وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه أن أخته كانت تحت رجل فكان بينهما درء وجفاء حين تحاكما الى رسول الله ﵌ فقال: تردين عليه حديقته، فقالت: نعم وأزيده فأعاد ذلك ثلاث مرات، فقال عند الرابعة ردى عليه حديقته وزيديه.
قال مالك: ولم أر أحدا ممن يقتدى به يكره أن تفتدى المرأة بأكثر من صداقها.
وقد قال الله ﵎ «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ١ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»
وأن مولاة لصفية اختلعت من زوجها بكل شئ لها فلم ينكر ذلك عبد الله بن عمر رضى الله تعالى عنه
وهل يستحق الزوج شيئا من العوض ان كان ظالما لها؟
قال مالك (٢) فى التى تفتدى من زوجها أنه اذا علم أن زوجها أضربها أو ضيق عليها، وأنه لها ظالم مضى عليه الطلاق، ورد عليها مالها، وهذا الذى كنت أسمع والذى عليه الأمر عندنا
وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال: ان كانت الاساءة من قبلها فله شرطه
وان كانت من قبله فقد فارقها ولا شرط له، وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان يقول: اذا لم تؤت المرأة من قبل زوجها حل له أن يقبل منها الفداء
وعن ابن شهاب أنه قال: من الحدود التى ذكر الله فيما يكون فى العشرة بين المرأة وزوجها اذا استخفت المرأة بحق زوجها فنشزت عليه، وأساءت عشرته، وأحنثت قسمه، أو خرجت بغير إذنه أو أذنت فى بيته لمن يكره، وأظهرت له البغض فنرى أن ذلك مما يحل له به الخلع
ولا يصح لزوجها خلعها حتى يؤتى من قبلها
فاذا كانت هى تؤتى من قبله فلا نرى خلعها يجوز
واذا كانت الزوجة غير مدخول بها وافتدت من زوجها فهل يكون لها نصف الصداق.
قال ابن القاسم أرى أن ترد الصداق كله
وذلك لأنى سمعت مالكا سئل عن رجل تزوج امرأة بمهر مسمى فافتدت منه بعشرة دنانير تدفعها اليه قبل أن يدخل بها على أن يخلى سبيلها ففعل، ثم أرادت أن تتبعه بنصف المهر
قال مالك ليس لها ذلك فانه لم يرض أن يخلى سبيلها حتى يأخذ منها فكيف تتبعه؟
قال ابن القاسم: وسواء عندى نقد أو لم ينقد
ومما يبين ذلك أنه لو كان نقدها ثم دعته الى أن يتاركها أو يبارئها لوجب عليها إن كانت أخذت الصداق أن ترده كله فهى حين زادته أحرى أن لا
стр. 6022
تمسك من المهر شيئا إن كانت قد قبضته ولو كان يكون لها أن تتبعه اذا أعطته، لكان لها أن تتبعه اذا لم تعطه.
وهما اذا اصطلحا قبل أن يدخل بها وتفرقا على وجه المبارأة أحدهما لصاحبه فمما لا شك فيه أنها لا تحبس شيئا مما كان نقدها ولم تتبعه بشئ ان كان لم ينقدها، فهو حين لم يرض أن يتاركها أو يبارئها حتى أخذ منها أحرى أن لا تتبعه فى الوجهين جميعا
ولكن لو أن رجلا تزوج امرأة وسمى لها صداقا فسألته قبل أن يدخل بها أن يطلقها على أن تعطيه شيئا من صداقها كان له ما أعطته من صداقها، ورجعت عليه فيما بقى من صداقها بنصفه إن كان لم ينقدها
وإن كان قد نقدها رجع عليها بنصف ما بقى فى يدها بعد الذى أعطته
وجاء فى الشرح (١) الكبير: أن العوض جائز من الزوجة ومن غيرها، ولو كان أجنبيا منها، وإن كان الدافع أهلا لالتزام العوض زوجة أو غيرها، بأن كان رشيدا
فلا يجوز من صغيرة أو سفيهة ذات ولى أو مهملة ولا من شخص ذى رق ولو بشائبة بغير اذن الولى أو السيد
ويرد المال فى المسائل الثلاثة لعدم جواز البذل وصحته لكون باذله ليس أهلا للتبرع وتبين المرأة من زوجها.
فاذا علق، وقال: إن تم لى هذا المال أو ان صحت براءتك فأنت طالق
فان قال ذلك للسفيهة أو الصغيرة أو الرقيقة رد المال ولا يقع الطلاق
أما إذا قدم الطلاق بأن قال: أنت طالق إن تم لى هذا المال وقع الطلاق
واذا كان العوض (٢) مؤجلا لأجل مجهول فانه يلزم تعجيله حالا والخلع لازم
وللزوج رد الردئ الذى يجده فى العوض ليأخذ بدله منها سواء كان دراهم أو غيرها إلا لشرط بأن شرطت عليه عدم رد الردئ فليس له رده عملا بالشرط
وان استحق العوض من يد الزوج وكان مقوما معينا كثوب معين أو عبد معين فانه يرجع عليها بقيمته
وان كان العوض مثليا رجع بمثله إلا أن يعلم
стр. 6023
الزوج حين الخلع بأنها لا تملك ما خالعته به وخالعها عليه فلا شئ له وبانت منه
واذا كان العوض حراما كخمر وخنزير ومغصوب ومسروق وعلم به فلا شئ له عليها وبانت منه وأريق الخمر، وقتل الخنزير، ويرد المغصوب أو المسروق لمالكه.
ويحرم على (١) الزوجة المريضة أن تخالع زوجها، وكذا يحرم عليه لإعانتها على الحرام، وينفذ الطلاق، ولا توارث بينهما ان كان الزوج صحيحا ولو ماتت فى عدتها
ومحل المنع أن زاد الخلع على ارثه منها فان خالعته بقدر ارثه فأقل جاز ولا يتوارثان
وقال مالك إن اختلعت منه فى مرضها وهو صحيح بجميع مالها لم يجز ولا يرثها
وإن علق الزوج (٢) الخلع بالاقباض أو الأداء كأن أقبضتنى أو أديتنى كذا فأنت طالق لم يختص الإقباض أو الأداء بالمجلس الذى قال لها فيه ذلك بل متى أعطته ما طلبه منها وقع الطلاق، ولو بعد المجلس، ما لم يطل إلا لقرينة تدل على أنه أراد المجلس فقط فتختص به، عملا بالقرينة
ولزم فى الخلع على ألف عين نوعها كألف دينار أو درهم، وفى البلد يزيدية ومحمدية
أو كان الخلع على ألف رأس من الغنم وفى البلد الضأن والمعز، فانه يلزم الزوجة الغالب مما يتعامل به الناس من المحمدية واليزيدية
فان لم يكن غالب أخذ من كل من المتساوين نصفه ومن الثلاثة المتساوية ثلث كل وان قالت له طلقنى ثلاثا بألف فطلق واحدة فتلزم البينونة ويلزمها الألف لأن قصدها البينونة وقد حصلت والثلاث لا يتعلق بها غرض شرعى
ولكن مذهب المدونة أنه لا يلزمها الألف إلا اذا طلق ثلاثا
واذا قالت له طلقنى واحدة بألف فطلقها ثلاثا فتلزمها الألف، لحصول غرضها وزيادة
وان قالت له أبنى أو طلقنى نصف طلقة أو ثلث طلقة بألف ففعل فتلزمها الألف التى عينتها مع البينونة وإن قال لها أنت طالق بألف غدا فقبلت فى الحال فتبين فى الحال، ويلزمها الألف.
وان قال لها أنت طالق بهذا الثوب الهروى، وأشار لثوب حاضر، فاذا هو مروى، فتبين منه ويلزمها الثوب، لأنه لما عينه بالاشارة كان المقصود، ذاته لا نسبته الى البلد.
стр. 6024
أما إن وقع الخلع على ثوب هروى غير معين فتبين أنه مروى
فان كان ذلك قبل قوله وأخذه منها، لم يلزمه طلاق.
وان كان بعده لزمه الطلاق. ويلزمها الهروى.
وأما ان قال أنت طالق على هروى فأتت بمروى، لم يلزمه طلاق، لأنه تعليق معنى
وجاء فى الشرح (١) الصغير: أنه يجوز الخلع بالغرر كجنين ببطن أمتها أو بقرتها أو نحو ذلك، فان أنغش الحمل فلا شئ له وبانت كما لو كان الجنين فى ملك غيرها وأيضا يجوز الخلع على عبد آبق، فان لم يظفر به فلا شئ له وبانت، وكذلك اذا كان غير موصوف من حيوان أو عرض، أو ثمرة لم يبد صلاحها وله الوسط من غير الموصوف لا الجيد، ولا الدنئ من جنس ما خالعته به.
فاذا وقع على عبد أو بعير فله الوسط من ذلك ويجوز أن يجتمع الخلع مع البيع، كأن تدفع له عبدا على أن يخالعها ويدفع لها عشرة فالعبد نصفه فى مقابلة العشرة وهو بيع ونصفه فى مقابلة العصمة وهو خلع وسواء كانت قيمة العبد تزيد على ما دفعه الزوج من الدراهم أو تزيد أو تنقص على الراجح من وقوع الطلاق بائنا، لأنه طلاق قارنه عوض فى الجملة واستحسنه اللخمى وبه القضاء كما قال المتيطى، لا رجعيا كمن طلق وأعطى خلافا، لبعضهم
ولو خالعها (٢) على تأخير دين عليه وقد حل أجل الدين فانه لا شئ له عليها، لأن تأخير الحال سلف وقد جر لها نفعا وهو خلاص عصمتها منه وتأخذ منه الدين حالا
وكذلك لو خالعها على تعجيل دين لها عليه لأجل، لم يجب عليه قبوله، بأن كان طعاما، أو عرضا من بيع فيرد التعجيل ويبقى الى أجله، وبانت لما فيه من حط الضمان عنه على أن زادها حل العصمة.
ولو خالعها على خروجها من المسكن الذى طلقها فيه فيرد برجوعها له، لأنه حق لله لا يجوز اسقاطه وبانت ولا شئ له عليها.
وجاء فى (٣) الحطاب: قال ابن عرفة:
التوكيل على الخلع جائز كالبيع فلو نقص الوكيل عما سماه الزوج لم يلزم
قال ابن شاس لو قال له خالعها بمائة فنقص لم يقع طلاق
فان خالع بما سماه أو زاد فلا شك فى وقوع الطلاق البائن.
ولو قال له خالعها فنقص عن المثل قبل قول الزوج أنه أراد المثل.
قال ابن الحاجب انما يقبل قوله مع يمينه
стр. 6025
قال ابن عبد السلام ولا يكاد يوجد النص على اليمين
وظاهر الرواية سقوط اليمين كما فى البيع
وفى المجموعة لابن قاسم عن مالك: ومن وكل من يصالح عنه امرأته فصالحها بدينار فأنكره الزوج فله ذلك، انما يجوز عليه صلح مثلها.
ونص مالك فى العتبية على اليمين فيمن قال لامرأته: ان دعوتنى الى الصلح فلم أجيبك فأنت طالق فأعطته دينارا فقال: لم أرد هذا وانما أردت نصف ما تمليكنه، فقال: لا يلزمه الخلع ويحلف، ويخلى بينه وبينها.
قال ابن القاسم وان لم تكن له بينة فلم يجبها حنث.
وان زاد وكيل الزوجة فعليه الزيادة
وهذا يشمل ما اذا سمت له عددا فزاد عليه، وما اذا أطلقت له فخالع بأكثر من خلع المثل، فكانت الزيادة فى الوجهين على الوكيل وأما ما سمته المرأة أو خلع المثل إذا أطلقت فانه يلزمها أن أضاف الخلع اليها أو لم يصرح بالاضافة اليها، أو الى نفسه وإن أضافه الى نفسه لزمه
قال فى الشامل: فان وكلته مطلقا فخالع بالمثل فأقل لزم، وان زاد غرم الزيادة كزائد عدد سمته له
فإن أضاف الاختلاع لنفسه صح وغرم المسمى
وان لم يصرح بالاضافة اليه أو إليها بانت ولزمها ما سمت وغرم الزيادة
مذهب الشافعية:
اذا كرهت (١) المرأة زوجها لقبح منظر أو سوء عشرة وخافت أن لا تؤدى حقه جاز أن تخالعه على عوض
لقول الله ﵎ «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» (٢)
وروى أن جميلة بنت سهل كانت تحت ثابت ابن قيس بن الشماس وكان يضربها فأتت الى النبى ﷺ وقالت: لا أنا ولا ثابت وما أعطانى
فقال رسول الله ﷺ «خذ منها فأخذ منها فقعدت فى بيتها».
وان لم تكره المرأة منه شيئا وتراضيا على الخلع من غير سبب جاز لقول الله ﵎ «فَإِنْ طِبْنَ ٣ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً»
ولأنه رفع عقد بالتراضى جعل لدفع الضرر فجاز من غير ضرر، كالاقالة فى البيع
وان ضربها أو منعها حقها طمعا فى أن تخالعه على شئ من مالها لم يجز
стр. 6026
لقول الله «وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ١ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ»
فإن طلقها فى هذه الحال على عوض لم يستحق عوض، لأنه عقد معاوضة أكرهت عليه بغير حق فلم يستحق فيه العوض كالبيع
فان كان ذلك بعد الدخول فله أن يراجعها، لأن الرجعة انما تسقط بالعوض، وقد سقط العوض فتثبت الرجعة فيه.
فإن زنت فمنعها حقها لتخالعه على شئ من مالها ففيه قولان:
أحدهما يجوز ويستحق فيه العوض
لقول الله «إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ»
فدل على أنها اذا أتت بفاحشة مبينة جاز عضلها ليأخذ شيئا من مالها
والثانى لا يجوز ولا يستحق فيه العوض، لأنه خلع أكرهت عليه بمنع الحق، فأشبه اذا منعها حقها لتخالعه من غير زنا.
