢».
وقال رسول الله ﷺ :
«انما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» فصح أنه لا يجزئ عمل مأمور به الا بنية القصد اليه مؤدى باخلاص لله تعالى فيه كما أمر الله ، وكل ما ذكرنا لم يعبد الله فى الأعمال المذكورة مخلصا له الدين بها فلم يأت بها ولا حج لمن لم يأت بها، ولا يجزئ أن يقف به غيره هنالك لقول الله : «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ٣». وقوله تعالى:
«وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ٤».
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار أن الحج لا يلزم المجنون لرفع القلم عنه، ولا السكران الا أن يميز لقول الله «حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ٥».
والمغمى عليه كالمجنون (٦). ويفعل الرفيق فيمن زال عقله وعرف ما خرج له جميع ما يجب من فعل وترك فينوب عنه فى عقد احرامه وما بعده فيبنى ان أفاق، وان مات محرما بقى حكمه على الخلاف، والمذهب أنه ان كان قد أحرم فكذلك، فان جهل ما أحرم له فكالناس، ولا دم عليه ان مات اذ الأصل البراءة، قال صاحب البحر ولا وجه لتحتمه على الرفيق، بل ندب له معاونته على البر والتقوى (٧). وجاء فى شرح الأزهار أن الوقوف يجزئ على أى صفة كان سواء كان الواقف نائما أم مجنونا أم مغمى عليه أم سكران أم راكبا لمغصوب أو نحو ذلك فان هذه ونحوها لا يفسد بها الوقوف لأن العبرة بالصيرورة وقد صار (٨). ومن حدث له عذر من مرض أو خوف منع من الرمى جاز له أن يستأجر من يرمى عنه من حلال أو محرم فان زال عذره والوقت باق بنى على ما فعل الأجير، ذكر معناه فى الهداية، كمن زال عقله ثم أفاق وفى الذويد يعيد. قال ﵇: والقياس يقتضى أن الاستبانة لا تصح الا أن يكون العذر مأيوسا لكن كلام أصحابنا فيمن خرج للحج والحادثة قبله فى اعتبار اليأس وعدمه (٩).
مذهب الإمامية:
جاء فى مستمسك (١٠) العروة الوثقى أن من أراد أن يحج اذا كان له عذر عن أصل انشاء الاحرام لمرض أو اغماء ثم زال وجب عليه ان يعود الى
стр. 5875
الميقات اذا تمكن، والا كان حكمه حكم الناس فى الاحرام من مكانه اذا لم يتمكن الا منه وان تمكن من العود فى الجملة وجب، وذهب بعضهم الى أنه اذا كان مغمى عليه ينوب عنه غيره، قال فى القواعد: ولو لم يتمكن من نية الاحرام لمرض وغيره أحرم عنه وليه وجنبه ما يتجنبه المحرم، وحكى فى كشف اللثام ذلك عن الأحمدى، وفى الدروس: ولو جن فى الميقات أو أغمى عليه أحرم عنه وليه وجنبه ما يتجنبه المحرم. والظاهر أن المراد أن يحرمه رجل ويجنبه عن محرمات الاحرام الا أنه ينوب عنه فى الاحرام كما هو مذكور فى القواعد وغيرها أى يحرم به رجل فيتولى النائب والأفعال تكون من المنوب عنه اذ هو نظير قيام الطهارة بالنائب والصلاة بالمنوب عنه فان ذلك مما لا يقبل النيابة، ولذلك قال فى المدارك وقد بينا فيما سبق أن المراد بالاحرام عن غير المميز والمجنون والاحرام بهما لا كون الولى نائبا عنهما.
واقتضى هذا القول عدم وجوب العود الى الميقات بعد افاقته وان كان ممكنا ولكن العمل به مشكل فالأقوى العود مع الامكان وعدم الاكتفاء به مع عدمه.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل وشفاء العليل أن من أغمى عليه قاصدا للبيت هل يجزيه أن يهل عنه أصحابه أو لا يجزيه حتى يفعل هو؟ قال الربيع رحمه الله تعالى: من أم البيت فأغمى عليه فأهل عنه أصحابه ثم وقفوا به المناسك كلها أجزأه، ومن أرتد بعد الاحرام ثم أسلم فهو على احرامه، ومن ارتد قبل الغروب لم ينفعه وقوفه، وان ارتد بعده فخلاف والمختار أنه غير تام ان لم يزره (١) ومن أغمى عليه عشية عرفة أو سكر بعد الوقوف صح حجه، وقيل أن عليه الحج وكذا من حبس بعد الوقوف عن منى حتى مضت أيامها ومن سكر من أول الوقوف الى آخره فلا حج له وقيل له حج، ومن أفاض وأدرك بعضا فله حج اجماعا، والنوم كذلك فى كله ولزم الدم للنوم فى ذلك كله عند من يبطل الحج (٢). وان أغمى على الواقف بعد الزوال بعرفة أو وقع عليه مانع كجنون أو حبس بعد الوقوف فى بعض الزمان بعد الزوال حتى مضت أيام منى تم حجه ولا يخرج الى أهله مثلا حتى يزور، وان خرج ولم يصل أهله ولم يجامع فليرجع وان وصله أو جامع أعاد الحج ورخص بعض أن يلزمه دم (٣).
