← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

ولا يريد بأنه لا يقتل، بل يستتاب فقط، وكأن مراده أنه يستتاب الى أن يقتل لهذه الأخبار وهذه الآثار دالة على تخصيص المرتد بالتأنى فى شأنه والانتظار وليس شئ من ذلك فى سائر الحدود فان سائر الحدود تقام بنفس مباشرة سببها فصح أن تستثنى من جملتها حد المرتد فلا يقتل اذا ارتد وهو سكران حتى يستمر على ارتداده بعد الصحو. واعلم أنهم قالوا أن السكران لا يقام عليه الحد فى حال سكره لكن ينتظر به الصحو فاذا صحا أقيم عليه حد السكران وسائر الحدود الثانية عليه لأن ذلك أزجر له وأردع لأن الصاحى أشد تألما بالحد من السكران لأن الحدود اذا ثبتت لا تؤخر من وقت الى وقت آخر. وهذا الاحتجاج مبنى على القول بأن الأمر المطلق يقتضى الفور، والصحيح أنه لا يقتضى الفور فيصح تأخيره لمصلحة يراها الامام (١) أو نائبه. أثر الاغماء فى العقود المالية ونحوها من التصرفات مذهب الحنفية: جاء فى الفتاوى الهندية أنه اذا أغمى على عاقدى البيع ثم أفاقا وقيل جاز عند أبى يوسف رحمه الله تعالى، وقال محمد رحمه الله تعالى، اذا طال الاغماء يبطل كذا فى التتار خانية (٢) ومن شروط انعقاده الكفالة أن يكون الكفيل عاقلا فلا تنعقد كفالة الصبى ولا المجنون، ولو وقع الاختلاف بين الطالب والكفيل فقال الكفيل كفلت وأنا مجنون أو مغمى على أو مبرسم وأنكر الطالب ذلك وقال: كفلت وأنت صحيح فان كان ذلك معهودا من المقر فالقول قول المقر وان لم يكن ذلك معهودا منه فالقول قول الطالب، كذا فى المحيط (٣) ومن شرط المعتق أن لا يكون معتوقا ولا مدهوشا ولا مبرسما ولا مغمى عليه ولا نائما حتى لا يصح الاعتاق من هؤلاء (٤). واقرار الصبى المحجور عليه المعتوه والمغمى عليه والنائم باطل بمنزلة سائر تصرفاتهم، كذا فى محيط السرخسى (٥). ولا تجوز القسمة على المبرسم ولا على المغمى عليه ولا على الذى يجن ويفيق الا برضاه أو وكالته فى حالة صحته وافاقته كذا فى الذخيرة (٦). مذهب المالكية: جاء فى مواهب الجليل أنه يشترط فى انعقاد البيع أن يكون عاقده مميزا، فلا ينعقد بيع غير المميز لصغر أو جنون أو اغماء ولا ينقعد شراؤه (٧)، ويشترط فى عاقد الرهن ما يشترط فى عاقد البيع (٨)، قال القرطبى فى أوائل سورة النساء: استحسن مالك رحمه الله تعالى أن لا يحجز على المغمى عليه لسرعة زوال ما به (٩).

стр. 5917

مذهب الشافعية: جاء فى الأنوار أن من شروط صيغة عقد البيع أن يصر البادئ على ما امتثل به من الايجاب أو القبول ويستمر تكليفه واطلاقه الى امتثال الثانى، فلو رجع البادئ قبل امتثال الثانى أو جن أو أغمى عليه أو حجر بطل ما امتثل به (١). ويشترط فى العاقد أن يكون مكلفا فلا يصح بيع الصبى والمجنون لا لأنفسهما ولا لغيرهما باذن الولى ودون اذنه، ويصح بيع السكران وشراؤه (٢). وجاء فى نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسى عليه أنه يشترط فى عقد البيع أن تبقى أهلية المتعاقدين الى تمام العقد، فلو جن احداهما أو أغمى عليه أضر ذلك بالعقد (٣). ولا يبطل الرهن بموت المتعاقدين ولا بجنونهما ولا باغمائها (٤). وتنفسخ الشركة بموت أحد الشريكين أو جنونه أو اغمائه فعم الاغماء الخفيف الذى لا يستغرق وقت فرض صلاة لا يؤثر (٥). ولا يصح توكيل الصبى والمجنون والمغمى عليه بمرض وغيره ولا توكيل الشيخ المغند لأن شرط الموكل أن يكون متمكنا من مباشرة ما يوكل فيه بالملك أو الولاية (٦). ولو مات الوكيل أو الموكل أو جن أو أغمى عليه زمنا طويلا انعزل، ولو سكر أو نام أو ارتد لم ينعزل وكذا اذا أغمى عليه اغماء خفيفا لا يستغرق وقت فرض صلاة على ما ذكر فى الشركة (٧). وينفسخ القراض بموت أحد المتعاقدين أو جنونه أو اغمائه ولو أغمى على المالك أو جن أو مات وأراد الوارث الرشيد أو الولى تقرير العامل وكان المال نقدا جاز بعقد مستأنف بشروطه وان كان قبل القسمة لجواز القراض على المشاع ومع الشريك بشرط أن يختص العامل باليد وبربح نصيبه وأن يتشاركا فى ربح نصيب الآخر، وينقعد بلفظ الترك والتقرير، فيكفى أن يقول ورثة المالك للعامل قررناك أو تركناك على ما كنت عليه مع قبوله لفهم المعنى، وكالورثة وليه وكالموت الجنون والاغماء، فيقرر المالك بعد الافاقة منهما، ذكره فى شرح الروض (٨). واذا جن أحد المتعاقدين على القراض أو أغمى عليه ثم أفاق وأراد القراض ثانيا فكالانفساخ بالموت، أى يجوز القراض بشروطه (٩). وجاء فى نهاية المحتاج أن اقرار الصبى ولو مراهقا وأذن له وليه والمجنون والمغمى عليه وكل من زال عقله بما يعذر به لاغ لسقوط أقوالهم (١٠). مذهب الحنابلة: جاء فى المغنى أنه ان خرس أحد المتبايعين أثناء الخيار قامت اشارته مقام لفظه فان لم

стр. 5918

تفهم اشارته أو جن أو أغمى عليه قام وليه - من الأب أو وصيه أو الحاكم - مقامه (١). ولا تبطل الوكالة بالاغماء كالنوم لأنه لا تثبت عليه الولاية. ولا يصح الاقرار لا من عاقل مختار، فأما الطفل والمجنون والمبرسم والنائم والمغمى عليه فلا يصح اقرارهم لا نعلم فى هذا خلافا، وقد قال رسول الله ﷺ «رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ، فنص على الثلاثة. والمبرسم والمغمى عليه فى معنى الجنون والنائم ولأنه قول من غائب العقل فلم يثبت له حكم البيع والطلاق (٢). مذهب الظاهرية: جاء فى المحلى أنه لا يجوز بيع من لا يعقل لسكر أو جنون ولا يلزمهما لقول الله «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» (٣) فشهد بأن السكران لا يدرى ما يقول والبيع قول أو ما يقوم مقام القول ممن لا يقدر على القول ممن به آفة من الخرس أو بفمه آفة فمن لا يدرى ما يقول فلم يبع شيئا ولا اتباع شيئا، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال «رفع القلم عن ثلاث فذكر المبتلى حتى يفيق والصبى حتى يبلغ (٤). ولا يجوز عتق من لم يبلغ ولا عتق من لا يعقل من سكران أو مجنون، لما تقدم ولقول رسول الله ﷺ «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» والمجنون والسكران لا نية لهما (٥). مذهب الزيدية: جاء فى البحر الزخار أن المذهب على أن الوكالة تبطل بجنون الوكيل أو الأصل أو اغمائهما اذ خرجا عن كونهما من أهل التصرف، قال المؤيد بالله: تبطل بالجنون فقط اذ الاغماء كالنوم، قلنا: الاغماء بالجنون أشبه وفى الواقى أنه يعود بعود عقله. قال صاحب البحر وفيه نظر اذا الولاية المستفادة لا تعود بعد زوالها الا بتجديد. والوكالة أضعف (٦). مذهب الإمامية: جاء فى العروة الوثقى أن من مبطلات الوكالة الاغماء من أحدهما من غير فرق بين كون مدة الاغماء قصيرة أو طويلة، ومن غير فرق بين علم الموكل بذلك وجهله، وظاهرهم الاجماع على البطلان بعروض الاغماء لأحدهما فبعد الافاقة يحتاج الى توكيل جديد (٧)، وجاء فى شرائع الاسلام أنه لا يصح البيع من المجنون والمغمى عليه والسكران غير المميز، ويشترط فى الراهن والمرتهن كمال العقل وجواز التصرف،

стр. 5919

ويبطل عقد الراهن لو نطق بالعقد ثم جن أو أغمى عليه أو مات قبل القبض (١). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل أنه يشترط فى عاقدى البيع أن يكونا عاقلين فلا يعقد بمجنون أو سكران أو مغلوب على عقله بنوم أو غيره ولو صحا بعد الا أن أتم بعد صحو أو جدد (٢)، وأن جن مشتر بعد بيع وقبل قبول علق البيع الى الافاقة، وخليفته بمقامه ان كان والا أجبر أولياؤه باستخلاف عليه أن طلب البائع ذلك فى الأظهر لئلا يتعطل مال البائع (٣). ومن باع شيئا فمات أو جن أو ارتد فظهر له بعد الارتداد أن لا يبيع مطلقا أو أن لا يبيع الا بكذا أو بشرط كذا علق للمشترى وخير، فان قبل المبيع أخذه وان قبله ولم يتوصل اليه استخلفوا له من يوصله اليه (٤). وتصح الحوالة بين بلغ عقلاء لأنها بيع والبيع لا يصح من غير بالغ ولا لغير بالغ ولا من مجنون ولا لمجنون (٥).

стр. 5920

إفاضة معنى الافاضة فى اللغة: الافاضة فى اللغة مصدر للفعل: أفاض. يقال أفاض اناء أى ملأه حتى فاض وأفاض دموعه وأفاض الماء على نفسه أى أفرغه، وأفاض الناس من عرفات الى منى أى دفعوا منها، وكل دفعة افاضة، وأفاضوا فى الحديث اندفعوا فيه (١). وجاء فى المصباح أفاضه الله كثره: وأفاضوا من منى الى مكة يوم النحر أى رجعوا اليها. ومنه طواف الافاضة أى طواف الرجوع من منى الى مكة (٢) وهذا هو المعنى المستعملة فيه كلمة الافاضة فى لسان الفقهاء. الافاضة من عرفات الى مزدلفة: وقتها: الوقوف بعرفة ركن للحج لقوله ﵌ «الحج عرفة». وقد اختلف الفقهاء فى القدر الذى يكفى لأداء هذا الركن، وهل هو جزء من الليل أو جزء من النهار أو هما معا. ومن هنا اختلف الفقهاء فى تحديد وقت الافاضة من عرفات الى مزدلفة وفيما يلى بيان آراء الفقهاء فى تحديد هذا الوقت: مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن الافاضة من عرفات الى مزدلفة تبدأ بعد غروب الشمس من يوم عرفة وهو التاسع من ذى الحجة، لما أخرجه الامام أبو داود والترمذى وابن ماجة عن على رضى الله عنه قال: وقف رسول الله ﷺ بعرفة فقال هذه عرفة وهذا هو الموقف وعرفة كلها موقف ثم أفاض حين غربت الشمس وأردف خلفه أسامة بن زيد (٣). وجاء فى فتح القدير: «بيان عن جزاء مخالفة الوقت». «اذا دفع قبل الغروب ان كان لحاجة بأن ند بعيره فتبعه أن جاوز عرفة بعد الغروب فلا شئ عليه، وان جاوز قبله فعليه دم. فان لم يعد أصلا أو عاد بعد الغروب لم يسقط الدم أو ان عاد قبله فدفع مع الامام بعد الغروب سقط على الصحيح لأنه تداركه فى وقته (٤). مذهب المالكية: والمالكية يتفقون مع الحنفية فى أن وقت الافاضة من عرفات الى مزدلفة هو بعد غروب الشمس من يوم عرفة، وهم يقولون انه لا بد من حضور جزء من ليلة النحر بعرفة، وذلك يتحقق بغروب الشمس. جاء فى حاشية الدسوقى «فمتى استقر بعد الغروب بعرفة لحظة أجزاه، سواء دفع منه بدفع الامام أو قبله - سواء أفاض من عرفة مع الامام أو أفاض قبله. - وان كان الأفضل أن يدفع بدفعه. ولكن المالكية يخالفون الحنفية فى الأثر المترتب

стр. 5921

على عدم مراعاة وقت الافاضة من عرفة ذلك أنهم ينصون على أنه اذا أفاض قبل غروب الشمس بطل حجه، لأن الوقوف بعرفة لحظة من الليل ركن فى مذهب المالكية لا ينجبر بالدم (١). مذهب الشافعية: وأما الشافعية فلهم فى وقت الافاضة رأيان، وقد بين ذلك تبعا للاختلاف فى وجوب الجمع بين جزء من النهار وجزء من الليل فى عرفة أو عدم وجوبه وان كان كل من الرأيين يقول بأن من أفاض قبل الغروب عليه دم وقال الرملى فى شرحه على المنهاج، ولو وقف نهارا بعد الزوال ثم فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد اليها أجزأه ذلك وأراق - دما استحبابا خروجا من خلاف من أوجبه. وعلم من ذلك عدم وجوب الجمع بين الليل والنهار وفى قول يجب الدم لتركه نسكا هو الجمع بين الليل والنهار. وان عاد الى عرفة فكان بها عند الغروب فلا دم، وكذا ان عاد اليها ليلا فلا دم عليه فى الأصح، وفيه يجب الدم لأن النسك الوارد الجمع بين آخر النهار وأول الليل وقد فوته (٢). مذهب الحنابلة: الافاضة من عرفات الى المزدلفة يجب أن تكون بعد غروب الشمس من يوم عرفة. فان أفاض قبل الغروب ثم عاد نهارا فوقف حتى غربت الشمس فلا دم عليه … لأنه أتى بالواجب وهو الوقوف بالليل والنهار فلم يجب عليه دم (٣). مذهب الظاهرية: بين ابن حزم وقت الافاضة بقوله يقف الناس بالدعاء فاذا غابت الشمس نهضوا كلهم الى مزدلفة، ولو نهض انسان الى مزدلفة قبل الغروب فلا حرج فى ذلك ولا شئ عليه ولا دم (٤). مذهب الزيديية: جاء فى شرح الأزهار (٥) - ويكفى فى الوقوف بعرفة المرور به. ويجزى الوقوف على أى صفة كانت ويجب أن يدخل جزءا من الليل من وقف فى النهار وأن لم يستكمله بل أفاض قبل الغروب لزمه اراقة دم خلافا للناصر. مذهب الإمامية: وقت الافاضة من عرفات عندهم بعد الغروب من يوم عرفة جاء فى المختصر النافع فلو أفاض قبل الغروب عامدا عالما بالتحريم لم يبطل حجه ولكن يجب عليه أن يجبره ببدنة. فاذا عجز عنها صام ثمانية عشر يوما ولا شئ عليه اذا أفاض قبل الغروب غير متعود بأن كان جاهلا أو ناسيا (٦). مذهب الإباضية: جاء فى شرح النيل - فى بيان وقت الافاضة ما يأتى: ومن أفاض قبله - أى قبل الغروب - لم يتم حجه خلافا لبعض قومنا الا أن يرجع اليها ولم يخرج من حدها الا بعده عندنا وعليه دم.

