← Фикх общий

Фикх общий · id 437

موسوعة جمال عبد الناصر في الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (9 614 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

هو باب من أبواب الرشوة لأن دفع الظلم واجب على كل من قدر على دفعه عن أخيه المسلم وعن الذمى. وفى المجموع (١). المختار أن المتصدى للفتوى أن يتبرع بذلك ويجوز أن يأخذ عليه رزقا من بيت المال. الا أن يتعين عليه وله كفاية فيحرم على الصحيح ثم ان كان له رزق لم يجز أخذ أجرة أصلا. وان لم يكن له رزق فليس له أخذ أجرة من أعيان من يفتيه على الأصح كالحاكم. واحتال الشيخ أبو حاتم القزوينى من أصحابنا فقال له أن يقول: يلزمنى أن أفتيك قولا وأما كتابة الخط فلا فاذا استأجره على كتابة الخط جاز. قال الصيمرى والخطيب لو اتفق أهل البلد فجعلوا له رزقا من أموالهم على أن يتفرغ لفتاويهم جاز. أما الهدية فقال أبو مظفر السمعانى له قبولها بخلاف الحاكم فانه يلزم حكمه. قال أبو عمرو ينبغى أن يحرم قبولها أن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد كما فى الحاكم وسائر ما لا يقابل بعوض. قال الخطيب وعلى الامام أن يفرض من نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى فى الأحكام ما يفتيه عن الاحتراز ويكون ذلك من بيت المال. ثم روى باسناده أن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أعطى كل رجل ممن هذه صفته مائة دينار فى السنة. وفى نهاية المحتاج (٢): قال ان أهدى الى القاضى من له خصومة أو من غلب على ظنه بأنه سيخاصم أو كان يهدى اليه قبل الولاية. أو من لا خصومة له ولم يهد اليه شيئا قبل ولايته حرم عليه قبولها وقد ورد فى الأخبار الصحيحة هدايا العمال سحت. وان كان من عادته أنه يهدى اليه قبل ولايته. ولا خصومة له جاز قبول هديته ان كان بقدر العادة - ثم قال: ولا يلتحق بالقاضى فيما ذكر المفتى والواعظ ومعلم القرآن. والعلم لأنهم ليس لهم أهلية الالزام والأولى فى حقهم ان كانت الهدية لأجل ما يحصل منهم من الافتاء والوعظ والتعليم عدم القبول ليكون عملهم خالصا لله . وان أهدى اليهم تحببا وتوددا لعلمهم وصلاحهم فالأولى القبول. وأما اذا أخذ المفتى الهدية ليرخص الفتوى فان كان بوجه باطل فهو رجل فاجر يبدل أحكام الله تعالى. ويشترى بها ثمنا قليلا وان كان بوجه صحيح فهو مكروه كراهة شديدة. والأولى لمن جماز له قبول الهدية أن يثيب عليها أو يردها لمالكها أو يضعها فى بيت المال.

стр. 5987

وسد باب القبول مطلقا أولى حسما للباب وجوز السبكى فى حلبياته قبول الصدقة ممن لا خصومة له ولا عادة. وخصه فى تفسيره بما اذا لم يعرف التصدق بأنه القاضى وعكسه واعتمده ولده وهو متجه وبحث غيره القطع بحل أخذه للزكاة. ويتجه تقييده بما ذكر والحق الحسبانى بالأعيان المنافع المقابلة لمال عادة كسكنى دار بخلاف غيرها كاستعارة كتاب علم وأكله طعام بعض أهل ولايته حنيفا كقبول هديتهم. واما لو وقف عليه بعض أهل عمله فقد تردد فيه السبكى المتجه فيه. وفى القدر أنه ان عينه باسمه وشرطنا القبول كان كالهدية له. وفى كشاف (١) القناع وللمفتى أخذ الرزق من بيت المال لأن الافتاء من المصالح العامة كالآذان. ولو تعين عليه أن يفتى ولا كفاية لم يأخذ من المستفتى أجرة لفتياه لأنه اعيتاض عن واجب عليه. ولا يجوز ومن أخذ رزقا من بيت المال لم يأخذ من المستفتى أجرة لفتياه. ولا لخطه لاستفتائه بالرزق والا أرى وان لم يأخذ رزقا أخذ أجرة خطه فقط. ويجب على الامام أن يفرض من بيت المال لمن نصب نفسه لتدريس العلم والفتوى فى الأحكام ما يغنيه عن التكسب لدعاء الحاجة الى القيام بذلك. والانقطاع له وهو فى معنى الامامة والقضاء. وله أى المفتى (٢) قبول هدية والمراد لا ليفتيه بما يريده مما لا يفتى به غيره. اى غير المهدى والا اى وان أخذها ليفتيه بما يريده مما لا يفتى به غيره حرمت عليه الهدية. ومن عدم مفتيا فى بلده وغيره فله حكم ما قبل الشرع على الخلاف هل الأصل فى الأشياء الحظر أو الاباحة أو الوقف. وفى الروضة البهية (٣): أنه يجوز ارتزاق القاضى من بيت المال مع الحاجة الى الارتزاق لعدم المال أو الوصلة اليه سواء تعين القضاء عليه أم لا. لأن بيت المال معد للمصالح وهو من أعظمها. وقيل لا يجوز مع تعينه لوجوبه ويضعف بأن المنع حينئذ من الأجرة لا من الرزق ولا يجوز الجعل ولا الأجرة من الخصوم ولا من غيرهم. لأنه فى معنى الرشاء المرتزقة من بيت المال المؤذن والقاسم والكاتب للامام أو لضبط بيت المال أو الحجج ونحوها من المصالح ومعلم القرآن والآداب كالعربية وعلم الأخلاق الفاضلة ونحوها. وصاحب الديوان الذى بيده ضبط القضاة والجند وأرزاقهم ونحوها من المصالح ووالى بيت المال الذى يحفظه ويضبطه ويعطى منه ما يؤمر به.

стр. 5988

ونحوه وليس الارتزاق منحصرا فيما ذكر بل مصرفه كل مصلحة من مصالح الاسلام ليس لها جهة غيره أو قصرت جهتها عنها. وفى العروة (١) الوثقى أنه قال: وأما الرشاء فى الحكم فهو الكفر العظيم. وفى خير الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين ﵇ أنه قال: أيما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة عن حوائجه وان أخذ هدية كان غلولا وان أخذ رشوة فهو شرك. وفى رواية يوسف بن جابر لعن رسول الله ﷺ من نظر الى فرج امرأة لا تحل له ورجلا خان أخاه فى امرأته ورجلا احتاج الناس اليه لفقهه فسألهم الرشوة. وفى شرح النيل (٢): انه يحرم على المفتى قبول هدية. فانه يقال اذا دخلت الهدية من الباب خرج الحق من الكوة والمعنى والله أعلم أن الحق يتحمل الخروج من الكوة مع ضيقها ولا يتحمل المقام حتى تدخل الهدية لمنافرته اياها. ولا يطيق على مزاحمتها لخبثها وبنضه اياها الا من قريب أو جار أو صديق معتاد فى الأهواء أو مما يستوى فيه الفقراء والأغنياء. وربما زاد الصديق أو القريب أو الجار زيادة يريبها فيتحرج حتى تطمئن نفسه. وجائز للامام أن يجعل له النفقة والكسوة وما يصلح له ولعياله من بيت المال وما يحتاج اليه ليتفرغ لأمور المسلمين. وينبغى له أن يتنزه عن ذلك وان قبضه فليقتر فيه وان وسع أو أخذ ليتجر به أو ليتسع به ماله جاز له ربحه. ولا يغرم ان أكل به الطرف وكذا ان أعطاه لجماعة ويعطى نفقة شهر أو سنة أو ما رأى من ذلك. وان تلف أعطوه وان لم يفرغ للوقت زادوا ان رأوا أو تركوه حتى يفرغ. وان فرغ قبل الوقت أعطوه وان خرج من الحكومة لم يلزمه رد ما بيده. وكذا ان مات فلوارثه امساكه وان خرج أو مات فليس له أو لوارثه مما فرض له الا قبضه. وله أن يصنع معروفا مما قبض ويصل قرابته وعليه حقوقه. وكذا الحاكم والمفتى والترجمان والكاتب وكل من يعين أمور المسلمين بحسب تعينهم فى ذلك. وليس ذلك شرطا بل يدخلون فى ذلك كله ويجعل لهم الامام أو الجماعة ذلك يقدر لهم ما يحتاجون اليه لئلا يشتغلوا عن أمور الاسلام بتجر. وان لم يكن بيت مال جعل المسلمون ذلك لهم من مالهم والا قاموا بالأمور طاقتهم ويكسب قوتهم. وينبغى للمسلمين أن يجعلوا من مالهم ما يقوى به الحق ويصنعون منه المعروف ويصلون به من يجور عليهم ويجعلون ذلك فى يد أمين. ولا يعمل فيه الا ما اجتمع عليه خيارهم أو من فوضوا اليه أمرهم وهذا يفعل فى وقت الامام أو غيره والأصل أن تكون أجرته من بيت المال. الا أن لم يتيسر ذلك لأنه كالقاضى يعمل أمرا لا يلزمه بعينه.

стр. 5989

ثم قال: والهدية رشوة فى الحكم والرشوة فى الحكم كفر ولا يجوز لأحد أن يأخذ شيئا ما على بطلان حق ما. ويجوز للحاكم أن يأخذ ما أعطيه اذا لم يستر به انه جعل له على ابطال الحق. ولا يأكل مما يجعل للأغنياء أو للأقوياء الا من قريبة أو صديقه وله الأكل مما للعامة أو الفقراء. ويجوز لصاحب الحق أن يعطى الرشوة من يحكم له به ولا يجوز ان يأخذها ولا يجوز لمن يعطى أن يعطى أكثر من حقه. لأن ذلك تضييع للمال قال جابر بن زيد رحمه الله تعالى. ليس لنا شئ أنفع من الرشوة فى زمان عبيد الله بن زياد. قالت العلماء الرشوة تصيد الحكيم وتفقأ عين الحكيم والله بعباده خبير عليم. وقيل لا يجوز لأحد أن يعطى الرشوة من يحكم له ولو تيقن أن الحق له فأن أعطاها فهو كمن أعطاها ليأخذ حق غيره. ولا يبيع أو يشترى لئلا يرخص له ما اشترى أو يغلو ما باع مداراة له أو ليحكم لهم وكذا ما دونه وان فعل صح البيع لكن يخاف ذلك عليه وينبغى أن يوكل غيره بحيث لا يعلم الناس أنه وكيله وله أن يباشر البيع والشراء حيث لا يعرفه من يعامله وفيما له سعر لا يزيد ولا ينقص. ويقال أن القاضى اذا اتجر فى الموضع الذى يحكم فيه أنه ملعون ورخص له أن يرسل خديمه فبما يصلح للبيت كلحم وزيت وبقل ويلى بيع ما يحعله العلم بيده كمال يتيم أو غائب. هل يضمن المفتى ما تلف بفتواه: وفى البحر الرائق: من أفتى غيره ثم رجع عن فتواه قبل العمل بها كفى عن العمل. وكذا اذا نكح امرأة بفتواه ثم رجع لزمه فراقها كما فى القبلة. وان رجع بعد العمل وقد خالف دليلا قاطعا نقضه والا فلا. وان كان المفتى يقلد الامام فنص أمامه. وان كان اجتهاديا فى حقه كالدليل القطعى وعلى المفتى أعلامه برجوعه قبل العمل. وكذا بعده ان وجب النقض وان أتلف بفتواه لا يغرم ولو كان أهلا اهـ. والله تعالى أعلم، وفى حاشية ابن عابدين (٢): ان بعض الفقهاء قاس المفتى على القاضى فى اختلاف الرواية. فقد قال ابن عابدين القاضى. اذا قاس مسألة على مسألة وحكم ثم ظهر رواية بخلافه فالخصومة للمدعى عليه يوم القيامة مع القاضى والمدعى. أما مع المدعى فلأنه اثم بأخذ المال واما مع القاضى فلانه اثم بالاجتهاد. لأن أحدا ليس من أهل الاجتهاد فى زماننا. القاضى فأورت أن القاضى صاحب مباشرة للحكم فكيف يؤاخذ السبب مع المباشر فانقطع وكان له يقول:

стр. 5990

ان القاضى فى زماننا ملجأ الى الحكم بعد الفتوى لأنه لو ترك يلام لأنه غير عالم حتى يقضى بعلمه بزازية قبيل الشهادات قلت. وفيه نظر فان هذا لا يسمى الجاء حقيقة والا لزم أن تنقطع النسبة عن المباشر الى المتسبب. كما لو أكره رجل آخر باتلاف عضو على أخذ مال انسان فان الضمان على المكره بالكسر لصيرورة المكره بالفتح كالالة. ولو شك أن ما هنا ليس كذلك فلم تنقطع النسبة عن المباشر وهو القاضى. وان اثم المسبب وهو المفنى ولا يقاس هذا على مسألة تضمين الساعى الى ظالم مع أى الساعى متسبب لا مباشر فان تلك مسألة استحسانية خارجة عن القياس زجرا عن السعاية. لكن قد يقال ان هذا حكم الضمان فى الدنيا والكلام فى الخصومة فى الآخرة. ولا شك أن كلا من المباشر والمتسبب ظالم آثم وللمظلوم الخصومة معها. وان اختلف ظلمهما فان المباشر طلمه أشد كمن أمسك رجلا حتى قتله آخر. وفى الحطاب (١): من أفتى رجلا فأتلف بفتواه ما لا فان كان مجتهدا. فلا شئ عليه والا فقال المازرى يضمن ما تلف ويجب على الحاكم التغليظ عليه. وان أدبه فأهل الا أن يكون تقدم له اشتغال بالعلم فيسقط عنه الأدب وينهى عن الفتوى اذا لم يكن أهلا. ونقل البرزلى عن ابن رشد فى أوائل النكاح عن الشعبى. انه يضمن قال وهذا عندى فى المفتى الذى يجب تقليده المنتصب لذلك. وأما غيره فكالغرور بالقول ويجرى على أحكامه فتحصل أن المفتى المغتصب لذلك يضمن. ولعل ابن رشد لا يخالف فيه لأن هذا يحكم بفتواه فهو كالشاهد يرجع عن الشهادة. وأما غير المنتصب ففيه قولان لابن رشد والمازرى، وفى المجموع (٢). اذا أفتى المفتى بشئ ثم رجع عنه فان علم المستفتى برجوعه. ولم يكن عمل بالأول لم يجز العمل به وكذا ان نكح بفتواه. واستمر على نكاح بفتواه ثم رجع لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من قلده فى القبلة أثناء الصلاة. وان كان عمل قبل رجوعه فان خالف دليلا قاطعا لزم المستفتى نقض عمله ذلك. وان كان فى محل اجتهاد لم يلزمه نقضه لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد. وهذا التفصيل ذكره الصيمرى والخطيب وأبو عمرو واتفقوا عليه. ولا أعلم خلافه وما ذكره الغزالى والرازى ليس فيه تصريح بخلافه. قال أبو عمرو واذا كان يفتى على مذهب امام فرجع لكونه بأن له قطعا مخالفة.

