يراه الناس أهلا للفتوى وقال سحنون الناس هنا هم العلماء قال ابن هرمز ويرى هو نفسه أهلا لذلك وما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا وهذا شأن الفتيا فى الزمن المتقدم وأما اليوم فقد خرق هذا السياج وهان على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح ولسوا عليهم اعترافهم بجيلهم وأن يقول أحدهم لا أدرى فلا جرم آل الحال بالناس الى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال والمجترئين على دين الله تعالى، وأما العامى (١) اذا عرف حكم حادثة بدليلها فهل له أن يفتى به ويسوغ لغيره تقليده ففيه أوجه للشافعية وغيرهم، أحدها لا يجوز مطلقا لعدم أهلية لذلك وعدم علمه بشروطه وما يعارضه ولعله يظن ما ليس بدليل دليلا وهذا هو الأصح فى بحر الزركشى، ثانيها: نعم يجوز مطلقا لأنه قد حصل له العلم كما للعالم وتميز العالم عنه لقوة يتمكن بها من تقرير الدليل ودفع المعارض له أمر زائد على معرفة الحق بدليله، ثالثا: ان كان الدليل كتابا أو سنة جاز والا لم يجز لأنهما خطاب لجميع المكلفين فيجب على المكلف العمل بما وصل اليه منهما وارشاد غيره اليه، رابعهما: ان كان نقليا جاز والا فلا قال السبكى وأما العامى الذى عرف من المجتهد حكم مسألة ولم يدر دليلها كمن حفظ مختصرا من مختصرات الفقه فليس له أن يفتى ورجوع العامى اليه اذا لم يكن سواه أولى من الارتباك فى الحيرة وكل هذا فيمن لم ينقل عن غيره أما الناقل فلا يمنع فاذا ذكر العامى أن فلانا المفتى أفتانا بكذا لم يمنع من نقل هذا القدر أهـ. لكن ليس للذكور له العمل به على ما فى الزركشى لا يجوز للعامى أن يعمل بفتوى مفت لعامى مثله أفاد جميع هذا أمير الحاج فى موضعين من شرحه على التحرير الأصولى مع زيادة وتوضيح المقام على ما يرام أن الافتاء كان فى القرون الثلاثة التى شهد لها رسول الله ﷺ بقوله خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم من خواص المجتهد المطلق ضرورة أن الاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم والفقيه هو المجتهد المطلق. وفى المجموع للنووى (٢): تعليم الطالبين وافتاء المستفتين فرض كفاية فان لم يكن هناك من يصلح الا واحد تعين عليه وان كان جماعة يصلحون فطلب ذلك من أحدهم فامتنع فهل يأثم؟ ذكروا وجهين فى المفتى والظاهر جريانهما فى المعلم وهما كالوجهين فى امتناع أحد الشهود والأصح لا يأثم ثم قال فى موضع آخر (٣): والافتاء فرض كفاية فاذا استفتى وليس من الناحية غيره تعين عليه الجواب فان كان فيها غيره وحضروا فالجواب فى حقهم فرض كفاية وان لم يحضر غيره فوجهان أصحهما لا يتعين والثانى يتعين ولو سأل عامى عما لم يقع لم يجب جوابه وفى الاقناع (٤): كان السلف الصالح يأبون الفتيا ويشددون فيها ويتدافعونها وأنكر أحمد وغيره على من يهجم على الجواب وقال لا ينبغى أن يجيب فى كل ما يستفتى فيه وقال اذا هاب الرجل شيئا لا ينبغى أن يحمل على أن يقول وقال لا ينبغى للرجل أن يعرض نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال احداها أن تكون له نية فان لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. الثانية أن يكون له حلم ووقار وسكينة، الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته الرابعة: الكفاية والا بغضه الناس، الخامسة: معرفة الناشئ، ثم
стр. 5952
قال (١): ولا يلزم جواب السائل عن شئ لم يكن وقع لكن يستحب اجابته وكذلك لا يلزمه جواب ما لا يحتمله السائل ولا ما لا يقع فيه وله رد الفتيا ان خاف غائلتها أو كان فى البلد من يقوم مقامه والا لم يجز لكن ان كان الذى يقوم مقامه معروفا عند العامة مفتيا وهو جاهل تعين الجواب على العالم قال فى عيون المسائل الحكم يتعين بولايته حتى لا يمكنه رد محتكمين اليه ويمكنه رد من يستشهره وان كان محتملا شهادة فنادر أن لا يكون سواه.
وأما فى الحكم فلا ينوب البعض عن البعض ولا يقول لمن ارتفع اليه أمضى الى غيرى من الحكام. أهـ ومن قوى عنده مذهب غير امامه أفتى به وأعلم السائل قال أحمد: اذا أتت المسألة ليس فيها أثر فأفت فيها بقول الشافعى ذكره النووى فى تهذيب الأسماء واللغات فى ترجمة الشافعى.
وفى الأحكام لابن حزم الظاهرى (٢): قال أبو محمد قال الله تعالى ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا ٣ كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ فبين الله فى هذه الآية وجه التفقه كله وأنه ينقسم قسمين. أحدهما: يخص المرء فى نفسه وذلك مبين فى قول الله ﵎:
«وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ٣» فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن حكم ما يلزمه والثانى تفقه من أراد وجه الله تعالى بأن يكون منذرا لقومه قال الله ﵎ «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٤» ففرض على كل احد طلب ما يلزمه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه فى تعرف ما ألزمه الله تعالى اياه.
ثم قال ابن حزم (٥): وفرض على الامام أن يرتب أقواما لتعليم الجهال واذا انتدب لذلك من يقوم بالتعليم فقد سقط عن باقيهم الا ما يلزمه أى فى خاصة نفسه وفرض على جميع المسلمين أن يكون فى كل قرية أو مدينة أو حصن من يحفظ القرآن كله ويعلمه للناس ويقرؤه اياهم لأمر رسول الله ﷺ بقراءته فصح أن النفار فرض على الجماعة كلها حتى يقوم بها بعضهم فيسقط عن الباقين.
وفى تتمة الروض (٦) النضير: المفتى حاك عن الله تعالى حكمه الذى شرعه لعباده فلا يجوز له أن يخبر عن الله حكمه ودينه الذى شرعه لعباده الا اذا كان خبره مطابقا لما شرعه والا كان قائلا على الله بلا علم قال الله ﵎: «وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٧ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ قَلِيلٌ ٨ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» وجاء فى الحديث عن رسول الله ﷺ (من أفتى بغير علم كان اثمه على من أفتاه) وجاء أيضا فى الحديث (أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار) وقد كان السلف الصالح يهابون من التورط فى الفتيا ويخافون من الوقوع فيها غاية الخوف حتى قال بعض السلف ليتق أحدكم أن يقول أحل الله كذا وحرم كذا خشية أن يقول الله له كذبت لم أحل كذا
стр. 5953
ولم أحرم كذا كل ذلك خشية الحكم بغير ما أنزل وحتى قال حذيفة انما يفتى الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن أو امرؤ لا يجد بدأ أو أحمق متكلف.
وفى الروضة البهية (١): أنه اذا تحققت فى المفتى الصفات التى يجب توافرها وجب على الناس الترافع اليه وقبول قوله والتزام حكمه لأنه مغصوب من الامام ﵇ على العموم بقوله: أنظروا الى رجل منكم قد روى حديثنا وعرف أحكامنا فأجعلوه قاضيا، فانى قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه وفى بعض الأخبار فلترضوا به حاكما فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما بحكم الله استخف وعلينا رد، والراد علينا راد على الله، وهو على حد الشرك بالله فمن عدل عنه الى قضاة الجور كان عاصيا فاسقا لأن ذلك كبيرة عندنا ففى مقبول عمر بن حنظلة، من تحاكم الى طاغوت فحكم له فانما يأخذ سحتا، وان كان حقه ثابتا لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر بها ومثله كثيرا.
وفى طلعة الشمس (٢): أن من التابعين من كان يفتى ومنهم من كان يقبل ومنهم من يقرر وظهر عنهم الأمر بالاستفتاء والفتيا هذا هو العمدة فى جواز الفتيا قال وهو أظهر أمر فى الاجماع، وفى موضع آخر (٣): تحدث عن افتاء العامى بقول امامه فقال يجوز لضعيف العلم حكاية قول العالم فى الأحكام بلا خلاف بين العلماء لأن ذلك ضرب من الأخبار ولا خلاف فى صحته عند الضبط والاتقان ولكن الخلاف فى جواز افتائه بقول العالم الذى أخذ عنه تلك الفتيا وذلك بأن يسوق الكلام مساق الجزم بالحكم فيقول هذا حلال وهذا حرام مثل فقيل بجواز ذلك مطلقا واشترط بعضهم فى هذا القول أن يكون المفتى انما يفتى بنص قول امامه وقيل لا يجوز مطلقا لأنه ليس أهلا للافتاء وقيل ان كان مطلعا على مأخذ امامه جاز له ذلك وصح له التخريج على مذهب امامه وقيل انما يجوز للمخرج الافتاء بتخريجه عند عدم المجتهد لا مع وجوده فى تلك الناحية اذ لا يجوز العمل بالأضعف مع امكان الأقوى.
والصحيح أن فتوى الضعيف بنص عبارة المفتى جائزة فى غيبة المفتى وفى حضرته عرف عدلها أو لم يعرف اذا كان واثقا بمن أخذ عنه لأن ذلك ليس بأشد من علمه فاذا جاز له أن يعمل بقول المفتى جاز له أن يفتى به اذ لا فرق بينهما أما الفتوى بالتخريج من مذهب المفتى فلا تصح الا من المطلع على المأخذ العارف بالأدلة ومواردها اذ لا يكون التخريج الا لمن يكون من أهل النظر فمن كان من أهل النظر والاستدلال جاز له التخريج على مذهب العالم وهو مذهب الامام الكدمى وجمهور المشارقة والمغاربة حلافا لمن منع ذلك والله أعلم.
انبناء الفتوى على الاستفتاء دون تحقيق الوقائع:
جاء فى حاشية ابن عابدين (٤): شرط بعض الفقهاء أن يكون المفتى متيقظا احترازا عمن غلب عليه الغفلة والسهو وهذا شرط لازم فى زماننا فان العادة اليوم أن من صار بيده فتوى المفتى استطال على خصمه وقهره بمجرد قوله
стр. 5954
أفتانى المفتى بأن الحق معى والخصم جاهل لا يدرى ما فى الفتوى فلا بد أن يكون المفتى متيقظا يعلم حيل الناس ودسائسهم فاذا جاءه السائل يقرره من لسانه ولا يقول له ان كان كذا فالحق معك وان كان كذا فالحق مع خصمك لأنه يختار لنفسه ما ينفعه ولا يعجز عن اثباته بشاهدى زور بل الأحسن أن يجمع بينه وبين خصمه فاذا ظهر له الحق مع أحدهما كتب الفتوى لصاحب الحق والتحرز من الوكلاء فى الخصومات فان احدهم لا يرضى الا باثبات دعواه بأى وجه أمكن ولهم مهارة فى الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل بصورة الحق فاذا أخذ الفتوى قهر خصمه ووصل الى غرضه الفاسد فلا يحل للمفتى أن يعينه على ضلاله وقد قالوا من جهل بأهل زمانه فهو جاهل.
وقد يسأل عن أمر شرعى وتدل القرائن للمفتى المتيقظ أن مراده التوصل به الى غرض فاسد كما شهدناه كثيرا والحاصل أن غفلة المفتى يلزم منها ضرر عظيم فى هذا الزمان والله تعالى المستعان.
وفى البحر الرائق (١): ليكن المفتى متنزها عن خوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن حسن التصرف ويحرم عليه التساهل فى الفتوى واتباع الحيل ان فسدت الأغراض، وان سئل عن (٢) الاخوة فصل فى جوابه ابن الأبوين أو لأب أو لأم وان كان فى الفريضة عول قال الثمن عائلا وان كان فى الورثة من يسقط بحال دون حال بينه ويكتب تحت الفتوى الصحيحة ان عرف أنها لأهل الجواب صحيح ونحوه وله أن يجيب ان رأى ذلك ويختصر وان جهل حاله فان لم يظهر له فله أمره بابدالها فان تعسر أجاب بلسانه ولا يجوز له الافتاء بالقول المهجور ولجر منفعة ولا يرجو عليه دينا ويقرأ المسألة بالبصيرة مرة بعد مرة حتى يتضح له السؤال ثم يجيب واذا لم يتضح السؤال سأل عن المستفتى.
وفى الفروق للقرافى (٣): كل شئ أفتى فيه لمجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الاجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلى السالم عن المعارض الراجح لا يجوز للمقلد أن ينقله للناس ولا يفتى به فى دين الله تعالى فان هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه وما لا نقره شرعا بعد تقرره بحكم الحاكم أولى لا تقره شرعا اذا لم يتأكد وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعا والفتيا بغير شرع حرام فالفتيا بهذا الحكم حرام.
وفى الحطاب (٤): لا يجوز للمفتى أن يتساهل فى الفتوى ومن عرف بذلك لم يجز ان يستفتى والتساهل قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالفتوى أو الحكم قبل استيفاء حقه من النظر والفكر وربما يحمله على ذلك توهمه أن الاسراع براعة والابطاء عجز ولأن يبطئ ولا يخطئ بخطئ أجمل به من أن يعجل فيضل ويضل.
وقد يكون تساهله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة أو المكروهة بالتمسك بالشبه طلبا للحرص على من يروم نفعه أو التغليظ على من يروم ضره.
قال ابن الصلاح ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه قال وأما اذا صح قصد المفتى واحتسب فى طلبه حيلة لا شبهة وفيها لا تجر الى مفسدة ليخلص بها المفتى من ورطة يمين أو نحوها فذلك حسن جميل.
وقال القرافى اذا كان فى المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تسهيل فلا ينبغى للمفتى
стр. 5955
أن يفتى العامة بالتشديد والخواص وولاة الأمور بالتخفيف وذلك قريب من الفسوق والخيانة فى الدين والتلاعب بالمسلمين وذلك فراغ القلب من تعظيم الله تعالى واجلاله وتقواه وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقرب الى الخلق دون الخالق نعوذ بالله من صفات الغافلين والحاكم كالمفتى فى هذا.
وفى المجموع (١): أنه يحرم التساهل فى الفتوى ومن عرف به حرم استفتاؤه فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع فى الفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر فان تقدمت معرفته بالمسئول عنه فلا بأس بالمبادرة وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضيين من مبادرة ومن التساهل أن يحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره.
وأما من صح قصده فاحتسب فى طلب حيلة لا شبهة فيها للتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا لقول سفيان انما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد ومن الحيل التى فيها شبهة ويذم فاعلها الحيلة السريجية فى سد باب الطلاق.
وفى المجموع (٢) أيضا: أنه لا يجوز أن يفتى فى الايمان والاقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ الا أن يكن من أهل بلد اللافظ أو متنزلا منزلتهم فى الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها.
وجاء فى موضع آخر (٣): أنه ليس للمفتى أن يكتب الجواب على ما عمله من صورة الواقعة اذا لم يكن فى الوقعة تعرض له بل يكتب جواب ما فى الوقعة فان أراد جواب ما ليس فيها فليقل ان كان الأمر كذا فجوابه كذا واستحب العلماء أن يزيد على ما فى الوقعة ماله تعلق بها مما يحتاج اليه السائل لحديث «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ليتأمل (٤) الوقعة تأملا شافيا وآخرها أكد أن السؤال فى آخرها وقد يتقيد الجمع بكلمة فى آخرها ويغفل عنها:
قال الصيمرى قال بعض العلماء ينبغى أن يكون توقفه فى المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده وكان محمد بن الحسن يفعله واذا وجد كلمة مشتبهة سأل المستفتى عنها ونقلها وشكلها وكذا ان وجد لحنا فاحشا أو خطأ يحمل المعنى أصلحه وان رأى بياضا فى أثناء سطر أو آخره خط عليه أو شغله لأنه ربما قصد المستفتى به الايذاء فى البياض بعد فتواه ما يفسدها كما يلى به القاضى أبو حامد المروزى ثم قال فى موضع آخر (٥): اذا ظهر للمفتى أن الجواب خلاف غرض المستفتى وأنه لا يرضى بكتابته فى ورقته فليقتصر على مشافهته بالجواب وليحذر أن يميل فى فتواه مع المستفتى أو خصمه.
ووجوه الميل كثيرة لا تخفى ومنها أن يكتب فى جوابه ما هو له ويتحرك ما عليه وليس له أن يبدأ فى مسائل الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها.
واذا سألهم أحدهم وقال بأى شئ تندفع دعوى كذا وكذا أو بينة كذا وكذا ولم يجبه كيلا يتوصل بذلك الى ابطال حق وله أن يسأل عن حاله فيما أدعى عليه فاذا شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع.
قال الصيمرى وينبغى للمفتى اذا رأى للسائل طريقا يرشده اليه أن ينبهه عليه يعنى ما لم يضر
стр. 5956
غيره ضررا بغير حق قال كمن حلف لا ينفق على زوجته شهرا يقول يعطيها من صداقها أو قرضا أو بيعا ثم يبريها.
كما حكى أن رجلا قال لأبى حنيفة رحمه الله تعالى، حلفت أنى أطأ امرأتى فى نهار رمضان ولا أكثر ولا أعصى فقال سافر بها، ثم قال (١): انه اذا لم يفهم المفتى السؤال أصلا ولم يحضر صاحب الواقعة فقال الصيمرى يكتب يزاد فى الشرح ليجيب عنه أو لم أفهم ما فيها فأجيب قال وقال بعضهم لا يكتب شيئا أصلا قال ورأيت بعضهم كتب فى هذا يحضر السائل لتخاطبه شفاها.
وقال الخطيب ينبغى له اذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتى الى مفت آخر ان كان والا فليمسك حتى يعلم الجواب.
قال الصيمرى واذا كان فى رقعة الاستفتاء مسائل فهم بعضها دون بعض أو فهمها كلها ولم يرد الجواب فى بعضها أو احتاج فى بعضها الى تأمل أو مطالعة أجاب على ما أراد وسكت عن الباقى وقال لنا فى الباقى نظرا وتأمل أو زيادة نظر.
ثم قال (٢): قال الصيمرى وأبو عمر: اذا سئل عن ميراث فليست العادة أن يشترط فى الورثة عدم الرق والكفر والقتل وغيرها من موانع الميراث بل المطلق محمول على ذلك بخلاف ما اذا أطلق الأخوة والأخوات والأعمام وبنيهم فلا بد أن يقول فى الجواب من أب وأم أو من أب أو من أم.
