للشافعى رضى الله تعالى عنه، ولا طلاق لولى المجنون أو خليفته ولا لولى المخالط فى عقله أو خليفته، وكذا المعتوه. وقال بعض قومنا رحمهم الله تعالى يصح من أوليائهم وخلائفهم، واختلفوا أيضا فى يمين السكران، ولا يلزمه اقرار ولا عقد، ولا يلزم الطلاق مبرسما (١) خولط فى عقله، وفى طلاق المغمى عليه قولان (٢).
بعض أحكام يختلف فيها الاغماء
عن كل من الجنون والعته والنوم والسكر
مذهب الحنفية:
جاء فى كشف الأسرار أن القياس فى الجنون أن يكون مسقطا للعبادات كلها أى مانعا لوجوبها سواء كان الجنون أصليا أم عارضا، وسواء كان قليلا أو كثيرا، وهو قول زفر والشافعى رحمهما الله تعالى حتى قالا لو أفاق المجنون فى بعض شهر رمضان لم يجب عليه قضاء ما مضى كالصبى اذا بلغ أو الكافر اذا أسلم فى خلال الشهر، وكذا اذا أفاق قبل تمام يوم وليلة لم يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات عندهما وذلك لأن الجنون ينافى القدرة لأنها تحصل بقوة البدن والعقل.
والجنون يزيل العقل فلا يتصور فهم الخطاب والعلم به بدون العقل والقدرة على الأداء لا تتحقق بدون العلم لأن العلم أخص أوصاف القدرة فتفوت القدرة بفوته، وبفوت القدرة يفوت الأداء، واذا فات الأداء عدم الوجوب اذ لا فائدة فى الوجوب بدون الأداء وحاصله أن أهلية الأداء تفوت بزوال العقل، وبدون الأهلية لا يثبت الوجوب، فلا يجب القضاء.
والدليل على ذلك أن الصبى أحسن حالا من المجنون فانه ناقص العقل فى بعض أحواله عديم العقل فى بعض أحواله الى الاصابة، والمجنون عديم العقل لا الى الاصابة عادة، واذا كان الصغر يمنع الوجوب حتى لم يلزم الصبى قضاء ما مضى من الشهر اذا بلغ فى خلال الشهر فالجنون أولى به، وهذا بخلاف المغمى عليه حيث يجب عليه قضاء ما مضى من الصوم عند الافاقة وقضاء الصلوات اذا كان الاغماء أقل من يوم وليلة لأن أهليته قائمة لقيام العقل اذ الاغماء لا ينافى العقل بل هو عجز عن استعمال آلة القدرة كالنوم فكان العقل ثابتا كما كان كمن عجز عن استعمال السيف لم يؤثر ذلك فى السيف بالاعدام فكذلك الاغماء.
لكن علماءنا الثلاثة رحمهم الله تعالى استحسنوا فى الجنون اذا زال قبل الامتداد فجعلوه عفوا أى ساقطا كأن لم يكن والحقوه بالنوم والاغماء، وذلك أن الجنون من العوارض كالاغماء والنوم وقد الحق النوم والاغماء بالعدم فى حق كل عبادة لا يؤدى ايجابها الى الحرج على المكلف بعد زوالهما وجعل كأنهما لم يوجدا أصلا فى حق ايجاب القضاء وأن العبادة كانت واجبة ففاتت من غير عذر فيلحق الجنون الموصوف بكونه عارضا بهما بجامع أن كل واحد عذر عارض زال قبل الامتداد.
وكذا الحكم فى كل عذر عارض كالحيض والنفاس فى حق الصوم. هذا فى حق ايجاب القضاء فأما فى حق لحوق المآثم فالأمر مبنى على الحقيقة لورود النص المنبئ وأن الله تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها والا ما آتاها، الا ترى أن الشرع الحق العارض بالعدم فى حق صحة الأداء حتى أن من نوى من الليل الصوم ثم نام ولم ينتبه الا بعد غروب الشمس أو أغمى عليه أو جن ولم يفق الى ذلك الوقت حكم بجواز الصوم مع أنه عبادة خالصة والامساك ركن وهو فعل مقصود ولا بد فى مثله من التحصيل بالاختيار، وما به من العذر قد سلب اختياره لكن عند زوال العذر جعل هذا الفعل بمنزلة
стр. 5882
الفعل الاختيارى بطريق الحاق العذر الزائل بالعدم واذا كان فى حق الأداء الذى هو المقصود ففى حق الوجوب الذى هو وسيلة أولى أن يكون كذلك، يوضحه ان الشرع الحق العارض بالعدم فى حق الأداء، وقت تقرره حيث حكم بصحة الفعل الموجود فى حالة النوم والاغماء.
ونحن فى حق الوجوب الحقنا العارض بالعدم بعد زواله وجعلنا السبب الموجود فى تلك الحالة معتبرا فى حق ايجاب القضاء عند زوال العارض فكان أولى بالصحة (١). لكن الجنون اذا لم يمتد لم يكن عدم اعتباره والحاقه بالعدم وايجاب العبادة معه موقعا فى الحرج.
وقد اختلفوا فى الجنون الذى جعل عفوا اذا زال قبل الامتداد فقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: «الحاق الجنون بالنوم والاغماء وايجاب القضاء عند زواله قبل الامتداد انما يتحقق اذا كان عارضا من كل وجه بأن حدث بعد البلوغ ليمكن الحاقه بالعوارض وجعله عفوا عند عدم الامتداد، فأما اذا بلغ الصبى مجنونا فان حكم هذا الجنون يكون مثل حكم الصبا فاذا زال هذا الجنون فى خلال الشهر صار فى معنى الصبى اذا بلغ فى خلال الشهر فلا يجب عليه قضاء ما مضى.
وقال محمد رحمه الله تعالى: الجنون الأصلى والعارض سواء فى أن غير الممتد من كل واحد منهما ملحق بالعدم، واعتبر محمد رحمه الله تعالى حال الجنون الأصلى وهى امتداده وعدم امتداده وفرق بين الأمرين فى الشئ الذى يزول هذا الجنون عنه من الواجبات مثل الصوم والصلاة، ويلحق محمد الجنون الأصلى بأصل الجنون وهو كونه عارضا - يعنى أن الأصل فى الجنون أن يكون عارضا نظرا الى أن الأصل فى الجبلة سلامتها عن الآفات فكان هذا الجنون أصليا أمرا عارضا فيه فيلحق محمد رحمه الله تعالى هذا العارض بأصل والحاقه الأصل بالعارض انما يتحقق فى زوال الجنون الأصلى قبل انسلاخ شهر رمضان فانه يلحقه بزوال الجنون العارضى قبل الانسلاخ ويوجب قضاء ما مضى من الشهر بزواله ولا يوجبه أبو يوسف رحمه الله تعالى وكذا الحكم فى الصلاة بأن بلغ مجنونا ثم زال الجنون قبل مضى يوم وليلة لزمه قضاء صلوات ما مضى عند من جعل الجنون الأصلى كالعارضى ولا يلزمه قضاؤها عند من فرق بينهما - وذكر الاختلاف فى المبسوط وفتاوى قاضيخان وعامة الكتب على عكس ما ذكر ههنا فقيل وان كان جنونه أصليا بأن بلغ مجنونا ثم أفاق فى بعض الشهر فالمحفوظ عن محمد رحمه الله تعالى أنه ليس عليه قضاء ما مضى لأن ابتداء الخطاب يتوجه عليه الآن فيكون بمنزلة الصبى يبلغ.
وروى هشام عن أبى يوسف رحمهما الله تعالى أنه قال فى القياس لا قضاء عليه ولكنى استحسن فأوجب عليه قضاء ما مضى من الشهر لأن الجنون الأصلى لا يفارق الجنون العارضى فى شئ من الأحكام وليس فيه رواية عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى، واختلف فيه المتأخرون على قياس مذهبه، والأصح أنه ليس عليه قضاء ما مضى.
وذكر الشيخ أبو المعين: رحمه الله تعالى فى طريقته ما يوافقه فقال فى ظاهر الرواية:
لا فرق بين الجنون الأصلى والعارضى.
وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أنه جعل الذى بلغ مجنونا بمنزلة الصبى والكافر ولم يرد عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى فى هذا شئ منهم من جعل ما روى عن محمد تفسيرا لما أبهم فى ظاهر الرواية.
ومنهم من يجعل هذا قول محمد رحمه الله تعالى خاصة وجه الفرق أن الجنون الحاصل
стр. 5883
قبل البلوغ حصل فى وقت نقصان الدماغ الآفة فيه مانعة له عن قبول الكمال مبقية له على ما خلق عليه من الضعف الأصلى فكان أمرا أصليا فلا يمكن الحاقه بالعدم فتلزمه الحقوق مقتصرة على الحال.
فأما الحاصل بعد البلوغ فقد حصل بعد كمال الأعضاء واستيفاء كل منها القوة فكان معترضا على المحل الكامل بلحوق آفة عارضة فيمكن الحاقه بالعدم عند انتفاء الحرج فى ايجاب الحقوق.
ووجه المساواة بينهما فى الحكم أن الجنون الحاصل قبل البلوغ من قبيل العارض أيضا لأنه لما زال فقد دل ذلك على حصوله عن أمر عارض على أصل الخلقة لا لنقصان جبل عليه دماغه فكان مثل العارض بعد بلوغه.
وحد الامتداد فى الجنون يختلف باختلاف الطاعات لأن بعضها موقت باليوم والليلة وبعضها بالشهر وبعضها بالسنة.
فالامتداد فى حق الصلوات وسائر العبادات يحصل بالكثرة الموقعة فى الحرج لأنه لم يمكنه أداء العبادات مع هذا الوصف واذا زال وقد وجبت العبادات عليه فى حال الجنون اجتمعت عليه واجبات حال الجنون وواجبات حال الافاقة فى وقت واحد فيخرج فى أدائها لكثرتها.
ثم لما لم تكن للكثرة نهاية يمكن ضبطها اعتبر أدناها وهو أن يستوعب العذر وظيفة الوقت الا أن وقت جنس الصلاة يوم وليلة وهو وقت قصير فى نفسه فأكدت كثرتها بدخولها فى حد التكرار. ثم اختلف أصحابنا فيما يحصل به التكرار فاعتبر محمد رحمه الله تعالى دخول نفس الصلوات فى حد التكرار بأن تصير الصلوات ستا لأن التكرار يتحقق به، وأقام أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى الوقت فى دخول الصلوات فى حد التكرار مقام الصلاة، يعنى أنهما اعتبرا الزيادة على يوم وليلة باعتبار الساعات.
هكذا ذكر الاختلاف الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى وفائدة الاختلاف تظهر فيما اذا جن بعد طلوع الشمس ثم أفاق فى اليوم الثانى قبل الزوال او قبل دخول وقت العصر فعند محمد رحمه الله تعالى يجب عليه القضاء لأن الصلوات لم تصر ستا فلم يدخل الواجب فى حد التكرار حقيقة، وعندهما لا قضاء عليه لأن وقت الصلوات الخمس - وهو اليوم والليلة قد دخل فى حد التكرار وان لم يدخل الواجب فيه والوقت سبب فيقام مقام الواجب الذى هو مسببه للتيسير على المكلف باسقاط الواجب عنه قبل صيرورته مكررا.
كما أقيم السفر مقام المشقة وقد روى أن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما أغمى عليه أكثر من يوم وليلة فلم يقض الصلوات والعبرة فى المنصوص عليه لعين النص لا للمعنى والجنون فوق الاغماء فى هذا الحكم فيلحق به دلالة والامتداد فى الصوم بأن يستغرق الجنون شهر رمضان وهذا اللفظ يشير الى أنه لو أفاق فى جزء من الشهر ليلا أو نهارا يجب القضاء - وهو ظاهر الرواية وذكر فى الكامل نقلا عن الامام شمس الأئمة الحلوانى رحمه الله تعالى أنه لو كان مفيقا فى أول ليلة من رمضان فأصبح مجنونا واستوعب الجنون باقى الشهر لا يجب عليه القضاء وهو الصحيح لأن الليل لا يصام فيه فكان الجنون والافاقة فيه سواء.
وكذا لو أفاق فى ليلة من الشهر ثم أصبح مجنونا، ولو أفاق فى آخر يوم من رمضان فى وقت النية لزمه القضاء، وان أفاق بعده اختلفوا فيه.
والصحيح أنه لا يلزم القضاء لأن الصوم لا يفتتح فيه. ثم لم يعتبر التكرار فى حق الصوم كما اعتبر فى حق الصلاة لوجهين أحدهما أنا انما شرطنا دخول الصلوات فى التكرار تأكيدا لوصف الكثرة فان أصل الكثرة يحصل باستيعاب الجنس وانما يصار الى المؤكد اذا لم يزد المؤكد على الأصل.
стр. 5884
وفى باب الصوم لا يمكن اعتباره لأن المؤكد فيه يزداد على الأصل اذ لا يأتى وقت وظيفة أخرى ما لم يمض أحد عشر شهرا فيزداد ما شرع تابعا على ما شرع بطريق الاصالة وهو فاسد.
ولا يلزم عليه زيادة المرتين على المرة الواحدة فى الوضوء فانها شرعت لتأكيد الغرض مع أنها أكثر عددا من الأصل لأنها لم تشرع شرطا لاستباحة الصلاة بطريق الوجوب، بل الزائد سنة والسنن والنوافل وان كثرت لا تماثل الفرض فلا يرد نقضا لأن المطلوب نفى المماثلة بين التبع والأصل وقد حصل بخلاف ما نحن فيه لأن الزائد فيه شرط كالأصل فلم يجز أن يكون مثلا له.
والثانى: ان الصوم وظيفة السنة لا وظيفة الشهر وان كان أداؤه فى بعض أوقاتها كالصلوات الخمس وظيفة اليوم والليلة وان كان أداؤها فى بعض الأوقات ولهذا كان رمضان الى رمضان كفارة لما بينهما وجعل صوم رمضان مع ست من شوال بمنزلة صيام الدهر كله.
كما ورد به الحديث ثم كما مضى الشهر دخل وقت وظيفة أخرى اذ الاستيعاب لا يتحقق الا بوجود جزء من شوال فكان الجنس كالتكرار بتكرر وقته ويتأكد الكثرة به فلا حاجة الى اعتبار تكرار حقيقة الواجب فكان هذا مثل ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى فى الصلاة.
والامتداد فى حق الزكاة بأن يستغرق الجنون الحول عند محمد رحمه الله تعالى وهو رواية ابن رستم عنه.
ورواية الحسن عن أبى حنيفة والمروى عن أبى يوسف رحمهم الله تعالى فى الأمالى، قال صدر الاسلام: وهذا هو الأصح لأن الزكوات تدخل فى حد التكرار بدخول السنة الثانية.
وروى هشام عن أبى يوسف رحمهما الله ونصف السنة ملحق بالأقل لأن كل وقتها الحول تعالى ان امتداده فى حق الزكاة بأكثر السنة الا أنه مديد جدا فقدر بأكثر الحول عملا بالتيسير والتخفيف فان اعتبار أكثر السنة أيسر وأخف على المكلف من اعتبار تمامها لأنه أقرب الى سقوط الواجب من اعتبار الجميع كما أن اعتبار الوقت فى حق الصلاة أيسر من اعتبار حقيقتها، فاذا زال الجنون قبل هذا الحد الذى ذكرنا فى كل عبادة وهو أصلى كان على الاختلاف المذكور بين أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.
وقد بينا ذلك فى حق الصوم والصلاة وبيانه فى حق الزكاة فيما اذا بلغ الصبى مجنونا وهو مالك لنصاب فزال جنونه بعد مضى ستة أشهر ثم تم الحول من وقت البلوغ وهو مفيق وجبت عليه الزكاة عند محمد رحمه الله تعالى لأنه لا يفرق بين الأصلى والعارضى، ولا تجب عليه الزكاة عند أبى يوسف رحمه الله تعالى، بل يستأنف الحول من وقت الافاقة لأنه بمنزلة الصبى الذى بلغ الآن عنده.
ولو كان الجنون عارضيا فزال بعد ستة أشهر وجبت الزكاة بالاجماع لأنه زال قبل الامتداد عند الكل ولو زال الجنون بعد مضى أحد عشر شهرا وجبت الزكاة عند محمد رحمه الله تعالى سواء كان الجنون أصليا أو عارضيا لوجود الزوال قبل الامتداد ولمساواة الأصلى العارضى عنده.
وعند أبى يوسف رحمه الله تعالى لا تجب الزكاة بوجود الزوال بعد الامتداد.
فالجنون لا ينافى أهلية الوجوب لأنها تثبت بالذمة والصلاحية لحكم الوجوب أى فائدته المقصودة منه وهو استحقاق ثواب الآخرة وباحتمال الأداء. والجنون لا ينافى الذمة لأنها ثابتة لكل مولود من البشر على ما مر بيانه.
ولا ينافى حكم الواجب أيضا لأنه لا ينافى الاسلام اذ المجنون يبقى مسلما بعد جنونه
стр. 5885
فلا ينافى استحقاق ثواب الآخرة ولا ينافى احتمال الأداء مرجو منه بالافاقة فى الوقت وخلفه وهو القضاء متوهم بالافاقة خارج الوقت وذلك كاف للوجوب.
كما فى الاغماء فثبت أنه لا ينافى أهلية الوجوب وذلك لأن الأداء مقصور عنه فانه لو نرى الصوم ليلا ثم أصبح مجنونا صح منه الصوم ذلك اليوم لأن الركن بعد النية هو ترك المفطرات وهو يتصور منه كما يتصور من العاقل.
والترك من حيث هو ترك لا يفتقر الى القصد والتمييز، واذا تصور منه اداء كان أهلا للوجوب لأن من كان أهلا للأداء كان أهلا للوجوب.
ومما يوضح أن الجنون لا ينافى الذمة أن المجنون يرث ويملك، وثبوت الارث من باب الولاية لأن الوراثة خلافة والوارث يخلف المورث ملكا وتصرفا حتى أن ما يقطع الولاية كالرق واختلاف الدين يمنع التوارث، وكذا الملك ولاية لأنه استيلاء على المحل شرعا والولاية لا تثبت بدون الذمة.
والجنون لا ينافى أهلية الوجوب الا أن ينعدم الأداء تحقيقا وتقديرا بأن يلزم منه حرج فيصير الوجوب حينئذ معدوما أى لا يثبت أصلا بناء على عدم الأداء.
ولأن الجنون لا ينافى أهلية الوجوب قلنا أن المجنون يؤاخذ بضمان الأفعال فى الأموال على الكمال حتى لو أتلف مال انسان يجب عليه الضمان كما يجب على العاقل لأن المجنون أهل لحكم وجوب المال وهو الأداء على ما قلنا فى باب الأهلية ان المال هو المقصود فى حقوق العباد دون الفعل.