стр. 5991

نص مذهب أمامه وجب نقضه ان كان فى محل الاجتهاد لأن نص مذهب أمامه فى حقه كنص الشارع فى حق المجتهد المستقل. أما اذا لم يعلم المستفتى برجوع المفتى فحال المستفتى فى علمه. كما قبل الرجوع ويلزم المفتى اعلامه قبل العمل وكذا بعده حيث يجب النقض، واذا عمل بفتواه فى اتلاف فبان خطؤه. وانه خالف القاطع فعن الأستاذ أبى اسحاق أنه يضمن ان كان أهلا للفتوى. ولا يضمن ان لم يكن أهلا لأن المستفتى قصر. كذا حكاه الشيخ أبو عمرو وسكت عليه وهو مشكل وينبغى أن يخرج الضمان على قولى الغرور المعروفين فى بابى الغصب والنكاح وغيرهما. أو يقطع بعدم الضمان اذ ليس فى الفتوى الزام ولا الجاء. وفى العروة الوثقى (١) أنه لو تبين خطأ الحاكم فى حكمه. انتقض وحينئذ فان كان قبل العمل به فلا أشكال وان كان بعده. فأما أن يكون فى محتوم أو قطع واما أن يكون فى مال. ففى الأول اذا لم يكن مقصرا ولا جائرا فى حكمه فلا قصاص عليه قطعا وتكون الدية من بيت المال لخبر الأصبع بن نباته. ما أخطأت القضاة فى دم أو قطع فعلى بيت مال المسلمين. نعم لو كان المحكوم له عالما بفساد دعواه. ومع ذلك أقدم عليها كان عليه القصاص. وفى الثانى اذا كان المال موجودا استرد وان كان تالفا. فان كان قد أخذه المحكوم له ضمن عوضه وان لم يكن أخذه لعدم كونه مما يرجع اليه. فان كان عالما بفساد دعواه فكذلك لكونه السبب فى اتلافه على المحكوم عليه. وان لم يكن عالما فعن جماعة أنه على بيت المال لكنه لا يخلو عن اشكال لاختصاص الخبر بالدم والقطع. وحينئذ فلا ضمان على المحكوم له لعدم ثبوت يده عليه. ولا على الحاكم لكونه مأذونا شرعا اذ المفروض عدم جوره وعدم تقصيرة. وربما يحتمل ضمانه لصحيح عبد الله بن عبد الرحمن بن الحجاج. قال: كان أبو عبد الله ﵇ قاعدا فى حلقة ربيعة الرأى. فجاء اعرابى فسأل ربيعة الرأى فأجابه فلما سكت قال له الاعرابى: هو فى عنقك فسكت ربيعة ولم يرد شيئا. فأعاد المسألة عليه فأجابه بمثل ذلك فقال الأعرابى: هو فى عنقك فسكت عنه ربيعة فقال أبو عبد الله ﵇ هو فى عنقه قال: أو لم يقل وكل نعت ضامن» لكنه ضعيف والمراد من الضمان فى الخبر هو الاثم على تقدير التقصير أو عدم الأهلية أو ضمان العوض

стр. 5992

اذا كان سببا لاتلافه بفتواه مع كونه معقدا أو غير أهل. وأما ان كان حكم الحاكم عن جور أو تقصير فى الاجتهاد أو فى مقدمات القضاء. وكانت الدعوى فى قتل أو قطع كان الضمان عليه الا اذا كان المحكوم له ظالما فى دعواه. وكان هو المباشر للقتل أو القطع فحينئذ يكون القصاص عليه لأن المباشر أقوى من السبب. وان كان المباشر غيره بتسبيب فالمحكوم عليه أو وليه مخير بين القصاص منه أو من الحاكم. وان كانت الدعوى ما لا وكان تالفا كان الضمان على الحاكم نعم لو كان المحكوم له ظالما فى دعواه تخير المحكوم عليه بين الرجوع عليه أو على الحاكم. وفى كشاف القناع (١): ان بأن خطأ الحاكم فى اتلاف كقطع وقتل لمخالفة دليل قاطع. أو بان خطأ مفت ليس أهلا للفتيا ضمنا أى الحاكم والمفتى لأنه اتلاف حصل بفعلهما أشبه مالو باشراه. وعلم منه أنه لو أخطأ فيما ليس بقاطع مما يقبل الاجتهاد لا ضمان ولو بان بعد الحكم كفر الشهود أو فسقهم لزمه أى الحاكم نقضه أى الحاكم لفقد شرط صحته. ويرجع بالمال المحكوم به ان بقى أو بدله أن تلف على المحكوم له لأنه أخذ بغير حق. أو يرجع ببدل قود مستوفى على المحكوم له ان لم يكن بعد قتله على ما سبق تفصيله فى العبد. وان كان الحكم لله تعالى باتلاف حسى كقتل فى ردة. وقطع فى سرقة أو بما سرى اليه أى الاتلاف الحسى كجلد سرى ومات به. ثم بان كفر الشهود أو فسقهم ضمنه مزكون ان كانوا لتفريطهم وتسببهم والا فالحاكم. وفى شرح النيل (٢). أنه ان أخطأ موافق أو مخالف فى فتواه أو فى قضائه أو حكمه أو وعظه أو تفسيره آية أو حديثا أو كلاما من العلوم. ولو غير الفقه لزمه اظهار الرجوع عنه الى كل من أفتى له بالخطأ. أو قضى له أو عليه أو حكم كذلك أو وعظه أو فسر له والى من حضر فسمع من لسانه أو كتب كتابا الى أحد. وكذا ما عمل من ذلك باشارة برأس أو غيره ونزع ما قضى به أو حكمه ممن ليس له ان أطاق. وان بوهم أو غلط أن خاف أن يعمل بقوله ويعتمد عليه. والا فليتب منه فقط ويتصور عدم العمل بقوله وعدم الاعتماد عليه بأن يكون هؤلاء لا يعلمون بقوله. أو بأن يعلمون ان ما أفتى به خطأ وقد يقال الأمر كذلك اذا علم أنهم نسوه. لكن فيه نظر اذ قد يتذكرون وكذا أن جنوا لكن قد يصحون فيحضر ذلك فى قلوبهم فالأحوط أن يظهر اليهم.

стр. 5993

ولو نسوا ولو كان فى اظهاره تكفير لهم وان يظهر لهم اذا صحوا ولو لم يتذكروا ولا شئ عليه من الاظهار ما داموا ناسين أو جاحدين. والواضح اظهار التخطئة لذلك ولو كان لا يخاف العمل به لمن علم له أو افتاه وان أفتى المجتهد أو قضى أو حكم أو وعظ أو فسر باجتهاده فى ذلك ثم تاب فلا ضمان عليه فى مال أو نفس وجاء فى موضع آخر من شرح النيل (١). ان من قال الحلال عليه حرام فأفتاه مفت بطلاق زوجته. وقد مرت له تطليقتان وأخذ بفتياه ورأى أن لا رجعة له وتزوجت ثم سأله غيره فأفتاه بعدمه وأنها زوجته. فرجع على المفتى الأول بالصداق أو باخراجها من الزوج فحاوله فأبى الا بضمان الصداق ضمنه له أيضا كذا قال ابن محبوب. وان قال المفتى لست بفقيه ولا تأخذ برأيى لم يضمن وعذر وان قال له الفقيه. غيرى فان شئت أن تأخذ برأيى فرأيى كذا وكذا ضمن أيضا الا ان قال: لا تأخذ به وان أفتى مقبول الفتيا ففى ضمانه قولان وعليه التوبة ان لم يجز له الرأى وقيل لا يضمن حتى يقول هذا قول المسلمين وانما يضمن غير المجتهد ان خرج عن أقوال الموافقين والمخالفين أو أفتى بمجمع على خلافه وتخطئته أو بمحرم فى الأصول ان لم يكن فى النازلة حكم واحد فأفتى بغير ما قال فيها أهل الرأى سلم لأنه من أهله والا ضمن وتلعن الملائكة مفتيا بما لم يعلم واضعف الناس علما أعجلهم بالفتيا. وعن أبى سعيد ليس العالم من حمل الناس على ورعه ولكن هو من أفتاهم لما يسعهم من الحق قبل لقد أحسن فى ذلك ولا شئ على من قصد الصواب وغلط فى فتياه ولا على من بلغها بغير تغيير ان لم يعلمها غلطا ومن بعث بسؤال الى ثقة مع غير ثقة وأتاه بخطه وعرف أنه خط الثقة المسئول واطمأن ان رسوله لا يبدل ولا يقصد غيره كفاه وان قال سن كذا وان كان منسوخا لم يأثم ان لم يعلمه منسوخا ولم يقصد الفتيا بباطل وان قال وجدت فى الأثر أو فى كتاب كذا عندى أو سمعت فيها كذا عندى فلا يعمل به لأنه ليس ذلك فتيا ولا رفع لقوله عندى بل ذلك ظن ونهى عن استفتاء معالج الأخبثين ومشغول بدين عليه أو بدنياه أو مصيبة أو نحو ذلك لأنه يؤدى الى الزلل. والمسائل تصاد بنور القلب اذا اجتمع ولا يجاب سائل متعنت أو محتج على المسلمين أو معين للظالمين وطالب منزله أو نحو ذلك لما روى لا تطرحوا الدر فى أفواه الكلاب. وقيل من أعطى الحكمة غير أهلها خاصمته الى ربها وظلمها من منعها من أهلها ولمن علم من احد جهلا بدينه أن يعلمه ولو لم يسأله وان سأله وجب عليه أن يعلمه ولو لم يعلمه جاهلا الا ان كان متعنتا. واذا تكررت الواقعة للمجتهد وتجدد له ما يقتضى الرجوع عما ظنه فيها أولا حتما لا ولم يكن ذاكرا للدليل الأول لا أن كان ذاكرا للدليل اذ لو أخذ بالأول من غير نظر حيث لم يذكر الدليل كان آخذ الشئ من غير دليل يدل عليه والدليل الأول لعدم تذكرة لاثقة ببقاء الظن منه بخلاف ما اذا كان ذاكرا للدليل فلا يجب تجديد النظر فى واحدة من الصورتين اذ لا حاجة اليه. ويجوز استفتاء من عرف بالأهلية للافتاء وشهرته بعلمه وعدالته أو ظن أنه أهل لانتصابه لذلك والناس يستفتونه ولو قاضيا وقيل لا يفتى.

стр. 5994

ما يشترط فى المفتى: أولا فى الأصول: وفى المستصفى (١) للغزالى: قال فى المستصفى المجتهد له شرطان: أحدهما أن يكون محيطا بمدارك الشرع متمكنا من استثارة الظن بالنظر فيها وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره. والشرط الثانى أن يكون عدلا مجتنبا للمعاصى القادحة فى العدالة. وهذا يشترط لجواز الاعتماد على فتواه فمن ليس عدلا لا تقبل فتواه أما هو فى نفسه فلا فكأن العدالة شرط القبول للفتوى لا شرط صحة الاجتهاد. فان قيل متى يكون محيطا بمدارك الشرع وما تفصيل العلوم التى لا بد منها لتحصيل مغصب الاجتهاد قلنا انما يكون متمكنا من الفتوى بعد أن يعرف المدارك المثمرة للأحكام كما فصلناها أربعة الكتاب والسنة والاجماع والعقل. وطريق الاستثمار يتم بأربعة علوم اثنان مقدمان واثنان متممان وأربعة فى الوسط فهذه ثمانية فلنفصلها ولننبه فيها على دقائق أهملها الأصوليون. أما كتاب الله فهو الأصل ولا بد من معرفته ولنخفف عنه أمرين. أحدهما أنه لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما تتعلق به الأحكام منه وهو مقدار خمسمائة آية. والثانى لا يشترط حفظها عن ظهر قلب بل أن يكون عالما بمواضعها بحيث يطلب فيها الآية المحتاج اليها وقت الحاجة. وأما السنة فلا بد من معرفة الأحاديث التى تتعلق بالأحكام. وهى وان كانت زائدة على الوف فهى محصورة وفيها التخفيفان المذكوران اذ لا يلزمه معرفة ما يتعلق من الأحاديث بالمواعظ وأحكام الآخرة. وغيرها الثانى لا يلزمه حفظها عن ظهر قلبه بل ان يكون عنده أصل مصحح لجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام كسنن أبى داود ومعرفة السنن لأحمد والبيهقى أو أصل وقعت العناية فيه بجميع الأحاديث المتعلقة بالأحكام ويكفيه أن يعرف مواقع كل باب فيرجعه وقت الحاجة الى الفتوى وان كان يقدر على حفظه فهو أحسن وأكمل. وأما الاجماع فينبغى أن تتميز عنده مواقع الاجماع حتى لا يفتى بخلاف الاجماع كما يلزمه معرفة النصوص حتى لا يفتى بخلافها والتخفيف فى هذا الأصل أنه لا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الاجماع والخلاف بل كل مسألة يفتى فيها فينبغى أن يعلم أن فتواه ليس مخالفا للاجماع أما بأن يعلم أنه موافق مذهبا من مذاهب العلماء أيهم كان أو يعلم أن هذه واقعة متولدة فى العصر لم يكن لأهل الاجماع فيها خوض فهذا القدر فيه كفاية وأما العقل فمقتضى به مستند النفى الأصلى للأحكام فان العقل قد دل على نفى الحرج فى الأقوال والأفعال وعلى نفى الأحكام عنها من صور لا نهاية لها. أما ما استثنته الأدلة السمعية من الكتات والسنة فالمستثناة محصورة وان كانت كثيرة فينبغى أن يرجع فى كل واقعة الى النفى الأصلى والبراءة الأصلية ويعلم أن ذاك لا يغير الا بنص أو قياس على منصوص فيأخذ فى طلب النصوص وفى معنى النصوص الاجماع وأفعال رسول الله ﷺ بالاضافة الى ما يدل

стр. 5995

عليه الفعل على الشرط الذى فصلناه فى كتاب السنة عند الكلام على أفعال الرسول ﷺ هذه المدارك الأربعة فأما العلوم الأربعة التى بها يعرف طرق الاستثمار. فعلمان مقدمان أحدهما: معرفة نصب الأدلة وشروطها التى بها تصير البراهين والأدلة منتجة والحاجة الى هذا تعم المدارك الأربعة. والثانى: معرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له به فهم الخطاب العرب وهذا يخص فائدة الكتاب والسنة ولكل واحد من هذين العلمين تفصيل وفيه تخفيف وتثقيل. أما تفصيل العلم الأول فهو أن يعلم أقسام الأدلة وأشكالها وشروطها. فيعلم أن الأدلة عقلية تدل لذاتها وشرعية صارت أدلة بوضع الشرع ووضعية وهى العبارات اللغوية ويحصل تمام المعرفة بما ذكرناه فى مقدمة الأصول من مدارك العقول لا بأقل منه فان لم يعرف شروط الأدلة لم يعرف حقيقة الحكم ولا حقيقة الشرع. ولم يعرف مقدمة الشارع ولا عرف من أرسل الشارع. ثم قالوا لا بد أن يعرف حدوث العالم وافتقاره الى محدث موصوف بما يجب له من الصفات منزه عما يستحيل عليه وأنه متعبد عبادة ببعثة الرسل وتصديقهم بالمعزات وليكن عارفا بصدق الرسول والنظر فى معجزاته والتخفيف فى هذا عندى أن القدر الواجب من هذه الجملة اعتقاد جازم اذ به يصير مسلما. والاسلام شرط المفتى لا محالة. فأما معرفته بطرق الكلام والأدلة المحررة على عادتهم فليس بشرط اذ لم يكن فى الصحابة والتابعين من يحسن صنعة الكلام فأما مجاوزة حد التقليد فيه الى معرفة الدليل فليس بشرط أيضا لذاته لكنه يقع من ضرورة منصب الاجتهاد فانه لا يبلغ رتبة الاجتهاد. وفى العلم الا وقد فرع سمعة أدلة خلق العالم وأوصاف الخالق وبعثة الرسول ﷺ واعجاز القرآن الكريم. فان كل ذلك يشتمل عليه كتاب الله تعالى وذلك محصل للمعرفة الحقيقية مجاوز لصاحبه حد التقليد. وان لم يمارس صاحبه صنعة الكلام فهذا من لوازم منصب الاجتهاد حتى لو تصور مقلد محض فى تصديق الرسول ﷺ وأصول الايمان لجاز له الاجتهاد فى الفروع. أما المقدمة الثانية فعلم اللغة والنحو أعنى القدر الذى يفهم به خطاب العرب وعادتهم فى الاستعمال الى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه، والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وان يعرف جميع اللغة ويتعمق فى النحو بل القدر الذى يتعلق بالكتاب والسنة ويستوى به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه. وأما العلمان المتممان فأحدهما معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب الكريم والسنة الشريفة. وذلك فى آيات وأحاديث مخصوصة والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يكون جميعه على حفظه بكل واقعة يفتى فيها بآية أو حديث فينبغى أن يعلم أن ذلك الحديث وتلك الآية ليست من جملة المنسوخ. وهذا يعم الكتاب والسنة الثانى وهو يخص السنة معرفة الرواية وتمييز الصحيح منها عن الفاسد والمقبول عن المردود فان ما لا ينقله العدل عن العدل فلا حجة فيه والتخفيف فيه أن كل حديث يفتى به مما قبلته الأمة فلا حاجة به الى النظر فى اسناده وان خالفه بعض العلماء فينبغى أن يعرف رواته وعدالته فان كانوا مشهورين عنده كما يرويه الشافعى عن مالك عن نافع عن