واذا سئل عن مسألة عول كالمنبرية وهى زوجة وأبوان وبنتان فلا يقل للزوجة الثمن ولا التسع لأنه لم يطلقه أحد من السلف بل يقل لها الثمن عائلا وهى ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين أولها ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين أو يقول ما قاله أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه صار ثمنها تسعا.
واذا كان فى المذكورين فى رقعة الاستفتاء من لا يرث أفصح بسقوطه فقال وسقط فلان وان كان سقوطه فى حال دون حال قال وسقط فلان فى هذه الصورة أو نحو ذلك لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال واذا سئل عن اخوة وأخوات أو بنين وبنات فلا ينبغى أن يقول للذكر مثل حظ الانثيين فان ذلك قد شكل على العامى بها يقول يقتسمون التركة على كذا وكذا سهما لكل ذكر كذا وكذا سهما ولكل أنثى كذا وكذا سهما.
قال الصيمرى قال الشيخ ونحن نجد فى تعمد العدل عن حزازة فى النفس لكونه لفظ القرآن العزيز وأنه أقل ما يخفى معناه على أحد وينبغى أن يكون فى جواب مسائل المناسخات شديد التحرز والتحفظ وليقل فيها لفلان كذا وكذا ميراثه عن أبيه ثم من أمه ثم من أخيه قال الصيمرى وكان بعضهم يختار أن يقول لفلان كذا وكذا سهما ميراثه عن أبيه كذا وعن أمه كذا وعن أخيه كذا وقل وكان هذا قريب قال الصيمرى وغيره حسن أن يقول تقسم التركة بعد اخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية ان كانا.
وجاء فى موضع آخر (٣): قال الصيمرى والخطيب رحمهم الله تعالى.
واذا سئل فقيه عن مسألة من تفسير القرآن العزيز فان كانت متعلقة بالأحكام أجاب عنها وكتب خطه بذلك كمن سئل عن الصلاة الوسطى والقرء ومن بيده عقدة النكاح وان كانت ليست من مسائل الأحكام كالسؤال عن الرقيم والنقير
стр. 5957
والقطمير والغسلين رده الى أهله ووكله الى من نصب نفسه له من أهل التفسير ولو أجاب شفاها لم يستقبح هذا كلام الصيمرى والخطيب ولو قيل أنه يحسن كتابته للفقيه العارف به لكان حسنا أى وفرق بينه وبين مسائل الأحكام، وجاء فى موضع (١) آخر.
ليس بمنكر أن يذكر المفتى فى فتواه الحجة اذا كانت نصا واضحا مختصرا قال الصيمرى لا يذكر الحجة ان أفتى عاميا ويذكرها ان أفتى فقيها كمن يسأل عن النكاح بلا ولى فحسن أن يقول قال رسول الله ﷺ «لا نكاح الا بولى» أو عن رجعة المطلقة بعد الدخول فيقول له رجعتها قال الله ﵎ «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ٢» قال ولم تجر العادة أن يذكر فى فتواه طريق الاجتهاد ووجهة القياس والاستدلال الا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاض فيومئ فيها الى طريق الاجتهاد ويلوح بالنكتة وكذا اذا أفتى غيره فيها بغلط فيفعل ذلك لينبه على ما ذهب اليه ولو كان فيما يفتى به غموض فحسن أن يلوح بحجته وقال صاحب الحاوى لا يذكر حجة ليفرق بين الفتيا والتصنيف قال ولو ساغ التجاوز الى قليل لساغ الى كثير ولصار المفتى مدرسا.
والتفصيل الذى ذكرناه أولى من اطلاق صاحب الحاوى المنع: وقد يحتاج المفتى فى بعض الوقائع الى أن يشدد ويبالغ فيقول وهذا اجماع المسلمين أولا أعلم فى هذا خلافا أو فمن خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب أو فقد أثم وفسق أو على ولى الأمر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الأمر وما أشبه هذه الألفاظ على حسب ما تقتيضيه المصلحة وتوجيه الحال، وجاء فى المجموع (٣).
وقال الصيمرى اذا رأى المفتى المصلحة أن يفتى العامى بما فيه تغليظ وهو مما لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز ذلك زجرا له كما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه سئل عن توبة القاتل فقال لا توبة له وسأله آخر فقال له توبة فقال اما الأول فرأيت فى عينه ارادة القتل فمنعته وأما الثانى فجاء مستكينا قد قتل فلم أقنطه:
قال الصيمرى وكذا أن سأله رجل فقال ان قتلت عبدى هل على قصاص فواسع أن يقول ان قتلت عبدك قتلناك فقد روى عن رسول الله ﷺ «من قتل عبده قتلناه» ولأن القتل له معان قال ولو سئل عن سب الصحابى هل يوجب القتل فواسع أن يقول روى عن رسول الله ﷺ أنه قال من سب أصحابى فاقتلوه فيفعل كل هذا زجرا للعامة ومن قل دينه ومروءته، وجاء فى موضع آخر (٤).
قال الصيمرى والخطيب اذا سئل عمن قال انا أصدق من محمد بن عبد الله أو الصلاة لعب وشبه ذلك فلا يبادر لقوله هذا حلال الدم أو عليه القتل بل يقول ان صح هذا باقراره أو بالبينة استتابه السلطان فان تاب قبلت توبته وان لم يتب فعل به كذا وكذا وبالغ فى ذلك وأشبعه قال وان سئل عمن تكلم بشئ ويحتمل وجوها يكفر ببعضها دون بعض قال يسأل هذا القائل فان قال أردت كذا فالجواب كذا وان سئل عمن قتل أو قلع عينا أو غيرها احتاط بذكر الشروط التى يجب بجميعها القصاص. وان سئل فعل ما يوجب التعزير ذكر ما يعزر به فيقول يضربه السلطان. كذا وكذا ولا يزاد على كذا.
هذا كلام الصيمرى والخطيب وغيرهما.
قال أبو عمر ولو كتب عليه القصاص أو التعزيز
стр. 5958
بشرط فليس ذلك باطلاق بل تقييده بشرطه يحمل الوالى على السؤال على شرطه والبيان أولى.
وفى الاقناع (١) أنه يحرم الحكم والفتيا بالهوى اجماعا وليحدر المفتى أن يميل فى فتياه مع المستفتى أو مع خصمه، مثل أن يكتب فى جوابه ما هو له دون أن يكتب ما هو عليه ونحو ذلك وليس له أن يبتدئ فى مسائل الدعاوى والبينات بذكر وجوه المخالص منها وان سأله بأى شئ تندفع دعوى كذا وكذا.
وبينة كذا وكذا لم يجب لئلا يتوصل بذلك الى أبطال حق، وله أن يسأله عن حاله فيما ادعى عليه فاذا شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع، ويحرم الحكم والفتيا بقول أو وجه من غير نظر فى الترجيح اجماعا ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه اجماعا قاله الشيخ.
ولا يشترط كون القاضى كاتبا أو ورعا أو زاهدا أو يقظا أو مثبتا للقياس أو حسن الخلق والأولى كونه كذلك - قال الشيخ: الولاية لها ركنان القوة والأمانة.
فالقوة فى الحكم ترجع الى العلم بالعدل وتنفيذ الحكم.
والأمانة ترجع الى خشية الله (٢).
ثم قال ويلزم المفتى تكرير النظر عند تكرار الواقعة وان حدث ما لا قول فيه - تكلم فيه حاكم ومجتهد ومضت وينبغى له أن يشاور من عنده ممن يثق بعلمه الا أن يكون فى ذلك افشاء سر السائل أو تعرضه للأذى أو مفسدة لبعض الحاضرين.
وحقيق أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح، ولا يجوز أن يلقى السائل فى الحيرة مثل أن يقول فى مسألة الفرائض تقسم على فرائض الله، أو يقول فيها قولان ونحوه بل يبين بيانا مزيلا للاشكال لكن ليس عليه أن يذكر المانع فى الميراث من الكفر وغيره وكذلك فى بقية العقود من الاجارة والنكاح وغير ذلك فلا يجب أن يذكر الجنون والاكراه ونحو ذلك.
والعامى يخير فى فتواه فيقول مذهب فلان كذا ويقلد العامى من عرفه عالما عدلا أو رآه منتصبا معظما ولا يقلد من عرفه جاهلا عند العلماء ويكفيه قوله عدل خبير.
قال ابن عقيل يجب سؤال أهل الفقه والخبر فان جهل عدالته لم يجز تقليده، ويقلد ميتا وهو كالاجماع فى هذه الأعصار وقبلها.
وفى الأحكام (٣) لابن حزم: قال واذا سئل العالم عن مسألة فأعيته أو نزلت به نازلة فأعيته فانه يلزمه أن يسأل الرواة عن أقوال العلماء.
فى تلك المسألة النازلة ثم يعرض تلك الأقوال على كتاب الله تعالى وكلام النبى ﷺ كما أمره الله تعالى بقوله: «وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ ٤ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» وإذ يقول الله «وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ٥ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ» وقول الله ﵎ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ٦ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً» فمن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليرد ما اختلف فيه من الدين إلى القرآن والسنة الواردة عن النبى ﷺ ولا يرد ذلك إلى رجل من المسلمين لم يؤمر بالرد اليه وفى الروض النضير (٧): يجب أن يكون
стр. 5959
الحاكم والمفتى مجتهدا بالفعل فى أشخاص مسائل الاستفتاء وفصل الخصومات.
ولا يكفى مجرد تمكنه من الاجتهاد فيها لأن الحكم والافتاء أخبار عما علمه الحاكم.
والمفتى من حكم الله وظنه والأخبار عن الله لا عن دليل ولا امارة افتراء على الله وقد قال الله ﵎ «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً ١ أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ»﴾.
ولا يخفى أن أول مطلوب فى أى حكم هو الاستناد الى العلم سواء كان من الكتاب أو من السنة فالعلم به ضرورى (٢)، وجاء أجرؤكم عن الفتيا أجرؤكم على النار فلا بد أن يكون المنصوب للفتيا مجتهدا بالفعل فى كثير من الأحكام فيجب أن يكون له كمال أهلية الاجتهاد وكمال الممارسة لموارد الأدلة لاشتراط قراءته للقرآن وفقه وأن يكون قد ظهر وتبين كمال اجتهاده الفعلى فى كثير من الأحكام ليتحقق كمال الأهلية لأن المطلوب من الانتصاب للفتيا هو بيان الأحكام الشرعية وغير الممارس وان كانت ملكته قوية يكاد أن يخفى عليه ما هو المتعين للاستناد اليه من الأدلة المعارضة لما استند اليه من تقدمه فى النظر فى دليل الحكم لجواز وجود مخصص للعام أو مقيد للمطلق ونحو ذلك.
وهذا القدر يعترف به كل من جود النظر وكان كامل الأهلية عالى الهمة يقظان ولا يكفى كونه أصوليا وهو المعبر عنه بالمتمكن من الاجتهاد، لأن مجرد تحصيل الأدلة بدون استعمال لها غير مغن لكثرة خطأ غير الممارس أى صناعة كانت كما ذلك معلوم ولا بد أن يكون مستعينا بكثرة الممارسة للفروع المدونة بجميع فتاوى السلف وأقوال العلماء من الخلف وان كان ذلك غير شرط فى الاجتهاد لأنه يزيد المنتصب للفتيا كمالا وثباتا.
وفى الروضة البهية (٣).
لا بد أن يكون للمفتى قوة يتمكن لها من رد الفروع الى أصولها واستنباطها منها وهذه هى العمدة فى هذا الباب وتلك القوة بيد الله يؤتيها من يشاء من عباده على وفق حكمته ومراده.
ولكثرة المجاهدة والممارسة لأهلها مدخل عظيم فى تحصيلها قال الله ﵎ «وَالَّذِينَ جاهَدُوا ٤» فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ»﴾.
ثم قال فى الروضة (٥) البهية: ولا بد للمفتى من الاجتهاد فى الأحكام الشرعية وأصولها ويتحقق بمعرفة المقدمات الست وهى الكلام والأصول والنحو والتصريف ولغة العرب وشرائط الأدلة والأصول الأربعة وهى الكتاب والسنة والاجماع ودليل العقل.
وفى طلعة الشمس (٦): يلزم المجتهد أن ينظر فى الأدلة ويستخرج حكم القضية فى حالتين:
احداهما اذا سأله سائل عن رأيه فى تلك القضية وكان السئل محتاجا للعمل فيها.
والحالة الأخرى ما اذا شاء المجتهد أن يعمل فى شئ مما يصح الخلاف فيه فانه يلزمه أن ينظر فى أقوى الامارات ويأخذ بمقتضى أرجحهما فان تعارضت معه الأدلة ولم يمكنه الترجيح وجب عليه الوقوف ويلتمس الأرجح ان رجى حصوله فان غلب فى ظنه عدم وجود الأرجح فقيل يطرحها جميعا.
стр. 5960
ويرجع فى تلك الحادثة الى حكم العقل هذا قول محققى المعتزلة وقيل بل ويقلد الأعلم ان كان عنده غيره أعلم منه فى العلوم كلها الفن الذى تلك الحادثة منه.
وقيل يتخير واحدا من الأدلة فيعمل به وقد مر بيان ذلك فى بيان التراجيح والصحيح أنه يكون فى تلك القضية بمنزلة الجاهل فيجب عليه اذا شاء العمل أن يأخذ بقول غيره فيها كما يجب ذلك على الضعيف ويلزم المجتهد البحث فيما استدل به عن ناسخه ومخصصه أى ان كان نصا لم يستدل به حتى يعلم أو يظن أنه غير منسوخ ولا متأول بتأويل يخالف ظاهره وان كان عموما فيبحث عن كونه مخصصا أم غير مخصص.
وحكى عن الصيرفى أنه لا يجب البحث عن ذلك بل يستغنى بما حضر فى ذهنه قال صاحب المنهاج واذا وجب البحث فاعلم أنه ليس يجب عليه استقصاء الأخبار بل يكفى البحث فى كتاب جامع لأخبار الأحكام.
وجملة الأمر ان البحث على وجهين.
أحدهما: أن يوجب عليه استقصاء الأخبار الواردة عن رسول الله ﷺ حتى يعلم أو يظن انه لم يبق شئ مما روى عنه الا وقد أطلع عليه فلم يجد فيها ما يخصص دليله أو ينسخه والتكليف بذلك شاق غاية المشقة.
بل لو قيل متعذر لم يبعد لكثرة الرواية عنه ﷺ والرواة حتى خرجت كثرة ذلك عن حد الضبط فى تصحيح الرواية بالتعديل للرواة والنظر فى المجروح والمعدل ومعرفة أحوالهم.
قال وهذا الوجه لم يوجبه أهل التحقيق من علماء الأصول والفروع الى أن قال والوجه الثانى أنه لا يجب عليه البحث الا فيما قد ظهر تصحيحه الى أن قال ثم أنه لا يجب عليه البحث فيما عدا الآيات والأخبار الواردة فى الأحكام الخمسة وقد جمعها أهل الحديث فى كتب منفردة وزعموا أنهم قد استقصوا فيها ما يتعلق بالأحكام حتى لم يبق شئ يدل بمنطوقه ولا مفهومه على حكم شرعى الا وقد ذكروه فيما أفردوه للأحكام.
فحينئذ لا يلزم البحث فى غيرها لأن أخبارهم مثلا بأن هذا الكتاب قد أحاط بأخبار الأحكام يفيد الظن القوى لظهور عدالتهم واطلاعهم.
وحينئذ لا يجب على المجتهد البحث عن المعارض فى النصوص بل اذا قال مصنف الكتاب أنه قد أورد فى كل باب ما يتعلق به من الأخبار لم يلزمه البحث الا فى ذلك الباب لا فى غيره من أبواب ذلك الكتاب.
فى ظنه ان غلب فى ظنه صحة ما ادعاه وذلك حيث لا يكون للمسألة تعلق ببابين أو ثلاثة فان تعلقت كذلك بحث فى كل باب لها به تعلق فهذا هو الذى يلزم المجتهد البحث فيه من الأخبار.
قال واما اذا استدل بالقياس فتعارضت عليه الأشباه فالواجب عليه أن لا يبحث عن كل ما يجوز تعلق ذلك الفرع به من الأصول حيث كان له شبه بأصول متعددة أو تعارضت العلل التى يحتمل التعليق بها فيرجع الى التراجيح بين الأشباه فما حصلت فيه أغلبية الشبه عمل بها.
وكذلك فى ترجيح العلل يعمل به حتى يرجح ما يختاره فهذا هو الذى يلزم المجتهد فى اجتهاده هذا كلامه مع حذف بعضه وهو ظاهر الحسن.
واعلم أنه اذا تكررت الواقعة من المسائل الاجتهادية وكان قد اجتهد فيها وأداه نظره فيها الى حكم لم يلزمه عند تكررها تكرير النظر فى وجه استنباطه بل يكفيه النظر الأول اذا كان ذاكرا لما كان قضى به رأيه فيها.
وقال صاحب الملل والنحل بل يلزمه تكرير النظر لأنه يجوز أن يؤديه نظره الثانى الى أقوى من اجتهاده الأول بخلاف المسائل العلمية.
стр. 5961
وطريق العلم لا يختلف فلا يلزمه اعادة النظر فيها.
ورد بأنه قد اجتهد فيها الاجتهاد الأول والأصل عدم أمر آخر يقتضى بطلان الاجتهاد الأول فيبقى عليه قال صاحب المنهاج.
ويؤيد ذلك ان من تحرى القبلة فى مسجد أو غيره فأداه تجزيه الى جهة أنه لا يلزمه اعادة التحرى لكل صلاة يؤديها فى ذلك المكان بل يكفيه التحرى الأول وهو نوع من الاجتهاد فيلزم مثله فى سائر الاجتهادات والله أعلم.
هل الفتوى يلزم العمل بها:
قال ابن عابدين (١) فى حاشيته على البحر:
المفتى على مذهب اذا افتى يكون الشئ كذا على مذهب امام ليس له أن يقلد غيره ويفتى بخلافه لأنه محض تشه وقال أيضا أنه بالتزامه مذهب امام يكلف به ما لم يظهر له غيره والمقلد لا يظهر له. هـ. قلت وفى التحرير لابن الهمام مسألة لا يرجع فيما قلد فيه أى عمل به اتفاقا وهل يقلد غيره فى غيره المختار نعم للقطع بأنهم كانوا يستفتون مرة واحدا ومرة غيره غير ملتزمين مفتيا واحدا فلو التزم مذهبا معينا كأبى حنيفة والشافعى فهى يلزمه الاستمرار عليه.