أثر الاغماء فى عقد النكاح
مذهب الحنفية:
جاء فى تبيين الحقائق وحاشية الشلبى عليه أنه قيل أن الشرط فى عقد النكاح حضور الشاهدين لاسماعهما، قال الكمال رحمه الله تعالى وهو قول جماعة منهم القاضى على السعدى ونقل عن أبواب الأمان من السير الكبير أنه يجوز وان لم يسمعوا وعلى هذا جوزه بحضور الأصمين والنائمين والصحيح اشتراط السماع لأنه المقصود بالحضور. قال الزيلعى، ولو عقد بحضرة النائمين جاز على الأصح ولا ينعقد بحضور الأصمين على المختار، ولو عقد بحضرة السكارى صح اذا فهموا وان لم يذكروا بعد للصحو، ولو عقد بحضرة هنديين لم يفهما كلامهما لم يجز، وان سمع أحد الشاهدين فأعيد على الآخر فسمعه دون الآخر لم يصح الا فى رواية عن أبى يوسف رحمه الله تعالى استحسانا اذا اتحد المجلس ولو كان أحدهما أصم فأعاد عليه صاحبه حتى سمع لا يجوز ولو سمع أحدهما كلام الزوج والآخر كلام المرأة ثم أعيد فسمع الذى كان سمع كلام الزوج كلام المرأة وسمع الآخر كلام الزوج لا يجوز عند العامة، وقال أبو سهل رحمه الله تعالى ان اتحد المجلس يجوز وروى الشلبى عن
стр. 5876
جمع التفاريق أنه لا بد من سماع الشهود كلام المتعاقدين وفى نظم الزند ويستى: الأصح أن سماعهما معا شرط وبه أخذ عامة العلماء وفى المحيط: ولا تقبل شهادة الكفار والصبيان والمجانين والعبيد والمدبرين والمكاتبين والنائمين والأصمين الذين لا يسمعون العاقدين (١).
ولا ولاية فى النكاح لصغير ولا لعبد ولا لمجنون لأنهم لا ولاية لهم على أنفسهم فأولى أن لا يكون لهم ولاية على غيرهم لأن الولاية على الغير فرع الولاية على النفس ولهذا لم تقبل شهادتهم ولأن هذه الولاية نظرية ولا نظر فى التفويض الى رأيهم قال الشيخ أحمد الشلبى وهذا باجماع الأئمة الأربعة، قال الكمال رحمه الله تعالى:
والمراد بالمجنون المطيق وهو على ما قيل سنة وقيل أكثر من السنة وقيل شهر وعليه الفتوى، وفى التجنيس وأبو حنيفة رحمه الله تعالى لا يوقت فى المجنون المطيق شيئا كما هو دأبه فى التقديرات فيفوض الى رأى القاضى، وغير المطيق يثبت له الولاية فى حالة افاقته بالاجماع، وقد يقال لا حاجة الى تقييده به لأنه لا يزوج حال جنونه مطبقا أو غير مطبق لكن المعنى أنه اذا كان مطبقا سلب ولايته فتزوج ولا تنتظر افاقته واذا كان غير مطبق ثبتت له الولاية فلا تزوج وتنتظر افاقته كالنائم، ومقتضى النظر أن الكفء الخاطب ان فات بانتظار افاقته زوجت ولم تنتظر افاقته وان لم يكن مطبقا والا انتظر على ما اختاره المتأخرون فى غيبة الولى الأقرب (٢).
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه يشترط فى صيغة عقد النكاح اصرار التعاقد وبقاؤه بصفة الكمال حتى يوجد القبول، فان أوجب الولى ثم رجع أو جن أو أغمى عليه أو رجعت الآذنة عن أذنها أو أغمى عليها أو جنت أو ارتدت امتنع القبول (٣)، ولا ولاية لمجنون فى حالة جنونه المطبق وكذا ان تقطع جنونه كما صححه فى الروضة وان صحح الرافعى فى الشرح الصغير أنه لا يزيل الولاية لعدم تمييزه وتغليبا لزمن الجنون فى المتقطع فيزوج الأبعد فى زمن جنون الأقرب دون افاقته ولو أفاق المجنون وبقى آثار الخيل كحدة خلق لم تعد ولايته فى أحد وجهين قال النووى رحمه الله تعالى لعله الأصح وجزم به فى الأنوار، ولو قصر زمن الافاقة جدا فهى كالعدم كما قاله الامام رحمه الله تعالى ولو قصر زمن الجنون كيوم فى سنة فهو كالعدم كذلك فلا تنقل به الولاية بل ينتظر افاقته كالمغمى عليه ولا ولاية لمختل النظر بهرم - وهو كبر السن - أو خيل (٤) وهو فساد العقل - ولا فرق فى الخيل بين الأصلى والعارض لعجزه عن اختيار الأكفاء، وفى معناه من شغلته الأسقام والآلام عن ذلك. أما الاغماء فان كان لا يدوم غالبا قطعا كالنائم، وان كان يدوم يوما أو أياما انتظر أيضا على اصح لأنه قريب الزوال كالنوم، ولا يصح أن يقاس سكون الألم فيمن شغلته الأسقام والآلام على افاقة المغمى عليه فيجب أن ينتظر السكون فيه كما تنتظر الافاقة فى المغمى عليه لأن الاغماء له أمد يعرفه أهل الخبرة فجعل مرادا بخلاف سكون الألم وان احتمل زواله. وقيل اذا كان الاغماء يدوم لا تنتظر افاقته بل تنتقل الولاية للأبعد كالجنون والسكر بلا تعد فى معنى الاغماء، فان دعت حاجتها الى النكاح فى زمن الاغماء أو السكر فظاهر كلام الشيخين رحمهما الله تعالى أن الحاكم لا يزوجها وهو كذلك وان قال المتولى يزوجها (٥).