стр. 5922

ورخص بعض أن أفاض ولم يخرج من حدها لا بعده أن يتم حجه. والصحيح أنه لا يتم أن نوى الافاضة لأن الغرض اللبث وهو قد انتقل .. وقيل من أفاض قبل الغروب فحجه تام وعليه دم وقيل لا دم عليه. ما يفعله الحاج أثناء الافاضة من عرفات: مذهب الظاهرية: نص الحنفية على أن ما يفعله الحاج حين افاضته من عرفات هو الاكثار من الاستغفار والذكر لقول الله تعالى «فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). فاذا وصل الى مزلدفة فمن المستحب أن يقف بقرب جبل قزح (٢): لأن النبى ﵊ وقف عند هذا الجبل وكذا عمر رضى الله تعالى عنه ويتحرز فى النزول عن الطريق كى لا يضر بالمارة فينزل عن يمينه أو يساره. ويستحب أن يقف وراء الامام كما هو الحال فى الوقوف بعرفة (٣). كما يستحب أن يدخل المزدلفة ماشيا وأن يغتسل لدخولها (٤). مذهب المالكية: نص المالكية على أن من أفاض من عرفات الى مزدلفة يسن له تأخير صلاة المغرب ليجمع بينها وبين صلاة العشاء فى مزدلفة وأن يقصر صلاة العشاء باستثناء أهل مزدلفة فيتمونها. ويرى المالكية أن الجمع بين المغرب والعشاء سنة فى حق من وقف بعرفات مع الامام وأفاض منها مع الناس وصار معهم. أما ان وقف مع الامام ولكنه عجز عن لحاق الناس فى سيرهم لمزدلفة لعجز به أو بدابته فانه يجمع بعد الشفق فى أى محل كان ولو فى غير مزدلفة (٥). وأما من لم يقف مع الامام فلا يجمع بمزدلفة ولا بغيرها وانما يصلى كل صلاة لوقتها بمنزلة غير الحاج بالكلية (٦). مذهب الشافعية: قرر الشافعية أن الحاج اذا أفاض من عرفات انما يفيض وعليه السكينة لما روى الفضل بن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال للناس عشية عرفة وغداة جمع حين دفعوا «عليكم السكينة». فاذا وجد فرجة أسرع لما روى أسلمة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ كان يسير العنق فاذا وجد فرجة نص (٧) ويجمع بين المغرب والعشاء لمزدلفة. والشافعية يخالفون الحنفية والمالكية فى حكم الجمع بمزدلفة حيث يقرر فقهاء المذهب الشافعى أن للحاج حين يفيض من عرفات أن يصلى كلا من المغرب والعشاء فى وقتها من غير جمع بينهما وذلك لأن الشافعية يرون أن الجمع رخصة لأجل السفر فيجوز تركه بخلاف غيرهم اذ ينظرون الى الجمع على أنه من المناسك (٨).

стр. 5923

مذهب الحنابلة: جاء فى المعنى لابن قدامة: والمستحب أن يقف حتى يدفع الامام ثم يسير نحو مزدلفة على سكينة ووقار. ويستحب كذلك لمن أفاض من عرفة أن يكبر فى الطريق ويذكر الله تعالى لأن ذكره سبحانه مستحب فى الأوقات كلها وهو فى هذا الوقت أشد تأكيدا لقول الله تعالى «فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ»﴾. ولأنه زمن الاستشعار بطاعة الله تعالى والتلبس بعبادته والسعى الى شعائره. وتستحب التلبية وذكر قوم أنه لا يلبى ومن السنة لمن أفاض من عرفة أن لا يصلى المغرب حتى يصل مزدلفة فيجمع بين المغرب والعشاء (١). مذهب الظاهرية: ذكر ابن حزم أنه يجب على الحاج عند أفاضته من عرفات أن يؤخر صلاة المغرب الى حين وصوله المزدلفة فيصليها بها بعد مغيب الشفق ثم بعد ذلك يصلى صلاة العشاء ثم قال ولا تجزى أحدا أن تصليها أى المغرب تلك الليلة قبل مزدلفة ولا قبل مغيب الشفق فاذا سلم أقيم لصلاة الضحة اقامة بلا أذان فيصليها الامام بالناس (٢). مذهب الزيدية: يرى الزيدية أنه يندب الدعاء فى هذا اليوم فاذا أفاض من عرفة فمع السكينة والوقار والاستغفار وسلوك طريق المازمين لفعل النبى ﷺ ولا يصلى العشاءين الا فى مزدلفة حتما. واذا خشى فوتهما ففى الطريق لقوله ﷺ «صلوا الصلاة لوقتها (٣). مذهب الإمامية: نص الإمامية على أنه عند الافاضة من عرفات يستحب مراعاة المندوبات الثلاثة الآتية: ١ - الاقتصاد فى السير. ٢ - والدعاء عند الكثيب الأحمر وقد اختار الإمامية أن يقول فى دعائه «اللهم ارحم موقفى وزدنى فى عملى وسلم لى دينى وتقبل مناسكى». ٣ - تأخير المغرب والعشاء الى المزدلفة ولو سار ربع الليل والجمع بينهما بأذان واحد واقامتين وتأخير نوافل المغرب حتى يصلى العشاء (٤). مذهب الإباضية: يرى الإباضية أنه من السنة أن تكون الافاضة من عرفات «بعنق أو نص» ثم يقول عند افاضته اللهم اليك أفضت واليك قصدت وما عندك أردت ومن عذابك أشفقت (٥)، وهو فى ذلك يلبى وليرفق بنفسه ودابته فى كل موضع وليكن أكثر كلامه التلبية فاذا وصل الى جمع أى مزدلفة. قال اللهم ان هذا جمع فاجمع لى فيها جوامع الخير كلها واصرف عنى جوامع الشر كلها وأجعلنى متبعا لسنة نبيك محمد ﷺ وليجتهد ليلة فى الدعاء والذكر والتلبية لما قيل من أن أبواب السماء لا تغلق تلك الليلة.

стр. 5924

النزول بالمزدلفة والمبيت بها: مذهب الحنفية: أن الوقوف بالمزدلفة واجب وأن المبيت بها سنة ووقت الوقوف بها من طلوع فجر يوم النحر الى شروق الشمس (١). مذهب المالكية: أن النزول بالمزدلفة واجب ولو بقدر حط الرحال قبل طلوع الفجر فان لم ينزل بمزدلفة على هذا الوجه وجب عليه دم الا أن يكون ترك النزول بها لعذر فلا شئ عليه اما البيات بالمزدلفة فهو مندوب عند المالكية (٢). مذهب الشافعية: وأما الشافعية فلهم فى المبيت بمزدلفة رأيان. الأول وجوب المبيت بمزدلفة لأنه نسك مقصود فى موضع فكان واجبا كالرمى. والثانى أنه سنة لأنه مبيت فكان سنة كالمبيت بمنى ليلة عرفة فعلى القول بأنه واجب وجب بتركه دم وأما على القول بأنه سنة فلا يجب بتركه دم (٣). مذهب الحنابلة: وعند الحنابلة المبيت بالمزدلفة واجب قولا واحدا من تركه وجب عليه دم (٤). مذهب الظاهرية: وعند الظاهرية فهو وجوب المبيت بمزدلفة يقول ابن حزم: ويبيت الناس هناك ومن لم يدرك مع الامام بمزدلفة صلاة الصبح فقد بطل حجه ان كان رجلا (٥). مذهب الزيدية: من مناسك الحج المبيت بمزدلفة وهو واجب (٦). مذهب الإمامية: قالوا ان الوقوف بالمشعر ركن فمن لم يقف به ليلا ولا بعد الفجر عامدا بطل حجه ولا يتأتى الوصول للمشعر الحرام الا بالنزول بمزدلفة لأنه جزء منها (٧). مذهب الإباضية: ويرى الإباضية أن المبيت بمزدلفة واجب يلزم من تركه دم وقيل المبيت بها فرض لا حج لتاركه وليحج من قابل وعن بعضهم لا حج له وليجعله عمرة ويحج من قابل (٨). الوقوف بالمشعر الحرام: مذهب الحنفية: اذا طلع الفجر صلى الامام بالناس الفجر بغلس ثم وقف ووقف معه الناس ودعا، والمزدلفة كلها موقف الا وادى محصر (٩).

стр. 5925

مذهب المالكية: وعند المالكية يقول الدردير أنه يندب للحاج عند ذلك الوقوف بالمشعر الحرام فيكبر الله ويدعو لنفسه والمسلمين وأن يستمر فى التكبير والدعاء والذكر الى وقت الأسفار (١). وفى الدسوقى أن الوقوف بالمشعر الحرام سنة بل قال ابن رشد ان الوقوف به فريضة. واذا وقف بالمشعر الحرام ندب له أن يستقبل القبلة وذلك بأن يجعل المشعر على يساره. هذا وقد نص المالكية على أن الوقوف بالمشعر الحرام مكروه بعد الأسفار الأعلى أو قبل صلاة الصبح (٢). مذهب الشافعية: ومذهب الشافعية الى أن الحاج يصلى الصبح بمزدلفة فى أول الوقت ويندب له تقديمها حتى يتمكن من الوقوف بالمشعر الحرام فى وقت مبكر. لما روى عبد الله قال ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة الا لميقاتها الا المغرب والعشاء بجمع وصلاة الفجر يومئذ قبل ميقاتها أى الميقات المعتاد وهو الأسفار وبذا تكون فى أول وقتها. ولأنه يستحب الدعاء بعدها فاستحب تقديمها ليكثر من الدعاء (٣). مذهب الحنابلة: أما الحنابلة فيحكى ابن قدامة مذهبهم فيقول: والمستحب الاقتداء برسول الله ﷺ فى المبيت الى أن يصبح ثم يقف بالمشعر الحرام حتى يسفر ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء (٤). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم ان صلاة الصبح بمزدلفة مع الامام هو الذكر المفروض. وأن المزدلفة هى المشعر الحرام وفى هذا يقول قال الله تعالى «فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ»﴾. فوجب الوقوف بمزدلفة وهى المشعر الحرام وذكر الله تعالى عندها فرض يعصى من خالفه ولا حج له لأنه لم يأت بما أمر الا أن ادراك صلاة الفجر فيها مع الامام هو الذكر المفترض ببيان رسول الله ﷺ المذكور (٥). مذهب الزيدية: والزيدية يرون أن وقت الافاضة الى المشعر الحرام هو بعد صلاة الفجر وقد استشهدوا بطرف من حديث جابر الطويل عند مسلم وغيره. قال ثم اذا أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء وبأذان وأقامتين ولم يصل بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله ﷺ حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان واقامة ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فرقى عليه فحمد الله وكبره وهلله فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا. وقد دل هذا الحديث على أنه ﷺ خص المشعر الحرام عقيب صلاة الفجر بالمشى اليه والوقوف عليه بعد أن رقى اليه حامد الله مكبرا مهللا موحدا (٦).

стр. 5926

مذهب الإمامية: يرون أن وقت الوقوف بالمشعر الحرام ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس غير أنهم نصوا على أن الوقوف يجزئ من المضطر ولو قبل الزوال (١). مذهب الإباضية: نصوا على أن الحاج يصلى الفريضة عند طلوع الفجر وعليه أن يعاجل بالصلاة فى أول الوقت ثم يقف عند المشعر الحرام ولكنهم قالوا ان وقف بعد الفجر أيضا حيث شاء من جمع ولم يقرب من الجبل جاز ويدعو ويحمد الله تعالى ويثنى عليه ويصلى على النبى ﷺ ويستغفر الله ويلبى وان لم يقف بعد الفجر عند المشعر بل صلى ومضى لزمه دم لأنه خالف السنة وينبغى أن يغتسل اذا طلع الفجر (٢). الافاضة من المشعر الحرام الى منى: (١) وقتها: مذهب الحنفية: وقت الافاضة من المشعر الحرام الى منى هو قبل طلوع الشمس عند الاسفار فقد جاء فى الهداية اذا أسفر أفاض الامام والناس لأن النبى ﷺ دفع قبل طلوع الشمس (٣). مذهب المالكية: وقت هذه الافاضة عند المالكية قبل طلوع الشمس من يوم النحر حيث يكرهون لمن أفاض الى المشعر الحرام أن يستمر فى وقوفه به الى ما بعد الاسفار البين كما كان يفعل الجاهلية، واذا كره له الوقوف فمعنى ذلك أن يفيض الى منى قبل أن تطلع الشمس حتى لا يدخل فى وقت الكراهة (٤). مذهب الشافعية: ويقرر الشافعية أنه من المستحب الافاضة من المشعر الحرام الى منى قبل طلوع الشمس فان أخرها حتى طلعت الشمس كره له ذلك لما روى المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: كانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال فى وجوههم وانا ندفع قبل أن تطلع الشمس ليخالف هدينا هدى أهل الشرك والأوثان فان قدم الافاضة بعد نصف الليل وقبل طلوع الفجر جاز لما روت عائشة رضى الله عنها أن سودة رضى الله عنها كانت امرأة «ثبطة (٥)» فاستأذنت رسول الله ﷺ فى تعجيل الافاضة ليلا فى ليلة المزدلفة فأذن لها (٦). مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامه فى وقت الافاضة من مزدلفة الى منى ما نصه لا نعلم خلافا فى أن السنة الدفع قبل طلوع الشمس وذلك لأن النبى ﷺ كان يفعله قال عمر ان المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون «أشرق شبير كيما نفير» (٧) وأن رسول الله

стр. 5927

صلى الله عليه وسلم خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس رواه البخارى والستة أن يقف حتى يسفر جدا .. وروى جابر أن رسول الله ﷺ لم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس .. عن نافع أن ابن الزبير أخر فى الوقت حتى كادت تطلع الشمس فقال ابن عمر انى أراه يريد أن يصنع كما صنع أهل الجاهلية فدفع ودفع الناس معه وكان ابن مسعود يدفع كانصراف القوم من صلاة الغداة وانصرف ابن عمر حين أسفر وأبعدت الابل مواضع اخفافها (١). ومن ناحية أخرى قرر ابن قدامة أن الافاضة من مزدلفة الى منى لا تجوز قبل نصف الليل، فمن أفاض بعده فلا شئ عليه وقد استدل لذلك بما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت أرسل رسول الله ﷺ أم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت رواه أبو داود. ثم قال ابن قدامة فمن دفع من جمع قبل نصف الليل ولم يعد فى الليل فعليه دم فان عاد فيه فلا دم عليه كالذى دفع من عرفة نهارا، ومن لم يوافق مزدلفة الا فى النصف الأخير فلا شئ عليه (٢). مذهب الظاهرية: وعند الظاهرية وقت الافاضة الى منى هو قبل طلوع الشمس عند الاسفار (٣)، ولكن يستثنى من ذلك النساء والصبيان والضعفاء لما رواه مسلم بسنده عن ابن جريج عن عبد الله مولى أسماء بنت أبى بكر الصديق أن أسماء قالت له بمزدلفة: هل غاب القمر؟ قلت لها، فصلت ساعة ثم قالت يا بنى هل غاب القمر؟ قلت نعم، قالت ارحل بى فارتحلنا حتى رمت الجمرة ثم صلت فى منزلها فقلت لها أى هنتاه: لقد غسلنا. قالت. كلا أى بنى أن رسول الله ﷺ اذن للظعن (٤). ولما روى عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل فيذكرون الله تعالى. ثم يدفعون قبل أن يدفع الامام، ويقول ابن عمر أرخص فى أولئك رسول الله ﷺ (٥). مذهب الزيدية: وعند الزيدية وقت الافاضة من المشعر الحرام الى منى هو قبل طلوع الشمس بزمان قريب لما أخرجه البخارى عن ميمون قال «شهدت عمر صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال ان المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس وأن النبى ﷺ خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس. وهذا التحديد لوقت الافاضة الى منى أمر واجب عند الزيدية فلا تجوز الافاضة قبله ولا بعده متى كان الحاج قويا يستطيع تحمل الزحام. أما النساء والصبيان وضعفة الناس فيجوز لهم أن يفيضوا فى السحر لما فى سنن البيهقى من حديث عبيد الله بن أبى يزيد أنه سمع ابن عباس يقول أنا ممن قدم رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة فى ضعفة أهله. وبعد أن ذكر صاحب الروض النضير حديث عائشة عن استئذان سودة رضى الله عنه قال ما نصه «والحديث يدل على جواز تقديم النساء والصبيان الذين لا يطيقون مباشرة الزحام». ومجموع الروايات يقتضى أن الوجه المصوغ للتقديم هو العذر. قال الخطابى وهذه رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه

стр. 5928

وسلم لضعفه أهلا لئلا تصيبهم الحطمة (١) وليس ذلك لغيرهم من الأقوياء .. وليس المراد لضعفة أهله لا لغيرهم بل ومن شاركهم فى تلك العلة لقيام الاجماع على ذلك (٢). مذهب الإمامية: أما الشيعة الأمامية فيقولون بأن وقت الافاضة من المشعر الحرام الى منى هو بعد الفجر من يوم النحر، فاذا أفاض قبل الفجر عامدا عالما جبره بشاة ولم يبطل حجه ان كان قد سبق له الوقوف بعرفات. ويستحب لمن عدا الامام أن يفيض قبل طلوع الشمس والا يجاوز وادى محسر حتى تطلع، أما الامام فيتأخر بجمع حتى تطلع الشمس ثم يفيض بعد ذلك (٣). مذهب الإباضية: والإباضية يقولون ان الافاضة من المزدلفة الى منى يجب أن تكون قبل طلوع الشمس، ولكن يجوز للضعفاء والرعاة الافاضة من جمع بالليل - ومن أفاض بعد طلوع الشمس فعليه دم روى أنه ﷺ أفاض بعد ما أسفر جدا (٤). ما يفعله الحاج أثناء الافاضة الى منى: مذهب الحنفية: يقرر الحنفية ان المفيض من مزدلفة الى منى يسرع قليلا فى وادى محسر ويسلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى لما فى حديث جابر الطويل. فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة (٥). مذهب المالكية: نص المالكية على أنه يندب لمن أفاض من المزدلفة الى منى أن يلتقط معه جمار العقبة الأولى من مزدلفة كما يندب له الاسراع ذهابا وايابا فى بطن محسر (٦). مذهب الشافعية: يقرر الشافعية أنه من المستحب - عند الافاضة من المزدلفة أن يمشى وعليه السكينة لما ذكر من حديث الفضل بن عباس واذا وجد فرجة أسرع كما كان يفعل فى الافاضة من عرفة، كما يستحب له اذا بلغ وادى محسر أن يسرع اذا كان ماشيا أو يحرك دابته اذا كان راكبا - وهذا الاسراع بقدر رمية حجر - لما روى جابر أن رسول الله ﷺ حرك قليلا فى وادى محسر (٧). مذهب الحنابلة: يستحب لمن أفاض الى منى أن يسير وعليه السكينة كما فى سيره من عرفات، كما يستحب الاسراع فى وادى محسر، فان كان ماشيا أسرع وان كان راكبا حرك دابته، والاسراع المستحب هو ما كان بقدر رمية حجر. ويستحب أن يكون فى طريقه ملبيا فان الفضل بن عباس رضى الله عنه قال: شهدت الافاضتين مع رسول الله ﷺ وعليه السكينة وهو كاف

стр. 5929

بعيره ولبى حتى رمى جمرة العقبة الأولى. ولأن التلبية من شعار الحج فلا يقطع الا بالشروع فى الاحلال وهو رمى جمرة العقبة (١). ويستحب له أن يأخذ الجمار من طريقه أو من المزدلفة (٢). مذهب الظاهرية: يبين ابن حزم أن المفيض يسرع قليلا فى بطن محسر ويسلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى يأتى الجمرة التى عند الشجرة (٣) أخذا بحديث جابر. مذهب الزيدية: وعند الزيدية يفيض الامام والناس معه من المشعر الحرام وعليهم السكينة والوقار، ولذلك فانهم يقولون بالاسراع فى وادى محسر. مذهب الإمامية: يستحب لمن أفاض أن يهرول فى وادى محسر، وأن يدعو بالدعاء المأثور ولو نسى الهرولة رجع فتداركها (٤). مذهب الإباضية: يقول الإباضية ان الذى يفيض الى منى يسير رويدا رويدا مهلا بالذكر والتلبية حتى يأتى منى (٥). طواف الافاضة: (١) حكمه: طواف الافاضة ركن من أركان الحج لا يتم الا به عند الفقهاء على اختلاف مذاهبهم. وبعض الكتب تعبر عنه بطواف الزيارة، وبعضها الآخر يسميه طواف الركن غير أن لهذا الركن بعض أحكام خاصة قد تختلف عن بقية أركان الحج الأخرى، وقد اختلف الفقهاء فى بعض هذه الأحكام. مذهب الحنفية: الحنفية يقولون كما جاء فى الهداية - ان هذا الطواف هو المفروض فى الحج وهو ركن فيه، اذ هو المأمور به فى قوله تعالى «وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» ويسمى طواف الافاضة وطواف يوم النحر (٦)، كما يسمونه أيضا طواف الزيارة. وهو محرم عن النساء فقط أبدا حتى يطوف (٧). طواف الزيارة أصلا حتى رجع الى أهله فعليه أن يعود بذلك الاحرام - لانعدام التحلل منه وهو محرم عن النساء فقط أبدا حتى يطوف. مذهب المالكية: والمالكية يقصدون بالركن ما لا بد من فعله ولا يجزئ بدلا عنه دم ولا غيره ولكن على الرغم من أن طواف الافاضة ركن من أركان الحج عند المالكية فانهم يذهبون الى أن الحج لا يفوت بفواته ولا يتحلل تاركه من الاحرام. ولو وصل الى أقصى المشرق أو المغرب فانه يرجع الى مكة ليفعله (٨)، واذا فسد طواف الافاضة فانه يرجع اليه أيضا الا أن يتطوع بعده بطواف صحيح فيجزئه عن الطواف الفاسد ولا دم عليه.

стр. 5930

لأن هذا الطواف فى الحقيقة هو طواف الافاضة، ولا يضر عدم ملاحظة أنه فرض. ومحل أجزائه على ما استظهره بعضهم حيث كان غير ذاكر لفساد الافاضة، وذهب الى بلده ولم يعلم بفساده الا بعد ذهابه، ولذلك فانه اذا كان بمكة طولب بالاعادة كما قاله بعضهم (١) والظاهر من ذلك أن الاعادة واجبة فى هذه الحالة. مذهب الشافعية: والشافعية كالحنفية والمالكية وغيرهم يعتبرون طواف الافاضة ركنا من أركان الحج، ويسمونه طواف الفرض وطواف الزيارة وطواف الافاضة وطواف الصدر وقد نصوا على أن أركان الحج ومنها طواف الافاضة - لا مدخل فيها للجبر بحال (٢). مذهب الحنابلة: يقول ابن قدامة عن طواف الافاضة انه ركن للحج لا يتم الا به لا تعلم فيه خلاف ولأن الله قال «وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» وعن عائشة قالت حججنا مع النبى ﷺ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية .. فقلت يا رسول الله انها حائض قال أحابستنا هى قالوا يا رسول الله انها قد أفاضت يوم النحر قال: «اخرجوا» متفق عليل فدل على أن هذا الطواف لا بد منه وأنه حابس لمن لم يأت به (٣). مذهب الظاهرية: ويقول ابن حزم من ترك عمدا أو نسيانا شيئا من طواف الافاضة .. فليرجع أيضا كما ذكرنا ممتنعا من النساء حتى يطوف بالبيت ما بقى عليه فان خرج ذو الحجة قبل أن يطوف فقد بطل حجه (٤). مذهب الزيدية: والزيدية يسمونه طواف الزيارة كما يسمى طواف الافاضة لفعله ﷺ يوم النحر بعد الافاضة من منى وطواف الركن اذ هو أحد أركان الحج دون الطوافين الآخرين كما يسمى طواف النساء لأنه لا يحل الوط ء ومقدماته الا بعده وأجمعوا على أنه لا يفوت الحج بفواته لحديث الحج عرفات وقد تقدم - ولا يجبر بالدم اجماعا بل يجب العود له لأبعاضه لخبر صفية زوج النبى ﷺ (٥). مذهب الإمامية: ويقرر الإمامية أن طواف الافاضة ركن من أركان الحج كما هو الحال عند غيرهم، فلو تركه حامدا بطل حجه، ولكن لو تركه نسيانا، فله أن يأتى به. غير أنه اذا رجع الى بلده وكان من المتعذر عليه أن يعود الى البيت الحرام مرة أخرى كان له أن يستنيب غيره ليؤدى طواف الافاضة بالنيابة عنه وفى رواية عندهم «لو تركه على وجه جهالة أعاد وعليه بدنة» (٦). مذهب الإباضية: وعند الإباضية لا حج لمن ترك طواف الافاضة اذ هو ركن من أركان الحج كما هو الحال عند سائر المذاهب ولكنهم نصوا على أن الذى يترك طواف الزيارة أو الافاضة ويرجع الى بلده فان عليه بدنة وقيل دم ان لم يرجع قبل الحول وله الرجوع متى شاء ان لم يحل الحول، فاذا حال الحول ولم يرجع فسد حجه ولزمته بدنة أو دم (٧).

стр. 5931

٢ - وقت طواف الافاضة: مذهب الحنفية: يبدأ طواف الافاضة بعد طلوع الفجر من يوم النحر لأن ما قبله من الليل انما هو وقت للوقوف بعرفة وطواف الافاضة مرتب عليه، وكل أيام النحر عندهم وقت لطواف الافاضة - لأن الله تعالى عطف الطواف على الذبح حيث قال: ﴿(فَكُلُوا مِنْها)﴾ ثم قال سبحانه: ﴿(وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)﴾ فكان وقتهما واحدا، وأفضل هذه الأيام أولها كما فى الأضحية وفى الحديث أفضلها أولها (١) ولعل أيام النحر هى وقت أداء هذا الطواف لأنهم قالوا ويكره تأخيره عن هذه الأيام .. وان أخره عنها لزمه دم عند أبى حنيفة وهذا هو المقصود من قول الكمال «فان الطواف لا يتوقف بأيام النحر حتى يفوت بفواتها بل وقته العمر (٢)» أى يقضيه فى أى وقت وعليه دم مع الكراهة. مذهب المالكية: ونص المالكية على أن طواف الافاضة يبدأ وقت أدائه يوم النحر فقد جاء فى الشرح الكبير ما نصه «ثم بعد رمى العقبة والنحر والحلق يفيض أى يطوف طواف الافاضة وندب فعله فى ثوبى احرامه وعقب حلقه ولا يؤخره الا قدر ما يقضى حوائجه (٣) مذهب الشافعية: نص الشافعية على أن أداء طواف الافاضة يوم النحر أفضل. ولكنهم يختلفون عن المالكية فى تحديدهم للوقت الذى يصح أن يكون بداية لأداء هذا الطواف حيث قالوا ان وقت طواف الافاضة يدخل بنصف ليلة النحر اذا كان الحاج قد وقف قبل ذلك. ومن ناحية أخرى فان فقهاء المذهب الشافعى يرون أن طواف الافاضة لا آخر لوقته (٤). مذهب الحنابلة: وفى تحديد وقت طواف الافاضة عند الحنابلة يقول ابن قدامة «ولهذا الطواف وقتان: وقت فضيلة ووقت اجزاء. أما وقت الفضيلة فيوم النحر بعد الرمى والنحر والحلق. بقول جابر فى صفة حج النبى ﷺ يوم النحر فأفاض الى البيت فصلى بمكة الظهر وفى حديث عائشة الذى ذكرت فيه حيض صفية قالت فأفضنا يوم النحر، وقال ابن عمر أفاض النبى ﷺ يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر متفق عليهما فان آخره الى الليل فلا بأس» لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلم «أخر طواف الزيارة الى الليل .. اما وقت الجواز فأوله من نصف ليلة النحر وذكر أقوالا متعددة عن آخر وقت لطواف الافاضة ثم قال: «والصحيح أن آخر وقته غير محدود فانه متى أتى به صح بغير خلاف انما الخلاف فى وجوب الدم» (٥) فمن قال بأن آخره غير محدود قال بأن من طاف فيما بعد أيام النحر طوافا صحيحا لا يلزمه دم كما لو طاف أيام النحر ومن قال ان آخره آخر أيام النحر قال بأن من أخره عن أيام النحر وجب عليه دم. مذهب الظاهرية: وأما مذهب الظاهرية فى وقت طواف الافاضة فهو كما قرره ابن حزم - بعد صلاة الصبح يوم النحر، وهذا وقت ابتدائه، لأنه يرى أن صلاة

стр. 5932

الصبح بمزدلفة يوم النحر فرض لا بد منه ومن فاتته من الرجال فقد بطل حجه - غير أنه يجوز للنساء والصبيان الطواف قبل ذلك للعذر. وأما آخر وقت طواف الافاضة فهو نهاية شهر ذى الحجة. فقد جاء فى المحلى «فان خرج ذو الحجة قبل أن يطوف فقد بطل حجه .. قال الله تعالى: ﴿(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ)﴾ وقد ذكرنا أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة فاذ هو كذلك فلا يحل لأحد أن يعمل شيئا من أعمال الحج فى غير أشهر الحج، فيكون مخالفا لأمر الله تعالى (١). مذهب الزيدية: وفى بيان مذهب الزيدية يقول صاحب الروض النضير: «والذى ثبت فى وقت طوافه ﷺ ما أخرجه أو داود من حديث عائشة قالت: «أفاض رسول الله ﷺ يوم النحر حين صلى الظهر وهو أيضا فى حديث جابر الطويل المتفق عليه بلفظ (فأفاض الى البيت فصلى الظهر بمكة) قال شراح حديثه. تقديره. فأفاض الى البيت وطاف بالبيت» فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه، الا أنه قد ورد ما يدل على صحة فعله عقيب الفجر من حديث أم سلمة أن رسول الله ﵌ أمرها أن توافى صلاة الصبح يوم النحر بمكة، قال فى مجمع الزوائد بعد ايراده فى باب وقت طواف الافاضة رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح وقد تقدم تخريجه بلفظ (فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت) وتعقيبه بالفاء يدل على المطلوب الا أن يقال ان ذلك ترخيص للعذر المسوغ لتعجيل الرمى فلا حجة فيه. وآخر وقته آخر أيام التشريق عند الأكثر .. واختار فى ضوء النهار أن آخره شهر ذى الحجة اذ هو من أشهر الحج المدلول عليها بقوله تعالى: ﴿(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ)﴾. مذهب الشيعة الإمامية: أما الشيعة الإمامية فيجعلون وقت طواف الافاضة يوم النحر واليوم التالى له وهذا الحكم بتأكيد بالنسبة للمتمتع فان أخر طواف الافاضة عن ذلك أثم وأما المفرد والقارن فوقت الطواف موسع لهما طول شهر ذى الحجة على كراهية (٢) مذهب الإباضية: ويرى الإباضية أن الوقت المفضل لطواف الافاضة هو وقت أيام التشريق وتعجيل الطواف خلال هذه الأيام أفضل، جاء فى شرح النيل ما نصه «من أخر الزيارة أى طواف الافاضة - الى مضى أيام التشريق أساء ولا عليه. ومن رجع الى بلده قبل الزيارة فبدنة وقيل دم ان لم يرجع قبل الحول وله الرجوع متى شاء ان لم يحل الحول. واذا كان ذلك فسد حجه ولزمته بدنة أى دم. وتعجيلها أى تعجيل الزيارة للطواف أفضل ومعنى ذلك أن آخر وقت طواف الافاضة عند الإباضية هو حولان الحول (٣). ٣ - كيفية طواف الافاضة وشروطه: تكلم بعض الفقهاء عن كيفية طواف الافاضة. وقد بينوا - أثناء ذلك - الافعال الواجبة والمسنونة والمندوبة. كما تكلم بعض الفقهاء الآخرين عن شروط طواف الافاضة مبينين - خلال دراسة الشروط - الواجبات والسنن والمندوبات. ولذلك فانه من المتعين عرض مذاهب الفقهاء بالصورة التى جاءت بها فى كتبهم. مذهب الحنفية: المحرم اذا دخل مكة ابتدأ بالمسجد الحرام. ثم ابتدأ بالحجر الأسود، فاستقبله وكبر وهلل.