فقيل نعم وقيل لا وقيل كمن لم يلتزم أن عمل بحكم تقليدا لا يرجع عنه وفى غيره له تقليد غيره وهو الغالب على الظن لعدم ما يوجبه شرعا ويتخرج منه جواز اتباعه للرخص.
ولا يمنع منه مانع شرعى اذ للانسان أن يسلك الأخف عليه اذا كان له اليه سبيل بأن لم يكن عمل بالآخر فيه، وفى فتح القدير:
قد استقر رأى الأصوليين على أن المفتى هو المجتهد وأما غير المجتهد فمن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفت والواجب عليه اذا سئل ان يذكر قول المجتهد كأبى حنيفة على جهة الحكاية فعرف ان ما يكون فى زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى بل هو نقل كلام المفتى ليأخذ به المستفتى وطريق نقله كذلك عن المجتهد أحد أمرين اما أن يكون له فيه سند اليه أو يأخذه من كتاب معروف تداولته الأيدى نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها من التصانيف المشهورة للمجتهدين لأنه بمنزلة الخبر المتواتر عنهم أو المشهور هكذا.
ذكر الرازى فلو كان حافظا للأقاويل المختلفة للمجتهدين ولا يعرف الحجة ولا قدرة له على الاجتهاد للترجيح لا يقطع بقول منها يفتى به بل يحيكها للمستفتى فيختار المستفتى ما يقع فى قلبه أنه الأصوب ذكره فى بعض الجوامع وعندى انه لا يجب عليه حكاية كلها بل يكفيه أن يحكى قولا منها فان المقلد له أن يقلد أى مجتهد شاء فاذا ذكر أحدها فقلده حصل المقصود.
نعم لا يقطع عليه فيقول جواب مسألتك كذا بل يقول قال أبو حنيفة حكم هذا كذا نعم لو حكى الكل فالأخذ بما يقع فى قلبه أنه الأصوب أولى والعامى لا عبرة بما يقع فى قلبه من صواب الحكم وخطئه وعلى هذا اذا استفتى فقيهين أعنى مجتهدين فاختلفا عليه الأولى ان يأخذ بما يميل اليه قلبه منهما وعندى أنه لو أخذ بقول الذى لا يميل اليه قلبه جاز لأن ميله وعدمه سواء والواجب عليه تقليد مجتهد وقد فعل، وفى الدر المختار وحاشية ابن عابدين (٢) عليه: ان الأصح كما فى السراجية وغيرها ان يفتى بقول الامام على الاطلاق ثم بقول الثانى ثم بقول الثالث ثم بقول زفر والحسن بن زياد وصحح فى الحادى القدسى قوة المدرك وقال ابن عابدين: قد جعل
стр. 5962
العلماء الفتوى على قول الامام الأعظم فى العبادات مطلقا وهو الواقع بالاستقراء ما لم يكن عنه رواية كقول المخالف كما فى طهارة الماء المستعمل والتيمم فقط عند عدم غير نبيد التمر كذا فى شرح المنية الكبير للحلبى فى بحث التيمم وقد صرحوا بأن الفتوى على قول محمد فى جميع مسائل ذوى الأرحام وفى قضاء الأشباه والنظائر الفتوى على قول أبى يوسف فيما يتعلق بالقضاء كما فى القنية والبزازية. أى لحصول زيادة العلم له به بالتجربة ولذا رجع أبو حنيفة عن القول بأن الصدقة أفضل من حج التطوع.
لما حج وعرف مشقته وفى شرح البيرى أن الفتوى على قول أبى يوسف أيضا فى الشهادات وعلى قول زفر فى سبع عشرة مسئلة حررتها فى رسالة.
وينبغى أن يكون هذا عند عدم ذكر أهل المتون للتصحيح والا فالحكم بما فى المتون.
كما لا يخفى لأنها صارت متواترة. واذا كان فى مسألة قياس واستحسان فالعمل على الاستحسان الا فى مسائل معدودة مشهورة.
وفى باب قضاء الفوائت من البحر المسألة اذا لم تذكر فى ظاهر الرواية وثبتت فى رواية أخرى تعين المصير اليها أهـ.
وفى آخر المستصفى للامام النسفى اذا ذكر فى المسألة ثلاثة أقوال فالراجح هو الأول أو الأخير لا الوسط أهـ.
وفى شرح المنية ولا ينبغى أن يعدل عن الدراية اذا وافقتها رواية أهـ ذكره فى واجبات الصلاة فى معرض ترجيح رواية وجوب الرفع من الركوع والسجود للأدلة الواردة.
مع أنها خلاف الرواية المشهورة عن الامام، وفى وقف البحر وغيره متى كان فى المسألة قولان مصححان جاز القضاء والافتاء بأحدهما.
وفى أول المضمرات أما العلامات للافتاء فقوله وعليه الفتوى وبه يفتى وبه نأخذ وعليه الاعتماد وعليه عمل اليوم وعليه عمل الأمة وهو الصحيح أو الأصح والأظهر أو الأشبه أو الأوجه أو المختار ونحوها مما ذكر فى حاشية البزدوى أهـ قال ابن عابدين قوله وفى وقف البحر - الخ هذا محمول على ما اذا لم يكن لفظ التصحيح فى أحدهما أكد من الآخر فلا يخبر بل يتبع الآكد.
وينبغى تقييد التخيير أيضا بما اذا لم يكن أحد القولين فى المتون لما قدمناه آنفا عن البيرى.
ولما فى قضاء الفوائت من البحر من أنه اذا اختلف التصحيح والفتوى فالعمل به وافق المتون أولى وكذا لو كان أحدهما فى الشروح والآخر فى الفتاوى لما صرحوا به من أن ما فى المتون مقدم على ما فى الشروح وما فى الشروح مقدم على ما فى الفتاوى لكن هذا عند التصريح بتصحيح كل من القولين أو عدم التصريح أصلا.
أما لو ذكرت مسألة فى المتون ولم يصرحوا بتصحيحها بل صرحوا بتصحيح مقابلها فقد أفاد العلامة قاسم ترجيح الثانى لأنه تصحيح صريح وما فى المتون تصحيح التزامى والتصحيح الصريح مقدم على التصحيح الالتزامى أى التزام المتون ذكر ما هو الصحيح فى المذهب وكذا لا تخيير لو كان أحدهما قول الامام والآخر قول غيره لأنه لما تعارض التصحيحان تساقطا فرجعنا الى الأصل وهو تقديم قول الامام بل فى شهادات الفتاوى الخيرية المقرر عندنا أنه لا يفتى ويعمل الا بقول الامام الأعظم ولا يعدل عنه الى قولهما أو قول أحدهما أو غيرهما الا لضرورة لمسألة المزارعة.
وأن صرح المشايخ بأن الفتوى على قولهما لأنه صاحب المذهب والامام للقدم ومثله فى البحر عند الكلام على أوقات الصلاة.
وفيه من كتاب القضاء يحل الافتاء بقول الامام بل يجب وان لم يعلم من أين قال، وكذا لو عللوا أحدهما دون الآخر.
стр. 5963
كان التعليل ترجيحا للمعلل كما أفاده الرملى فى فتاواه من كتاب الغصب.
وكذا لو كان أحدهما استحسانا والآخر قياسا لأن الأصل تقديم الاستحسان الا فيما استثنى كما قدمناه.
فيرجع اليه عند التعارض، وكذا لو كان أحدهما ظاهر الرواية وبه صرح فى كتاب الرضاع من البحر حيث قال فى الفتوى اذا اختلفت كان الترجيح الظاهر الرواية وفيه من باب المعرف - اذا اختلف التصحيح وجب الفحص عن ظاهر الرواية والرجوع اليها وكذا لو كان أحدهما أنفع للوقف لما سيأتى فى الوقف - والاجارات أنه يفتى بكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء به.
وكذا لو كان أحدهما قول الأكثرين لما قدمناه عن الحاوى والحاصل أنه اذا كان أحد القولين مرجح على الآخر فيبقى فيه زيادة قوة لم توجد فى الآخر.
هذا ما ظهر لى من فيض الفتاح العليم.
وقال فى الدر المختار (١): أنه اذا تعارض أمامان معتبران عبر أحدهما بالصحيح والآخر بالأصح فالأخذ بالصحيح أولى لأنهما اتفقا على أنه صحيح والأخذ بالمتفق أوفق فليحفظ ثم رأيت فى رسالة آداب المفتى اذ زيلت رواية فى كتاب معتمد بالأصح أو الأولى أو الأوفق أو نحوها فله أن يفتى بها ويخالفها أيضا ايا شاء واذا ذيلت بالصحيح أو المأخوذ به أو به يفتى أو عليه الفتوى لم يفت بمخالفه الا اذا كان فى الهداية مثلا هو الصحيح فى الكافى بمخالفه هو الصحيح فيخير فيختار الأقوى عنده والألبق والأصلح.
فليحفظ وحاصل ما ذكره الشيخ قاسم فى تصحيحه أنه لا فرق بين المفتى والقاضى الا أن المفتى مخبر عن الحكم والقاضى ملزم به - أى الحكم والفتيا.
ولا يجوز العمل بالضعيف حتى لنفسه عندنا، وفى حكم التقليد والرجوع عنه بالقول المرجوح جهل وخرق للاجماع وأن الحكم الملفق باطل بالاجماع قال ابن عابدين قوله وان الحكم والفتيا الى آخره قال وكذا العمل به لنفسه.
قال العلامة الشرنبلالى فى رسالته العقد الفريد فى جواز التقليد مقتضى مذهب الشافعى كما قاله السبكى منع العمل بالقول المرجوح فى القضاء والافتاء دون العمل لنفسه.
ومذهب الحنفية المنع عن المرجوح حتى لنفسه لكون المرجوح صار منسوخا فليحفظ وقيده البيرى بالعامى أى الذى لا رأى له يعرف به معنى النصوص حيث قال هل يجوز للانسان العمل بالضعيف من الرواية فى حق نفسه نعم اذا كان له رأى اما اذا كان عاميا فلم أره لكن مقتضى تقييده بذى الرأى أنه لا يجوز للعامى ذلك قال فى خزانة الروايات العالم الذى يعرف معنى النصوص والأخبار وهو من أهل الدراية يجوز له أن يعمل عليها.
وان كان مخالفا لمذهب قلت لكن هذا فى غير موضع الضرورة فقد ذكر فى حيض البحر فى بحث ألوان الدماء أقوالا ضعيفة ثم قال وفى المعراج عن فخر الأئمة لو أفتى مفت بشئ من هذه الأقوال فى مواضع الضرورة طلبا للتيسير كان حسنا.
وكذا قول أبى يوسف رحمه الله تعالى فى المنى اذا خرج بعد فتور الشهوة لا يجب به الغسل ضعيف وأجازوا العمل به للمسافر أو الضيف الذى خاف الريبة كما سيأتى فى محله.
وذلك فى مواضع الضرورة قوله بالقول المرجوح كقول محمد رحمه الله تعالى مع وجود
стр. 5964
قول أبى يوسف رحمه الله تعالى اذا لم يصحح أو يقو وجهه وأولى من هذا بالبطلان الافتاء بخلاف ظاهر الرواية اذا لم يصحح والافتاء بالقول المرجوح عنه أهـ قوله وان الحكم الملفق المراد بالحكم الحكم الوضعى كالصحة مثاله متوضئ سال من بدنه دم ولمس امرأة ثم صلى فان صحة هذه الصلاة ملفقة من مذهب الشافعى والحنفى والتلفيق باطل فصحته منتفية أهـ قوله وان الرجوع الى آخره صرح بذلك المحقق بن الهمام رحمه الله تعالى فى تحريره ومثله فى أصول الأمدى وابن الحاجب وجمع الجوامع وهو محمول كما قال ابن حجر والرملى فى شرحيهما على المنهاج.
وابن قاسم فى حاشيته على ما اذا بقى من آثار الفعل السابق أثر يؤدى الى تلفيق العمل بشئ لا يقول به كل من المذهبين كتقليد الشافعى فى مسح بعض الرأس ومالك فى طهارة الكلب فى صلاة واحدة وكما لو أفتى ببينونة زوجته بطلاقها مكرها ثم نكح أختها مقلدا للحنفى بطلاق المكره ثم أفتاه شافعى بعدم الحنث فيمتنع عليه أن يطأ الأولى مقلدا للشافعى.
والثانية مقلدا للحنفى أو هو محمول على منع التقليد فى تلك الحادثة بعينها لا مثلها كما صرح به الامام السبكى وتبعه عليه جماعة وذلك كما لو صلى ظهرا بمسح ربع الرأس مقلدا للحنفى فليس له ابطالها باعتقاده لزوم مسح الكل مقلدا للمالكى.
وأما لو صلى يوما على مذهب وأراد أن يصلى يوما آخر على مذهب آخر فلا يمنع منه على أن فى دعوى الاتفاق نظرا فقد حكى الخلاف فيجوز اتباع القائل بالجواز كذا أفاده العلامة الشرنبلالى فى العقد الفريد ثم قال بعد ذكر فروع من أهل المذهب صريحة بالجواز وكلام طويل فتحصل مما ذكرناه انه ليس على الانسان التزام مذهب معين وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدا فيه غير امامه مستجمعا شروطه ويعمل بأمرين متضادين فى حادثتين لا تعلق الواحدة منهما بالأخرى وليس له ابطال عين ما فعله بتقليد امام آخر لأن امضاء الفعل كامضاء القاضى لا ينقض وقال أيضا ان له التقليد بعد العمل كما اذا صلى ظانا صحتها على مذهبه ثم تبين بطلانها فى مذهبه وصحتها على مذهب غيره فله تقليده ويجتزئ بتلك الصلاة على ما قال فى البزازية أنه روى عن أبى يوسف رحمه الله تعالى أنه صلى الجمعة مغتسلا من الحمام ثم أخبر بفأرة ميتة فى بئر الحمام فقال نأخذ بقول اخواننا من أهل المدينة اذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا قوله وان الخلاف بين الامام وصاحبيه فيما اذا قضى بغير رأيه عمدا هل ينفذ فعنده نعم فى أصح الروايتين عنه وعندهما لا كما فى التحرير وقال شارحه نص فى الهداية والمحيط على أن الفتوى على قولهما بعدم النفاذ فى العمد والنسيان وهو مقدم على ما فى الفتاوى الصغرى والخانية من ان الفتوى على قوله لأن المجتهد مأمور بالعمل بمقتضى ظنه اجماعا وهذا خلاف ظنه أهـ.
وقد استشكل بعضهم هذه المسألة على قول الأصوليين أن المجتهد اذا اجتهد فى واقعة بحكم يمتنع عليه تقليد غيره فيما اتفاقا والخلاف فى تقليده قبل اجتهاده فيها والأكثر على المنع فهذه المسألة تبطل دعوى الاتفاق وأجاب فى التحرير بأن قول الامام بالنفاذ لا يوجب حمل الاقدام على هذا القضاء نعم وقد وقع فى بعض المواضع ذكر لخلاف فى الحل ويجب ترجيح رواية عدمه اهـ.
وحينئذ فلا اشكال فافهم مقوله.
وأما المقلد الى آخره نقله فى القنية عن المحيط وغيره وجزم به المحقق فى فتح القدير وتلميذه العلامة قاسم وأدعى فى البحر أن المقلد اذا قضى بمذهب غيره أو برواية ضعيفة أو بقول ضعيف نفذ.
وأقوى ما تمسك به ما فى البزازية عن شرح الطحاوى اذا لم يكن القاضى مجتهدا وقضى بالفتوى ثم تبين أنه على خلاف مذهبه نفذ وليس لغيره نقضه وله أن ينقضه كذا عن محمد.
стр. 5965
وقال الثانى ليس له أن ينقضه أيضا اهـ.
قال فى النهر وما فى الفتح يجب أن يعول عليه فى المذهب وما فى البزازية محمول على أنه رواية عنهما اذ قصارى الأمر أن هذا منزل منزلة الناس لمذهبه وقد مر عنها فى المجتهد أنه لا ينفذ فالمقلد أولى اهـ.
قوله منشورة، المنشور ما كان غير مختوم من كتب السلطان قاموس «قوله لكيف بخلاف مذهبه» أى فكيف ينفذ قضاؤه بخلاف مذهبه لأنه اذا نهاه عن القضاء بالأقوال الضعيفة فى مذهبه لا ينفذ قضاؤه فيها بخلاف مذهبه فى الأولى ومبنى ذلك على ما قالوا أن تولية القضاء تتخصص بالزمان والمكان والشخص.
فلو ولاه السلطان القضاء فى زمان مخصوص أو مكان مخصوص أو على جماعة مخصوصة تعين ذلك لأنه نائب عنه.
ولو نهاه عن سماع بعض المسائل لم ينفذ حكمه فيها كما اذا نهاه عن سماع حادثة مضى عليها خمس عشرة سنة بلا مانع شرعى والخصم منكر.
وقد ذكر الحموى فى حاشية الأشباه أن عادة سلاطين زماننا اذا تولى أحدهم عرض عليه قانون من قبله وأمر باتباعه. قوله وينقض لا حاجة اليه لأنه اذا كان معزولا بالنسبة لما ذكر لا صح له قضاء حتى ينقض لأن النقض انما يكون للثابت الا أن يقال أنه قضاء بحسب الظاهر.
قوله فى البرهان «وهو شرح مواهب الرحمن كلاهما للعلامة الطرابلسى» صاحب الاسعاف فى الأوقاف قوله بالنواجذ هى اضراس الحلم كما فى المغرب والكلام كناية عن غاية التمسك.
كما أن قولهم ضحك حتى بدت نواجذه عبارة عن المبالغة فى الضحك والا فلا تبدو بالضحك عادة كما حققه الامام الزمخشرى قوله نعم أمر الأمير الى آخره تصديق لما مر واستدراك بأمر آخر كالاستناد مما قبله هكذا عرف المصنف فى مثل هذا التركيب قوله نفذ أمره ان كان المراد بالأمر الطلب بلا قضاء وعليه فالمراد بالنفاذ وجوب الامتثال.
أصاب ذلك المجتهد أو أخطأ وقالوا المنتقل من مذهب الى مذهب آخر باجتهاد وبرهان آثم يستوجب التعزيز فبلا اجتهاد وبرهان أولى ولا بد أن يراد بهذا الاجتهاد معنى التحرى وتحكيم القلب لأن العامى ليس له اجتهاد.