والمقصود يحصل بأداء النائب فكان المجنون من أهل وجوبه كالصبى.
واذا ثبتت أهلية للمجنون كان هذا العارض وهو الجنون من أسباب الحجر، يعنى أن المجنون ليس بعديم الأهلية بحيث لا تعتبر أفعاله وأقواله جميعا كالبهائم، بل له أصل الأهلية حيث يثبت له الأرث والملك.
واعتبر من أفعاله ما يتوقف صحته على العقل نظرا له كالصبا والرق فانهما من أسباب الحجر نظرا للصغير والمولى.
والحجر عن الأقوال صحيح لأن اعتبارها بالشرع فيجوز ان يسقط اعتبارها شرعا بعارض بخلاف الافعال فانها توجد حسا لامر لها فلا يتصور الحجر عنها شرعا.
ففسدت عباراته حتى لم تصح أقاريره وعقوده وغيرها مما يتعلق بالعبارة لأن صحة الكلام بالعقل والتمييز، فبدونهما لا يمكن اعتباره.
وقلنا لم يصح ايمان المجنون حتى لو كان أبواه كافرين فأقر بوحدانية الله تعالى وصحة الرسالة لا يحكم باسلامه لأن ركن الايمان لم يوجد وهو عقد القلب والأداء الصادران عن عقل.
وكذا الحكم فى سائر عباراته أيضا فانها ليست بمعتبرة أصلا لفوات العقل حتى لم تنفذ باجازة الولى فكان المراد من الحجر فيها اخراجها من الاعتبار من الأصل ومع أن الايمان لا يصح من المجنون بنفسه هو مشروع فى حقه بطريق التبعية حتى صار مؤمنا تبعا لأبويه ولم يصح تكليف المجنون بايمان بوجه سواء كان بالغا أو لم يكن لأن صحة التكليف مبنية على العقل الذى هو آلة القدرة وقد عدم الا فى حقوق العباد فان تكليفه بالايمان يصح فيما يرجع الى حقوقهم، فلو أن نصرانيا زوجه أبوه النصرانى امرأة نصرانية فأسلمت المرأة فالقياس أن لا يعرض الاسلام على الأب ولكن يؤخر حتى يعقل وذلك لأن العرض وجب على الزوج وثبت له حق الامساك باسلامه فوجب تأخيره الى حال عقله كما فى الصغير، وفى الاستحسان يعرض الاسلام على الأب لأن الجنون ليس له غاية معلومة فالتأخير الى حال العقل بعد ابطالا لحقها مع أن
стр. 5886
فيه فسادا لأن المجنون قادر على الوط ء فصار التأخير ضررا محضا وفسادا، وكلاهما غير مشروع فتعذر الامساك بالأصل - وهو اسلامه تبعا.
وفيه صيانة الحقين بقدر الامكان فصار أولى من ابطال أحدهما فان أسلم الأب بقيا على النكاح والا يفرق بينهما.
وما كان ضررا يحتمل السقوط فغير مشروع فى حق المجنون مثل الصلاة والزكاة والصوم وسائر العبادات فان الزامها نوع ضرر فى حقه وهى تسقط باعذار، ومثل الحدود والكفارات فانها تسقط بالشبهات، فاذا كانت تسقط بالأعذار والشبهات فلأن تسقط بعذر الجنون المزيل للعقل أولى، وكذا الطلاق والعتاق والهبة وما أشبهها من المضار غير مشروع فى حقه حتى يملكها عليه وليه كما لا تشرع فى حق الصبى لأنها من المضار المحضة.
وما كان قبيحا لا يحتمل العفو مثل الكفر فثابت فى حقه حتى أنه يصير مرتدا تبعا لأبويه لأن التصرف الضار وان كان غير ثابت فى حقه الا أن الكفر بالله قبيح لا يحتمل العفو فلا يمكن القول برده بعد تحققه من الأبوين (١).
وكما الحق الجنون بأول أحوال الصغر فى الأحكام الحق العته بآخر أحوال الصبا فى جميع الأحوال أيضا حتى أن العتة لا يمنع صحة القول والفعل كما لا يمنع الصبا مع العقل فيصح اسلام المعتوه وتوكله ببيع مال غيره وطلاق منكوحة غيره وعتاق عبد غيره ويصح منه قبول الهبة كما يصح من الصبى، لكن العته يمنع العهدة أى ما يوجب الزام شئ ومضرة كالصبا فلا يطالب المعتوه فى الوكالة بالبيع والشراء بنقد الثمن وتسليم المبيع ولا يرد عليه بالعيب ولا يؤمر بالخصومة فيه ولا يصح طلاقه امرأة نفسه ولا اعتاقه عبد نفسه باذن الولى وبدون اذنه ولا بيعه وشراؤه لنفسه بدون اذن الولى لأن كل ذلك من العهدة والمضار.
وأما ضمان ما يستهلك من المال فليس من العهدة المنفية عنه لأن المنفى عنه عهدة تحتمل العفو فى الشرع، وضمان المتلف لا يحتمل العفو شرعا لأنه حق العبد، ولأن العهدة اذا استعملت فى حقوق العباد يراد بها ما يلزم بالعقود فى أغلب الاستعمال وهو المراد بها ههنا وضمان المستهلك ليس من هذا القبيل فلا يكون عهدة لكن الضمان شرع جبرا لما استهلك من المحل المعصوم ولهذا قدر المثل وكون المستهلك معتوها لا ينافى عصمة المحل لأنها ثابتة لحاجة العبد اليه لتعلق بقائه وقوام مصالحه به وبالعته لا تزول حاجته اليه عنه فبقى معصوما فيجب الضمان على المستهلك ولا يمتنع بعذر العته.
بخلاف حقوق الله تعالى فانها تجب بطريق الابتلاء وذلك يتوقف على كمال العقل والقدرة وبخلاف الحقوق الواجبة بالعقود لأنها لما وجبت بالعقد وقد خرج كلامهما عن الاعتبار عند استلزامه المضار لم يجعل العقود أسبابا لتلك الحقوق فى حقهما.
ويوضع عن المعتوه الخطاب كما يوضع عن الصبى فلا يجب عليه العبادات ولا يثبت فى حقه العقوبات كما فى حق الصبى وهو اختيار عامة المتأخرين.
وذكر القاضى الامام أبو زيد رحمه الله تعالى فى التقويم أن حكم العته حكم الصبا الا فى حق العبادات فانا لم نسقط به الوجوب احتياطا فى وقت الخطاب وهو البلوغ بخلاف الصبا لأنه وقت سقوط الخطاب.
وذكر صدر الاسلام مشيرا الى هذا القول أن بعض أصحابنا ظنوا أن العته غير ملحق بالصبا بل هو ملحق بالمرض حتى لا يمنع وجوب العبادات وليس كما ظنوا بل العته نوع جنون
стр. 5887
فيمنع وجوب أداء الحقوق جميعا اذ المعتوه لا يقف على عواقب الأمور كصبى ظهر فيه قليل عقل وتحقيقه أن نقصان العقل لما أثر فى سقوط الخطاب عن الصبى كما أثر عدمه فى حقه أثر فى سقوط الخطاب بعد البلوغ أيضا كما أثر عدمه فى السقوط بأن صار مجنونا لأنه لا أثر للبلوغ الا فى كمال العقل فاذا لم يصل الكمال بحدوث هذه الآفة كان البلوغ وعدمه سواء.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: الخطاب يسقط عن المجنون كما يسقط عن الصبى فى أول أحوال الصبا تحقيقا للعدل وهو أن لا يؤدى الى تكليف ما ليس فى الوسع.
ويسقط عن المعتوه كما يسقط عن الصبى فى آخر أحوال الصبا تحقيقا للفضل وهو نفس الحرج عنه نظرا ومرحمة على المعتوه لغيره كما تثبت على الصبى لأنه ثبوت الولاية من باب النظر ونقصان العقل مظنة النظر والمرحمة لأنه دليل العجز، ولا يلى هو على غيره لأنه عاجز عن التصرف بنفسه فلا بد على غيره (١). وأما النوم فيعجز العبد به عن أداء الحقوق فلزم بآخر الخطاب فى حق العمل به، لا سقوط الوجوب بالاحتمال الأداء حقيقة بالانتباه أو احتمال خلفه، عدم الانتباه وهذا لأن نفس العجز لا يسقط أصل الوجوب وانما يسقط وجوب العمل الى حين القدرة الى أن يطول زمان الوجوب ويتكثر الواجب فحينئذ يسقط دفعا للحرج والنوم لا يمتد عادة بحيث يخرج العبد فى قضاء ما يفوته فى حال نومه فانه لا يمتد ليلا ونهارا عادة.
واذا كان النوم كما بينا أنه غير ممتد وغير مستلزم للحرج لم يسقط الوجوب به لأنه لا يحل بالأهلية لأن الأهلية وجوب العبادات بالذمة وبالاسلام والنوم لا تحل بهما (٢).
يوضح ذلك قول رسول الله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها - فان ذلك - وقتها فان قوله فليصلها اذا ذكرها دليل على أن الوجوب ثابت فى حق النائم والناس قال الامام البرغرى رحمه الله تعالى فى هذا الحديث اشارة الى أن الصلاة واجبة، حالة النوم ولكن تأخر وجوب أدائها بعذر النوم لأنه ﷺ قال من نام عن صلاة، ولو لم تكون واجبة حالة النوم لما كان نائما عن الصلاة.
والنوم ينافى الاختيار أصلا لأن الاختيار بالتمييز ولم يبقى للنائم تميز فلذلك بطلت عبارات النائم فيما بنى على الاختيار مثل الطلاق والعتاق والاسلام والردة والبيع والشراء وصار كلامه لعدم التميز والاختيار بمنزلة الحان الطيور فلا يعتبر.
والمصلى اذا قرأ فى صلاته وهو نائم فى حال قيامه لم تصح قراءاته كما قلنا، وكذا لا يعتد قيامه وركوعه وسجوده من الفرض لصدورها لا عن اختيار، وأما القعدة الأخيرة فلا نص فيها عن محمد رحمه الله تعالى، وقيل انها تعد من الفرض لأنها ليست بركن ومبناها على الاستراحة فيلائمه النوم فيجوز أن يحتسب من الفرض بخلاف سائر الأفعال فان مبناها على المشقة فلا يتأذى فى حالة النوم، وذكر فى المنية انه اذا نام فى القعدة كلها ثم انتبه فعليه ان يقعد قدر التشهد فان لم يفعل فسدت صلاته وذكر فى النوادر ان قراءة النائم تنوب عن الفرض لأن الشرع جعل النائم كالمسقط فى حق الصلاة كذا فى الذخيرة. واذا تكلم النائم فى صلاته لم تفسد صلاته لأنه ليس بكلام لصدوره كمن لا تمييز له، وذكر فى الخلاصة ان المصلى اذا نام وتكلم فى حالة تفسد صلاته من غير ذكر خلاف، وفى النوازل انه اذا تكلم فى الصلاة وهو فى النوم تفسد صلاته هو المختار واذا قهقه النائم فى صلاته قال الحاكم أبو محمد رحمه الله تعالى تفسد صلاته ويكون حدثا لأنه قد يثبت بالنص أن القهقهة فى صلاة ذات ركوع وسجود، وقد وجدت، ولا فرق
стр. 5888
فى الأحداث بين النوم واليقظة، الا ترى أنه لو احتلم يجب الغسل كما لو أنزل بشهوة فى اليقظة وتفسد صلاته لأن النائم فى الصلاة كالمستيقظ، وبهذا أخذ عامة المتأخرين احتياطا كذا فى المغنى، وعن شداد ابن أوس عن أبى حنيفة رحمه الله تعالى انها تكون حدثا ولا تفسد صلاته حتى كان له أن يتوضأ ويبنى على صلاته بعد الانتباه ولأن فساد الصلاة بالقهقهة باعتبار معنى الكلام فيها وقد زال بالنوم لفوات الاختيار، أما تحقق الحدث فلا يفتقر الى الاختيار فلا يمتنع بالنوم وكانت القهقهة فى هذه الحالة حدثا ساريا بمنزلة الرعاف فلا تفسد الصلاة وقيل تفسد صلاته ولا تكون حدثا، وهذا هو المذكور فى عامة نسخ الفقه لأن فساد الصلاة باعتبارها معنى الكلام فى القهقهة والنوم كاليقظة فى حق الكلام عند الأكثر كما قلنا، وأما كونها حدثا فاعتبار معنى الجنابة وقد زال بالنوم ألا ترى أن قهقهة الصبى فى الصلاة لا تكون حدثا لزوال معنى الجنابة عن فعله. والاغماء وهو فتور يزيل القوى ويعجز به ذو العقل عن استعماله مع قيامه حقيقة لا يخل بالأهلية كالنوم لأن العجز عن استعمال العقل لا يوجب عدم العقل فتبقى الأهلية ببقائه كمن عجز عن استعمال السيف لم يؤثر ذلك فى السيف بالاعدام ألا ترى بأنه لا يولى عليه كما يولى على الصبى والمجنون وأن النبى ﷺ لم يكن معصوما عنه، ولو كان فيه زوال العقل لعصم عنه كما عصم عن الجنون.
قال الله : ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (١)» والاغماء أشد من النوم فى كونه عارضا وفى فوت الاختيار والقوة لأن النوم فترة أصلية - أى طبيعية بحيث لا يخلو الانسان عنه فى حال صحته فمن هذا الوجه يختل كونه عارضا وان تحققت العارضية فيه باعتبار انه زائد على معنى الانسانية، ولا يزيل أصل القوة أيضا وان أوجب العجز عن استعمالها، ويمكن ازالته بالتنبيه، والاغماء عارض من كل وجه لأن الانسان قد يخلو عنه فى مدة حياته فكان أقوى من النوم فى العارضية، وهو ينافى القوة أصلا لما قلنا أنه مرض مزيل للقوى.
ولهذا لا يمكن ازالته بفعل أحد، بخلاف النوم لأنه عجز عن استعمال القوة مع وجودها ولهذا يزول بالتنبيه.
ويوضح كون الاغماء أشد من النوم أنه يصير حدثا فى كل حال مضطجعا كان أو قاعدا أو قائما أو راكعا أو ساجدا، والنوم ليس بحدث فى بعض الأحوال لأنه بذاته لا يوجب استرخاء المفاصل الا اذا غلب فحينئذ يصير سببا للاسترخاء فيكون حدثا ويفارق الاغماء النوم أيضا فى أن النوم لازم للانسان بأصل الخلقة فيكون كثير الوقوع فلهذا كان النوم من المضطجع فى الصلاة اذا لم يتعمده حدثا لا يمنع البناء بمنزلة الرعاف والاغماء من العوارض النادرة فى الصلاة فلم يكن فى معنى ما ورد به النص وهو الحدث الذى يغلب وجوده فى جواز البناء.
والاغماء فوق الحدث فى المنع من الصلاة لأنه مع كونه حدثا فى جميع الأحوال مخل بالعقل وكل واحد منهما مؤثر فى المنع من الأداء لأنه مفتقر الى كل واحد منهما، كذا فى بعض الفوائد، فلم يلحق الاغماء بالحدث لهذين الوجهين كما لم تلحق الجنابة به، ومنع البناء على كل حال مضطجعا كان المغمى عليه أو غير مضطجع قليلا كان الاغماء أو كثيرا.
ويختلف النوم والاغماء فيما يجب من حقوق الله تعالى بطريق الخبر فيصلح الاغماء عذرا مسقطا فى البعض ولا يصفح النوم عذرا مسقطا بحال لأن الاغماء مرض ينافى القوة أصلا فلا يجب الأداء فى الحال للعجز.
وقد يحتمل الامتداد فى حق بعض الواجبات على وجه يوجب عدم اعتبار امتداده الحرج بدخول الواجب فى حد التكرار فيسقط به عنه
стр. 5889
حقيقة الأداء للعجز وخلفه - وهو القضاء - للحرج.
واذا سقط وجوب الأداء أصلا بطل نفس الوجوب لما قلنا فى باب الأهلية ان الوجوب غير مقصود بنفسه بل المقصود منه الأداء فلما سقط لم يبق الوجوب لعدم الفائدة وسقوط الأداء بالاغماء عند امتداده استحسان وكان القياس أن لا يسقط بالاغماء شئ وان طال كما ذهب اليه بشر بن غياث المريس لأنه مرض لا يؤثر فى العقل ولكنه يوجب خللا فى القدرة الأصلية فيؤثر فى تأخير الأداء ولا يوجب. سقوط القضاء كالنوم، والفرق ما ذكرنا أن الاغماء قد يقصر وقد يطول عادة فى حق بعض الواجبات فاذا قصر اعتبر بما يقصر عادة وهو النوم فلا يسقط به القضاء واذا طال اعتبر بما يطول عادة الجنون والصغر فيسقط القضاء.
وامتداد الاغماء فى الصلوات أن يزيد على يوم وليلة باعتبار الأوقات عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى، وباعتبار الصلوات عند محمد رحمه الله تعالى على ما فسرناه فى الجنون وقال الشافعى رحمه الله تعالى امتداده باستيعاب وقت الصلاة حتى لو كان مغمى عليه وقت صلاة كاملا لا يجب عليه القضاء لأن وجوب القضاء يبتنى على وجوب الأداء وفرق بين النوم والاغماء فان النوم عن اختيار منه بخلاف الاغماء ولكنا استحسنا لحديث على رضى الله تعالى عنه فانه أغمى عليه أربع صلوات فقضاهن وعمار بن ياسر رضى الله تعالى عنه أغمى عليه يوما وليلة فقضى الصلوات وعبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنهما أغمى عليه أكثر من يوم وليلة فلم يقض الصلوات.
فعرفنا أن امتداده فى الصلوات بما ذكرنا كذا فى المبسوط وذكر فى بعض المواضع أن القضاء يجب على المغمى عليه بالاجماع اذا لم يزد الاغماء على يوم وليلة.
وفى الصوم لا يعتبر امتداده حتى لو كان مغمى عليه فى جميع الشهر ثم أفاق بعد مضيه يلزمه القضاء أن تحقق ذلك الا عند الحسن البصرى ﵀ فانه يقول سبب وجوب الأداء لم يتحقق فى حقه لزوال عقله بالاغماء ووجوب القضاء يبتنى عليه.
وقلنا ان الاغماء عذر فى تأخير الصوم الى زواله الا فى اسقاطه لأن سقوطه بزوال الأهلية أو بالحرج ولا تزول الأهلية به لما بينا ولا يتحقق الحرج به أيضا لأنه انما يتحقق فيما يكثر وجوده وامتداده فى حق الصوم نادر لأنه مانع من الأكل والشرب وحياة الانسان شهرا بدون الأكل والشرب لا تتحقق الا نادرة فلا يصلح لبناء الحكم عليه.