стр. 5933

ويرفع يديه، ويستلمه ان استطاع من غير أن يؤذى مسلما، لما روى أن النبى صلي الله عليه وسلم قبل الحجر الأسود ووضع شفتيه عليه. غير أنه اذا وجد فرجة يستلمه والا فيستقبله ويكبر ويهلل لأن الاستلام سنة والتحرز عن أذى المسلم واجب. وأن أمكنه أن يمس الحجر شيئا فى يده كالعرجون وغيره ثم قبله فعل لما روى أنه ﵊ طاف على راحلته واستلم الأركان بمحجنه - وان لم يستطع شيئا من ذلك استقبله وكبر وهلل وحمد الله وصلى على النبى ﷺ . ثم أخذ عن يمينه مما يلى الباب وقد اضطبع (١) بردائه قبل ذلك فيطوف بالبيت سبعة أشواط .. والاصطباع سنة. ويجعل طوافه من وراء الحطيم - وهو اسم لموضع فيه ميزاب سمى به لأنه حطم من البيت - أى اقتطع - وسمى حجرا لأنه حجر فيه وهو من البيت - ولهذا يجعل الطواف من ورائه حتى لو دخل الفرجة التى بينه وبين البيت لا يجوز - أى لا يحل له ذلك فتجب اعادته ليؤديه على وجهه المشروع فالواجب هو الأخذ فى الطواف من جهة الباب - ويرمل فى الثلاثة الأول من الأشواط - والرمل أن يهز فى مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين - ويمشى فى الباقى على هينته والرمل من الحجر الى الحجر فان زحمة الناس فى الرمل وقف فاذا وجد مسلكا رمل لأنه لا بدل له فيقف حتى يقيمه على وجه السنة بخلاف الاستلام لأن الاستقبال بدل له ويستلم الحجر كلما مر أن استطاع لأن أشواط الطواف كركعات الصلاة فكما يفتتح كل ركعة بالتبكير يستلم كل شوط باستلام الحجر وان لم يستطع الاستلام استقبل وكبر وهلل ويستلم الركن اليمانى وهو حسن فى ظاهر الرواية وعند محمد أنه سنة ولا يستلم غيرهما ويختم الطواف باستلام الحجر ثم يأتى المقام فيصلى عنده ركعتين أو حيث تيسر له من المسجد وهى واجبة عند الحنفية (٢) هذا وقد نص الحنفية على أن مكان الطواف داخل المسجد فان طاف من وراء السوارى أو من وراء زمزم أجزأ وان طاف من وراء المسجد لا يجوز وعليه الاعادة اذ المناط عندهم الا يكون بينه وبين الكعبة حائل من جدر ونحوها حتى يكون الطواف منسوبا الى الكعبة لا الى غيرها وكيفية ذلك أن يقف مستقبلا على جانب الحجر بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ثم يمشى كذلك مستقبلا حتى يجاوز جميع الحجر (٣). ومن ناحية أخرى فانهم نصوا على أنه اذا طاف طواف الافاضة محدثا فعليه شاة لأنه أدخل النقص فى الركن وان كان جنبا فعليه بدنة لأن الجنابة أغلظ من الحدث فيجب جبر نقصانها بالبدنة اظهارا للتفاوت والأفضل أن يعيد الطواف ان كان بمكة ولا دم عليه والأصح أن يؤمر بالاعادة فى الحدث استحبابا وفى الجنابة ايجابا لفحش التفاوت بسبب الجنابة وقصوره بسبب الحدث وان أعاده بعد أيام النحر لزم دم عند أبى حنيفة رضى الله عنه للتأخير ولو رجع الى بلده وقد طاف جنبا عليه أن يعود لأن النقص كثير فيؤمر بالعود استدراكا له وان لم يعد وبعث بدنة أجزأ وان رجع الى أهله وقد طاف محدثا ان عاد وطاف جاز وان بعث بالشاة فهو أفضل لأنه خف معنى النقصان وفيه نفع للفقراء (٤). مذهب المالكية: نص فقهاء مذهب الملكية على شروط طواف الافاضة عندهم وهى سبعة شروط بيانها كالآتى: ١ - كونه أشواطا سبعة. ٢ - أن يكون المحرم متلبسا بالمطهرين فيبطل

стр. 5934

الطواف بحدث حصل أثناءه ولو سهوا ووجب استئناف الطواف. ٣ - ستر العورة. ٤ - جعل البيت على يساره فلو جعله عن يمينه أو قبالة وجهه أو وراء ظهره لم يجز والمراد أنه على يساره وهو ماش مستقيما جهة الامام (١) ٥ - خروج كل البدن عن الشاذروان (٢) لأنه من أصل البيت فلو طاف خارجه ووضع احدى رجليه عليه أحيانا لم يصح كما يشترط المالكية فى الطواف خروج كل البدن عن الحجر بكسر الحاء وسكون الجيم بمقدار ستة أذرع - أى أنه لا بد من الخروج عن جميع الحجر ولا يعتد بالطواف داخله حسب الراجح من المذهب المالكى ومن تمام هذا الشرط عندهم أيضا اعتدال القامة أثناء الطواف فاذا طاف مطاطئا رأسه أو يده فى هواء الشاذروان لم يصح طوافه. ٦ - أن يطوف داخل المسجد. ٧ - أن يكون الطواف متواليا أى لا يفرق بين أجزائه والا ابتدأ الا أن يكون التفريق يسيرا فلا يضر ولو كان لغير عذر أو كثيرا لعذر وهو على طهارته (٣) وواجبات الطواف عندهم هى: (أ) ابتداؤه من الحجر الأسود فان ابتدأه من الركن اليمانى مثلا لغى ما قبل الحجر وأتم اليه فان لم يتم اليه أعاد الطواف والسعى مادام بمكة والا فعليه دم (٤). (ب) المشى عند القدرة عليه فلا دم على عاجز طاف راكبا أو محمولا وأما القادر اذا طاف أو سعى محمولا أو راكبا فانه يؤمر باعادته ماشيا مادام بمكة ولا يجبر بالدم حينئذ كما يؤمر العاجز باعادته اذا قدر مادام بمكة أما ان رجع الى بلده فلا يؤمر بالعودة لاعادته ولكن يلزمه دم فان رجع وأعاده ماشيا سقط عنه الدم. (ج) ركعتى الطواف على المشهور فى المذهب المالكى (٥) وسننه: ١ - تقبيل الحجر الأسود فى أول الطواف وكذا استلام الركن اليمانى فى الشوط الأول أيضا أما تقبيل الحجر الأسود فى بقية الأشواط فمستحب وكذلك استلام اليمانى ويكره التقبيل بصوت وقيل مباح ورجحه غير واحد منهم وكره مالك السجود على الحجر وتمريغ الوجه عليه ومن لم يقدر على التقبيل للزحمة يكفى اللمس باليد وان لم يقدر بها جاز له أن يلمس الحجر بعود أو نحوه ثم يضع يده أو العود على فمه مع التكبير والتقبيل على المعتمد فان تعذر عليه اللمس مطلقا كبر فقط من غير اشارة بيده. ٢ - الدعاء بلا حد فى الدعاء والمدعو به جميعا فلا يقتصر على شئ معين. ٣ - رمل الرجل فى الأشواط الثلاثة فقط وهذه السنة خاصة بمن أحرم من الميقات بحج أو عمرة ومندوباته منها ايقاع ركعتى الطواف الواجبتين فى مقام ابراهيم ويندب أيضا أن يقرأ فيهما ب «الكافرون والاخلاص» لاشتمالهما على التوحيد وندب دعاء الملتزم بعد الطواف وركعتيه وهو ما بين الباب والحجر الأسود من الحائط فيلتزمه ويعتنقه وأضعا صدره ووجهه وذراعيه عليه باسطا كفيه - ويسمى بالحطيم - وندب استلام الحجر الأسود وتقبيله بكل شوط بعد الأول ولمس الركن اليمانى بعد الشوط الأول (٥).

стр. 5935

مذهب الشافعية: لطواف الافاضة عند الشافعية واجبات لا يصح الا بها وسنن يصح بدونها أما الواجبات - وقد عبروا عنها بالشروط أيضا - فهى ستر العورة وطهارة الحدث والنجس كما فى الصلاة، قال ﵇: الطواف بمنزلة الصلاة. الا أن الله أحل فيه النطق فمن نطق فلا ينطق الا بخير رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، فلو طاف عاريا أو محدثا أو على ثوبه أو بدونه نجاسة غير معفو عنها لم يصح طوافه ويعفى عما يشق الاحتراز منه فلو أحدث فيه توضأ وبنى وفى قول استأنف كما فى الصلاة وفرق الأول بأن الطواف يحتمل فيه ما لا يحتمل فى الصلاة كالفعل الكثير والكلام ولو سبقه الحدث فقولان عند الشافعية أرجحهما البناء سواء طال الفصل أم لا، وهذا على القول بأن الموالاة فى الطواف سنة، وفى قول انها واجبة فيستأنف فى الطول بلا عذر. ومع ذلك فعلى القول بعدم وجوب الاستئناف فانه مستحب. ومن واجبات الطواف عند الشافعية - أن يجعل البيت عن يساره ويمر تلقاء وجهه مبتدئا فى ذلك بالحجر الأسود محاذيا له فى مروره عليه ابتداء بجميع بدنه بأن لا يقدم جزءا من بدنه على جزء من الحجر. فان بدأ بغير الحجر لم يحسب فاذا انتهى اليه ابتدأ منه ولو مشى على الشاذروان. أو مس الجدار الكائن فى موازاته أو دخل من احدى فتحتى حجر اسماعيل وخرج من الأخرى لم تصح طوفته فى المسائل الثلاث لأنه فيها طائف فى البيت لا به، وقد قال تعالى ﴿(وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)﴾ ومن واجبات الطواف أن يطوف سبعا داخل المسجد ولو فى أخرياته، ولا بأس بالحائل فيه كالسقاية والأصل فيما ذكر الأتباع (١) فقد روى مسلم عن جابر أنه ﷺ لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثا. ومشى أربعا. وروى مسلم عن جابر: رأيت رسول الله ﷺ يومئ على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا عنى مناسككم فانى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه. وأما سنن الطواف فهى: أن يطوف ماشيا ولا يركب الا بعذر كالمرض ونحوه وقد طاف ﷺ فى حجة الوداع راكبا ليراه الناس فيستفتوه. ومن كان بلا عذر جاز بلا كراهة. وأن يستلم الحجر أول طوافه ويقبله، روى الشيخان عن ابن عمر أنه رأى رسول الله ﷺ قبله، ومن سنن الطواف وضع الجبهة على الحجر، فان عجز عن التقبيل ووضع الجبهة للزحمة استلمه بيده ثم قبله. فان عجز أشار باليد. ولا يستحب للنساء استلام ولا تقبيل الا عند خلو المطاف فى الليل ويراعى ذلك فى كل طواف ولا يقبل الركنين الشاميين ولا يستلمها ويستلم اليمانى ولا يقبله لكن يقبل اليد بعد استلامه ويفعل ذلك فى كل طوفة لما روى الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يستلم الركن اليمانى والحجر الأسود فى كل طوفة ولا يستلم الركنين الذين يليان الحجر ومن السنة أيضا أن يقول فى أول كل طوفة بسم الله والله أكبر أيمانا بك وتصديقا لكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك ﷺ وليقل قبالة الباب اللهم ان البيت بيتك والحرم حرمك والأمن أمنك وهذا المقام العائذ بك من النار وعند الركنين اليمانين يقول ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ويدع بما شاء فى جميع طوافه ومأثور الدعاء فيه أفضل والقراءة أفضل من غير المأثور. وأن يرمل فى الأشواط الثلاثة الأول ويختص الرمل بطواف يتبعه سعى؟ وليقل أثناء الرمل:

стр. 5936

اللهم أجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا وان يضطبع فى كل طواف يرمل فيه. ولا ترمل المرأة ولا تضطبع وان يقرب من البيت تقربا. وأن يوالى طوافه. وفى قول تجب الموالاة فيبطل الطواف بالتفريق الكثير بلا عذر. وأن يصلى ركعتين خلف مقام ابراهيم يقرأ فى الأولى بعد الفاتحة سورة الكافرون وفى الثانية بعدها سورة الاخلاص. وفى قول تجب هذه الصلاة لأن النبى ﷺ لما فعلها قال: «واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى» رواه مسلم. فأفهم أن الآية آمرة والأمر للوجوب. وعورض بما فى حديث الصحيحين المشهور « … هل على غيرها» قال لا الا أن تطوع». وعلى الوجوب يصح الطواف بدونها ولا يجيز هذا ولا تجب النية فى طواف الافاضة لأن النية فى الحج تشمله (١). مذهب الحنابلة: وفقهاء مذهب الحنابلة قد بينوا كيفية طواف الافاضة مع التنبيه الى كل فعل واجب أو مسنون أو مندوب. وكيفية الطواف أن المحرم اذا دخل المسجد الحرام: أتى الحجر الأسود واستلمه أن استطاع وقبله ويتجنب ايذاء الناس، لأن ايذاء الناس محرم واستلام الحجر مستحب. ويحاذى الحجر بجميع بدنه - ويضطبع بردائه، ويرمل فى الأشواط الثلاثة الأولى ويمشى فى الأربعة الباقية، كل ذلك من الحجر الأسود الى الحجر أسود. ويكون طاهرا فى ثياب طاهرة لأن الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف فى المشهور عن أحمد. فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكه. فان خرج منها فعليه دم ولا يستلم من الأركان الا الأسود واليمانى ويقبل الأسود أما اليمانى فالصحيح عن أحمد أنه يستلمه ولا يقبله ويفعل ذلك فى كل شرط، ويكبر كلما أتى الحجر أو حاذاه ويقول عند الركنين «رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ»﴾. ويستحب أن يقول اللهم أجعله حجا مبرورا وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا، رب أغفر وأرحم وأعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم. ويكون حجر اسماعيل داخلا فى طوافه ولأن الحجر من البيت ولو طاف على جدار الحجر وشاذروان الكعبة لم يجز لأن ذلك من البيت فاذا لم يطف به فلم يطف بكل البيت. ولو نكس الطواف فجعل البيت على يمينه لم يجزئه. وهذا الترتيب واجب كالصلاة ويصلى ركعتين خلف المقام، أى أنه يسن للطائف أن يصلى بعد فراغه ركعتين، ويستحب أن يركعها خلف المقام لقوله تعالى «وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى»، ويستحب أن يقرأ فيها بعد الفاتحة بالكافرون والاخلاص، وركعتا الطواف سنة مؤكدة غير واجبة فاذا صلى المكتوبة بعد ركعتى الطواف جاز (٢). مذهب الظاهرية: تكلم ابن حزم عن بعض شروط الطواف فقال: ولا يجوز لأحد أن يطوف بالبيت عريانا فان فعل لم يجزه. ثم قال: والطواف بالبيت على غير طهارة جائز ولا يحرم الا على الحائض فقط لأن رسول الله ﷺ منع أم المؤمنين اذ حاضت من الطواف - ومن قطع طوافه لعذر أو بنى على ما طاف، فلو قطعه عابثا فقد بطل طوافه لأنه لم يطف كما أمر. ثم أن الطواف راكبا جائز. ولا يجوز التباعد عن البيت فى الطواف الا عند الزحام والطواف بالبيت جائز عند طلوع الشمس وعند غروبها. ويركع عند ذلك.