стр. 5877
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير أن الاغماء لا يزيل ولاية النكاح لأنه يزول عن قرب فهو كالنوم ولذلك لا تثبت الولاية على المغمى عليه، ويجوز الاغماء على الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، ومن كان يجن فى الأحيان لم تزل ولايته لأنه لا يستديم زوال عقله فهو كالاغماء (١)، ولو أوجب النكاح ثم زال عقله بجنون أو اغماء بطل حكم الايجاب ولم ينعقد بالقبول بعده لأنه ما لم يضامه القبول لم يكن عقدا فبطل بزوال العقل كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون - وهذا مذهب الشافعى رحمه الله تعالى - وان زال عقله بنوم لم يبطل حكم الايجاب لأنه لا يبطل العقود الجائزة فكذلك هذا (٢).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٣) ان من دواعى انتقال ولاية النكاح ممن يستحقها الى من يليه جنون الولى ولو صرعا ولو كان يفيق فى الحال، وكذا زوال عقله بالسكر أو الاغماء أو البنج وقيل ان هؤلاء الثلاثة ينتظرون حتى يفيقوا ولا تبطل ولايتهم (٣).
ومن أركان عقد النكاح أن يكون القبول واقعا فى المجلس الذى وقع فيه الايجاب. قال فى الحاشية: والعبرة بمجلس القابل من زوج أو ولى، وظاهر الأزهار أنه لا فرق لأن أعراض الموجب كالرجوع قبل القبول، وهو يبطل بالرجوع من المبتدئ أو احرامه أو ردته أو جنونه أو الاغماء عليه. قال المؤيد بالله فى أحد قوليه: ويشترط أن يقع القبول عقيب الايجاب فورا والا بطل اذا تراخى ولو قليلا وهو أحد قولى أبى طالب، وقال أبو طالب فى القول الأخير:
لا يشترط ذلك، وانما يشترط أن يقع القبول قبل الاعراض أو لا يتخلل بين الايجاب والقبول من المتزوج أمر يفهم من حاله انه معرض عن القبول نحو أن يقوم بعد سماع الايجاب أو نحو ذلك، فلو تخلل زوال عقل أحدهما ثم أفاق ثم أوجب أو قبل لم يصح بل يستأنف وكذا لو أغمى على الزوجة وقد رضيت قال فى البحر بطل اذنها.
ولعل ذلك حيث أفاقت ولم يعقد الولى، وعن المفتى ﵇: المذهب أن اذنها لا يبطل به (٤).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أنه اذا أوجب عقد النكاح من يصح ايجابه ثم جن أو أغمى عليه بطل حكم الايجاب فلو قبل من يصح قبوله بعد ذلك كان لغوا، وكذا لو سبق القبول من القابل ثم زال عقله فلو أوجب الولى بعد ذلك كان لغوا (٥).
ولا عبرة فى النكاح بعبارة الصبى ايجابا وقبولا ولا بعبارة المجنون وفى السكران الذى لا يعقل تردد، أظهره أنه لا يصح ولو أفاق فأجاز، وفى رواية أن السكرى اذا زوجت نفسها ثم أفاقت فرضيت أو دخل بها فأفاقت وأقرته كان ماضيا (٦).
ولو جن الأب أو أغمى عليه انتقلت ولايته الى الجد خاصة فان زال المانع عادت الولاية اليه (٧).
ومن عيوب المرأة التى يجوز أن يرد بها النكاح الجنون وهو فساد العقل فلا يثبت الخيار مع السهو السريع زواله ولا مع الاغماء العارض مع غلبة المرة، وانما يثبت الخيار فيه مع استقراره (٨).
стр. 5878
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه يجب الاشهاد فى عقد النكاح ومن تزوج بحضرة نيام أو سكارى أو صم لم تجز شهادتهم، ومن تزوج بلا شهود ثم زال عقله فاستخلف له من يشهد على نكاحه لم يجز الا بتجديده لأن زوال عقله قبل تمام النكاح أبطال لما وقع منه فلا يصح البناء على ما بطل وكذا ان تجنن الولى فلا يصح اشهاد ولى سواه لما مر من أن زوال العقل ابطال لما وقع قبله (١).
حكم طلاق المغمى عليه وظهاره واعتاقه
مذهب الحنفية:
جاء فى حاشية ابن عابدين على الدر المختار أنه لا يقع طلاق المجنون والصبى والمعتوه والمبرسم والمغمى عليه والمدهوش (٢) والنائم لانتفاء الارادة (٣) ومن شروط المظاهر أن يكون عاقلا أما حقيقة أو تقديرا فلا يصح ظهار المجنون ولا الصبى الذى لا يعقل لأن حكم الحرمة وخطاب التحريم لا يتناول من لا يعقل ومنها أن لا يكون معتوها ولا مدهوشا ولا مبرسما ولا مغمى عليه ولا نائما فلا يصح ظهار هؤلاء كما لا يصح طلاقهم (٤)، ويشترط فى المعتق كذلك أن لا يكون معتوها ولا مدهوشا ولا مبرسما ولا مغمى عليه ولا نائما فلا يصح الاعتاق من هؤلاء كما لا يصح لطلاق منهم.
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والاكليل أن ابن شاس رحمه الله تعالى قال: شرط المطلق أن يكون مسلما مكلفا فلا ينعقد طلاق الكافر ولا الصبى ولا من زال عقله بجنون أو اغماء أو نحو ذلك من نوم أو غيره مما يذهب الاستشعار. وكذا لا يلزم الظهار الصبى ولا المجنون ولا المغمى عليه ولا النائم ولا السكران بحلال لأن كلا من هؤلاء خارج باشتراط التكليف فيمن يلزمه الظهار (٦)، وكذا يشترط فى صحة العتق أن يكون صادرا من مكلف غير محجور عليه فلا يصح اعتاق غير المكلف كما لا يصح طلاقه وظهاره.