وفى الصلاة امتداده غير نادر فيوجب حرجا فيجب اعتباره وفى اعتبار امتداده فى حق الصلاة جاءت السنة كما بينا (١).
أما السكر فنوعان سكر بطريق مباح وسكر بطريق محظور، أما السكر بالمباح فمثل من أكره على شرب الخمر بالقتل فانه يحل له وكذلك المضطر اذا شرب من الخمر ما يروى به العطش فسكر به، وكذلك اذا شرب دواء فسكر به مثل البنج والأفيون، أو شرب لبنا فسكر به فان السكر فى هذه المواضع بمنزلة الاغماء يمنع من صحة الطلاق والعتاق وسائر التصرفات لأن ذلك ليس من جنس اللهو فصار من أقسام المرض وذكر القاضى الامام فخر الدين المعروف بخان رحمه الله تعالى فى فتاواه وشرحه للجامع الصغير ناقلا عن أبى حنيفة وسفيان الثورى أن الرجل ان كان عالما بفعل البنج وتأثيره فى العقل ثم أقدم على أكله فانه يصح طلاقه وعتاقه.
وأما السكر المحظور فهو السكر من كل شراب محرم وكذلك السكر من النبيذ المثلث أو نبيذ
стр. 5890
الزبيب المطبوخ المعتق لأن هذا وان كان حلالا عند أبى حنيفة وأبى يوسف رحمهما الله تعالى فانما يحل بشرط أن لا يسكر منه وذلك من جنس ما يتلهى به فيصير السكر منه مثل السكر من الشراب المحرم. والسكر المحظور لا ينافى الخطاب بالاجماع لأن الله قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ١» فان كان هذا خطابا فى حال سكره فلا شبهة فى أنه لا ينافى الخطاب وان كان فى حال الصحو فكذلك يدل على انه لا ينافى الخطاب أيضا اذ لو كان منافيا له لصار كأنه قيل لهم اذا سكرتم وخرجتم عن أهلية الخطاب فلا تصلوا لأن الواو للحال والأحوال شروط وحينئذ يصير كقولك للعاقل اذا جننت فلا تفعل كذا وفساده ظاهر لأنه اضافة الخطاب الى حالة منافية له، ولما صح ههنا عرفنا أنه أهل للخطاب فى حال السكر، وانما لم يسقط الخطاب عنه كالمغمى عليه ولم يتأخر كالنائم نظرا الى أن السكر يعجزه عن استعمال العقل وفهم الخطاب كالنوم والاغماء لم يسقط الخطاب عنه مع ذلك لأن الخطاب انما يتوجه على العبد باعتدال الحال وأقيم السبب الظاهر - وهو البلوغ عن عقل - مقامه تيسير العذر الوقوف على حقيقته، وبالسكر لا يفوت هذا المعنى ثم قدرته على فهم الخطاب ان فاتت بآفة سماوية يصلح عذرا فى سقوط الخطاب أو تأخره عنه لئلا يؤدى الى تكليف ما ليس فى الوسع والى الحرج، فأما اذا فاتت من جهة العبد بسبب هو معصية عدت قائمة زجرا عليه فبقى الخطاب متوجها عليه وذلك أنه لما كان فى وسعه دفع السكر عن نفسه بالامتناع عن الشرب كان هو بالاقدام على الشرب مضيعا للقدرة فيبقى التكليف متوجها عليه فى حق الاثم وان لم تبقى فى حق الأداء وبهذا الطريق بقى التكليف بالعبادات فى حقه وان كان لا يقدر على الأداء ولا يصح منه الأداء كذا فى شرح التأويلات.
واذا ثبت أن الكسران مخاطب ثبت أن السكر لا يبطل شيئا من الأهلية لأنها بالعقل والبلوغ والسكر لا يؤثر فى العقل بالاعدام فيلزمه أحكام الشرع كلها من الصلاة والصوم وغيرهما، وتصح عباراته كلها بالطلاق والعتاق، وهو أحد قولى الشافعى رحمه الله تعالى، وفى قوله الآخر لا يصح، وهو قول مالك واختيار أبى الحسن الكرخى وأبى جعفر الطحاوى من أصحابنا رحمهم الله تعالى، ونقل عن عثمان رضى الله تعالى عنه أيضا لأن غفلته فوق غفلة النائم فان النائم ينتبه اذا نبه والسكران لا ينتبه، ثم طلاق النائم وعتاقه لا يقع فطلاق السكران وعتاقه أولى، ويصح بيعه وشراؤه واقراره وتزويجه الولد الصغير وتزوجه واقراضه واستقراضه وسائر تصرفاته قولا وفعلا عندنا لأنه مخاطب كالصاحى، وبالسكر لا ينعدم عقله انما يغلب عليه السرور فيمنعه من استعمال عقله وذلك لا يؤثر فى تصرفه سواء شرب مكرها أو طائعا، وذكر فى شرح الجامع الصغير لقاضى خان رحمه الله تعالى أنه ان شرب السكر مكرها ثم طلق أو أعتق اختلفوا فيه والصحيح أنه كما لا يجب عليه الحد لا ينفذ تصرفه - وبالسكر ينعدم القصد الصحيح - وهو العزم على الشئ - لأن ذلك ينشأ عن نور العقل وقد احتجب ذلك عنه بالسكر، أما العبارة فلا تنعدم به لأنها توجد حسا، وصحتها تبتنى على أهل العقل حتى ان السكران اذا تكلم بكلمة الكفر لم تبن منه امرأته استحسانا لأن الردة تبتنى على القصد والاعتقاد ونحن نعلم أن السكران غير معتقد لما يقول بدليل أنه لا يذكره بعد الصحو، وما كان عن عقد القلب لا ينسى خصوصا المذاهب فانها تختار عن فكر وروية وعما هو الأحق من الأمور عنده، واذا كان كذلك كان هذا عمل اللسان دون القلب فلا يكون اللسان معبرا عما فى الضمير فجعل كأنه لم ينطق به حكما كما لو جرى على لسان الصاحى كلمة الكفر خطأ كيف ولا ينجو سكران من التكلم بكلمة الكفر عادة وهذا بخلاف ما اذا تكلم بالكفر هازلا لأنه بنفسه استخفاف
стр. 5891
بالدين وهو كفر وقد صدر عن قصد صحيح فيعتبر.
أما فى القياس - وهو قول أبى يوسف رحمه الله تعالى على ما ذكر فى شرح التأويلات - فان امرأته تبين منه لأنه مخاطب كالصاحى فى اعتبار أقواله وأفعاله. واذا أسلم الكافر فى حال سكره وجب أن يصح اسلامه بوجود أحد الركنين ترجيحا لجانب الاسلام كما فى المكره وفى المبسوط أن السكران اذا قذف رجلا حبس حتى يصحو ثم يحد للقذف ثم يحبس حتى يخف عليه الضرب ثم يحد للسكر لأن حد القذف فيه معنى حق العباد فيقدم على حد السكر ولا يوالى بينهما فى الاقامة لئلا يؤدى الى التلف وسكره لا يمنع وجوب الحد عليه بالقذف لأنه مع سكره مخاطب واذا زنى فى سكره حد اذا صحا، واذا أقر أنه سكر من الخمر طائعا لم يحد حتى يصحو فيقر ثانيا أو تقوم عليه البينة أنه سكر طائعا لأن السكران لا يثبت على كلام ولكنه يتكلم بالشئ وضده والاصرار على الاقرار بالسبب لا بد منه لا يجاب حد الخمر واذا أقر بشئ من الحدود لم يؤخذ به الا بحد القذف لأن الرجوع عن الاقرار بالحدود يصح فيما سوى حد القذف، وقد قارنه ههنا دليل الرجوع وهو السكر فمنعه عن الثبوت لأن المنع أسهل من رفع (١).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل أن من نواقض الوضوء زوال العقل وان بنوم ثقل ولو قصر لا بنوم خف، وندب ان طال، قال الحطاب رحمه الله تعالى:
وظاهر كلام خليل رحمه الله تعالى أن زوال العقل بغير النوم لا يفصل فيه كما يفصل فى النوم، وهو ظاهر المدونة والرسالة، قال فى المدونة:
ومن نام جالسا أو راكبا الخطوة ونحوها فلا وضؤ على من نام محتبيا فى يوم جمعة وشبهها لأنه لا يثبت، قال أبو هريرة رحمه الله تعالى: ليس على المحتبى النائم ولا على القائم النائم وضوء قال ابن وهب رحمه الله تعالى قال ابن أبى سلمة من استثقل نوما على أى حال كان فعليه الوضوء ثم قال: ومن خنق نائما أو قاعدا توضأ ولا غسل عليه ومن فقد عقله باغماء أو سكر أو جنون توضأ.
وقال فى الرسالة: يجب الوضوء من زوال العقل بنوم مستثقل أو اغماء أو سكر أو تخبط جنون، وقال ابن عبد السلام رحمه الله تعالى لكيفية نقضها فى طول أو قصر وذلك يدل على أنها ناقضة مطلقا وهو الحق خلافا لبعضهم وقال ابن بشير رحمه الله تعالى: والقليل والكثير فى ذلك سواء وقال ابن ناجى رحمه الله تعالى فى شرح الرسالة ظاهر كلامه أن الجنون والاغماء لكونه لم يشترط فيهما القتل كما اشترطه فى النوم وهو كذلك قاله مالك وابن القاسم رحمهما الله تعالى، ونقل اللخمى عن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى أنهما سببان، وخرج على القول من جن قائما أو قاعدا بحضرة قوم ولم يحسوا انه خرج منه شئ واعترض كلام اللخمى من وجهين الأول لابن بشير رحمه الله تعالى أن عبد الوهاب أطلق عليهما أنهما سببان الا أنه أوجب عنهما الوضوء دون تفصيل، والثانى لبعض شيوخنا رحمهم الله تعالى أنه لا يلزم من عدم احساسهم عدم الحدث ويلزمه مثل ذلك فى النوم. وأما النوم فاختلف فيه، قال ابن عرفة رحمه الله تعالى: وقال أبو الفرج روى عن ابن القاسم أنه حدث والمشهور انه سبب، قال الحطاب: وطريقة اللخمى رحمه الله تعالى وهى التى مشى عليها خليل أأن الثقيل الطويل ينقض بلا خوف والثقيل القصير فيه خلاف والمشهور النقض، والقصير الخفيف لا ينقض بلا خلاف، والطويل الخفيف يستحب منه الوضوء قال الشيخ زروق رحمه الله تعالى فى شرح الرسالة وعلامة الاستثقال سقوط شئ من يده أو انحلال حبوته
стр. 5892
أو سيلان ريقه أو بعده عن الأصوات المتصلة به ولا يتفطن لشئ من ذلك قال فى المدونة: ولا وضوء على من نام محتبيا.
قال ابن هارون رحمه الله تعالى فى شرحه يعنى اذا استيقظ لحل حيوته واما لو لم يشعر بحلها لزمه الوضوء وكذلك من بيده مروحة واستيقظ لسقوطها فلا وضوء عليه، والا توضأ.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى والمراد بالسكر السكر وان كان من حلال، قال فى الأم ولو سكر من لبن قال فى الطراز: فمن غلبه هم حتى ذهل وذهب عقله قال مالك رحمه الله تعالى: فى المجموعة عليه الوضوء، قيل له هو قاعد قال أحب الى أن يتوضأ وهذا يحتمل أحد معنيين اما أن يريد الذى يختاره ويقول به أنه يتوضأ أو يريد أنه اذا كان جالسا يستحب له الوضوء بخلاف المضطجع فانه يجب عليه لأن الجالس متمكن من الأرض وغفلته فى حكم غفلة الوسنان، وقال الشيخ زروق رحمه الله تعالى فى شرح الرسالة قال مالك رحمه الله تعالى فيمن حصل له هم أذهل عقله يتوضأ، وعن ابن القاسم رحمه الله تعالى:
لا وضوء عليه (١).
وجاء فى شرح منح الجليل ان من صلى الصلاة كلها فى وقتها الضرورى يأثم وان كانت صلاته أداء الا أن يؤخرها الى وقتها الضرورى لعذر من نحو اغماء وجنون ونوم وغفلة، فلو أفاق المغمى عليه من الاغماء فى الوقت الضرورى وصلى فيه فلا اثم عليه.
وكذلك المجنون والنائم قبل دخول الوقت ولو علم أنه لا يفيق فيه أفاق منه فيه وصلى فيه فلا حرمة عليه، ولا يجوز النوم بعد دخول وقت الصلاة قبل الصلاة الا اذا علم تيقظه منه فى الاختيار أو وكل من يوقظه فيه ممن يثق به أما السكر فان كان حراما أفاق منه فى الوقت الضرورى وصلى فيه فهو آثم لادخاله على نفسه.
وان كان غير حرام فهو كالجنون (٢). وجاء فى شرح الخرشى ان العذر المسقط اذا طرأ فى الوقت المدرك لمن زال عذره أسقطه فكما تدرك الحائض مثلا الظهرين والعشاءين يطهرها لخمس والثانية فقط لطهرها لدون ذلك كذلك يسقطان اذا حصل الحيض لخمس قبل الغروب أو تسقط الثانية فقط وتتخلف الأولى عليها ان حاضت لدون ذلك ولو أخرت الصلاة عامدة كما يقصر الصلاة المسافر ولو أخرها عامدة.
وروى نحو ذلك لابن عرفة عن ابن بشير رحمهما الله تعالى، ومثل الحيض الاغماء والجنون، وأخرج النائم والناسى فلا يسقطان المدرك لكن يسقطان الاثم (٣).
ويشترط لصحة الاذان أن يكون عاقلا فلا يصح الاذان من مجنون ولا من صبى غير مميز ولا من مغمى عليه ولا من سكران طافح (٤). قال فى الطراز فان أغمى عليه فى بعض الأذان أو جن ثم أفاق بنى فيما يقرب، وقال أشهب رحمه الله تعالى فى الاقامة: ان رعف مقيم أو أحدث أو مات أو أغمى عليه ابتدأ، فان بنى هو أو غيره أجزأه قال الشيخ رحمه الله تعالى: يريد توضأ بعد أفاقته.
стр. 5893
ومن شروط صحة الصيام العقل قال مالك رحمه الله تعالى: من بلغ وهو مجنون مطيق فمكث سنين ثم أفاق فليقض صوم تلك السنين ولا يقضى الصلاة كالحائض، وقال ابن يونس رحمه الله تعالى القول فى المغمى عليه كالقول فى المجنون وهو بخلاف النائم قال ابن القاسم رحمه الله تعالى فى المدونة: من أغمى ليلا فى رمضان وقد نوى صوم ذلك اليوم فلم يفق الا عند الماء وبعد ما أضحى لم يجره صوم ذلك اليوم ويقضيه وأما من أغمى عليه جل اليوم ففى المدونة قال مالك رحمه الله تعالى:
من أغمى عليه قبل طلوع الشمس فأفاق عند الغروب لم يجزه صلاة لأنه أغمى عليه أكثر النهار، وأما من أغمى عليه أقل اليوم ولم يسلم أوله فقد جاء فى المدونة أن من نوى صوم ذلك اليوم فلم يفق الا بعد ما أضحى لم يجزه صوم ذلك اليوم، قال ابن القاسم رحمه الله تعالى من أغمى عليه قبل الفجر فلم يفق الا بعده لم يجزه صومه بخلاف النائم لو نام قبل الفجر فانتبه قبل الغروب أجزأه صومه ولو كان ذلك الاغماء لمرض به لم يجزه صومه قال ابن يونس رحمه الله تعالى: لأن المغمى عليه غير مكلف فلم تصلح له نية والنائم مكلف لو نبه انتبه.
وجاء فى مواهب الجليل (١) أن الجنون اذا طرأ بعد الفجر ولم يطل هل هو كالاغماء أم لا؟ ظاهر كلام ابن عبد السلام أنه ليس كالاغماء فانه قال فى شرح قول ابن الحاجب رحمه الله تعالى:
وان كان فى أقله وأوله ما لم فكالنوم، يريد أن كان الاغماء فى أقل النهار مع سلامة أوله فلا أثر له كالنوم وذلك لكثرته فى الناسى ولا يلزم على هذا الحاق الجنون به فى هذا لقلته، وظاهر كلام صاحب الطراز أن حكم الجنون والاغماء سواء فقد قال فى باب الاعتكاف: انما اذا أغمى عليه أوجن وكان فى عقله حين الفجر أو أكثر النهار ولم يخرج من المسجد حتى دخل الليل يجزئه عكوفه ذلك اليوم على ما مر فى صحة صومه.
وجاء فى الشرح الكبير أن الاعتكاف يبطله سكر المعتكف ليلا حراما وان صحا منه قبل الفجر قال الدسوقى: وأولى أن يبطله سكره نهارا ومثل السكر بحرام كل مخدر استعمله ليلا وخدره، أما سكر المعتكف بحلال فيبطل اعتكاف يومه ان كان السكر نهارا، والحال ان الشرب ليلا كالجنون والاغماء فيجرى فيه ما جرى فيهما على ما سيأتى بيانه (٢).
والعذر الطارئ على المعتكف أما اغماء أو جنون أو حيض أو نفاس أو مرض والاعتكاف أما نذر معين من رمضان أو من غيره أو نذر غير معين أو تطوع معين بالملاحظة أو غير معين، وعلى كل حال اما أن يطرأ العذر قبل الشروع فى الاعتكاف أو بعد الشروع فيه أو يقارن الشروع فيه.
فان كان الاعتكاف نذرا معينا من رمضان أو نذرا غير معين وطرأت خمسة الاعذار قبل الشروع فى الاعتكاف أو بعده أو مقارنة له فانه يبنى فى كل هذه الأحوال وان كان نذرا معينا بغير رمضان فان طرأت خمسة الأعذار قبل الشروع فى الاعتكاف أو مقارنة له فلا يجب القضاء وان طرأت بعد الشروع فالقضاء متصلا وان كان تطوعا معينا بالملاحظة أو غير معين فلا قضاء سواء طرأت خمسة الأعذار قبل الشروع أو بعده أو مقارنة له (٣).
وجاء (٤) فى مواهب الجليل انه لا يشترط فى صحة الحج الا الاسلام فيصح الحج لغير المميز والمجنون
стр. 5894
ويحرم عنهما وليهما، هذا هو مذهب المدونة وهو المشهور فى المذهب وفى الموازية لا يحج بالرضيع وأما ابن أربع أو خمس فنعم، قال اللخمى، وعلى قوله هذا فلا يحج بالمجنون المطبق. وقول الباجى رحمه الله تعالى: عدم العقل يمنع صحة الحج خلاف النص وذكر ابن عبد السلام رحمه الله تعالى أنه وقع فى كلام بعض شارحى الموطأ من المتأخرين أن الحج لا يصح من المجنون. ولا فرضا وهو خلاف نص المدونة (١). قال الخطاب: ويحرم الولى عن المجنون المطبق قرب الحرم ويجرده كما قال فى المدونة والمجنون فى جميع أموره كالصبى.