ثم حقيقة الانتقال انما تحقق فى حكم مسألة خاصة قلد فيه وعمل به والا فقوله قلدت أبا حنيفة فيما أفتى من المسائل مثلا والتزمت العمل به على الاجمال.
وهو لا يعرف صورها ليس حقيقة التقليد بل هذا حقيقة تعليق التقليد أو وعد به لأنه التزم أن يعمل بقول أبى حنيفة فيما يقع له من المسائل التى تتيقن فى الوقائع فان أرادوا هذا الالتزام فلا دليل على وجوب اتباع المجتهد المعين بالزامه نفسه ذلك قولا أو نية شرعا بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما احتاج اليه لقول الله ﵎ «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ١ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» والسؤال انما يتحقق عند طلب حكم الحادثة المعينة وحينئذ اذا ثبت عنده قول المجتهد وجب عليه عمله به والغالب أن مثل هذه الزامات منهم لكف الناس عن تتبع الرخص والا أخذ العامى فى كل مسألة بقول مجتهد قوله أخف عليه وأنا لا أدرى ما يمنع هذا من النقل أو العقل وكون الانسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد ما علمت من الشرع ذمه عليه وكان رسول الله ﷺ يحب ما خفف عن أمته والله تعالى أعلم بالصواب، وفى الفتاوى الهندية (٢): أن القاضى اذا استفتى فى حادثة
стр. 5966
وأفتى ورأيه بخلاف رأى المفتى فانه يعمل برأى نفسه ان كان من أهل الرأى فان ترك رأيه وقضى برأى المفتى لم يجز عندهما كما فى التحرى وعند أبى حنيفة رحمه الله تعالى ينفذ لمصادفته فصلا مجتهد فيه فان لم يكن له رأى وقت القضاء وقضى برأى المفتى ثم حدث له رأى بخلافه قال محمد رحمه الله تعالى ينقضه هو وقال أبو يوسف رحمه الله تعالى لا ينقضه كما لو قضى برأيه ثم ظهر له رأى آخر كذا فى التتار خانية وفيما لا نص فيه يخالفه، ولا اجماع لا يخلو أما أن يكون القاضى من أهل الاجتهاد وأما أن لم يكن من أهل الاجتهاد فان كان من أهل الاجتهاد وأفضى رأيه الى شئ يجب عليه العمل برأيه وان خالف رأى غيره من أهل الاجتهاد والرأى ولا يجوز أن يتبع رأى غيره لأن ما أدى اليه اجتهاده هو الحق عند الله تعالى ظاهرا ولو أفضى رأيه الى شئ وهناك مجتهد آخر أفقه منه له رأى آخر فأراد أن يعمل برأيه من غير النظر فيه ويرجح رأيه لكونه أفقه منه هل يسعه ذلك ذكر فى كتاب الحدود أن عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى يسعه ذلك وعند أبى يوسف ومحمد رحمه الله تعالى لا يسعه الا أن يعمل برأى نفسه وذكر فى بعض الروايات هذا الاختلاف على العكس وان أشكل عليه حكم الحادثة استعمل رأيه فى ذلك وعمل به والأفضل أن يشاور أهل الفقه فى ذلك فان اختلفوا فى حكم الحادثة نظر فى ذلك فأخذ بما يؤدى الى الحق ظاهرا وان اتفقوا على رأى يخالف رأيه عمل برأى نفسه أيضا لكى لا ينبغى أن يعجل بالقضاء ما لم يعص حق التأويل والاجتهاد منكشف له وجه الحق فاذا ظهر له الحق باجتهاده قضى بما يؤدى اليه اجتهاده ولا يكون خائفا فى اجتهاده بعد ما بذل مجهوده لاصابة الحق حتى لو قضى مجازفا لم يصح قضاؤه فيما بينه وبين الله تعالى وان كان من أهل الاجتهاد الا أنه اذا كان لا يدرى حاله يحمل على أنه قضى برأيه ويحكم بالصحة حملا لأمر المسلم على الصحة والسداد ما أمكن هذا اذا كان القاضى من أهل الاجتهاد فأما اذا لم يكن من أهل الاجتهاد فان عرف أقاويل أصحابنا وحفظها على الأحكام والاتقان عمل بقول من يعتقد قوله حقا على التقليد وان لم يحفظ أقاويلهم عمل بفتوى أهل الفقه فى بلده من أصحابنا وان لم يكن فى البلد الا فقيه واحد من أصحابنا يسعه أن يأخذ بقوله ونرجو أن لا يكون عليه شئ كذا فى البدائع.
وفى الحطاب (١): قال القرافى فى شرح المحصول قال سيف الدين اذا تبع العامى مجتهدا فى حكم حادثة وعمل بقوله اتفقوا على أنه ليس له الرجوع فى ذلك الحكم واختلفوا فى رجوعه الى غيره فى غير ذلك الحكم واتباع غيره فيه فمنع وأجيز وهو الحق نظر الى اجماع الصحابة رضى الله تعالى عنهم فى تسويغهم للعامى الاستفتاء لكل عالم فى مسألة ولم ينقل عن السلف الحجر فى ذلك على العامة ولو كان ذلك ممتنعا لما جاز للصحابة اهماله والسكوت عن الانكار عليه ولأن كل مسألة لها حكم نفسها فكما لم يتعين الأول للاتباع فى المسألة الأولى الا بعد سؤاله فكذلك فى المسألة الأخرى، وأما اذا عين العامى مذهبا معينا كمذهب الشافعى وأبى حنيفة وقال أنا على مذهبه وملتزم له فجوز قوم اتباع غيره فى مسألة من المسائل نظرا الى أن التزام ذلك المذهب غير ملزوم له ومنعه آخرون لأن التزامه ملزوم له كما لو التزمه فى حكم حادثة معينة والمختار التفصيل وهو أن كل مسألة من مذهب الأول ان اتصل عمله بها فليس له تقليد الغير فيها وما لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره وكان الشيخ عز الدين ابن عبد السلام يذكر فى هذه المسألة اجماعين:
أحدهما اجماع الصحابة المتقدم ذكره.
والثانى اجماع الأمة على أن من أسلم لا يجب عليه اتباع امام معين بل هو مخير فاذا قلد اماما معينا وجب أن يبقى ذلك التخيير المجمع عليه حتى يحصل دليل على رفعه لا سيما الاجماع لا يدفع الا بما هو مثله من القوة انتهى كلام القرافى.
стр. 5967
وقال البرزلى وأما الانتقال من مذهب امام الى غيره ففى ذلك ثلاثة أقوال بالجواز والمنع والثالثة ان وقعت حادثة فقلده فيها فليس له الرجوع.
ثم قال الحطاب (١): ينبغى للقاضى أن يحضر العلماء ويشاورهم، واطلاق المشاورة ظاهره أنه سواء كان عالما بالحكم أو جاهلا وفى الطرر لابن عات لا يجوز للحاكم أن يشاور فيما يحكم فيه اذا كان جاهلا لا يميز الحق من الباطل لأنه اذا أشير عليه وهو جاهل لم يعلم أحكم بحق أم بباطل ولا يجوز له أن يحكم بما لا يعلم أنه الحق ولا يحكم بقول من أشار عليه تقليدا حتى يتبين له الحق من حيث تبين للذى أشار عليه.
وقال المازرى فى شرح التلقين القاضى مأمور بالاستشارة ولو كان عالما لأن ما ذكر فيه الفقهاء وبحثوا فيه تثق به النفس ما لا يثق بواحد اذا استبد برأيه ولا يمنع من ذلك كونهم مقلدين لاختلافهم فى الفتوى فيما ليس بمسطور بحسب ما يظن كل الواحد منهم أنه يقتضى أصول المذهب.
وفى التوضيح قال ابن عطية فى تفسيره ومن لم يستشر أهل العلم والدين فعزله واجب وهذا مما لا خلاف فيه.
وفى المجموع (٢): قال الخطيب البغدادى اذا لم يكن فى الموضع الذى هو فيه الا مفت واحد فافتأه لزمه فتواه.
وقال أبو المظفر السمعانى رحمه الله تعالى اذا سمع المستفتى جواب المفتى لم يلزمه العمل به الا بالتزامه وقال يجوز أن يقال أنه يلزمه اذا أخذ العمل به وقيل يلزمه اذا وقع فى نفسه صحته.
قال السمعانى وهذا أولى الأوجه.
قال الشيخ أبو عمر ولم أجد هذا لغيره وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الأصوليين أنه اذا أفتاه بما هو مختلف فيه خيره بين أن يقبل منه أو من غيره ثم اختار هو أنه يلزمه الاجتهاد فى أعيان المفتين ويلزمه الأخذ بفتيا من اختاره باجتهاده قال الشيخ والذى تقتضيه القواعد أن نفصل فنقول اذا أفتاه المفتى نظر فان لم يوجد مفت آخر لزمه الأخذ بفتياه ولا يتوقف ذلك على التزامه لا بالأخذ فى العمل به ولا بغيره ولا يتوقف أيضا على سكون نفسه الى صحته.
وان وجد مفت آخر فان استبان أن الذى أفتاه هو الأعلم الأوثق لزمه ما أفتاه به بناء على الأصح فى تعينه كما سبق وان لم يستبن ذلك لم يلزمه ما أفتاه بمجرد افتائه اذ يجوز له استفتاء غيره وتقليده ولا يعلم اتفاقهما فى الفتوى فان وجد الاتفاق أو حكم به حاكم لزمه حينئذ.
ثم قال (٣): اذا استفتى فأفتى ثم حدثت تلك الواقعة له مرة أخرى فهل يلزمه تجديد السؤال؟ فيه وجهان:
أحدهما يلزمه لاحتمال تغير رأى المفتى.
والثانى لا يلزمه وهو الأصح لأنه قد عرف الحكم الأول والأصل استمرار المفتى عليه، وخصص صاحب الشامل الخلاف بما اذا قلد حيا وقطع فيما اذا كان ذلك خبرا عن ميت بأنه لا يلزمه والصحيح أنه لا يختص فان المفتى على مذهب الميت قد يتغير جوابه على مذهبه.
وفى الاقناع (٤): المفتى: من بين الحكم من غير الزام الحاكم يبينه ويلزم به ثم قال (٥) والعامى اذا استفتى واحدا أخذ بقوله ويلزمه بالتزامه ولو سأل مفتيين فأكثر فاختلفا عليه تخير فان لم يجد الا مفتيا واحدا لزمه قبوله وله العمل بخط المفتى وان لم يسمع الفتوى من لفظه اذا عرف أنه خطه.
стр. 5968
وفى الأحكام لابن حزم (١) الظاهرى ان سأل العامى فقيهين فصاعدا فاختلفوا عليه فان الذى نقول به أنه أفتاه فقيهان فصاعدا بأمور مختلفة نسوبها إلى رسول الله ﷺ فهو غير فاسق بتركه قبول شئ منها، لأنه انما يلزمه ما ألزمه النص فى تلك المسألة وهو لم يدره بعد، فهو غير آثم بتركه ما وجب بما لم يعلمه حتى يعلمه لكنه بتركهم يسأل غيرهم، ويطلب الحق، وذلك كما اذا سأل رجل كيف أحج؟ فقال له فقيه: أفرد فهكذا فعل رسول الله ﷺ فى حجته التى لم يكن له بعد الهجرة غيرها وقال آخرون: أقرن، فهكذا فعل رسول الله ﷺ فى حجته التى لم تكن له بعد الهجرة غيرها.
وقال له آخر: تمتع، فهكذا فعل رسول الله ﷺ فى حجته التى لم يكن له بعد الهجرة غيرها، ففرض عليه أن يتركهم ويستأنف سؤال غيرهم ثم يلزمه ما قلنا آنفا قبل هذا من موافقته للحق أو حرمانه اياه بعد اجتهاده ويكون العامى حينئذ بمنزلة عالم لم يبن له وجه الحكم فى مسألة ما.
اما بتعارض أحاديث أو آى أو أحاديث وآى فحكمه التوقف والتزيد من الطلب والبحث حتى يلوح له الحق. أو يموت وهو باحث عن الحق عالى الدرجة فى كلا الأمرين.
ولا يؤاخذه الله تعالى بتركه أمرا لم يلح له الحق فيه لما قدمنا قبل من أن الشريعة لا تلزم الا من بلغته وصحت عنده والأصل اباحة كل شئ بقول الله ﵎ «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ (٢).
وبقول رسول الله ﷺ (أعظم الناس جرما فى الاسلام من سأل عن أمر لم يحرم فحرم من أجل مسألته).
والأصل أن لا يلزم أحدا شئ الا بعد ورود النص وبيانه بقول الله ﵎ «لا تَسْئَلُوا ٣ عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ»
وبقول رسول الله ﷺ «لو قلتها لوجبت فاتركونى ما تركتكم».
وبقول النبى ﷺ فى قيام رمضان «خشيت أن يفرض عليكم فمن علم أن عليه الحج ولم يدر كيف يقيمه فلا يؤاخذ من تركه ما وجب عليه من عمل الحج الا بما علم لا بما لا يعلم، ولكن عليه التزيد فى البحث حتى يدرى كيف يعمل ثم حينئذ يلزمه الذى علم ولا يؤاخذ الله تعالى أحدا بشئ لم تقم عليه الحجة ولا صح عنده وجهه، لأنه لم يبلغه ذلك الحكم.
قال الله ﵎ «لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ٤» وأما من قال: ان الفرض على العامى أن يقبل ما أفتاه به الفقيه ولم يفسر كما فسرنا - فقد أخطأ.
ويرى الظاهرية (٥): أن على المستفتى - وهو العامى أن يجتهد واجتهاده اذا سأل العالم عن أمور دينه فأفتاه - أن يقول له: هكذا أمر رسول الله ﷺ فان قال له نعم، أخذ بقوله، ولم يلزمه أكثر من هذا البحث، وان قال له: لا، أو قال له: هذا قولى، أو قال له هذا قول مالك أو ابن القاسم أو أبى حنيفة أو أبى يوسف أو الشافعى، أو أحمد أو داود أو سمى له أحدا من صاحب أو تابع فمن دونهم غير النبى ﷺ
стр. 5969
أو انتهره أو سكت عنه، فحرام على السائل أن يأخذ بفتياه وفرض عليه أن يسأل غيره من العلماء وأن يطلبه حيث كان، اذ انما يسأل المسلم من سأل من العلماء عن نازلة تنزل به ليخبره بحكم الله تعالى وحكم محمد ﷺ فى ذلك وما يجب فى دين الاسلام فى تلك المسألة.
ولو علم أنه يفتيه بغير ذلك لتبرأ منه وهرب عنه وفرض على الفقيه اذا علم أن الذى أفتاه به هو نص القرآن الكريم والسنة عن رسول الله ﷺ أو الاجماع أن يقول له: نعم هكذا أمر رسول الله ﷺ وحرام عليه أن ينسب الى الله تعالى أو الى رسوله ﷺ شيئا قاله بقياس أو استحسان أو تقليد لأحد دون النبى ﷺ فانه ان فعل ذلك كان بذلك كاذبا على رسول الله ﷺ ومقولا ما لم يقل، وقد وجبت له النار يقينا بنص قول رسول الله ﷺ «من كذب على فليلج النار».
وهذا الذى قلنا لا يعجز عنه أحد، وان بلغ الغاية فى جهله لأنه لا يكون أحد من الناس مسلما حتى يعلم أن الله تعالى ربه، وأن رسول الله ﷺ وهو محمد بن عبد الله رسول الله بالدين القيم.
وفى شرح الأزهار وهامشه (١): والتزام مذهب امام معين كالهادى والقاسم وغيرهما من مجتهدى أهل البيت وغيرهما من مجتهدى غير أهل البيت حيا كان أو ميتا فان ذلك أولى من ترك الالتزام والدليل على ذلك الاجماع المعنوى من جهة الصحابة وهو أن العوام كانوا يسألون من صادفوه منهم من دون التزام لهم فى ذلك ولا انكار على من لم يلتزم منهم مذهبا معينا كما هو معلوم وانما كان الالتزام أولى لأن من العلماء المجتهدين من قال بوجوبه ومنهم المنصور بالله والشيخ حسن الرصاص حيث قالا نحب الالتزام ونحرم الأخذ بقول عالم قد قلد غيره فى أى الأحكام وان لم يلتزم مذهبه جميعا بل أوجبا أن يتبع الأول فى رخصه وعزائمه فيكون الملتزم معيبا عند العلماء القائلين بالتقليد فكان أولى لموافقته الاجماع وقد ذكر معنى هذا البكرى.
ثم قال صاحب شرح الأزهار: ولا يجب الالتزام بل يجوز أن يقلد هذا فى حكم وهذا فى حكم آخر، ولا يجمع مستفت بين قولين مختلفين فى حكم واحد احترازا من الحكمين فلا يجمع بينهما بحيث يصير الحكم الذى فيه القولان على صورة لا يقول بها امام منفرد كنكاح خلا عن ولى عملا بقول الامام أبى حنيفة رحمه الله تعالى وعن شهود عملا بقول الامام مالك رحمه الله تعالى فان الطرفين وان قال بكل واحد منهما امام لكنهما فى حكم واحد وهو النكاح.
ولو سئل الامام أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن صحته قال ليس بصحيح لعدم الشهود.
ولو سئل الامام مالك رحمه الله تعالى عنه قال ليس بصحيح لعدم الولى فلا يكون فى هذا النكاح مقلدا لواحد من الامامين لأن كل واحد منهما يقول بفساده.
قال الامام شرف الدين (٢) ﵇ العامى اما ملتزم أو مقلد أو مستفتى لأنه ان نوى الالتزام لقول امام معين فهو الملتزم وان لم ينو فان عمل بقول امام فهو المقلد ولا يلزمه حكم الملتزم وان سأل الامام فقط ولما يعمل بقوله فهو المستفتى وله أن يعمل بأى أقوال المفتين شاء.
والمستفتى أعم من المقلد والمتلزم كما يفهم من التقسيم المذكور.
стр. 5970
وقال الهادى ﵇ وهذا التفسير للثلاثة هو الأصح ومنهم من قال بالنية اذا انضم اليها لفظ الالتزام ومنهم من قال بالنية والقول والعمل قياسا على الاستيطان.