стр. 5937

والكلام مع الناس فى الطواف جائز وذكر الله أفضل لأن النص لم يأتى بمنع ذلك (١). مذهب الزيدية: أن للطواف عندهم فروضا تسعة هى النية والطهارة والستر والترتيب وهو جعل البيت عن يساره فلو عكس لم يجزه … وندب الابتداء من الحجر الأسود وقال بعضهم بل هو فرض، ثم أن التماس الأركان فى كل شوط شرط. ومحاذاة جميع الحجر بجميع بدنه أو بعضه لفعله ﷺ وكونه داخل المسجد. والتسبيع أى كون الطواف سبعة أشواط. وتوقى الاوقات المكروهة. ويصلى ركعتين خلف مقام ابراهيم بعد الطواف. ونصوا على أن سنن الطواف هى: المشى ثم استلام الحجر الأسود ثم السجود عليه وأن يقول عند الاستلام بسم الله الله أكبر وأن تلا قرآنا جاز اذ هو أفضل الأذكار أو يقول سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ثم استلام الأركان وتقبيلها. ثم الاضطباع لفعله ﷺ قالوا انما رمل واضطبع ليرهب المشركين بالقوة وقد رمل ﷺ فى عمرة الجعرانة وحجة الوداع ايضا والراكب يحرك دابته فى موضع الرمل. وندب أن يقول: اللهم اجعله حجا مبرورا. وحين يمشى اللهم أغفر وارحم لفعله ﷺ . ثم يقرأ فى الركعتين مع الفاتحة الكافرون وفى الثانية الاخلاص. ومن تركها فى المقام صلى فى غيره ولا دم عليه. وندب بعدها مس الحجر ثم مسح الوجه لفعله ﷺ ويكبر اذ حاذى الحجر الأسود. وندب الدعاء عند الحجر والركن اليمانى ويكره عند الطواف ووضع اليد على الفم ولا رمل ولا اضطباع على المرأة والخنثى - وندب اذا انتهى فى آخره الى المستجار أن يبسط على البيت يديه وبطنه وخديه قائلا «اللهم البيت بيتك والحرم حرمك والعبد عبدك وهذا مقام العائذ بك من النار. وندب الدخول الى زمزم (٢). مذهب الإمامية: يشترط الإمامية فى الطواف ثلاثة شروط هى: تقديم الطهارة - وازالة النجاسة من الثوب والبدن والختان فى الرجل. ويستحب دخول مكة بالسكينة والوقار مغتسلا ولو تعذر اغتسل بعد الدخول، من باب بنى شيبة، والدعاء عنده أما كيفية الطواف عندهم - فواجبها: النية والبداءة بالحجر والختم به، والطواف على اليسار، وادخال الحجر فى الطواف وأن يطوف سبعا، ويكون بين المقام والبيت ويصلى ركعتين فى المقام فان منعه زحام صلى حياله، ويصلى النافلة حيث شاء فى المسجد ولو نسى الركعتين فى المقام رجع فأتى بهما فيه ولو شق عليه صلاهما حيث ذكر، ولو مات قضى عنه الولى. ومندوبات الطواف عندهم الوقوف عند الحجر والدعاء واستلامه وتقبيله فان لم يقدر أشار بيده وأن يقتصد فى مشيه، ويذكر الله سبحانه فى طوافه، ويلتزم المستجار وهو بحذاء الباب من وراء الكعبة - ويبسط يديه وخده على حائطه، ويلصق بطنه به، ويذكر ذنوبه ولو جاوز المستجار رجع والتزمه. وكذا يستلم الأركان. وأكدها ركن الحجر واليمانى. ويقرأ فى ركعتى الطواف بالحمد والصمد فى الأولى وبالحمد والكافرون فى الثانية ويكره الكلام فيه بغير الدعاء والقراءة (٣). مذهب الإباضية: قد تكلم فقهاء مذهب الإباضية عن كيفية الطواف - فقالوا ان ابراهيم ﵇ ابتدأه

стр. 5938

من الحجر الأسود وعلى الحاج أن يكثر عند استلام هذا الحجر من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحوقلة والصلاة على النبى محمد ﷺ وآدم وابراهيم واخواتهم من النبيين والملائكة أجمعين. والدعاء عند الوقوف بالباب وعند الميزاب والركعتين - عند المقام - وادخال الحطيم - فى الطواف - ولا يصح بدونه. ومن شروط الطواف عندهم الطهارة كالصلاة. والحائض تفعل كل فعل الا الطواف فحتى تطهر. وكره الكلام فيه الا بمهم كما يكره الأكل والشرب فى الطواف ولكن لا يفسده ويصح الطواف راكبا من العاجز عن المشى ويجوز الطواف بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر ولكن يؤخر الركوع لما بعد صلاة المغرب ولا يجوز عند الطلوع والغروب وقد بينت السنة أن الطواف سبعة أشواط فلو طاف وأكل وحل وجامع فسد حجه ومن طاف أكثر ولم ينو خلاف السنة ثم نفر فعليه دم وذلك فى طواف الزيارة فان شك. قبل الخروج من الطواف بنى على يقينه حتى يتم السبعة ثم يركع ثم يطوف طواف سبعة تامة، وقيل كل من طاف أقل من سبعة رجع وأتم ما بقى وقيل لتأخيره دم (١). ٤ - ترتيب طواف الافاضة بين مناسك يوم النحر: مذهب الحنفية: نص فقهاء مذهب الحنفية على أن المفيض اذا أتى منى رمى جمرة العقبة … ثم يذبح أن أحب ثم بحلق أو يقصر .. ثم يأتى مكة من يومه ذلك .. فيطوف بالبيت طواف الزيارة (٢) وظاهر من هذا أن المناسك التى يفعلها الحاج يوم النحر مرتبة على الوجه الذى نصوا عليه اذ العطف بثم يفيد الترتيب - ولم نجد لهم نصا يبين حكم مخالفة هذا الترتيب الا ما جاء فى باب الجنابات من آخر كتاب الحج حيث جاء فى الهداية ما نصه «ومن آخر الحلق حتى مضت أيام التشريق فعليه دم عند أبى حنيفة، وكذا اذا أخر طواف الزيارة حتى مضت أيام التشريق فعليه دم عنده وقال الصاحبان لا شئ عليه فى الوجهين وكذا الخلاف فى تأخير الرمى وفى تقديم نسك على نسك كالحلق قبل الرمى والحلق قبل الذبح، لهما أن ما فات مستدرك بالقضاء ولا يجب مع القضاء شئ آخر وله حديث ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال «من قدم نسكا على نسك فعليه دم (٣)». مذهب المالكية: وفى مذهب المالكية يقرر الدردير هذا الحكم بقوله: وأعلم أنه يفعل فى يوم النحر أربعة أمور مرتبة: رمى العقبة فالنحر فالحلق فالافاضة فتقديم الحلق على الافاضة واجب وما عداه مندوب. وقد علق على ذلك الدسوقى بقوله: أن تقديم الرمى على الاثنين الآخيرين واجب يجبر بالدم. أما تقديمه على الثانى أو تقديم الثانى على كل واحد من الأخيرين أو تقديم الثالث على الرابع فمستحب فالمراتب ستة الوجوب فى اثنين والندب فى أربعة (٤). مذهب الشافعية: أما مذهب الشافعية فقد بينه الجلال المحلى - فى شرحه على منهاج الطالبين حيث قال: وهذا الرمى والذبح والحلق والطواف يسن ترتيبها، ولا يجب (٥).

стр. 5939

مذهب الحنابلة: وأما الحنابلة فقد رتبوا مناسك يوم النحر الترتيب المتقدم فقد قالوا: أنه يفيض من مزدلفة قبل طلوع الشمس فاذا وصل منى ورمى جمرة العقبة … ثم ينحر ان كان معه هدى ويحلق أو يقصر … ثم يزور البيت فيطوف سبعا وهو الطواف الواجب الذى به تمام الحج ولم نقف لهم على حكم مخالفة هذا الترتيب غير ما ذكره ابن قدامة من انه يجوز تأخير الحلق والتقصير الى آخر أيام التشريق (١). مذهب الظاهرية: فقد حكاه ابن حزم حيث قال «وجائز فى رمى الجمرة والحلق والنحر والذبح وطواف الافاضة. أن تقدم أيهما شئت على أيهما لا حرج فى شئ من ذلك، روينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال يا رسول الله انى حلقت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج وآتاه آخر فقال: انى أفضت الى البيت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج قال فما رأيته يسأل يومئذ عن شئ الا قال افعلوا ولا حرج وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ وقف بمنى فى حجة الوداع فجاء رجل فقال: يا رسول الله انى لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى قال: أرم ولا حرج فما سئل رسول الله ﷺ يومئذ قدم أو أخر الا قال اصنع ولا حرج (٢). مذهب الزيدية: وأما الزيدية فقد نصوا على أنه يندب «الترتيب بين الرمى والذبح والحلق أو التقصير» وقد علق صاحب البحر الزخار على ذلك بقوله «قلنا أما بين الرمى والحلق فحتم .. فعلى قولنا لا يحل الحلق قبل الرمى بل يوجب الدم .. ولا شئ فى تقديم الحلق على الذبح، ولم نقف لهم على غير ذلك فى هذه المسألة (٣). مذهب الإمامية: ويرى الشيعة الإمامية: أن الحاج اذا أفاض من مزدلفة حتى وصل منى فعليه أن يبدأ برمى جمرة العقبة، ثم بالذبح ثم بالحلق. وهذا الترتيب واجب عندهم، غير أنه اذا خالف هذا الترتيب أثم ولا أعادة عليه - ومن ناحية أخرى نصوا على أنه لا يزور البيت لطواف الافاضة الا بعد الحلق أو التقصير. وهذا الترتيب واجب عند الشيعة الإمامية. ولكن لو خالفه وطاف قبل ذلك عامدا لزمه دم شاة، أما ان كان ناسيا فلا يلزمه شئ الا أنه يعيد طوافه (٤). مذهب الإباضية: يرى الإباضية ان المغيض اذا وصل منى رمى جمرة العقبة ثم يذبح ويحلق والحلق بعد النحر. ثم يمضى للزيارة (٥) أى لطواف الزيارة - وهو طواف الافاضة، هذا هو الترتيب الذى نصوا عليه ولم نقف لهم على مخالفة هذا الترتيب. ٥ - أثر طواف الافاضة: التحلل الأكبر مذهب الحنفية: يرى الحنفية أن المحرم اذا أدى طواف الافاضة على وجهه المشروع حل له النساء ولكنهم يقولون أن هذا التحليل ليس بسبب طواف الافاضة ولكن بالحلق السابق عليه «اذ هو

стр. 5940

المحلل لا الطواف، الا أنه أخر عمله فى حق النساء (١). مذهب المالكية: فقد جاء فى الشرح الكبير للدردير ما نصه: «وحل به أى بطواف الافاضة ما بقى من نساء وصيد وطيب وهو التحلل الأكبر وهذا بشرط أن يكون قد حلق وسعى (٢). مذهب الشافعية: وأما الشافعية فانهم يسمون التحلل الأكبر بالتحلل الثانى وهو أثر مباشر لطواف الافاضة عندهم (٣). مذهب الحنابلة: ويقول ابن قدامة فى بيان مذهب الحنابلة «اذا طاف للزيارة بعد الرمى والنحر والحلق حل له كل شئ حرمه الاحرام، وقد ذكرنا أنه لم يكن قد بقى عليه شئ من المحظور سوى النساء. فهذا الطواف حلل له النساء: قال ابن عمر لم يحل النبى ﷺ من شئ حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر فأفاض بالبيت ثم حل من كل شئ حرمه. وعن عائشة مثله متفق عليهما. ولا نعلم خلافا فى حصول الحل بطواف الزيارة على الترتيب .. وأنه كان قد سعى مع طواف القدوم وأن لم يكن قد سعى لم يحل حتى يسعى (٤). مذهب الظاهرية: ومذهب الظاهرية يبينه ابن حزم فيقول: فان نهضوا من يومهم الى مكة بالبيت سبعا لا خبب فى شئ منها - ثم سعى بين الصفا والمروة سبعا ان كان متمتعا أو أن كان لم يسع بينهما أول دخوله أن كان قارنا فقد تم الحج كله أو القرآن كله وحل لهم الوط ء (٥). مذهب الزيدية: وقد نص الزيدية على أن الرجل اذا طاف طواف الزيارة حل له الطيب والنساء ان قصر وذبح، فقد أخرج أبو داود والحاكم والبيهقى من حديث أم سلمة فى قصة فيها: (قال رسول الله ﵌ هذا يوم رخص لكم فيه اذا رميتم الجمرة ونحرتم الهدى أنكم قد حللتم من كل شئ الا النساء حتى تطوفوا بالبيت، ويبدو مما أورده الشيعة الزيدية أن الحل مترتب على فعل الطواف كاملا فلو بقى شوط منه أو بعض شوط لم يحل له الوط ء حتى يفعله هو أو نائبه كأصل الحج (٦). مذهب الإمامية: أما الشيعة الأمامية فقد نصوا «ويحل من كل شئ عند فراغ مناسكه ب «منى» عدا الطيب والنساء والصيد فاذا طاف لحجه حل له الطيب واذا طاف طواف النساء (٧) حللن له (٨). مذهب الإباضية: ومذهب الإباضية أن التحلل الأكبر مترتب على طواف الافاضة. وبه يحل للمحرم النساء والطيب والصيد باستثناء صيد الحرم فهو محرم على التأبيد. فقد جاء فى شرح النيل «وحل له غير النساء والطيب والصيد بالتحليل الأصغر بعد الحلق أو التقصير بعد الذبح .. وحل كل حلال - غير صيد الحرم فانه حرام أبدا - بالأكبر وهو طواف الزيارة (٩).