أما اذا كان الجنون يجئ أحيانا ويفيق أحيانا فانه ينتظر به حال افاقته فان علم بالعادة فانه لا يفيق حتى ينقض الحج صار كالأول.
اما المغمى عليه فلا يحرم عنه وليه يريد ولا غير وليه فلو أحرم عنه أحد لم يصح احرامه عنه والفرق بينه وبين المجنون المطيق أن الاغماء مرض يترقب زواله بالقرب غالبا بخلاف المجنون فانه شبيه بالصبى لدوامه، وصح الاحرام عن الصبى لأنه يتبع غيره فى أصل الدين.
وسواء أرادوا أن يحرموا عن المغمى عليه بفريضة أو نافلة وسواء خافوا أن يفوته الحج أم لا كما يفهم ذلك من كلام صاحب الطراز وكما يفهم من كلام المدونة ولم أحرم الولى من المجنون المطبق ثم أفاق بعد احرام وليه عنه فالظاهر أن احرام الولى يلزمه وليس له أن يرفضه ويجدد احراما بالفرض، قال البساطى رحمه الله تعالى ولا يجب على صبى ولا مجنون ولا معتوه قال الحطاب رحمه الله تعالى: ان كان مراده بالمعتوه المجنون لا يصح عطفه عليه، وان كان مراده به ضعيف العقل كما هو الغالب فى استعمالهم فالظاهر أن الحج لا يسقط عنه (٢).
ومن أركان الحج الوقوف بعرفة ومن أغمى عليه قبل الزوال وكان أحرم قبل ذلك بالحج فوقف به أصحابه فانه يجزيه عند ابن القاسم رحمه الله تعالى، قال سند لأن الاغماء لا يبطل الاحرام وقد دخل فى نية الاحرام.
وان كان الاغماء بعد الزوال أجزأه من باب الأولى، ولا بد من أن يقف به أصحابه جزءا من الليل ولو دفعوا به قبل الغروب لم يجزه عند مالك، قال فى الطراز وهو ظاهر، على ما ذكر سابقا، قال سند رحمه الله تعالى: ولو قدم عرفات وهو نائم فى محمله وأقام فى نومه حتى دفع الناس وهو معهم أجزأه وقوفه للمعنى الذى ذكرناه فى المغمى عليه، ومن شرب سكرا حتى غاب عقله اختيارا أو بشئ أكله من غير علم أو أطعمه أحد ما أسكره وفاته الوقوف لم أر فيه نصا والظاهر أنه ان لم يكن له فى ذلك اختيار فهو كالمغمى عليه والمجنون، وان كان باختياره فلا يجزئه كالجاهل بل هو أولى (٣).
ولا ينعقد طلاق من زال عقله بجنون أو اغماء أو نحو ذلك من نوم أو غيره مما يذهب الاستشعار.
قال ابن عرفة رحمه الله تعالى طلاق فاقد العقل ولو بنوم لغو، قال اللخمى رحمه الله تعالى: والمعتوه كالمجنون.
ولو طلق المريض وقد ذهب عقله من المرض فأنكر ذلك وقال لم أعقل حلف ولا شئ عليه قاله مالك رحمه الله تعالى فى الموازية، وكذا نقله عنه فى العتبية، وقال ابن عرفة قال ابن رشد رحمهما الله تعالى: انما ذلك أن شهد
стр. 5895
العدول أنه يهذى ويختل عقله، وان شهدوا أنه لم يستنكر منه شئ فى صحة عقله فلا يقبل قوله ولزمه الطلاق، قاله ابن القاسم رحمه الله تعالى فى العشرة قال فى التوضيح:
وتحصيل القول فى السكران أن المشهور أنه تلزمه الجنايات والعتق والطلاق والحدود ولا تلزمه الاقرارات والعقود.
قال فى البيان: وهو قول مالك وعامة أصحابه رحمهم الله تعالى وأظهر الأقوال ثم قال: وعلى المشهور من عدم الزامه بالنكاح فقال فى البيان اختلف ان قالت البينة انها رأت منه اختلاطا ولم تثبت الشهادة بسكره على قولين أحدهما وهو المشهور أنه يحلف ولا يلزمه النكاح والثانى انه لا يصدق ولا يمكن من اليمين ويلزمه النكاح ثم قال: وحمل فى البيان قول مالك رحمه الله تعالى لا أرى نكاح السكران جائزا وقول سحنون رحمه الله تعالى لا يجوز بيعه ونكاحه وهبته وصدقته على معنى أنه لا يلزمه ذلك وله أن يرجع عنه، قال: ولا يقال فى شئ من ذلك على مذهب مالك رحمه الله تعالى أنه غير منعقد وانما يقال غير لازم.
وكلام ابن شعبان يدل على أن عقوده غير منعقدة لأنه جعل بيعه من الغرر، ثم قال: اذا أوصى السكران بوصية فيها عتق ووصايا لقوم واذا أبت عتق عبيده فى مرضه فقال صاحب البيان الصحيح على مذهب مالك رحمه الله تعالى أنه ان مات من مرضه ذلك نفذ العتق وغيره من الثلث على معنى الوصية وان صح من مرضه نفذ عليه العتق ولزومه وكان له الرجوع فيما بتله من الهبة والصدقة من أجل السكر (١).
وجاء فى المدونة أن طلاق المبرسم فى هذياته لا يلزمه، قال ابن القاسم رحمه الله تعالى.
وكذا ان سقى السكيران ولم يعلم، قال ابن رشد رحمه الله تعالى قول ابن القاسم ولم يعلم فيه نظر لأنه يدل على أنه لو شربه وهو يعلم أنه يفقد عقله لزمه ما أعتق أو طلق وان كان لا يعقل وهذا لا يصح أن يقال وانما الزم من ألزم السكران طلاقه وعتقه لأن معه بقية من عقله لا لأنه أدخل السكر على نفسه وقول من قال انه أدخل السكر على نفسه غير صحيح وقال ابن عرفة طلاق السكران أطلق الصقلى وغير واحد الروايات بلزومه وقال ابن رشد رحمه الله تعالى: السكران المختلط طلاقه لازم، وقال ابن عبد الحكم رحمه الله تعالى لا يلزمه، وذكره المازرى رحمه الله تعالى رواية (٢).
وجاء فى مواهب الجليل أنه يشترط فى انعقاد البيع أن يكون عاقده مميزا فلا ينعقد بيع غير المميز لصغر أو جنون أو اغماء ولا ينعقد شراؤه فان كان عدم تمييزه لسكر أدخله على نفسه ففى انعقاد بيعه وشرائه تردد اذ اختلف المتأخرون فى نقل المذهب فى ذلك.
قال ابن عبد السلام رحمه الله تعالى فى شرح قول ابن الحاجب وشرطه التمييز وقيل الا السكران يعنى أنه يشترط فى العاقد أن يكون مميزا ولا يشترط العقل فيدخل الصبى ويخرج السكران لوجود التمييز فى الصبى وفقده من السكران والعقل مفقود منهما، وقال فى التوضيح أى شرط صحة بيع العاقد وشرائه أن يكون مميزا فلا ينعقد بيع غير المميز ولا شراؤه لصغر أو جنون أو اغماء أو سكر، ولا اشكال فى الصبى.
والمجنون والمغمى عليه أما السكران فهو مقتضى ذكر ابن شعبان رحمه الله تعالى، فانه قال: ومن الغرر بيع السكران وابتياعه اذا كان سكره متيقنا، ويحلف بالله ما عقل حين فعل ذلك ثم لا يجوز ذلك عليه، قال ابن نافع رحمه الله تعالى ينعقد بيع السكران، والجمهور
стр. 5896
على خلافه ثم قال فى التوضيح والذى ذكره صاحب البيان وصاحب الاكمال أن مذهب مالك وعامة أصحابه رحمهم الله تعالى انه لا تلزمه عقود (١).
وقال ابن رشد رحمه الله تعالى السكران قصمان الأول سكران لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة وهو لا خلاف فى أنه كالمجنون فى جميع أحواله وأقواله فيما بينه وبين الله تعالى وفيما بينه وبين الناس الا فيما ذهب وقته من الصلوات فقيل أنه لا يسقط عنه بخلاف المجنون من أجل أن السكران أدخل السكر على نفسه فكأنه تعمد تركها.
والثانى: السكران المختلط الذى معه بقية من عقله وهذا اختلف أهل العلم فى أقواله وأفعاله على أربعة أقوال أحدها أنه كالمجنون فلا يحد ولا يقتص منه ولا يلزمه بيع ولا عتق ولا طلاق ولا شئ من الأشياء قال بهذا محمد ابن عبد الحكم رحمه الله تعالى.
وثانيها: أنه كالصحيح لأن معه بقية من عقله، وهو قول ابن نافع رحمه الله تعالى حيث قال يجوز عليه كل ما فعل من بيع أو غيره.
وثالثها: تلزمه الأفعال ولا تلزمه الأقوال فيقتل بمن قتل ويحد فى الزنا والسرقة ولا يحد فى القذف ولا يلزمه طلاق ولا عتق وهو قول الليث رحمه الله تعالى.
ورابعها: أنه تلزمه الجنايات والعتق والطلاق والحدود ولا يلزمه الاقرارات والعقود، وهو مذهب مالك وعامة أصحابه رضى الله تعالى عنهم. وهو وأظهر الأقوال وأولاها بالصواب لأن مالا يتعلق به حق الله من الاقرارات والعقود اذا لم يلزمه السفيه والصبى لنقصان عقلهما فأحرى أن لا يلزم السكران لنقصان عقله بالسكر.
وما سوى ذلك مما يتعلق به حق الله تعالى يلزمه ولا يسقط قياسا على ما أجمعوا عليه من أن العبادات من الصوم والصلاة تلزمه (٢).
قال ابن عرفة رحمه الله تعالى: السكران بغير خمر كالمجنون، قال الحطاب رحمه الله تعالى: وهذا اذا شرب شيئا مباحا أو تداوى به ولم يعلم انه يسكره.
وأما اذا شربه وهو عالم باسكاره فلا فرق بين الخمر وغيرها.
وقال ابن عرفة عقد المجنون حال جنونه ينظر له السلطان بالأصلح فى اتمامه وفسخه ان كان مع من يلزمه عقده لقول المدونة من جن فى أيام الخيار نظر له السلطان ولسماع عيسى بن القاسم رحمه الله تعالى أن من باع مريض ليس فى عقله فله أو لوارثه الزامه المبتاع.
قال ابن رشد رحمه الله تعالى لأنه ليس بيعا فاسدا كبيع السكران على قول من لا يلزمه بيعه قال الحطاب رحمه الله تعالى.
والأولى أن يحمل كلام العتبية وابن رشد وصاحب التنبيهات وابن عرفة على من عنده شئ من التمييز وحصل عنده شئ من الاختلاط كالمعتوه ويشهد لذلك تشبيه ابن رشد له ببيع السكران وقد تقدم فى كلامه أن الخلاف انما هو فى لزوم بيع السكران الذى عنده شئ من التمييز وأما من ليس عنده شئ من التمييز فالظاهر ان بيعه غير منعقد لأنه جاهل بما يبيعه وما يشتريه وذلك موجب لعدم انعقاد البيع، قال الدمامينى رحمه الله تعالى عن مالك أن المذعور لا يلزمه ما صدر منه فى حال ذعره من بيع أو اقرار أو غير ذلك (٣).
стр. 5897
والمجنون يحجر عليه الى افاقته سواء كان ذكرا أو أنثى قال فى الذخيرة: ويزول الحجر عن المجنون بافاقته ان كان الجنون طارئا بعد البلوغ لأنه كان على الرشد، وان كان الجنون قبل البلوغ فلا يزول الحجر الا بعد اثبات الرشد، وكذا لو كان بلغ سفيها ثم جن فلا ينفك الحجر بالافاقة فقط.
وأما المغمى عليه فقال القرطبى رحمه الله تعالى فى أوائل سورة النساء: استحسن مالك رضى الله تعالى عنه أن لا يحجر على المغمى عليه لسرعة زوال ما به (١).
مذهب الشافعية:
جاء فى الأشباه والنظائر أن النائم والمجنون والمغمى عليه قد يشتركون فى أحكام، وقد ينفرد النائم عن المجنون والمغمى عليه وتارة يلحق بالمغمى عليه وتارة يحلق بالمجنون وبيان ذلك على النحو التالى:
أولا: يشترك الثلاثة فى الحدث.
ثانيا: يستحب للمجنون أن يغتسل عند الافاقة ومثله المغمى عليه.
ثالثا: قضاء الصلاة اذا استغرق ذلك الوقت يجب على النائم أما المجنون والمغمى عليه فلا يجب عليهما قضاء.
رابعا: قضاء الصوم اذا استغرق النهار، يجب على المغمى عليه، أما المجنون فلا يجب القضاء عليه، والفرق بين قضاء الصلاة وقضاء الصوم كثرة تكرار الصلاة، ونظيره وجوب قضاء الصوم على الحائض والنفساء دون الصلاة وأما النائم اذا استغرق النهار وكان نوى من الليل فانه يصح صومه على المذهب، والفرق بينه وبين المغمى عليه ان النائم ثابت العقل لأنه اذا نبه انتبه بخلاف المغمى عليه، وفى النوم وجه آخر وهو أنه يضر بالصوم كالاغماء وفى الاغماء وجه آخر وهو أنه لا يضر بالصوم كالنوم، ولا خلاف فى الجنون، وأما غير المستغرق من الثلاثة فالنوم لا يضر بالاجماع، وفى الجنون قولان الجديد البطلان لأنه مناف للصوم كالحيض، وقطع به بعضهم وفى الاغماء طرق: احدها: لا يضر أن أفاق جزءا من النهار سواء كان فى أوله أو آخره والثانى القطع انه ان أفاق فى أوله صح والا فلا، والثالث وهو الأصح - فيه أربعة أقوال أظهرها أنه لا يضر ان أفاق لحظة، والثانى ان أفاق فى أوله خاصة، والثالث لا يضر ان أفاق فى طرفيه، والرابع يضر مطلقا فيه فيشترط الافاقة جميع النهار.
خامسا: الأذان لو نام أو أغمى عليه أثناءه ثم أفاق نظر فان لم يطل الفصل بنى وان طال الفصل وجب الاستئناف على المذهب، قال فى شرح المهذب قال أصحابنا رحمهم الله تعالى:
والجنون هنا كالاغماء.
سادسا: لو لبس الخف ثم نام حتى مضى يوم وليلة انقضت المدة، قال البلقينى رحمه الله تعالى: ولو جن أو أغمى عليه فالقياس أنه لا تحسب عليه المدة لأنه لا تجب عليه الصلاة بخلاف النوم لوجوب القضاء، قال: ولم أر من تعرض لذلك.
سابعا: اذا نام المعتكف حسب زمن النوم من الاعتكاف قطعا لأنه كالمستيقظ، وفى زمان الاغماء وجهان أصحهما يحسب، ولا يحسب زمن الجنون قطعا لأن العبادات البدنية لا يصح أداؤها فى حال الجنون.
ثامنا: يجوز للمولى أن يحرم عن المجنون أما المغمى عليه فلا يجوز للمولى أن يحرم عنه كما جزم به الرافعى رحمه الله تعالى.
تاسعا: الوقوف بعرفة لا يصح من المجنون والمغمى عليه مثل المجنون فى الأصح بخلاف النائم
стр. 5898
المستغرق فى الأصح، وحكى الرافعى عن المتولى رحمهما الله تعالى أنه اذا لم يجزه فى المجنون يقع نفلا كحج الصبى وكذا المغمى عليه كما فى شرح المهذب، وأقر الرافعى ما حكاه عن المتولى.
عاشرا: يصح الرمى عن المغمى عليه ممن أذن له قبل الاغماء فى حال تجوز فيه الاستبانة قال فى شرح المهذب: والمجنون مثل المغمى عليه صرح به المتولى وغيره.
حادى عشر: يبطل بالجنون كل عقد جائز كالوكالة الا فى رمى الجمار وكالايداع والعارية والكتابة الفاسدة، ولا يبطل بالنوم وفى الاغماء وجهان أصحهما كالجنون.
ثانى عشر: ينعزل القاضى بجنونه وباغمائه بخلاف النوم.
ثالث عشر: ينعزل الامام الأعظم بالجنون، ولا ينعزل بالاغماء لأنه متوقع الزوال.
رابع عشر: اذا جن ولى النكاح انتقلت الولاية للأبعد والاغماء ان دوام أياما ففى وجه كالجنون والأصح أنه لا يكون كالجنون بل ينتظر كما لو كان سريع الزوال.
خامس عشر: يزوج المجنون وليه بشرطه المعروف ولا يزوج المغمى عليه كما يفهم كلامهم وهو نظير الاحرام بالحج.
سادس عشر: قال الأصحاب رحمهم الله تعالى: لا يجوز الجنون على الأنبياء لأنه نقص ويجوز عليهم الاغماء لأنه مرض، ونبه السبكى رحمه الله تعالى: على أن الاغماء الذى يحصل لهم ليس كالاغماء الذى يحصل الآحاد الناس، وانما هو لغلبة الأوجاع للحواس الظاهرة فقط، دون القلب، قال لأنه ورد «أنه انما تنام أعينهم دون قلوبهم» فاذا حفظت قلوبهم وعصمت من النوم الذى هو أخف من الاغماء فلأن تعصم قلوبهم من الاغماء أولى.
سابع عشر: الجنون يقتضى الحجر، وأما الاغماء فالظاهر أنه مثله كما يفهم من كلامهم.
ثامن عشر: يشترك الثلاثة فى عدم صحة مباشرة العبادة والبيع والشراء وجميع التصرفات من العقود والفسوخ كالطلاق والعتق وفى غرامة المتلفات فى أروش الجنايات.
تاسع عشر: لا ينقطع خيار المجلس بالجنون والاغماء على الأصح وأما النوم فلم أر من تعرض له.
عشرون: لو قال ان كلمت فلانا فأنت طالق فكلمته وهو نائم أو مغمى عليه أو هذت بكلامه فى نومها أو اغمائها أو كلمته وهو مجنون طلقت، أما ان كلمته وهى مجنونة ففى قول ابن الصباغ رحمه الله تعالى أنها لا تطلق، وقال القاضى حسين رحمه الله تعالى: تطلق، قال الرافعى رحمه الله تعالى: والظاهر تخريجه على حنث الناسى.