وفى العروة الوثقى (١): اذا تغير رأى المجتهد فانه يجب عليه وعلى مقلديه العمل بالفتوى الثانية فيما يأتى دون ما مضى فانه صحيح فى الأعمال السابقة بل اذا كان ما مضى عقدا أو ايقاعا أو نحوهما مما من شأنه الدوام والاستمرار يبقى على صحته فيما يأتى أيضا بالنسبة الى تلك الواقعة الخاصة فاذا تزوج بكرا بأذنها بناء على كون أمرها بيدها ثم تبدل رأى المقلد أو رأى مجتهده الى كون أمرها بيد أبيها تكون باقية على زوجيته وان كان لا يجوز له نكاح مثلها بعد ذلك.
وفى طلعة الشمس (٢): اذا اجتهد العالم فى حادثة وجب عليه أن يلتزم ما رأى أنه الصواب فى حقه فاذا أراد الحكم فيها لزمه أن يحكم بما أداه اليه اجتهاده.
ثم قال: اذا اجتهد المجتهد فى حادثة فرأى جوازها فعمل بها ثم تغير اجتهاده فرأى أنها حرام فانه يحجر عليه الاقامة على ذلك الفعل مثال ذلك اذا رأى جواز تزويج الصبية أو جواز التزويج بغير ولى ففعل أو رأى أن الطلاق ثلاثا بلفظ واحد لا يقع الا واحدة ونحو ذلك فعمل بما رأى ثم رأى بعد ذلك أن ذلك العمل فعل حرام ألزمه أن يترك زوجته وهذا مبنى على القول بأن الاجتهاد ينقض الاجتهاد وهو الصحيح ثم قال (٣): اذا رجع المجتهد عن اجتهاد كان قد قلده فيه مقلد هل يلزمه اعلام مقلده بالرجوع أم لا فقيل أنه يلزمه ذلك ليرجع المقلد له الى قوله الآخر حيث هو مستلزم لمذهبه فى رخصه وعزائمه ومقلد له فى تلك المسألة فقط وقيل لا يلزمه اعلام مقلده بالرجوع لأنه عامل فى ذلك بقول من أقوال المسلمين وله أن لا يرجع عنه.
وأما بالنسبة للعامى فقد قال (٤): أعلم أنه يجوز لمن لا قدرة له على الاجتهاد أن يقلد العالم المجتهد بشرط أن يكون معروفا بالعلم والعدالة بل يجب عليه تقليده اذا شاء العمل فى القضايا الذى لا يعرف الحكم فيها لقول الله «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٥» فلو لم يكن تقليد العامى للعالم جائزا ما أمر العوام بسؤال العلماء وظاهر الأمر للوجوب فهو واجب عند الحاجة اليه وقيل لا يجوز التقليد فى العمليات بل يجب عليه أن يسأل العالم لينبهه على طريق الحكم لأن العامى يمكنه العلم فلزم تكليفه به كالعالم وكما فى مسائل الأصول.
الفتوى بخلاف مذهب المفتى والمستفتى:
وفى البحر الرائق (٦): ليس لمجتهد تقليد مجتهد.
ولو حدثت واقعة قد اجتهد فيها وجب اعادته ان نسى الدليل أو تجدد مشكل والمنتسبون الى مذهب امام أما عوام فتقليدهم مفرع على تقليد الميت وأما مجتهدون فلا يقلدون.
فان وافق اجتهاده اجتهادهم فلا بأس وان خالفه احيانا.
ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد بل وقف على أصول امامه وتمكن من قياس ما لم ينص عليه على المنصوص فليس بمقلد فى نفسه بل هو واسطة.
стр. 5971
فان نص صاحب المذهب على الحكم والعلة الحق بها غير المنصوص.
ولا نص على الحكم فقط فله أن يستنبط العلة ويقيس وليقل هذا قياس مذهبه لا قوله وان اختلف نص امامه فى مشتبهين فله التخريج من أحدهما الى الأخرى.
ثم قال (١) وصحح فى السراجية أن المفتى يفتى بقول أبى حنيفة على الاطلاق ثم بقول أبى يوسف ثم بقول محمد ثم بقول زفر والحسن بن زياد.
ولا يخير اذا لم يكن مجتهدا.
ثم قال صحح (٢) فى الحاوى القدسى أن الامام اذا كان فى جانب وهما فى جانب فالأصح أن الاعتبار لقوة المدرك.
فان قلت كيف جاز للمشايخ الافتاء بغير قول الامام الأعظم مع أنهم مقلدون قلت قد أشكل على ذلك مدة طويلة ولم أر فيه جوابا الا ما فهمته الآن من كلامهم وهو أنهم نقلوا عن أصحابنا أنه لا يحل لأحد أن يفتى بقولنا حتى يعلم من أين قلنا حتى نقل فى السراجية أن هذا سبب مخالفة عصام للامام وكان يفتى بخلاف قوله كثيرا لأنه يعلم الدليل وكان يظهر له دليل غيره فيفتى به فأقول أن هذا الشرط كان فى زمانهم أما فى زماننا فيكتفى بالحفظ كما فى القنية وغيرها فيحل الافتاء بقول الامام بل يجب وان لم نعلم من أين قال وعلى هذا فما صححه فى الحاوى مبنى على ذلك الشرط.
وقد صححوا أن الافتاء بقول الامام فينتج من هذا أنه يجب علينا الافتاء بقول الامام وان أفتى المشايخ بخلافه لأنهم انما أفتوا بخلافه لفقد شرطه فى حقهم وهو الوقوف على دليله وأما نحن قلنا الافتاء وان لم نقف على دليله وقد وقع للمحقق ابن الهمام فى مواضع الرد على المشايخ فى الافتاء بقولهما بأنه لا يعدل عن قوله الا لضعف دليله وهو قوى فى وقت العشاء لكونه الأحوط وفى تكبير التشريق فى آخر وقته الى آخر ما ذكره فى فتح القدير لكن هو أهل للنظر فى الدليل.
ومن ليس بأهل للنظر فيه فعليه الافتاء بقول الامام والمراد بالأهلية هنا أن يكون عارفا مميزا بين الأقاويل له قدرة على ترجيح بعضها على بعض.
ولا يصير الرجل أهلا للفتوى ما لم يصر صوابه أكثر من أخطائه.
لأن الصواب متى كثر فقد غلب ولا عبرة بالمغلوب بمقابلة الغالب.
فان أمور الشرع مبنية على الأعم الأغلب كذا فى الولوالجية من كتاب القضاء.
ثم جاء فى موضع آخر (٣): قالوا المنتقل من مذهب الى مذهب باجتهاد وبرهان آثم يستوجب التعزير فبلا اجتهاد وبرهان أولى ولا بد أن يراد بهذا الاجتهاد.
معنى التحرى وتحكيم القلب لأن العامى ليس له اجتهاد.
ثم حقيقة الانتقال انما تتحقق فى حكم مسألة خاصة قلد فيه وعمل به.
وفى الحطاب (٤) أنه لا يلزم الانسان أن يتقيد بمذهب معين ولا مذهبه أيضا اذا أراد أن يفتى.
فقد جاء فى الحطاب ما نصه اذ ليس أحد بالخيار فى أن يفتى على مذهب مالك ولا مذهب غيره من العلماء بل يلزمه ذلك اذا قام عنده الدليل على صحته.
стр. 5972
ولا يصح له أن يقم عنده الدليل على صحته.
والسؤال عن الحكم فى أمر القاضى اذا كان ملتزما للمذهب المالكى.
وليس فى نظره من نال درجة الفتوى ولا هو فى نفسه أهل لذلك.
ثم قال (١): قال ابن برهان تقليد الصحابة يتخرج على جواز الانتقال فى المذاهب فمن منعه لأن مذاهب الصحابة لم تكثر فروعها حتى يمكن المقلد الاكتفاء به طول عمره انتهى باختصار وأكثره باللفظ وذكر البرزلى أن ابن العربى سأل الغزالى عمن قلد الشافعى مثلا وكان مذهبه مخالفا لأحد الخلفاء الأربعة أو غيرهم من الصحابة فهل له اتباع الصحابة لأنهم أبعد عن الخطأ ولقول رسول الله ﷺ «اقتدوا بالذين من بعدى أبى بكر وعمر فأجاب أنه يجب عليه أن يظن بالشافعى أنه لم يخالف الصحابى الا لدليل أقوى من مذهب الصحابى وان لم يظن وهذا فقد نسب الشافعى للجهل بمقام الصحابى وهو محال وهذا سبب ترجيح مذهب المتأخرين على المتقدمين مع العلم بفضلهم عليهم لكون المتقدمين سمعوا الأحاديث آحادا وتفرقوا فى البلاد فاختلف فتاويهم وأقضيتهم فى البلاد وربما بلغتهم الأحاديث فوقفوا عما أفتوا به وحكموا ولم يتفرغوا لجمع الأحاديث لاشتغالهم بالجهاد وتمهيد الدين فلما أنهى فتاويهم الناس الى تابعى التابعين وجدوا الاسلام مستقرا ممهدا فصرفوا همهم الى جمع الأحاديث ونظروا بعد الاحاطة بجميع مدارك الأحكام ولم يخالفوا ما أفتى به الأول الا لدليل أقوى منه وهذا لم يسم فى المذاهب بكريا ولا عمريا انتهى مختصرا ثم ذكر البرزلى عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه سئل عمن صح عنده مذهب أبى بكر أو غيره من علماء الصحابة فى شئ فهل يعدل الى غيره أم لا فأجاب بأنه اذا صح عن عصر الصحابة مذهب فى حكم من الأحكام فلا يجوز العدول عنه الا بدليل أوضح من دليله ولا يجب على المجتهد تقليد الصحابة وهذا مخالف لما تقدم وهو أيضا مبنى على مذهبه من جواز الانتقال من مذهب الى مذهب ثم ذكر المازرى انه سئل هل يسوغ الأخذ بقول ابن المسيب أن المبتوتة تحل بالعقد فأجاب بأنى سئلت عن هذه المسألة حين وقعت لشخص قرأ على فى شئ من الأصول.
وجاء لى سؤال من قبل قاضى تونس وفقهائها فأكثرت النكير عليه وبالغت حتى أظن أنى سمحت لهم فى عوقبته وذكرت لهم أن هذا باب ان فتح حدث منه خروق من الديانات وانى رأيت من الدين الحازم والأمر الحاتم أن أنهى عن الخروج عن مذهب مالك وأصحابه حماية للذريعة ولو ساغ هذا لقال رجل أنا أبيع دينارا بدينارين مقلدا لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما وآخر أنى أتزوج من غير ولى ولا شهود مقلدا فى الولى لأبى حنيفة رحمه الله تعالى وفى الشهود لمالك رحمه الله تعالى وبدانق مقلدا للشافعى ﵀ وهذا عظيم الموقع فى الضرر.
وهب أنى أبحت لهذا السائل أن يفعل فى نفسه فنكاحه لا يخفى فهو أولى بالحسم من غيره وقضاة بلد وفقاؤهم لا يأخذون بذلك بل يفسخونه ولا تسمح أنفسهم بترك مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة لاتفاق الأمصار على تقليدهم انتهى.
وقال القرافى (٢) فى شرح المحصول قال سيف الدين اذا أتبع العامى مجتهدا فى حكم حادثة وعمل بقوله اتفقوا على أنه ليس له الرجوع فى ذلك الحكم واختلفوا فى رجوعه الى غيره فى غير ذلك الحكم واتباع غيره فيه فمنع وأجيز وهو الحق نظرا الى اجماع الصحابة فى تسويفهم للعامى والاستفتاء لكل عالم فى مسألة.
ولم ينقل عن السلف الحجر فى ذلك على العامة ولو كان ذلك ممتنعا لما جاز للصحابة اهماله والسكوت عن الانكار عليه.
стр. 5973
ولأن كل مسألة لها حكم نفسها فكما لم يتعين الأول للاتباع فى المسألة الأولى الا بعد سؤاله فكذلك فى المسألة الأخرى وأما اذا عين العامى مذهبا معينا كمذهب الشافعى وأبى حنيفة وقال أنا على مذهبه وملتزم له فجوز قوم اتباع غيره فى مسألة من المسائل نظرا الى أن التزام ذلك المذهب غير ملزوم له ومنعه آخرون لأن التزامه ملزوم له كما لو التزمه فى حكم حادثة معينة.
والمختار التفصيل وهو أن كل مسألة من مذهب الأول أن اتصل عمله بها فليس له تقليد الغير فيها وما لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره.
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يذكر فى هذه المسألة اجماعين.
أحداها اجماع الصحابة المتقدم ذكره.
والثانى اجماع الأمة على أن من أسلم لا يجب عليه اتباع امام معين بل هو مخير فاذا قلد اماما معينا وجب أن يبقى ذلك التخيير المجمع عليه حتى يحصل دليل على رفعه لا سيما الاجماع لا يدفع الا بما هو مثله من القوة.
فقال البرزلى وأما الانتقال من مذهب امام الى غيره ففى ذلك ثلاثة أقوال بالجواز والمنع والثالثة أن وقعت حادثة فقلده فيها فليس له الرجوع.
واذا لم يجد (١) الشخص نصا فى المسألة فى مذهب امامه ولا وجد من له معرفة بمداركه فالظاهر أنه يسأل عنها فى مذهب الغير ويعمل عليه ولا يعمل بجهل.
ويؤيد هذا ما قاله الشيخ يوسف بن عمر فى شرح قول الرسالة ويستعمل سائر ما ينتفع به طيبا الحلال ضالة مفقودة فيجتهد الانسان وفى المتفق عليه فى المذهب فان لم يجد فالقوى من الخلاف فان لم يجد فينظر الخلاف خارج المذهب ولا يخرج عن أقاويل العلماء وكذا ينبغى فى كل مسألة والله أعلم.
وفى المجموع (٢): قال أبو عمرو المفتون قسمان مستقل وغيره فالمستقل شرطه أن يكون قيما بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والاجماع والقياس عالما بما يشترط فى الأدلة عارفا من علوم القرآن والحديث والناسخ والمنسوخ والنحو واللغة والتعريف واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذى يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها عالما بالفقه ضابطا لأمهات مسائله وتفاريعه وهذا هو المفتى المستقل والثانى المفتى الذى ليس بمستقل ومن دهر طويل عدم المفتى المستقل وصارت الفتوى الى المنتسبين الى أئمة المذهب المتبوعة وللمفتى المنتسب أربعة أحوال:
أحدهما أن لا يكون مقلدا لامامه لا فى المذهب ولا فى دليله لاتصافه بصفة المستقل وانما ينسب اليه لسلوكه طريقه فى الاجتهاد.
وفتوى المفتى فى هذه الحالة كفتوى المستقل فى العمل بها والاعتداد بها فى الاجماع والخلاف.
والحالة الثانية: أن يكون مجتهدا مقيدا فى مذهب امامه بتقرير أصوله بالدليل غير أنه لا يتجاوز فى أدلته أصول امامه وقواعده والعامل بفتوى هذا مقلد لامامه لا له وله أن يفتى فيما لا نص فيه لامامه بما يخرجه على أصوله.
ثم أفتى بتخريجه فالمستفتى مقلد لامامه لا له ثم تارة يخرج من نص معين لامامه وتارة لا يجده
стр. 5974
فيخرج على أصوله بأن يجد دليلا على شرط ما يحتج به أمامه فيفتى بموجبه.
الحالة الثالثة: أن لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس حافظ مذهب امامه بأدلته قائم بتقريرها ويصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم فى حفظ المذهب وهذه صفة كثير من المتأخين.
وأما فتاويهم فكانوا يتبسطون فيها.
الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه فى الواضحات والمشكلات ولكن عنده ضعف فى تقرير أدلته وتحرير أقيسته فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص امامه وتفريع المجتهدين فى مذهبه وما لا يجده منقولا أن وجد فى المنقول معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق بينهما جاز الحاقه به.
والفتوى به هذه هى أصناف المفتين وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة قد باء بأمر عظيم.
ولقد قطع امام الحرمين وغيره بأن الأصولى الماهر المتصرف فى الفقه لا يحل له الفتوى بمجرد ذلك، ولو وقعت له واقعة لزمه أن يسأل عنها ويلتحق به المتصرف النظار والبحاث عن أئمة الخلاف وفحول المناظرين لأنه ليس أهلا لادراك حكم الواقعة استقلال لقصور آلته ولا من مذهب امام لعدم حفظه له على الوجه المعتبر.
فان قيل من حفظ كتابا أو أكثر فى المذهب وهو قاصر لم يتصف بصفة أحد ممن سبق ولم يجد العامى فى بلده غيره هل له الرجوع الى قوله:
فالجواب ان كان فى غير بلده مفت يجد السبيل اليه وجب التوصل اليه بحسب امكانه.
فان تعذر ذكر مسألته للقاصر فان وجدها بعينها فى كتاب موثوق بصحته وهو ممن يقبل خبره نقل له حكمها وكان بنصه وكان العامى فيها مقلدا صاحب المذهب.
قال أبو عمرو وهذا وجدته فى ضمن كلام بعضهم والدليل يعضده.
وان لم يجدها مسطورة بعينها لم يقسها على مسطور عنده وان اعتقده من قياس لا فارق فانه قد يتوهم ذلك فى غير موضعه، فان قيل هل لمقلد أن يفتى بما هو مقلد فيه.
فكذا قطع أبو عبد الله الحليمى وأبو محمد الجوينى وأبو المحاسن الرويانى وغيرهم بتحريمه.
وقال القفال المروزى يجوز، قال أبو عمرو قول من منعه معناه لا يذكره على صورة من يقوله من عند نفسه بل يضيفه الى امامه الذى قلده فعلى هذا من عددناه من المفتين المقلدين ليسوا مفتين حقيقة لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم.
وسبيلهم أن يقولوا مثلا مذهب الشافعى كذا أو نحو هذا ومن ترك منهم الاضافة فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح به ولا بأس بذلك.
وذكر صاحب الحاوى فى العامى اذا عرف حكم حادثة بناء على دليلها ثلاثة أوجه.
أحدها يجوز أن يفتى به ويجوز تقليده لأنه وصل الى علمه كوصول العالم.
والثانى يجوز ان كان دليلها كتابا أو سنة ولا يجوز أن كان غيرهما.
والثالث لا يجوث مطلقا وهو الأصح والله أعلم.
وجاء فى (١) موضع آخر: هل يجوز للعامى أن يتخير ويقلد أى مذهب شاء.
стр. 5975
قال الشيخ ينظر ان كان منتسبا الى مذهب بنيناه على وجهين حكاهما القاضى حسين فى أن العامى هل له مذهب أم لا.
أحدهما لا مذهب له لأن المذهب لعارف الأدلة فعلى هذا له أن يستفتى من شاء من حنفى وشافعى وغيرهما.