مذهب الشافعية:
جاء فى مغنى المحتاج أنه اذا مر طلاق بلسان نائم أو من زال عقله بسبب لم يعصى به لغى ذلك الطلاق وان قال بعد استيقاظه أو افاقته: أجزته أو أوقعته لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال «رفع القلم عن ثلاث، وذكر منها النائم حتى يستيقظ، ولانتفاء القصد، ولو
стр. 5879
تلفظ بالطلاق ثم قال كنت حينئذ صبيا أو نائما وأمكن ذلك صدق بيمينه كما قاله الرويانى رحمه الله تعالى، وان قال فى الروضة: فى تصديق النائم نظر فانه لا أمارة عليه بخلاف الصبى (١).
وانما يصح الظهار من كل زوج مكلف بأن يكون بالغا عاقلا، فلا يصح من صبى ولا مجنون ولا مغمى عليه لما مر فى الطلاق. نعم لو علق المكلف الظهار على صفة تحققت وهو مجنون أو مغمى عليه حصل الظهار قطعا، قاله ابن كج رحمه الله تعالى (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى والشرح الكبير أن أهل العلم أجمعوا على أن من زال عقله بغير سكر أو ما فى معناه لا يقع طلاقه كذلك قال عثمان وعلى وسعيد ابن المسيب والحسن والنخعى والشعبى وغيرهم رضى الله تعالى عنهم، وقد أجمع أهل الرأى على أن الرجل اذا طلق فى حال نومه لا طلاق له، وقد ثبت أن النبى ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق) وروى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن النبى ﷺ قال: (كل طلاق جائز الا طلاق المعتوه المغلوب على عقله) رواه النجاد رحمه الله تعالى، ولأنه قول يزيل الملك فاعتبر له العقل كالبيع وسواء زال عقله بجنون أو اغماء أو نوم أو شرب دواء أو اكراه على شرب خمر أو شرب ما يزيل عقله شربه وهو لا يعلم أنه مزيل للعقل فكل هذا يمنع وقوع الطلاق رواية واحدة ولا نعلم فيه خلافا. وروى عن الامام أحمد رحمه الله تعالى أنه اذا طلق المغمى عليه فلما أفاق علم انه كان مغمى عليه وهو ذاكر لذلك.
قال الامام أحمد: اذا كان ذاكرا لذلك فليس هو مغمى عليه فيجوز طلاقه، وقال فى رواية أبى طالب رحمه الله تعالى فى المجنون يطلق فقيل له بعد ما أفاق انك طلقت امرأتك فقال أنا أذكر أنى طلقت ولم يكن عقلى معى، فقال اذا كان يذكر أنه طلق فقد طلقت فلم يجعله مجنونا اذا كان يذكر الطلاق ويعلم به وهذا فيمن جنونه بذهاب معرفته بالكلية وبطلان حواسه فأما من كان جنونه لنشاف أو كان مبرسما فانه يسقط حكم تصرفه مع أن معرفته غير ذاهبة بالكلية فلا يضره ذكره للطلاق (٣). ومن لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره كالطفل والزائل العقل بجنون أو اغماء أو نوم أو غير ذلك لا نعلم فى هذا خلافا (٤). ولا يصح العتق من غير جائز، التصرف، فلا يصح عتق الصبى والمجنون، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: هذا قول عامة أهل العلم وممن حفظنا عنه ذلك الحسن والشعبى والزهرى وأصحاب الرأى رحمهم الله تعالى وذلك لقول رسول الله ﷺ : (رفع القلم) المذكور ولأنه تبرع بالمال فلم يصح منهما كالهبة ولا يصح عتق السفيه المحجور عليه وهو قول القاسم بن محمد رحمه الله تعالى، وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يصح عتقه قياسا على طلاقه وتدبيره، ويدل لنا أنه محجور عليه فى ماله لحظ نفسه فلم يصح عتقه كالصبى ولأنه تصرف فى المال فى حياته فأشبه بيعه وهبته ويفارق الطلاق لأن الحجر عليه فى ماله والطلاق ليس بتصرف فيه ويفارق التدبير لأنه تصرف فيه بعد موته وغناه عنه بالموت، ولهذا صحت وصيته ولم تصح هبته المنجزة (٥).
стр. 5880
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن طلاق السكران غير لازم وكذلك من فقد عقله بغير الخمر (١)، ولا يجوز عتق من لا يبلغ ولا يعتق من لا يعقل من سكران أو مجنون ولا عتق مكره ولا من لم ينو العتق لكن أخطأ لسانه الا أن هذا وحده ان قامت عليه بينة ولم يكن له الا الدعوى قضى عليه بالعتق، وأما بينه وبين الله تعالى فلا يلزمه لقول الله : «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ٢» فصح أن السكران لا يعلم ما يقول، ومن لا يعلم ما يقول لا يلزمه ما يقول حتى لو كفر بكلام لا يدرى ما هو لم يلزمه ولقول الله : «وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ٣» ولقول رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) والمجنون والسكران والمكره لا نية لهم، وكذلك من أخطأ لسانه وليس من هؤلاء أحد أخلص لله الدين بما نطق به العتق فهو باطل، وصح عن رسول الله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ، وصح عنه ﷺ أنه قال (عفى لأمتى عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (٤).
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار أن طلاق الصبى والمغمى عليه لا يقع ومثله طلاق المبرسم والمغمور بمرض شديد والمبنج وكل من عقله زائل غير السكران فان طلاقه واقع وان كان زائل العقل، ولو لم يبق له تمييز، ولو طلق السكران فى حال سكره فحصل الشرط بعد ذلك وقع طلاقه (٥).
مذهب الإمامية:
جاء فى شرائع الاسلام أنه لا يصح طلاق المجنون ولا السكران ولا من زال عقله باغماء أو شرب مرقد، لعدم القصد، ولا يطلق الولى عن السكران لأن زوال عذره غالب فهو كالنائم، ويطلق عن المجنون، ولو لم يكن له ولى طلق عنه السلطان أو من نصبه للنظر فى ذلك (٦).