الحادى والعشرون: ان المجنون لو وطئ زوجة ابنه حرمت عليه قال القاضى حسين رحمه الله تعالى:
الثانى والعشرون: ذهب القاضى والفورانى رحمهما الله تعالى الى أن المجنون لا يتزوج الأمة لأنه لا يخاف من وط ء يوجب الحد والاثم، ولكن الأصح خلافه كذا فى الأشباه والنظائر لابن الوكيل، ثم ذكر أن الشافعى رحمه الله تعالى نص على أن المجنون لا يزوج منه أمة (١).
أما السكران فالأصح المنصوص فى الأم أنه مكلف، قال الرافعى رحمه الله تعالى: وفى محل القولين أربع طرق أصحهما أنهما جاريان فى أقواله وأفعاله كلها ما له وما عليه.
стр. 5899
والثانى أنهما فى أقواله كلها كالطلاق والعتاق والاسلام والردة والبيع والشراء وغيرها، وأما أفعاله كالقتل والقطع وغيرها فكأفعال الصاحى بلا خلاف لقوة الأفعال.
الثالث: أنهما فى الطلاق والعتاق والجنايات، وأما بيعه وشراؤه وغيرهما من المعارضات فلا يصح بلا خلاف لأنه لا يعلم ما يعقد عليه، والعلم شرط فى المعاملات.
الرابع أنهما فيما له كالنكاح والاسلام أما ما عليه كالاقرار والطلاق والضمان فينفذ قطعا تغليظا، وعلى هذا لو كان له من وجه وعليه من وجه كالبيع والاجارة نفذ تغليبا بطريق التغليظ، هذا ما أورده الرافعى رحمه الله تعالى، وقد اغتربه بعضهم فقال تفريعا على الأصل: السكران فى كل أحكامه كالصاحى الا فى نقض الوضوء، قال السيوطى: وفيه نظر فالصواب تقييد ذلك بغير العبادات ويستثنى منه الاسلام أما العبادات فليس فيها كالصاحى كما تبين ومن ذلك الأذان، فلا يصح أذانه على الصحيح كالمجنون والمغمى عليه لأن كلامه لغو وليس من أهل العبادة، وفيه وجه أنه يصح بناء على صحة تصرفاته قال فى شرح المهذب: وليس بشئ قال أما من هو فى أول النشوة فيصح أذانه بلا خلاف ومن ذلك الصيام: لو شرب المسكر ليلا وبقى سكره جميع النهار لم يصح صومه وعليه القضاء وان صحا فى بعض فهو كالاغماء فى بعض النهار، ومن ذلك ما لو سكر المعتكف فان اعتكافه يبطل كما يبطل تتابعه أيضا، واعلم أن فى بطلان الاعتكاف بالسكر والردة ستة طرق نظير مسألة العفو عما لا يدركه الطرف فى الماء والثوب الأول وهو الأصح: يبطل بهما قطعا لأنهما أفحش من الخروج من المسجد.
والثانى: لا قطعا.
والثالث: فيهما قولان.
والرابع يبطل فى السكر دون الردة لأن السكران ليس من أهل المقام فى المسجد لأنه لا يجوز اقراره فيه.
والخامس: يبطل فى الردة دون السكر لأنه كالنوم بخلافها لأنها تنافى العبادات.
والسادس يبطل فى السكر لامتداد زمانه وكذا الردة ان طال زمانها والا فلا.
قال الرافعى: رحمه الله تعالى: ولا خلاف فى أنه لا يحسب زمانها ومن العبادات التى لا يكون فيها السكران كالصاحى الوقوف بعرفة، فلا يصح وقوف السكران بعرفة سواء كان متعد أم لا كالمغمى عليه، ذكره فى شرح المهذب.
ومن ذلك أيضا أن فى وجوب الرد عليه اذا سلم - ومثله المجنون - وجهين فى الروضة بلا ترجيح.
قال فى شرح المهذب والأصح أنه لا يجب الرد عليه ولا يسن ابتداؤها فهذه فروع ليس السكران فيها كالصاحى، ومن ذلك لو بان أمام الصلاة سكران فهل تجب الاعادة كما لو بان مجنونا لأنه لا يخفى حاله، أولا تجب الاعادة كما لو بان محدثا الظاهر الأول (١).
مذهب الحنابلة:
جاء فى كشاف القناع أن من فرائض جحخب زوال العقل - كحدث جنون أو برسام سواء كان كثيرا أو قليلا أو تغطيته باغماء أو سكر قليل أو كثير، قال فى المبدع اجماعا على كل الأحوال لأن هؤلاء لا يشعرون بحال بخلاف النائم ولو كانت تغطيته بنوم، قال أبو الحطاب محفوظ وغيره ولو تلجم فلم يخرج منه شئ الحاقا بالغالب لأن الحس يذهب معه، ولعموم حديث «على العين وكاء السه (٢) فمن نام فليتوضأ رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة، وعن معاوية قال قال رسول الله ﷺ » العين وكاء السه فاذا نامت العينان استطلق الوكاء
стр. 5900
رواه حمد والدارقطنى، ولأن النوم ونحوه مظنة الحدث فأقيم مقامه والنوم رحمة من الله تعالى على عبده ليستريح بدنه عند تعبه وهو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء الا نوم النبى ﷺ ولو كثيرا على أى حال كان فانه ﷺ كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، والا النوم اليسير عرفا من جالس وقائم لقول أنس رضى الله تعالى عنه كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون (رواه أبو داود وباسناد صحيح، ولقول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فى قصة تهجده ﷺ : فجعلت اذا غفيت يأخذ بشحمة أذنى) رواه مسلم ولأن الجالس والقائم يشتبهان فى الانحفاظ واجتماع المخرج، وربما كان القائم أبعد من الحدث لكونه لو استثقل فى النوم سقط، فان نام وشك هل نومه كثير أو يسير لم يلتفت اليه لتيقنه الطهارة وشكه فى نقضها، وان رأى فى نومه رؤيا فهو كثير، نص عليه.
قال الزركشى رحمه الله تعالى: لا بد فى النوم الناقض من الغلبة على العقل فمن يسمع كلام غيره وفهمه فليس بنائم، فان سمعه ولم يفهمه فهو نوم يسير، قال واذا سقط الساجد عن هيئته والقائم عن قيامه ونحو ذلك بطلت طهارته لأن أهل العرف يعدون ذلك كثيرا وان خطر بباله شئ لا يدرى أرؤيا أو حديث نفس فلا وضوء عليه لتيقنه فى الطهارة وشكه فى الحدث، وينتقض النوم اليسير من راكع أو ساجد كمضطجع، وقياسهما على الجالس مردود بأن محل الحدث فيهما منفتح بخلاف الجالس، وينقض اليسير أيضا من مستند ومتكئ ومحتب كمضطجع بجامع الاعتماد (١).
وتجب الخمس على نائم أى يجب عليه قضاؤها اذا استيقظ لقول رسول الله ﷺ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها) رواه مسلم من حديث أبى هريرة ولو لم تجب عليه حال نومه لم يجب عليه قضاؤها كالمجنون ومثله الساهى ويجب اعلام النائم اذا ضاق الوقت، صححه فى الانصاف وجزم به أبو الخطاب رحمه الله تعالى فى التمهيد، وتجب الخمس على من تغطى عقله بمرض أو اغماء أو دواء مباح لأن ذلك لا يسقط الصوم فكذا الصلاة وكالنائم ولأن عمارا رضى الله تعالى عنه غشى عليه ثلاثا ثم أفاق فقال هل صليت فقالوا ما صليت منذ ثلاث ثم توضأ وصلى تلك الثلاث وعن عمران ابن حصين وسمرة بن جندب رضى الله تعالى عنهما نحو ذلك ولم يعرف لهم مخالف فكان كالاجماع ولأن مدة الاغماء لا تطول غالبا ولا تثبت عليه الولاية، ويجوز على الانبياء بخلاف الجنون وكذا تجب الخمس على من تغطى عقله بمحرم كسكر فيقضى لأن سكره معصية فلا يناسب اسقاط الواجب عنه ولأنه اذا وجب بالنوم المباح فبالمحرم بطريق الأولى، وقيل تسقط ان كان مكرها، ويقضى من تغطى عقله بسكر ولو زمن جنونه لو جن بعد شربه المسكر متصلا جنونه بسكرة والمحرم تغليظا عليه (٢).
ولا تجب الصلاة على مجنون لا يفيق لحديث عائشة رضى الله تعالى عنها مرفوعا (رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يعقل وعن الصبى حتى يحتلم) رواه أبو داود والترمذى وحسنه، ولأنه ليس من أهل التكليف أشبه الطفل، وظاهره: ولو اتصل جنونه بردته كالحيض، وقدم فى المبدع يجب قضاء أيام الجنون الواقعة فى الردة لأن اسقاط القضاء عن المجنون رخصة والمرتد ليس من أهلها، ولا تصح الصلاة من المجنون لأن من
стр. 5901
شرطها النية والنية لا تمكن منه، ولا قضاء عليه المجنون اذا أفاق لعدم لزومها، وكذا الأبله (١) الذى لا يفيق ذكره السامرى وغيره كالمجنون.
ولا يعتد بالأذان ان فرق بينه بسكوت طويل ولو بسبب نوم أو اغماء أو جنون (٢).
وجاء فى المغنى والشرح الكبير أنه متى أغمى جميع النهاد على من نوى الصيام من الليل فلم يفق فى شئ منه لم يصح صومه فى قول امامنا والشافعى رحمهما الله تعالى خلافا لأبى حنيفة رحمه الله تعالى ويدل لنا أن الصوم هو الامساك مع النية قال النبى ﷺ (يقول الله تعالى كل عمل ابن آدم له الا الصيام فانه لى وأنا أجزى به يدع طعامه وشرابه من أجلى) متفق عليه فأضاف ترك الطعام والشراب اليه، فاذا كان مغمى عليه فلا يضاف الامساك اليه فلم يجزئه، ولأن النية أحد ركنى الصوم فلا تجزئ وحدها كامساك وحده، أما النوم فانه عادة ولا يزول الاحساس بالكلية ومتى نبه انتبه، والاغماء عارض يزيل العقل فأشبه الجنون اذا ثبت هذا فزوال العقل يحصل بثلاثة أشياء أحدها الاغماء - وحكمه على ما مر - ومتى فسد الصوم به فعلى المغمى عليه القضاء بغير خلاف علمناه لأن مدته لا تتطاول غالبا ولا تثبت الولاية على صاحبه فلم يزل التكليف به وقضاء العبادات كالنوم، ومتى أفاق المغمى عليه فى جزء من النهار صح صومه سواء كان فى أوله أو فى آخره.
وقال الشافعى رحمه الله تعالى فى أحد قوليه تعتبر الافاقة فى أول النهار ليحصل حكم النية فى أوله.
ويدل لنا أن الافاقة حصلت فى جزء من النهار فأجزأ كما لو وجدت فى أوله، وما ذكروه لا يصح فان النية قد حصلت من الليل فيستغنى عن ذكرها فى النهار كما لو نام أو غفل عن الصوم ولو كانت النية انما تحصل بالافاقة فى النهار لما صح منه صوم الفرض بالافاقة لأنه لا يجزئ نية من النهار.
الثانى مما يحصل به زوال العقل النوم، وهو لا يؤثر فى الصوم سواء وجد فى بعض النهار أو فى جميعه.
الثالث: الجنون وحكمه حكم الاغماء الا أنه اذا وجد فى جميع النهار لم يجب قضاؤه، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: متى أفاق المجنون فى جزء من رمضان لزمه قضاء ما مضى منه لأنه أدرك جزءا من رمضان وهو عاقل فلزمه صيامه كما لو أفاق فى جزء من اليوم، ويدل لنا أنه معنى يمنع الوجوب اذا وجد فى جميع الشهر فمنعه اذا وجد فى جميع النهار كالصبا والكفر، وأما ان أفاق فى بعض اليوم قلنا منع فى وجوبه، وان سلمناه فانه قد أدرك بعض وقت العبادة فلزمه كالصبى اذا بلغ والكافر اذا أسلم فى بعض النهار وكما لو أدرك بعض وقت الصلاة.
وقال الشافعى رحمه الله تعالى: اذا وجد الجنون فى جزء من النهار أفسد الصوم لأنه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجوده فى بعضه كالحيض، ويدل لنا أن زوال عقل فى بعض النهار فلم يمنع صحة الصوم كالاغماء والنوم، ويفارق الحيض فان الحيض لا يمنع الوجوب، وانما يجوز تأخير الصوم ويحرم فعله ويوجب الغسل ويحرم الصلاة والقراءة واللبث فى المسجد والوط ء فلا يصح قياس الجنون عليه (٣).
стр. 5902
ولا يصح الاعتكاف من المجنون (١)، ولا يبطل باغماء كما لا يبطل بنوم بجامع بقاء التكليف (٢).
وان تعذر على المعتكف المقام فى المسجد لمرض لا يمكنه المقام معه فيه كالقيام المتدارك أو سلس البول أو الاغماء أو لا يمكنه المقام الا بمشقة شديدة مثل أن يحتاج الى خدمة وفراش له الخروج وان كان المرض خفيفا كالصداع ووجع الضرس ونحوه فليس له الخروج فان خرج بطل اعتكافه (٣). وان سكر المعتكف ولو ليلا بطل اعتكافه لخروجه عن كونه من أهل المسجد كالمرأة تحيض ولا يبنى اذا زال سكره لأنه غير معذور بخلاف المرأة تحيض، وان شرب المعتكف مسكرا ولم يسكر لم يفسد اعتكافه لأنه لا يخرج بذلك عن أهليته له (٤).
ويشترط فى وجوب الحج أن يكون عاقلا لأن المجنون ليس بمكلف وقد روى عن على بن أبى طالب كرم الله وجهه عن النبى ﷺ أنه قال (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل، رواه أبو داود وابن ماجه، والترمذى وقال حديث حسن، وكما لا يجب الحج على مجنون لا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادات (٥)، فاذا أفاق المجنون قبل الوقوف بعرفة أو فى وقته وأمكنه أن يأتى بالحج لزمه ذلك لأن الحج واجب على الفور فلا يجوز تأخيره مع امكانه وان فاته الحج لزمته العمرة لأنها واجبة أمكن فعلها فأشبهت الحج ومتى أمكنه ذلك فلم يفعله استقر الوجوب عليه سواء كان موسرا أو معسرا لأن ذلك وجب عليه بامكانه فى موضعه فلم يسقط بفوات القدرة بعده، ولا يصح احرام المجنون واذا أحرم لم ينعقد احرامه لأنه من غير أهل العبادات ويكون حكمه حكم من لم يحرم (٦). واذا أغمى على بالغ لم يصح أن يحرم عنه رفيقه لأنه بالغ فلم يصر محرما باحرام غيره كالنائم ولو أنه أذن فى ذلك وأجازه لم يصح فمع عدم هذا أولى ان لا يصح (٧).
وكيفما حصل بعرفة وهو عاقل أجزأه سواء كان قائما أو جالسا أو راكبا أو نائما وان مر بها مختارا فلم يعلم انها عرفة أجزأه لعموم قول رسول الله ﷺ (وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا) ولأنه حصل بعرفة فى زمن الوقوف وهو عاقل فأجزأه كما لو علم، وان وقف وهو مغمى عليه أو مجنون ولم يفق حتى خرج منها لم يجزئه وهو قول الحسن والشافعى وأبى ثور واسحاق وابن المنذر رحمهم الله تعالى.
وقال عطاء فى المغمى عليه يجزئه وهو قول مالك وأصحاب الرأى رحمهم الله تعالى، وقد توقف أحمد رحمه الله تعالى فى هذه المسئلة وقال الحسن يقول بطل حجه وعطاء يرخص فيه وذلك لأنه لا يعتبر له نية ولا طهارة ويصح من النائم فصح من المغمى عليه كالمبيت بمزدلفة.
ومن نصر الأول قال ركنا من أركان الحج فلم يصح من المغمى عليه كسائر أركانه قال ابن عقيل رحمه الله تعالى:
والسكران كالمغمى عليه لأنه زائل العقل بغير نوم فأشبه المغمى عليه وأما النائم فيجزئه الوقوف لأنه فى حكم المستيقظ (٨). ولا يجب الحج على المجنون كالعمرة ولا يصح منه الحج ولا العمرة ان عقده بنفسه أو عقده له وليه على ما تقدم ذكره، ولا تبطل استطاعة الحج بجنونه فيحج
стр. 5903
عنه ولا يبطل الاحرام بالجنون ولا بالاغماء ولا بالسكر كالنوم.
ولا يجزئ حج المجنون عن حجة الاسلام الا أن يفيق ثم يحرم قبل الدفع من عرفة أو بعده أو عاد فوقف فى وقته ثم أتم حجه (١).
ولا ينعقد احرام مع وجود جنون أو اغماء أو سكر لعدم صحة القصد اذن (٢).
ولا خلاف فى اعتبار العقل لأن الولاية انما تثبت نظرا للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه ومن لا عقل له لا يمكنه النظر ولا يلى نفسه فغيره أولى وسواء فى هذا من لا عقل له لصغره كطفل ومن ذهب عقله بجنون أو كبر كالشيخ اذا أفند، قال القاضى رحمه الله تعالى والشيخ الذى قد ضعف لكبره فلا يعرف موضع الخطر لها لا ولاية له فأما الاغماء فلا يزيل الولاية لأنه يزول عن قرب فهو كالنوم ولذلك لا تثبت الولاية عليه ويجوز على الأنبياء ﵈ ومن كان يجن فى الأحيان لم تزل ولايته لانه لا يستديم زوال عقله فهو كالأغماء (٣).
وان أوجب النكاح زال عقله بجنون أو اغماء بطل حكم الايجاب ولم ينعقد بالقبول بعده لأنه ما لم يضان القبول لم يكن عقدا فبطل بزوال العقل كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون وان زال عقله بنوم لم يبطل حكم الايجاب لأنه لا يبطل العقود الجائزة فكذلك هذا (٤).
وأجمع أهل العلم على أن الزائل العقل بغير سكر أو ما فى معناه لا يقع طلاقه كذلك عثمان وعلى وسعيد بن المسيب وغيرهم وأجمعوا على أن الرجل اذا طلق فى حال نومه لا طلاق له، وقد ثبت أن النبى ﷺ قال:
(رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق) وروى عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه عن النبى ﷺ انه كل الطلاق جائز الا طلاق المعتوه المغلوب على عقله (٥).