стр. 5996

ابن عباس عن ابن عمر مثلا اعتمد عليه فهؤلاء قد تواتر عند الناس عدالتهم وأحوالهم. والعدالة انما تعرف بالخبرة والمشاهدة أو بتواتر الخبر فما نزل عنه فهو تقليد وذلك بأن يقلد البخارى ومسلما فى أخبار الصحيحين وأنهما ما رددها الا عمن عرفوا عدالته فهذا مجرد وتقليد وانما يزول التقليد بأن يعرف أحوال الرواة بتسامع أحوالهم وسيرهم ثم ينظر فى سيرهم انها تقتضى العدالة أم لا وذلك طويل وهو فى زماننا مع كثرة للوسائط عسير. والتخفيف فيه أن يكتفى بتعديل الامام العدل بعد أن عرفنا أن مذهبه فى التعديل مذهب صحيح فان المذاهب مختلفة فيما يعدل به ويجرح فان من مات قبلنا بزمان امتنعت الخبرة والمشاهدة فى حقه ولو شرط أن تواتر سيرته فذلك لا يصادف الا فى الأئمة المشهورين فيقلد فى معرفة سيرته عدلا فيما يخبر فتقلده فى تعديله بعد أن عرفنا صحة مذهبه فى التعديل فان جوزنا للمفتى الاعتماد على الكتب الصحيحة التى ارتضى الأئمة روايتها قصر الطريق على المفتى والا طال الأمر وعسر الخطب فى هذا الزمان مع كثرة الوسائط ولا يزال الأمر يزداد شدة بتعاقب الأعصار فهذه هى العلوم الثمانية التى يستفاد بها منصب الاجتهاد. ومعظم ذلك يشتمل على ثلاثة فنون علم الحديث وعلم اللغة وعلم أصول الفقه. فأما الكلام وتفاريع الفقه فلا حاجة اليهما وكيف يحتاج الى تفاريع الفقه وهذه التفاريع يولدها المجتهدون ويحكمون فيها بعد حيازة منصب الاجتهاد فكيف تكون شرطا فى منصب الاجتهاد وتقدم الاجتهاد عليها شرط نعم انما يحصل منصب الاجتهاد فى زماننا بممارسته فهو طريق تحصيل الدربة فى هذا الزمان ولم يكن الطريق فى زمان الصحابة ذلك ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضا وهذه «دقيقة» فى التخفيف يغفل عنها الأكثرون اجتماع هذه العلوم الثمانية انما يشترط فى حق المجتهد المطلق الذى يفتى فى جميع الشرع. وليس الاجتهاد عندى منصبا لا يتجزأ بل يجوز بأن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد فى بعض الأحكام دون بعض النظر فمن عرف طريق النظر القياسى فله أن يفتى فى مسألة قياسية وان لم يكن ماهرا فى علم الحديث فمن ينظر فى المسألة المشتركة يكفيه أن يكون فقيه النفس عارفا بأصول الفرائض ومعانيها وان لم يكن قد حصل الأخبار التى وردت فى مسألة تحريم المسكرات أو فى مسألة النكاح بلا ولى فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولا تعلق لتلك الأحاديث بها. فمن أين تصير الغفلة عنها أو القصور عن معرفتها نقصا ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمى وطريق التصرف فيه فيما يضره تصوره عن علم النحو الذى يعرف قول الله ﵎ «وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ١»﴾. وقس عليه ما فى معناه وليس من شرط المفتى أن يجيب عن كل مسألة. فقد سئل مالك رحمه الله تعالى عن أربعين مسألة فقال فى ست وثلاثين منها لا أدرى. وكم توقف الشافعى رحمه الله تعالى بل الصحابة رضوان الله عليهم فى المسائل فاذا لا يشترط أن يكون على بصيرة فيما يفتى يدرى ويدرى أنه يدرى ويميز بين ما لا يدرى وبين ما يدرى فيتوقف فيما لا يدرى ويفتى فيما يدرى. وأما المجتهد فيه فهو كل حكم شرعى ليس فيه دليل قطعى واحترزنا بالشرعى عن العقليات ومسائل الكلام فان الحق فيها واحد والمصيب واحد والمخطئ آثم.

стр. 5997

وانما نعنى بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثما ووجوب الصلوات الخمس والزكوات وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع فيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف فليس ذلك محل الاجتهاد. فهذه هى الأركان فاذا صور الاجتهاد التام من أهله وصادف محله كان ما أدى اليه الاجتهاد حقا وصوابا وقد ظن ظانون أن شرط المجتهد أن لا يكون نبيا فلم يجوزا الاجتهاد للنبى ﷺ وان شرط الاجتهاد أن لا يقع فى زمن النبوة (١) مسألة فى وجوب الاجتهاد على المجتهد وتحريم التقليد عليه. قال الغزالى (٢): وقد اتفقوا على أنه اذا فرغ من الاجتهاد وغلب على ظنه حكم فلا يجوز له أن يقلد مخالفه ويعمل بنظر غيره ويترك نظر نفسه. أما اذا لم يجتهد بعد ولم ينظر فان كان عاجزا عن الاجتهاد كالعامى فله التقليد وهذا ليس مجتهدا لكن ربما يكون متمكنا من الاجتهاد فى بعض الأمور عاجزا عن البعض الا بتحصيل علم على سبيل الابتداء كعلم النحو مثلا فى مسألة نحوية وعلم صفات الرجال وأحوالهم فى مسألة خيرية وقع النظر فيها فى صحة الاسناد فهذا من حيث حصل بعض العلوم واستقل بها لا يشبه العامى ومن حيث أنه لم يحصل هذا العلم فهو كالعامى أو بالعالم فيه نظر والأشهر والأشبه أنه كالعامى. وانما المجتهد هو الذى صارت العلوم عنده بالقوة القريبة. أما اذا احتاج الى تعب كثير فى التعلم بعد فهو فى ذلك الفن عاجزا وكما يمكنه تحصيله فالعامى أيضا يمكنه التعلم ولا يلزمه بل يجوز له ترك الاجتهاد وعلى الجملة بين درجة المبتدئ فى العلم وبين رتبة الكمال منازل واقعة بين طرفين وللنظر فيها مجال. وانما كلامنا الآن فى المجتهد لو بحث فى مسألة ونظر فى الأدلة لاستقل بها ولا يفتقر الى تعلم علم من غيره فهذا هو المجتهد فهل يجب عليه الاجتهاد أم يجوز له أن يقلد غيره هذا مما اختلفوا فيه فذهب قوم الى أن الاجماع قد حصل على أن من وراء الصحابة لا يجوز تقليدهم وقال قوم من وراء الصحابة والتابعين وكيف يصح دعوى الاجماع وممن قال بتقليد العالم أحمد بن حنبل واسحاق بن راهوية وسفيان الثورى قال محمد ابن الحسن يقلد العالم الأعلم ولا يقلد من هو دونه أو مثله. وذهب الأكثرون من أهل العراق الى جواز تقليد العالم العالم فيما يفتى وفيما يخصه. وقال قوم يجوز فيما يخص دون ما يفتى وخصص قوم من جملة ما يخصه ما يفوت وقته لو اشتغل بالاجتهاد واختار القاضى منع تقليد العالم للصحابة ولمن بعدهم وهو الأظهر عندنا والمسألة ظنية اجتهادية. والذى يدل عليه أن تقليد من لا تثبت عصمته ولا يعلم بالحقيقة اصابته بل يجوز خطؤه وتلبيسه حكم شرعى لا يثبت الا بنص أو قياس على منصوص ولا نص ولا منصوص الا العامى والمجتهد اذ للمجتهد أن يأخذ بنظر نفسه وان لم يتحقق وللعامى أن يأخذ بقوله. أما المجتهد انما يجوز له الحكم بظنه لعجزه عن العلم فالضرورة دعت اليه فى كل مسألة ليس فيها دليل قاطع. أما العامى فانما يجوز له تقليد غيره للعجز

стр. 5998

عن تحصيل العلم والظن بنفسه والمجتهد غير عاجز فلا يكون فى معنى العاجز فينبغى أن يطلب الحق بنفسه فانه يجوز الخطأ على العالم بوضع الاجتهاد فى غير محله والمبادرة قبل استتمام الاجتهاد والغفلة عن دليل قاطع وهو قادر على معرفة جميع ذلك ليتوصل فى بعضها الى اليقين وفى بعضها الى الظن فكيف ينبنى الأمر على عماية كالعميان وهو يصير بنفسه. وجاء فى الفروق للقرافى (١): ان طالب العلم له أحوال: الحالة الأولى أن يشتغل بمختصر من المختصرات فى مذهبه فيه مطلقات مقيدة فى غيره وعمومات مخصوصة فى غيره ومتى كان الكتاب المعين حفظه وفهمه كذلك أو جوز عليه أن يكون كذلك حرم عليه أن يفتى بما فيه وان أجاده حفظا وفهما الا فى مسألة يقطع فيها انها مستوعية التقييد وأنها لا تحتاج الى مفتى آخر من كتاب آخر فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان وتكون هى عين الواقعة المسئول عنها لا أنها تشبهها ولا تخرج عليها بل هى حرفا بحرف لأنه قد يكون هنا لك فروق تمنع من الالحاق أو تخصيص أو تقييد بمنع من الفتيا بالمحفوظ فيجب الوقف. الحالة الثانية أن يتسع تحصيله فى المذهب بحيث يطلع من تفاصيل الشروحات والمطولات على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك امامه ومسنداته فى فروعه ضبطا متقنا بل سمعها من حيث الجملة من أفواه الطلبة والمشايخ فهذا يجوز له أن يفتى بجميع ما ينقله من مذهبه اتباعا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا. ولكنه اذا وقعت له واقعة ليست فى حفظه لا يخرجها على محفوظاته ولا يقول هذه تشبه المسألة الفلانية لأن ذلك انما يصح ممن أحاط بمدارك امامه وأدلته واقيسته وعلله التى اعتمد عليها مفصلة ومعرفة رتب تلك العلل ونسبتها الى المصالح الشرعية. وكل شئ أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الاجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلى السالم عن المعارض الراجح لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتى به فى دين الله تعالى فان هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه وما لا نقره شرعا بعد تقرره بحكم حاكم أولى ان لا نقره شرعا اذا لم يتأكد وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعا. والفتيا بغير شرع حرام فالفتيا بهذا الحكم حرام وان كان الامام المجتهد غير عامى به بل مثابا عليه لأنه بذل جهده على حسب ما أمر به. وقد قال رسول الله ﷺ «اذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وان أصاب فله أجران». والحالة الثالثة أن يصير طالب العلم الى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعدالة المتمكنة فهذا يجوز له أن يفتى فى مذهبه نقلا وتخريجا ويعتمد على ما يقوله فى جميع ذلك. وقال القرافى (٢): لا يجوز التخريج الا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الا قيسة والعلل ورتب المصالح وشروط القواعد وما يصلح أن يكون معارضا وما لا يصلح. وهذا لا يعرفه الا من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة فاذا كان موصوفا بهذه الصفة وحصل له هذا المقام تعين عليه مقام آخر وهو النظر وبذل الجهد فى تصفح تلك القواعد الشرعية وتلك

стр. 5999

المصالح وأنواع الأقيسة وتفاصيلها فاذا بذل جهده فيما يعرفه ووجد ما يجوز أن يعتبره امامه فارقا أو مانعا أو شرطا وهو ليس فى الحادثة الى أن يروم تخريجها حرم عليه التخريج وان لم يجد شيئا بعد بذل الجهد. وتمام المعرفة جاز له التخريج حينئذ. وكذلك القول فى امامه مع صاحب الشرع لا بد أن يكون امامه موصوفا بصفات الاجتهاد التى بعضها ما تقدم اشتراطه فى حق المقلد المخرج ثم بعد اتصافه بصفات الاجتهاد ينتقل الى مقام بذل الجهد فيما عمله من القواعد وتفاصيل المدارك فاذا بذل جهده ووجد حينئذ ما يصلح أن يكون فارقا أو مانعا أو شرطا قائما فى الفرع الذى يروم قياسه على كلام صاحب الشرع حرم عليه القياس ووجب التوقف وان غلب على ظنه عدم جميع ذلك وان الفرع مساو للصورة التى نص عليها صاحب الشرع ووجب عليه الالحاق حينئذ وكذلك مقلده. وحينئذ بهذا التقرير يتعين على من لا يشتغل بأصول الفقه لا يخرج فرعا أو نازلة على أصول مذهبه ومنقولاته وان كثرت منقولاته جدا فلا تفيد كثرة المنقولات مع الجهل بما تقدم كما أن امامه لو كثرت محفوظاته لنصوص الشريعة من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة رضى الله تعالى عنهم ولم يكن عالما بأصول الفقه حرم عليه القياس والتخريج عن المنصوصات من قبل صاحب الشرع بل حرم عليه الاستنباط من نصوص الشارع لأن الاستنباط فرع معرفة أصول الفقه. فهذا الباب المجتهدون والمقلدون فيه سواء فى امتناع التخريج بل يفتى كل مقلد وصل الى هذه الحالة التى هى ضبط مطلقات امامه فتأمل ذلك فالناس مهملون له اهمالا شديدا ويقتحمون على الفتيا فى دين الله تعالى. ما يشترط فى المفتى: ثانيا فى الفقه: جاء فى البحر الرائق (١): شرط المفتى اسلامه وعدالته ولزم منها اشتراط بلوغه وعقله فترد فتوى الفاسق والكافر وغير المكلف اذ لا يقبل خبرهم. فى الدر المختار لابن عابدين (٢): وشرط بعضهم تيقظه قال ابن عابدين احترازا عمن غلب عملية الغفلة والسهو ثم قال: وهذا شرط لازم فى زماننا فان العادة اليوم أن من صار بيده فتوى المفتى استطال على خصمه وقهره بمجرد قوله أفتانى المفتى بأن الحق معى والخصم جاهل لا يدرى ما فى الفتوى. فلا بد أن يكون المفتى متيقظا يعلم رحيل الناس ودسائسهم فاذا جاء السائل يقرره من لسانه ولا يقول له ان كان كذا فالحق معك وان كان كذا فالحق مع خصمك لأنه يختار لنفسه ما ينفعه ولا يعجز عن اثباته بشاهدى زور، بل الأحسن أن يجمع بينه وبين خصمه. فاذا ظهر له الحق مع أحدهما كتب الفتوى لصاحب الحق، وليحترز من الوكلاء فى الخصومات، فان أحدهم لا يرضى الا باثبات دعواه لموكله بأى وجه أمكن ولهم مهارة فى الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير الباطل بصورة وقال فى الدر المختار (١) ولا يشترط حريته أى غرضه الفاسد فلا يحل للمفتى أن يعينه على ضلاله. وقد قالوا من جهل بأهل زمانه فهو جاهل. وقد يسأل عن أمر شرعى وتدل القرائن للمفتى المتيقظ أن مراده التوصل الى غرض فاسد