ولا يصح ظهار الطفل ولا المجنون ولا المكره ولا فاقد القصد بالسكر أو الاغماء أو الغصب (٧).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل ان طلاق السكران واقع ومحكوم عليه به لأن عقله موجود فيه ولو كان مغمورا، ولزم طلاق المعتوه عند جابر بن زيد وضمام رحمهما الله تعالى لا أبى عبيدة، وهو من يجن تارة ويصحو أخرى وهو المختلط العقل - الا ان بان أنه طلق حال جنونه، وقيل يحكم بغالب أمره ما لم يتبين طلاقه. أما طلاق المجنون فلا يقع اجماعا، وقيل ان السكران لا يلزم طلاقه كالمجنون، قال صاحب شرح النيل:
التحقيق أنه ان بقى له بعض تمييز لزم والا فلا، وقيل: السكران لدواء شربه لا يلزمه طلاق، والسكران لشراب نحو الخمر يلزمه، والايلاء والظهار والعتق كالطلاق فى هذا ولا يصح بيعه ولا شراؤه ولا هبته ولا تزوجه وسواء سكر بنفسه أو أكره على شرب المسكر فشرب فسكر خلافا
стр. 5881
للشافعى رضى الله تعالى عنه، ولا طلاق لولى المجنون أو خليفته ولا لولى المخالط فى عقله أو خليفته، وكذا المعتوه. وقال بعض قومنا رحمهم الله تعالى يصح من أوليائهم وخلائفهم، واختلفوا أيضا فى يمين السكران، ولا يلزمه اقرار ولا عقد، ولا يلزم الطلاق مبرسما (١) خولط فى عقله، وفى طلاق المغمى عليه قولان (٢).
بعض أحكام يختلف فيها الاغماء
عن كل من الجنون والعته والنوم والسكر
مذهب الحنفية:
جاء فى كشف الأسرار أن القياس فى الجنون أن يكون مسقطا للعبادات كلها أى مانعا لوجوبها سواء كان الجنون أصليا أم عارضا، وسواء كان قليلا أو كثيرا، وهو قول زفر والشافعى رحمهما الله تعالى حتى قالا لو أفاق المجنون فى بعض شهر رمضان لم يجب عليه قضاء ما مضى كالصبى اذا بلغ أو الكافر اذا أسلم فى خلال الشهر، وكذا اذا أفاق قبل تمام يوم وليلة لم يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات عندهما وذلك لأن الجنون ينافى القدرة لأنها تحصل بقوة البدن والعقل.
والجنون يزيل العقل فلا يتصور فهم الخطاب والعلم به بدون العقل والقدرة على الأداء لا تتحقق بدون العلم لأن العلم أخص أوصاف القدرة فتفوت القدرة بفوته، وبفوت القدرة يفوت الأداء، واذا فات الأداء عدم الوجوب اذ لا فائدة فى الوجوب بدون الأداء وحاصله أن أهلية الأداء تفوت بزوال العقل، وبدون الأهلية لا يثبت الوجوب، فلا يجب القضاء.
والدليل على ذلك أن الصبى أحسن حالا من المجنون فانه ناقص العقل فى بعض أحواله عديم العقل فى بعض أحواله الى الاصابة، والمجنون عديم العقل لا الى الاصابة عادة، واذا كان الصغر يمنع الوجوب حتى لم يلزم الصبى قضاء ما مضى من الشهر اذا بلغ فى خلال الشهر فالجنون أولى به، وهذا بخلاف المغمى عليه حيث يجب عليه قضاء ما مضى من الصوم عند الافاقة وقضاء الصلوات اذا كان الاغماء أقل من يوم وليلة لأن أهليته قائمة لقيام العقل اذ الاغماء لا ينافى العقل بل هو عجز عن استعمال آلة القدرة كالنوم فكان العقل ثابتا كما كان كمن عجز عن استعمال السيف لم يؤثر ذلك فى السيف بالاعدام فكذلك الاغماء.
لكن علماءنا الثلاثة رحمهم الله تعالى استحسنوا فى الجنون اذا زال قبل الامتداد فجعلوه عفوا أى ساقطا كأن لم يكن والحقوه بالنوم والاغماء، وذلك أن الجنون من العوارض كالاغماء والنوم وقد الحق النوم والاغماء بالعدم فى حق كل عبادة لا يؤدى ايجابها الى الحرج على المكلف بعد زوالهما وجعل كأنهما لم يوجدا أصلا فى حق ايجاب القضاء وأن العبادة كانت واجبة ففاتت من غير عذر فيلحق الجنون الموصوف بكونه عارضا بهما بجامع أن كل واحد عذر عارض زال قبل الامتداد.
وكذا الحكم فى كل عذر عارض كالحيض والنفاس فى حق الصوم. هذا فى حق ايجاب القضاء فأما فى حق لحوق المآثم فالأمر مبنى على الحقيقة لورود النص المنبئ وأن الله تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها والا ما آتاها، الا ترى أن الشرع الحق العارض بالعدم فى حق صحة الأداء حتى أن من نوى من الليل الصوم ثم نام ولم ينتبه الا بعد غروب الشمس أو أغمى عليه أو جن ولم يفق الى ذلك الوقت حكم بجواز الصوم مع أنه عبادة خالصة والامساك ركن وهو فعل مقصود ولا بد فى مثله من التحصيل بالاختيار، وما به من العذر قد سلب اختياره لكن عند زوال العذر جعل هذا الفعل بمنزلة
стр. 5882
الفعل الاختيارى بطريق الحاق العذر الزائل بالعدم واذا كان فى حق الأداء الذى هو المقصود ففى حق الوجوب الذى هو وسيلة أولى أن يكون كذلك، يوضحه ان الشرع الحق العارض بالعدم فى حق الأداء، وقت تقرره حيث حكم بصحة الفعل الموجود فى حالة النوم والاغماء.