стр. 5941

إفاقة التعريف بالكلمة: تستخدم الافاقة فى اللغة بمعنى عام هو الانتقال من حال الى حال أفضل، ومن ثم يقال (أفاق الزمان) اذا أخضب بعد جدب، و (أفاقت الناقة) اذا اجتمعت الفيقة فى ضرعها يعنى وجد اللبن بعد نفاده بالحلبة السابقة. ولهذا تستخدم مادة (الافاقة) فى المجنون اذا رد اليه عقله. وفى السكران اذا ذهب عنه سكره، وفى النائم اذا صحا من نومه، وفى المريض اذا شفى وفى المغمى عليه اذا غادرته غشيته حيث يقال: أفاق الرجل من جنونه ومن سكره ومن نومه ومن مرضه ومن اغمائه (١). وتترتب الأحكام التالية على الافاقة (٢): ١ - افاقة المجنون: الوضوء: يرى أصحاب المذاهب الفقهية كلها ان أفاقة المجنون تستلزم الوضوء اذا أراد الصلاة لزوال العقل فترة الجنون وزوال العقل ناقض للوضوء. والوضوء واجب عند الافاقة اذا لم يكن قد وقع للمجنون أو حدث منه ما يوجب الغسل والا فيجب الغسل (٣). الصلاة: لا يلزم المجنون قضاء ما فاته من صلاة حال جنونه، الا أن يفيق فى وقت الصلاة فيصير كالصبى عند ما يبلغ فى وقت الصلاة فيجب عليه اسقاط الصلوات عن المجنون حال جنونه متفق عليه فى المذاهب كلها لحديث رسول الله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل (٤). الزكاة: روى عن جمع من الصحابة فيهم عمر وعلى وعائشة وابن عمر أن الزكاة تجب فى مال المجنون ويخرجها عنه وليه ومقتضى هذا القول أنها تجب عليه أداؤها عند أفاقته اذا لم يكن وليه قد أخرجها فى حال جنونه.

стр. 5942

وبهذا قال مالك والشافعى وابن حنبل والظاهرية (١)، وهم يستشهدون على وجه العموم - بأدلة نقلية وعقلية من أظهرها قوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ٢» وفيها عموم لكل صغير وكبير عاقل ومجنون. أما حديث «رفع القلم .. » السابق فانما أريد به عند القائلين بهذا الرأى رفع الاثم فى العبادات البدنية. أما أبو حنيفة فقال: تجب الزكاة فى ثماره وزروعه ولا زكاة فى ماله من الذهب والفضة والماشية. لأن تكليف المالك غير معتبر عنده فى زكاة الزروع والثمار خاصة (٣). أما الزيدية: فان أكثر فقائهم يقولون بوجوبها فى مال المجنون. يقول صاحب شرح الأزهار متى ثبت اسلام المالك لزمته الزكاة عاقلا كان أو غير عاقل، فيجب على ولى المجنون اخراج الزكاة من ماله، وان كان بعض علماء الزيدية يقولون أنه لا تجب الزكاة فى مال المجنون ومن هؤلاء العلماء زيد بن على والباقر والناصر (٤). أما الإمامية: فيقولون: ان الزكاة تجب على البالغ العاقل الحر المالك المتمكن من التصرف. وعلى هذا فالأصح فى المجنون عندهم أنه لا زكاة فى ماله الا فى الصامت (الذهب والفضة) اذا أنجر له الوالى استحبابا (٥). ومن ثم يرون أن المجنون لا يضمن عند أفاقته اذا أهمل وليه فى دفع الزكاة عن ماله حال جنونه (٦). وأيضا فان زكاة الفطر لا تجب عندهم على المجنون، لأن التكليف عندهم من شروط وجوبها (٧)، لكن من زال جنونه قبل رؤية هلال شوال تجب عليه زكاة الفطر (٨). أما الإباضية: فان فقاءهم اختلفوا فى وجوب الزكاة على المجنون وسبب اختلافهم هو اختلافهم فى مفهوم الزكاة الشرعية هل هى عبادة كالصلاة والصوم؟ أم هى حق واجب للفقراء على الأغنياء؟. والصحيح عندهم أنها واجبة على الصغير والكبير واليتيم والمجنون لعموم الخبر فى قوله ﵇ (أمرت أن آخذها من أغنيائكم، وأردها على فقرائكم (٩). ومقتضى وجوبها فى مال المجنون حال جنونه أنها تلزم هذا المال بعد أفاقته اذا لم يكن وليه قد دفعها فى حال الجنون. الصيام مذهب الحنفية: قال أبو حنيفة: من جن شهر رمضان كله فلا قضاء عليه عند أفاقته - فان أفاق فى شئ منه قضى الشهر كله، لأنه أدرك جزءا من رمضان وهو عاقل فلزمه صيامه كما لو أفاق فى جزء من اليوم (١٠).

стр. 5943

مذهب المالكية: وقال مالك: من بلغ وهو مجنون جنونا مطبقا، واستمر على ذلك سنين ثم أفاق فانه يقضى كل رمضان كان فى تلك السنين ولا يقضى شيئا من الصلوات (١). مذهب الشافعية: وقال الشافعى: لا يقضى المجنون صوما فانه حال جنونه، لأن الجنون معنى يمنع وجوب الصوم أصلا. مذهب الحنابلة: ان الجنون اذا وجد فى جميع النهار لم يجب قضاؤه والا فيجب (٢). مذهب الظاهرية: فيقول ابن حزم: كنا نذهب الى أن الجنون يبطل صوم المجنون ولا قضاء عليه عند افاقته، والحجة فى ذلك حديث «رفع القلم عن ثلاث». وكنا نقول: اذا رفع القلم عنه فهو غير مخاطب بصوم ولا بصلاة، ثم تأملنا هذا الخبر بتوفيق الله تعالى - فوجدناه ليس فيه الا ما ذكرنا من أنه غير مخاطب فى حال جنونه حتى يعقل. وليس فى ذلك بطلان صومه الذى لزمه قبل جنونه، ولا عودته عليه بعد افاقته فوجب أن من جن بعد أن نوى الصوم من الليل فلا يكون مفطرا بجنونه، لكنه فيه غير مخاطب، وقد كان مخاطبا به. فان أفاق فى ذلك اليوم أو فى يوم بعده من أيام رمضان فانه ينوى الصوم من حينه ويكون صائما، لأنه حينئذ علم بوجوب الصوم عليه، وأما من بلغ مجنونا مطبقا فهذا لم يكن قط مخاطبا ولا لزمته اللشرائع ولا الأحكام، ولم يزل مرفوعا عنه القلم فلا يجب عليه قضاء صوم أصلا. فاذا عقل فحينئذ ابتدأ الخطاب بلزومه اياه لا قبل ذلك (٣). مذهب الزيدية: فان الجنون عندهم مرض، ومن ثم يجب على المجنون أن يقضى بعد افاقته ما فاته من صيام رمضان حال جنونه. والجنون محمول عندهم على المرض فى قوله تعالى «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ ٤.» مذهب الإمامية: فان من شروط وجوب الصوم عندهم (كمال العقل) ومن ثم لا يجب على المجنون (٥) وأيضا لا يجب القضاء عليه عند افاقته. «فمن فاته شهر رمضان أو شئ منه لجنون فلا قضاء عليه (٦). مذهب الإباضية: فان المجنون عندهم «لا يقضى ولا يطعم أن جن قبل رمضان وأفاق بعده اذا لم يشاهده (٧). وان جن فى بعضه صام ما أدرك فقط، وقيل: يقضى ما أدرك، وقيل يقضى ما مضى أيضا لأن من شهد بعضه فقد شهد (٨) كله لأنه فرض (٩) واحد.

стр. 5944

اقرار المجنون ووصيته وشهادته وطلاقه ويمينه وسائر تصرفاته فقهاء المذاهب - وعلى وجه العموم - متفقون على أن من أفاق من جنونه لا يؤاخذ على سائر أقواله وأفعاله التى تفوه بها أو فعلها فى حال جنونه، فلا يؤاخذ باقرار ولا بوصية ولا بقصاص ولا بقذف ولا بتوكيل ولا بطلاق ولا غيرها من التصرفات لحديث (رفع القلم .. ) السابق. وأيضا لأن رسول الله ﷺ قال لما عز حين أقر على نفسه بالزنا (أبك جنون؟) مما يدل على أن المجنون لا يؤاخذ بشئ مما يقوله أو بفعله حال جنونه (١). لكننا نجد عند الإمامية خاصة شيئا من الخلاف فى اعتبار العقل شرطا فى وجوب حد الزنا خاصة. حيث يروى المحقق الحلئ أنه لو وطئ المجنون عاقلة وجب عليه الحد رجما أو جلدا عند بعض فقهاء الإمامية، ويعلق عليه بقوله: (وفيه تردد (٢). ويقول أيضا: «ولو زنى المجنون بعاقلة فعليها الحد تاما، وفى ثبوته فى طرف المجنون تردد، والمروى أنه يثبت (٣). ٢ - أفاقة السكران: من شرب محرما غزال عقله وقتاما، فهل يؤاخذ عند افاقته بما فاته من العبادات وما يكون قد قاله أو فعله حال سكره؟ الوضوء: يتفق فقهاء المذاهب جميعا فى وجوب الوضوء على السكران عند افاقته لغلبة السكر على عقله، الا اذا كان قد تلبس بما يوجب الغسل فيجب عليه الغسل (٤). الصلاة: اتفق فقهاء المذاهب جميعا على أن السكر لا يؤثر فى وجوب الصلاة، ومن ثم فعلى السكران عند افاقته قضاء ما يكون قد فاته من فرائض حال سكره. ويستوى عندهم فى وجوب القضاء عند الافاقة ألا يكون قد صلى أصلا حال سكره وأن يكون قد صلى الفرائض وهو ذاهب العقل من السكر. وذلك لقوله تعالى ﴿(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ)﴾ (٥) حيث لم يبح الله تعالى للسكران أن يصلى حتى يعلم ما يقول، وهذا لا يكون الا عند الافاقة (٦). ومعلوم أن وجوب القضاء عند الافاقة لا يؤثر فى حرمة ما ارتكبه كما لا يؤثر فى وجوب حد الشرب عليه. الطلاق: يقع طلاق السكران عند أبى حنيفة وان كان الكرخى والطحاوى من الحنفية قد اختارا أنه

стр. 5945

لا يقع طلاقه (١). وذهب مالك أيضا الى وقوع طلاق السكران (٢). وذهب الشافعى أيضا الى وقوع طلاقه، حيث يقول نصا. ومن شرب خمرا أو نبيذا فأسكره فطلق لزمه الطلاق والحدود كلها والفرائض ولا تسقط المعصية بشرب الخمر والمعصية بالسكر من النبيذ عنه فرضا ولا طلاقا (٣). أما ابن حنبل فقد روى عنه روايتان. احداهما: يقع طلاقه اختارها أبو بكر الخلال والقاضى - وهو مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة وصاحبيه. ولقول النبى ﵌ (كل الطلاق جائز الا طلاق المعتوه). والرواية الثانية: لا يقع طلاقه - اختارها أبو بكر عبد العزيز - وهو قول عثمان بن عفان، ولأنه زائل العقل فأشبه المجنون (٤). أما الظاهرية: فان داود الظاهرى يقول بعدم وقوع طلاق السكران (٥) ويقول ابن حزم: وطلاق السكران غير لازم وكذلك من فقد عقله بغير الخمر. «ويستدل ابن حزم لذلك بقوله تعالى ﴿(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى)﴾. ويقول «فمن أخبر الله تعالى أنه لا يدرى ما يقول فلا يحل أن يلزم شيئا من الأحكام لا طلاقا ولا غيره، ولأنه غير مخاطب (٦). أما الزيدية فهناك خلاف بين علمائهم فى الزام السكران بعد افاقته بطلاقه حال سكره. حيث يروى ابن المرتضى أولا أن طلاق السكران يقع حيث لم تفرق النصوص الصحيحة عندهم بين السكرئان وغيره، ويحكى أن هذا مذهب القاسمية والناصرية والمؤيد من الزيدية ويستدل ابن المرتضى لصحة هذا الرأى بقوله تعالى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى)﴾. ويقول: فمخاطبتهم حال السكر تقتضى تطليقهم) لكن ابن المرتضى يروى أيضا أن بعض علماء الزيدية الآخرين مثل الامام أحمد بن يحيى ويحيى بن الحسين وغيرهما يقولون: لا يقع طلاق السكران لزوال عقله كالصبى والمجنون (٧). أما الإمامية: فلا يقع عندهم طلاق السكران، لأن من شروط ايقاع الطلاق عندهم أن يكون المطلق عاقلا قاصدا (٨). أما الإباضية فقد ورد فى (شرح النيل) ما نصه: وطلاق السكران واقع ومحكوم عليه، لا طلاق المجنون اجماعا (٩) والمفهوم من مجموع كلامهم فى ذلك ان الزام السكران بطلاقه انما هو فى السكران المتعمد لسكر بشرب ما يسكر. ومن ثم قالوا: السكران بدواء شربه لا يلزمه طلاق والسكران بشراب نحو الخمر يلزمه (١٠). العتق والنذر والبيع والشراء والردة والاقرار والقتل والقذف والسرقة وسائر التصرفات: يبدو أن موقف معظم فقهاء المذاهب الثمانية من سائر تصرفات السكران ومن حيث مدى الزامه بها بعد أفاقته - كان متفرعا بصورة عامة على مواقفهم السابقة من ايقاع طلاقه أو عدم ايقاعه.

стр. 5946

يقول الشافعى فى هذا: من شرب خمرا أو نبيذا مسكرا فسكر لزمه ما أقر به وفعل مما لله وللآدميين، لأنه ممن تلزمه الفرائض، ولأن عليه حراما وحلالا وهو آثم بما دخل فيه من شرب المحرم. ولا يسقط عنه ما صنع (١) وهكذا ألزم الشافعى السكران بما قاله أو فعله حال سكره مما فيه حق لله أو للآدميين. وهكذا كان مذهب أبى حنيفة، فيما عدا أنه لم يؤاخذ بردته. لأن الركن فى الردة هو الاعتقاد، والسكران غير معتقد لما يقول لزوال عقله، فلا يحكم بردته لزوال ركنها لا للتخفيف عنه فى الردة خاصة (٢). أما مذهب مالك فى ذلك فيروى ابن القاسم حين سئل. أرأيت ظهار السكران من امرأته، أيلزمه الظهار فى قول مالك؟ قال: قال مالك يلزم السكران الطلاق فكذلك الظهار عندى هو لازم له، لأن الظهار انما يجر الى الطلاق (٣). وقد قال مالك: «طلاق السكران ونكاحه وجميع أفعاله جائزة الا الردة فقط، فلا يحكم له فى شئ من أموره بحكم المرتد. وهو فى هذا يوافق أبا حنيفة فى استثناء الردة خاصة. أما مذهب ابن حنبل فان ابن قدامه يقول عن السكران بعد أن يذكر تعدد الرواية عن أحمد فى طلاقه «والحكم فى عتقه ونذره وبيعه وشرائه وردته واقراره وقتله وقذفه وسرقته كالحكم فى طلاقه لأن المعنى فى الجميع واحد (٤). أما مذهب الظاهرية فيرى ابن حزم أن السكران لا يؤاخذ عند افاقته بشئ مما قاله أو فعله حال سكره. ويقول انه يأخذ حكم المجنون فى ذلك تماما. ويروى أن أبا حنيفة ومالكا والشافعى وغيرهم قد خالفوا فى الحاق السكران بالمجنون ويقول: وحجتنا فى السكران قول الله تعالى ﴿(لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ)﴾ فمن شهد الله تعالى بأنه لا يدرى فلا يحل أخذه بما لا يدرى (٥). أما الزيدية فانهم يلحقون السكران بالمجنون فى بعض تصرفاته مثل البيع والشراء والهبة والنكاح فلا يجيزون شيئا من هذه الأفعال السابقة اذا انعقدت حال سكره ولا يلزمونه بشئ منها عند افاقته (٦). ولكنهم يختلفون فى شئ من تصرفاته الأخرى حيث يذهب بعضهم الى الحاقه بالمجنون فلا يلزمونه بها. بينما يذهب آخرون الى الحاقه بالمفيق كما يفعل عدد من أئمة المذاهب السابقة، وقد مر بنا خلاف علمائهم فى ايقاع طلاق السكران وأيضا يقول القاضى اليمانى: ان الوصية لا تصح من مجنون وتصح من السكران على الأصح كسائر انشاءاته (٧).