стр. 6000

كما شاهدناه كثيرا، والحاصل أن غفلة المفتى يلزم منها ضرر عظيم فى هذا الزمان. وقال فى الدر المختار (١) ولا يشترط حريته أى فهو كالراوى لا كالشاهد والقاضى ولذا تصح فتواه لمن لا تقبل شهادته له ولا تشترط ذكورته ونطقه فيصح افتاء الاخرس لا قضاؤه فيكتفى بالاشارة منه وذلك حيث فهمت اشارته والأصح أنه يصح فتوى الأطرش وهو من يسمع الصوت القوى. قال ابن عابدين: لا شك أنه اذا كتب له وأجاب عنه جاز العمل بفتواه وأما اذا كان منصوبا للفتوى يأتيه عامة الناس ويسألونه من نساء وأعراب وغيرهم فلا بد أن يكون صحيح السمع لأنه يمكن كل سائل أن يكتب له سؤاله وقد يحضر اليه الخصمان ويتكلم أحدهما بما يكون فيه الحق عليه لا له والمفتى لم يسمع ذلك منه فيفتيه على ما سمع من بعض كلامه فيضيع حق خصمه وهذا قد شاهدته كثيرا فلا ينبغى التردد فى أنه لا يصلح أن يكون مفتيا عاما ينتظر القاضى جوابه ليحكم به فان ضرر مثل هذا أعظم من نفعه. ويصح أن يفتى القاضى - ولو فى مجلس القضاء - من لم يخاصم اليه. قال فى الظهيرية ولا بأس للقاضى أن يفتى من لم يخاصم اليه ولا يفتى أحد الخصمين فيما خوصم اليه. وفى الخلاصة القاضى هل يفتى؟ فيه أقاويل والصحيح أنه لا بأس به فى مجلس القضاء وغيره فى الديانات والمعاملات، قال ابن عابدين ويمكن حمل ما فى الخلاصة على من لم يخاصم اليه فيوافق ما فى الظهيرية، وفى كافى الحاكم: وكره للقاضى أن يفتى فى القضاء للخصوم كراهة أن يعلم خصمه قوله فتحرز منه بالباطل (٢). وفى البحر الرائق: ويشترط أهلية اجتهادة ثم قال وحاصل شرائط المجتهد (٣) الاسلام والبلوغ والعقل وكونه فقيه النفس بمعنى شديد الفهم بالطبع وعمله باللغة العربية أى الصرف والنحو والمعانى والبيان والأصول وكونه حاويا لعلم كتاب الله تعالى وما يتعلق بالأحكام وكونه عالما بالحديث متنا وسندا وناسخا ومنسوخا. ولا يشترط فيه بعد صحة العقيدة علم الكلام ولا تفاريع الفقه ولا الذكورة ولا الحرية ولا العدالة فللفاسق الاجتهاد ليعمل بنفسه وأما غيره فلا يعمل به ويشترط كونه عالما بوجوه القياس. وفى الحقيقة اشتراط علمه بالأصول يغنى عنه ولا بد من معرفة الاجماع ومواقعه ومن معرفة عادات الناس (٤) ثم قال: فلا يغنى الا المجتهد وقد استقر رأى الأصوليين على أن المفتى هو المجتهد فأما غير المجتهد بمن يحفظ أقوال المجتهد فليس مفتيا والواجب عليه اذا سئل أن يذكر قول المجتهد كأبى حنيفة رحمه الله تعالى على جهة الحكاية فعرف أن ما يكون فى زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى بل هو نقل كلام المفتى ليأخذ به المستفتى. وقال فى كنز الدقائق (٥): والفاسق يصلح مفتيا وقيل لا، قال صاحب البحر: وجه الأول أنه يحذر النسبة الى الخطأ.

стр. 6001

ووجه الثانى أنه من أمور الدين وغيره غير مقبول فى الديانات ثم قال ولم يرجح الشارحون أحدهما، وظاهر ما فى التحرير أنه لا يحل استفتاؤه اتفاقا فانه قال: الاتفاق على حل استفتاء من عرف من أهل العلم بالاجتهاد والعدالة أو رآه منتصبا والناس يستفتونه معظمين وعلى امتناعه ان ظن عدم أحدهما فان جهل اجتهاده دون عدالته. فالمختار منع استفتائه بخلاف المجهول من غيره اذ الاتفاق على المنع وقال صاحب البحر فلا أقل من أن يكون ترجيحا لعدم صلاحيته ولهذا جزم به فى المجمع واختاره فى شرحه. وقال ابن عابدين: فى حاشيته تعليقا على ما فى التحرير من أنه لا يحل استفتاء الفاسق اتفاقا قال: هذا بناء على ما عليه الأصوليون من ان المفتى هو المجتهد وهو غير المراد هنا بل المراد به هنا المقلد الذى ينقل الحكم من غيره. وجاء فى الفتاوى الهندية (١): والبحر وفى اشتراط معرفة الحساب لتصحيح مسائله وجهان ويشترط أن يحفظ مذهب امامه ويعرف قواعده وأساليبه وليس للأصولى الماهر وكذا البحاث فى الخلاف من أئمة الفقه وفحول المناظرين أن يفتى فى الفروع الشرعية ومن شرطه أن لا يرمى بالكاغد كما اعتاده بعض الناس لأن فيه اسم الله تعالى وتعظيم اسمه تعالى واجب. قال فى البحر (٢): وليكن المفتى متنزها عن خوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن حسن التصرف والاستنباط ولو كان المفتى عبدا أو امرأة أو أعمى أو أخرس بالاشارة وليس وهو كالشاهد فى رد فتواه لقرابة وجر نفع ودفع ضرر عداوة فهو كالراوى لا كالشاهد وتقبل فتوى من لا يكفر ولا يفسق ببدعة كشهادته وفى تنقيح المحبوبى أن الاشارة من المفتى الناطق يعمل بها فلا يختص بالأخرس، وفى البحر (٣): للمفتى أن يغلظ للزجر متأولا كما اذا سأله من له عبد عن قتله وخشى أن يقتله جاز أن يقول ان قتلتاك متأولا لقول رسول الله ﷺ ، من قتل عبده قتلناه وهذا اذا لم يترتب على اطلاقه مفسدة. وفى الفروق للقرافى (٤): أن المفتى هو المجتهد المطلق وهو الفقيه قال الصيرفى موضوع لمن قام للناس بأمر دينهم وعلم حمل عموم القرآن الكريم وخصوصه وناسخه ومنسوخة وكذلك فى السنن والاستنباط ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها. وقال ابن السمعانى هو من استكمل فيه ثلاث شرائط الاجتهاد والعدالة والكف عن الترخيص والتساهل، وللمتساهل حالتان: احداهما: أن يتساهل فى طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ ببادئ النظر وأوائل الفكر وهذا مقصر فى حق الاجتهاد ولا يحل له أن يفتى ولا يجوز. الثانية أن يتساهل فى طلب الرخص وتأول السنة فهذا متجوز فى دينه وهو آثم من الأول وجاء فى الحطاب (٥): قال ابن فرحون من الصفات التى ينبغى أن يتصف بها المفتى أن لا يتساهل فى الفتوى ومن عرف بذلك لم يجز أن يستفتى والتساهل قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالفتوى أو الحكم قبل استيفاء حقه من النظر

стр. 6002

والفكر وربما يحمله على ذلك توهمه أن الاسراع براعة والابطاء عجز ولأن يبطئ ولا يخطئ أجمل به من أن يعجل فيضل ويضل وقد يكون تساهله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة أو المكروهة بالتمسك بالشبه طلبا للحرص على من يروم نفعه أو التغليظ على من يروم ضرره قال ابن الصلاح ومن فعل ذلك فقد هان دينه. قال وأما اذا قصد المفتى واحتسب فى طلب حيلة لا شبهة فيها ولا يجر الى مفسدة ليخلص بها المفتى من ورطة يمين أو نحوها فذلك حسن جميل. وقال القرافى: اذا كان فى المسألة قولان أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تسهيل فلا ينبغى للمفتى أن يفتى العامة بالتشديد والخواص وولاة الأمور بالتخفيف وذلك قريب من الفسوق والخيانة فى الدين والتلاعب بالمسلمين وذلك دليل فراغ القلب من تعظيم الله ﵎ واجلاله وتقواه وعمارته باللعب وحب الرياسة والتقريب الى الخلق دون الخالق نعوذ بالله من صفات الغافلين والحاكم كالمفتى فى هذا. وفى الفروق للقرافى (١): أن كل شئ أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الاجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلى السالم عن المعارض الراجح ولا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتى به فى دين الله تعالى فان هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه وما لا نقره شرعا بعد تقرره بحكم الحاكم أولى أن لا نقره شرعا اذا لم يتأكد وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعا والفتيا بغير الشرع حرام فالفتيا بهذا الحكم حرام وان كان الامام المجتهد غير عاص به بل شابا عليه لأنه بذل جهده على حسب ما أمر به. وقد قال رسول الله ﷺ : (اذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وان أصاب فله أجران) فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم فكل ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه لكنه قد يقل وقد يكثر غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا فى مذهبه الا من عرف القواعد والقياس الجلى والنص الصريح وعدم المعارض لذلك وذلك يعتمد أصول الفقه والتبحر فى الفقه فان القواعد ليست مستوعبة فى أصول الفقه بل للشريعة قواعد كثيرة جدا عند أئمة الفتوى والفقهاء ولا توجد فى كتب أصول الفقه أصلا وذلك هو الباعث لى على وضع هذا الكتاب لأضبط تلك القواعد بحسب طاقتى ولاعتبار هذا الشرط يحرم على أكثر الناس الفتوى فتأمل ذلك فهو أمر لازم وكذلك كان السلف رضى الله تعالى عنهم متوقفين فى الفتيا توقفا شديدا. وقال مالك لا ينبغى للعالم أن يفتى حتى يراه الناس أهلا لذلك ويرى هو نفسه أهلا لذلك يريد تثبيت أهلية عند العلماء ويكون هو بيقين مطلعا على ما قاله العلماء فى حقه من الأهلية لأنه قد يظهر من الانسان أمر على ضد ما هو عليه فاذا كان مطلعا على ما وصفه به الناس حصل اليقين فى ذلك وهذا هو شأن الفتيا فى الزمن القديم وأما اليوم فقد انخرق هذا السياج وسهل على الناس أمر دينهم فتحدثوا فيه بما يصلح وما لا يصلح وعسر عليهم اعترافهم بجهلهم وان يقول أحدهم لا يدرى فلا جرم آل الحال للناس الى هذه الغاية بالاقتداء بالجهال. وفى المجموع (٢): قالوا وينبغى أن يكون المفتى ظاهر الورع مشهور بالديانة الظاهرة والصيانة الباهرة وكان مالك رحمه الله تعالى يعمل بما لا يلزمه الناس ويقول لا يكون عالما حتى يعمل فى خاصة نفسه بما لا يلزمه الناس مما لو تركه لم يأثم وكان يحكى نحوه عن شيخه

стр. 6003

ربيعة وشرط المفتى أن يكون مكلفا مسلما ثقة مأمونا متنزها عن أسباب الفسق وخوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط متيقظا سواء فيه الحر والعبد والمرأة والأعمى والأخرس اذا كتب أو فهمت اشارته قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وينبغى أن يكون كالراوى فى أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة وجر نفع ودفع ضر لأن المفتى فى حكم مخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص فكان كالراوى لا كالشاهد وفتواه لا يرتبط بها الزام بخلاف حكم القاضى قال وذكر صاحب الحاوى أن المفتى اذا نابذ فى فتواه شخصا معينا صار خصما حكما معاندا فترد فتواه على من عاداه كما ترد شهادته عليه واتفقوا على أن الفاسق لا تصح فتواه ونقل الخطيب فيه اجماع المسلمين ويجب عليه اذا وقعت له واقعة أن يعمل باجتهاد نفسه وأما المستور وهو الذى ظاهره العدالة ولم تختبر عدالته باطنا ففيه وجهان أصحهما جواز فتواه لأن العدالة الباطنة يعسر معرفتها على غير القضاة. والثانى: لا يجوز كالشهادة والخلاف كالخلاف فى صحة النكاح بحضور المستورين. قال الصيمرى وتصح فتاوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه، ونقل الخطيب هذا وأما الشراة والرافضة الذين يسبون السلف الصالح ففتاويهم مردودة وأقوالهم ساقطة، والقاضى كغيره فى جواز الفتيا بلا كراهة، هذا هو الصحيح المشهور من مذهبنا قال الشيخ ورأيت فى بعض تعاليق الشيخ أبى حامد أن له الفتوى فى العبادات ومالا يتعلق بالقضاء، وفى القضاء وجهان لأصحابنا أحدهما الجواز لأنه أهل. والثانى لا لأنه موضع تهمة وقال ابن المنذر تكره الفتوى فى مسائل الأحكام الشرعية وقال شريح أنا أقضى ولا أفتى. وفى اعلام الموقعين (١)، ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرؤية والفتيا الا لمن اتصف بالعلم والصدق فيكون عالما بما يبلغ صادقا فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضى السيرة عدلا فى أقواله وأفعاله متشابه السر والعلانية فى مدخله ومخرجه وأحواله واذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذى لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات فحقيق بمن أقيم فى هذا المنصب أن يعد له عدته وان يتأهب له أهبته وان يعلم قدر المقام الذى أقيم فيه ولا يكون فى صدره حرج من قول الحق والصدع به فان الله ناصره وهاديه وكيف وهو المنصب الذى تولاه بنفسه رب الأرباب فقال ﵎ «وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً ٢» وكفى بما تولاه الله بنفسه ﵎ شرفا وجلالة اذ يقول فى كتابه الكريم «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٣» وليعلم المفتى عمن ينوب فى فتواه، وليوقن أنه مسئول غدا وموقوف بين يدى الله وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين وامام المستفتين

стр. 6004

وخاتم النبيين عبد الله ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده فكان يفتى عن الله بوحيه المبين وكان كما قال له أحكم الحاكمين «قُلْ ١ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ»﴾. فكانت فتاوى رسول الله ﷺ جوامع الأحكام ومشتملة على فصل الخطاب وهى فى وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم اليها ثانية الكتاب الكريم وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما تجد اليها سبيلا وقد أمر الله عباده بالرد اليها حيث يقول «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ٢»﴾. ثم قام بالفتوى بعده أصحاب رسول الله ﷺ ألين الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأحسنها بيانا وأصدقها ايمانا وأعمها نصيحة وأقربها الى الله ﵎ وسيلة وكانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط وكما أن الصحابة رضوان الله عليهم سادة الأمة وأئمتها وقادتهم فهم سادات المفتين والعلماء قال الليث عن مجاهد العلماء أصحاب محمد ﷺ . وقال سعيد عن قتادة فى قول الله ﵎ «وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٣» قال أصحاب محمد ﷺ ثم ذكر آثارا كثيرة فى فضل الصحابة وعلمهم وآثارهم فى القضاء والافتاء قصد السير فى طريقهم والنسج على منوالهم لم آت بها خشية الاطالة والخروج عن الموضوع والله الموفق والمعين. ثم قال ابن القيم (٤): قال الامام أحمد فى رواية ابنه صالح عنه ينبغى للرجل اذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بوجوه القرآن الكريم عالما بالأسانيد الصحيحة عالما بالسنن وانما جاء خلاف من خالف لقلة معرفتهم بما جاء عن رسول الله ﷺ وقلة معرفتهم بصحيحها من سقيمها. وقال فى رواية ابنه عبد الله اذا كان عند الرجل الكتب المصنفة فيها قول رسول الله ﷺ واختلاف الصحابة والتابعين فلا يجوز أن يعمل بما شاء ويتخير فيقضى به ويعمل به حتى يسأل أهل العلم ما يؤخذ به فيكون يعمل على أمر صحيح وقال فى رواية الحرث لا يجوز الافتاء الا لرجل عالم بالكتاب والسنة. وقال فى رواية حنبل: ينبغى لمن أفتى أن يكون عالما بقول من تقدم والا فلا يفتى. وقال محمد ابن عبد الله المناوى: سمعت رجلا يسأل أحمد اذا حفظ الرجل مائة ألف حديث يكون فقيها؟ قال لا قال: فمائتى ألف قال لا قال: فثلثمائة ألف قال لا قال فأربعمائة ألف قال بيده هكذا وحرك يده، قال أبو الحسين وسألت جدى محمد بن عبيد الله قلت فكم كان يحفظ أحمد بن حنبل رضى الله تعالى عنه قال أخذ عن ستمائة ألف قال أبو حفص: قال لى أبو اسحاق لما جلست فى جامع المنصور للفتيا ذكرت هذه المسألة فقال لى رجل فأنت هو ذا لا تحفظ هذا المقدار حتى تفنى الناس فقلت له عفاك الله اذ كنت لا احفظ هذا المقدار فانى هو ذا أفتى الناس بقول من كان يحفظ هذا المقدار وأكثر منه. فقال القاضى أبو يعلى ظاهر هذا الكلام أنه لا يكون من أهل الاجتهاد اذا لم يحفظ من الحديث هذا القدر الكثير الذى ذكره وهذا محمول على الاحتياط والتغليظ فى الفتوى ثم ذكر حكاية أبى اسحاق لما جلس فى جامع المنصور قال وليس