ونحن فى حق الوجوب الحقنا العارض بالعدم بعد زواله وجعلنا السبب الموجود فى تلك الحالة معتبرا فى حق ايجاب القضاء عند زوال العارض فكان أولى بالصحة (١). لكن الجنون اذا لم يمتد لم يكن عدم اعتباره والحاقه بالعدم وايجاب العبادة معه موقعا فى الحرج.
وقد اختلفوا فى الجنون الذى جعل عفوا اذا زال قبل الامتداد فقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: «الحاق الجنون بالنوم والاغماء وايجاب القضاء عند زواله قبل الامتداد انما يتحقق اذا كان عارضا من كل وجه بأن حدث بعد البلوغ ليمكن الحاقه بالعوارض وجعله عفوا عند عدم الامتداد، فأما اذا بلغ الصبى مجنونا فان حكم هذا الجنون يكون مثل حكم الصبا فاذا زال هذا الجنون فى خلال الشهر صار فى معنى الصبى اذا بلغ فى خلال الشهر فلا يجب عليه قضاء ما مضى.
وقال محمد رحمه الله تعالى: الجنون الأصلى والعارض سواء فى أن غير الممتد من كل واحد منهما ملحق بالعدم، واعتبر محمد رحمه الله تعالى حال الجنون الأصلى وهى امتداده وعدم امتداده وفرق بين الأمرين فى الشئ الذى يزول هذا الجنون عنه من الواجبات مثل الصوم والصلاة، ويلحق محمد الجنون الأصلى بأصل الجنون وهو كونه عارضا - يعنى أن الأصل فى الجنون أن يكون عارضا نظرا الى أن الأصل فى الجبلة سلامتها عن الآفات فكان هذا الجنون أصليا أمرا عارضا فيه فيلحق محمد رحمه الله تعالى هذا العارض بأصل والحاقه الأصل بالعارض انما يتحقق فى زوال الجنون الأصلى قبل انسلاخ شهر رمضان فانه يلحقه بزوال الجنون العارضى قبل الانسلاخ ويوجب قضاء ما مضى من الشهر بزواله ولا يوجبه أبو يوسف رحمه الله تعالى وكذا الحكم فى الصلاة بأن بلغ مجنونا ثم زال الجنون قبل مضى يوم وليلة لزمه قضاء صلوات ما مضى عند من جعل الجنون الأصلى كالعارضى ولا يلزمه قضاؤها عند من فرق بينهما - وذكر الاختلاف فى المبسوط وفتاوى قاضيخان وعامة الكتب على عكس ما ذكر ههنا فقيل وان كان جنونه أصليا بأن بلغ مجنونا ثم أفاق فى بعض الشهر فالمحفوظ عن محمد رحمه الله تعالى أنه ليس عليه قضاء ما مضى لأن ابتداء الخطاب يتوجه عليه الآن فيكون بمنزلة الصبى يبلغ.
وروى هشام عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى أنه قال فى القياس لا قضاء عليه ولكنى استحسن فأوجب عليه قضاء ما مضى من الشهر لأن الجنون الأصلى لا يفارق الجنون العارضى فى شئ من الأحكام وليس فيه رواية عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى، واختلف فيه المتأخرون على قياس مذهبه، والأصح أنه ليس عليه قضاء ما مضى.
وذكر الشيخ أبو المعين: رحمه الله تعالى فى طريقته ما يوافقه فقال فى ظاهر الرواية:
لا فرق بين الجنون الأصلى والعارضى.
وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أنه جعل الذى بلغ مجنونا بمنزلة الصبى والكافر ولم يرد عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فى هذا شئ منهم من جعل ما روى عن محمد تفسيرا لما أبهم فى ظاهر الرواية.
ومنهم من يجعل هذا قول محمد رحمه الله تعالى خاصة وجه الفرق أن الجنون الحاصل
стр. 5883
قبل البلوغ حصل فى وقت نقصان الدماغ الآفة فيه مانعة له عن قبول الكمال مبقية له على ما خلق عليه من الضعف الأصلى فكان أمرا أصليا فلا يمكن الحاقه بالعدم فتلزمه الحقوق مقتصرة على الحال.
فأما الحاصل بعد البلوغ فقد حصل بعد كمال الأعضاء واستيفاء كل منها القوة فكان معترضا على المحل الكامل بلحوق آفة عارضة فيمكن الحاقه بالعدم عند انتفاء الحرج فى ايجاب الحقوق.
ووجه المساواة بينهما فى الحكم أن الجنون الحاصل قبل البلوغ من قبيل العارض أيضا لأنه لما زال فقد دل ذلك على حصوله عن أمر عارض على أصل الخلقة لا لنقصان جبل عليه دماغه فكان مثل العارض بعد بلوغه.
وحد الامتداد فى الجنون يختلف باختلاف الطاعات لأن بعضها موقت باليوم والليلة وبعضها بالشهر وبعضها بالسنة.
فالامتداد فى حق الصلوات وسائر العبادات يحصل بالكثرة الموقعة فى الحرج لأنه لم يمكنه أداء العبادات مع هذا الوصف واذا زال وقد وجبت العبادات عليه فى حال الجنون اجتمعت عليه واجبات حال الجنون وواجبات حال الافاقة فى وقت واحد فيخرج فى أدائها لكثرتها.