والثانى وهو الأصح عند القفال له مذهب فلا يجوز له مخالفته وقد ذكرنا فى المنتسب ما يجوز له أن يخالف امامه فيه وان لم يكن منتسبا بنى على وجهين حكاهما ابن برهان فى أن العامى هل يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه أحدهما لا يلزمه كما لم يلزمه فى العصر الأول أن يخص بتقليده عالما بعينه، فعلى هذا هل له أن يستفتى من شاء أم يجب عليه البحث عن أشد المذاهب وأصحها أصلا ليقلد أهله فيه وجهان مذكوران كالوجهين السابقين فى البحث عن الأعلم والأوثق من المفتين.
والثانى يلزمه وبه قطع أبو الحسن الكيا وهو جار فى كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر العلوم ووجهه أنه لو جاز اتباع أى مذهب شاء لأفضى الى أن يلتقط رخص المذاهب متبعا هواه ويتخير بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز ذلك يؤدى الى انحلال ريقة التكليف بخلاف العصر الأول فانه لم تكن المذاهب الوافية بأحكام الحوادث مهذبة وعرفت فعلى هذا يلزمه أن يجتهد فى اختيار مذهب يقلده على التعيين ونحن نمهد له طريقا يسلكه فى اجتهاده سهلا فنقول أولا ليس له أن يتبع فى ذلك مجرد التشهى والميل الى ما وجد عليه أباءه وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة رضى الله تعالى عنهم وغيرهم من الأولين.
وان كانوا أعلم وأعلا درجة ممن بعدهم لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه فليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر وانما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة المناحلين لمذاهب الصحابة والتابعين القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها الناهضين بايضاح أصولها وفروعها كمالك وأبى حنيفة وغيرهما.
ولما كان الشافعى قد تأخر عن هؤلاء الأئمة فى العصر ونظر فى مذاهبهم نحو نظرهم فى مذاهب من قبلهم فسبرها وخبرها وانتقدها واختار أرجحها ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل فتفرغ للاختيار والترجيح والتكميل والتنقيح مع كمال معرفته وبراعته فى العلوم وترجحه فى ذلك على من سبقه ثم لم يوجد بعده من بلغ محله فى ذلك كان مذهبه أولى المذاهب بالاتباع والتقليد وهذا مع ما فيه من الانصاف والسلامة من القدح فى أحد من الأئمة جلى واضح اذا تأمله العلمى قاده الى اختيار مذهب الشافعى والتمذهب به.
وفى روضة (١) الناظر: اتفقوا على أن المجتهد اذا اجتهد فغلب على ظنه الحكم لم يجز له تقليده غيره وعلى أن العامى له تقليد المجتهد.
فأما المتمكن من الاجتهاد فى بعض المسائل ولا يقدر على الاجتهاد الا بتحصيل علم على سبيل الابتداء كالنحو فى مسألة نحوية وعلم صفات الرجال فى مسألة خبرية فالأشبه أنه كالعلمى فيما لم يحصل علمه فانه كما يمكنه تحصيله فالعامى يمكنه ذلك مع المشقة التى تلحقه.
انما المجتهد الذى صارت العلوم عنده حاصلة بالقوة القريبة من الفعل من غير حاجة الى تعب كثير بحيث لو بحث عن المسألة ونظر فى الأدلة استقل بها ولم يفتقر الى تعلم من غيره.
فهذا المجتهد هل يجوز له تقليد غيره قال أصحابنا ليس له تقليد مجتهد آخر مع ضيق الوقت ولا سعته لا فيما يخصه ولا فيما يفتى به لكن يجوز له أن ينقل للمستفتى مذهب الأئمة كأحمد والشافعى
стр. 5976
ولا يفتى من عند نفسه بتقليد غيره لأن تقليد من لا تثبت عصمته ولا تعلم أصابته حكم شرعى لا يثبت الا بنص أو قياس ولا نص ولا قياس اذ المنصوص عليه العامى مع المجتهد.
وليس ما اختلفنا فيه مثله فان العامى عاجز عن تحصيل العلم والظن بنفسه والمجتهد قادر فلا يكون فى معناه فان قيل هو لا يقدر على غير الظن وظن غيره كظنه قلنا مع هذا اذا حصل ظنه لم يجز له اتباع ظن غيره.
فكان ظنه أصلا وظن غيره بدلا فلا يجوز اثباته الا بدليل.
ولأنه اذا لم يجز له العدول اليه مع وجود المبدل لم يجز مع القدرة عليه كسائر الابدال والمبدلات.
فان قيل لا نسلم عدم النص فى المسألة بل فيها نصوص كقول الله ﵎ «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ١» وهذا لا يعلم هذه المسألة وقول الله «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ٢»﴾.
قلنا المراد بالأولى أمر العامة بسؤال العلماء اذ ينبغى أن يتميز السائل عن المسئول فالعالم مسئول غير سائل ولا يخرج عن العلماء يكون المسألة غير حاضرة فى ذهنه اذا كان متمكنا من معرفتها من غير تعلم من غيره.
والثانى يحتمل أن يكون معناه اسألوا لتعلموا أى سلوا عن الدليل ليحصل العلم كما يقال كل لتشبع، وأشرب لتروى.
والمراد بأولى الأمر الولاة لوجوب طاعتهم اذ لا يجب على المجتهد طاعة المجتهد.
وان كان المراد به العلماء فالطاعة على العوام ثم هو معارض بعمومات أقوى مما ذكروه يمكن التمسك بها فى المسألة.
يقول الله ﵎ «فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ٣»﴾. وقول الله «لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ٤ مِنْهُمْ» وقول الله «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ٥» وقول الله ﵎ «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٦).
وهذا أمر بالتدبر والاستنباط والخطاب مع العلماء ثم لا فرق بين السائل والأعلم فان الواجب أن ينظر فان وافق اجتهاده الأعلم فذاك وان خالفه فمن أين ينفع كونه أعلم وقد صار مزيفا عنده وظنه عنده أقوى من ظن غيره وله الأخذ بظن نفسه اتفاقا ولم يلزمه الأخذ بقول غيره وان كان أعلم فينبغى أن لا يجوز تقليده فان قيل فلم ينقل عن طلحة والزبير ونظرائهما نظر فى الأحكام مع ظهور الخلاف فالأظهر أنهم أخذوا بقول غيرهم.
قلنا كانوا لا يفتون اكتفاء بغيرهم وأما علمهم لنفوسهم فلم يكن الا بما عرفوه فان أشكل عليهم شاوروا غيرهم لتعرف الدليل لا للتقليد والله أعلم.
وفى الأحكام لابن حزم (٧) الظاهرى حد الفقه هو المعرفة بالأحكام الشرعية من القرآن الكريم.
ومن كلام المرسل بها، الذى لا تؤخذ الا عنه وتفسير هذا الحد كما ذكرنا المعرفة بأحكام القرآن وناسخها ومنسوخها، والمعرفة بأحكام كلام رسول الله ﷺ ناسخه ومنسوخه
стр. 5977
وما صح نقله مما لم يصح ومعرفة ما أجمع العلماء عليه، وما اختلفوا فيه وكيف يرد الاختلاف الى القرآن الكريم وكلام رسول الله ﷺ .
فهذا تفسير العلم بأحكام الشريعة.
وكل من علم مسألة واحدة من دينه على الرتبة التى ذكرنا جاز له أن يفتى بها وليس جهله بما جهل بمانع من أن يفتى بما علم ولا علمه بما علم بمبيح له أن يفتى فيما جهل وليس لأحد بعد النبى ﷺ الا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره.
فلو لم يفت الا من أحاط بجميع العلم لما حل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يفتى أصلا.
وهذا لا يقوله مسلم وهو ابطال للدين وكفر من قائله وفى بعثه النبى ﷺ الامراء الى البلاد ليعلموا الناس القرآن وحكم الدين ولم يكن أحد منهم يستوعب جميع ذلك لأنه قد كان تنزل بعدهم الآيات والأحكام، بيان صحيح بأن العلماء وان فاتهم كثير من العلم فان لهم أن يفتوا ويقضوا بما عرفوا.
وفى هذا الباب أيضا بيان جلى على أن من علم شيئا من الدين علما صحيحا فله أن يفتى به وعليه أن يطلب علم ما جهل مما سوى ذلك.
ومن علم أن فى المسألة التى نزلت حديثا قد فاته لم يحل له أن يفتى فى ذلك حتى يقع على ذلك الحديث.
ومن لم يعلم الأحكام على الصفة التى ذكرنا قبل لكن انما أخذ المسائل تقليدا، فانه لا يحل لمسلم أن يستفتيه ولا يحل له أن يفتى بين اثنين ولا يحل للامام أن يوليه قضاء ولا حكما أصلا.
ولا يحل له أن قلد ذلك أن يحكم بين اثنين وليس لأحد بعد النبى ﷺ الا وهو يخطئ ويصيب فليس خطؤه بمانع من قبول صوابه وبالله تعالى التوفيق.
فلا يوجد مفت فى الديانة وفى الطلب أبدا الا أحد ثلاثة أناس.
أما عالم فيفتى بما بلغه من النصوص بعد البحث والتقصى كما يلزمه فهذا مأجور أخطأ أو أصاب، وواجب عليه أن يفتى بما علم.
واما فاسق يفتى بما يتفق له مستديما لرياسة أو لكسب مال وهو يدرى أنه يفتى بغير واجب.
وأما جاهل ضعيف العقل يفتى بغير يقين علم وهو يظن أنه مصيب ولم يبحث حق البحث.
ولو كان عاقلا لعرف أنه جاهل فلم يتعرض لما لا يحسن.
حدثنى أبو الزناد سراج بن سراج وخلف بن عثمان البحام وأبو عثمان سعيد بن محمد الضراب كلهم: يقول سمعت عبد الله بن ابراهيم الأصيلى يقول، قال لى الأبهرى أبو بكر محمد بن صالح كيف صفة الفقيه عندكم بالأندلس؟ فقلت له يقرأ المدونة وربما المستخرجة فاذا حفظ مسائلتهما أفتى فقال لى وهذا ما هو فقلت له، نعم فقال لى:
أجمعت الأمة على أن من هذه صفته لا يحل له أن يفتى.
قال أبو محمد على بن أحمد وحدثنى أبو مروان عبد الملك بن أحمد المروانى قال سمعت أحمد بن عبد الملك الأشبيلى المعروف بابن المكرى - ونحن مقبلون من جنازة من الربض بعدوة نهر قرطبة وقد سأله سائل فقال له، ما المقدار الذى اذا بلغه المرء حل له أن يفتى؟ فقال له: اذا عرف موضع المسألة فى الكتاب الذى يقرأ حل له أن يفتى.
ثم أخبرنى أحمد بن الليث الأنسرى أنه حمل اليه والى القاضى أبى بكر يحيى بن عبد الرحمن بن واقد كتاب الاختلاف الأوسط لابن المنذر فلما طالعاه قالا له، هذا كتاب من لم يكن عنده فى بيته لم يشم رائحة العلم.
стр. 5978
قال: وزادنى بن واقد أن قال: ونحن ليس فى بيوتنا، فلم نشم رائحة العلم قال أبو محمد، لم نأت بما ذكرنا احتجاجا لقولنا ولكن الزاما لهم ما يلتزمونه فان قول أكابر أهل بلادنا عندهم أثبت من العيان وأولى بالطاعة مما رووا فى حديث رسول الله ﷺ وبالله تعالى نعوذ من الخذلان، فقد بينا صفة الطلب والمفتى والاجتهاد الذى نأمر به ونصوب من فعله وهو طلب الحكم فى المسألة من نص القرآن الكريم وصحيح الحديث، وطلب الناسخ من المنسوخ وبناء الحديث بعضه مع بعض ومع القرآن وبناء الآى بعضها مع بعض على ما بينا فيما سلف من كتابنا هذا، ليس عليه غير هذا البتة وان طالع أقوال الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم عصرا عصرا.
ففرض عليه أن ينظر من أقوال العلماء كلها نظرا واحدا، ويحكم فيها القرآن والسنة فلأيها حكم اعتقده وأفتى به وأطرح سائرها.
وان لم يجد شيئا مما بلغه منها فى نص القرآن الكريم ولا فى نص السنة لم يحل له أن يأخذ بشئ منها بل عليه أن يأخذ بالنص وان لم يبلغه أن قائلا قال به، لما قد بيناه فى كلامنا فى الاجماع من امتناع الاحاطة بأقوال العلماء السالفين.
ومن قيام البرهان على أنه لا يخلو عصر من قائل الحق فهذا هو الاجتهاد الصحيح الذى يؤجر من فعله على كل حال.
فان وافق الحق عند الله أجر أجرا ثانيا على الاصابة فحصل له أجران وان لم يوافق لادراك الحق لم يأثم وقد حصل له أجر الطلب للحق وارادته كما قال الشاعر، وما كل موصوف له الحق يهتدى.
ولا كل من أم الصوى يستبينها وكل ما سمى اجتهادا من غير ما ذكرنا فهو باطل وافك، زين بأن سمى اجتهادا كما سمى اللديغ سليما، والمهلكة مغازة، والاسود السخامى أبا اليضاء بصيرا والأعمى بصيرا.
وكما سمى قوم المسكر نبيذا وطلاء وهو الخمر بعينها.
وبين ما قلنا قول رسول الله ﷺ (اذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وان أصاب فله أجران). كما قال رسول الله ﷺ .
وفى شرح الأزهار (١): يصير المقلد ملتزما لمذهب امامه بالنية وهى العزم على العمل بقوله فى الأصح لأن فى ذلك أقوالا فمنهم من قال انما يصير مقلدا بالعمل وهو ظاهر قول ابن الحاجب فى المنتهى قال المهدى ﵇ وعلى ذهنى أن قائلا يقول يصير مقلدا بمجرد السؤال وبعد الالتزام لقول امام معين فى حكم واحد أو فى أحكام أو فى جملة المذهب فانه يحرم الانتقال عن ذلك المذهب فى عين ذلك الحكم أو الأحكام المعينة قال ابن الحاجب بالاتفاق.
فأما فى الصورة الثالثة وهى التقليد فى جملة المذهب كمن التزم مذهب الشافعى مثلا هل له أن يرجع حنفيا فيه خلاف والصحيح التحريم الا الى ترجيح نفسه أى بعد الالتزام يحرم الانتقال عما التزمه الا الى ترجيح نفسه بعد استيفاء طرق الحكم الذى ينظر فيه وهى الأدلة عليه والامارات حتى لا يغيب شئ مما يحتاج به عليه فمتى استوفاها اجتهد فيها ورجح ما رجح فانه حينئذ يجوز له الانتقال الى ما يترجح عنده كما يجوز للمجتهد ترك الاجتهاد الأول لترجيح خلافه.
قال ﵇ وهذا واضح لكنه مبنى على تجزى الاجتهاد وذلك مختلف فيه.
وقد أشرنا الى ذلك بقولنا فالاجتهاد يتبعض بمعنى أنه يكون الانسان مستكملا الآلة الاجتهاد فى مسألة دون مسألة.
стр. 5979
وفى فن دون فن وأنه لا مانع من ذلك فى الأصح من المذهبين لأن منهم من منع من ذلك وقال لا يكمل العالم الاجتهاد الأصغر حتى يكمل الاجتهاد الأكبر وروى ذلك المنصور بالله قال المهدى ﵇ والصحيح عن المنصور بالله وغيره ما اخترناه من جواز التبعيض ثم لما كان ثم وجه آخر مجوز للانتقال بعد الالتزام عطفنا بذكره على المستثنى الأول فقلنا أو لانكشاف نقصان العالم الأول الذى قد عمل بقوله عن درجة الاجتهاد أو كمال العدالة فان ذلك يجوز الخروج عن تقليده بل يوجبه.
فأما الانتقال عن مذهب المجتهد العدل الى مذهب مجتهد أعلم من الأول أو أفضل منه ففيه تردد يحتمل الجواز لزوال العلة المقتضية تحريم الانتقال الى قول مثله وهى عدم الترجيح لأنه قد حصل الترجيح بالأعلمية والأورعية ويحتمل أن ذلك لا يجوز مع كمال الأول كما لا يجوز للمجتهد العدول الى قول من هو أعلم منه اذا خالف اجتهاده فلم تكن الا علمية مسوغة للانتقال قال ﵇ أنه يمكن الفرق بأن يقول أن المجتهد عنده أن قول فى ذلك الحكم أصح من قول الأعلم فلم يجز له العدول بخلاف المقلد لدون الأعلم فانه لا يرى ترجيحا الا للأعلم فجاز له الانتقال والله أعلم.
فان فسق (١) المجتهد رفضه من قلده أى ترك تقليده واتباعه فيما تعقب الفسق من اجتهاداته وأقواله لاختلال أحد شرطى التقليد وهى العدالة قال ﵇ وقلنا فقط اشارة الى أنه لا يرفض تقليده فيما سبق الفسق الا أنه لا ينبغى له الاعتزاء اليه بعد فسقه بل الى موافقيه من العلماء فيما قد قلده فيه فان كان الحكم الذى قلده فيه قبل فسقه مخالفا لما يقوله مجتهد وزمانه جميعا وجب على مقلده أن ينتقل بعد فسقه الى قول الجماعة لأن خلاف هذا المجتهد.
قد ارتفع بفسقه فصار الحكم اجماعيا وان رجع ذلك المجتهد عن اجتهاده الأول فى مسألة الى خلافه فلا حكم له أى لرجوعه اذا رجع فيما قد فعله أو هو المقلد له اذا قد نفذ ولا ثمرة له مستدامة كالحج فانه حكم لا ثمرة له مستدامة أى لا يتكرر فاذا رجع عن اجتهاد فيه قد أداه أو من قلده لم تلزم اعادته بعد الرجوع.
ولا تكرار فيه كالصلاة فيعمل فى المستقبل بالثانى وأما ما لم يفعله من الأحكام التى قد اجتهد فيها حتى رجع عن ذلك الاجتهاد ووقته أى وقت الحكم الذى رجع عن اجتهاده فيه باق نحو أن يرى أن مسافة مقصر ثلاث بعد أن كانت عنده بريدا ولما يصل.
والوقت باق أو قد فعل ذلك الحكم الذى قد رجع عن اجتهاده فيه نحو أن يتوضأ من غير ترتيب ثم يرى وجوب الترتيب.