стр. 6005

هذا الكلام من أبى اسحاق مما يقتضى أنه كان يقلد أحمد فيما يفتى به لأنه قد نص فى بعض تعاليقه على كتاب العلل على الدلالة على منع الفتوى بغير علم لقول الله ﵎ «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ١»﴾. ثم ذكر أقوال العلماء فى فتوى المقلد وهل يجوز له أن يفتى أو لا يجوز وانتهى منه الى ترجيح القول بالجواز وان العمل عليه ثم قال: وقال الشافعى رحمه الله تعالى فيما رواه عنه الخطيب فى كتابه الفقيه والمتفقه له لا يحل لأحد أن يفتى فى دين الله الا رجلا عارفا بكتاب الله الكريم بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهة وتأويله وتنزيله ومكيه ومدنيه وما أريد به ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله ﷺ والناسخ والمنسوخ ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن الكريم ويكون بصيرا باللغة بصيرا بالشعر وما يحتاج اليه للسنة والقرآن يستعمل هذا مع الانصاف ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار وتكون له قريحة بعد هذا. فاذا كان هذا فله أن يتكلم ويفتى فى الحلال والحرام واذا لم يكن هذا فليس له أن يفتى وقال صالح بن أحمد قلت لأبى ما تقول فى الرجل يسأل عن الشئ فيجيب بما فى الحديث وليس بعالم فى الفقه فقال ينبغى للرجل اذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بالسنن عالما بوجوه القرآن الكريم عالما بالأسانيد الصحيحة وذكر الكلام المتقدم. وقال على بن شفيق قيل لابن المبارك متى يفتى الرجل. قال: اذا كان عالما بالأثر بصيرا بالرأى وقيل ليحيى ابن أكثم متى يجب للرجل أن يفتى فقال اذا كان بصيرا بالرأى بصيرا بالأثر قلت (ابن القيم) يريدان بالرأى القياس الصحيح والمعانى والعلل الصحيحة التى علق الشارع بها الأحكام وجعلها مؤثرة فيها طردا أو عكسا وجاء فى كشاف القناع (٢) يحرم الحكم والفتيا بالهوى اجماعا وليحذر المفتى أن يميل فى فتياه مع المستفتى أو مع خصمه مثل أن يكتب فى جوابه ما هو له فقط ونحو ذلك بل يكتب ماله وما عليه لأنه العدل وأداء الأمانة فيما علمه الله تعالى وليس له أن يبتدئ فى مسائل الدعاوى والبينات بذكر وجوه المخالص منها لأن ذلك ميل مع أحدهما وان سأله بأى شئ تندفع دعوى كذا وكذا وبينة كذا وكذا لم يجب لئلا يتوصل السائل بذلك الى ابطال حق وله أن يسأله عن حاله فيما ادعى عليه فاذا شرحه المستفتى له: أى للمفتى عرفه بما فيه من دافع وغير دافع ليكون على بصيرة ويحرم الحكم والفتيا بقول أو وجه من غير نظر فى الترجيح اجماعا ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه اجماعا. ثم قال (٣): للمفتى أخذ الرزق من بيت المال لأن الافتاء من المصالح العامة كالأذان، ولو تعين عليه أن يفتى ولا كفاية «أى ليس عنده ما يكفيه لم يأخذ من المستفتى لأنه اعتياض عن واجب عليه ولا يجوز، ومن أخذ رزقا من بيت المال لم يأخذ من المستفتى أجرة لفتياه ولا لخطه لاستغنائه بالرزق والا. أى وان لم يأخذ رزقا أخذ أجرة خطه فقط، ويجب على الامام أن يفرض من بيت المال لمن نصب نفسه لتدريس العلم والفتوى فى الأحكام ما يغنيه عن التكسب لدعاء الحاجة الى القيام بذلك «أى اقتضائها» والانقطاع له وهو فى معنى الامامة والقضاء وان جعل له.

стр. 6006

أى للمفتى أهل بلد رزقا ويتفرغ له جاز له أخذه، وجاء فى الاقناع (١): ولا يجوز أن يفتى فيما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فهم تلك الألفاظ دون أن يعرف عرف أهلها والمتكلمين بها، بل يحولها على ما اعتادوه وعرفوه وان كان مخالفا لحقائقها الأصلية، واذا اعتدل عنده قولان من غير ترجيح فقال القاضى يفتى بأيهما شاء، وفى كشاف (٢) القناع: أيضا لا ينبغى للرجل أن يعرض نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصائل: احداها أن تكون له نية أى أن يخلص فى ذلك لله تعالى ولا يقصد رياسة ولا نحوها فان لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور اذ الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى. الثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة والا لم يتمكن من فعل ما تصدى له من بيان الأحكام الشرعية. والثالثة أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته والا فقد عرض نفسه لعظيم. الرابعة: الكفاية والا بغضه الناس فانه اذا لم تكن له كفاية احتاج الى الناس والى الأخذ مما فى أيديهم فيتضررون منه. الخامسة: معرفة الناس: أى ينبغى للمفتى أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم ولا ينبغى له أن يحسن الظن بهم بل يكون حذرا فطنا مما يصورونه فى سؤالاتهم لئلا يوقعوه فى المكروه ويؤيده حديث «احترسوا من الناس بسوء الظن» وخير أخوك البكرى ولا تأمنه. وقد روى عن مالك قال: ما أفتيت حتى شهد لى سبعون أنى أهل لذلك. وفى رواية ما أفتيت حتى سألت من هو أعلم منى هل ترانى موصفا لذلك قال مالك ولا ينبغى لرجل أن يرى نفسه أهلا لشئ حتى يسأل من هو أعلم منه ويحرم أن يفتى فى حال لا يجوز أن يحكم فيها كغضب ونحوه كحر مفرط وملل ونحوه مما يغير الفكر فان أفتى فى ذلك الحال وأصاب الحق صح جوابه وكره، وتصح فتوى العبد والمرأة والأمى والأخرس المفهوم الاشارة أو الكتابة كغيرهم، وتصح الفتيا مع أخذ النفع ودفع الضرر، ومن العدو وان يفتى أباه وأمه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له كزوجته ومكاتبته لأن القصد بيان الحكم الشرعى وهو لا يختلف وليس منه الزام بخلاف الحاكم، ولا تصح الفتيا من فاسق لغيره وان كان مجتهدا لأنه ليس بأمين على ما يقول وفى أعلام الموقعين قلت: الصواب جواز استفتاء الفاسق الا أن يكون معلنا بفسقه داعيا الى بدعته لكن يفتى المجتهد الفاسق نفسه لأنه لا يتهم بالنسبة الى نفسه ولا يسأله غيره لعدم حصول المقصود والوثوق به ولا تصح الفتيا من مستور الحال وفى المبدع تصح فتيا مستور الحال فى الأصح. والحاكم كغيره فى الفتيا فيما يتعلق بالقضاء وغيره، ويحرم تساهل مفت فى الفتيا وتقليد معروف به أى بالتساهل فى الفتيا، قال الشيخ لا يجوز استفتاء الا من يفتى بعلم أو عدل لأن أمر الفتيا خطر فينبغى أن يحتاط، وليس لمن انتسب الى مذهب امام اذا استفتى فى مسألة ذات قولين أو وجهين أن يتخير ويعمل بأيهما شاء بل يراعى ألفاظ امامه ومتأخرها وأقربها من الكتاب والسنة ويلزم المفتى تكرير النظر عند تكرار الواقعة كالمجتهد فى القبلة يجتهد لكل صلاة. أما العامى اذا وقعت له مسألة فسأل عنها ثم وقعت له ثانيا فلم أر لأصحابنا فيها شيئا وان حدث ما لا قول فيه للعلماء تكلم فيه حاكم ومجتهد ومفت فيرده الى الأصل والقواعد وينبغى للمفتى أن يشاور من عنده ممن يثق بعلمه الا أن يكون فى ذلك أمشاء السائل أو تعريضه للأذى أو يكون

стр. 6007

فيه مفسدة لبعض الحاضرين فيخفيه ازالة لذلك وحقيق به أى بالمفتى أن يكثر الدعاء بالحديث الصحيح اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة فأنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدنى لما اختلفت فيه من الحق باذنك انك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم ويقول اذا اشكل عليه شئ يا معلم ابراهيم علمنى. وجاء فى الاقناع (١): رالمجتهد من يعرف من كتاب الله الكريم وسنة رسوله ﷺ الحقيقة والمجاز والأمر والنهى والمجمل والمبين والمحكم والمتشابه والخاص والعام والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ والمستثنى والمستثنى منه ويعرف من السنة صحيحها من سقيمها وتواترها من آحادها ومرسلها ومتصلها وسندها ومنقطعها. مماله تعلق بالأحكام خاصة ويعرف ما أجمع عليه مما اختلف فيه، والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباطه والعربية المتناولة بالحجاز والشام والعراق وما يواليها فمن عرف ذلك أو أكثره ورزق فهما صلح للفتيا والقضاء. وفى الأحكام (٢): المنتصبون لطلب الفقه وهم النافرون للتفقه الحاملون لفرض النفار عن جماعتهم المتأهبون لنذارة قومهم ولتعليم المتعلم وفتيا المستفتى وربما للحكم بين الناس ففرض عليهم تقصى علوم الديانة على حسب طاقتهم من أحكام القرآن الكريم وحديث رسول الله ﷺ ورتب النقل وصفات النقلة ومعرفة السند الصحيح مما عداه من مرسل وضعيف، هذا فرضه اللازم له، فان زاد الى ذلك معرفة الاجماع والاختلاف ومن أين قال كل قائل وكيف يرد أقاويل المختلفين المتنازعين الى الكتاب الكريم والسنة فحسن، وفرض عليه تعلم كيفية البراهين التى يتميز بها الحق من الباطل وكيف يعمل فيما ظاهره التعارض من النصوص وكل هذا منصوص فى القرآن الكريم. قال الله ﵎ «وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ٣»﴾. فهذا ايجاب لتعلم أحكام القرآن الكريم وأحكام أوامر رسول الله ﷺ لأن هذين أصل الدين وقال الله ﵎ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (٤) فوجب بذلك تعرف عدول النقلة من فساقهم وفقهائهم ممن لم يتفقه منهم. ثم قال: وفرض عليه أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته اليه فى فهم كلام ربه ﵎ وكلام رسول الله ﷺ . قال الله «وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٥»﴾. ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله وعن رسول الله ﷺ ويكون عالما بالنحو الذى هو ترتيب كلام العرب لكلامهم الذى به نزل القرآن وبه يفهم معانى الكلام التى يعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الألفاظ فمن جهل اللغة وهى الألفاظ الواقعة على المسميات وجهل النحو

стр. 6008

الذى هو علم اختلاف الحركات الواقعة لا ختلاف المعانى. فلم يعرف اللسان الذى به خاطبنا الله ﵎ ونبينا محمد ﷺ ، ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يحل له الفتيا فيه لأنه يفتى بما لا يدرى وقد نهاه الله ﵎ عن ذلك بقوله «وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ١»﴾. وقول الله «وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ٢» وقول الله «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» وقال الله «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ ٣». وفرض على الفقيه أن يكون عالما بسير النبى ﷺ ليعلم آخر أوامره وأولها وحربه ﷺ لمن حارب وسلمه لمن سالم ليعرف على ماذا حارب ولماذا وضع الحرب وحرم الدم بعد تحليله وأحكامه ﵊ التى حكم بها فمن كانت هذه صفته وكان ورعا فى فتياه مشفقا على دينه صلبا فى الحق حلت له الفتيا والا فحرام عليه أن يفتى بين اثنين أو أن يحكم بين اثنين وحرام على الامام أن يقلده حكما أو يتيح له فتيا وحرام على الناس أن يستفتوه لأنه ان لم يكن عالما بما ذكرنا فلم يتفقه فى الدين وان لم يكن مشفقا على دينه فهو فاسق وان لم يكن صلبا فى الحق لم يأمر بمعروف ولا نهى عن منكر. والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرضان على الناس قال الله ﵎ «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ٤». وهذا متوجه الى العلماء بالمعروف وبالمنكر لأنه لا يجوز أن يدعو الى الخير الا من علمه ولا يمكن أن يأمر بالمعروف الا من عرفه ولا يقدر على انكار المنكر الا من ميزه ثم قال ابن حزم (٥) وأما معرفة الاجماع والاختلاف فقد زعم قوم أن هذا يجب معرفته بقول الله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ٦» قال ففرض علينا معرفة ما اتفقت عليه أولوا الأمر منا لأننا مأمورون بطاعتهم ولا يمكننا طاعتهم الا بعد معرفة اجماعهم الذى يلزمنا طاعتهم فيه. وأما معرفة الاختلاف ومعرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيفية الرد الى الكتاب الكريم والسنة فيقول الله «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ٧» ففرض علينا معرفة ما يتنازعون فيه ومعرفة كيف يرد ذلك الى الكتاب الكريم والسنة الشريفة لأننا ان لم نعرف الاختلاف ظننا أن القول الذى نسمعه من بعض العلماء لا خلاف فيه فنتبعه دون أن نعرضه على القرآن الكريم والسنة الشريفة فنخطئ ونعصى الله تعالى اذا أخذنا قولا نهينا عن اتباعه. قال أبو محمد وهذا خطأ لأننا انما أمرنا الله تعالى بطاعة أولى الأمر فيما نقلوه الينا عن رسول الله ﷺ . فأما أن يقولوا من عند أنفسهم بحكم لا نص فيه فما جاز هذا قط لأحد أن يفعله ولاحل لأحد قط

стр. 6009

أن يطيع من فعله وقد توعد الله ﵎، رسوله ﷺ على هذا أشد الوعيد فكيف على من دونه قال الله ﵎ «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ١ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ٢ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ ٣ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ٤» فصح أن من قال فى الدين بقول اضافه الى الله ﵎ فقد كذب وتقول على الله تعالى الأقاويل وان لم يضفه الى الله فليس من الدين أصلا لكن معرفة الاختلاف علم زائد. قال سعيد بن حبير، أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف وصدق سعيد لأنه علم زائد وكذلك معرفة من أين قال كل قائل فأما معرفة كيفية اقامة البرهان فيقول الله ﵎ «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٥)» فلم نقل شيئا الا ما قاله ربنا وأوجبه علينا وانما نحن منبهون على ما أمرنا الله تعالى ومنذرون قومنا فيما تفقهنا فيه ونفرنا لتعلمه كما أمرنا الله ﵎ اذ يقول «وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ٦» ولا نقول من عند أنفسنا شيئا. ثم قال (٧): فحد الفقيه هو المعرفة بأحكام الشريعة من القرآن الكريم ومن كلام المرسل بها الذى لا تؤخذ الا عنه وتفسير هذا الحد هو المعرفة بأحكام القرآن الكريم وناسخها ومنسوخها والمعرفة بأحكام رسول الله ﷺ ناسخه ومنسوخه وما صح نقله مما لم بصح ومعرفة ما أجمع العلماء عليه وما اختلفوا فيه وكيف يرد الاختلاف الى القرآن الكريم وكلام رسول الله ﷺ . فهذا تفسير العلم بأحكام الشريعة وكل من علم مسألة واحدة من دينه على الرتبة التى ذكرنا جاز له أن يفتى بها وليس جهله بمانع من أن يفتى بما علم ولا علمه بما علم بمبيح له أن يفتى فيما جهل وليس أحد بعد رسول الله ﷺ الا وقد غاب عنه من العلم كثير هو موجود عند غيره فلو لم يفت الا من أحاط بجميع العلم لما حل لأحد من الناس بعد رسول الله ﷺ أن يفتى أصلا. وهذا لا يقوله مسلم وهو ابطال للدين وكفر من قائله. وقد بعث رسول الله ﷺ الأمراء الى البلاد ليعلموا الناس القرآن الكريم وحكم الدين ولم يكن أحد منهم يستوعب جميعه لأنه قد كانت تنزل بعدهم الآيات والأحكام وفى ذلك بيان صحيح بأن العلماء وان فاتاهم كثير من العلم فان لهم أن يفتوا ويقضوا بما عرفوا. وفى هذا الباب أيضا بيان جلى على أن من علم شيئا من الدين علما صحيحا فله أن يفتى به وعليه أن يطلب علم ما جهل مما سوى ذلك ومن علم أن فى المسألة التى نزلت حديثا قد فاته لم يحل له أن يفتى فى ذلك حتى يقع على ذلك الحديث. ثم قال ابن حزم الظاهرى (٨): فالواجب طلب الحكم فى المسألة من نص القرآن الكريم وصحيح الحديث الشريف وطلب الناسخ من المنسوخ وبناء الحديث بعضه مع بعض ومع القرآن الكريم وبناء الآى بعضها مع بعض، ليس عليه غير هذا البتة وان طالع أقوال الصحابة رضى الله تعالى عنهم والتابعين، ومن جاء بعدهم عصرا عصرا