стр. 5947

أما الإمامية فلا يصح عندهم بيع السكران ولا شراؤه ولو رضى بما أمضى بعد افاقته (١) كما لا يصح خلعه، ولا ظهاره، ولا اقراره، ولا ينعقد يمينه، ولا تقبل شهادته (٢). وأما نكاح السكران عندهم نفيه تردد، أظهره انه لا يصح ولو أفاق فأجاز وفى رواية اذا زوجت السكرى نفسها ثم أفاقت فرضيت أو دخل بها فأفاقت وأقرته كان ماضيا (٣). أما الإباضية: فقد نصوا على أن الايلاء والظهار والعتق من السكران تقع كما يقع طلاقه فيما سبق لكن لا يصح بيعه وشراؤه، وهبته وتزوجه (٤) عندهم. ٢ - افاقة السكران بغير المحرم: ما تقدم من الأحكام خاص بافاقته من سكر بمحرم فكان متعديا بسكره أما من سكر بمحرم فكان متعديا بسكره أما من سكر بعذر ولم يكن متعديا بسكره كالمريض يعالج بالمسكر فيسكره والشارب للمسكر غير عالم به. والمكره على شرب المسكر، وسائر من سكر بسبب مباح فحكمه فى كل تصرفاته حكم المجنون فى عدم مؤاخذته. ٣ - افاقة النائم، ما يترتب عليها: ١ - الوضوء: أن النوم الذى يحتمل معه الحدث هو الناقض فيكون ناقضا للوضوء فيجب الوضوء بعد الافاقة منه واذا نام المتوضئ ثم أفاق من نومه وأراد الصلاة فاذا كان النوم يعتبر ناقضا للوضوء فيجب الوضوء بعد الافاقة منه. واذا كان النوم لا يعتبر ناقضا للوضوء فلا يجب الوضوء بعد الافاقة منه. انظر تفصيل ذلك فى مصطلح «نواقض الوضوء. الصلاة: فقهاء المذاهب متفقون جميعا على أن من فاته شئ من الفرائض لاستغراقه فى النوم فانه يجب عليه أن يصليها متى أفاق من نومه لقوله ﷺ (انه ليس فى النوم تفريط، انما التفريط فى اليقظة فاذا نسى أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها اذا ذكرها. وقد حكى ابن حزم وغيره فى ذلك اجماعا متيقنا مبنيا على هذا الحديث برواياته المتعددة المتشابهة فى المعنى (٥). أقوال النائم وأفعاله: يتفق أصحاب المذاهب الفقهية جميعا على أن النائم لا يؤاخذ بعد افاقته بما يقوله حال استغراقه فى النوم، وذلك لحديث (رفع القلم .. ) السابق فلا يؤاخذ بطلاق أو عتاق أو قذف أو هبة أو غير ذلك مما يكون قد تفوه به حال تلبسه بالنوم المستغرق الذى لا يعى فيه (٦). أما ما يأتيه من أفعال يترتب عليها ضرر لغيره فان كان الضرر متعلقا بمال غيره فهو ضامن لما يتلفه حال نومه - أنظر مصطلح ضمان - وان كان الضرر يتعلق بنفس الغير أو بالاطراف - انظر مصطلح قتل افاقة المغمى عليه: (انظر مادة اغماء).

стр. 5948

إفتاء التعريف فى اللغة: افتاء مصدر فعله أفتى الثلاثى المزيد بالهمزة، فأصل مادته فتى، جاء فى لسان العرب (١): الفتاء الشباب، والفتى والفتية، الشاب والشابة والفعل فتو بضم التاء - يفتو فتاء، وقد فتى - بالكسر - يفتى - بالفتح - فتى فهو فتى السن بين الفتاء، يقال: افتاء فى الأمر ابانه له، وأفتى الرجل فى المسألة واستفتيته فيها فأفتانى افتاء. ويقال أفتيت فلانا رؤيا رآها اذا عبرتها له، وأفتيته فى مسألة اذا أجبته عنها، وفى الحديث أن قوما تفاتوا اليه معناه تحاكموا اليه وارتفعوا اليه فى الفتيا ومن ذلك قول الطرماح: انفتح بفتاء أشد من عدى، ومن جرم وهم أهل التغانى أى التحاكم وأهل الافتاء والفتياتيين المشكل من الأحكام، أصله من الفتى وهو الشاب الحدث الذى شب وقوى فكأنه يقوى ما أشكل ببيانه فيشب ويصير فتيا قويا، وأصله من الفتى وهو الشاب الحدث الذى شب وقوى فكانه يقوى ما أشكل ببيانه فيشب ويصير وأصله من الفتى وهو الحديث السن وأفتى المفتى اذا أحدث حكما، فى الحديث: الأثم ما حاك فى صدرك وان أفتاك الناس قال عنه وأفتوك أى جعلوا لك فيه رخصة وجوازا وقال أبو اسحاق فى قول الله «فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ٢» أى فاسألهم سؤال تقرير أهم أشد خلقا أم من خلقنا من الأمم السالفة وقول الله «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ٣» أى يسألونك سؤال تعلم. والفتيا والفتوى بضم الفاء فيهما. والفتوى بالفتح ما أفتى به الفقيه. التعريف فى اصطلاح الفقهاء: لا يكاد الفقهاء فى استعمالاتهم كلمة افتاء يخرجون على المعنى اللغوى فقد جاء فى حاشية ابن عابدين على الدر المختار (٤) ان الافتاء هو الافادة بالحكم الشرعى وجاء فى تتمة الروض النضير: ان الافتاء أخبار عما علمه المفتى من حكم الله أو ظنه والأخبار عن الله لا عن دليل ولا امارة افتراء على الله وقد قال الله «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ ٥ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ -﴾ وجاء فى الحطاب (٦): ان الافتاء هو الأخبار عن حكم شرعى لا على وجه الالزام قيل ولا حاجة الى القيد الأخير لأنه ذكر للاحتراز عن القضاء، والفتوى بالفتح والضم والفتح لأهل المدينة قاله فى المحكم وهو الجارى على القياس، والفتيا بالضم وكلها اسم لما افتى به الفقيه، وفى تهذيب الفروق بهامش الفروق (٧): ان الفتوى هى محض أخبار عن الله تعالى فى الزام أو اباحة والحكم أخبار مآله الانشاء والالزام أى التنفيذ والامضاء لما كان قبل الحكم فتوى.

стр. 5949

هل المستفتى يجب عليه الفتوى: كان السلف (١) من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع فى الفتوى ويود كل واحد منهم ان يكفيه اياها غيره فاذا رأى انها قد تعينت عليه بذل جهوده فى معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى، وقال عبد الله بن المبارك حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ فما كان منهم محدث الا ود أن أخاه كفاه الحديث ولا مفت الا ود أن أخاه كفاه الفتيا، وقال الامام أحمد حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ما منهم رجل يسأل عن شئ الا ود أن أخاه كفاه. ولا يحدث حديثا الا ود أن أخاه كفاه، وقال مالك عن يحيى بن سعيد أن بكير بن الأشج أخبره عن معاوية بن أبى عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر رضى الله تعالى عنهما فجاءهما محمد بن اياس بن البكر فقال أن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا فماذا تريان فقال عبد الله ابن الزبير أن هذا الأمر مالنا فيه قول فاذهب الى عبد الله بن عباس وأبى هريرة فانى تركتهما عند عائشة زوج النبى ﷺ ثم ائتنا فأخبرنا فذهبت فسألتهما فقال ابن عباس رضى الله تعالى عنه لأبى هريرة أفته يا أبى هريرة فقد جاءتك معضلة فقال أبو هريرة الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره، وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال: قال ابن عباس أن كل من أفتى الناس فى كل ما يسألونه عنه لمجنون قال مالك وبلغنى عن ابن مسعود مثل ذلك رواه ابن وضاح عن يوسف بن عدى عن عبيد بن حميد عن الأعمش عن شفيق عن عبد الله ورواه حبيب ابن ثابت عن أبى وائل عن عبد الله وقال سحنون ابن سعيد أجرأ الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه، وفى البحر الرائق (٢): أن المفتى ان لم يكن غيره تعين عليه الافتاء وان كان هناك غيره فهو فرض كفاية ومع هذا لا يحل التسارع الى ما لا يتحقق وفى كشف الأسرار للبزدوى (٣): الاجتهاد ثلاثة أنواع: فرض عين وفرض كفاية وندب. أما الأولى ففى حالتين، احداهما: اجتهاد المجتهد فى حق نفسه فيما نزل به لأن المجتهد لا يجوز له أن يقلد غيره فى حق نفسه ولا فى حق غيره. والثانية: اجتهاد فى حق غيره اذا تعين عليه الحكم فيه بأن ضاق وقت الحادثة. فانه يجب على الفور حينئذ. وأما الثانى ففى حالتين، احداهما اذا نزلت حادثة بأحد فاستفتى أحد العلماء كان الجواب فرضا على جميعهم وأخصهم بفرضه من خص بالسؤال عن الحادثة فان أجاب واحد سقط الفرض عن جميعهم وان أمسكوا مع ظهور الجواب والصواب لهم أثموا وان أمسكوا مع التباسه عليهم عذروا ولكن لا يسقط عنهم الطلب وكان فرض الجواب باقيا عند ظهور الصواب. والحالة الثانية: أن يتردد الحكم بين قاضيين مشتركين فى النطق فيكون فرض الاجتهاد مشتركا بينهما فأيهما تفرد بالحكم سقط الفرض وأما الثالث ففى حالتين أيضا. احداهما: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق الى معرفة حكمها قبل

стр. 5950

نزولها والثانية أن يستفتيه سائل قبل نزولها به فيكون الاجتهاد فى الحالتين ندبا كذا فى القواطع. وفى الحطاب (١): قال ابن سلمون فى وثائقه سئل ابن رشد فى الفتوى وصغة المفتى فقال الذى أقول به فى ذلك أن الجماعة التى تنسب الى العلوم يتميز عن جملة العوام بالمحفوظ والمفهوم تنقسم على ثلاث طوائف. طائفة منهم اعتقدت صحة مذهب مالك تقليدا بغير دليل فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه فى مسائل الفقه دون التفقه فى معانيها بتمييز الصحيح منها والسقيم وطائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بأن لها من صحة أصوله التى بناه عليها فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه فى مسائل الفقه وتفقهت فى معانيها الصحيح منها الجارى على أصوله من السقيم الخارج الا أنها لم تبلغ درجة التحقيق بمعرفة قياس الفروع على الأصول وطائفة اعتقدت صحة مذهب بما بأن لها أيضا من صحة أصوله لكونها عالمة بأحكام القرآن عارفة بالناسخ والمنسوخ والمفصل والمجمل والخاص من العام عالمة بالسنن الواردة فى الأحكام مميزة بين صحيحها من معلومها عالمة بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار وبما اتفقوا عليه واختلفوا فيه عالمة من علم اللسان بما يفهم به معانى الكلام عالمة بوضع الأدلة فى مواضعها فأما الطائفة الأولى فلا يصح لها الفتوى بما علمته وحفظته من قول مالك وقول أحد من أصحابه اذ لا علم عندها بصحة شئ من ذلك اذ لا يصح الفتوى بمجرد التقليد من غير علم ويصح لها فى خاصتها ان لم تجد من يصح لها أن تستفتيه أى يقلد مالكا أو غيره من أصحابه فيما حفظته من أقوالهم وان لم يعلم من نزلت به نازلة من يقلده فيها من قول مالك وأصحابه فيجوز للذى نزلت به نازلة أن يقلده فيما حكاه له من قول مالك فى نازلته ويقلد مالكا فى الأخذ بقوله فيها وذلك أيضا اذا لم يجد فى عصره من يستفتيه فى نازلته فيقلده فيها وان كانت النازلة قد علم فيها اختلافا من قول مالك وغيره فأعلمه بذلك كان حكمه فى ذلك حكم العامى اذا استفتى العلماء فى نازلته فاختلفوا عليه فيها وقد اختلف فى ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أنه يأخذ بما شاء من ذلك والثانى أنه يجتهد فى ذلك فيأخذ فى ذلك بقول أعلمهم والثالث انه يأخذ بأغلظ الأقوال وأما الطائفة الثانية فيصلح لها اذا استفتيت أن تفتى بما علمته من قول مالك وقول غيره من أصحابه اذا كانت قد بانت لها صحته كما يجوز لها فى خاصتها الأخذ بقوله اذا بانت لها صحته ولا يجوز لها أن تفتى بالاجتهاد فيما لا تعلم فيه نصا من قول مالك أو قول غيره من أصحابه وان كانت قد بانت لها صحته اذ ليست ممن كمل لها آلات الاجتهاد الذى يصح لها بها قياس الفروع على الأصول وأما الطائفة الثالثة فهى التى يصح لها الفتوى عموما بالاجتهاد والقياس على الأصول التى هى الكتاب والسنة واجماع الأمة بالمعنى الجامع بينها وبين النازلة وعلى ما قيس عليها أن قدم القياس عليها ومن القياس جلى وخفى لأن المعنى الذى يجمع بين الأصل والفرع قد يعلم قطعيا بدليل قاطع لا يحتمل التأويل وقد يعلم بالاستدلال فلا يوجب الا غلبة الظن ولا يرجع الى القياس الخفى الا بعد القياس الجلى وهذا كله يتفاوت العلماء فى التحقيق بالمعرفة به تفاوتا بعيدا وتفترق أحوالهم أيضا فى جودة الفهم لذلك وجودة الذهن فيه افتراقا بعيدا اذ ليس العلم الذى هو الفقه فى الدين بكثرة الرواية والحفظ وانما نور يضعه الله تعالى حيث يشاء فمن اعتقد فى نفسه أنه ممن تصح له الفتوى بما أتاه الله من ذلك النور المركب على المحظوظ المعلوم جاز له أن استفتى واذا اعتقد الناس فيه ذلك جاز له أن يفتى فمن الحق للرجل أن لا يفتى حتى يرى نفسه أهلا لذلك ويراه الناس أهلا له على ما حكى مالك عن ابن هرمز، وقال ابن عرفة فى شرط الفتوى لا ينبغى لطالب العلم أن يفتى حتى