ولما يفعل المقصود به أى بالضوء فبالثانى أى فيعمل بالاجتهاد الثانى فى الصورتين جميعا فيصل تماما ويعيد الوضوء فأما ما لم يفعله من الأحكام التى قد وجبت ورجع عن اجتهاده الأول فيه وعليه قضاؤه نحو أن يترك صلاة فى سفره حتى خرج وقتها وكان يرى أنه سفر يوجب القصر ثم رجع الى أنه لا يوجبه وأراد القضاء أو رجع عن الاجتهاد فى حكم قد فعله وله ثمرة مستدامة كالطلاق وذلك نحو أن يطلق امرأته ثلاثا من دون تخلل رجعة.
ثم رأى أن الطلاق يتبع الطلاق فخلاف بين العلماء
وهو يرى أن الطلاق لا يتبع الطلاق فراجعها فى الصورتين معا فمنهم من قال:
ان الاجتهاد الأول ليس بمنزلة الحكم فينقضه الاجتهاد الثانى فيقضى تماما ويحرم نكاح المثلثة وهذا أحد قولى المؤيد بالله وقول الحقينى والمهدى وذكره المنصورى بالله فى المهذب القول الثانى أنه بمنزلة الحكم فلا يعمل بالثانى فيقضى قصرا ولا يحرم نكاح المثلثة.
стр. 5980
وهذا أحد قولى المؤيد بالله والمنصور بالله وهو قول أبو طالب ومحمد بن الحسن واختاره ابن الحاجب قال:
المهدى ﵇ وهو القوى عندنا. وفى العروة (١) الوثقى.
اذا تبدل رأى المجتهد لا يجوز للمقلد البقاء على رأيه الأول واذا عدل المجتهد عن الفتوى الى التوقف والتردد يجب على المقلد الاحتياط أو العدول الى الأعلم بعد ذلك المجتهد.
واذا كان هناك مجتهدان متساويان فى العلم للمقلد تقليد أيهما شاء ويجوز التبعيض فى المسائل.
واذا كان أحدهما أرجح من الآخر فى العدالة أو الورع أو نحو ذلك فالأولى بل الأحوط اختياره واذا قلد من يقول بحرمة العدول حتى الى الأعلم.
ثم وجد أعلم من ذلك المجتهد فالأحوط العدول الى ذلك الأعلم وان قال الأول بعدم جوازه (٢) وقال:
يجب على كل مكلف فى عباداته ومعاملاته أن يكون مجتهدا أو مقلدا أو محتاطا والأقوى جواز العمل بالاحتياط مجتهدا.
كان أولا لكن يجب أن يكون عارفا بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد وقد يكون الاحتياط فى الفعل.
كما اذا احتمل كون الفعل واجبا وكان قاطعا بعدم حرمته وقد يكون فى الترك كما اذا احتمل حرمة فعل وكان قاطعا بعدم وجوبه.
وقد يكون فى الجمع بين أمرين مع التكرار كما اذا لم يعلم ان وظيفته القصر أو التمام.
والأقوى جواز الاحتياط ولو كان مستلزما للتكرار، وأمكن الاجتهاد أو التقليد.
وفى مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهدا أو مقلدا لأن المسألة خلافية.
وفى الضروريات لا حاجة الى التقليد كوجوب الصلاة والصوم ونحوهما.
وكذا فى اليقنيات اذا حصل له اليقين وفى غيرهما يجب التقليد ان لم يكن مجتهدا اذا لم يمكن الاحتياط ان أمكن تخيير بينه وبين التقليد.
وعمل العامى بلا تقليد ولا احتياط باطل، والتقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين.
وان لم يعمل بعد بل ولو لم يأخذ بفتواه فاذا أخذ رسالته والتزم بالعمل بما فيها كفى فى تحقيق التقليد.
والأقوى جواز البقاء على تقليد الميت ولا يجوز تقليد الميت ابتداء.
واذا عدل عن الميت الى الحى لا يجوز له العود الى الميت.
ولا يجوز العدول عن الحى الى الحى الا اذا كان الثانى أعلم ويجب تقليد الأعلم مع الامكان على الأحوط.
ويجب الفحص عنه واذا كان هناك مجتهدان متساويان فى الفضيلة يتخير بينهما الا اذا كان أحدهما أورع فيختار.
واذا لم يكن للأعلم فتوى فى مسألة من المسائل
стр. 5981
يجوز فى تلك المسألة الأخذ من غير الأعلم وان أمكن الاحتياط. وفى طلعة الشمس (١).
أنه يجوز لضعيف العلم حكاية قول العالم فى الأحكام بلا خلاف بين العلماء لأن ذلك ضرب من الأخبار ولا خلاف فى صحته عند الضبط والاتقان.
لكن الخلاف فى جواز افتائه بقول العالم الذى أخذ عنه تلك الفتيا وذلك بأن يسوق الكلام مساق الجزم بالحكم.
فيقول هذا حلال وهذا حرام مثلا فقيل بجواز ذلك مطلقا واشترط بعضهم فى هذا القول.
أن يكون المفتى انما يفتى بنص قول أمامه وقيل لا يجوز مطلقا لأنه ليس أهلا للافتاء وقيل ان كان مطلعا على مأخذ أمامه جاز له ذلك وصح له التخريج على مذهب أمامه وقيل:
انما يجوز للمخرج الافتاء بتخريجه عند عدم المجتهد لا مع وجوده فى تلك الناصية اذ لا يجوز العمل بالاضعف مع امكان الأقوى والصحيح أن فتوى الضعيف بنص عبارة المفتى جائزة فى غيبة المفتى.
وفى حضرته عرف عدلها أو لم يعرف اذا كان متثقا بمن أخذ عنه لأن ذلك ليس بأشد من علمه فاذا جاز له أن يعمل بقول المفتى جاز له أن يفتى به اذ لا فرق بينهما.
أما الفتوى بالتخريج من مذهب المفتى فلا تصح الا من المطلع على المأخذ العارف بالأدلة ومواردها اذ لا يكون التخريج الا لمن يكون من أهل النظر فمن كان من أهل النظر والاستدلال جاز له التخريج على مذهب العالم وهو مذهب الامام الكدمى.
وجمهور المشارقة والمغاربة خلافا لمن منع ذلك والله أعلم، ثم قال (٢).
اعلم أن تقليد العامى لعالمين فصاعدا اما أن يكون تقليده لهما فى شئ واحد أو فى شيئين فان كان فى شئ واحد فاما أن يتفق قولهما فى تلك الحادثة واما أن يختلفا فيها فان اختلفا فلا يصح تقليدهما فى حال واحد معا اتفاقا لأن تقليدهما معا فى تلك الحادثة.
وذلك الحال مفض الى التناقض فان أحدهما يجوز له الاقدام مثلا والآخر يمينه فلا يتصور تقليدهما فى ذلك. وان اتفقا فى تلك الحادثة ففى جواز تقليدهما الخلاف الآتى فى تقليد عالمين والصحيح عندنا جوازه لأن الظن بصواب عالمين أقوى منه بصواب عالم واحد.
وأيضا فالاجماع انما كان حجة بسبب اتفاق أقوال العلماء فى حادثة.
فلو لم يصح تقليد عالمين اذا اتفقا لما صح تقليد ثلاثة اتفقوا وكذا الأربعة وكذا الخمسة فيئول ذلك الى ابطال حجية الاجماع رأسا.
وهو خلاف المشروع وان كان تقليده لهما فى شيئين فصاعدا أو فى حالين فالصحيح أيضا عندنا جوازه سواء كان قد التزم مذهب عالم من العلماء أو لم يلتزم فيصبح له أن يأخذ من هذا العالم مسألة من الآخر أخرى.
وهذه المسألة معروفة عندهم بمسألة الانتقال عن مذهب أمامه الى مذهب أمام آخر وحجتنا على جوازه أن كل مجتهد مصيب فلم يحرم علينا فى الشرع الا الانتقال من الصواب الى الخطأ لا من صواب الى صواب فلا مقتضى لتحريمه لا عقلا ولا
стр. 5982
شرعا اذ يصير كالواجب المخبر فانه جائز لكونه انتقالا من صواب الى صواب.
فكذلك المقلد اذا قلد مجتهدا ثم انتقل الى تقليد مجتهد آخر فهو كمن شرع فى واحد من أنواع الكفارة ثم ترجح له فعل النوع الآخر منها.
فكما لا حظر عليه فى ذلك كذلك المقلد اذا انتقل وانما الحظر فى ذلك على القول بأن الحق مع واحد والمخالف مخطئ.
وقد قدمنا بطلانه وأيضا فكما جاز للمقلد اختيار ما شاء من المذاهب فى الابتداء بلا خلاف لاصابة المجتهدين استصحبنا الحال بعد تقليده لا يهم اذا لم يتجدد له أيحرم ذلك.
وقيل ليس للمقلد الانتقال بعد التزام مذهب أمام الى مذهب أمام آخر لغير مرجح لأنه اختار المذهب الأول.
ولا يختاره الا وهو أرجح من غيره عنده فليس له الخروج عنه كما ليس للمجتهد الانتقال عن اجتهاده لغير مرجح وهذا مما لا خلاف فيه فى حق المجتهد ولا علة لتحريمه الا كونه خروجا عما قد اختاره لغير مرجح للخروج، فكذلك خروج المقلد لغيره ونسب هذا القول الى الأكثر قالوا: وتجوز ذلك يؤدى الى التهور فى الأعمال الشنيعة وتتبع الشهوات أن يختار لنفسه من الأقوال ما يؤديه الى نيل شهواته لا لكونه دين الله.
ولا قائل بالتنقل فى المذاهب لمجرد اتباع الشهوات قالوا وقد نص علماؤنا على أنه محرم اجماعا ثم أنهم جوزوا الانتقال من مذهب الى مذهب لأمور منها أن يعرف المقلد حجج المختلفين فى ذلك الحكم.
ويكون من أهل النظر فتترجع له حجة مخالف أمامه فحكنئذ يجوز له الانتقال الى ما ترجع له ومنها ان ينكشف له أن أمامه ناقص فى عدالته أو فى اجتهاده عن القدر المعتبر فينتقل عن تقليده الى تقليد الأكمل.
ومنها أن ينتقل الى أفضل من أمامه أو أوسع علما أو أشد ورعا ثم اختلفوا فى الوجه الذى يصير به المقلد ملتزما وفى جميع مسائله لأن التقليد كالاجتهاد.
فكما أن المجتهد متى عزم على العمل بما قد أداه اليه نظره صار ذلك الاجتهاد مذهبا له.
كذلك اختيار المقلد لمذهب عالم هو كالاجتهاد منه فى ذلك الحكم وقيل بالنية (١).
والعمل فمهما لم يعمل فهو غير ملتزم لأنه اذا نوى ولم يعمل كان كالمجتهد الذى لم يجزم بشئ وقيل بل بالنية والقول والعمل لأن التقليد التزام وايجاب على النفس أن لا يعدل عن قول هذا العالم.
والايجاب كالنذر فكما لا ينعقد النذر بمجرد نية ولا عمل لا بد من لفظ كذلك التزام المذهب لا بد من أن يقول قد التزمت قول فلان فى كذا أو مذهب فلان فى مسائله كلها.
أقول هذا كله مما لا دليل عليه فان السلف من الصحابة رضى الله عنهم أنهم لم يلتزموا من سأل واحدا منهم عن حكم واحد وعمل بفتواه أن لا يسأل غيره عن غير ذلك الحكم ولا أنكروا عليه ذلك ولا نقله أحد لا عدل ولا غير عدل.
ولو وقع لنقل واشتهر لأنه مما تقضى العادة بنقله وكذلك فى زمن التابعين وتابعى التابعين الى وقتنا هذا فكان اجماعا على جوازه.
стр. 5983
أما قياسهم المقلد على المجتهد فممنوع لوجود الفارق بينهما وهو أن المجتهد اذا تبين له الراجح منع من العدول عنه لكونه حكم الله فى حقه.
فعدوله انما يكون عدولا عن فرضه الى غيره ورجوعا من المواضح الى المشكل وحال المقلد بخلاف ذلك فان أخذه بقول العالم ليس طريقا الى معرفة الراجح وانما هو اختيار منه لكون جميع أقوال المجتهدين صوابا فحاله بعد التقليد كحاله من قبله نعم تمنع الانتقال من مذهب الى مذهب لمجرد التشهى.
والخطوط العاجلة لأن ذلك يؤدى الى الانهماك فى الرخصة وعدم المبالات بالديانة حتى أن أصحابنا رحمهم الله تعالى منعوا من افتاء طالب الرخصة بل الوقوع فيها وما ذلك الا لخوف التساهل فى الديانة.
وطلب الجزم فى أمور الدين والنجاة للمسلمين وتجويز المانعين الانتقال فى بعض الصور ناقض لقياسهم المذكور فان قياسهم يقتضى اطلاق المنع وذلك لتجويز تخصيص بغير مخصص فهو نقض لمذهبهم والله أعلم.
ثم أنه أخذ فى بيان ما اذا تعدد المجتهدون وكان فيهم الفاضل والمفضول فقال:
اذا تعدد المجتهدون واختلفت أقوالهم وكان فيهم الفاضل والمفضول.
قال ابن الحاجب وغيره يجوز للمستفتى أن يقلد غير الأفصل ولا يلزمه أن يتحرى الأكمل فى العلم والورع اذا كانوا جميعا أهل اجتهاد وعدالة.
اذ قد حصل لمصحح فى كل واحد منهم.
وقيل بل يلزمه تحرى الأكمل فى معرفة علوم الاجتهاد فيقوى ظن الصحة لفتواه كالمجتهد يلزمه تحرى أقوى الامارات الدالة على الحكم.
والصحيح جواز تقليد المفضول مع كمال أسباب الاجتهاد.
والثقة بعدالته وسكون القلب الى تقواه والدليل على ذلك أن الافتاء قد شهد فى زمن الصحابة رضى الله تعالى عنهم من جماعة فيهم الفاضل والمفضول.
ولم ينكر أحد منهم افتاء المفضول ولم يعنف سائله ولو كان ذلك غير واسع للناس ما سكت عليه الصحابة رضى الله تعالى عنهم فهو اجماع منهم على جوازه منهم وكذلك وقع فى زمن التابعين وتابعيهم الى يومنا هذا.
ولا نكير من أحد من المسلمين فكان اجماعا من التابعين ومن بعدهم أيضا فلا وجه للقول بخلافه.
حكم أخذ الاجرة على الافتاء:
جاء (١) فى البحر الرائق: الأولى أن يتبرع المفتى بالفتوى فان أخذ رزقا من بيت المال جاز الا أن تعينت الفتوى عليه.
وله كفاية ولا يأخذ أجرة من مستفت فان جعل له أهل البلد رزقا جاز وان استؤجر جاز.
والأولى كونها بأجرة مثل كتبه مع كراهة وله قبول هدية لا رشوة على فتوى لما يريد وعلى الامام أن يفرض لمدرس.
ودفعت كفايته وفى حاشية ابن عابدين (٢) نقلا عن الخانية أنه يجوز للامام والمفتى قبول الهدية.
стр. 5984
واجابة الدعوة الخاصة وهذا اذا أريد بالامام أمام الجامع وأما الامام بمعنى الوالى فلا تحل له الهدية لأنه رأس العمال.
قال فى النهر والظاهر أن المراد بالعمل ولاية ناشئة عن الامام أو نائبه كالساعى والعاشر.
وقلت ومثلهم مشايخ القرى والحرف وغيرهم ممن لهم قهر وتسلط على من دونهم فانه يهدى اليهم خوفا من شرهم أو ليروج عندهم وظاهر قوله:
ناشئة عن الامام .. الخ وخول المفتى اذا كان منصوبا من طرف الامام أو نائبه.
لكنه مخالف لاطلاقهم جواز قبول الهدية له والا لزم كون امام الجامع والمدرس المنصوبين من طرف الامام.
كذلك الا أن يفرق بأن المفتى يطلب منه المهدى المساعدة على دعواه ونصره على خصمه فيكون بمنزلة القاضى.
لكن يلزم من هذا الفرق ان المفتى لو لم يكن منصوبا من الامام يكون كذلك فيخالف ما صرحوا به من جوازها للمفتى.
فان الفرق بينه وبين القاضى واضح فان القاضى ملزم وخليفة عن رسول الله ﷺ فى تنفيذ الأحكام.
فأخذه الهدية يكون رشوة على الحكم الذى يؤمله المهدى ويلزم منه بطلان حكمه.
والمفتى ليس كذلك وقد يقال ان مرادهم بجوازها للمفتى اذا كانت لعلمه لا لاعانته للمهدى بدليل التعليل الذى نقله صاحب الدر من قوله يجوز للامام والمفتى والواعظ قبول الهداية لأنه انما يهدى الى العالم لعلمه بخلاف القاضى.
قال ابن عابدين فاذا كانت الهدية لاعانة المهدى صدق عليها حد الرشوة لكن المذكور فى حدها شرط الاعانة.
وفى الفتح عن الأقضية أنه لو أهداه ليعينه عند السلطان بلا شرط لكن يعلم يقينا انه انما يهدى ليعينه فمشايخنا على أنه لا بأس به. الخ.
وهذا يشمل ما اذا كان من العمال أو غيرهم وعن هذا قال فى جامع الفصولين.
القاضى لا يقبل الهدية من رجل لو لم يكن قاضيا لا يهدى اليه ويكون ذلك بمنزلة الشرط ثم قال أقول يخالفه ما ذكر فى الأقضية .. الخ.
قلت والظاهر عدم المخالفة لأن القاضى منصوص على انه لا يقبل الهدية على التفصيل الآتى:
فما فى الأقضية مفروض فى غيره فيحتمل أن يكون المفتى مثله فى ذلك ويحتمل أن لا يكون.
ولا شك أن عدم القبول هو المقبول ورأيت فى حاشية شرح المنهج للعلامة محمد الداودى الشافعى ما نصه:
ومن العمال مشايخ الأسواق والبلدان ومباشروا الأوقاف وكل من يتعاطى أمرا يتعلق بالمسلمين.
قال وفى بعض الشروح ولا يلحق بالقاضى فيما ذكر المفتى والواعظ ومعلم القرآن والعلم لأنهم ليس لهم أهلية الالزام.
والأولى فى حقهم ان كانت الهدية لأجل ما يحصل منهم من الافتاء والوعظ والتعليم عدم القبول ليكون علمهم خالصا لله .
وان أهدى اليهم حبا وتوددا لعلمهم وصلاحهم.