стр. 6010

ففرض عليه أن ينظر من أقوال العلماء كلها نظرا واحدا ويحكم فيها القرآن الكريم والسنة الشريفة فلأيها حكم اعتقده وأفتى به وأطرح سائرها وان لم يجد شيئا مما بلغه منها فى نص القرآن الكريم ولا فى نص السنة الشريفة لم يحل له أن يأخذ بشئ منها بل عليه أن يأخذ بالنص وان لم يبلغه أن قائلا قال به ثم قال (١): لا يحل اتباع فتبا صاحب ولا تابع ولا أحد دونهم الا أن يوجبها نص أو اجماع وقال (٢): وقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يقولون بآرائهم فى عصر رسول الله ﷺ فيبلغه ذلك فيصوب المصيب ويخطئ المخطى فذلك بعد موت رسول الله ﷺ أفشى وأكثر فمن ذلك فتيا أبى السنابل لسبيعة الأسلمية بأن عليها فى العدة آخر الأجلين فأنكر رسول الله ﷺ وأخبر أن فتياه باطلة وقد أفتى بعض الصحابة رضوان الله عليهم ورسول الله ﷺ حى - بأن على الزانى غير المحصن الرجم حتى افتداه والده بمائة شاة وو ليدة فأبطل رسول الله ﷺ ذلك الصلح وفسخه وسائق ابن حزم من ذلك أمثلة كثيرة وقال (٣): واذا سئل العالم عن مسألة فأعيته أو نزلت به نازلة فأعيته فانه يلزمه أن يسأل الرواة عن أقوال العلماء فى تلك المسألة النازلة ثم يعرض تلك الأقوال على كتاب الله تعالى الكريم وكلام رسول الله ﷺ كما أمره الله ﵎ يقول «وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (٤). وإذ يقول «وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ٥» وقول الله «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ٦» فمن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليرد ما اختلف فيه من الدين الى القرآن الكريم والسنة الشريفة الواردة عن رسول الله ﷺ ولا يرد ذلك إلى رجل من المسلمين. وفى تتمة الروض النضير (٧): أنه يجب أن يكون الحاكم والمفتى مجتهدا بالفعل فى أشخاص مسائل الاستفتاء وفصل الخصومات ولا يكفى مجرد تمكنه من الاجتهاد فيها لأن الحكم والافتاء اخبار عما علمه الحاكم والمفتى من حكم الله وظنه والأخبار عن الله ﵎ لا عن دليل ولا أمارة افتراء على الله «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ» (٨). ثم قال: حدثنى زيد بن على عن أبيه عن جده على ﵈ قال: لا يفتى الناس الا من قرأ القرآن الكريم وعلم الناسخ والمنسوخ وفقه السنة وعلم الفرائض والمواريث لأن المفتى حاك عن الله حكمه الذى شرعه لعباده فلا يجوز له أن يخبر عن الله حكمه ودينه الذى شرعه لعباده الا اذا كان خبره مطابقا لما شرعه والا كان قائلا عن الله بلا علم وقد حرم الله القول عليه بغير علم كما قال الله ﵎ «قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾

стр. 6011

﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ» (١). ثم قال: من أفتى بغير علم كان أثمه على من أفتاه أخرجه أبو داود والحاكم من حديث أبى هريرة وجاء «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» فلا بد أن يكون المنصوب (٢) للفتيا مجتهدا بالفعل فى كثير من الأحكام فيجب أن يكون له أهلية الاجتهاد وكمال الممارسة لموارد الأدلة لاشتراط قراءته للقرآن وفقهه وأن يكون قد ظهر وتبين كمال اجتهاده الفعلى فى كثير من الأحكام ليتحقق كمال الأهلية لأن المطلوب من الانتصاب للفتيا هو بيان الأحكام الشرعية وغير الممارس وان كانت ملكته قوية يكاد أن يخفى عليه ما هو المتعين للاستناد اليه من الأدلة المعارضة لما استند اليه من تقدمه فى النظر فى دليل الحكم لجواز وجود مخصص للعام أو مقيد للمطلق ونحو ذلك وهذا القدر يعترف به كل من جود النظر وكان كامل الأهلية عالى الهمة يقظان الفطنة ولا يكفى كونه أصوليا وهو المعبر عنه بالتمكن من الاجتهاد لأن مجرد تحصيل الأدلة بدون استعمال لها غير مغن لكثرة خطأ الممارس فى أى صناعة كانت كما ذلك معلوم ولا بد أن يكون مستعينا بكثرة الممارسة للفروع المدونة بجميع فتاوى السلف وأقوال العلماء من الخلف وان كان ذلك غير شرط فى الاجتهاد لأنه يزيد المنتصب للفتيا كمالا وثباتا. وفى الروضة البهية (٣): انه يشترط فى المفتى البلوغ والعقل والذكورة والايمان والعدالة وطهارة المولد اجماعا والكتابة والحرية والبصر على الأشهر، والنطق وغلبة الذكر والاجتهاد فى الأحكام الشرعية وأصولها ويتحقق بمعرفة المقدمات الست، وهى الكلام والأصول والنحو والتصريف ولغة العرب وشرائط الأدلة والأصول الأربعة، وهى الكتاب الكريم والسنة الشريفة والاجماع ودليل العقل والمعتبر من الكلام ما يعرف به الله ﵎ وما يلزمه من صفات الجلال والاكرام وعدله وحكمته ونبوة نبينا محمد ﵌ وعصمته وامامة الأئمة ﵈ كذلك ليحصل الوثوق بخيرهم وتحقق الحجة به والتصديق بما جاء به رسول الله ﷺ من أحوال الدنيا والآخرة كل ذلك بالدليل التفصيلى ولا يشترط الزيادة على ذلك بالاطلاع على ما حققه المتكلمون من أحكام الجواهر والأعراض وما اشتملت عليه كتبه من الحكمة والمقدمات والاعتراضات وأجوبة الشبهات وان وجب معرفته كفاية من جهة أخرى ومن ثم صرح جماعة المحققين بأن الكلام ليس شرطا فى التفقه فان ما يتوقف عليه منه مشترك بين سائر المكلفين ومن الأصول ما يعرف به أدلة الأحكام من الأمر والنهى والعموم والخصوص والاطلاق والتقييد والاجمال والبيان وغيرهما مما اشتملت عليه مقاصده ومن النحو والتصريف ما يختلف المعنى باختلافه ليحصل بسببه معرفة المراد من الخطاب ولا يعتبر الاستقصاء فيه على الوجه التام، بل يكفى الوسط منه فما دون، ومن اللغة ما يحصل به فهم كلام الله ورسوله ﷺ بالحفظ أو الرجوع الى أصل مصحح يشتمل على معانى الألفاظ المتداولة فى ذلك ومن شرائط الأدلة معرفة الأشكال الاقترانية والاستثنائية وما يتوقف عليه من المعانى المفردة وغيرها ولا يشترط الاستقصاء فى ذلك بل يقتصر على المجزئ منه وما زاد عليه فهو مجرد تضيع للعمر وترجئة للوقت. والمعتبر من الكتاب الكريم معرفة ما يتعلق بالأحكام وهو نحو خمسمائة آية اما بحفظها أو بفهم مقتضاها ليرجع اليها متى شاء ويتوقف على معرفة الناسخ منها من المنسوخ ولو بالرجوع الى أصل ليشتمل عليه ومن السنة جميع ما اشتمل عليها من الأحكام ولو فى أصل مصحح رواه عن عدل بسند متصل الى رسول الله صلى الله عليه

стр. 6012

وسلم والأئمة ويعرف الصحيح منها والحسن والموثوق والضعيف والموقوف والمرسل والمتواتر والآحاد وغيرها من الاصطلاحات التى دونت فى رواية الحديث المفتقر اليها فى استنباط الأحكام وهى أمور اصطلاحية توقيفية لا مباحث علمية ويدخل فى أصول الفقه معرفة أحوالها عند التعارض وكثير من أحكامها ومن الاجماع والخلاف ان يعرف أن ما يفتى به لا يخالف الاجماع. أما بوجود موافق بين المتقمين أو بغلبة ظنه على انه واقعة متجددة لم يبحث عنها السابقون بحيث جعل فيها أحد الأمرين لا معرفة كل مسألة أجمعوا عليها واختلفوا ودلالة العقل من الاستصحاب والبراءة الأصلية وغيرهما داخلة فى الأصول وكذا معرفة ما يحتج به من القياس بل يشتمل كثير من مختصرات أصول الفقه كالتهذيب ومختصر الأصول لابن الحاجب على ما يحتاج اليه من شرائط الدليل المدونة فى علم الميزان وكثير من كتب النحو على ما يحتاج اليه من التعريف نعم يشترط مع ذلك كله أن يكون له قوة يتمكن بها من رد الفروع الى أصولها واستنباطها منها وهذه هى العمدة فى هذا الباب والا فتحصيل تلك المقدمات قد صارت فى زماننا سهلة لكثرة ما حققه العلماء والفقهاء فيها وفى بيان استعمالها وانما تلك القوة بيد الله يؤتيها من يشاء من عباده على وفق حكمته ومراده ولكثرة المجاهدة والممارسة لأهلها مدخل عظيم فى تحصيلها قال الله ﵎ «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ١»﴾. وفى شرح النيل (٢): انه يكره للقاضى أن يفتى فى الأحكام اذا سئل عنها وكان شريح يقول انما أقضى ولا أفتى ثم قال وان أفتى فى أمور الدين جاز وعن عمر رضى الله تعالى عنه أنه كتب الى شريح لا تسارر أحدا فى مجلسك ولا تبع ولا تبتع ولا تفت فى مسألة من الأحكام ولا تضر ولا تضار. وقال العاصى: ومنع الافتاء للحكام فى كل ما يرجع للخصام وزعم بعضهم أنه يجوز كالخلفاء الأربعة قلت لا يصح عنهم وأجيز الافتاء فى مسألة عامة لا فى خصومة معينة، وجاء فى موضع آخر (٣): والقاضى لا يكون حجة فى فتواه ولا غيرها الا أن اطمأنت النفس أن ما أفتى به قد أخذه من لسان من يعرف ذلك وقرأه عليه فى كتاب وكان ورعا غير طاعن فى العلماء فانه يجوز أن يؤخذ بفتواه اذا أفتى بها فى صلاة أو صوم أو نحو ذلك ولا يكون قاضيا. ثم قال (٤): فى شرح النيل: وجائز للامام أن يجعل للمفتى النفقة والكسوة وما يصلح له ولعياله من بيت المال وما يحتاج اليه ليتفرغ لأمور المسلمين وينبغى له أن يتنزه عن ذلك وان قبضه فليقتر فيه وان وسع أو أخذ ليتجر به أو ليتسع به ماله جاز له ربحه، ويعطى نفقة شهر أو سنة أو ما رؤى من ذلك وان تلف أعطوه وان لم يفرغ للوقت زادوا ان رأوا أو تركوه حتى يفرغ وان فرغ قبل الوقت أعطوه وان خرج من الحكومة لم يلزمه رد ما بيده وكذا ان مات فلوارثه امساكه وان خرج أو مات وكل من يعين لأمور المسلمين بحسب تعينهم فى ذلك وليس ذلك شرطا بل يدخلون فى ذلك كله ويجعل لهم الامام أو الجماعة ذلك يقدر لهم ما يحتاجون اليه لئلا يشتغلون عن أمور المسلمين بتجر وغيره وان لم يكن بيت المال جعل المسلمون ذلك لهم من مالهم والا قالوا بالأمور طاقتهم ويكسب قوتهم. وجاء فى طلعة الشمس (٥) انهم اشترطوا فى المجتهد شروطا لا يكون مجتهدا الا بكمالها لأن اجتهاد العلماء فى القضايا الشرعية متوقف على أمور لا بد من حصولها عند العالم المجتهد فمن لم تحصل معه تلك الشروط فلا يحل له القول فى الأحكام الشرعية عن نظر نفسه بل يقلد غيره فى ذلك وذلك حكم الله ﵎ لقول الله ﵎ «وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ٦» فمن شروط المجتهد أن يكون عالما بالنحو والمراد أن يكون عارفا بأحكام أواخر الكلمات بناءا واعرابا والمراد بالكلمات التى اشترطنا معرفتها هنا هى الكلمات التى تكون موجودة فى الأدلة

стр. 6013

الشرعية من الكتاب والسنة والكلمات التى تمس الحاجة اليها فى استنباط الأحكام كالاقرارات وألفاظ البيوع والترويج ونحو ذلك لا يشترط فى صحة الاجتهاد معرفة ما فوق ذلك ومن شروطه أيضا أن يكون عالما باللغة أى عارفا بمعانى الكلمات العربية وعارفا بمسمياتها والمشترط معرفته ها هنا من اللغة ما توقف فهم معانى الأدلة والأحكام عليه لا ما عدا ذلك. ومن شروطه أن يكون عالما بالصرف أى عارفا بتغير أبنية الكلمات العربية وعارفا بمقتضى كل صيغة منها والمشترط معرفته من هذا النوع ما يتوقف فهم معنى الأدلة والأحكام عليه معرفة هذه الأشياء ومن شروطه أن يكون عارفا بالأصول والمراد بها أصول الديانات وأصول الفقه فأما أصول الديانات فهو معرفة العقائد الاسلامية ويشترط منه فى هذا المقام ما يكون حافظا للمجتهد من التلبس بالعقائد الضالة فانه اذا كان متلبسا بالهوى فلا يؤمن منه الغلط فى الفتوى. فكم من مجتهد من قومنا حمل كثيرا من المسائل على اعتقاده الفاسد وهى صحيحة على قاعدته لكن قاعدته فاسدة وناهيك بقاعدة المعتزلة فى وجوب مراعاة الصلاحية والأصلحية على الله ﵎ وقد تفرعت عليها عندهم فروع يطول ذكرها أما المحق فى عقائد فانه يؤمن منه ذلك لأنه ان بنى على قاعدته كان بانيا على صواب وان أخطأه فى اجتهاده كان خطؤه غير مخالف للقطعيات لأنها عنده مضبوطة فلا يكون خطؤه خطأ فى الدين وأما أصول الفقه فيشترط منه ما يكون المجتهد متمكنا به من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وفوق ما ذكرناه لا يكون شرطا فى صحة الاجتهاد لكنه كمال فى حقه ومن شروطه أن يكون عالما بالبلاغة أى عارفا بمطابقة مقتضى الحال فى المخاطبات ومقتدرا على التعبير عن المعنى الواحد بطرق مختلفة فى الوضوح والخفاء. والمشترط هنا ما يتوقف فهم معنى الأدلة عليه لا ما فوق ذلك وكذلك يشترط معرفة كل ما لا يستغنى عنه المجتهد فى استنباط الأحكام فينبغى أن يكون عارفا بالسير النبوية لأن فيها معرفة أفعاله وأحواله ﷺ وان يكون عارفا بسير الصحابة رضوان الله عليهم وأحوالهم لأن الدين ما عليه الصحابة رضى الله تعالى عنهم وقد قال رسول الله ﷺ «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى» وأن يكون عارفا بأسباب نزول الآيات وأسباب ورود الأحاديث وان يكون عارفا بقواعد التفسير وغير ذلك ولك أن تدخل هذه الأشياء تحت العلم بالكتاب الكريم والسنة الشريفة. ومن شروطه أن يكون عالما بالكتاب محكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وخاصه وعامه ومجمله ومبنيه ومطلقه ومقيده وغير ذلك من أحكامه وان يكون عارفا بالآيات التى تستخرج منها الأحكام. ومن شروطه أن يكون عالما بالسنة وبأحكامها وناسخا ومنسوخا وخاصها وعامها وأحادها ومتواترها الى غير ذلك من أحكامها وان يكون عارفا بالأحاديث التى يستنبط منها الأحكام. قال بعضهم والمشترط من ذلك أن يكون حافظا لها عن ظهر الغيب وهو ظاهر الصواب لأن كثيرا من مجتهدى الصحابة رضى الله تعالى عنهم كانوا لا يحفظون القرآن الكريم على ظهر الغيب وانما يحفظون منه ما شاء الله أن يحفظوا وكذلك كانوا لا يحفظون جميع الأحاديث وانما يحفظون منها ما ينتهى اليهم علمهم ومن شروطه أن يكون عالما بالمسائل التى اجتمعت عليها الأمة لئلا يخالف اجتهاده الاجماع لأن الاجماع أحد الأدلة الشرعية وهو مقدم على القياس فليس للمجتهد أن يخالفه واشترط ابن بركة أن لا يخالف أقوال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم اذا كان فى الحكم قول لهم واشترط بعض أن يوافق بعض أقواله من تقدمه أو يعلم أنها نازلة لم يخص فيها من تقدمه.