فأما الآية فقد قيل أنها منسوخة بآية الامساك فى البيوت
وهى قول الله ﵎ «فَأَمْسِكُوهُنَّ ٢ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ»
ثم نسخ ذلك بالجلد والرجم
ولأنه روى عن قتادة أنه فسر الفاحشة بالنشوز فعلى هذا اذا كان ذلك بعد الدخول فله أن يراجعها.
ولا يجوز للأب أن يطلق امرأة الابن الصغير بعوض وغير عوض لما روى عن عمر رضى الله تعالى عنه أنه قال: «إنما الطلاق بيد الذى يحل له الفرج، ولأن طريقه الشهوة، فلم يدخل فى الولاية
ولا يجوز أن يخلع البنت الصغيرة من الزوج بشئ من مالها، لأنه يسقط بذلك حقها من المهر والنفقة والاستمتاع
فان خالعها بشئ من مالها لم يستحق ذلك.
وإن كان بعد الدخول فله أن يراجعها لما ذكرناه
ومن الأصحاب من قال: اذا قلنا الذى بيده عقدة النكاح هو الولى فله أن يخالعها بالإبراء من نصف مهرها.
وهذا خطأ، لأنه إنما يملك الإبراء على هذا القول بعد الطلاق، وهذا الإبراء قبل الطلاق.
ولا يجوز للسفيهة أن تخالع بشئ من مالها، لأنها ليست من أهل التصرف فى مالها فان طلقها على شئ من مالها لم يستحق ذلك كما لا يستحق ثمن ما باع منها.
فان كان بعد الدخول فله أن يراجعها لما ذكرناه
ويجوز للأمة أن تخالع زوجها على عوض فى ذمتها
ويجب دفع العوض من حيث يجب دفع المهر فى نكاح العبيد، لأن العوض فى الخلع كالمهر فى النكاح، فوجب من حيث يجب المهر
ويصح الخلع من غير الزوجة وهو أن يقول
стр. 6027
رجل طلق امرأتك بألف على
وقال أبو ثور لا يصح، لأن بذل العوض فى مقابلة ما يحصل لغيره سفه، ولذلك لا يجوز أن يقول لغيره بع عبدك من فلان بألف على وهذا خطأ، لأنه قد يكون له غرض وهو أن يعلم أنهما على نكاح فاسد أو تخاصم دائم فيبذل العوض ليخلصهما طلبا للثواب كما يبذل العوض لاستنقاذ أسير أو حر فى يد من يسترقه بغير حق
ويخالف البيع فانه تمليك يفتقر الى رضا المشترى فلم يصح بالأجنبى والطلاق اسقاط حق لا يفتقر الى رضا المرأة فصح بالمالك والأجنبى كالعتق بمال
فان قال طلق امرأتك على مهرها وأنا ضامن فطلقها بانت ورجع الزوج على الضامن بمهر المثل فى قوله الجديد.
وببدل مهرها فى قوله القديم لأنه أزال الملك عن البضع بمال، ولم يسلم له، وتعذر الرجوع الى البضع، فكان فيما يرجع اليه قولان
كما قيل فيمن أصدق امرأته مالا فتلف قبل القبض.
ويجوز الخلع فى الحيض لأن المنع من الطلاق للضرر الذى يلحقها بتطويل العدة والخلع جعل للضرر الذى يلحقها بسوء العشرة والتقصير فى حق الزوج والضرر بذلك أعظم من الضرر بتطويل العدة فجاز دفع أعظم الضررين بأخفهما.
ويجوز الخلع من غير حاكم لأنه قطع عقد بالتراضى جعل لدفع الضرر فلم يفتقر الى الحاكم كالاقالة فى البيع
ويصح الخلع بلفظ الخلع والطلاق.
فان خالعها بصريح الطلاق أو بالكناية مع النية فهو طلاق، لأنه لا يحتمل غير الطلاق.
فان خالعها بصريح الخلع فان لم ينوبه الطلاق ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يقع به فرقة وهو قول الشافعى فى الأم، لأنه كناية فى الطلاق من غير نية فلم يقع بها فرقة كما لو عريت عن العوض
والثانى: أنه فسخ وهو قوله فى القديم، لأنه جعل للفرقة فلا يجوز أن يكون طلاقا، لأن الطلاق لا يقع الا بصريح أو كناية مع النية والخلع ليس بصريح فى الطلاق ولا معه نية الطلاق فوجب أن يكون فسخا
والثالث: أنه طلاق وهو قوله فى الاملاء
وهو اختيار المزنى، لأنها انما بذلت العوض للفرقة والفرقة التى يملك ايقاعها هى الطلاق دون الفسخ فوجب أن يكون طلاقا فان قلنا انه فسخ صح بصريحه وصريحه الخلع والمفاداة لأن المفاداة ورد بها القرآن والخلع ثبت له بالعرف، فاذا خالعها بأحد هذين اللفظين انفسخ النكاح من غير نية
وهل يصح الفسخ بالكناية كالمبارأة والتحريم وسائر كنايات الطلاق؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح لأن الفسخ لا يصح تعليقه على الصفات، فلم يصح بالكناية كالنكاح.
والثانى: يصح، لأنه أحد نوعى الفرقة فانقسم لفظها الى الصريح والكناية كالطلاق.
стр. 6028
فعلى هذا إذا خالعها بشئ من الكنايات لم ينفسخ النكاح حتى ينويا.
ويصح الخلع منجزا بلفظ المعاوضة لما فيه من المعاوضة ويصح معلقا على شرط لما فيه من الطلاق
فأما المنجز بلفظ المعاوضة فهو أن يوقع الفرقة بعوض وذلك مثل أن يقول: طلقتك أو أنت طالق بألف وتقول المرأة قبلت كما تقول فى البيع بعتك هذا بألف ويقول المشترى قبلت.
أو تقول المرأة طلقنى بألف فيقول الزوج طلقتك كما يقول المشترى بعنى هذا بألف ويقول البائع بعتك ولا يحتاج أن يعيد فى الجواب ذكر الألف، لأن الإطلاق يرجع اليه كما يرجع فى البيع
ولا يصح الجواب فى هذا الا على الفور كما نقول فى البيع.
ويجوز للزوج أن يرجع فى الايجاب قبل القبول
وللمرأة أن ترجع فى الاستدعاء قبل الطلاق كما يجوز فى البيع
وأما غير المنجز فهو أن يعلق الطلاق على ضمان مال أو دفع مال
فان كان بحرف إن بأن قال إن ضمنت لى ألفا فأنت طالق لم يصح الضمان الا على الفور لأنه لفظ شرط يحتمل الفور والتراخى، الا أنه لما ذكر العوض صار تمليكا بعوض فاقتضى الجواب على الفور كالتمليك فى المعاوضات
وإن قال ان أعطيتنى ألفا فأنت طالق لم تصح العطية الا على الفور بحيث يصلح أن تكون جوابا لكلامه، لأن العطية هاهنا هى القبول ويكفى أن تحضر المال وتأذن فى قبضه أخذ أولم يأخذ، لأن اسم العطية يقع عليه، وان لم يأخذ.
ولهذا يقال أعطيت فلانا مالا فلم يأخذه
وان قالت طلقنى بألف فقال أنت طالق بألف ان شئت لم يقع الطلاق حتى توجد المشيئة لأنه أضاف الى ما التزمت المشيئة فلم يقع الا بها
ويصح الرجوع قبل الضمان وقبل العطية وقبل المشيئة كما يجوز فيما عقد بلفظ المعاوضة.
ويجوز الخلع بالقليل والكثير والدين والعين والمال والمنفعة لأنه عقد على منفعة البضع فجاز بما ذكرناه كالنكاح
فان خالعها فجاز بما ذكرناه كالنكاح فإن خالعها على أن تكفل ولده عشر سنين وبين مدة الرضاع وقدر النفقة وصفتها فالمنصوص أنه يصح.
وان خالعها خلعا منجزا على عوض ملك العوض بالعقد وصار مضمونا على الزوجة ضمان الصداق.
فان كان عينا فهلكت قبل القبض أو خرج مستحقا أو على عبد فخرج حرا أو على خل فخرج خمرا رجع الى مهر المثل فى قوله الجديد.
ورجع الى بدل المسمى فى قول الشافعى القديم كما قلنا فى الصداق.
وان خالعها على أن ترضع ولده فماتت فهو كالعين اذا هلكت قبل القبض.
وان مات الولد ففيه قولان.
أحدهما: يسقط الرضاع ولا يقوم غير الولد مقامه، لأنه عقد على ايقاع منفعة فى عين فاذا
стр. 6029
تلفت العين لم يقم غيرها مقامها كما لو أكراه ظهرا للركوب فهلك الظهر.
فعلى هذا يرجع الى مهر المثل فى قوله الجديد والى أجرة الرضاع فى قوله القديم.
والقول الثانى: أنه لا يسقط الرضاع بل يأتيها بولد آخر لترضعه، لأن المنفعة باقية.
فعلى هذا ان لم يأت بولد آخر حتى مضت المدة ففيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع عليها، لأنها مكنته من الاستيفاء فأشبه اذا أجرته دارا وسلمتها اليه فلم يسكنها.
والثانى: يرجع عليها، لأن المعقود عليه تحت يدها فتلف من ضمانها.
فعلى هذا يرجع بمهر المثل فى قوله الجديد وبأجرة الرضاع فى قوله القديم.
وان خالعها على خياطة ثوب فتلف الثوب فهل تسقط الخياطة أو يأتيها بثوب آخر لتخيطه؟ فيه وجهان بناء على القولين فى الرضاع.
ويجوز رد العوض فى الخلع بالعيب، لأن اطلاق العقد يقتضى السلامة من العيب فثبت فيه الرد بالعيب كالمبيع والصداق.
فان كان العقد على عين بأن طلقها على ثوب
أو قال إن أعطيتنى هذا الثوب فأنت طالق فأعطته ووجد به عيبا فرده رجع الى مهر المثل فى قوله الجديد
والى بدل العين سليما فى قوله القديم لما ذكر فى الصداق
وان كان الخلع منجزا على عوض موصوف فى الذمة فأعطته ووجد معيبا فرده طالب بمثله سليما
وان قال ان دفعت الى عبدا من صفته كذا وكذا فأنت طالق فدفعت اليه عبدا على تلك الصفة طلقت.
فان وجده معيبا فرده رجع فى قوله الجديد الى مهر المثل.
والى بدل العبد فى قوله القديم، لأنه تعين بالطلاق فصار كما لو خالعها على عين فردها بالعيب.
ويخالف ما اذا كان موصوفا فى الذمة فى خلع منجز فقبضه ووجد به عيبا فرده، لأنه لم يتعين بالعقد ولا بالطلاق فرجع الى ما فى الذمة.
وان خالعها على عين على أنها على صفة فخرجت على دون تلك الصفة ثبت له الرد كما فى المبيع.
فإذا رده رجع الى مهر المثل فى أحد القولين
والى بدل المشروط فى القول الآخر كما فى الرد بالعيب.
ولا يجوز الخلع على محرم ولا على ما فيه غرر كالمجهول ولا ما لم يتم ملكه عليه ولا ما لا يقدر على تسليمه، لأنه عقد معاوضة فلم يجز على ما ذكرناه كالبيع والنكاح.
فان طلقها على شئ من ذلك وقع الطلاق، لأن الطلاق يصح مع عدم العوض فصح مع فساده كالنكاح ويرجع عليها بمهر المثل، لأنه تعذر رد البضع فوجب رد بدله.
стр. 6030
فان خالعها بشرط فاسد بأن قالت طلقنى بألف بشرط أن تطلق ضرتى فطلقها وقع الطلاق ويرجع عليها بمهر المثل.
لأن الشرط فاسد فإذا سقط وجب إسقاط ما زيد فى البدل لأجله وهو مجهول فصار العوض فيه مجهولا فوجب مهر المثل.
فان قال اذا جاء رأس الشهر فأنت طالق على ألف ففيه وجهان:
أحدهما يصح، لأنه تعليق طلاق بشرط،
والثانى لا يصح، لأنه عقد معاوضة فلم يصح تعليقه على شرط كالبيع.
فعلى هذا اذا وجد الشرط وقع الطلاق ورجع عليها بمهر المثل
فإذا خالع امرأته لم يلحقها ما بقى من عدد الطلاق، لأنه لا يملك بضعها فلم يلحقها طلاقه كالأجنبية ولا يملك رجعتها فى العدة.
وقال أبو ثور إن كان بلفظ الطلاق فله أن يراجعها، لأن الرجعة من مقتضى الطلاق فلم يسقط بالعوض كالولاء فى العتق، وهذا خطأ، لأنه يبطل به اذا وهب بعوض، فان الرجوع من مقتضى الهبة، وقد سقط بالعوض.
ويخالف الولاء فإنه باثباته لا يملك ما اعتاض عليه من الرق، وبإثبات الرجعة يملك ما اعتاض عليه من البضع.
وان طلقها بدينار على أن له الرجعة سقط الدينار وثبتت له الرجعة
وقال المزنى يسقط الدينار والرجعة ويجب مهر المثل.
كما قال الشافعى فيمن خالع امرأة على عوض وشرطت المرأة أنها متى شاءت استرجعت العوض وثبتت الرجعة، أن العوض يسقط ولا تثبت الرجعة.
وان وكلت المرأة فى الخلع ولم تقدر العوض فخالع الوكيل بأكثر من مهر المثل لم يلزمها الا مهر المثل، لأن المسمى عوض فاسد بمقتضى الوكالة فسقط ولزم مهر المثل كما لو خالعها الزوج على عوض فاسد، فان قدرت العوض بمائة فخالع عنها على أكثر منها ففيه قولان:
أحدهما: يلزمها مهر المثل لما ذكرناه.
والثانى: يلزمها أكثر الأمرين من مهر المثل أو المائة فان كان مهر المثل أكثر وجب، لأن المسمى سقط لفساده، ووجب مهر المثل.