ولأنه قول يزيل الملك فاعتبر له العقل كالبيع، وسواء زال عقله لجنون أو اغماء أو نوم أو شرب دواء أو اكراه على شرب خمر أو شرب ما يزيل عقله شربه ولا يعلم أنه مزيل للعقل فكل هذا يمنع وقوع الطلاق رواية واحدة .. ولا نعلم فيه خلافا فأما ان شرب البنج ونحوه مما يزيل عقله عالما به متلاعبا فحكمه حكم السكران فى طلاقه لأنه زال عقله بمعصية فأشبه السكران.
قال أحمد رحمه الله تعالى فى المغمى عليه اذا طلق فلما أفاق علم أنه كان مغمى عليه وهو ذاكر لذلك فقال:
اذا كان ذاكرا لذلك فليس هو مغمى عليه يجوز طلاقه. وقال فى رواية أبى طالب رحمه الله تعالى فى المجنون يطلق فقيل له بعد ما أفاق أنك طلقت امرأتك فقال أنا أذكر انى طلقت ولم يكن عقلى معى، فقال اذا كان يذكر أنه طلق فقال طلقت فلم يجعله مجنونا اذا كان يذكر الطلاق ويعلم به وهذا فيمن جنونه بذهاب معرفته بالكلية وبطلان حواسه، فأما من كان جنونه لنشانف أو كان مبرسما فانه يسقط حكم تصرفه مع أن معرفته غير ذاهبة بالكلية فلا يضره ذكره للطلاق (٦).
стр. 5904
وجاء فى الشرح الكبير أن الرواية اختلفت عن أحمد رحمه الله تعالى فى طلاق السكران فروى عنه أنه يقع - اختارها أبو بكر الخلال والقاضى وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء ومجاهد رحمهم الله تعالى - لقول النبى ﷺ : (كل الطلاق جائز الا طلاق المعتوه).
وروى مثل هذا عن على ومعاوية وابن عباس رضى الله عنهم، قال ابن عباس:
طلاق السكران جائز ان ركب معصية من معاصى الله نفعه ذلك، ولأن الصحابة جعلوه كالصاحى فى الحد بالقذف بدليل ما روى أبو دبرة الكلبى قد أرسلنى خالد الى عمر فأتيته فى المسجد وعنده عثمان وعلى وعبد الرحمن وطلحة والزبير فقلت ان خالدا يقول ان الناس انهمكوا فى الخمر وتحاقروا العقوبة، قال عمر رضى الله تعالى عنه:
هؤلاء عندك فسلهم، فقال على كرم الله تعالى وجهه نراه اذا سكر هذى واذا هذى افترى، وعلى المفترى ثمانون، فقال عمر:
أبلغ صاحبك ما قال: فجعلوه كالصاحى، ولأنه ايقاع طلاق من مكلف غير مكره صادف ملكه فوجب أن يقع كطلاق الصاحى ويدل على تكليفه أنه يقتل بالقتل ويقطع بالسرقة وبهذا فارق المجنون والرواية الثانية:
لا يقع طلاقه، اختارها أبو بكر عبد العزيز وهو قول عثمان رضى الله تعالى عنه ومذهب عمر بن عبد العزيز والقاسم وطاووس وربيعة ويحيى الأنصارى رضى الله تعالى عنهم، قال ابن المنذر:
هذا ثابت عن عثمان لا نعلم أحدا من الصحابة خالفه، وقال أحمد رحمه الله تعالى:
حديث عثمان أرفع شئ فيه وهو أصح يعنى من حديث على وحديث الأعمش عن منصور ولا يرفعها على، ولأنه زائل العقل أشبه المجنون والنائم ولأنه مفقود الارادة أشبه المكره، ولأن العقل شرط التكليف اذ هو عبارة عن الخطاب بأمر أو نهى ولا يتوجه ذلك الى من لا يفهمه ولا فرق بين زوال الشرط بمعصية أو غيرها بدليل ان من كسر ساقه جاز له أن يصلى قاعدا ولا ضربت المرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة ولو ضربت رأسه فجن سقط التكليف.
وحديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه لا يثبت فأما قتله وقذفه وسرقته فهو كمسئلتنا.
والحكم فى عتقه ونذره وبيعه وشرائه وردته واقراره وقتله وقذفه وسرقته كالحكم فى طلاقه لأن المعنى فى الجميع واحد، وقد روى عن أحمد رحمه الله تعالى فى بيعه وشرائه الروايتان.
وسأله ابن منصور رحمه الله تعالى اذا طلق السكران أو سرق أو زنى أو افترى أو اشترى أو باع فقال أخبر عنه لا يصح من أمر السكران شئ وقال أبو عبد الله بن حامد رحمه الله تعالى:
حكم السكران حكم الصاحى فيما له وفيما عليه أما فيما له وعليه كالبيع والنكاح والمعاوضات فهو كالمجنون لا يصح له شئ، وقد أومأ اليه أحمد رحمه الله تعالى، والأولى أن ماله أيضا لا يصح منه لأن تصحيح تصرفاته مما عليه مؤاخذة له وليس من المؤاخذة تصحيح له وكذلك الحكم فيمن شرب أو أكل ما يزيل عقله لغير حاجة وهو يعلم قياسا على السكران فى وقوع طلاقه.
وبهذا قال أصحاب الشافعى رحمهم الله تعالى - لأنه زال عقله فأشبه السكران، وقال أصحاب أبى حنيفة رحمهم الله تعالى لا يقع طلاقه لأنه لا يلتذ بشربها (١).
стр. 5905
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أن النوم فى ذاته حدث ينقض الضوء سواء قل أو كثر قاعدا أو قائما فى صلاة أو غيرها راكعا كان أو ساجدا أو متكئا أو مضطجعا، أيقن من حواليه أنه لم يحدث أو لم يوقنوا لما روى عن عاصم بن أبى النجود عن زر ابن حبيش قال سألت صفوان بن عسال عن المسح على الخفين فقال:
كان رسول الله ﷺ يأمرنا اذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم من جنابة، فعم ﷺ كل نوم ولم يخص قليله من كثيره ولا حالا من حال، وسوى بينه وبين الغائط والبول (١).
أما ذهاب العقل بأى شئ ذهب من جنون أو اغماء أو سكر من أى شئ كان السكر فلا ينقض الوضوء خلافا لمن أوجب الوضؤ من ذلك ولا يقاس من ذلك على النوم اذ القياس باطل لأن النوم لا يشبه الاغماء ولا الجنون ولا السكر فيقاس عليه.
وقد صح عن رسول الله ﷺ الخبر المشهور الثابت عن عائشة أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها أنه ﷺ فى علته التى مات فيها أراد الخروج للصلاة فأغمى عليه، فلما أفاق اغتسل، ولم تذكر وضوءا وانما كان غسله ليقوى على الخروج فقط (٢).
ولا صلاة على مجنون ولا على مغمى عليه.
ولا حائض ولا نفساء ولا قضاء على واحد منهم الا ما أفاق المجنون والمغمى عليه أو طهرت الحائض والنفساء فى وقت أدركوا فيه بعد الطهارة الدخول فى الصلاة.
لما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (رفع القلم عن ثلاثة فذكر المجنون حتى يفيق وأما المغمى عليه فلأنه لا يعقل ولا يفهم فالخطاب عنه مرتفع).
واذا كان كل من ذكرنا غير مخاطب بها فى وقتها الذى الزم الناس أن يؤدوها فيه فلا يجوز أداؤها فى غير وقتها لأنه لم يأمر الله تعالى بذلك، وصلاة لم يأمر الله تعالى بها لا تجب (٣).
وأما من سكر حتى خرج وقت الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها أو نسيها حتى خرج وقتها ففرض على هؤلاء خاصة أن يصلوها أبدا، قال الله «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ٤﴾.
فلم يصح الله تعالى للسكران أن يصلى حتى يعلم ما يقول.
وروى عن أبى قتادة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: (انه ليس فى النوم تفريط انما التفريط فى اليقظة فاذا نسى أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها اذا ذكرها (٥).
ولا يجوز أن يؤذن ويقيم الا رجل بالغ عاقل مسلم فلا يجزئ أذان من لا يعقل حين أذانه لسكر أو نحو ذلك لأن الصبى والمجنون والذاهب العقل لسكر غير مخاطبين فى هذه الأحوال.
وقد قال النبى ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة فذكر الصبى والمجنون والنائم) والأذان مأمور به فلا يجزئ أداؤه الا من مخاطب به بنية أدائه ما أمر به (٦).
стр. 5906
قال أبو محمد: كنا نذهب الى أن المجنون والمغمى عليه يبطل صومهما ولا قضاء عليهما وكذلك الصلاة ونقول ان الحجة فى ذلك ما رويناه مسندا عن على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه عن رسول الله ﷺ قال رفع القلم عن ثلاثة:
(عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل).
وكنا نقول اذا رفع القلم عنه فهو غير مخاطب بصوم ولا بصلاة، ثم تأملنا هذا الخبر فوجدناه ليس فيه الا ما ذكرنا من أنه غير مخاطب فى حال جنونه حتى يعقل وليس فى ذلك بطلان صوم الذى لزمه قبل جنونه ولا عودته عليه بعد افاقته، وكذلك المغمى عليه.
فوجب أن من جن بعد أن نوى الصوم من الليل فلا يكون مضطرا بجنونه لكنه فيه مخاطب وقد كان مخاطبا به فان أفاق فى ذلك اليوم أو فى يوم بعده من أيام رمضان فانه ينوى الصوم من حينه ويكون صائما لأنه حينئذ علم بوجوب الصوم عليه وكذلك من أغمى عليه كما ذكرنا.
وكذلك من جن أو أغمى عليه قبل غروب الشمس أو نام أو سكر قبل غروب الشمس فلم يستيقظ ولا صحا الا من الغد، وقد مضى أكثر النهار أو أقله ووجدنا المجنون لا يبطل جنونه ولا ايمانه ولا نكاحه ولا طلاق ولا ظهاره ولا ايلاءه ولا حجه ولا احرامه ولا بيعه ولا هبته ولا شيئا من أحكامه اللازمة له قبل جنونه ولا خلافته ان كان خليفة ولا امارته.
ان كان أميرا ولا ولايته ولا وكالته ولا توكيله ولا كفره، ولا فسقه، ولا عدالته، وصاياه ولا اعتكافه ولا سفره ولا اقامته ولا ملكه ولا نذره، ولا حنثه ولا حكم العام فى الزكاة عليه.
ووجدنا ذهوله لا يوجب بطلان شئ من ذلك فقد يذهل الانسان عن الصوم والصلاة حتى يظن أنه ليس مصليا ولا صائما فيأكل ويشرب ولا يبطل بذلك صوم ولا صلاته، بهذا جاءت السنن.
وكذلك المغمى عليه ولا فرق فى كل ذلك، ولا يبطل الجنون والاغماء الا ما يبطل النوم من الطهارة بالوضوء وحده فقط وأيضا فان المغلوب المكره على الفطر لا يبطل صومه بذلك والمجنون والمكره مغلوبان مكرهان مضطران بقدر غالب من عند الله تعالى على ما أصابهما فلا يبطل ذلك صومهما.
وأيضا فان من نوى الصوم كما أمره الله ثم جن أو أغمى عليه فقد صح صومه بيقين من نص واجماع فلا يجوز بطلانه بعد صحته الا بنص أو اجماع ولا اجماع فى ذلك أصلا.
وأما من بلغ مجنونا مطيقا فهذا لم يكن قط مخاطبا، ولا لزمته الشرائع ولا الأحكام ولم يزل مرفوعا عنه القلم فلا يجب عليه قضاء صوم أصلا.
وأما من شرب حتى سكر فى ليلة رمضان وكان نوى الصوم فصحا بعد صدر من النهار أقله أو أكثر أو بعد غروب الشمس فصومه قام وليس السكر معصية، انما المعصية شرب ما يسكر سواء سكر أم لم يسكره.
ولا خلاف فى أن من فتح فمه أو أمسكت يده وجسده وصب الخمر فى حلقه حتى سكر أنه ليس عاصيا بسكره أنه لم يشرب ما يسكره اختيارا والسكر ليس هو فعله انما هو فعل الله تعالى فيه.
وانما ينهى المرء عن فعله لا عن فعل الله تعالى فيه الذى لا اختيار له فيه.
وكذلك من نام ولم يستيقظ الا فى النهار ولا فرق أو من نوى الصوم ثم لم يستيقظ الا بعد غروب الشمس فصومه تام.
وبقى حكم من جن أو أغمى عليه أو سكر أو نام قبل غروب الشمس فلم يفق ولا صحا ولا
стр. 5907
انتبه ليلته كلها والغد كله الى بعد غروب الشمس أيقضيه أم لا؟ نظرنا فوجدنا القضاء ايجاب الشرع والشرع لا يجب الا بنص.
فلم نجد ايجاب القضاء فى النص الا على أربعة، المسافر والمريض - بالقرآن الكريم - والحائض والنفساء، والمتعمد للقئ - بالسنة - ولا مزيد.
ووجدنا النائم والسكران والمجنون المطبق عليه ليسو مسافرين ولا متعمدين للقئ ولا حيضا ولا من ذوات النفاس ولا مرضى فلم يجب عليهم القضاء اصلا ولا خوطبوا بوجوب الصوم عليهم فى تلك الأحوال.
بل القلم مرفوع عنهم بالسنة ووجدنا المصروع والمغمى عليه مريضين بلا شك لأن المرض حال مخرجة للمرء عن حال الاعتدال، وصحة الجوارح والقوة الى الاضطراب وضعف الجوارح واعتلالها.
وهذه صفة المصروع والمغمى عليه بلا شك، ويبقى وهن ذلك وضعفه عليهما بعد الأفاقة مدة، فاذاهما مريضان فالقضاء عليهما ينص القرآن.
وليس قولنا بسقوط الصلاة عن المغمى عليه الا ما أفاق فى وقته منها وبقضاء النائم للصلاة مخالفا لقولنا ههنا، بل هو موافق لأن ما خرج وقته للمغمى عليه فلم يكن مخاطبا بالصلاة فيه ولا كان أيضا مخاطبا بالصوم ولكن الله تعالى أوجب على المريض عدة من أيام أخر، ولم يوجب تعالى على المريض قضاء صلاة.
وأوجب قضاء الصلاة على النائم والناسى ولم يوجب قضاء صيام على النائم والناسى بل أسقطه عن النائم والناسى اذا لم يوجبه عليه فصح قولنا (١).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار: ان النوم من نواقض الوضوء وحده، زوال العقل، لا المفتر كالنعاس لقول رسول الله ﷺ «من استجمع نوما فعليه الوضوء» قال أبو موسى وأبو مخلد وحميد الأعرج:
النوع ليس حدثا فى نفسه اذن لنقض يسير كالبول، قلنا:
بل حدث لقول رسول الله ﷺ : «من نام فليتوضأ» قال الناصر الأطروشى: ولا ينقض الوضوء النوم فى الصلاة لقول رسول الله ﷺ : اذا نام العبد فى سجوده باهى الله به ملائكته يقول عبدى روحه عندى وجسده ساجدين بين يدى (٢)
قلنا لم يصرح بذلك، وتعنى الخفقتان وان توالتا - قال صاحب البحر - ان لم يتخللهما انتباه كامل والخفقات التى تخللها انتباه كامل، لا ثلاث متوالية فصاعدا، قالت العترة:
والجنون والاغماء ناقض مطلقا كالنوم، قال الأكثر: والسكر كالجنون، قال المسعودى:
لا ان لم يغش، قلنا: زال عقله (٣).
وجاء فى شرح الأزهار أن الصلاة لا تجب على مجنون أو ما فى حكمه كالسكران المغمى عليه (٤)، قال فى البحر الزخار: لا تجب على من زال عقله ويقضى زائل العقل ان كان لسكر لا غير لتفريطه.
فان جن مع سكره لم يسقط القضاء لا اذا حاضت معه فتسقط، اذ سقوطها عن الحائض حتم وعن
стр. 5908
المجنون تخفيف، فلا يخفف عنه مع السكر ويقضى قدر السكر فقط لأنه السابق وقيل قدر الجنون اذ هو مرض، والأول أصح (١).
ومن سقطت عنه الجنون أو سكر قبل تضيق الأداء لم يلزمه القضاء اذ لم تفت حينئذ لجواز التأخير، ومن فاتته لنوم أو نسيان لزمه القضاء وان لم يتضيق عليه الأداء (٢).
والمجنون الأصلى فى الصيام كالصغير فلا يقضى ما فات من الصيام بالجنون، ويقضى ما فات بالجنون الطارئ اذ هو كالمرض لطروه، والاغماء كالمرض (٣).
وجاء فى حواشى شرح الأزهار قال المفتى أما قولهم أن الجنون والاغماء مرض ضعيف أولا خطاب على زائل العقل بخلاف المريض فلا فرق بين طارئ وأصلى لقول رسول الله ﷺ «رفع القلم عن ثلاث» الى آخر الحديث (٤).
وجاء فى البحر الزخار أن شرط المعتكف العقل فيفسد بطرو السكر لقول رسول الله ﷺ : «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم (ورفع أصواتكم واقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وخمروها فى الجمع وهو كالمجنون (٥).
ولا يلزم الحج المجنون لرفع القلم عنه، ولا السكران الا أن يميز لقول الله : «حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ (٦)». والمغمى عليه كالمجنون (٧).
ويكفى فى الحج المرور بعرفة على أى صفة كان ولو نائما أو نحوه كالمعتكف، وكذا المغمى عليه والمجنون والسكران. لما روى عن عروة ابن مضرس الطائى قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين أقام الصلاة فقلت يا رسول الله انى جئت من جبل طئ أكلت راحلتى وأتعبت نفسى، والله يا رسول الله ما تركت من جبل الا وقفت عليه فهل لى من حج أفقال رسول الله ﷺ : «من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه» ولم يفصل ﷺ (٨).
وجاء فى شرح الأزهار أن الجنون من أسباب انتقال الولاية من الولى فى النكاح الى من يليه فورا من غير خلاف، قال فى الحاشية: ولو صرعا ولو كان يفيق فى الحال وكذا زوال عقله بالسكر والاغماء والبنج وقيل ان هؤلاء الثلاثة ينتظرون ولا تبطل ولا يتهم (٩).
وقال صاحب البحر الزخار: ولا ولاية للمجنون المطيق لرفع القلم عنه ولأن الولاية لطلب الحظ ولا هداية له الى ذك بخلاف المصروع والمغمى عيه اذ ولايته تعود بالافاقة. والسكران والمبنج والسقيم اذ صار لا يشعر بشئ من أحواله ولا يفرق بين الحسن والقبيح كالمجنون، والا فلا يكون كالمجنون (١٠).
стр. 5909
ويقع الطلاق من السكران اذ لم تفصل الأدلة وهى قول الله «الطَّلاقُ مَرَّتانِ ١» ونحوها.