ثم لما لم تكن للكثرة نهاية يمكن ضبطها اعتبر أدناها وهو أن يستوعب العذر وظيفة الوقت الا أن وقت جنس الصلاة يوم وليلة وهو وقت قصير فى نفسه فأكدت كثرتها بدخولها فى حد التكرار. ثم اختلف أصحابنا فيما يحصل به التكرار فاعتبر محمد رحمه الله تعالى دخول نفس الصلوات فى حد التكرار بأن تصير الصلوات ستا لأن التكرار يتحقق به، وأقام أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى الوقت فى دخول الصلوات فى حد التكرار مقام الصلاة، يعنى أنهما اعتبرا الزيادة على يوم وليلة باعتبار الساعات.
هكذا ذكر الاختلاف الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى وفائدة الاختلاف تظهر فيما اذا جن بعد طلوع الشمس ثم أفاق فى اليوم الثانى قبل الزوال او قبل دخول وقت العصر فعند محمد رحمه الله تعالى يجب عليه القضاء لأن الصلوات لم تصر ستا فلم يدخل الواجب فى حد التكرار حقيقة، وعندهما لا قضاء عليه لأن وقت الصلوات الخمس - وهو اليوم والليلة قد دخل فى حد التكرار وان لم يدخل الواجب فيه والوقت سبب فيقام مقام الواجب الذى هو مسببه للتيسير على المكلف باسقاط الواجب عنه قبل صيرورته مكررا.
كما أقيم السفر مقام المشقة وقد روى أن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أغمى عليه أكثر من يوم وليلة فلم يقض الصلوات والعبرة فى المنصوص عليه لعين النص لا للمعنى والجنون فوق الاغماء فى هذا الحكم فيلحق به دلالة والامتداد فى الصوم بأن يستغرق الجنون شهر رمضان وهذا اللفظ يشير الى أنه لو أفاق فى جزء من الشهر ليلا أو نهارا يجب القضاء - وهو ظاهر الرواية وذكر فى الكامل نقلا عن الامام شمس الأئمة الحلوانى رحمه الله تعالى أنه لو كان مفيقا فى أول ليلة من رمضان فأصبح مجنونا واستوعب الجنون باقى الشهر لا يجب عليه القضاء وهو الصحيح لأن الليل لا يصام فيه فكان الجنون والافاقة فيه سواء.
وكذا لو أفاق فى ليلة من الشهر ثم أصبح مجنونا، ولو أفاق فى آخر يوم من رمضان فى وقت النية لزمه القضاء، وان أفاق بعده اختلفوا فيه.
والصحيح أنه لا يلزم القضاء لأن الصوم لا يفتتح فيه. ثم لم يعتبر التكرار فى حق الصوم كما اعتبر فى حق الصلاة لوجهين أحدهما أنا انما شرطنا دخول الصلوات فى التكرار تأكيدا لوصف الكثرة فان أصل الكثرة يحصل باستيعاب الجنس وانما يصار الى المؤكد اذا لم يزد المؤكد على الأصل.
стр. 5884
وفى باب الصوم لا يمكن اعتباره لأن المؤكد فيه يزداد على الأصل اذ لا يأتى وقت وظيفة أخرى ما لم يمض أحد عشر شهرا فيزداد ما شرع تابعا على ما شرع بطريق الاصالة وهو فاسد.
ولا يلزم عليه زيادة المرتين على المرة الواحدة فى الوضوء فانها شرعت لتأكيد الغرض مع أنها أكثر عددا من الأصل لأنها لم تشرع شرطا لاستباحة الصلاة بطريق الوجوب، بل الزائد سنة والسنن والنوافل وان كثرت لا تماثل الفرض فلا يرد نقضا لأن المطلوب نفى المماثلة بين التبع والأصل وقد حصل بخلاف ما نحن فيه لأن الزائد فيه شرط كالأصل فلم يجز أن يكون مثلا له.
والثانى: ان الصوم وظيفة السنة لا وظيفة الشهر وان كان أداؤه فى بعض أوقاتها كالصلوات الخمس وظيفة اليوم والليلة وان كان أداؤها فى بعض الأوقات ولهذا كان رمضان الى رمضان كفارة لما بينهما وجعل صوم رمضان مع ست من شوال بمنزلة صيام الدهر كله.
كما ورد به الحديث ثم كما مضى الشهر دخل وقت وظيفة أخرى اذ الاستيعاب لا يتحقق الا بوجود جزء من شوال فكان الجنس كالتكرار بتكرر وقته ويتأكد الكثرة به فلا حاجة الى اعتبار تكرار حقيقة الواجب فكان هذا مثل ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى فى الصلاة.
والامتداد فى حق الزكاة بأن يستغرق الجنون الحول عند محمد رحمه الله تعالى وهو رواية ابن رستم عنه.
ورواية الحسن عن أبى حنيفة والمروى عن أبى يوسف رحمهم الله تعالى فى الأمالى، قال صدر الاسلام: وهذا هو الأصح لأن الزكوات تدخل فى حد التكرار بدخول السنة الثانية.
وروى هشام عن أبى يوسف رحمهما الله ونصف السنة ملحق بالأقل لأن كل وقتها الحول تعالى ان امتداده فى حق الزكاة بأكثر السنة الا أنه مديد جدا فقدر بأكثر الحول عملا بالتيسير والتخفيف فان اعتبار أكثر السنة أيسر وأخف على المكلف من اعتبار تمامها لأنه أقرب الى سقوط الواجب من اعتبار الجميع كما أن اعتبار الوقت فى حق الصلاة أيسر من اعتبار حقيقتها، فاذا زال الجنون قبل هذا الحد الذى ذكرنا فى كل عبادة وهو أصلى كان على الاختلاف المذكور بين أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.