فالأولى القبول وأما اذا أخذ المفتى الهدية ليرخص فى الفتوى فان كان يوجه باطل فهو رجل فاجر يبدل أحكام الله تعالى ويشترى بها ثمنا وكية وان كان يوجه صحيح فهو مكروه كراهة شديدة.
стр. 5985
هذا كلامه وقواعدنا لا تأباه.
وأما اذا أخذ لا ليرخص له بل لبيان الحكم الشرعى فهذا ما ذكره أولا وهذا اذا لم يكن بطريق الأجرة بل مجرد هدية لأن أخذ الأجرة على بيان الحكم الشرعى لا يحل عندنا وانما يحل على الكتابة لأنها غير واجبة عليه.
وفى البحر الرائق (١) قال:
ورد مفت زرا على خياط مستفت وقلعه من ثوبه تحرزا عن شبهة الرشوة. وفى الحطاب (٢).
قال البرزلى وأما الاجارة على الفتيا فنقل المازرى فى شرح المدونة الاجماع على منعها وكذلك القضاء لأنها من باب الرشوة.
لكن لو أتى خصمان الى قاض فأعطى له أجرا على الحكم بينهما وأتى رجل للمفتى فأعطاه أجرا على فتوى لم يتعلق بها خصومة ولم يتعين ذلك عليه لوجود من يقوم به.
فقال الشيخ عبد الحميد أى شئ يمنع من ذلك ولا يجسر على التصريح به وقال اللخمى يمنع من ذلك جملة.
وعلى الأول يحمل ما يروى عن ابن علوان أحد فقهاء تونس ومفتيها.
انه كان يقبل الهدية والهبة ويطلبها ممن يفتيه.
كما نقله ابن عرفة عنه قال البرزلى عن ضرر ابن عات عن ابن عبد الغفور.
وما أهدى للفقيه من غير حاجة فجائز له قبوله.
وما أهدى له رجاء العون على خصومه أو فى مسألة رجاء قضائها على خلاف المعمول به.
فلا يحل وهو رشوة قال البرزلى كأخذ فقهاء البادية الجعائل على رد المطلقة ثلاثا ونحوها من الرخص.
وكذلك اذا تنازع (٣) عنده خصمان فأهديا اليه جميعا أو أهدى أحدهما.
يرجو كل واحد منهما أن يعينه فى حجته أو يعينه عند حاكم اذا كان ممن يسمع منه ويوقف عنده فلا يحل له الأخذ منهما.
ولا من أحدهما.
وقال ابن عرفة قال بعض المتأخرين ما أهدى للمفتى ان كان ينشط للفتيا أهدى له أم لا فلا بأس.
وان كان انما ينشط للفتيا اذا أهدى له فلا يأخذها وهذا ما لم يكن خصومه.
والأحسن أن لا يقبل من صاحب الفتيا وهو قول ابن عيشون وكان يجعل ذلك رشوة قال الحطاب قد يخف قبولها لمن كان محتاجا ولا سيما اشتغاله بأصولها يقطعه عن التسبب.
ولا رزق له عليها من بيت المال وعليه يحمل ما أخبرنى به غير واحد عن الشيخ الفقيه أبى على بن علوان أنه كان يقبل الهدية ويطلبها من يفتيه.
وفى الطراز وظاهره لابن عيشون ومن هذا انقطاع الرغبة للعلماء والمتعلقين بالسلطنة لدفع الظلم عنهم فيما يهدونه لهم ويخدمونهم.
стр. 5986
هو باب من أبواب الرشوة لأن دفع الظلم واجب على كل من قدر على دفعه عن أخيه المسلم وعن الذمى.
وفى المجموع (١).
المختار أن المتصدى للفتوى أن يتبرع بذلك ويجوز أن يأخذ عليه رزقا من بيت المال.
الا أن يتعين عليه وله كفاية فيحرم على الصحيح ثم ان كان له رزق لم يجز أخذ أجرة أصلا.
وان لم يكن له رزق فليس له أخذ أجرة من أعيان من يفتيه على الأصح كالحاكم.
واحتال الشيخ أبو حاتم القزوينى من أصحابنا فقال له أن يقول:
يلزمنى أن أفتيك قولا وأما كتابة الخط فلا فاذا استأجره على كتابة الخط جاز.
قال الصيمرى والخطيب لو اتفق أهل البلد فجعلوا له رزقا من أموالهم على أن يتفرغ لفتاويهم جاز.
أما الهدية فقال أبو مظفر السمعانى له قبولها بخلاف الحاكم فانه يلزم حكمه.
قال أبو عمرو ينبغى أن يحرم قبولها أن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد كما فى الحاكم وسائر ما لا يقابل بعوض.
قال الخطيب وعلى الامام أن يفرض من نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى فى الأحكام ما يفتيه عن الاحتراز ويكون ذلك من بيت المال.
ثم روى باسناده أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أعطى كل رجل ممن هذه صفته مائة دينار فى السنة.
وفى نهاية المحتاج (٢):
قال ان أهدى الى القاضى من له خصومة أو من غلب على ظنه بأنه سيخاصم أو كان يهدى اليه قبل الولاية.
أو من لا خصومة له ولم يهد اليه شيئا قبل ولايته حرم عليه قبولها وقد ورد فى الأخبار الصحيحة هدايا العمال سحت.
وان كان من عادته أنه يهدى اليه قبل ولايته.
ولا خصومة له جاز قبول هديته ان كان بقدر العادة - ثم قال:
ولا يلتحق بالقاضى فيما ذكر المفتى والواعظ ومعلم القرآن.
والعلم لأنهم ليس لهم أهلية الالزام والأولى فى حقهم ان كانت الهدية لأجل ما يحصل منهم من الافتاء والوعظ والتعليم عدم القبول ليكون عملهم خالصا لله .
وان أهدى اليهم تحببا وتوددا لعلمهم وصلاحهم فالأولى القبول.
وأما اذا أخذ المفتى الهدية ليرخص الفتوى فان كان بوجه باطل فهو رجل فاجر يبدل أحكام الله تعالى.
ويشترى بها ثمنا قليلا وان كان بوجه صحيح فهو مكروه كراهة شديدة.
والأولى لمن جماز له قبول الهدية أن يثيب عليها أو يردها لمالكها أو يضعها فى بيت المال.
стр. 5987
وسد باب القبول مطلقا أولى حسما للباب وجوز السبكى فى حلبياته قبول الصدقة ممن لا خصومة له ولا عادة.
وخصه فى تفسيره بما اذا لم يعرف التصدق بأنه القاضى وعكسه واعتمده ولده وهو متجه وبحث غيره القطع بحل أخذه للزكاة.
ويتجه تقييده بما ذكر والحق الحسبانى بالأعيان المنافع المقابلة لمال عادة كسكنى دار بخلاف غيرها كاستعارة كتاب علم وأكله طعام بعض أهل ولايته حنيفا كقبول هديتهم.
واما لو وقف عليه بعض أهل عمله فقد تردد فيه السبكى المتجه فيه.
وفى القدر أنه ان عينه باسمه وشرطنا القبول كان كالهدية له.
وفى كشاف (١) القناع وللمفتى أخذ الرزق من بيت المال لأن الافتاء من المصالح العامة كالآذان.
ولو تعين عليه أن يفتى ولا كفاية لم يأخذ من المستفتى أجرة لفتياه لأنه اعيتاض عن واجب عليه.
ولا يجوز ومن أخذ رزقا من بيت المال لم يأخذ من المستفتى أجرة لفتياه.
ولا لخطه لاستفتائه بالرزق والا أرى وان لم يأخذ رزقا أخذ أجرة خطه فقط.
ويجب على الامام أن يفرض من بيت المال لمن نصب نفسه لتدريس العلم والفتوى فى الأحكام ما يغنيه عن التكسب لدعاء الحاجة الى القيام بذلك.
والانقطاع له وهو فى معنى الامامة والقضاء.
وله أى المفتى (٢) قبول هدية والمراد لا ليفتيه بما يريده مما لا يفتى به غيره.
اى غير المهدى والا اى وان أخذها ليفتيه بما يريده مما لا يفتى به غيره حرمت عليه الهدية.
ومن عدم مفتيا فى بلده وغيره فله حكم ما قبل الشرع على الخلاف هل الأصل فى الأشياء الحظر أو الاباحة أو الوقف.
وفى الروضة البهية (٣): أنه يجوز ارتزاق القاضى من بيت المال مع الحاجة الى الارتزاق لعدم المال أو الوصلة اليه سواء تعين القضاء عليه أم لا.
لأن بيت المال معد للمصالح وهو من أعظمها.
وقيل لا يجوز مع تعينه لوجوبه ويضعف بأن المنع حينئذ من الأجرة لا من الرزق ولا يجوز الجعل ولا الأجرة من الخصوم ولا من غيرهم.
لأنه فى معنى الرشاء المرتزقة من بيت المال المؤذن والقاسم والكاتب للامام أو لضبط بيت المال أو الحجج ونحوها من المصالح ومعلم القرآن والآداب كالعربية وعلم الأخلاق الفاضلة ونحوها.
وصاحب الديوان الذى بيده ضبط القضاة والجند وأرزاقهم ونحوها من المصالح ووالى بيت المال الذى يحفظه ويضبطه ويعطى منه ما يؤمر به.
стр. 5988
ونحوه وليس الارتزاق منحصرا فيما ذكر بل مصرفه كل مصلحة من مصالح الاسلام ليس لها جهة غيره أو قصرت جهتها عنها.
وفى العروة (١) الوثقى أنه قال: وأما الرشاء فى الحكم فهو الكفر العظيم.
وفى خير الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال:
أيما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة عن حوائجه وان أخذ هدية كان غلولا وان أخذ رشوة فهو شرك.
وفى رواية يوسف بن جابر لعن رسول الله ﷺ من نظر الى فرج امرأة لا تحل له ورجلا خان أخاه فى امرأته ورجلا احتاج الناس اليه لفقهه فسألهم الرشوة.
وفى شرح النيل (٢): انه يحرم على المفتى قبول هدية.
فانه يقال اذا دخلت الهدية من الباب خرج الحق من الكوة والمعنى والله أعلم أن الحق يتحمل الخروج من الكوة مع ضيقها ولا يتحمل المقام حتى تدخل الهدية لمنافرته اياها.
ولا يطيق على مزاحمتها لخبثها وبنضه اياها الا من قريب أو جار أو صديق معتاد فى الأهواء أو مما يستوى فيه الفقراء والأغنياء.
وربما زاد الصديق أو القريب أو الجار زيادة يريبها فيتحرج حتى تطمئن نفسه.
وجائز للامام أن يجعل له النفقة والكسوة وما يصلح له ولعياله من بيت المال وما يحتاج اليه ليتفرغ لأمور المسلمين.
وينبغى له أن يتنزه عن ذلك وان قبضه فليقتر فيه وان وسع أو أخذ ليتجر به أو ليتسع به ماله جاز له ربحه.
ولا يغرم ان أكل به الطرف وكذا ان أعطاه لجماعة ويعطى نفقة شهر أو سنة أو ما رأى من ذلك.
وان تلف أعطوه وان لم يفرغ للوقت زادوا ان رأوا أو تركوه حتى يفرغ.
وان فرغ قبل الوقت أعطوه وان خرج من الحكومة لم يلزمه رد ما بيده.
وكذا ان مات فلوارثه امساكه وان خرج أو مات فليس له أو لوارثه مما فرض له الا قبضه.
وله أن يصنع معروفا مما قبض ويصل قرابته وعليه حقوقه.
وكذا الحاكم والمفتى والترجمان والكاتب وكل من يعين أمور المسلمين بحسب تعينهم فى ذلك.
وليس ذلك شرطا بل يدخلون فى ذلك كله ويجعل لهم الامام أو الجماعة ذلك يقدر لهم ما يحتاجون اليه لئلا يشتغلوا عن أمور الاسلام بتجر.
وان لم يكن بيت مال جعل المسلمون ذلك لهم من مالهم والا قاموا بالأمور طاقتهم ويكسب قوتهم.
وينبغى للمسلمين أن يجعلوا من مالهم ما يقوى به الحق ويصنعون منه المعروف ويصلون به من يجور عليهم ويجعلون ذلك فى يد أمين.
ولا يعمل فيه الا ما اجتمع عليه خيارهم أو من فوضوا اليه أمرهم وهذا يفعل فى وقت الامام أو غيره والأصل أن تكون أجرته من بيت المال.
الا أن لم يتيسر ذلك لأنه كالقاضى يعمل أمرا لا يلزمه بعينه.
стр. 5989
ثم قال: والهدية رشوة فى الحكم والرشوة فى الحكم كفر ولا يجوز لأحد أن يأخذ شيئا ما على بطلان حق ما.
ويجوز للحاكم أن يأخذ ما أعطيه اذا لم يستر به انه جعل له على ابطال الحق.
ولا يأكل مما يجعل للأغنياء أو للأقوياء الا من قريبة أو صديقه وله الأكل مما للعامة أو الفقراء.
ويجوز لصاحب الحق أن يعطى الرشوة من يحكم له به ولا يجوز ان يأخذها ولا يجوز لمن يعطى أن يعطى أكثر من حقه.
لأن ذلك تضييع للمال قال جابر بن زيد رحمه الله تعالى.
ليس لنا شئ أنفع من الرشوة فى زمان عبيد الله بن زياد.
قالت العلماء الرشوة تصيد الحكيم وتفقأ عين الحكيم والله بعباده خبير عليم.
وقيل لا يجوز لأحد أن يعطى الرشوة من يحكم له ولو تيقن أن الحق له فأن أعطاها فهو كمن أعطاها ليأخذ حق غيره.
ولا يبيع أو يشترى لئلا يرخص له ما اشترى أو يغلو ما باع مداراة له أو ليحكم لهم وكذا ما دونه وان فعل صح البيع لكن يخاف ذلك عليه وينبغى أن يوكل غيره بحيث لا يعلم الناس أنه وكيله وله أن يباشر البيع والشراء حيث لا يعرفه من يعامله وفيما له سعر لا يزيد ولا ينقص.
ويقال أن القاضى اذا اتجر فى الموضع الذى يحكم فيه أنه ملعون ورخص له أن يرسل خديمه فبما يصلح للبيت كلحم وزيت وبقل ويلى بيع ما يحعله العلم بيده كمال يتيم أو غائب.
هل يضمن المفتى ما تلف بفتواه:
وفى البحر الرائق: من أفتى غيره ثم رجع عن فتواه قبل العمل بها كفى عن العمل.
وكذا اذا نكح امرأة بفتواه ثم رجع لزمه فراقها كما فى القبلة.
وان رجع بعد العمل وقد خالف دليلا قاطعا نقضه والا فلا.
وان كان المفتى يقلد الامام فنص أمامه.
وان كان اجتهاديا فى حقه كالدليل القطعى وعلى المفتى أعلامه برجوعه قبل العمل.
وكذا بعده ان وجب النقض وان أتلف بفتواه لا يغرم ولو كان أهلا اهـ.
والله تعالى أعلم، وفى حاشية ابن عابدين (٢):
ان بعض الفقهاء قاس المفتى على القاضى فى اختلاف الرواية.
فقد قال ابن عابدين القاضى.
اذا قاس مسألة على مسألة وحكم ثم ظهر رواية بخلافه فالخصومة للمدعى عليه يوم القيامة مع القاضى والمدعى.
أما مع المدعى فلأنه اثم بأخذ المال واما مع القاضى فلانه اثم بالاجتهاد.
لأن أحدا ليس من أهل الاجتهاد فى زماننا.
القاضى فأورت أن القاضى صاحب مباشرة للحكم فكيف يؤاخذ السبب مع المباشر فانقطع وكان له يقول:
стр. 5990
ان القاضى فى زماننا ملجأ الى الحكم بعد الفتوى لأنه لو ترك يلام لأنه غير عالم حتى يقضى بعلمه بزازية قبيل الشهادات قلت.
وفيه نظر فان هذا لا يسمى الجاء حقيقة والا لزم أن تنقطع النسبة عن المباشر الى المتسبب.
كما لو أكره رجل آخر باتلاف عضو على أخذ مال انسان فان الضمان على المكره بالكسر لصيرورة المكره بالفتح كالالة.
ولو شك أن ما هنا ليس كذلك فلم تنقطع النسبة عن المباشر وهو القاضى.
وان اثم المسبب وهو المفنى ولا يقاس هذا على مسألة تضمين الساعى الى ظالم مع أى الساعى متسبب لا مباشر فان تلك مسألة استحسانية خارجة عن القياس زجرا عن السعاية.
لكن قد يقال ان هذا حكم الضمان فى الدنيا والكلام فى الخصومة فى الآخرة.
ولا شك أن كلا من المباشر والمتسبب ظالم آثم وللمظلوم الخصومة معها.
وان اختلف ظلمهما فان المباشر طلمه أشد كمن أمسك رجلا حتى قتله آخر.
وفى الحطاب (١): من أفتى رجلا فأتلف بفتواه ما لا فان كان مجتهدا.
فلا شئ عليه والا فقال المازرى يضمن ما تلف ويجب على الحاكم التغليظ عليه.
وان أدبه فأهل الا أن يكون تقدم له اشتغال بالعلم فيسقط عنه الأدب وينهى عن الفتوى اذا لم يكن أهلا.
ونقل البرزلى عن ابن رشد فى أوائل النكاح عن الشعبى.
انه يضمن قال وهذا عندى فى المفتى الذى يجب تقليده المنتصب لذلك.
وأما غيره فكالغرور بالقول ويجرى على أحكامه فتحصل أن المفتى المغتصب لذلك يضمن.
ولعل ابن رشد لا يخالف فيه لأن هذا يحكم بفتواه فهو كالشاهد يرجع عن الشهادة.
وأما غير المنتصب ففيه قولان لابن رشد والمازرى، وفى المجموع (٢).
اذا أفتى المفتى بشئ ثم رجع عنه فان علم المستفتى برجوعه.
ولم يكن عمل بالأول لم يجز العمل به وكذا ان نكح بفتواه.
واستمر على نكاح بفتواه ثم رجع لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من قلده فى القبلة أثناء الصلاة.
وان كان عمل قبل رجوعه فان خالف دليلا قاطعا لزم المستفتى نقض عمله ذلك.
وان كان فى محل اجتهاد لم يلزمه نقضه لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وهذا التفصيل ذكره الصيمرى والخطيب وأبو عمرو واتفقوا عليه.
ولا أعلم خلافه وما ذكره الغزالى والرازى ليس فيه تصريح بخلافه.
قال أبو عمرو واذا كان يفتى على مذهب امام فرجع لكونه بأن له قطعا مخالفة.