وان كانت المائة أكثر وجبت لأنها رضيت بها
وأما الوكيل فانه ان ضمن العوض فى ذمته يرجع الزوج عليه بالزيادة لأنه ضمنها بالعقد
وان لم يضمن بأن أضاف الى مال الزوجة لم يرجع عليه بشئ
فان خالع على خمر أو خنزير وجب مهر المثل، لأن المسمى سقط فوجب مهر المثل.
فان وكل الزوج فى الخلع ولم يقدر العوض فخالع الوكيل بأقل من مهر المثل فقد نص فيه على قولين.
قال فى الإملاء: يقع ويرجع عليه بمهر المثل.
وقال فى الأم: الزوج بالخيار بين أن يرضى
стр. 6031
بهذا العوض ويكون الطلاق بائنا، وبين أن يرده ويكون الطلاق رجعيا.
وقال فيمن وكل وقدر العوض فخالع على أقل منه أن الطلاق لا يقع.
وإن خالعها على خمر أو خنزير لم يقع الطلاق لأنه طلاق غير مأذون فيه فاذا كان العوض فاسدا سقط ورجع الى مهر المثل.
وإذا خالع امرأة فى مرضه ومات لم يعتبر البدل من الثلث سواء حابى أو لم يحاب، لأنه لا حق للورثة فى بضع المرأة ولهذا لو طلق من غير عوض لم تعتبر قيمة البضع من الثلث
فان خالعت المرأة زوجها فى مرضها وماتت فإن لم يزد العوض على مهر المثل اعتبر من رأس المال، لأن الذى بذلت بقيمة ما ملكته فأشبه اذا اشترت متاعا بثمن المثل.
وإن زاد على مهر المثل اعتبرت الزيادة من الثلث لأنه لا يقابلها بدل فاعتبرت من الثلث كالهبة
فان خالعت على عبد قيمته مائة ومهر مثلها خمسون فقد حابت بنصفه.
فان لم يخرج النصف من الثلث بأن كان عليها ديون تستغرق قيمة العبد فالزوج بالخيار بين أن يقر العقد فى العبد فيستحق نصفه وبين أن يفسخ العقد فيه ويستحق مهر المثل ويضرب به مع الغرماء لأن الصفقة تبعضت عليه.
وإن خرج النصف من الثلث أخذ جميع العبد، نصفه بمهر المثل ونصفه بالمحاباة.
ومن الأصحاب من قال هو بالخيار بين أن يقر العقد فى العبد وبين أن يفسخ العقد فيه ويستحق مهر المثل، لأنه تبعضت عليه الصفقة من طريق الحكم، لأنه دخل على أن يكون جميع العبد له عوضا، وقد صار نصفه عوضا ونصفه وصية.
والمذهب الأول.
مذهب الحنابلة:
أنه اذا كرهت (١) المرأة زوجها لخلقه أو خلقه أو دينه أو كبره أو ضعفه أو نحو ذلك وخشيت أن لا تؤدى حق الله فى طاعته جاز لها أن تخالعه بعوض تفتدى به نفسها منه.
لقول الله ﵎ «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ ٢ بِهِ»
وروى أن رسول الله ﵌ «خرج الى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه فى الغلس فقال رسول الله ﵌ «ما شأنك؟ قالت لا أنا ولا ثابت لزوجها، فلما جاء ثابت قال له رسول الله ﵌: هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر، وقالت حبيبة يا رسول الله صلى الله عليه
стр. 6032
وسلم كل ما أعطانى عندى فقال رسول الله ﵌ لثابت بن قيس خذ منها فأخذ منها وجلست فى أهلها.
وهذا حديث صحيح ثابت الإسناد رواه الأئمة مالك وأحمد وغيرهما.
وهذا يسمى خلعا، لأن المرأة تنخلع من لباس زوجها
قال الله «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ١»﴾.
ويسمى افتداء لأنها تفتدى نفسها بمال تبذله
قال الله ﵎ «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»
وجاء فى كشاف (٢) القناع أنه ان عضلها أى ضارها بالضرب والتضييق عليها أو منعها حقوقها من القسم والنفقة ونحو ذلك كما لو نقصها شيئا من ذلك ظلما لتفتدى نفسها، فالافتداء باطل، والعوض مردود، والزوجية بحالها.
لقول الله ﵎ «وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ٣ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ» الآية
ولأن ما تفتدى به نفسها مع ذلك عوض أكرهت على بذله بغير حق فلم يستحق أخذه منها للنهى عنه والنهى يقتضى الفساد الا أن يكون بلفظ طلاق أو نيته فيقع رجعيا ولم تبن منه لفساد العوض.
والا بأن لم يكن بلفظ الطلاق ولا نيته كان لغوا لفساد العوض.
وان فعل الزوج ما ذكر من المضارة بالضرب والتضييق والمنع من الحقوق لا لتفتدى منه فالخلع صحيح، لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض مالها، ولكن عليه إثم الظلم أو فعله لنشوزها أو تركها فرضا فالخلع صحيح.
وجاء فى المغنى (٤): أنه لا يفتقر الافتداء الى حاكم نص عليه أحمد فقال: يجوز الخلع دون السلطان.
وروى البخارى ذلك عن عمر وعثمان رضى الله عنهما.
وبه قال شريح والزهرى، لقول عمر وعثمان ولأنه معاوضة فلم يفتقر الى السلطان كالبيع والنكاح، ولأنه قطع عقد بالتراضى أشبه الاقالة.
ولا بأس بالخلع فى الحيض والطهر الذى أصابها فيه لأن المنع من الطلاق فى الحيض من أجل الضرر الذى يلحقها بطول العدة والخلع لازالة الضرر الذى يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وذلك أعظم من ضرر طول العدة فجاز وقع أعلاهما بأدناهما.
ولذلك لم يسأل النبى ﵌
стр. 6033
المختلعة عن حالها، ولأن ضرر تطويل العدة عليها، والخلع يحصل بسؤالها فيكون ذلك رضا منها به ودليلا على رجحان مصلحتها فيه ولا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها.
وإن كان الخلع يصح بأكثر من الصداق وأنهما اذا تراضيا على الخلع بشئ صح.
لقول الله ﵎ «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»﴾.
ولو خالعته لغير بغض وخشية (١) من ألا تقيم حدود الله صح الخلع فى قول أكثر أهل العلم ويحتمل كلام أحمد تحريمه فانه قال: الخلع مثل حديث سهلة تكره الرجل فتعطيه المهر، فهذا الخلع.
وهذا يدل على انه لا يكون الخلع صحيحا الا فى هذه الحال.
وهذا قول ابن المنذر وداود.
وقال ابن المنذر وروى معنى ذلك عن ابن عباس وكثير من أهل العلم.
وذلك لأن الله ﵎ قال «وَلا يَحِلُّ ٢ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»
فدل بمفهومه على أن الجناح لا حق بها اذا افتدت من غير خوف.
ثم غلظ بالوعيد فقال «تِلْكَ ٣ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ»
فأما أن عضل (٤) زوجته وضارها بالضرب والتضييق عليها أو منعها حقوقها من النفقة والقسم ونحو ذلك لتفتدى نفسها ففعلت فالخلع باطل، والعوض مردود.
لقول الله «وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ ٥ شَيْئاً» الآية
ولأنه عوض أكرهن على بذله بغير حق فلم يستحق كالثمن فى البيع والأجر فى الإجارة
واذا لم يملك العوض وقلنا الخلع طلاق وقع الطلاق بغير عوض
فإن كان أقل من ثلاث فله رجعتها، لأن الرجعة انما سقطت بالعوض، فإذا سقط العوض ثبتت الرجعة.
وان قلنا هو فسخ ولم ينو به الطلاق لم يقع شئ لأن الخلع بغير عوض لا يقع على احدى الروايتين
وعلى الرواية الأخرى انما رضى بالفسخ ها هنا بالعوض (٦) فاذا لم يحصل له العوض لا يحصل المعوض، فأما ان ضربها على نشوزها ومنعها حقها لم يحرم خلعها لذلك، لأن ذلك لا يمنعها ألا يخافا
стр. 6034
ألا يقيما حدود الله فان أتت بفاحشة فعضلها لتفتدى نفسها منه ففعلت صح الخلع
لقول الله ﵎ «وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ١ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ»
والاستثناء من النهى اباحة فتدخل فى قول الله «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»
واذا خالع زوجته أو بارأها بعوض فإنهما يتراجعان بما بينهما من الحقوق.
فإن كان قبل الدخول فلها نصف المهر
وان كانت قبضته كله ردت نصفه.
وان كانت مفوضة فلها المتعة، لأن المهر حق لا يسقط بالخلع اذا كان بلفظ الطلاق فلا يسقط بلفظ الخلع والمبارأة كسائر الديون ونفقة العدة اذا كانت حاملا ولأن نصف المهر الذى يصير له لم يجب له قبل الخلع فلم يسقط بالمبارأة كنفقة العدة والنصف لها لا يبرأ منه بقولها بارأتك لأن ذلك يقتصى براءتها من حقوقه لا براءته من حقوقها.
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (٢) قال ابن حزم أن المرأة اذا كرهت زوجها فخافت ألا توفيه حقه أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها فلها أن تفتدى منه ويطلقها إن رضى هو وإلا لم يجبر هو ولا أجبرت هى انما يجوز بتراضيهما.
ولا يحل الافتداء الا بأحد الوجهين المذكورين أو باجتماعهما
فان وقع بغيرهما فهو باطل ويرد عليها ما أخذ منها وهى امرأته كما كانت ويبطل طلاقه ويمنع من ظلمها فقط ولها أن تفتدى بجميع ما تملك وهو طلاق رجعى الا أن يطلقها ثلاثا: أو آخر ثلاث أو تكون غير موطوءة
فان راجعها فى العدة جاز ذلك أحبت أم كرهت ويرد ما أخذ منها اليها:
ويجوز الفداء بخدمة محدودة ولا يجوز بمال مجهول لكن بمعروف محدود مرئى معلوم أو موصوف
واستدل ابن حزم بقول الله ﵎ «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ٣»
يقول الله «وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً ٤ فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً»
قال ابن حزم والغرض الأخذ بكلا الآيتين لا ترك احداهما للأخرى، ونحن قادرون على العمل بهما بأن نستثنى احداهما من الأخرى.
ويرى ابن (٥) حزم أنه يحل للزوج أخذ ما تفتدى به الزوجة نفسها سواء كان كل ما أعطاها
стр. 6035
أو بعض ما أعطاها أو أكثر مما أعطاها
لعموم قول الله ﵎ «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»
ومن خالع على (١) مجهول فهو باطل، لأنه لا يدرى هو ما يجب له عندها ولا تدرى هى فهو عقد فاسد.
وكل طلاق لم يصح الا بصحة ما لا صحة له فهو غير صحيح، واذا كان غير صحيح فلم يطلق أصلا.
والخلع على عمل محدود جائز (٢) لدخوله تحت قول الله
«فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»
وهذا اذا كان ذلك العمل مباحا تجوز المعاوضة فيه بالاجارة وغيرها
مذهب الزيدية:
جاء فى الروض (٣) النضير: أن الفداء هو العوض الذى تدفعه الزوجة لزوجها نظير خلوصها عن سلطانه عليها.
وإذا قبل الرجل (٤) من امرأته فدية فقد بانت منه بتطليقة
فقد روى عن على رضى الله عنه أنه قال: اذا أخذ الرجل من امرأته فدية فهى أملك بنفسها وهى تطليقة واحدة.
وقد قسم صاحب البحر الزخار (٥) الخلع على عوض الى مباح ومختلف فيه ومحظور.
فالمباح اذا كرهت المرأة من زوجها خلقه أو خلقه أو دينه أو خافت ألا تؤدى حقه فافتدت بشئ من مالها جاز وله أخذه اجماعا
لقول الله ﵎ «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ ٦ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»
ولخبر حبيبة بنت سهل حيث قالت لا أطيقه بغضا.
والمختلف فيه ما وقع بينهما بالتراضى من غير كراهة ولا نشوز ولا خوف والمال منها.
وأما المحظور فحيث يتضررها لتعطيه.
لقول الله ﵎ «لِتَذْهَبُوا ٧ بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ»
وجاء فى شرح (٨) الأزهار أنه يشترط أن يكون الخلع معقودا على عوض، مال أو فى حكمه ولا يصح خمرا ولا خنزيرا لمسلم
стр. 6036
أما الذى فى حكم المال فهو ما يصح أن يعقد عليه الإجارة نحو أن يقول طلقتك على أن تخيطى لى قميصا أو على أن تحملى لى كذا الى أرض كذا أو نحو ذلك.
فلو لم يكن مالا ولا فى حكم المال لم يكن خلعا
نحو أن يقول على أن تدخلى الدار أو على ألا تكلمى فلانا.
ويشترط فى العوض أن يكون صائرا كله أو بعضه الى الزوج.
فلو كان كله لغير الزوج نحو أن يقول: طلقتك على ألف لزيد أو نحو ذلك لم يكن خلعا.
واذا قبلت طلقت طلاقا رجعيا.
فأما لو كان بعضه له وبعضه لغيره نحو أن يقول: على أن تهيبنى نصف كذا ونصفه لابنى ففعلت، فإنه خلع بقدر حصته ويقبل الهبة له ولابنه إن كان صغيرا أو كان كبيرا ووكله بالقبول
وعوض الخلع قد يكون من زوجته وقد يكون من غيرها فحيث يكون من زوجته لا يصح الخلع إلا بشرطين:
أحدهما: أن تكون الزوجة صحيحة التصرف وذلك بأن تكون بالغة عاقلة.
فلو كانت صغيرة أو مجنونة لم يصح الخلع بعوض منها.
ولو كانت محجورة عن التصرف بمعنى أنه حجر عليها الحاكم لأجل دين عليها، فإن الحجر لا يمنع من صحة عقدها للخلع.
لكن عوض الخلع يبقى فى ذمتها ولا تخرجه من المال الذى حجرت فيه الا بعد رفع الحجر أو بإذن الحاكم أو الغرماء.
وهكذا لو كانت أمة فخولعت على عوض منها بغير اذن سيدها فانه يصح الخلع، ويكون العوض فى ذمتها يطالب به اذا عتقت.