стр. 6014

إفتداء التعريف فى اصطلاح اللغويين: افتداء مصدر فعله افتدى المزيد بالهمزة والتاء، فأصل مادته فدى، يقال فديته فدى وفداء - بكسر الفاء فيهما - وافتديته قال الشاعر فلو كان ميت يفتدى لفديته … بما لم تكن عنه النفوس تطيب والمفاداة: أن تدفع رجلا وتأخذ رجلا. والفداء: أن تشتريه. يقال فديته بمالى وفديته بنفسى. وفى التنزيل العزيز «وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ» قرأ ابن كثير وأبو عمر وابن عامر: أسارى بألف. وقرأ نافع وعاصم والكسائى ويعقوب الحضرمى. ﴿أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ بألف فيهما وقرأ حمزة: «أسرى تفدوهم» بغير ألف فيهما. قال أبو معاذ: من قرأ «تفدوهم» فمعناه تشتروهم من العدو فتنقذوهم. وأما تفادوهم فيكون معناه تماكسون من هم فى أيديهم فى الثمن ويماكسونكم. قال ابن برى: قال الوزير بن المعرى. فدى اذا اعطى مالا وأخذ رجلا وأفدى اذا أعطى رجلا وأخذ مالا، وفادى اذا أعطى رجلا وأخذ رجلا. والفداء بالكسر والمد والفتح مع القصر: فكاك الأسير، يقال فداه يفديه فداء بكسر الفاء - وفدى بفتح الفاء - وفاداه يفاديه مفاداة اذا أعطى فداءه وأنقذه والفدية الفداء. وقول الله : «وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» أى جعلنا الذبح فداء له وخلصناه به من الذبح. وتفادى القوم أى فدى بعضهم بعضا، وافتدى منه بكذا. وتفادى فلان من كذا اذا تحاماه وانزوى عنه، وقول الله . «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» إنما أراد فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق فعليه فداية» (١)

стр. 6015

التعريف عند الفقهاء: يكاد استعمال الفقهاء لكلمة «افتداء» لا يخرج على المعنى اللغوى. فالافتداء دائر فى استعمالاتهم حول استنقاذ النفس من الأسر مقابل مال .. الخ. واستنقاذها من رابطة الزواج مقابل جعل. واستنقاذها من تحمل وزر الخطأ فى العبادة مقابل فدية، على ما يوضحه البحث فيما يلى ان شاء الله تعالى. حكم افتداء المرأة نفسها من زوجها مذهب الحنفية: جاء فى الهداية (١) وشروحها: أنه اذا تخاصم الزوجان وصار كل منهما فى جانب، وخافا ألا يقيما حدود الله، وهو ما يلزمهما من حقوق الزوجية، فلا بأس بأن تفتدى المرأة نفسها منه بمال تبذله يخلعها به. لقول الله ﵎. «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. أى فلا جناح على الرجل فيما أخذ، ولا على المرأة فيما أعطت. وسمى الله ما أعطته المرأة للرجل فداء، من فداه الأسير اذا استنقذه، لما أن النساء عوان عند الأزواج بالحديث عن عمرو بن الأحوص الجشمى رضى الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله ﷺ فى حجة الوداع يقول: بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ. ثم قال: ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان (٢) عندكم، ليس تملكون منهن شيئا، غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن فى المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا. فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن فى بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقهن

стр. 6016

عليكم أن تحسنوا إليهن فى كسوتهن وطعامهن. رواه ابن ماجه والترمذى وقال حديث حسن صحيح وكان المال الذى يعطى فى تخليصهن فداء فالآية تفيد جواز الافتداء عن ملك النكاح. وإباحة الأخذ من الزوجة مشروطة بمشاقتها. واذا افتدت الزوجة نفسها من زوجها بمال يخلعها به وقع بالخلع تطليقة بائنة، ولزمها المال. لقول النبى ﷺ : «الخلع تطليقة بائنة» روى ذلك عن عمر وعلى وابن مسعود موقوفا عليهم، ومرفوعا إلى رسول الله ﷺ . وجاء فى بدائع (١) الصنائع: قال أصحابنا: الخلع طلاق، وهو مروى عن عمر وعثمان رضى الله تعالى عنهما، لأن هذه فرقة بعوض حصلت من جهة الزوج فتكون طلاقا. وهو طلاق بائن، لأنه طلاق بعوض، وقد ملك الزوج العوض بقبولها فلا بد وان تملك هى نفسها، تحقيقا للمعاوضة، وهى لا تملك نفسها الا بالطلاق البائن، لأن الزوج يراجعها فى الطلاق الرجعى، فلا تتخلص ويذهب مالها بغير شئ وهذا لا يجوز فكان الواقع بائنا. ثم هو من جانب الزوج يمين، وتعليق الطلاق بشرط وهو قبولها العوض. ومن جانبها معاوضة المال وهو تمليك المال بعوض. حتى لو ابتدأ الزوج الخلع فقال: خالعتك على ألف درهم لا يملك الزوج الرجوع ولا فسخه، ولا نهى المرأة عن القبول، ولا يبطل بقيامه عن المجلس قبل قبولها. ولا بد من الإيجاب والقبول، لأنه عقد على الطلاق بعوض فلا تقع الفرقة، ولا يستحق العوض بدون القبول. وإذا كان (٢) النشوز من قبل الزوج فلا يحل له أخذ شئ من العوض. لقول الله «وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ ٣ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً» نهى الله عن أخذ شئ مما آتاها من المهر، وأكد النهى بقوله تعالى: «أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً» وقوله «وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ٤ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» أى إلا أن ينشزن نهى الأزواج عن أخذ شئ مما أعطوهن عند عدم النشوز منهن، وهذا فى حكم الديانة.

стр. 6017

فإن أخذ جاز ذلك فى الحكم ولزم حتى لا يملك استرداده، لأن الزوج أسقط ملكه عنها بعوض رضيت به، والزوج من أهل الاسقاط، والمرأة من أهل المعاوضة والرضا، فيجوز فى الحكم والقضاء. وإن كان النشوز من قبل الزوجة فلا بأس بأن يأخذ منها شيئا قدر المهر. لقوله تعالى: «إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» أى إلا أن ينشزن. والاستثناء من النهى اباحة من حيث الظاهر وقوله تعالى: «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ١ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» قيل أى لا جناح على الزوج فى الأخذ وعلى المرأة فى الإعطاء وفى الأخذ (٢) الزيادة على قدر المهر روايتان الرواية الأولى أنها مكروهة، أى يكره للزوج أن يأخذ منها شيئا أكثر مما أعطاها وهكذا روى عن على رضى الله تعالى عنه وهو قول الحسن البصرى، وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وطاووس لأن قول الله ﵎: «وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» الى قوله تعالى «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» فقد نهى الله تعالى عن أخذ شئ مما أعطاها من المهر واستثنى القدر الذى أعطاها من المهر عند خوفها ترك اقامة حدود الله، والنهى عن أخذ شئ من المهر نهى عن أخذ الزيادة على المهر من طريق الأولى، كالنهى عن التأفيف أنه يكون نهيا عن الضرب وقد روى أن رسول الله ﵌ لما قال لا مرأة ثابت بن قيس بن شماس: أتردين عليه حديقته؟ فقالت نعم وزيادة فقال النبى ﵌: أما الزيادة فلا، فنهى عن الزيادة مع كون النشوز من قبلها وبذلك تبين أن المراد من قوله فيما افتدت به قدر المهر لا الزيادة عليه وإن كان ظاهره عاما إلا أن قول النبى ﵌ المشار اليه وضح المراد منه والرواية الثانية: ما ذكر فى رواية الجامع الصغير أن الزيادة على قدر المهر غير مكروهة وأنه يطيب له الفضل وهو قول عثمان البتى وذلك لإطلاق قوله تعالى: «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» فرفع الجناح عنهما فى الأخذ والعطاء من الفداء من غير فصل بين ما اذا كان مهر المثل، أو زيادة عليه، فيجب العمل باطلاق النص، ولأنها أعطت مال نفسها بطيبة من نفسها وقد قال الله ﵎:

стр. 6018

«فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» بخلاف ما اذا كان النشوز من قبله، لأن النشوز اذا كان من قبل الزوج كانت هى مجبورة فى دفع المال، لأن الظاهر أنها مع رغبتها فى الزوج لا تعطى الا اذا كانت مضطرة من جهته بأسباب، أو مغترة بأنواع من التغرير، فكره الأخذ. ولو أخذ الزوج (١) الزيادة عن المهر وكان النشوز منها جاز فى القضاء. وكذلك اذا أخذ والنشوز منه لأن مقتضى قوله تعالى «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» شيئان الأول: الجواز حكما أى جواز أخذ الزيادة فى القضاء والثانى: الإباحة، أى اباحة أخذ الزيادة وقد ترك العمل فى حق الاباحة لمعارض وهو قول رسول الله ﷺ لامرأة ثابت بن قيس بن شماس: أما الزيادة فلا لكونها نهيا لمعنى فى غيره وهو زيادة الإيحاش فبقى معمولا فى الباقى وهو الجواز ووجوب العوض اذا افتدت الزوجة نفسها بعوض مسمى له شرطان أحدهما: قبول العوض، لأن قبول العوض كما هو شرط وقوع الفرقة من جانب الزوج فهو شرط لزوم العوض من جانب الزوجة، سواء كان العوض من مهرها الذى استحقته بعقد النكاح من المسمى، أو مهر المثل، أو مالا آخر وهو المسمى بالجعل. والشرط الثانى: يخص الجعل وهو تسمية مال متقوم موجود وقت الخلع معلوم أو مجهول جهالة قليلة أو كثيرة اذا لم تكن متفاحشة فإن وجد هذا الشرط وجب الجعل وألا يوجد هذا الشرط بأن كان المسمى غير مال متقوم كالخمر والخنزير فلا يجب المسمى واذا لم يجب المسمى فلا يجب. وما صلح مهرا صلح بدل الخلع لأن ما صلح أن يكون عوضا للمتقوم أولى أن يصلح عوضا لغير المتقوم وهذا لأن البضع حالة الدخول متقوم وعند الخروج متقوم. وإن خالعها أو طلقها بخمر أو خنزير أو ميتة وقع الطلاق بائنا فى الخلع رجعيا فى غيره مجانا كقولها خالعنى على ما فى يدى ولا شئ فى يدها لأن الإيقاع معلق بالقبول وقد وجد ولا يجب عليها شئ لأنها لم تسم شيئا متقوما لتصير غارة له ولا هو منقوم لتجب عليها قيمته وإنما يتقوم بالتسمية وقد فسدت بخلاف ما إذا قالت خالعنى على هذا الخل فإذا هو خمر حيث يجب عليها رد المهر عند أبى حنيفة ﵀ وعند الصحابين يجب مثله من خل وسط لأنه صار مغرورا من جهتها بتسمية المال ثم إذا فسدت التسمية فقد وقع بغير عوض فكان العامل فيه لفظ الطلاق أو الخلع والأول صريح فيعقب الرجعة والثانى كفاية فيكون بائنا. وإن قالت خالعنى على ما فى يدى من مال أو قالت من دراهم ولم يكن فى يدها شئ ردت

стр. 6019

عليه فى الأولى المهر الذى أخذته منه وفى الثانية ثلاثة دراهم. أما فى الأولى فلأنها لما سمت مالا لم يكن الزوج راضيا بزوال ملكه إلا بعوض ولا وجه إلى إيجاب المسمى وقيمته للجهالة ولا إلى إيجاب قيمة البضع وهو مهر المثل لأنه غير متقوم حالة الخروج فتعين إيجاب ما قام البضع به على الزوج دفعا للضرر عنه ولذلك لو قالت على ما فى بيتى من مال أو على ما فى بطنى جاريتى أو غنمى من حمل ولم يكن فيها شئ يجب رد المهر بخلاف ما إذا لم تقل من مال أو حمل حيث لا يجب عليها شئ والفرق مبنى على تسمية المال وعدمه. وأما وجوب رد ثلاثة دراهم فى قولها ما فى يدى من دراهم فلأنها سمت بلفظ الجمع وأقله ثلاثة فيجب عليها المتيقن به فصار كما لو أقر أو أوصى بدراهم بخلاف ما إذا تزوجها بدراهم حيث تبطل التسمية للجهالة ويجب مهر المثل لأن البضع حالة الدخول متقوم فأمكن إيجاب قيمته إذا جهل المسمى. وذكر القدورى فى مختصره أنها لو قالت خالعنى على ما فى يدى من دراهم أو من الدراهم ففعل فلم يكن فى يدها شئ فعليها ثلاثة دراهم وإن خالع على عبد آبق لها على أنها بريئة من ضمانه لم تبرأ لأنه عقد معاوضة فيقتضى سلامة العوض واشتراط البراءة عنه شرط فاسد ويبطل الشرط لكونه مخالفا لموجب العقد ولا يبطل الخلع لأنه لا يبطل بالشروط الفاسدة كالنكاح بخلاف البيع حيث لا يصح فى الآبق ويبطل بالشروط الفاسدة لأنها منهى عنها فيه لا فى الخلع فإذا بطل شرط البراءة عنه وجب عليها تسليم عينه إن قدرت عليه وإلا وجب عليها تسليم قيمته كما لو خالعها على عبد الغير. ولو قالت له طلقنى ثلاثا بألف فطلق واحدة فيكون له ثلث الألف وبانت لأن الباء تصحب الأعواض وهو ينقسم على المعوض ويكون بائنا لوجوب المال بخلاف البيع، أما لو قالت له طلقنى ثلاثا على ألف فطلقها واحدة وقع طلاق رجعى بغير شئ وهذا عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى وقالا تطلق واحدة بائنة بثلث الألف كالمسألة الأولى لأن كلمة على بمنزلة الباء فى المعاوضات ولو قالت طلقنى وفلانة على ألف فطلقها وحدها كان عليها حصتها من الألف ولأبى حنيفة أن على للاستعلاء وضعا فإذا تعذر فللوجوب فإذا تعذر فللشرط مجازا. ولو قال لها طلقى نفسك ثلاثا بألف أو على ألف فقبلت لزم المال وبانت المرأة لأنه مبادلة أو تعليق فيقتضى سلامة البدلين، أو وجود الشرط ولا بد من قبولها لأنه عقد معاوضة أو تعليق بشرط فلا تنعقد المعاوضة بدون القبول ويسقط الخلع والمبارأة كل حق لكل واحد على الآخر مما يتعلق بالنكاح حتى لو خالعها أو بارأها بمال معلوم كان للزوج ما سمت له ولم يبق لأحدهما قبل صاحبه دعوى فى المهر مقبوضا كان أو غير مقبوض قبل الدخول بها أو بعده، وهذا عند أبى حنيفه رحمه الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى لا يسقطان إلا ما سمياه وأبو يوسف مع محمد فى الخلع ومع أبى حنيفة فى المبارأة ولو شرط البراءة من نفقة الولد الصغير وهى مؤنة الرضاع بنظر. فإن