стр. 5951

يراه الناس أهلا للفتوى وقال سحنون الناس هنا هم العلماء قال ابن هرمز ويرى هو نفسه أهلا لذلك وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا وهذا شأن الفتيا فى الزمن المتقدم وأما اليوم فقد خرق هذا السياج وهان على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح ولسوا عليهم اعترافهم بجيلهم وأن يقول أحدهم لا أدرى فلا جرم آل الحال بالناس الى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال والمجترئين على دين الله تعالى، وأما العامى (١) اذا عرف حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتى به ويسوغ لغيره تقليده ففيه أوجه للشافعية وغيرهم، أحدها لا يجوز مطلقا لعدم أهلية لذلك وعدم علمه بشروطه وما يعارضه ولعله يظن ما ليس بدليل دليلا وهذا هو الأصح فى بحر الزركشى، ثانيها: نعم يجوز مطلقا لأنه قد حصل له العلم كما للعالم وتميز العالم عنه لقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له أمر زائد على معرفة الحق بدليله، ثالثا: ان كان الدليل كتابا أو سنة جاز والا لم يجز لأنهما خطاب لجميع المكلفين فيجب على المكلف العمل بما وصل اليه منهما وارشاد غيره اليه، رابعهما: ان كان نقليا جاز والا فلا قال السبكى وأما العامى الذى عرف من المجتهد حكم مسألة ولم يدر دليلها كمن حفظ مختصرا من مختصرات الفقه فليس له أن يفتى ورجوع العامى اليه اذا لم يكن سواه أولى من الارتباك فى الحيرة وكل هذا فيمن لم ينقل عن غيره أما الناقل فلا يمنع فاذا ذكر العامى أن فلانا المفتى أفتانا بكذا لم يمنع من نقل هذا القدر أهـ. لكن ليس للذكور له العمل به على ما فى الزركشى لا يجوز للعامى أن يعمل بفتوى مفت لعامى مثله أفاد جميع هذا أمير الحاج فى موضعين من شرحه على التحرير الأصولى مع زيادة وتوضيح المقام على ما يرام أن الافتاء كان فى القرون الثلاثة التى شهد لها رسول الله ﷺ بقوله خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم من خواص المجتهد المطلق ضرورة أن الاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم والفقيه هو المجتهد المطلق. وفى المجموع للنووى (٢): تعليم الطالبين وافتاء المستفتين فرض كفاية فان لم يكن هناك من يصلح الا واحد تعين عليه وان كان جماعة يصلحون فطلب ذلك من أحدهم فامتنع فهل يأثم؟ ذكروا وجهين فى المفتى والظاهر جريانهما فى المعلم وهما كالوجهين فى امتناع أحد الشهود والأصح لا يأثم ثم قال فى موضع آخر (٣): والافتاء فرض كفاية فاذا استفتى وليس من الناحية غيره تعين عليه الجواب فان كان فيها غيره وحضروا فالجواب فى حقهم فرض كفاية وان لم يحضر غيره فوجهان أصحهما لا يتعين والثانى يتعين ولو سأل عامى عما لم يقع لم يجب جوابه وفى الاقناع (٤): كان السلف الصالح يأبون الفتيا ويشددون فيها ويتدافعونها وأنكر أحمد وغيره على من يهجم على الجواب وقال لا ينبغى أن يجيب فى كل ما يستفتى فيه وقال اذا هاب الرجل شيئا لا ينبغى أن يحمل على أن يقول وقال لا ينبغى للرجل أن يعرض نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال احداها أن تكون له نية فان لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. الثانية أن يكون له حلم ووقار وسكينة، الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته الرابعة: الكفاية والا بغضه الناس، الخامسة: معرفة الناشئ، ثم

стр. 5952

قال (١): ولا يلزم جواب السائل عن شئ لم يكن وقع لكن يستحب اجابته وكذلك لا يلزمه جواب ما لا يحتمله السائل ولا ما لا يقع فيه وله رد الفتيا ان خاف غائلتها أو كان فى البلد من يقوم مقامه والا لم يجز لكن ان كان الذى يقوم مقامه معروفا عند العامة مفتيا وهو جاهل تعين الجواب على العالم قال فى عيون المسائل الحكم يتعين بولايته حتى لا يمكنه رد محتكمين اليه ويمكنه رد من يستشهره وان كان محتملا شهادة فنادر أن لا يكون سواه. وأما فى الحكم فلا ينوب البعض عن البعض ولا يقول لمن ارتفع اليه أمضى الى غيرى من الحكام. أهـ ومن قوى عنده مذهب غير امامه أفتى به وأعلم السائل قال أحمد: اذا أتت المسألة ليس فيها أثر فأفت فيها بقول الشافعى ذكره النووى فى تهذيب الأسماء واللغات فى ترجمة الشافعى. وفى الأحكام لابن حزم الظاهرى (٢): قال أبو محمد قال الله تعالى ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا ٣ كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ فبين الله فى هذه الآية وجه التفقه كله وأنه ينقسم قسمين. أحدهما: يخص المرء فى نفسه وذلك مبين فى قول الله ﵎: «وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ٣» فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن حكم ما يلزمه والثانى تفقه من أراد وجه الله تعالى بأن يكون منذرا لقومه قال الله ﵎ «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٤» ففرض على كل احد طلب ما يلزمه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه فى تعرف ما ألزمه الله تعالى اياه. ثم قال ابن حزم (٥): وفرض على الامام أن يرتب أقواما لتعليم الجهال واذا انتدب لذلك من يقوم بالتعليم فقد سقط عن باقيهم الا ما يلزمه أى فى خاصة نفسه وفرض على جميع المسلمين أن يكون فى كل قرية أو مدينة أو حصن من يحفظ القرآن كله ويعلمه للناس ويقرؤه اياهم لأمر رسول الله ﷺ بقراءته فصح أن النفار فرض على الجماعة كلها حتى يقوم بها بعضهم فيسقط عن الباقين. وفى تتمة الروض (٦) النضير: المفتى حاك عن الله تعالى حكمه الذى شرعه لعباده فلا يجوز له أن يخبر عن الله حكمه ودينه الذى شرعه لعباده الا اذا كان خبره مطابقا لما شرعه والا كان قائلا على الله بلا علم قال الله ﵎: «وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٧ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ قَلِيلٌ ٨ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» وجاء فى الحديث عن رسول الله ﷺ (من أفتى بغير علم كان اثمه على من أفتاه) وجاء أيضا فى الحديث (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) وقد كان السلف الصالح يهابون من التورط فى الفتيا ويخافون من الوقوع فيها غاية الخوف حتى قال بعض السلف ليتق أحدكم أن يقول أحل الله كذا وحرم كذا خشية أن يقول الله له كذبت لم أحل كذا

стр. 5953

ولم أحرم كذا كل ذلك خشية الحكم بغير ما أنزل وحتى قال حذيفة انما يفتى الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن أو امرؤ لا يجد بدأ أو أحمق متكلف. وفى الروضة البهية (١): أنه اذا تحققت فى المفتى الصفات التى يجب توافرها وجب على الناس الترافع اليه وقبول قوله والتزام حكمه لأنه مغصوب من الامام ﵇ على العموم بقوله: أنظروا الى رجل منكم قد روى حديثنا وعرف أحكامنا فأجعلوه قاضيا، فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه وفى بعض الأخبار فلترضوا به حاكما فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما بحكم الله استخف وعلينا رد، والراد علينا راد على الله، وهو على حد الشرك بالله فمن عدل عنه الى قضاة الجور كان عاصيا فاسقا لأن ذلك كبيرة عندنا ففى مقبول عمر بن حنظلة، من تحاكم الى طاغوت فحكم له فانما يأخذ سحتا، وان كان حقه ثابتا لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر بها ومثله كثيرا. وفى طلعة الشمس (٢): أن من التابعين من كان يفتى ومنهم من كان يقبل ومنهم من يقرر وظهر عنهم الأمر بالاستفتاء والفتيا هذا هو العمدة فى جواز الفتيا قال وهو أظهر أمر فى الاجماع، وفى موضع آخر (٣): تحدث عن افتاء العامى بقول امامه فقال يجوز لضعيف العلم حكاية قول العالم فى الأحكام بلا خلاف بين العلماء لأن ذلك ضرب من الأخبار ولا خلاف فى صحته عند الضبط والاتقان ولكن الخلاف فى جواز افتائه بقول العالم الذى أخذ عنه تلك الفتيا وذلك بأن يسوق الكلام مساق الجزم بالحكم فيقول هذا حلال وهذا حرام مثل فقيل بجواز ذلك مطلقا واشترط بعضهم فى هذا القول أن يكون المفتى انما يفتى بنص قول امامه وقيل لا يجوز مطلقا لأنه ليس أهلا للافتاء وقيل ان كان مطلعا على مأخذ امامه جاز له ذلك وصح له التخريج على مذهب امامه وقيل انما يجوز للمخرج الافتاء بتخريجه عند عدم المجتهد لا مع وجوده فى تلك الناحية اذ لا يجوز العمل بالأضعف مع امكان الأقوى. والصحيح أن فتوى الضعيف بنص عبارة المفتى جائزة فى غيبة المفتى وفى حضرته عرف عدلها أو لم يعرف اذا كان واثقا بمن أخذ عنه لأن ذلك ليس بأشد من علمه فاذا جاز له أن يعمل بقول المفتى جاز له أن يفتى به اذ لا فرق بينهما أما الفتوى بالتخريج من مذهب المفتى فلا تصح الا من المطلع على المأخذ العارف بالأدلة ومواردها اذ لا يكون التخريج الا لمن يكون من أهل النظر فمن كان من أهل النظر والاستدلال جاز له التخريج على مذهب العالم وهو مذهب الامام الكدمى وجمهور المشارقة والمغاربة حلافا لمن منع ذلك والله أعلم. انبناء الفتوى على الاستفتاء دون تحقيق الوقائع: جاء فى حاشية ابن عابدين (٤): شرط بعض الفقهاء أن يكون المفتى متيقظا احترازا عمن غلب عليه الغفلة والسهو وهذا شرط لازم فى زماننا فان العادة اليوم أن من صار بيده فتوى المفتى استطال على خصمه وقهره بمجرد قوله

стр. 5954

أفتانى المفتى بأن الحق معى والخصم جاهل لا يدرى ما فى الفتوى فلا بد أن يكون المفتى متيقظا يعلم حيل الناس ودسائسهم فاذا جاءه السائل يقرره من لسانه ولا يقول له ان كان كذا فالحق معك وان كان كذا فالحق مع خصمك لأنه يختار لنفسه ما ينفعه ولا يعجز عن اثباته بشاهدى زور بل الأحسن أن يجمع بينه وبين خصمه فاذا ظهر له الحق مع أحدهما كتب الفتوى لصاحب الحق والتحرز من الوكلاء فى الخصومات فان احدهم لا يرضى الا باثبات دعواه بأى وجه أمكن ولهم مهارة فى الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل بصورة الحق فاذا أخذ الفتوى قهر خصمه ووصل الى غرضه الفاسد فلا يحل للمفتى أن يعينه على ضلاله وقد قالوا من جهل بأهل زمانه فهو جاهل. وقد يسأل عن أمر شرعى وتدل القرائن للمفتى المتيقظ أن مراده التوصل به الى غرض فاسد كما شهدناه كثيرا والحاصل أن غفلة المفتى يلزم منها ضرر عظيم فى هذا الزمان والله تعالى المستعان. وفى البحر الرائق (١): ليكن المفتى متنزها عن خوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن حسن التصرف ويحرم عليه التساهل فى الفتوى واتباع الحيل ان فسدت الأغراض، وان سئل عن (٢) الاخوة فصل فى جوابه ابن الأبوين أو لأب أو لأم وان كان فى الفريضة عول قال الثمن عائلا وان كان فى الورثة من يسقط بحال دون حال بينه ويكتب تحت الفتوى الصحيحة ان عرف أنها لأهل الجواب صحيح ونحوه وله أن يجيب ان رأى ذلك ويختصر وان جهل حاله فان لم يظهر له فله أمره بابدالها فان تعسر أجاب بلسانه ولا يجوز له الافتاء بالقول المهجور ولجر منفعة ولا يرجو عليه دينا ويقرأ المسألة بالبصيرة مرة بعد مرة حتى يتضح له السؤال ثم يجيب واذا لم يتضح السؤال سأل عن المستفتى. وفى الفروق للقرافى (٣): كل شئ أفتى فيه لمجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الاجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلى السالم عن المعارض الراجح لا يجوز للمقلد أن ينقله للناس ولا يفتى به فى دين الله تعالى فان هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه وما لا نقره شرعا بعد تقرره بحكم الحاكم أولى لا تقره شرعا اذا لم يتأكد وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعا والفتيا بغير شرع حرام فالفتيا بهذا الحكم حرام. وفى الحطاب (٤): لا يجوز للمفتى أن يتساهل فى الفتوى ومن عرف بذلك لم يجز ان يستفتى والتساهل قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالفتوى أو الحكم قبل استيفاء حقه من النظر والفكر وربما يحمله على ذلك توهمه أن الاسراع براعة والابطاء عجز ولأن يبطئ ولا يخطئ بخطئ أجمل به من أن يعجل فيضل ويضل. وقد يكون تساهله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة أو المكروهة بالتمسك بالشبه طلبا للحرص على من يروم نفعه أو التغليظ على من يروم ضره. قال ابن الصلاح ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه قال وأما اذا صح قصد المفتى واحتسب فى طلبه حيلة لا شبهة وفيها لا تجر الى مفسدة ليخلص بها المفتى من ورطة يمين أو نحوها فذلك حسن جميل. وقال القرافى اذا كان فى المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تسهيل فلا ينبغى للمفتى

стр. 5955

أن يفتى العامة بالتشديد والخواص وولاة الأمور بالتخفيف وذلك قريب من الفسوق والخيانة فى الدين والتلاعب بالمسلمين وذلك فراغ القلب من تعظيم الله تعالى واجلاله وتقواه وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب الى الخلق دون الخالق نعوذ بالله من صفات الغافلين والحاكم كالمفتى فى هذا. وفى المجموع (١): أنه يحرم التساهل فى الفتوى ومن عرف به حرم استفتاؤه فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع فى الفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر فان تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا بأس بالمبادرة وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضيين من مبادرة ومن التساهل أن يحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره. وأما من صح قصده فاحتسب فى طلب حيلة لا شبهة فيها للتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا لقول سفيان انما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد ومن الحيل التى فيها شبهة ويذم فاعلها الحيلة السريجية فى سد باب الطلاق. وفى المجموع (٢) أيضا: أنه لا يجوز أن يفتى فى الايمان والاقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ الا أن يكن من أهل بلد اللافظ أو متنزلا منزلتهم فى الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها. وجاء فى موضع آخر (٣): أنه ليس للمفتى أن يكتب الجواب على ما عمله من صورة الواقعة اذا لم يكن فى الوقعة تعرض له بل يكتب جواب ما فى الوقعة فان أراد جواب ما ليس فيها فليقل ان كان الأمر كذا فجوابه كذا واستحب العلماء أن يزيد على ما فى الوقعة ماله تعلق بها مما يحتاج اليه السائل لحديث «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ليتأمل (٤) الوقعة تأملا شافيا وآخرها أكد أن السؤال فى آخرها وقد يتقيد الجمع بكلمة فى آخرها ويغفل عنها: قال الصيمرى قال بعض العلماء ينبغى أن يكون توقفه فى المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده وكان محمد بن الحسن يفعله واذا وجد كلمة مشتبهة سأل المستفتى عنها ونقلها وشكلها وكذا ان وجد لحنا فاحشا أو خطأ يحمل المعنى أصلحه وان رأى بياضا فى أثناء سطر أو آخره خط عليه أو شغله لأنه ربما قصد المستفتى به الايذاء فى البياض بعد فتواه ما يفسدها كما يلى به القاضى أبو حامد المروزى ثم قال فى موضع آخر (٥): اذا ظهر للمفتى أن الجواب خلاف غرض المستفتى وأنه لا يرضى بكتابته فى ورقته فليقتصر على مشافهته بالجواب وليحذر أن يميل فى فتواه مع المستفتى أو خصمه. ووجوه الميل كثيرة لا تخفى ومنها أن يكتب فى جوابه ما هو له ويتحرك ما عليه وليس له أن يبدأ فى مسائل الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها. واذا سألهم أحدهم وقال بأى شئ تندفع دعوى كذا وكذا أو بينة كذا وكذا ولم يجبه كيلا يتوصل بذلك الى ابطال حق وله أن يسأل عن حاله فيما أدعى عليه فاذا شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع. قال الصيمرى وينبغى للمفتى اذا رأى للسائل طريقا يرشده اليه أن ينبهه عليه يعنى ما لم يضر
следующие страницы →