فإن كان بإذن سيدها كان عليه.
والشرط الثانى: أن تكون الزوجة وقت الخلع ناشزة عن شئ مما يلزمها له من فعل أو ترك.
فالفعل نحو أن يأمرها أن تقف فى موضع فتمتنع لغير عذر.
وهكذا لو دعاها للوط ء الى موضع فلم تجبه
والترك نحو أن يلزمها بترك شئ مما كرهه الزوج فلا تتركه.
ونحو أن ينهاها عن الخروج الى بيت أهلها فتخرج.
ومن النشوز فى الترك أن تؤذيه بلسانها بشتم أو غيره.
وما اختاره ﵇ من أن الخلع بعوض من الزوجة الصحيحة التصرف انما يصح بالنشوز منها.
وهو قول الهادى والقاسم والناصر.
وقال المؤيد بالله يصح بتراضيهما ولو لم يكن منها نشوز.
ولو كان العوض من غير الزوجة فلا يعتبر الشرطان السابقان وهما كونها صحيحة التصرف وناشزة.
وحكى فى الكافى عن القاسم والهادى والناصر
стр. 6037
أن عوض الخلع لا يصح من غير الزوجة بل يقع الطلاق رجعيا ويرد العوض على الذى أخذ منه.
ولو قال لزوجته (١) أنت طالق على ألف فقبلت فإنها تطلق حينئذ خلعا ويلزمها الألف حيث قبلت هى.
ولو قالت هى لزوجها طلقنى على ألف فطلق طلقت خلعا ولزمها الألف.
ولا يحل (٢) للزوج أن يأخذ من زوجته أكثر مما لزم بالعقد الذى خالعها به وذلك هو مهرها فيجوز أن يخالعها على هذا القدر أو دون لا أكثر من ذلك.
فإن زادت على ذلك تبرعا منها لا فى مقابلة الطلاق جاز له أخذه عندنا.
وقال الصادق بالله أنه لا يحل أكثر مما لزم بالعقد ولو ابتدأت المرأة بالزائد.
وقال المؤيد بالله أنه يجوز بما تراضيا عليه من قليل أو كثير.
وتصح (٣) المخالعة على المهر بعينه إن كان معينا باقيا. أو على مثله ان كان قد سقط أو لم يسقط بإبراء أو نحوه أو كان فى الذمة غير معين.
فإن خالعها على مهرها ولم يكن قد دخل بها رجع عليها بنصف المهر عينا كان أو دينا.
ولو قالت المرأة (٤) لزوجها طلقنى على ما فى يدى من الدراهم أو يقول له الغير طلقها على ما فى يدى من الدراهم فطلقها فإذا ليس فى اليد شئ فإنه يقع الطلاق بائنا ويلزم مهر المثل.
وهكذا لو قالت أو قال الغير على ما فى هذا الكيس من الدراهم ولا شئ فيه.
أو على حمل هذه الأمة ولا حمل معها.
أو على هذا العبد فإذا هو حر.
أو على هذا الخل فإذا هو خمر.
فإنه يقع الخلع ويلزم الغار مهر المثل.
أما لو قالت على ما فى يدى ولم تقل من الدراهم أو على ما فى الكيس ولم تقل من الدراهم أو على ما فى بطن هذه الأمة ولم تذكر الحمل لم يكن تغريرا، لأنها لم تذكر ما ينبى عن المال.
فإذا طلقها على ذلك وقع رجعيا
ولا (٥) تغرير على الزوج ان ابتدأ بطلب المخالعة فى الصور التى جعلناها تغريرا نحو أن يبتدئها فيقول طلقتك على ما فى يدك أو فى يدك أو فى الكيس من الدراهم أو على حمل أمتك فقالت قبلت فانكشف عدم الدراهم والحمل، فإنه لا يلزمها مهر المثل هاهنا.
ويلزم الزوجة من العوض حصة ما فعل من الطلاق وقد طلبته ثلاثا بألف مثلا فطلق واحدة فإنه يستحق ثلث الألف
стр. 6038
فإن أراد أن يتم له الألف عقد بها ثانيا ثم طلقها ثم عقد بها ثم طلق.
ولا بد من النشوز بعد كل عقد ولا يكتفى بالنشوز الأول.
ولو قالت طلقنى أنا وفلانة بألف فطلق إحداهما استحق نصف الألف ومتى طلق الثانية فى المجلس استحق كمال الألف والألف يكون عليها حيث قالت بألف منى أو أطلقت.
فإن قالت بألف منى ومنها فطلقهما لزمها حصتهما فقط وعلى تلك حصتها ان قبلت والا لم تطلق.
أما لو قال الزوج أنت طالق ثلاثا على ألف فقالت قبلت واحدة بثلث الألف فإنه لا يقع عليها شئ لأن الزوج لم يرض ببينونتها الا بألف.
أما لو قالت طلقنى ثلاثا بألف وقد كان طلقها اثنتين وبقيت واحدة فطلقها واحدة استحق جميع الألف.
مذهب الإمامية:
جاء فى الخلاف: (١) إذا كانت الحال بين الزوجين عامرة والأخلاق ملتئمة واتفقا على الخلع فبذلت على طلاقها لم يحل ذلك وكان محظورا، لاجماع الفرقة على أنه لا يجوز له خلعها الا بعد ان يسمع منها ما لا يحل ذكره من قولها لا أغتسل لك من جنابة ولا أقيم لك حدا ولأوطئن فراشك من تكرهه أو يعلم ذلك منها وهذا مفقود هاهنا فيجب أن لا يجوز الخلع لقوله تعالى ﴿(وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ)﴾ وهذا نص فإنه حرم الأخذ منها الا عند الخلاف من ان لا يقيما حدود الله وقال تعالى «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» فدل ذلك على أنه متى ارتفع الخوف حصل الجناح.
وجاء فى شرائع (٢) الاسلام: اذا قال الرجل لامرأته: خلعتك على كذا أو فلانة مختلعة على كذا فهل يقع بمجرده؟ بدون إتباعه بلفظ الطلاق؟
المروى نعم اذا ما قبلت
قال الشيخ أبو جعفر لا يقع حتى يتبع بالطلاق
ولا يقع الطلاق بفاديتك مجردا عن لفظ الطلاق ولا فاسختك ولا أبنتك.
وبتقدير الاجتزاء بلفظ الخلع هل يكون فسخا او طلاقا
قال المرتضى ﵀ هو طلاق وهو المروى،
وقال الشيخ أبو جعفر ﵀ الأولى أن يقال فسخ وهو تخريج.
فمن قال هو فسخ لم يعتد به عدد الطلقات ويقع الطلاق مع الفدية بائنا وان انفرد عن لفظ الخلع ولو طلبت منه طلاقا بعوض فخلعها مجردا عن لفظ الطلاق لم يقع على القولين.
ولو طلبت خلعا بعوض فطلق عليه لم يلزم
стр. 6039
البذل على القول بوقوع الخلع بمجرده فسخا.
ويقع الطلاق رجعيا ويلزم البذل على القول بأنه طلاق أو أنه يفتقر الى الطلاق.
وإذا قالت طلقنى بألف كان الجواب على الفور فإن تأخر لم يستحق عوضا وكان الطلاق رجعيا.
وكل ما صح أن يكون مهرا صح أن يكون فداء فى الخلع ولا تقدير فيه بل يجوز ولو كان زائدا عما وصل اليها من مهر وغيره.
وإذا كان غائبا فلا بد من ذكر جنسه ووصفه وقدره.
ويكفى فى الحاضر المشاهدة وينصرف الاطلاق الى غالب نقد البلد مع التعيين الى ما عين.
ولو خالعها على ألف ولم يذكر المراد ولا قصد فسد الخلع ولو كان الفداء مما لا يملكه المسلم كالخمر فسد الخلع.
وقيل يكون رجعيا وهو حق ان اتبع بالطلاق والا كان البطلان أحق.
ولو خالعها على خل فبان خمرا صح وكان له بقدره خل.
ولو خالع على حمل الدابة أو الجارية لم يصح
ويصح بذل الفداء منها ومن وكيلها وممن يضمنه بإذنها.
وهل يصح من المتبرع فيه تردد، والأشبه المنع.
ولو (١) خالعت فى مرض الموت صح وان بذلت أكثر من الثلث وكان من الأصل.
وفيه قول أن الزائد على مهر المثل من الثلث وهو أشبه.
ولو كان الفداء رضاع ولده صح مشروطا بتعيين المدة وكذا لو طلقها على نفقته بشرط تعيين القدر الذى يحتاج اليه من المأكل والكسوة والمدة.
ولو مات قبل المدة كان للمطلق استيفاء ما بقى فإن كان رضاعا رجع بأجرة مثله وان كان انفاقا رجع بمثل ما كان يحتاج اليه فى تلك المدة مثلا أو قيمة، ولا يجب عليها دفعه دفعة بل يجوز دفعه أدوارا فى المدة كما كان يستحق عليها لو بقى.
ولو تلف العوض لم يبطل استحقاقه ولزمها مثله وقيمته ان لم يكن مثليا.
ولو خالعها بعوض موصوف فإن وجد ما دفعته على الوصف والا كان له رده والمطالبة بما وصف
ولو كان معينا فبان معيبا رده وطالب بمثله أو قيمته، وان شاء امسكه مع الأرش.
وكذا لو خالعها على عبد على أنه حبشى فبان زنجيا أو على ثوب على أنه نقى فبان أسمر.
ولو دفعت ألفا وقالت: طلقنى بها متى شئت لم يصح البذل ولو طلق كان الطلاق رجعيا والألف لها.
ولو خالعها على عين فبانت مستحقة قيل:
يبطل الخلع ولو قيل: يصح ويكون له القيمة أو المثل كان حسنا.
ويصح البذل من الأمة فإن أذن مولاها انصرف الاطلاق الى الافتداء بمهر المثل.
стр. 6040
ولو بذلت زيادة عنه قيل: يصح وتكون لازمة لذمتها تتبع بها بعد العتق واليسار وتتبع بأصل البذل مع عدم الإذن.
ولو بذلت عينا فأجاز المولى صح الخلع والبذل، والأصح الخلع دون البذل، ولزمها قيمته، أو مثله تتبع به بعد العتق.
ويصح بذل المكاتبة المطلقة ولا اعتراض للمولى.
ولو أكره زوجته على الفدية فعل حراما.
ولو طلق به صح الطلاق ولا تسلم اليه الفدية وكان له الرجعة
ولو خالعها والاخلاق ملتئمة لم يصح الخلع ولا يملك الفدية.
ولو طلقها والحال هذه بعوض لم تملك العوض وصح الطلاق وله الرجعة.
وإذا أتت بفاحشة جاز عضلها لتفدى نفسها
واذا صح الخلع فلا رجعة له ولها الرجوع فى الفدية ما دامت فى العدة ومع رجوعها يراجعها ان شاء.
ولو خالعها وشرط الرجعة لم يصح.
وكذا لو طلق بعوض.
والمختلعة لا يلحقها طلاق بعد الخلع، لأن الثانى مشروط بالرجعة.
نعم لو رجعت فى الفدية فرجع جاز استئناف الطلاق.
واذا قالت طلقنى ثلاثا بألف فطلقها قال الشيخ لا يصح، لأنه طلاق بشرط.
والوجه أنه طلاق فى مقابله بذل فلا يعد شرطا فإن قصدت الثلاث ولاء لم يصح البذل.
وإن طلقها ثلاثا مرسلا، لأنه لم يفعل ما سألته
أما لو قصدت الثلاث التى يتخللها رجعتان صح.
فإن طلق ثلاثا فله الألف.
وإن طلق واحدة قيل: له ثلث الألف، لأنها جعلته فى مقابلة الثلاث فاقتضى تقسيط المقدار على الطلقات بالسوية.
ولو كانت معه على طلقة فقالت: طلقنى ثلاثا بألف فطلق واحدة كان له ثلث الألف.
وقيل له الألف ان كانت عالمة والثلث ان كانت جاهلة.
ولو قالت: طلقنى واحدة بألف فطلقها ثلاثا ولاء وقعت واحدة وله الألف ..
واذا وكلت فى خلعها مطلقا اقتضى خلعها بمهر المثل نقدا بنقد البلد.
وكذا الزوج اذا وكل فى الخلع فأطلق.
فإن بذل وكيلها زيادة عن مهر المثل بطل البذل ووقع الطلاق رجعيا ولا يضمن الوكيل.
ولو خالعها وكيل الزوج بأقل من مهر المثل بطل الخلع.
ولو طلق بذلك البذل لم يقع لأنه فعل غير مأذون فيه.
стр. 6041
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح (١) النيل: أن الفداء فرقة بين الزوجين بردها اليه صداقها وقبوله اياه، والخلع فرقة بينهما بردها بعض الصداق وقبوله.
وقيل: ان الفداء أعم فهو يقع برد كل الصداق وبعضه وبأكثر منه لكن لا يحل له الأكثر فيما بينه وبين الله ولا فى الحكم.
وقيل يحل.
وقيل ان الفداء والخلع والصلح والمبارأة بمعنى، وهو بذل المرأة العوض على طلاقها، إلا أن الخلع يختص ببذلها جميع ما أعطاها، والصلح يختص ببذلها بعض ما أعطاها، والفداء يختص ببذلها أكثر مما أعطاها، والمبارأة اسقاطها عنه حقا لها عليه.
وقيل الافتداء يكون ببعض الصداق والخلع يكون بكله.
والافتداء (٢) سواء كان ببذل المرأة كل صداقها أو بعضه أو أكثر منه طلاق عند الأكثر
وعلى ذلك فمن فادى امرأته ثلاث مرات بأن فاداها وراجع وفاداها وراجع وفاداها وراجع، أو طلق مرة وفادى مرتين أو طلق مرتين وفادى مرة لم تحل له حتى تنكح غيره.
وعلى قول شاذ أن الافتداء لا يعتبر طلاق
وروى عن جابر بن زيد رضى الله تعالى عنه أنه ليس بطلاق ولو فاداها عشرا.