стр. 6020

وقتا له وقتا كالسنة ونحوه صح وإلا فلا. ولا يصح ابراؤها عن السكنى لأن خروجها معصية ولا يجوز أن يخلع الأب صغيرته بما لها فلو خالعها بمالها لا ينفذ عليها أما فى حق وجوب المال فظاهر لأن الخلع على مالها كالتبرع به لكونه مقابلا بما ليس بمال ولا متقوم وهو منافع البضع لأنها لا قيمة لها حال الخروج ولهذا يعتبر خلع المريضة من الثلث بخلاف نكاح المريض ولو خالعها الأب على أنه ضامن لبدل الخلع جاز ولزمه المال بأن اشتراط بدل الخلع على الأجنبى صحيح فعلى الأب أولى ولم يرد بهذا الضمان الكفالة عن الصغيرة لأن المال لا يلزمها وإنما المراد به التزام المال ابتداء لأنه يجوز اشتراطه على الأجنبى. ولو شرط الزوج البدل عليها توقف على قبولها أن كانت أهلا له بأن تكون مميزة وهى التى تعرف أن الخلع سالب والنكاح جالب فإن قبلت وقع اتفاقا لوجود الشرط ووقوع الطلاق يعتمده دون لزوم المال وإن قبل الأب عنها صح فى رواية لأنه نفع محض لأنها تتخلص من عهدته بلا مال. مذهب المالكية: جاء فى بداية المجتهد (١): اذا افتدت المرأة نفسها من زوجها بمال يخلعها به وقع بالخلع طلاقا بائنا. لأنه لو كان للزوج فى العدة منه الرجعة عليها لم يكن لافتدائها معنى والآية قد تضمنت حكم الافتداء على أنه شئ يلحق جميع أنواع الطلاق لا أنه شئ غير الطلاق (٢) ويحل أخذ العوض سواء كان قليلا أو كثيرا ولو زاد على الصداق بأضعاف فقد جاء فى المدونة (٣) أنه يحل للزوج أن يأخذ من امرأته أكثر مما أعطاها. قال مالك: لم أزل أسمع من أهل العلم وهو الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ اليها، ولم تؤت المرأة من قبله، وأحبت فراقه، فإنه يحل له أن يقبل منها ما افتدت به. وقد فعل ذلك رسول الله ﵌ بامرأة ثابت بن قيس بن شماس حين جاءت فقالت: لا أنا ولا ثابت لزوجها وقالت: يا رسول الله كل ما أعطانى عندى وافر. فقال رسول الله ﵌: خذ منها، فأخذ منها، وترك.

стр. 6021

وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه أن أخته كانت تحت رجل فكان بينهما درء وجفاء حين تحاكما الى رسول الله ﵌ فقال: تردين عليه حديقته، فقالت: نعم وأزيده فأعاد ذلك ثلاث مرات، فقال عند الرابعة ردى عليه حديقته وزيديه. قال مالك: ولم أر أحدا ممن يقتدى به يكره أن تفتدى المرأة بأكثر من صداقها. وقد قال الله ﵎ «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ١ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» وأن مولاة لصفية اختلعت من زوجها بكل شئ لها فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنه وهل يستحق الزوج شيئا من العوض ان كان ظالما لها؟ قال مالك (٢) فى التى تفتدى من زوجها أنه اذا علم أن زوجها أضربها أو ضيق عليها، وأنه لها ظالم مضى عليه الطلاق، ورد عليها مالها، وهذا الذى كنت أسمع والذى عليه الأمر عندنا وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال: ان كانت الاساءة من قبلها فله شرطه وان كانت من قبله فقد فارقها ولا شرط له، وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول: اذا لم تؤت المرأة من قبل زوجها حل له أن يقبل منها الفداء وعن ابن شهاب أنه قال: من الحدود التى ذكر الله فيما يكون فى العشرة بين المرأة وزوجها اذا استخفت المرأة بحق زوجها فنشزت عليه، وأساءت عشرته، وأحنثت قسمه، أو خرجت بغير إذنه أو أذنت فى بيته لمن يكره، وأظهرت له البغض فنرى أن ذلك مما يحل له به الخلع ولا يصح لزوجها خلعها حتى يؤتى من قبلها فاذا كانت هى تؤتى من قبله فلا نرى خلعها يجوز واذا كانت الزوجة غير مدخول بها وافتدت من زوجها فهل يكون لها نصف الصداق. قال ابن القاسم أرى أن ترد الصداق كله وذلك لأنى سمعت مالكا سئل عن رجل تزوج امرأة بمهر مسمى فافتدت منه بعشرة دنانير تدفعها اليه قبل أن يدخل بها على أن يخلى سبيلها ففعل، ثم أرادت أن تتبعه بنصف المهر قال مالك ليس لها ذلك فانه لم يرض أن يخلى سبيلها حتى يأخذ منها فكيف تتبعه؟ قال ابن القاسم: وسواء عندى نقد أو لم ينقد ومما يبين ذلك أنه لو كان نقدها ثم دعته الى أن يتاركها أو يبارئها لوجب عليها إن كانت أخذت الصداق أن ترده كله فهى حين زادته أحرى أن لا

стр. 6022

تمسك من المهر شيئا إن كانت قد قبضته ولو كان يكون لها أن تتبعه اذا أعطته، لكان لها أن تتبعه اذا لم تعطه. وهما اذا اصطلحا قبل أن يدخل بها وتفرقا على وجه المبارأة أحدهما لصاحبه فمما لا شك فيه أنها لا تحبس شيئا مما كان نقدها ولم تتبعه بشئ ان كان لم ينقدها، فهو حين لم يرض أن يتاركها أو يبارئها حتى أخذ منها أحرى أن لا تتبعه فى الوجهين جميعا ولكن لو أن رجلا تزوج امرأة وسمى لها صداقا فسألته قبل أن يدخل بها أن يطلقها على أن تعطيه شيئا من صداقها كان له ما أعطته من صداقها، ورجعت عليه فيما بقى من صداقها بنصفه إن كان لم ينقدها وإن كان قد نقدها رجع عليها بنصف ما بقى فى يدها بعد الذى أعطته وجاء فى الشرح (١) الكبير: أن العوض جائز من الزوجة ومن غيرها، ولو كان أجنبيا منها، وإن كان الدافع أهلا لالتزام العوض زوجة أو غيرها، بأن كان رشيدا فلا يجوز من صغيرة أو سفيهة ذات ولى أو مهملة ولا من شخص ذى رق ولو بشائبة بغير اذن الولى أو السيد ويرد المال فى المسائل الثلاثة لعدم جواز البذل وصحته لكون باذله ليس أهلا للتبرع وتبين المرأة من زوجها. فاذا علق، وقال: إن تم لى هذا المال أو ان صحت براءتك فأنت طالق فان قال ذلك للسفيهة أو الصغيرة أو الرقيقة رد المال ولا يقع الطلاق أما إذا قدم الطلاق بأن قال: أنت طالق إن تم لى هذا المال وقع الطلاق واذا كان العوض (٢) مؤجلا لأجل مجهول فانه يلزم تعجيله حالا والخلع لازم وللزوج رد الردئ الذى يجده فى العوض ليأخذ بدله منها سواء كان دراهم أو غيرها إلا لشرط بأن شرطت عليه عدم رد الردئ فليس له رده عملا بالشرط وان استحق العوض من يد الزوج وكان مقوما معينا كثوب معين أو عبد معين فانه يرجع عليها بقيمته وان كان العوض مثليا رجع بمثله إلا أن يعلم

стр. 6023

الزوج حين الخلع بأنها لا تملك ما خالعته به وخالعها عليه فلا شئ له وبانت منه واذا كان العوض حراما كخمر وخنزير ومغصوب ومسروق وعلم به فلا شئ له عليها وبانت منه وأريق الخمر، وقتل الخنزير، ويرد المغصوب أو المسروق لمالكه. ويحرم على (١) الزوجة المريضة أن تخالع زوجها، وكذا يحرم عليه لإعانتها على الحرام، وينفذ الطلاق، ولا توارث بينهما ان كان الزوج صحيحا ولو ماتت فى عدتها ومحل المنع أن زاد الخلع على ارثه منها فان خالعته بقدر ارثه فأقل جاز ولا يتوارثان وقال مالك إن اختلعت منه فى مرضها وهو صحيح بجميع مالها لم يجز ولا يرثها وإن علق الزوج (٢) الخلع بالاقباض أو الأداء كأن أقبضتنى أو أديتنى كذا فأنت طالق لم يختص الإقباض أو الأداء بالمجلس الذى قال لها فيه ذلك بل متى أعطته ما طلبه منها وقع الطلاق، ولو بعد المجلس، ما لم يطل إلا لقرينة تدل على أنه أراد المجلس فقط فتختص به، عملا بالقرينة ولزم فى الخلع على ألف عين نوعها كألف دينار أو درهم، وفى البلد يزيدية ومحمدية أو كان الخلع على ألف رأس من الغنم وفى البلد الضأن والمعز، فانه يلزم الزوجة الغالب مما يتعامل به الناس من المحمدية واليزيدية فان لم يكن غالب أخذ من كل من المتساوين نصفه ومن الثلاثة المتساوية ثلث كل وان قالت له طلقنى ثلاثا بألف فطلق واحدة فتلزم البينونة ويلزمها الألف لأن قصدها البينونة وقد حصلت والثلاث لا يتعلق بها غرض شرعى ولكن مذهب المدونة أنه لا يلزمها الألف إلا اذا طلق ثلاثا واذا قالت له طلقنى واحدة بألف فطلقها ثلاثا فتلزمها الألف، لحصول غرضها وزيادة وان قالت له أبنى أو طلقنى نصف طلقة أو ثلث طلقة بألف ففعل فتلزمها الألف التى عينتها مع البينونة وإن قال لها أنت طالق بألف غدا فقبلت فى الحال فتبين فى الحال، ويلزمها الألف. وان قال لها أنت طالق بهذا الثوب الهروى، وأشار لثوب حاضر، فاذا هو مروى، فتبين منه ويلزمها الثوب، لأنه لما عينه بالاشارة كان المقصود، ذاته لا نسبته الى البلد.

стр. 6024

أما إن وقع الخلع على ثوب هروى غير معين فتبين أنه مروى فان كان ذلك قبل قوله وأخذه منها، لم يلزمه طلاق. وان كان بعده لزمه الطلاق. ويلزمها الهروى. وأما ان قال أنت طالق على هروى فأتت بمروى، لم يلزمه طلاق، لأنه تعليق معنى وجاء فى الشرح (١) الصغير: أنه يجوز الخلع بالغرر كجنين ببطن أمتها أو بقرتها أو نحو ذلك، فان أنغش الحمل فلا شئ له وبانت كما لو كان الجنين فى ملك غيرها وأيضا يجوز الخلع على عبد آبق، فان لم يظفر به فلا شئ له وبانت، وكذلك اذا كان غير موصوف من حيوان أو عرض، أو ثمرة لم يبد صلاحها وله الوسط من غير الموصوف لا الجيد، ولا الدنئ من جنس ما خالعته به. فاذا وقع على عبد أو بعير فله الوسط من ذلك ويجوز أن يجتمع الخلع مع البيع، كأن تدفع له عبدا على أن يخالعها ويدفع لها عشرة فالعبد نصفه فى مقابلة العشرة وهو بيع ونصفه فى مقابلة العصمة وهو خلع وسواء كانت قيمة العبد تزيد على ما دفعه الزوج من الدراهم أو تزيد أو تنقص على الراجح من وقوع الطلاق بائنا، لأنه طلاق قارنه عوض فى الجملة واستحسنه اللخمى وبه القضاء كما قال المتيطى، لا رجعيا كمن طلق وأعطى خلافا، لبعضهم ولو خالعها (٢) على تأخير دين عليه وقد حل أجل الدين فانه لا شئ له عليها، لأن تأخير الحال سلف وقد جر لها نفعا وهو خلاص عصمتها منه وتأخذ منه الدين حالا وكذلك لو خالعها على تعجيل دين لها عليه لأجل، لم يجب عليه قبوله، بأن كان طعاما، أو عرضا من بيع فيرد التعجيل ويبقى الى أجله، وبانت لما فيه من حط الضمان عنه على أن زادها حل العصمة. ولو خالعها على خروجها من المسكن الذى طلقها فيه فيرد برجوعها له، لأنه حق لله لا يجوز اسقاطه وبانت ولا شئ له عليها. وجاء فى (٣) الحطاب: قال ابن عرفة: التوكيل على الخلع جائز كالبيع فلو نقص الوكيل عما سماه الزوج لم يلزم قال ابن شاس لو قال له خالعها بمائة فنقص لم يقع طلاق فان خالع بما سماه أو زاد فلا شك فى وقوع الطلاق البائن. ولو قال له خالعها فنقص عن المثل قبل قول الزوج أنه أراد المثل. قال ابن الحاجب انما يقبل قوله مع يمينه

стр. 6025

قال ابن عبد السلام ولا يكاد يوجد النص على اليمين وظاهر الرواية سقوط اليمين كما فى البيع وفى المجموعة لابن قاسم عن مالك: ومن وكل من يصالح عنه امرأته فصالحها بدينار فأنكره الزوج فله ذلك، انما يجوز عليه صلح مثلها. ونص مالك فى العتبية على اليمين فيمن قال لامرأته: ان دعوتنى الى الصلح فلم أجيبك فأنت طالق فأعطته دينارا فقال: لم أرد هذا وانما أردت نصف ما تمليكنه، فقال: لا يلزمه الخلع ويحلف، ويخلى بينه وبينها. قال ابن القاسم وان لم تكن له بينة فلم يجبها حنث. وان زاد وكيل الزوجة فعليه الزيادة وهذا يشمل ما اذا سمت له عددا فزاد عليه، وما اذا أطلقت له فخالع بأكثر من خلع المثل، فكانت الزيادة فى الوجهين على الوكيل وأما ما سمته المرأة أو خلع المثل إذا أطلقت فانه يلزمها أن أضاف الخلع اليها أو لم يصرح بالاضافة اليها، أو الى نفسه وإن أضافه الى نفسه لزمه قال فى الشامل: فان وكلته مطلقا فخالع بالمثل فأقل لزم، وان زاد غرم الزيادة كزائد عدد سمته له فإن أضاف الاختلاع لنفسه صح وغرم المسمى وان لم يصرح بالاضافة اليه أو إليها بانت ولزمها ما سمت وغرم الزيادة مذهب الشافعية: اذا كرهت (١) المرأة زوجها لقبح منظر أو سوء عشرة وخافت أن لا تؤدى حقه جاز أن تخالعه على عوض لقول الله ﵎ «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» (٢) وروى أن جميلة بنت سهل كانت تحت ثابت ابن قيس بن الشماس وكان يضربها فأتت الى النبى ﷺ وقالت: لا أنا ولا ثابت وما أعطانى فقال رسول الله ﷺ «خذ منها فأخذ منها فقعدت فى بيتها». وان لم تكره المرأة منه شيئا وتراضيا على الخلع من غير سبب جاز لقول الله ﵎ «فَإِنْ طِبْنَ ٣ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» ولأنه رفع عقد بالتراضى جعل لدفع الضرر فجاز من غير ضرر، كالاقالة فى البيع وان ضربها أو منعها حقها طمعا فى أن تخالعه على شئ من مالها لم يجز
следующие страницы →