ولقوله : ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ (٢).
فمخاطبتهم حال السكر تقتضى تكليفهم، وقال القاسم بن محمد والناصر وأبو طالب وغيرهم:
لا يقع طلاق السكران لزوال عقله كالصبى والمجنون. قال الامام يحيى: ان صيره السكر لا يفرق بين السماء والأرض، بل كالنائم والمغمى عليه لم يصح طلاقه اتفاقا، وان صيره نشاطا طربا لم يضع من عقله شئ صح اتفاقا، وان كان بين هاتين الحالتين بحيث لم يضع أكثر عقله فهو محل الخلاف، قال:
والأصح جواز عقوده لتميزه، واختلف فى علة تصحيح طلاقه، فقيل المعصية تغليظا عليه، فعلى هذا ينفذ ما فيه عليه خسر كالطلاق والعتق والهبة، لا ما فيه نفع له كالنكاح والرجعة، وقيل لأن زوال عقله انما يعلم من جهته فلا يقبل قوله فى زواله لفسقه، فيقع ظاهرا لا باطنا.
ولا يقع الطلاق من النائم اجماعا لرفع القلم عنه (٣).
ولا يقع الطلاق من الصبى ولا المغمى عليه ولا المبرسم ولا المغمور بمرض شديد والمنهج وكل من عقله زائل بدون سكر فان طلاق هؤلاء لا يقع قال فى حاشيته شرح الأزهار: وكذا المعتوه يقع طلاقه كما فى البيع، وفى البحر لا يصح طلاق المعتوه والصبى. قال أبو العباس: ولو زال عقله بالبنج والخمر معا أو بأحدهما والتبس فالأصل بقاء النكاح فلا يقع طلاقه قال مولانا ﵇: وهكذا لو شرب فعرض له الجنون أيضا فانه لا يقع (٤).
ولا تصح الرجعة باللفظ من زائل العقل الا من السكران فان رجعته تصح، قال فى الوافى:
رجعة السكران كطلاقه على الخلاف، وتصح الرجعة بالفعل ولو وقع الوط ء منه وهو مجنون أو سكران أو نائم (٥).
ولا يصح الظهار الا من المكلف فلا يصح من الصبى والمجنون، وأما السكران فحكم ظهاره حكم طلاقه على الخلاف المذكور، وانما يشترط التكليف حال ايقاعه فى المعلق، ولو حصل حال جنونه فانه يصح فان قال ان دخلت الدار فأنت على كظهر أمى فدخلت الدار بعد أن صار مجنونا صح الظهارة (٦).
والتمييز من شروط البيع الصحيح فلا يصح من غير المميز اجماعا لقول رسول الله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة .. الحديث)، ويصح من المجنون بعد افاقته اجماعا، قال القاسم والهادى: ويصح من السكران، قال الامام يحيى: أراد القاسم والهادى بالسكران من لم يذهب عقله لقولهما اذا كان يعقلهما (٧).
ولا يصح الاقرار من غير المميز اجماعا، قال الامام يحيى: ولا يصح من معتوه لضعف عقله (٨).
والمذهب على أن الوكالة تبطل بجنون الوكيل أو جنون الأصل أو اغمائهما اذ بحدوث ذلك فخرجا عن كونهما من أهل التصرف، قال المؤيد بالله: تبطل الوكالة بالجنون فقط أما الاغماء فلا تبطل به اذ هو كالنوم قلنا: هو بالجنون (٩) أشبه.
стр. 5910
مذهب الإمامية:
وجاء فى مستمسك العروة الوثقى أن النوم مطلقا من نواقض الوضوء وأن كان فى حال المشى اذا غلب على القلب والسمع والبصر، فلا تنقض الخفقة اذ لم تصل الى الحد المذكور، ومثل النوم كل ما أزال العقل مثل الاغماء والسكر والجنون، دون مثل البهت (١).
ومن نام فى خلال الأذان والاقامة ثم استيقظ استحب له استئنافه ويجوز له البناء، وكذا ان أغمى عليه (٢).
وذكر صاحب جواهر الكلام أن من نام فى خلال الأذان أو الاقامة ثم استيقظ استحب له الاستئناف، وظاهرهم أنه يجوز له البناء ولا يخفى عليك أنه كذلك البحث أن أغمى عليه فى خلالهما أو جن أو أسكر أو غير ذلك (٣).
ومن أسباب فوات الصلاة ويسقط معه وجوب القضاء الجنون بأفة سماوية ولم يمض عليه من أول الوقت مقدار أداء الصلاة، أما اذا كان من فعله فقد قال الشهيد فى الذكرى ان عليه القضاء مسندا له الى الأصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه.
ولا فرق بين الاطباتى من الجنون والادارى بعد فرض تسييبهما الفوات فى جميع الوقت للاطلاق، ولا فرق كذلك بين الماليخوليا وغيره لصدق المجنون عليه عرفا (٤).
وكذا يسقط القضاء مع الاغماء والمستوعب للوقت على الأظهر لأشهر كما فى الروضة بل هو المشهور نقلا وتحصيلا، لكن فى الحدائق عن بعض أنه يقضى آخر أيام افاقته ان أفاق نهارا، ويقضى آخر ليله أن أفاق ليلا ثم نقل قول الصدوق بقضاء الجميع (٥).
ثم لا فرق فى سبب الاغماء بين الآفة السماوية وفعل المكلف لاطلاق النصوص وبعض الفتاوى خلافا للذكرى حيث أوجب القضاء فى الثانى دون الأول ونسبه كما روى عن غيره الى الأصحاب مشعرا بدعوى الاجماع عليه (٦).
ولو زال عقل المكلف بشئ يزيل العقل غالبا وكان ذلك من قبله عالما بترتب الزوال عليه غير مكره ولا مضطرب كالمسكر وشرب المرقد وجب عليه القضاء لأن الشرب مثلا سبب فى زوال العقل غالبا اذ هو عن الفقهاء ما ترتب عليه الشئ غالبا بلا خلاف أجده، وفى المنتهى: ويقضى السكران كل ما فاته وأن كان غائبا بالسكر ولا نعلم فيه خلافا وعلله مع ذلك بكونه السبب لذلك ونحوه الى أن قال: وكذا البحث فيمن شرب دواء مرقدا وأن تطاول زمان الاغماء وأما لو لم يكن عالما بالاسكار مثلا أو كان مكرها أو شربه لضرورة دعت اليه أو كان مما لا يسكر غالبا كما لو أكل غذاء مؤذيا قال الى الاغماء لم يقض كما صرح بالأخيرة فى المنتهى والتحرير، وذكر الأولين فى البيان ظاهرا فى الأول وصريحا فى الثانى وصرح بالثالث جماعة على ما قيل كسابقيه، لكن لا يخفى أنه يشكل الحكم هنا بسقوط القضاء عمن لم يندرج منهم فيما ذكرنا مما استدل على سقوط القضاء عنه كالمجنون ونحوه بناء على صدق الفوات على من لم يخاطب بالأداء اللهم الا أن يؤخذ بعموم قوله ﵇: كل ما غلب الله عليه فهو أولى بالعذر (٧).
стр. 5911
والصوم لا يجب على المجنون لأن من شروط وجوبه العقل ولا فرق فى الجنون بين الاطباقى والادوارى اذا كان يحصل فى النهار ولو فى جزء منه وأما لو كان دور جنونه فى الليل بحيث يفيق قبض الفجر فيجب عليه. وكذلك لا يجب الصوم على المغمى عليه ولو حصل فى جزء من النهار لأن عدم الاغماء من شروط وجوب الصيام، نعم لو كان نوى الصوم قبل الاغماء فالأحوط اتمامه بل لا يخلو وجوبه من قوة - والا فلو صحا قبل الزوال فالأحوط له تجديد النية (١) والاتمام.
ولا يجب على المجنون ما فات منه أيام جنونه من غير فرق بين ما كان من الله أو من فعله على وجه الحرمة أو على وجه الجواز، وكذا لا يجب على المغمى عليه سواء نوى الصوم قبل الاغماء أم لا (٢).
ويجب القضاء على ما فاته الصوم للنوم بأن كان نائما قبل الفجر الى الغروب من غير سبق النية، بل الى الزوال وان كان الأحوط له الاتمام ثم القضاء وكذا يجب على ما فاته للغفلة (٣).
ويستحب للمجنون والمغمى عليه اذا أفاقا فى أثناء نهار رمضان أن يمسكا فيه وان لم يكن صوما (٤).
والاعتكاف لا يصح من المجنون ولو أدوارا فى دوره، ولا من السكران وغيره من فاقدى العقل لأن من شروط صحته العقل (٥).
ولا زكاة فى مال المجنون فى تمام الحول أو بعضه ولو أدوارا بل قيل ان عروض الجنون آنا ما يقطع الحول لكنه مشكل بل لا بد من صدق اسم المجنون وأنه لم يكن فى تمام الحول عاقلا والجنون آنا ما بل ساعة وأزيد لا يضر لصدق كونه عاقلا (٦).
والأظهر وجوب الزكاة على المغمى عليه فى أثناء الحول وكذا السكران، فالاغماء والسكر لا يقطعان الحول فيما يعتبر فيه ولا ينافيان الوجوب اذا عرضا حال المتعلق فى الغلات (٧).
بل صرح الفاضل فى تذكرته والمحكى من نهايته أنه لو كان الجنون يعتوره ادوارا اشترط الكمال طول الحول فلو جن فى أثنائه سقط واستأنف من حين عوده، بل فيهما أن حكم المغمى عليه حكم المجنون، نعم فى التذكرة أن الزكاة تجب على الساهى والنائم والمغفل لكن اعترضه فى المدارك انه انما تسقط الزكاة عن المجنون المطبق أما ذو الأدوار فالأقرب تعلق الوجوب فى حال الافاقة اذ لا مانع من توجه الخطاب اليه فى تلك الحال وأن فى الفرق بين الاغماء والنوم نظرا لأنه ان أريد عدم أهلية المغمى عليه للتكليف فمسلم لكن النائم كذلك وان أريد كون الاغماء مقتضيا لانقطاع الحول وسقوط الزكاة كما ذكره فى ذى الأدوار طولب بدليله فالمتجه مساواة الاغماء للنوم فى تحقق التكليف بالزكاة بعد زوالهما كما فى غيرهما من التكاليف وعدم انقطاع الحول بعروض ذلك فى الأثناء (٨).
ولا يجب الحج على المجنون وان كان أدواريا اذا لم يف دور افاقته باتيان تمام الأعمال. ويستحب للولى أن يحرم بالمجنون وان كان لا يخلو عن اشكال لعدم نص فيه بالخصوص فيستحق الثواب عليه، ولكن لو أحرم به بوجاء المطلوبية فلا اشكال فيه. والمراد بالاحرام به جعله محرما لا أن يحرم عنه، فيلبسه ثوبى الاحرام ويقول اللهم انى
стр. 5912
أحرمت هذا الخ ويأمره بالتلبية بمعنى أن يلقنه اياها، وان لم يكن قابلا يلبى هو عنه ويجنبه عن كل ما يجب على المحرم الاجتناب عنه ويأمره بكل ما يتمكن منه من أفعال الحج وينوب عنه فى كل ما لا يتمكن منه، ويطوف به ويسعى به بين الصفا والمروة، ويقف به فى عرفات ومنى، ويأمره بالرمى وان لم يقدر يرمى عنه، وهكذا يأمره بعد الطواف وان لم يقدر يصلى عنه، ولا بد من أن يكون طاهرا متوضئا ولو بصورة الوضوء وان لم يمكن فيتوضأ هو عنه. ويحلق رأسه وهكذا جميع الأعمال (١).
ولو كان لمن أراد الحج عذر عن أصل انشاء الاحرام لمرض أو اغماء ثم زال وجب عليه أن يعود الى الميقات اذا تمكن، والا كان حكمه حكم الناسى فى الاحرام من مكانه اذا لم يتمكن الا منه وان تمكن من العود فى الجملة وجب وذهب بعضهم الى انه اذا كان مغمى عليه فلم يفق حتى أتى الوقف قال ﵇ يحرم عنه بلا رجل، والظاهر أن المراد أنه يحرم رجل ويجنبه عن محرمات الاحرام لا أنه ينوب عنه فى الاحرام ومقتضى هذا القول عدم وجوب العود الى الميقات بعد افاقته وان كان ممكنا ولكن العمل به مشكل لارسال الخبر وعدم الجابر فالأقوى العود من الامكان وعدم الاكتفاء به مع عدمه (٢).
وجاء فى شرائع الاسلام: أنه لا عبرة فى النكاح بعبارة المجنون، وفى السكران الذى لا يعقل تردد أظهره أنه لا يصح ولو أفاق فأجاز، وفى رواية اذا زوجت السكرى نفسها ثم أفاقت فرضيت أو دخل بها ثم أفاقت وأقرته كان النكاح ماضيا (٣).
واذا أوجب ثم جن أو أغمى عليه بطل حكم الايجاب فلو قيل بعد ذلك كان لغوا، وكذا لو سبق القبول وزال عقله فلو أوجب الولى بعده كان لغوا وكذا فى البيع (٤).
ولو جن الأب أو أغمى عليه انتقلت ولاية النكاح الى الجد ولو زال المانع عادت الولاية اليه (٥).
ولا يصح طلاق المجنون ولا السكران ولا من زال عقله باغماء أو شرب مرقد لعدم القصد ولا يطلق الولى عن السكران لأن زوال عذره غالب فهو كالنائم، ويطلق عن المجنون ولو لم يكن ولى طلق السلطان أو من نصبه للنظر فى ذلك (٦).
ولا يصح ظهار المجنون ولا فاقد القصد بالسكر أو الاغماء أو الغصب (٧) وكذا لا يقع الخلع مع الجنون ولا مع السكر ولا مع الغضب الرافع للقصد (٨).
ويعتبره فى المولى من زوجته كمال العقل والقصد، ولو جن المولى بعد ضرب المدة احتسبت المدة عليه، وان كان مجنونا فان انقضت المدة والجنون باق تربص به حتى يفيق (٩).
واذا وطئ المولى ساهيا أو مجنونا، قال الشيخ بطل حكم الايلاء لتحقق الاصابة ولا تجب الكفارة لعدم الحنث (١٠).
والمعتبر فى المعتق كمال العتق والقصد اليه فلا يصح عتق السكران (١١).
وكذا الحكم فى التدبير فلا يصح تدبير المجنون ولا السكران (١٢).
стр. 5913
ولا يصح الاقرار من المجنون ولا من السكران لأنه يشترط فى المقر أن يكون مكلفا (١).
ولا ينقد بين الصغير ولا المجنون ولا المكره ولا السكران ولا الغضبان (٢).
ولا يصح النذر من المجنون ولا من السكران ولا الغضبان الذى لا قصد له لأن شرط الناذر أن يكون عاقلا قاصدا (٣).
ولا يصح بيع المجنون ولا المغمى عليه ولا السكران غير المميز لأن من شروط العاقد فى البيع أن يكون عاقلا مختارا (٤).
ولا بد فى الضامن من يكون مكلفا فلا يصح ضمان المجنون (٥).
وكذا لا تصح الاعارة منه لاشتراط التكليف فى صحة العارية (٦).
ولا تصح الاجارة منه فلو أجر المجنون لم تنعقد اجارته (٧).
وكذا لا تصح الوكالة منه ولو عرض الجنون بعد التوكيل أبطل الوكالة (٨).
وجاء فى العروة الوثقى أن من مبطلات الوكالة الجنون والاغماء من أحد العاقدين من غير فرق بين كون الجنون اطباقيا أو ادواريا وكون مدة الاغماء قصيرة أو طويلة ومن غير فرق بين علم الموكل بذلك وجهله وظاهرهم الاجماع على البطلان بعروض أحدهما، فبعد الافاقة يحتاج الى توكيل جديد، وربما يستدل أيضا بانقطاع الاذن فى جنون الموكل وفيه أنه ممنوع لا يبعد أن يقال له أن يوكل فى حال عقله وافاقته من يتصدى أموره اذا جن أو أغمى عليه فيكون الوكيل أولى الحاكم الشرعى، بل يمكن أن يقال انه أولى من وليه الاجبارى لانه أولى بنفسه وقد جعل لنفسه من يتصدى أموره، وأيضا لا مانع من أن يقول للوكيل أنت وكيلى ما دمت عاقلا بأن يصرح بوكالته حال عقله سواء كان من الأول أو بعد الافاقة من الجنون وكذا الحكم بالنسبة الى الاغماء فقد تبطل بالنوم وان طال ولا بعروض النسيان لأحدهما ولا بالسكر من أحدهما (٩).
وجاء فى العروة الوثقى أن الشركة تبطل بالموت والجنون والاغماء والحجر الفلس أو السفه بمعنى أنه لا يجوز للآخر التصرف واما أصل الشركة فهى باقية (١٠).
مذهب الإباضية:
جاء فى طلعة الشمس أن حكم الجنون والعته مثل حكم الصغر وذلك أن الجنون مزيل للعقل بالكلية وليس فى الصبى الا نقصان العقل، فالمجنون أولى برفع التكاليف من الصبى.
وأما العته فهو نوع من الجنون وحكمه مثل حكمه.
وللنوم حكمان أحدهما تأخير تعلق الخطاب الى حال اليقظة فان النائم لعجزه عن فهم الخطاب لا يتناسب أن يتوجه اليه الخطاب ولامكان فهم الخطاب منه بالانتباه لم يسقط الخطاب عنه رأسا لكن أخر عنه الى أن يستيقظ واستدلوا على بقاء وجوب الخطاب فى حق النائم.
يقول رسول الله ﷺ من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها،
стр. 5914
قالوا لو لم يكن الوجوب ثابتا فى حق النائم والناس ما أمروا بالقضاء.
والحكم الثانى: الغاء ألفاظه فلا توصف ألفاظ النائم بخبر ولا استخبار ولا انشاء ولا يتم بلفظه بيع ولا شراء ولا تزويج ولا طلاق ولا عتق ونحو ذلك لعدم القصد والارادة فيها ولأجل ذلك قال بعضهم بثبوت العفو عنها فى الصلاة فلا تنقض صلاة من تكلم فيها وهو نائم لعدم القصد والارادة فى ذلك.
وقيل انها تنتقص بالكلام فى اليقظة والنوم أخذا بظاهر الحديث:
ان صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين.
وحكم الاغماء مثل حكم النوم فى جميع ما مر لأن الاغماء أشد فى ذهاب الحواس وأكثر منافاة للقصد والارادة من النوم فما ثبت للنوم من الأحكام فهو ثابت للاغماء بطريق الأولى لكن استحسنوا نقض الصلاة والصوم بالاغماء دون الصوم لندرة وقوع الاغماء أى لما كان الاغماء لا يقع فى الانسان الا نادرا.