والمأخوذ به الأول.
والفداء يقع بكل لفظ (٣) مفهم للمراد غير مجمل مثل أن تقول له رددت لك صداقى على الفرقة فيقول قبلت أو رضيت أو أخذت أو تقول له تركت لك ما تزوجتنى به أو ما تزوجتك به فيقبل أو تقول له قد أبرأتك من صداقى أو ما تزوجتنى عليه أو تقول فاديتك ويقبل فإن قام من المجلس ولم يقبل ولم ينكر ثم قبل بعد ذلك فالأكثر على جوازه.
وقيل بالمنع بعد المجلس.
والصحيح الأول وعليه صاحب الدعائم.
وإن رجعت هى قبل أن يقبل هو فلا قبول له بعد ذلك.
وقيل له القبول
وإن قال لها ردى مالى على الطلاق فقالت رددته لك عليه فأبى أن يقبله بانت بفداء
وقيل: لا أن لم يقبل
وان قالت رددته على الطلاق فجامعها زال قولها وليس فى ذلك قبول بعد الوط ء
وان تبرأت من صداقها على الفداء فقال قبلته وحبستك وقع الفداء لقوله قبلته ولا ينفعه قوله بعد ذلك حبستك هذا هو الصحيح، لأنه كلام
стр. 6042
زائد لم يقع فى طريق الشرط
وقيل لا يقع الفداء ان وصل كلامه كالاستثناء المبطل فى العقود
ومن قال: قبلت ان شاء الله وقع الفداء، وان قبل البعض، وقال حبستك بكذا مشيرا الى البعض الباقى وقع الفداء وسقط عنها بالفوات ما قبل وبقى لها ما لم يقبله
وان قالت أبرأتك (١) من صداقى على أن تطلقنى ثلاثا فقال قبلت المال وطلقتك ثلاثا فهو فداء وسقط عنه الصداق.
فان قدم الطلاق وأخر القبول بأن قال طلقتك ثلاثا وقبلته طلقت ثلاثا وبقى المال لها، لأن التطليقات الثلاث تبين المرأة بهن فلا يلحقها الفداء بعدهن.
ومن فاداها بألف مثلا على أن يطلقها واحدة فطلقها ثلاثا فلم ترض لزمته الثلاث ورد اليها الألف.
والفداء طلقة واحدة بائنة وان شرط أنها رجعية على قول هو المشهور عند قومنا.
وقيل ان شرط أنها رجعية فرجعية.
وقيل ان فاداها فطلقها ثلاثا رد اليها ان لم تكن لها رغبة فى الطلاق وان كانت لها رغبة لم يرد لها وقيل يرد لها مطلقا لأنها معيبة بذلك اذ يظن متزوجها أنها تريد التحليل فتسئ العشرة ليطلقها فتحل للأول
وان قالت (٢) له تركت لك صداقى أو مالك على الطلاق وكانت أخذت الصداق قبل ذلك فقبل وقع الفداء ويغرمها المال.
وان أخذت بعضا وقالت له تركت لك مالك جاز وله الباقى ولها ما أخذت.
وان قالت له تركت لك هذا الثور مثلا فخرج خنزيرا مثلا فله قيمته على أنه ثور كذا ان تركت له هذا الزيت أو الخل أو نحوه مما هو حلال فإذا هو خمر وقع الفداء وله قدر ذلك فإن كان علم بذلك وقع الفداء وليس له شئ
وإن قالت له تركت لك ما فى يدى على الفداء أو ما فى يدى من ذهب وفضة أو غيرهما أو فى وعاء أو دار أو بيت أو بطن حيوان أنثى أو فى الشجرة أو النبات من ثمار أو الضرع فقبل وقع الفداء ولو لم يخرج فى ذلك شئ
وإن خرج ما ذكرت فهو له.
وان تركت له خدمة عبد أو أمة أو دابة أو لبس ثوب أو سكون مسكن الى معلوم أو شفعة عليه لها على الفداء.
وقيل وقع الفداء وله ذلك.
وقيل وقع الفداء وليس له.
وان قال بعت (٣) لك طلاقك بكذا فقبلت فقيل هو فداء لأنه ملكها نفعها بكذا كما أن المفتدى
стр. 6043
يأخذ كذا وكذا وهو صداقها أو بعضه فتملك أمر نفسها وسواء كان ما باع به هو نفس ما أصدقها أو مثله أو غير ذلك من سائر ما يباع به ويشترى به وسقط عنه من الصداق مثل ما باعه لها به وبقى لها فوق ذلك.
وان باعه لها بمثل الصداق سقط عنه الصداق كله.
وان كان ما باعه به أكثر من الصداق فلا تلزمها زيادة على الصداق له.
فالخلاف فى أن الفداء هل يجوز بالصداق وما دونه أو يجوز بكل ما أراد الزوج ورضيت به المرأة ولو كان أضعاف ما أصدقها لأنها فى ملكه فله أن يشترط ما شاء فان لم تقبل فهى زوجته تؤمر هى وهو بالانصاف فى العشرة
وقيل لا يجوز بيع الطلاق للزوجة ولا لغيرها وان بيع فليس ذلك البيع بفداء ولا طلاق.
قال صاحب شرح النيل: والظاهر عندى غير ذلك، وأنه اذا قال بعته منك أو لك بكذا أو لم يذكر الثمن وقع الطلاق لا الفداء سواء قبلت أو لم تقبل ولا ثمن عليها.
وان أبرأته من الصداق (١) أو من بعضه فإذا هى محرمته بنسب أو رضاع أو محرمة عليه بلعان أو غير ذلك فلا فداء بينهما لأن الفداء انما يكون من عقد صحيح موجب للنكاح.
اما اذا فسد فلا حكم له عليها ولها صداقها ان مس لأجل المس.
وان قبضت الزوجة الصداق فتلف وافتدت به ضمنته بأن تعطيه مثله اذا أمكن المثل، والا فالقيمة، فان أهلكته ولم يعلم زوجها باهلاكه ثم افتدت منه به قيدت بالجديد، وأجبرت على غرمه، وإن علم الزوج لزمها تأديته بلا جبر.
وان افتدت (٢) بما أصدقها من حيوان أو غيره غائبا أو صلته إليه ان لم يعلم بغيته والا أدركه حيث كان ولزمها غرم النقص لا عيب حدث عندها.
وان أصدقها (٣) أرضا فغرست بها غروسا أو بنت بها بناء، فان علم بذلك فافتدت منه أخذ الأرض وأمسكت هى غروسها أو بناءها فيها بلا قيمة لعلمه. فقبوله الفداء مع علمه بما فعلت تقرير لما فعلت فيها، فلو شاء لشرط ازالته حين إرادة الفداء
وان لم يعلم أخذ الأرض وما فيها من غرس أو بناء وأعطاها قيمة ذلك.
وقيل هو مخير اذا لم يعلم فى امساك الأرض دون غرس وبناء وفى أخذ عوض أرضه وان أبرأت زوجها (٤) من الصداق أو من بعضه بهبة أو صدقة أو هدية أى لا بفداء ثم افتدت منه بالصداق بعد ذلك بأن قالت تركت لك صداقى على الفرقة أو
стр. 6044
على الفداء ونحو ذلك وكانت قد تركته له وخرج من ملكها قبل ذلك فلا يلزمها غرمه إن لم تقضه له فى حق له أو لغيره كدين وأرش ولزمه طلاق
ومن تزوج (١) طفلة أو مجنونة أو أمة فأبرأته من صداقها أو بعضه على الفداء فقبله لزمه الطلاق بائنا بقبوله ولا يتوارثان فى العدة ولا يرجع اليها إلا بنكاح من وليها ولو فى العدة، ولها صداقها كاملا، وذلك لأنه لا يصح فعل الطفلة والمجنونة والأمة فى الفداء والخلع.
ولا يصح افتداء ولى ولو أبا أو خليفة للطفلة والمجنونة اذا لم تجيزاه بعد بلوغ أو إفاقة.
ولا يصح افتداء أمة بدون اذن سيدها ولو بالغة، فاذا افتدى الولى ولو أبا أو افتدى الخليفة لم ينزعا من أيدى زوجيهما ما لم يرضيا ورضاهما طلاق وصحت إجازتهما بعد بلوغ وإفاقة.
وان افتدى الأب لطفلة أو مجنونة بالصداق فلم تجزه بعد البلوغ أو الافاقة أخذته من زوجها ورجع الزوج به على الأب، لأن الأب ترك صداق بنته لزوجها وقبل الزوج فأمسكه فاذا بلغت فلم تجز ذلك ورجعت فى صداقها غرم له أبوها ما ترك له ولم يتم تركه لرجوع البنت فيه ووقع الطلاق من حين رضى الزوج بالفداء من الأب ولا ينتظر به البلوغ أو الافاقة.
وقيل اذا وقع الفداء بين أب الطفلة أو المجنونة وبين زوجها لم يقع فداء ولا طلاق وتعزل عن زوجها حتى تبلغ أو تفيق.
فإن أجازت كان الفداء لا الطلاق
وقيل فعل الأب على الطفلة والمجنونة جائز تام فإذا فعل وقبل الزوج فرجعت بالفداء وهو طلاق فله المراجعة على هذا القول فى العدة برضى الأب وعلى الأب الغرم لها فيما رد لزوجها
ولا يجوز (٢) لأحد الزوجين الفداء الا بنشوز من الآخر أو بأس كدخان أو خمر.
وقال الجمهور: يجوز الفداء بالكل أو البعض بدون نشوز إن رضيا معا فيحل له ما تعطيه مجتمعين
لقول الله ﵎ «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ٣ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً»
فاذا جاز أن تهب مهرها له من غير أن يحصل لها شئ جاز بالأولى أن تعطيه فى الفداء لتملك به أمر نفسها.
ومن تغلب (٤) على زوجته. فحملها ما لا تطيقه من تضييع حقوق وضيق معيشة وسوء معاشرة حتى افتدت منه لم يحل له أخذه فيما عند الله وان جاز فى الحكم ولزمه الرد ان تاب. ويحرم على الزوج أخذ زائد على ما أعطى من صداق إن وقع فداء عند الله،
وإن مرض فافتدت منه فمات فى مرضه لم ترثه ولو قبل انقضاء العدة لأن افتداءها اسقاط لميراثها
стр. 6045
باختيارها فلو افتدت بإساءته أو استكراه ورثته فى العدة ولا (١) يرثها ان ماتت، لأن قبوله الفداء اسقاط لميراثه باختياره فلو أكره على قبوله لورثها فى العدة.
وقيل ان ماتت فى مرضه ورثها وهو ضعيف.
وان مرضت فافتدت منه ثم عوفيت جاز الفداء له ما افتدت به.
فان ماتت فى مرضها أخذ الأقل من صداق وارث.
وقيل يجب له الصداق وان كثر وزاد على الإرث وهو الصحيح ولا إرث له.
وان افتدت بزيادة لم يكن له الا ما أعطى، لأن الزيادة فى مرض موتها كالوصية ولو برضاها ولا وصية لوارث لأنه وارث فى الجملة حيث كان يأخذ الأقل من إرث وصداق، ولأنه لولا الفداء لكان وارثا.
حكم افتداء الأسير
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (٢): مفاداة الأسير من أهل الحرب بالمال لا تجوز عند أصحابنا فى ظاهر الروايات.
وقال محمد رحمه الله تعالى مفاداة الشيخ الكبير الذى لا يرجى له ولد تجوز بالمال ودليل الأصحاب أن قتل الأسرى مأمور به، لقول الله ﵎ «فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ ٣» وهو منصرف إلى ما بعد الأخذ والاسترقاق.
وكذلك قول الله «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ٤» والأمر بالقتل للتوصل إلى الإسلام فلا يجوز تركه إلا لما شرع له القتل وهو أن يكون وسيلة إلى الإسلام ولا يحصل معنى التوصل بالمفاداة فلا يجوز ترك المفروض لأجله، ولأن المفاداة بالمال إعانة لأهل الحرب على الحراب لأنهم يرجعون إلى المنعة فيصيرون حربا علينا وهذا لا يجوز، وأما قول الله «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» (٥) فقد قال بعض أهل التفسير إن الآية منسوخة بقول الله ﵎ «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ»﴾.
وقول الله «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ» (٦) لأن سورة براءة نزلت بعد سورة محمد ﵊.
ويحتمل أن تكون الآية فى أهل الكتاب فيمن منّ عليهم بعد أسرهم على أن يصيروا أكرة للمسلمين كما فعل رسول الله ﵌ بأهل خيبر أو ذمة كما فعل سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه بأهل السواد ويسترقون.
стр. 6046
وأما أسارى بدر فقد قيل أن رسول الله ﵌ لما فعل ذلك باجتهاده ولم ينتظر الوحى فعوتب عليه بقول الله :
«لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» (١) حتى قال النبى ﵌ لو أنزل الله من السماء نارا ما نجا إلا عمر رضى الله تعالى عنه.
ويدل عليه قول الله «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ٢» على أحد وجهى التأويل، أى ما كان لنبى أن يأخذ الفداء فى الأسارى حتى يثخن فى الأرض.
ويحتمل أن المفاداة كانت جائزة ثم انتسخت بقول الله ﵎:
«فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ» (٣).
أما محمد رحمه الله تعالى فانه يقول إن الإعانة لا تحصل من الشيخ الكبير الذى لا يرجى منه ولد فجاز فداؤه بالمال.
ولكنا نقول إن كان لا يحصل بهذا الطريق يحصل بطريق آخر وهو الرأى والمشورة وتكثير السواد.
أما مفاداة الأسير بالأسير فلا تجوز عند أبى حنيفة رحمه الله تعالى، لأن قتل المشركين فرض
بقول الله «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ» وقول الله ﵎ «فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ» فلا يجوز تركه إلا لما شرع له إقامة للفرض وهو التوسل إلى الإسلام، لأنه لا يكون تركا معنى وذا لا يحصل بالمفاداة ويحصل بالذمة والاسترقاق فيمن يحتمل ذلك.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى:
تجوز مفاداة الأسير بالأسير لأن فى المفاداة إنقاذ المسلم وذلك أولى من إهلاك الكافر إلا أنهما اختلفا فيما بينهما هل تجوز المفاداة قبل القسمة أو بعدها.