وقد بينا ذلك فى حق الصوم والصلاة وبيانه فى حق الزكاة فيما اذا بلغ الصبى مجنونا وهو مالك لنصاب فزال جنونه بعد مضى ستة أشهر ثم تم الحول من وقت البلوغ وهو مفيق وجبت عليه الزكاة عند محمد رحمه الله تعالى لأنه لا يفرق بين الأصلى والعارضى، ولا تجب عليه الزكاة عند أبى يوسف رحمه الله تعالى، بل يستأنف الحول من وقت الافاقة لأنه بمنزلة الصبى الذى بلغ الآن عنده.
ولو كان الجنون عارضيا فزال بعد ستة أشهر وجبت الزكاة بالاجماع لأنه زال قبل الامتداد عند الكل ولو زال الجنون بعد مضى أحد عشر شهرا وجبت الزكاة عند محمد رحمه الله تعالى سواء كان الجنون أصليا أو عارضيا لوجود الزوال قبل الامتداد ولمساواة الأصلى العارضى عنده.
وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى لا تجب الزكاة بوجود الزوال بعد الامتداد.
فالجنون لا ينافى أهلية الوجوب لأنها تثبت بالذمة والصلاحية لحكم الوجوب أى فائدته المقصودة منه وهو استحقاق ثواب الآخرة وباحتمال الأداء. والجنون لا ينافى الذمة لأنها ثابتة لكل مولود من البشر على ما مر بيانه.
ولا ينافى حكم الواجب أيضا لأنه لا ينافى الاسلام اذ المجنون يبقى مسلما بعد جنونه
стр. 5885
فلا ينافى استحقاق ثواب الآخرة ولا ينافى احتمال الأداء مرجو منه بالافاقة فى الوقت وخلفه وهو القضاء متوهم بالافاقة خارج الوقت وذلك كاف للوجوب.
كما فى الاغماء فثبت أنه لا ينافى أهلية الوجوب وذلك لأن الأداء مقصور عنه فانه لو نرى الصوم ليلا ثم أصبح مجنونا صح منه الصوم ذلك اليوم لأن الركن بعد النية هو ترك المفطرات وهو يتصور منه كما يتصور من العاقل.
والترك من حيث هو ترك لا يفتقر الى القصد والتمييز، واذا تصور منه اداء كان أهلا للوجوب لأن من كان أهلا للأداء كان أهلا للوجوب.
ومما يوضح أن الجنون لا ينافى الذمة أن المجنون يرث ويملك، وثبوت الارث من باب الولاية لأن الوراثة خلافة والوارث يخلف المورث ملكا وتصرفا حتى أن ما يقطع الولاية كالرق واختلاف الدين يمنع التوارث، وكذا الملك ولاية لأنه استيلاء على المحل شرعا والولاية لا تثبت بدون الذمة.
والجنون لا ينافى أهلية الوجوب الا أن ينعدم الأداء تحقيقا وتقديرا بأن يلزم منه حرج فيصير الوجوب حينئذ معدوما أى لا يثبت أصلا بناء على عدم الأداء.
ولأن الجنون لا ينافى أهلية الوجوب قلنا أن المجنون يؤاخذ بضمان الأفعال فى الأموال على الكمال حتى لو أتلف مال انسان يجب عليه الضمان كما يجب على العاقل لأن المجنون أهل لحكم وجوب المال وهو الأداء على ما قلنا فى باب الأهلية ان المال هو المقصود فى حقوق العباد دون الفعل.
والمقصود يحصل بأداء النائب فكان المجنون من أهل وجوبه كالصبى.
واذا ثبتت أهلية للمجنون كان هذا العارض وهو الجنون من أسباب الحجر، يعنى أن المجنون ليس بعديم الأهلية بحيث لا تعتبر أفعاله وأقواله جميعا كالبهائم، بل له أصل الأهلية حيث يثبت له الأرث والملك.
واعتبر من أفعاله ما يتوقف صحته على العقل نظرا له كالصبا والرق فانهما من أسباب الحجر نظرا للصغير والمولى.
والحجر عن الأقوال صحيح لأن اعتبارها بالشرع فيجوز ان يسقط اعتبارها شرعا بعارض بخلاف الافعال فانها توجد حسا لامر لها فلا يتصور الحجر عنها شرعا.
ففسدت عباراته حتى لم تصح أقاريره وعقوده وغيرها مما يتعلق بالعبارة لأن صحة الكلام بالعقل والتمييز، فبدونهما لا يمكن اعتباره.
وقلنا لم يصح ايمان المجنون حتى لو كان أبواه كافرين فأقر بوحدانية الله تعالى وصحة الرسالة لا يحكم باسلامه لأن ركن الايمان لم يوجد وهو عقد القلب والأداء الصادران عن عقل.
وكذا الحكم فى سائر عباراته أيضا فانها ليست بمعتبرة أصلا لفوات العقل حتى لم تنفذ باجازة الولى فكان المراد من الحجر فيها اخراجها من الاعتبار من الأصل ومع أن الايمان لا يصح من المجنون بنفسه هو مشروع فى حقه بطريق التبعية حتى صار مؤمنا تبعا لأبويه ولم يصح تكليف المجنون بايمان بوجه سواء كان بالغا أو لم يكن لأن صحة التكليف مبنية على العقل الذى هو آلة القدرة وقد عدم الا فى حقوق العباد فان تكليفه بالايمان يصح فيما يرجع الى حقوقهم، فلو أن نصرانيا زوجه أبوه النصرانى امرأة نصرانية فأسلمت المرأة فالقياس أن لا يعرض الاسلام على الأب ولكن يؤخر حتى يعقل وذلك لأن العرض وجب على الزوج وثبت له حق الامساك باسلامه فوجب تأخيره الى حال عقله كما فى الصغير، وفى الاستحسان يعرض الاسلام على الأب لأن الجنون ليس له غاية معلومة فالتأخير الى حال العقل بعد ابطالا لحقها مع أن