استحسن الفقهاء الصلاة والصوم به لأنه حدث لا يؤمن معه الحدث، وهو مزيل للحواس فتعاد معه الصلاة اذا طرأ فيها لا اذا أغمى عليه قبل وجوبها ثم مضى وقتها وهو لم يفق من اغمائه فانه لا قضاء عليه فى مثل هذه الصورة بخلاف النوم وصرح بذلك الامام الكومى رضوان الله تعالى عليه، أما لو دخل وقتها وهو صحيح أو صحا من اغمائه قبل خروج وقتها فعليه قضاؤها لتعلق الوجوب عليه بتمام صحته فى بعض وقتها.
ويعيد الصيام اذا أغمى عليه من الليل حتى أصبح فلو استمر به الاغماء ليالى وأياما كان عليه بدل تلك الأيام كلها.
كذا قال أبو عبد الله رحمه الله تعالى واستثنى من ذلك اليوم الذى أصبح فيه صحيحا ثم أغمى عليه فى النهار، قال لا يدل عليه فيه.
قال أبو سعيد رحمه الله تعالى:
ولا أعلم فى ذلك اختلافا، وقيل لا بدل عليه حتى فى الأيام التى أصبح فيها معنى عليه لأنه فى ذلك بمنزلة النائم، وحاصله أنه اذا طرأ عليه الاغماء نهارا فلم يحدث حدثا ينقض الصوم فلا قضاء عليه لأنه بمنزلة النوم وان طرأ عليه الاغماء ثم أصبح كذلك ففى لزوم القضاء عليه قولان اختار أبو عبد الله رحمه الله تعالى أن يقضى واختار أبو سعيد رحمه الله تعالى أن لا قضاء عليه (١).
أما السكر وهو تغير العقل بسبب أبخرة تصعد الى الدماغ من شرب المسكرات أو أكلها.
فنوعان لأنه اما أن يكون سببه حلالا وأما أن يكون سببه حراما، فأما السكر الذى سببه حلال فكسكر من سكر من الأشياء التى أبيح له أكلها أو شربها لحال الضرورة كما لو اضطره الجوع الى شرب الخمر أو أكل المسكر أو جبره السلطان على ذلك فانه يباح له على قول احياء نفسه من المسكر فاذا أحياها من ذلك المباح فى حقه فسكر فحكمه فى الصلاة والصيام ومنع التصرف حكم المغمى عليه لأن كل واحد من الاغماء والسكر المباح مغير للعقل من غير هوى من صاحبه.
وأما السكر الذى سببه حرام فهو أن يسكر المرء من أجل المسكر أو شربه على غير الضرورة
стр. 5915
المتقدم ذكرها فان هذا السكر لا ينافى الخطاب لأنه متعرض بنفسه لتغير عقله اختيارا فمناسب أن تجرى عليه الأحكام الشرعية، والدليل على أنه غير مناف للخطاب قول الله :
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى» (١).
فانهم نهوا أن يقربوا الصلاة وهو سكارى، وهذا الخطاب متوجه اليهم حال السكر فاذا ظهر لك صحة تعلق الخطاب بالسكران فأجر عليه أحكام الصاحى فيثبت طلاقه لزوجته وعتقه لعبيده ويلزمه الاسلام فى حال سكره بمعنى أنه اذا كان كافرا ثم سكر ثم أسلم فى حال السكر ثم شاء أن يرتد بعد الصحو فانه يجبر على الاسلام ترجيحا للاسلام على غيره لأن الاسلام يعلو ولا يعلى عليه أو لو كان مسلما ثم ارتد فى سكره فانه لا يقام عليه حد المرتد لأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وتغير العقل بالسكر شبهة واضحة وعلى الجملة، فجميع الأحكام ثابتة على السكران الذى سبب سكره حرام حتى قيل أنه لو فعل فى سكره فانه لا يقام عليه حد المرتد لأن الحدود فلو زنى وهو سكران أقيم عليه حد الزنا ولو سرق وهو سكران قطعت يده وكذا سائر الحدود.
وقيل لا يقام عليه الحد فى ذلك لأن الحدود تدرأ بالشبهات وهو الصحيح عندى والأول أشهر وأقول أنه ينبغى أن يخرج من جملة ذلك حد الارتداد فيقال ان المرتد فى حال سكره لا يقام عليه حد المرتد وهو القتل لأن السكران لا تمييز معه فيجرى على لسانه ما لم يكن مقصودا له.
وقد رأيناهم ينتظرون بالمرتد ما لا ينتظرون بغيره من أهل الحدود حتى حكى بعضهم اجماع الناس على أن المرتد من الاسلام الى الشرك يستناب قبل القتل.
وفى حكاية هذا الاجماع نظر فانه قد روى عن الحسن البصرى رضى الله تعالى عنه أنه يقتل فى الحال ولا يستتاب، وقال عطاء رضى الله تعالى عنه ان كان مولودا على الاسلام استتيب وان كان أسلم بعد كفر ثم ارتد لم يستتب.
وقال الشافعى رضى الله تعالى عنه فيه ثلاثة أقاويل أحدها التافى به ثلاثا.
والقول الثانى يقتل فى الحال الا أن سأل النظرة، وقال ابن بركة رحمه الله تعالى النظر يوجب أن لا يجب على الامام استتابة ولو كانت الاستتابة واجبة قبل القتل لما يرجى من رجوعه لموجب أن لا يقبل منه استتابة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا لأن الرجاء قبل القتل لما يرجى من رجوعه قائم.
وقال بعض أصحاب الظاهر: يجب على الامام قتل المرتد أول أوقات الامكان لأن النبى ﷺ أمر بقتله ولم يجعل لذلك وقتا معلوما، واختار أصحابنا أن يستتاب المرتد قبل أن يقتل.
لما روى عن رسول الله ﷺ انه استتاب مرتدا أربع مرات، وروى أن عمر رضى الله تعالى عنه كتب الى عامله فى رجل تنصر أن استقبه ثلاثا فان أبى عن التوبة فاقتله.
وقال أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه: انه يستتاب ثلاثا فى ثلاثة أسابيع كل أسبوع مرة، وقال سفيان الثورى رضى الله تعالى عنه يستتاب أبدا ولعله يريد بذلك عدم حصر الاستتابة فى عدد مخصوص.
стр. 5916
ولا يريد بأنه لا يقتل، بل يستتاب فقط، وكأن مراده أنه يستتاب الى أن يقتل لهذه الأخبار وهذه الآثار دالة على تخصيص المرتد بالتأنى فى شأنه والانتظار وليس شئ من ذلك فى سائر الحدود فان سائر الحدود تقام بنفس مباشرة سببها فصح أن تستثنى من جملتها حد المرتد فلا يقتل اذا ارتد وهو سكران حتى يستمر على ارتداده بعد الصحو.
واعلم أنهم قالوا أن السكران لا يقام عليه الحد فى حال سكره لكن ينتظر به الصحو فاذا صحا أقيم عليه حد السكران وسائر الحدود الثانية عليه لأن ذلك أزجر له وأردع لأن الصاحى أشد تألما بالحد من السكران لأن الحدود اذا ثبتت لا تؤخر من وقت الى وقت آخر.
وهذا الاحتجاج مبنى على القول بأن الأمر المطلق يقتضى الفور، والصحيح أنه لا يقتضى الفور فيصح تأخيره لمصلحة يراها الامام (١) أو نائبه.
أثر الاغماء فى العقود المالية
ونحوها من التصرفات
مذهب الحنفية:
جاء فى الفتاوى الهندية أنه اذا أغمى على عاقدى البيع ثم أفاقا وقيل جاز عند أبى يوسف رحمه الله تعالى، وقال محمد رحمه الله تعالى، اذا طال الاغماء يبطل كذا فى التتار خانية (٢) ومن شروط انعقاده الكفالة أن يكون الكفيل عاقلا فلا تنعقد كفالة الصبى ولا المجنون، ولو وقع الاختلاف بين الطالب والكفيل فقال الكفيل كفلت وأنا مجنون أو مغمى على أو مبرسم وأنكر الطالب ذلك وقال: كفلت وأنت صحيح فان كان ذلك معهودا من المقر فالقول قول المقر وان لم يكن ذلك معهودا منه فالقول قول الطالب، كذا فى المحيط (٣) ومن شرط المعتق أن لا يكون معتوقا ولا مدهوشا ولا مبرسما ولا مغمى عليه ولا نائما حتى لا يصح الاعتاق من هؤلاء (٤).
واقرار الصبى المحجور عليه المعتوه والمغمى عليه والنائم باطل بمنزلة سائر تصرفاتهم، كذا فى محيط السرخسى (٥). ولا تجوز القسمة على المبرسم ولا على المغمى عليه ولا على الذى يجن ويفيق الا برضاه أو وكالته فى حالة صحته وافاقته كذا فى الذخيرة (٦).
مذهب المالكية:
جاء فى مواهب الجليل أنه يشترط فى انعقاد البيع أن يكون عاقده مميزا، فلا ينعقد بيع غير المميز لصغر أو جنون أو اغماء ولا ينقعد شراؤه (٧)، ويشترط فى عاقد الرهن ما يشترط فى عاقد البيع (٨)، قال القرطبى فى أوائل سورة النساء: استحسن مالك رحمه الله تعالى أن لا يحجز على المغمى عليه لسرعة زوال ما به (٩).
стр. 5917
مذهب الشافعية:
جاء فى الأنوار أن من شروط صيغة عقد البيع أن يصر البادئ على ما امتثل به من الايجاب أو القبول ويستمر تكليفه واطلاقه الى امتثال الثانى، فلو رجع البادئ قبل امتثال الثانى أو جن أو أغمى عليه أو حجر بطل ما امتثل به (١).
ويشترط فى العاقد أن يكون مكلفا فلا يصح بيع الصبى والمجنون لا لأنفسهما ولا لغيرهما باذن الولى ودون اذنه، ويصح بيع السكران وشراؤه (٢).
وجاء فى نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسى عليه أنه يشترط فى عقد البيع أن تبقى أهلية المتعاقدين الى تمام العقد، فلو جن احداهما أو أغمى عليه أضر ذلك بالعقد (٣).
ولا يبطل الرهن بموت المتعاقدين ولا بجنونهما ولا باغمائها (٤).
وتنفسخ الشركة بموت أحد الشريكين أو جنونه أو اغمائه فعم الاغماء الخفيف الذى لا يستغرق وقت فرض صلاة لا يؤثر (٥).
ولا يصح توكيل الصبى والمجنون والمغمى عليه بمرض وغيره ولا توكيل الشيخ المغند لأن شرط الموكل أن يكون متمكنا من مباشرة ما يوكل فيه بالملك أو الولاية (٦).
ولو مات الوكيل أو الموكل أو جن أو أغمى عليه زمنا طويلا انعزل، ولو سكر أو نام أو ارتد لم ينعزل وكذا اذا أغمى عليه اغماء خفيفا لا يستغرق وقت فرض صلاة على ما ذكر فى الشركة (٧).
وينفسخ القراض بموت أحد المتعاقدين أو جنونه أو اغمائه ولو أغمى على المالك أو جن أو مات وأراد الوارث الرشيد أو الولى تقرير العامل وكان المال نقدا جاز بعقد مستأنف بشروطه وان كان قبل القسمة لجواز القراض على المشاع ومع الشريك بشرط أن يختص العامل باليد وبربح نصيبه وأن يتشاركا فى ربح نصيب الآخر، وينقعد بلفظ الترك والتقرير، فيكفى أن يقول ورثة المالك للعامل قررناك أو تركناك على ما كنت عليه مع قبوله لفهم المعنى، وكالورثة وليه وكالموت الجنون والاغماء، فيقرر المالك بعد الافاقة منهما، ذكره فى شرح الروض (٨).
واذا جن أحد المتعاقدين على القراض أو أغمى عليه ثم أفاق وأراد القراض ثانيا فكالانفساخ بالموت، أى يجوز القراض بشروطه (٩).
وجاء فى نهاية المحتاج أن اقرار الصبى ولو مراهقا وأذن له وليه والمجنون والمغمى عليه وكل من زال عقله بما يعذر به لاغ لسقوط أقوالهم (١٠).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى أنه ان خرس أحد المتبايعين أثناء الخيار قامت اشارته مقام لفظه فان لم
стр. 5918
تفهم اشارته أو جن أو أغمى عليه قام وليه - من الأب أو وصيه أو الحاكم - مقامه (١).
ولا تبطل الوكالة بالاغماء كالنوم لأنه لا تثبت عليه الولاية.
ولا يصح الاقرار لا من عاقل مختار، فأما الطفل والمجنون والمبرسم والنائم والمغمى عليه فلا يصح اقرارهم لا نعلم فى هذا خلافا، وقد قال رسول الله ﷺ «رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ، فنص على الثلاثة.
والمبرسم والمغمى عليه فى معنى الجنون والنائم ولأنه قول من غائب العقل فلم يثبت له حكم البيع والطلاق (٢).
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى أنه لا يجوز بيع من لا يعقل لسكر أو جنون ولا يلزمهما لقول الله «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» (٣) فشهد بأن السكران لا يدرى ما يقول والبيع قول أو ما يقوم مقام القول ممن لا يقدر على القول ممن به آفة من الخرس أو بفمه آفة فمن لا يدرى ما يقول فلم يبع شيئا ولا اتباع شيئا، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال «رفع القلم عن ثلاث فذكر المبتلى حتى يفيق والصبى حتى يبلغ (٤). ولا يجوز عتق من لم يبلغ ولا عتق من لا يعقل من سكران أو مجنون، لما تقدم ولقول رسول الله ﷺ «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» والمجنون والسكران لا نية لهما (٥).
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار أن المذهب على أن الوكالة تبطل بجنون الوكيل أو الأصل أو اغمائهما اذ خرجا عن كونهما من أهل التصرف، قال المؤيد بالله: تبطل بالجنون فقط اذ الاغماء كالنوم، قلنا: الاغماء بالجنون أشبه وفى الواقى أنه يعود بعود عقله. قال صاحب البحر وفيه نظر اذا الولاية المستفادة لا تعود بعد زوالها الا بتجديد. والوكالة أضعف (٦).
مذهب الإمامية:
جاء فى العروة الوثقى أن من مبطلات الوكالة الاغماء من أحدهما من غير فرق بين كون مدة الاغماء قصيرة أو طويلة، ومن غير فرق بين علم الموكل بذلك وجهله، وظاهرهم الاجماع على البطلان بعروض الاغماء لأحدهما فبعد الافاقة يحتاج الى توكيل جديد (٧)، وجاء فى شرائع الاسلام أنه لا يصح البيع من المجنون والمغمى عليه والسكران غير المميز، ويشترط فى الراهن والمرتهن كمال العقل وجواز التصرف،
стр. 5919
ويبطل عقد الراهن لو نطق بالعقد ثم جن أو أغمى عليه أو مات قبل القبض (١).
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل أنه يشترط فى عاقدى البيع أن يكونا عاقلين فلا يعقد بمجنون أو سكران أو مغلوب على عقله بنوم أو غيره ولو صحا بعد الا أن أتم بعد صحو أو جدد (٢)، وأن جن مشتر بعد بيع وقبل قبول علق البيع الى الافاقة، وخليفته بمقامه ان كان والا أجبر أولياؤه باستخلاف عليه أن طلب البائع ذلك فى الأظهر لئلا يتعطل مال البائع (٣). ومن باع شيئا فمات أو جن أو ارتد فظهر له بعد الارتداد أن لا يبيع مطلقا أو أن لا يبيع الا بكذا أو بشرط كذا علق للمشترى وخير، فان قبل المبيع أخذه وان قبله ولم يتوصل اليه استخلفوا له من يوصله اليه (٤). وتصح الحوالة بين بلغ عقلاء لأنها بيع والبيع لا يصح من غير بالغ ولا لغير بالغ ولا من مجنون ولا لمجنون (٥).
стр. 5920
إفاضة
معنى الافاضة فى اللغة:
الافاضة فى اللغة مصدر للفعل: أفاض.
يقال أفاض اناء أى ملأه حتى فاض وأفاض دموعه وأفاض الماء على نفسه أى أفرغه، وأفاض الناس من عرفات الى منى أى دفعوا منها، وكل دفعة افاضة، وأفاضوا فى الحديث اندفعوا فيه (١).
وجاء فى المصباح أفاضه الله كثره: وأفاضوا من منى الى مكة يوم النحر أى رجعوا اليها.
ومنه طواف الافاضة أى طواف الرجوع من منى الى مكة (٢) وهذا هو المعنى المستعملة فيه كلمة الافاضة فى لسان الفقهاء.
الافاضة من عرفات الى مزدلفة:
وقتها:
الوقوف بعرفة ركن للحج لقوله ﵌ «الحج عرفة».
وقد اختلف الفقهاء فى القدر الذى يكفى لأداء هذا الركن، وهل هو جزء من الليل أو جزء من النهار أو هما معا.
ومن هنا اختلف الفقهاء فى تحديد وقت الافاضة من عرفات الى مزدلفة وفيما يلى بيان آراء الفقهاء فى تحديد هذا الوقت:
مذهب الحنفية:
يرى الحنفية أن الافاضة من عرفات الى مزدلفة تبدأ بعد غروب الشمس من يوم عرفة وهو التاسع من ذى الحجة، لما أخرجه الامام أبو داود والترمذى وابن ماجة عن على رضى الله عنه قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة فقال هذه عرفة وهذا هو الموقف وعرفة كلها موقف ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف خلفه أسامة بن زيد (٣).
وجاء فى فتح القدير:
«بيان عن جزاء مخالفة الوقت».
«اذا دفع قبل الغروب ان كان لحاجة بأن ند بعيره فتبعه أن جاوز عرفة بعد الغروب فلا شئ عليه، وان جاوز قبله فعليه دم.
فان لم يعد أصلا أو عاد بعد الغروب لم يسقط الدم أو ان عاد قبله فدفع مع الامام بعد الغروب سقط على الصحيح لأنه تداركه فى وقته (٤).
مذهب المالكية:
والمالكية يتفقون مع الحنفية فى أن وقت الافاضة من عرفات الى مزدلفة هو بعد غروب الشمس من يوم عرفة، وهم يقولون انه لا بد من حضور جزء من ليلة النحر بعرفة، وذلك يتحقق بغروب الشمس.
جاء فى حاشية الدسوقى «فمتى استقر بعد الغروب بعرفة لحظة أجزاه، سواء دفع منه بدفع الامام أو قبله - سواء أفاض من عرفة مع الامام أو أفاض قبله.
- وان كان الأفضل أن يدفع بدفعه.
ولكن المالكية يخالفون الحنفية فى الأثر المترتب