فقال أبو يوسف: تجوز المفاداة قبل القسمة ولا تجوز بعدها، لأن المفاداة بعد القسمة إبطال ملك المقسوم له من غير رضاه وهذا لا يجوز فى الأصل بخلاف ما قبل القسمة لأنه لا ملك قبل القسمة انما الثابت حق غير متقرر فجاز أن يكون محتملا للابطال بالمفاداة.
وقال محمد رحمه الله تعالى: تجوز المفاداة قبل القسمة وبعدها، لأنه لما جازت المفاداة قبل القسمة فكذا بعد القسمة لأن الملك ان لم يثبت قبل القسمة فالحق ثابت ثم قيام الحق لم يمنع جواز المفاداة فكذا قيام الملك لا يمنع جواز المفاداة
ولا تجوز مفاداة الكراع والسلاح بالمال، لأن كل ذلك يرجع الى اعانتهم على الحرب ..
وتجوز مفاداة أسارى المسلمين بالدراهم والدنانير والثياب ونحوها مما ليس فيها اعانة لهم على الحرب ولا يفادون بالسلاح لأن فيه اعانة لهم على الحرب
стр. 6047
مذهب المالكية:
جاء فى التاج والإكليل (١): نقلا عن ابن عرفة أن فداء أسارى المسلمين فيه طرق. والأكثر على أنه واجب وسمع القرينان أشهب وابن نافع استنقاذهم بالقتال واجب فكيف بالمال.
زاد اللخمى فى روايته مع رواية أشهب ولو بجميع أموال المسلمين. هذا ما لم يخش استيلاء العدو بذلك ويدفع الفداء من بيت المال كما قال ابن رشد فإن تعذر فعلى عموم المسلمين والأسير كأحدهم فإن ضيع الإمام والمسلمون ذلك وجب على الأسير من ماله
قال ابن يونس أمر عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه أن يفدى من هرب اليهم طوعا من حر أو عبد.
قال ابن رشد واجب على الامام أن يفنك أسرى المسلمين من بيت مالهم فما قصر عنه بيت المال تعين على جميع المسلمين فى أموالهم على مقاديرها ويكون هو كأحدهم أن كان له مال فلا يلزم أحدا فى خاصة نفسه من فك أسرى المسلمين الا ما يتعين عليه فى ماله على هذا الترتيب
فإذا ضيع الإمام والمسلمون ما يجب عليهم من هذا فواجب على من كان له مال من الأسرى أن يفك نفسه من ماله.
وروى عن ابن يونس نقلا عن المدونة عن ابن القاسم من اشترى حرّا مسلما من أيدى العدو بأمره أو بغير أمره فليرجع عليه بما اشترى به على ما أحب أو كره لأنه فداء قال فى العتبية يؤخذ بذلك وان كثر وان كان أضعاف قيمته شاء أو أبى.
قال فى كتاب محمد فإن لم يكن له شئ اتبع به فى ذمته، ولو كان له مال وعليه دين فالذى فداه واشتراه من العدو وأحق به من غرمائه الى أن يبلغ ما أدى فيه لأن ذلك فداء له ولماله كما لو فديت ماله من اللصوص أو فديت دابته من ملتقطها أو متاعا له أو اكتريت عليه فليس لربه أخذه ولا لغرمائه حتى يأخذ هذا ما أدى فيه.
قال ابن المواز ولو وهبه العدو هذا الحر المسلم لم يرجع عليه بشئ الا أن يكافئ عليه فانه يرجع بما كافأه بأمره أو بغير أمره.
قال عبد الملك والحر الذمى كالمسلم.
قال ابن بشير وإذا أوجبنا الرجوع رجع بمثل ما فداه ان كان له مثل أو قيمته ان كان مما لا مثل له وعلى الملئ والمعدم.
قال محمد ان لم يكن له شئ اتبع به فى ذمته
والقياس كما قال ابن رشد أن فداء أسير لا مال له بغير أمره ليس له أن يتبعه بما فداه به، لأن ذلك انما يتعين على الإمام وعلى جميع المسلمين.
وظاهر الروايات خلاف ذلك، وهو بعيد
قال اللخمى إن اشترى من بلد الحرب حرّا كان له أن يتبعه بالثمن.
والقياس أن يأخذ ما افتداه به من بيت المال،
فان لم يكن فعلى جميع المسلمين، وهذا هو
стр. 6048
المذهب، لأن فداءه كان واجبا على الإمام من بيت المال. فإن لم يكن فعلى جميع المسلمين أن يفتدوه قال مالك ذلك على جميع الناس ولو بجميع اموالهم وإذا كان ذلك واجبا عليهم أبدا وهو ببلد الحرب كان لمن أتى به أن يرجع بذلك الفداء على من كان يجب عليه وهو بأرض الحرب قبل أن يفتدى.
قال ابن بشير من افتدى مسلما ولا مال له أو قصد الفادى الصدقة أو كان الفداء من بيت المال لم يرجع عليه، فان كان له مال وافتداه من يريد الرجوع عليه فهل له ذلك؟ نصوص المذهب له الرجوع.
قال ابن بشير وقد نزل بعض المتأخرين الرجوع ونفيه على أحوال فإن كان الأسير لا يرجى خلاصه إلا بما بذل فيه وجب الرجوع بالفداء ولو كان المبذول أضعاف القيمة، وإن كان يرجو الخلاص بالهروب أو بالترك فلا يرجع عليه وإن كان يرجو الخلاص بدون ما بذل فيه وجب الرجوع بالقدر الذى يرجى به الخلاص ويسقط الزائد قال ابن حبيب ومن فدى من أحد الزوجين صاحبه يريد: أو ابتاعه فلا رجوع له عليه إلا أن يكون قد فداه بأمره أو يفديه وهو غير عارف فليتبعه بذلك فى عدمه وملائه، قاله ابن القاسم ومالك وسبيل فداء القريب بقريبه سواء كان ممن يعتق عليه أو ممن لا يعتق عليه سبيل الزوجية إذا فداه وهو يعرف أنه لا يرجع عليه وأما إن فداه وهو لا يعرفه فإن كان ممن يعتق عليه لم يرجع عليه وإن كان ممن لا يعتق عليه رجع عليه فأما إن فداه بأمره فإنه يرجع عليه سواء كان ممن يعتق عليه أو ممن لا يعتق عليه، وإن أشهد أحد الزوجين يفتدى صاحبه أن ذلك ليرجع عليه رجع بذلك قولا واحدا.
قال سحنون: كل من لا يرجع عليه فى الهبة فلا يرجع عليه فى هذا، وان أشهد أنه يفديه ليرجع فيكون ذلك له وإن كان أبا أو ابنا، لأنه لم يشتره لنفسه وانما قصد الافتداء ولم يقصد الهبة لما شرط الرجوع إلا أن يكون الأب فقيرا فلا يرجع عليه لأنه كان مجبرا على أن يفتديه كما يجبر على النفقة عليه وهو فى الافتداء آكد.
وجاء فى (١) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير: أنه يجوز فداء أسير المسلمين بالأسرى الكفار فى أيدينا الذين شأنهم القتال اذا لم يرضوا إلا بذلك لأن قتالهم لنا مترقب، وخلاص الأسير محقق.
وقيده اللخمى بما اذا لم يخش منهم، وإلا حرم، وجاز الفداء بالخمر والخنزير على الأحسن.
وصفة ما يفعل فى ذلك أن يأمر الامام أهل الذمة بدفع ذلك للعدو ويحاسبهم بقيمة ذلك مما عليه من الجزية فإن لم يمكن ذلك جاز شراؤه للضرورة.
ولا يرجع الفادى المسلم بعوض الخمر والخنزير اشتراه أو كان عنده على مسلم ولا ذمى أيضا لوجوب إراقته على المسلم أن كان عنده.
وكذا إن اشتراه على ما جزم به بعضهم.
стр. 6049
وفى جواز فداء الأسير المسلم بالخيل وآلة الحرب قولان إذا لم يخش بهما الظفر على المسلمين، وإلا منع اتفاقا، والقولان لابن القاسم وأشهب.
فالمنع لابن القاسم، والجواز لأشهب، والخلاف فى الفداء بالخيل وآلة الحرب عند امكان الفداء بغيرهما، وإلا تعينت قولا واحدا قاله شيخنا
ثم قال: وأجبر السيد فى ام الولد اذا (١) بيعت أو قسمت بعد تقويمها جهلا بها على أخذها بالثمن الذى بيعت به أو قومت به فى المقاسم وإن كان أضعاف قيمتها إذا كان مليئا واتبع به أن أعدم
وأما لو قسمت بأنها أم ولد لمسلم فيأخذها ممن اشتراها من المغنم مجانا ولا يتبع بشئ.
ومحل وجوب الفداء إلا أن تموت هى أو سيدها قبل الحكم عليه بالفداء فلا شئ عليه فى موتها، لأن القصد من الفداء تخليص الرقبة وقد تعذر بموتها ولا فى تركته إن مات، لأنها تصير حرة بموته والفداء ليس دينا ثابتا عليه وإنما لتخليص الرقبة وقد فات وذلك بأن يموت أحدهما قبل العلم بها أو بعده وقبل الحكم عليه بالفداء.
وأما لو مات أحدهما بعد الحكم بالفداء وجب الفداء بدفع الثمن وللسيد فداء معتق لأجل ومدبر بيعت خدمتها أو ذاتهما جهلا بهما فيرجعان لحالهما الأول من التدبير أو العتق لأجل، وله تركهما للمشترى أو لمن وقع فى سهمه جهلا بهما مسلما لخدمتهما الى الأجل فى الأول والى استيفاء ما أخذه به فى الثانى، فإن مات المدبر، بكسر الباء، وهو السيد قبل الاستيفاء لما قوّم به واشترى به فحر إن حمله الثلث واتبع بما بقى كمسلم أو ذمى قسما جهلا بحالهما ولم يعذرا فى سكوتهما على الإخبار بحالهما بأمر من صغر أو بلاهة أو عجمة فيتبعان بما وقع به فى القسم مع الحكم بحريتهما اتفاقا فإن عذرا بأمر مما مر لم يتبعا بشئ وإن حمل الثلث بعض المدبر عتق ذلك البعض ورق باقيه لمن هو بيده ولا خيار للوارث فيما رق منه بين إسلامه وفدائه بما بقى من ثمنه الذى اشترى به وهذا إذا بيعت رقبته لاعتقاد رقه.
وأما لو بيعت خدمته للعلم بتدبيره فله الخيار، لأن المشترى لم يدخل على أنه لم يملك رقبته بخلاف الجناية من المدبر يسلمه سيده للمجنى عليه، ثم يموت السيد وثلثه يحمل بعضه، فإن وارثه يخير فيما رق منه بين إسلامه رقا للمجنى عليه وفدائه بما بقى عليه من الجناية. وإن أدى المكاتب الذى بيعت رقبته جهلا بحاله أو قسمت كذلك ثمنه لمبتاعه أو آخذه فعلى حاله يرجع مكاتبا.
وأما لو بيعت كتابته فأداها خرج حرّا
وأما لو بيع مع العلم بحاله فلا يتبع بشئ وإلا بأن عجز عن الأداء فقن مطلقا سواء أسلم لصاحب الثمن أو فداه السيد بالثمن الذى اشترى به من المقاسم أو دار الحرب.
ثم قال (٢) والأرجح فى المال المفدى من لص ونحوه كمحارب وغاصب وظالم من كل مال أخذ
стр. 6050
من صاحبه بغير رضاه ولم يمكن الوصول اليه الا بالفداء أخذه بالفداء الذى يفدى به مثله عادة اذا لم يفده ليتملكه فإن أمكنه خلاصه بلا شئ أو بدون ما دفع أخذه فى الأول بلا شئ كما لو فداه ليتملكه وفى الثانى بما يتوقف خلاصه عليه عادة.
ومقابل الأحسن أخذه بلا شئ مطلقا لأن اللص ليس له شبهة ملك بخلاف الحربى.
ثم قال (١): والإمام مخير فى الأسرى قبل قسم الغنيمة بقتل أو منّ أو فداء أو ضرب جزية عليهم أو استرقاق.
وهذه الوجوه بالنسبة للرجال المقاتلة وأما النساء والذرارى فليس فيهم إلا الاسترقاق أو الفداء
وفى التاج والإكليل (٢): قال ابن يونس عن سحنون من فدا خمسين أسيرا ببلد الحرب بألف دينار وفيهم ذوى العذر وغيره والملئ والمعدم، فان كان العدو قد عرف ذا العذر منهم وشحوا عليه فيقسم عليهم الفداء على تقارب أقدارهم، وإن كان العدو جهل ذلك فذلك عليهم بالسوية وكذلك إن كان منهم عبيد فهم سواء والسيد مخير بين أن يسلمهم أو يفديهم والقول للأسير فى الفداء أو بعضه ولو لم يكن فى يده سمع عيسى ابن القاسم من فدا أسيرا من بلد الحرب وقدم به فقال الأسير ما فدانى بشئ أو قال بشئ يسير وقال الآخر بكثير فالأسير مصدق فى الوجهين كان مما يشبه ما قال الأسير أو لا يشبه يريد مع يمينه، لأن مالكا قال:
لو قال لم يفدنى أصلا لصدق مع يمينه إلا أن يأتى الآخر ببينة قال ابن القاسم وإن كان هو أخرجه من أرض الحرب انتهى من نقل ابن يونس قال ابن رشد قول ابن القاسم أن القول قول المفدى أشبه قوله أو لم يشبه ليس على أصولهم
والذى يأتى على أصولهم اذا اختلفا فى مبلغ الفدية أن يكون القول قول المفدى إذا أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه كان القول قول الفادى ان أتى بما يشبه، وإن أتى بما لا يشبه أيضا حلفا جميعا وكان للفادى ما يفدى به مثله من ذلك المكان وكذلك ان نكلا.
وان نكل أحدهما وحلف الآخر كان له ما حلف عليه وإن لم يشبه، لأن صاحبه قد أمكنه من دعواه بنكوله.
وقال سحنون: القول قول الفادى إذا كان الأسير بيده وجاز بالأسرى المقاتلة.
قال عن سحنون والأخوين وأصبغ يفدى الأسرى بأسرى الكفار القادرين على القتال ما لم يرضوا إلا به.
قال اللخمى عن أصبغ ما لم يخش بفدائه ظهورهم على المسلمين.
قال سحنون ولا بأس أن يفدى بصغار أطفالهم إذا لم يسلموا وبالذمى إذا رضى الذمى وكانوا لا يسترقونه.
стр. 6051
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (١): أن من أمن أسيرا لم يصح الأمان، لأنه يبطل ما ثبت للإمام فيه من الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء.
وإن قال كنت أمنته قبل الأسر لم يقبل قوله، لأنه لا يملك عقد الأمان فى هذه الحال فلم يقبل إقراره به.
وإن أسر امرأة حرة أو صبيا حرا رق بالأسر، لأن رسول الله ﵌ قسم سبى بنى المصطلق واصطفى صفية من سبى خيبر وقسم سبى هوازن، ثم استترلته هوازن فنزل واستنزل الناس فنزلوا.
وإن أسر حر بالغ من أهل القتال فللإمام أن يختار ما يرى من القتل والاسترقاق والمن والفداء، فإن رأى القتل قتل، لقول الله ﵎:
«فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ٢»﴾. ولأن رسول الله ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة من المشركين من قريش، مطعم بن عدى، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط.
وقتل يوم أحد أبا عزة الجمحى، وقتل يوم الفتح ابن خطل، وإن رأى المن عليه جاز
لقول الله : «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً» (٣)
ولأن النبى ﵌ منّ على أبى عزة الجمحى، ومنّ على ثمامة الحنفى، ومنّ على أبى العاص بن الربيع، وإن رأى أن يفادى بمال أو بمن أسر من المسلمين فادى به.
لقول الله ﵎ «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً»
وروى عمران بن الحصين رضى الله تعالى عنه أن النبى ﵌ فادى أسيرا من عقيل برجلين من أصحابه أسرهما ثقيف، وإن رأى أن يسترقه، فإن كان من غير العرب نظرت، فإن كان ممن له كتاب أو شبه كتاب استرقه، لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال فى قوله «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ٤» وذلك يوم بدر، والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا، واشتد سلطانهم، أمر الله فى الأسارى «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً».
فجعل الله للنبى ﷺ والمؤمنين فى أمر الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا استعبدوهم وإن شاءوا فادوهم.
فإن كانوا من عبدة الأوثان ففيه وجهان:
أحدهما وهو قول أبى سعيد الإصطخرى أنه لا يجوز استرقاقه لأنه لا يجوز إقراره على الكفر بالجزية فلم يجز الاسترقاق كالمرتد.
والثانى أنه يجوز، لما رويناه عن ابن عباس
стр. 6052
رضى الله تعالى عنهما، ولأن من جاز المن عليه فى الأسر جاز استرقاقه، كأهل الكتاب.
وان كان من العرب ففيه قولان:
قال فى الجديد يجوز استرقاقه والمفاداة به، وهو الصحيح، لأن من جاز المن عليه والمفاداة به من الأسرى جاز استرقاقه كغير العرب.
وقال فى القديم: لا يجوز استرقاقه، لما روى معاذ رضى الله تعالى عنه أن النبى ﵌ قال يوم حنين: لو كان الاسترقاق ثابتا على العرب لكان اليوم وإنما هو أسر وفداء.
فإن تزوج عربى بأمة فأتت منه بولد فعلى القول الجديد الولد مملوك، وعلى القول القديم الولد حر ولا ولاء عليه لأنه حر من الأصل.
ولا يختار الإمام فى الأسير من القتل والاسترقاق والمن والفداء إلا ما فيه الحظ للإسلام والمسلمين، لأنه ينظر لهما فلا يفعل إلا ما فيه الحظ لهما، فإن بذل الأسير الجزية وطلب أن تعقد له الذمة وهو ممن يجوز أن تعقد له الذمة ففيه وجهان:
أحدهما أنه يجب قبولها كما يجب إذا بذل وهو فى غير الأسر وهو ممن يجوز أن تعقد لمثله الذمة.
والثانى: أنه لا يجب لأنه يسقط بذلك ما يثبت من اختيار القتل والاسترقاق والمن والفداء
وان قتله مسلم قبل أن يختار الإمام ما يراه عزر القاتل لا فتياته على الإمام، ولا ضمان عليه، لأنه حربى لا أمان له.
وإن أسلم حقن دمه لقول رسول الله ﵌ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها».
وهل يرق بالإسلام أو يبقى الخيار فيه بين الاسترقاق والمن والفداء؟
فيه قولان:
أحدهما أنه يرق بنفس الإسلام، ويسقط الخيار فى الباقى، لأنه أسير لا يقتل، فرق كالصبى والمرأة.
والثانى: أنه لا يرق بل يبقى الخيار فى الباقى لما روى عمران بن الحصين رضى الله عنه أن الأسير العقيلى قال: يا محمد إنى مسلم ثم فاداه برجلين ولأن ما ثبت الخيار فيه بين أشياء إذا سقط أحدهما لم يسقط الخيار فى الباقى، ككفارة اليمين إذا عجز فيها عن العتق.
فعلى هذا إذا اختار الفداء لم يجز أن يفادى به إلا أن يكون له عشيرة يأمن معهم على دينه ونفسه.
وإن أسر شيخ لاقتال فيه ولا رأى له فى الحرب.
فإن قلنا أنه يجوز قتله فهو كغيره فى الخيار بين القتل والاسترقاق والمن والفداء.
وإن قلنا لا يجوز قتله فهو كغيره إذا أسلم فى الأسر وقد بيناه.
وان فاداه بمال كان للغانمين وإن أراد أن يسقط منهم شيئا من المال لم يجز الا برضا الغانمين.
وجاء فى نهاية المحتاج: انه لو أسر المحاربون مسلما حرا أو قنا فالأصح وجوب النهوض اليهم وجوب عين كما اقتضاه كلامهم لخلاصه أن توقعناه
стр. 6053
ولو احتمالا فى الأوجه أولى إذ حرمة المسلم أعظم وعند العجز عن خلاصه يندب افتداؤه بالمال.
ومن قال لكافر أطلق هذا الأسير وعلى كذا فأطلقه لزمه ولا رجوع له به على الأسير ما لم يأذن له فى فدائه فيرجع عليه وإن لم يشرط له الرجوع.
ولو اضطررنا (١) لبذل مال لفداء أسرى يعذبونهم أولا لإحاطتهم بنا وخفنا استئصالهم لنا وجب بذله.
ولا ينافى ذلك قولهم يندب فك الأسرى، لأن محله فى غير المعذبين إذا أمن من قتلهم وإذا أسرت طائفة مسلما ومروا به على المسلمين المكافئين لهم فى القوة فيجب مبادرتهم الى فكه بكل وجه ممكن، إذ لا عذر لهم فى تركه حينئذ (٢).
مذهب الحنابلة:
جاء فى المغنى (٣): أن من أسر من أهل الحرب على ثلاثة أضرب:
أحدها: النساء والصبيان فلا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقا للمسلمين بنفس السبى، لأن رسول الله ﵌ نهى عن قتل النساء والولدان.
والثانى: الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يقرون بالجزية فيخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء: القتل، والمن بغير عوض، والمفاداة بهم، واسترقاقهم
والثالث: الرجال من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يقر بالجزية فيتخير الامام فيهم بين ثلاثة أشياء:
القتل، أو المن أو المفاداة، ولا يجوز استرقاقهم.
وعن أحمد جواز استرقاقهم.
ودليلنا على جواز المن والفداء قول الله ﵎: «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً ٤»﴾.
وأن رسول الله ﵌ منّ على ثمامة بن آثال وأبى عزة الشاعر، وأبى العاص بن الربيع.
وفادى أسارى بدر وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا كل رجل منهم بأربعمائة.
وفادى يوم بدر رجلا برجلين وصاحب العضباء برجلين.
وأما القتل فلأن النبى ﵌ قتل رجال بنى قريظة.
وهذه قصص عمت واشتهرت وفعلها النبى ﷺ مرات، وهو دليل على جوازها، ولأن كل خصلة من هذه الخصال قد
стр. 6054
تكون أصح فى بعض الأسرى، فان منهم من له قوة ونكاية فى المسلمين وبقاؤه ضرر عليهم فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذى له مال كثير ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأى فى المسلمين يرجى إسلامه بالمن عليه أو معونته للمسلمين بتخليص أسراهم والدفع عنهم، فالمن عليه أصلح، ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح والإمام أعلم بالمصلحة فينبغى أن يفوض ذلك اليه.
وإن أسلم (١) الأسير صار رقيقا فى الحال وزال التخيير وصار حكمه حكم النساء، لأنه أسير يحرم قتله فصار رقيقا، كالمرأة إلا أنه لا يفادى به ولا يمن عليه إلا بإذن الغانمين، لأنه صار مالا لهم.
ويحتمل أن يجوز المن عليه، لأنه كان يجوز المن عليه مع كفره فمع إسلامه أولى، لكون الإسلام حسنة يقتضى إكرامه والإنعام عليه لا يمنع ذلك فى حقه ولا يجوز رده إلى الكفار إلا أن يكون له ما يمنعه من المشركين من عشيرة أو نحوها.
وانما جاز فداؤه لأنه يتخلص به من الرق.
فأما إن أسلم قبل أسره فقد حرم قتله واسترقاقه والمفاداة به سواء أسلم وهو فى حصن أو جوف أو مضيق أو غير ذلك، لأنه لم يحصل فى أيدى الغانمين بعد.
ثم قال (٢) فى المغنى: فأما النساء والصبيان فيصيرون رقيقا بالسبى.
ومنع أحمد من فداء النساء بالمال، لأن فى بقائهن تعريضا لهن للإسلام لبقائهن عند المسلمين
وجوز أن يفادى بهن أسارى المسلمين.
لأن النبى ﵌ فادى بالمرأة التى أخذها من سلمة بن الأكوع ولأن فى ذلك استنقاذ مسلم متحقق إسلامه فاحتمل تفويت غرضية الإسلام من أجله ولا يلزم من ذلك احتمال فواتها لتحصيل المال.
فأما الصبيان فقال أحمد لا يفادى بهم، وذلك لأن الصبى يصير مسلما بإسلام سابيه فلا يجوز رده إلى المشركين.
وكذلك المرأة إذا أسلمت لم يجز ردها إلى الكفار بفداء ولا غيره، لقول الله تعالى: «فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ٣»، ولأن فى ردها اليهم تعريضا لها للرجوع عن الإسلام واستحلال مالا يحل منها.
وان كان الصبى غير محكوم بإسلامه كالذى سبى مع أبويه لم يجز فداؤه بمال. وهل يجوز فداؤه بمسلم؟ يحتمل وجهين.
ثم قال (٤) واذا سبى المشركون من يؤدى إلينا الجزية ثم قدر عليهم ردوا الى ما كانوا عليه ولم يسترقوا وما أخذه العدو منهم من مال أو رقيق رد اليهم إذا علم به قبل أن يقسم ويفادى بهم بعد أن
стр. 6055
يفادى بالمسلمين.
ويجب فداء أسرى المسلمين اذا أمكن وبهذا قال عمر بن عبد العزيز.
وثبت أن رسول الله ﵌ قال: «أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العانى».
وروى سعيد بإسناده عن حبان بن جبلة أن رسول الله ﵌ قال: «إن على المسلمين فى فيئهم أن يفادوا أسيرهم ويؤدوا عن غارمهم «وروى عن النبى ﷺ »:
«أنه كتب كتابا بين المهاجرين والأنصار أن يعقلوا معاقلهم وان يفكوا عانيهم بالمعروف».
وفادى النبى ﵌ رجلين من المسلمين بالرجل الذى أخذه من بنى عقيل.
وفادى بالمرأة التى استوهبها من سلمة بن الأكوع رجلين.
واذا خلى الكفار (١) الأسير واستحلفوه على أن يبعث اليهم بفدائه أو يعود اليهم نظرت، فإن أكرهوه بالعذاب لم يلزمه الوفاء لهم برجوع ولا فداء لأنه مكره لهم فلم يلزمه ما أكره عليه لقول رسول الله ﵌: «رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا على».
وان لم يكره عليه وقدر على الفداء الذى التزمه لزمه أداؤه، لقول الله ﵎: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ»﴾.
ولما صالح النبى ﵌ أهل الحديبية على رد من جاءه مسلما وفى لهم بذلك وقال «إنا لا يصلح فى ديننا الغدر».
ولأن فى الوفاء مصلحة للأسارى وفى الغدر مفسدة فى حقهم، لأنهم لا يأمنون بعده والحاجة داعية اليه فلزمه الوفاء به كما يلزمه الوفاء بعقد الهدنة، ولأنه عاهدهم على أداء المال، فلزمه الوفاء به كثمن المبيع، والمشروط فى عقد الهدنة فى موضع يجوز شرطه.
فأما إن عجز عن الفداء نظرنا.
فان كان المفادى امرأة لم ترجع اليهم ولم يحل لها ذلك، لقول الله : «فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ» الآية (٢).
وإن كان رجلا ففيه روايتان:
إحداهما: لا يرجع أيضا، لأن الرجوع إليهم معصية فلم يلزم بالشرط كما لو كان امرأة وكما لو شرط قتل مسلم أو شرب خمر.
والثانية: يلزمه لما ذكرنا فى بعث الفداء، ولأن النبى ﷺ قد عاهد قريشا على رد من جاءه مسلما ورد أبا بصير وقال «إنا لا يصلح فى ديننا الغدر» وفارق رد المرأة فإن الله ﵎ فرق بينهما فى هذا الحكم حين صالح النبى ﷺ قريشا على رد من جاءه منهم مسلما، فأمضى الله ذلك فى الرجال، ونسخه فى النساء.
стр. 6056
مذهب الظاهرية:
جاء فى المحلى (١): أنه لا يحل فداء الأسير المسلم إلا بمال أو بأسير كافر.
ولا يحل أن يرد صغير سبى من أرض الحرب اليهم لا بفداء ولا بغير فداء لأنه قد لزمه حكم الإسلام بملك المسلمين له فهو وأولاد المسلمين سواء ولا فرق.
ومن كان أسيرا (٢) عند الكفار فعاهدوه على الفداء وأطلقوه فلا يحل له أن يرجع اليهم ولا أن يعطيهم شيئا.
ولا يحل للامام أن يجبره على أن يعطيهم شيئا
فإن لم يقدر على الإطلاق إلا بالفداء ففرض على المسلمين أن يفدوه إن لم يكن له مال يفى بفدائه قال الله ﵎: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» (٣).
وأخذ الكافر أو الظالم ماله فداء من أبطل الباطل، فلا يحل إعطاء الباطل ولا العون عليه، وتلك العهود والأيمان التى أعطاهم لا شئ عليه فيها لأنه مكره عليها اذ لا سبيل له الى الخلاص إلا بها ولا يحل له البقاء فى أرض الكفر وهو قادر على الخروج.
وقد قال رسول الله ﵌ «رفع عن آمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
وهكذا كل عهد أعطيناهم حتى نتمكن من استنقاذ المسلمين وأموالهم من أيديهم فإن عجزنا عن استنقاذه إلا بالفداء ففرض علينا فداؤه، لخبر رسول الله ﵌ الذى رويناه من طريق أبى موسى الأشعرى: «أطعموا الجائع وفكوا العانى» وهو قول أبى سليمان.
مذهب الزيدية:
جاء فى شرح الأزهار (٤): أنه يجوز مبادلة أسرى أهل الحرب ولو كثروا بأسرانا ولو كان أسيرنا واحدا بلا خلاف.
قال أبو طالب بن يحيى ولا يجوز فك أسراهم من أيدينا بالمال اذا بذلوه قياسا على بيع السلاح والكراع منهم، لئلا يستعينوا به، وهذا أبلغ.
قال مولانا ﵇ والصحيح للمذهب جواز ذلك، لقول الله ﵎: «فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً ٥»﴾.
ولفعله ﵌ فى أسرى بدر، وربما كان فى أخذ المال للمسلمين من القوة ما هو أبلغ من حبس المشرك وربما كان نفع المال للمسلمين أكثر من نفع الرجل لقومه.
стр. 6057
وقد حمل كلام أبى طالب على أنه لا مصلحة للمسلمين فى ذلك.
وكلام أهل المذهب حيث المصلحة حاصلة جمعا بين الكلامين، وهذا أقرب والله أعلم.
وقيل يحرم أيضا رد الأسير من المشركين بالمن عليه أو مفاداته بعوض، ذكر ذلك أبو طالب والقاضى زيد.
قال مولانا ﵇ والصحيح خلاف ذلك وهو أنه يجوز رده الا لمصلحة وهو خاص فى الأسير، لفعله ﵌.
وجاء فى التاج (١) المذهب أنه يجوز أن يغتنم المسلمون من الكفار المحاربين نفوسهم من الذكور والأناث الصغار والكبار إذا قهروا وكان الاستيلاء عليهم وأسروا فى الحرب فإنهم يصيرون بذلك سبيا فى أيدى المسلمين يملكونهم إذا أمر الامام بالاسترقاق وذلك بعد أن يثبت عنده بمشاورة أهل الحل والعقد من ذوى الرأى أن المصلحة فيه أرجح.
وكذا أم ولد المسلم وكذا أم ولد الذمى اذا كان قد استولى عليها المشركون ثم أسلم من هى فى يده فى دار الحرب فإنه لا يستقر ملكه عليها باسلامه فيردها، لكن لا يجب عليه ردها بلا عوض بل بالفداء يسلمه له سيدها الأول، وله حبسها حتى يستوفى الفداء، ويعان من بيت المال ان لم يكن له شئ
فان لم يكن فى بيت المال شئ سلمت له أم الولد بقى فداؤها دينا فى ذمة مستولدها ولا سعاية هنا عليها، لأنه لم ينفذ عتقها ولا حصل منها جناية توجب السعاية.
والمدبر الذى دبره المسلم ثم استولى عليه كافر فى دار الحرب ثم أسلم ذلك الكافر، فإنه لا يحصن المدبر بإسلامه عن أن يرده بل يجب عليه رده لمدبره من المسلمين بالفداء كأم الولد سواء بسواء، وأم الولد والمدبر يعتقان معا فى يد المشرك بموت السيد الأول وهو المستولد والمدبر.
وسواء مات قبل إسلام الثانى أم بعده، ولا يلزمه فداؤهما، ولا سعاية عليهما لو مات قبل إسلام الحربى الذى صار فى يده لأنه لم يكن قد لزمه الفداء له، وأما المكاتب الذى كاتبه مسلم ثم استولى عليه كافر فإن الكافر اذا أسلم لم يلزمه رده لمكاتبه المسلم بفداء ولا غيره، ولا ينقض عقد المكاتبة، لكنه يعتق بالوفاء بمال الكتابة يدفعه للآخر، أى لسيده الكافر، لأنه قد ملكه فإن عجز نفسه ملكه الكافر. وأعتقت أم الولد أو المدبر أو المكاتب الذى استولى عليهم الكافر. ووجب أن يكون ولاؤهم للأول من السيدين وهو المسلم أصالة، لأن حريتهم وقعت من جهته إلا أن ينجز عتقهم الآخر كان الولاء له إذا كان قبل الإسلام فى غير المكاتب، وأما هو فيعتق مطلقا، سواء أعتقه قبل الإسلام أو بعده، والوجه فيه أن عقد الكتابة لم ينفسخ.
стр. 6058
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية (١): إن أسر المسلمون الذكور البالغين قتلوهم حتما إن أخذوهم والحرب قائمة إلا أن يسلموا فيسقط قتلهم.
ويتخير الإمام حينئذ بين استرقاقهم والمن عليهم والفداء، وقيل يتعين المن عليهم هنا لعدم استرقاقهم حال الكفر فمع الإسلام أولى، وفيه أن عدم استرقاقهم حال الكفر إهانة ومصير إلى ما هو أعظم منه لا إكرام لهم فلا يلزم مثله بعد الإسلام، ولأن الإسلام لا ينافى الاسترقاق، وحيث يجوز قتلهم يتخير الإمام تخير شهوة بين ضرب رقابهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وتركهم حتى يموتوا أن اتفق وإلا أجهز عليهم، وأن أخذوا بعد أن وضعت الحرب أوزارها أى أثقالها من السلاح وغيره لم يقتلوا، ويتخير الإمام فيهم تخير نظر ومصلحة بين المن عليهم والفداء لأنفسهم بمال حسب ما يراه من المصلحة والاسترقاق، كتابيين أو غير كتابيين وحيث تعتبر المصلحة لا يتحقق التخيير إلا مع اشتراك الثلاثة فيها على السواء وإلا تعين الراجح واحدا كان أم أكثر وحيث يختار الفداء أو الاسترقاق، فيدخل ذلك فى الغنيمة كما دخل من استرق ابتداء فيها من النساء والأطفال.
وجاء فى شرائع الإسلام (٢): أنه لو سبيت امرأة فصولح أهلها على إطلاق أسير فى يد أهل الشرك فأطلق لم يجب إعادة المرأة ولو أعتقت بعوض جاز ما لم يكن استولدها مسلم.
قال: وإذا خرقوا الذمة فى دار الإسلام (٣) كان للإمام ردهم إلى مأمنهم.
وهل له قتلهم واسترقاقهم ومفاداتهم؟
قيل: نعم وفيه تردد.
واذا أسلم بعد خرق الذمة قبل الحكم فيه سقط الجميع عدا القود والحد واستعادة ما أخذ.
ولو أسلم بعد الاسترقاق أو المفاداة لم يرتفع ذلك عنه.
واذا خلى المشركون (٤) أسيرا على مال يوجهه اليهم وأنه إن لم يقدر على المال يرجع اليهم فإن قدر على المال لم يلزمه إنفاذه وإن لم يقدر عليه لم يلزمه الرجوع بل لا يجوز له ذلك.
وقال أبو هريرة والنخعى والحسن البصرى والترمذى والزهرى والأوزاعى عليه إنفاذ المال إن قدر، وإن لم يقدر لا يلزمه الرجوع.
وقال الأوزاعى إن لم يقدر على المال يلزمه الرجوع، «ودليلنا أن الأصل براءة الذمة وإيجاب المال، والرجوع يحتاج إلى دليل.
وأما الرجوع اليهم وإعطاء المال إياهم فظاهر الفساد، لأنه اذا كان بينهم يلزمه الخروج، فكيف
стр. 6059
يجب عليه الرجوع، وفى إعطاء المال إياهم تقوية للكفار وذلك باطل.
مذهب الإباضية:
جاء فى شرح النيل (١): أن للامام وللمسلمين بعد اثخان بقتل محاربيهم وتوهين شوكتهم وقوتهم أسرهم لفداء أو استعباد لبيع وخدمة وغير ذلك
ولا يقتلون بعد أخذ الفداء منهم ولا يستخدمون بعده
وإن تبين أنهم ممن لا يؤخذ منهم مال وقد أخذ الإمام أو غيره مالهم أو تبين أنه لا يجوز فداؤهم وقد أخذ عنهم كأن تبين أنهم موحدون أو ذميون قد ضربت عليهم الجزية أو قوتلوا بلا تقدم دعوة رد لهم ما أخذ منهم.
ورخص فى فداء أسرى المسلمين بهم ولو لغير قومهم من المشركين بأن يكون أسرى المسلمين فى يد قومهم أو فى يد مشركين آخرين غير قومهم فيفادونهم بهم وأما إن يعطوهم لمشركين غير قومهم بمال فذلك مكروه، لأنه كالبيع والعبد لا يباع لمشرك، وسواء فى ذلك كله الرجال والنساء والأطفال والبلغ ولهم أن يقبلوا المال من غير قومهم ويطلقوهم ولا يمكنوهم منهم.
وكيفية الفداء أن تعطى الفدية مرة واحدة أو تعطى منجمة على أيام أو شهور أو سنين.
حكم الافتداء فى الصوم
مذهب الحنفية:
جاء فى بدائع الصنائع (٢): أن من الأعذار التى تبيح فطر شهر رمضان مع الفدية كبر السن الذى لا يقدر معه على الصوم حتى يباح للشيخ الفانى أن يفطر فى شهر رمضان، لأنه عاجز عن الصوم وعليه الفدية عند عامة العلماء.
وذلك أن أصحاب رسول الله ﵌ رأوا وجوب الفدية على الشيخ الفانى فكان ذلك اجماعا منهم.
والمراد من قوله تعالى «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ» (٣). هو الشيخ الفانى.
أما على إضمار حرف لا فى الآية على تقدير لا يطيقونه.
وأما على إضمار كانوا أى وعلى الذين كانوا يطيقونه أى الصوم ثم عجزوا عنه فدية طعام مسكين.
وإنما كانت الفدية لأن الصوم لما فاته فقد مست الحاجة إلى الجابر وتعذر جبره بالصوم فيجبر بالفدية ويجعل الفدية مثلا للصوم شرعا فى هذه الحالة للضرورة كالقيمة فى ضمان المتلفات، كذلك من الاعذار المبيحة للفطر حمل المرأة.
стр. 6060
مذهب المالكية:
جاء فى الحطاب (١): أن الفدية تكون للإفطار من عطش وللشيخ الهرم الكبير الذى لا يقدر على الصوم بوجه من الوجوه.
وأما الذى يقدر عليه فى زمن دون زمن فيؤخر للزمن الذى يقدر فيه على الصوم ولا قائل فى المذهب بأنه يطعم.
وجاء فى التاج (٢) والإكليل نقلا عن الرسالة أنه يستحب للشيخ الكبير اذا أفطر أن يطعم
وقال الباجى لا اطعام عليه، واستحبه سحنون.
وقال ابن عرفة ضعف بنية الصحيح وشيخوخته كالمريض.
وجاء فى حاشية الدسوقى (٣) على الشرح الكبير أنه ندب فدية وهى الكفارة الصغرى مد عن كل يوم لهرم وعطش بكسر الطاء أى لا يقدر واحد منهما على الصوم فى زمن من الأزمنة
فان قدر فى زمن ما أخر اليه ولا فدية، لأن من عليه القضاء لا فدية عليه.
وللمرضع التى تخاف على نفسها أو ولدها من الصوم ثلاثة أحوال على المشهور من مذهب مالك:
حال لا يجوز لها فيه الفطر والاطعام، وهو ما اذا قدرت على الصوم ولم يجهدها الارضاع، ولم يحصل لولدها ضرر بسببه.
وحال يجوز لها فيه الفطر والاطعام، وهى ما اذا جهدها الارضاع، ولم تخف على ولدها أو خافت عليه حدوث مرض أو زيادته ولم يمكنها الارضاع.
وحال يجب عليها فيها الفطر والاطعام وهى ما اذا لم يمكنها الارضاع وخافت على ولدها شدة الأذى (٤).
مذهب الشافعية:
جاء فى المهذب (٥): ومن لا يقدر على الصوم بحال وهو الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم والمريض الذى لا يرجى برؤه فإنه لا يجب عليهما الصوم، لقول الله ﵎ «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (٦)
وفى الفدية قولان:
أحدهما لا تجب لأنه أسقط عنهما فرض الصوم فلم تجب عليهما الفدية كالصبى والمجنون.
والثانى: يجب عن كل يوم مد من طعام وهو الصحيح، لما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى